قال سيبويه: " اعلم أنّها إذا كانت في موضع اسم مبتدإ أو اسم مبني على مبتدإ أو في موضع اسم مرفوع غير مبتدإ ولا مبني على مبتدإ، أو في موضع اسم مجرور أو منصوب، فإنّها مرتفعة، وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرّفع فيها وعلّته.
فما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء، كما أنّ ما يعمل في الأفعال فيجزمها أو ينصبها لا يعمل في الأسماء. وكينونتها في مواضع الأسماء ترفعها كما ترفع الاسم كينونته مبتدإ.
فأمّا ما كان في موضع المبتدإ، فقولك: يقول زيد ذاك، وأمّا ما كان في موضع المبني على المبتدإ، فقولك: زيد يقول ذاك.
وأمّا ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبني عليه فقولك: مررت برجل يقول ذاك، وهذا يوم آتيك، وهذا زيد يقول ذاك، وهذا رجل يقول ذاك، وحسبته ينطلق. وهكذا هذا وما أشبهه.
ومن ذلك أيضا: هلا يقول زيد ذاك، فيقول في موضع ابتداء، وهلا لا تعمل في
_________________
(١) البيت منسوب للنابغة الذبياني في ديوانه ٨٩، الخزانة ٧/ ١٩٧، ٩/ ٨، ١٠/ ٤٠٧؛ ابن يعيش ٨/ ١٤٨، ٩/ ١٨، ١٠/ ١١٠؛ وتاج العروس (قدد).
[ ٣ / ١٩٩ ]
اسم ولا فعل، فكأنّك قلت: يقول زيد ذاك، إلا أنّ من الحروف ما لا يدخل إلا على الأفعال التي في مواضع الأسماء المبتدأة، ويكون الحرف أولا قبل الأفعال، وسنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى وقد بيّن فيما مضى.
ومن ذلك أيضا قولهم: ائتني بعد ما يفرغ زيد، وما ويفرغ بمنزلة الفراغ، ويفرغ صلة وهي مبتدإة، وهي بمنزلتها في الذي إذا قلت بعد الذي يفرغ، فيفرغ في موضع مبتدإ؛ لأنّ الذي لا يعمل في شيء، والأسماء بعده مبتدأة.
ومن زعم أنّ الأفعال ترتفع بالابتداء فإنه ينبغي له أن ينصبها إذا كانت في موضع ينتصب فيه الاسم، ويجرّها إذا كانت في موضع ينجرّ الاسم فيه، ولكنّها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم.
ومن ذلك أيضا قولك: كدت أفعل ذاك، وكدت تفرغ، وكدت: فعلت، وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها، وأفعل هاهنا بمنزلتها في كنت، إلا أنّ الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها.
ومثل ذلك: عيسى يفعل ذلك، فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم، كأنّك قلت: كدت فاعلا، ثم وضعت أفعل في موضع فاعل. ونظير هذا في العربية كثير، وسترى ذلك. إن شاء الله. ألا ترى أنك تقول: بلغني أنّ زيدا جاء، ف (أنّ) زيدا جاء كلّه اسم. ويقولون: لو أنّ زيدا جاء لكان كذا، فمعناه: لو مجيء زيد، ولا يقال: لو مجيء زيد.
وتقول في التعجّب: ما أحسن زيدا، ولا يكون الاسم في موضع ذا، فتقول: ما محسن زيدا، ومنه: قد جعل يقول ذاك، كأنك قلت: صار يقول ذاك، فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء. وكأنّهم إنّما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء أنّ معناها ومعنى نحوها تدخله أن، نحو قولهم: خليق أن يقول، وقارب أن يفعل. ويضطرّ الشاعر فيقول: كدت أن أفعل، فلمّا كان المعني فيهنّ ذلك تركوا الأسماء؛ لئلا يكون ما هذا معناه كغيره، وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت؛ لأنه فعل مثله.
وكدت أن أفعل لا يجوز إلا في شعر؛ لأنه مثل كان في قولك: كان فاعلا ويكون فاعلا.
وكأن معنى جعل يقول، وأخذ يقول، قد آثر أن يقول ونحوه، فمن ثمّ منع
[ ٣ / ٢٠٠ ]
الأسماء؛ لأنّ معناها معنى ما لا يستعمل بأن، فتركوا الفعل حين خزلوا أن، ولم يستعملوا الاسم لئلا ينقضوا هذا المعنى ".
قال أبو سعيد: يعني لئلا ينقضوا مقاربة الحال، ومعنى تركوا الفعل أي بقّوه ولم يحذفوه.
قال أبو سعيد: قد ذكرت من مذهب سيبويه أنّ رفع الفعل بوقوعه موقع الاسم، وهذا سبب رفعه.
ووقوعه موقع الاسم عامل غير لفظي، ومنزلته منزلة الابتداء في أنه عامل غير لفظي لا في أنّه يرتفع بالابتداء، والفعل مرفوع سواء كان الاسم الذي وقع الفعل موقعه مرفوعا أو منصوبا أو مخفوضا؛ لأن وقوعه هذا الموقع هو الرافع له. ولو كان إعراب الفعل يتبع إعراب الاسم الذي وقع موقعه صار عامل الاسم عامله، وما يعمل في الاسم لا
يعمل في الفعل، وعامل الفعل لا يعمل في الاسم.
ورأي سيبويه أفعالا ترتفع في مواضع لا يقع فيها الاسم فبيّن أنّ تلك المواضع في الأصل تقع فيها الأسماء، وأنه عرض فيها معان اختاروا من أجلها لزوم الفعل وترك الأصل، فمن تلك المواضع: هلا يقول زيد ذاك، والأصل زيد يقول ذاك، ثم قال قائل: لا يقول زيد ذاك، فينفي يقول، فيحضّض السامع على القول، فيجعل مكان لا هلا، ولمّا كانت هلا وأخواتها للتحضيض ومعناهنّ معنى الأمر ذكر الفعل لئلا يزول معنى التحضيض والأمر، والموضع موضع ابتداء.
ومثل ذلك: ما أحسن زيدا، ما مبتدأة، وأحسن فعل ماض في موضع خبر المبتدإ، وخبر المبتدإ في تقدير اسم؛ لأنه شيء هو المبتدأ، ونحن لا نقول: ما محسن زيدا؛ لأنّ أحسن فعل ماض يدلّ لفظه على استقرار الحسن فيه الذي باستقراره فيه يستحقّ التعجّب، ومحسن لا يدلّ على ذلك، وكذلك لو أن زيدا جاء لكان كذا، معناه: لو مجيء زيد، ولا يستعمل مجيء؛ لأنّ لو تجري مجري إن في الشرط والجواب، فاحتيج في شرطه إلى ذكر فعل يلزمه الشرط كلزومه في إن.
وقوله: ائتني بعد ما يفرغ، ما موصولة ب (يفرغ) ويجوز وصلها بالابتداء والخبر كقولك: ائتني بعد ما زيد أمير، وتكون ما وما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، ك (أن) وما بعدها؛ غير أنّ أن تختصّ بالفعل فلذلك نصبته، وما يليها الاسم المبتدأ والخبر، ويليها الفعل، فلذلك لم تنصب الفعل. وإنما مثّلها سيبويه بالذي في أنّها لا تعمل شيئا كما لا تعمل الذي، وأمّا كدت أفعل ونحو ذلك مما يلزم فيه الفعل فالأصل
[ ٣ / ٢٠١ ]
فيه الاسم، وإنّما ألزموا فيه الفعل لأنّه أريد به الدلالة بصيغة الفعل على زمانه أو مداناته وقرب الالتباس به ومواقعته، فإذا قلت: كدت أفعل كذا، فلست بمخبر أنّك فعلته ولا أنّك عريت منه عري من لم يرمه، ولكنّك رمته وتعاطيت أسبابه حتى لم يبق بينك وبينه شيء إلا مواقعته، فإذا قلت: كدت أفعله فكأنّ أفعله حدّ انتهيت إليه ولن تدخل فيه، فكأنك قلت: كنت مقاربا لفعله وعلى حدّ فعله، ولفظ كدت أفعل أدلّ على حقيقة المعنى وأحضر في اللفظ، ومثله: عسي زيد أن يقوم، ومعناه: عسي زيد القيام؛ لأنّ القيام لا يدلّ على زمان محصّل، فلزموا الفعل الذي يدلّ على الزمان بعينه، وإذا قلت: عسي زيد يقوم- بإسقاط أن- جاز، ويقوم في موضع قائم، ولذلك قيل: (عسي الغوير أبؤسا)، وعسي زيد يفعل، إنّما تريد عسي زيد يفعل فيما يستقبل، وكاد زيد يفعل إنّما يقال لمن هو على حدّ الفعل وليس فيه مهلة، فلمّا كانت كذلك صارت للحال، وكاد وعسي وجعل ونحو ذلك سيعود عليك ذكره في موضعه من أبواب أن أبسط من هذا وأكثر شرحا إن شاء الله.