غير أنّ (إنّ وكان) عوامل فيما بعدهن، والحروف في هذا الباب يحدثن فيما
_________________
(١) البيت ورد منسوبا إلى الأخطل، ابن يعيش ٣/ ١١٥.
(٢) البيت ورد منسوبا لزيد بن عمرو بن نفيل، ابن يعيش ٤/ ٧٦؛ الكتاب، ٢/ ١٥٥.
(٣) عجز بيت سبق تخريجه.
(٤) البيت ورد منسوبا للأعشى في ديوانه ٤٥.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
بعدهنّ من الأسماء ما أحدثت (إنّ وكان) وأشباههما لأنهما من الحروف التي تدخل على المبتدإ والمبني عليه، فلا تغيّر الكلام عن حاله، وسأبين لك كيف ذهب الجزاء فيهنّ إن شاء الله.
فمن ذلك قوله: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وما من يأتينا نأتيه، وأما من يأتينا فنحن نأتيه.
وإنما كرهوا الجزاء هاهنا لأنه ليس من مواضعه، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك، كما لم يجز أن تقول: إنّ إن تأتنا نأتك، فلما صار هذا الباب باب (إنّ وكان) كرهوا الجزاء فيه، وقد يجوز في الشعر أن يجازى بعد هذه الحروف، فيقول: أتذكر إذ من يأتنا نأته، وإنما أجازوه لأنّ (إذ) وهذه الحروف تغير ما دخلت عليه عن حاله قبل أن تجيء بها، فقالوا: ندخلها على من يأتنا نأته، وتغيّر الكلام، كأنا قلنا: من يأتنا نأته، كما أنا إذا قلنا: إذ عبد الله منطلق كأنا قلنا: عبد الله منطلق؛ لأنّ (إذ) لم تحدث شيئا لم يكن قبل تذكرها.
فقال لبيد:
على حين من تلبث عليه ذنوبه يجد فقدها وفي المقام تدابر (١)
ولو اضطر شاعر فقال: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك جاز له، كما كان في (من) وتقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته، فنحن فصلت بين (إذ) و(من)، كما فصل الاسم في كان بين (كان) و(من). وتقول: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه. وإن شئت جزمت لأن الإضمار يحسن هاهنا، ألا ترى أنك تقول: مررت به فإذا أجمل الناس، ومررت به فإذا أيّما رجل. فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت: فإذا هو من يأته يعطه؛ فإن لم تضمر، وجعلت إذا هي لمن، فهي بمنزلة (إذ) لا يجوز فيها الجزم.
وتقول: لا من يأتك تعطه ولا من يعطك تأته من قبل أن (لا) ليست كإذ وأشباهها، لأنها لغو بمنزلة (ما) في قول الله﵎- فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٢) فما بعده كشيء ليس قبله لا، ألا تراها تدخل على المجرور فلا تغيّره عن حاله، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، وتدخل على النصب فلا تغيره عن حاله
_________________
(١) البيت في ديوانه ٢١٧؛ الخزانة ٣/ ٦٤٩؛ الكتاب ٣/ ٧٥.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
تقول: لا مرحبا ولا أهلا، ولا تغير الشيء عن حاله التي كان عليها قبل أن ينفيه، ولا ينفيه مغيّرا عن حاله يعني في الإعراب الذي كان، فصار ما بعدها معها بمنزلة حرف واحد ليست فيه (لا) و(إذا) وأشباهها لا يقعن هذه المواضع، ولا يكون الكلام بعدهن إلا مبتدأ قال ابن مقبل:
وقدر ككفّ القرد لا مستعيرها يعار ولا من يأتها يتدسّم (١)
ووقوع (إن) بعد (لا) يقويّ الجزاء فيما بعد لا.
وذلك قول الرجل: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن قعدنا عندك عرضت علينا، و(لا) لغو في كلامهم.
ألا ترى أنّك تقول: خفت ألّا يقول، ويجري مجرى خفت أن تقول.
وتقول: إن لا تقل أقل، فلا لغو. وإذا وأشباهها ليست هكذا إنما يصرفن الكلام أبدا إلى ابتداء.
وتقول: ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك، جاز هذا وحسن لأنك قد تضمرها هنا كما تضمر في (إذا)، ألا ترى أنك تقول:
ما رأيتك عاقلا ولكن أحمق، فإن لم تضمر تركت الجزاء، كما فعلت ذلك في (إذا) فاصرفه، قال طرفة:
ولست بحلّال التّلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد (٢)
كأنه قال: أنا ولا يجوز في (متى) أن يكون الفعل وصلا لها، كما جاز في (من) و(الذي) وسمعناهم ينشدون قول العجير السلولي:
وما ذاك أن كان ابن عمّي ولا أخي ولكن متى ما أملك الضرّ أنفع (٣)
والقوافي مرفوعة كأنه قال: ولكن أنفع متى ما أملك الضرّ، ويكون أملك على متى في موضع جزاء، وما لغو. لا نجد سبيلا إلى أن يكون بمنزلة (من) فتوصل، ولكنها كمهما.
وأما قول الله﵎-: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ (٤)
_________________
(١) البيت في ديوانه ٣٩٥، الكتاب ٣/ ٧٧.
(٢) البيت في ديوانه ٢٩، الخزانة ٩/ ٦٦، ٦٧؛ الكتاب ٣/ ٧٨.
(٣) البيت في ديوانه، الخزانة ٩/ ٦٦، ٧٠، ٧٣؛ والكتاب ٣/ ٧٨.
(٤) سورة الواقعة، الآيتان: ٩٠، ٩١.
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فإنما هو كقولك: أما غدا فلك ذاك. فحسنت لأنه لم يجزم بها، كما حسنت في قوله:
«أنت ظالم إن فعلت».
وأبو الحسن يراه جوابا لهم جميعا، ولا يجيز ذلك إذا جزم لأنه يخلص الجواب للجزاء.
قال أبو سعيد:
«أما كراهة المجازاة بعد (إذ) ففي لفظ سيبويه ما يدل على أن من قبله كره ذلك، إما من النحويين وإما من العرب، ولعلهم كرهوا ذلك من أجل أن (إذ) اسم للوقت، وكان حقه أن يضاف إلى اسم واحد، وما يضاف إلى اسم واحد لا يقع بعده مجازاة لأنه يجر ما بعده، وموضع المجازاة لا يكون مجرورا بما قبله، وقد مض الكلام في ذلك، ثم أجازه في الشعر لوقوع الاسم المبتدأ والخبر بعده، وبعد ما كان في معناه من أسماء الزمان، وأنشد قول لبيد:
عل حين من تلبث عليه ذنوبه يجد فقدها وفي المقام تدابر (١)
ويروى: تداثر، وهذا مثل، وإنما يصف لبيد مجلسا فاخر فيه القبائل بين يدي بعض الملوك فظهر عليهم وغلبهم وذلك قوله:
وزدت معدّا والعباد وطيّئا وكلبا كما زيد الخماس البواكر (٢)
على حين من تلبث عليه ذنوبه.
أراد شدة الكلام في المجالس، وإن من أبطأت عنه الحجة في الامتحان فقد غلب، ومعنى تداثر: تزاحم وتكاثر، ومعنى تدابر تقاطع، لأن ما هم فيه من الشدة يحملهم على أن لا يلوي الواحد منهم على قرابته ويحمله على أن يقاطعه فإذا كان بعد (إذ) اسم حسن بعد ذلك الاسم المجازاة كقولك: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته، لأن (نحن) في موضع مبتدإ وما بعده خبره، فصار كقولك: زيد من يأته يكرمه، وعلى هذا الوجه استحسن سيبويه مررت به فإذا من يأته يعطه على تقدير فإذا هو من يأته يعطه، وإضمار (هو) كثير بعد إذ مستحسن، كقولك: مررت به فإذا أجمل الناس، ومررت به فإذا أيما رجل على معنى فإذا هو أجمل الناس، وإذا هو أيما رجل، وإن لم تقدّر (هو) بعد إذا قلت مرت به فإذا من يأتيه يعطيه، (من) بمعنى الذي، ويأتيه صلتها، ويعطيه خبرها، وهو بمنزلة (فإذا زيد
_________________
(١) البيت سبق تخريجه.
(٢) البيت ورد منسوبا للبيد بن ربيعة في ديوانه ٢١٦، الخزانة ٩/ ٦٣.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
يعطيك)، واستحسن المجازاة بعد لا كقولك: لا من يأتك تعطه، ولا من يعطك تأته، وكقوله:
ولا من يأتيها يتدسّم (١)
لأن (لا) لا تفصل بين العامل والمعمول فيه في قولك: فمررت برجل لا قائم ولا قاعد.
وقال الشاعر:
ما لقي البيض من الحرقوص يدخل تحت الفلق المرصوص
بمهر لا غال ولا رخيص (٢)
وفي قولك: خفت أن لا يقول، كما تقول: خفت أن تقول، وجعلها لغوا لأنها لا تفصل بين العامل والمعمول فيه كما أنّ (ما) في قول الله﵎-: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (٣) لم تفصل بين الباء وبين رحمة، وقوّى أيضا المجازاة (بمن) بعد (لا) وقوع (إن) بعدها في قولهم:
لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن قعدنا عنك عرضت علينا، وذلك أنها تدخل في الكلام فلا تغيّره عن حده في الإيجاب، لأنه ينفي على ما كان موجبا، كقولك: لا مرحبا ولا أهلا بزيد ولا سلام على بكر، على قولك: مرحبا وأهلا بزيد وسلام على بكر، ولكن بمنزلة (إذا) في حسن إضمار الابتداء بها، فحسنت المجازاة على ذلك التقدير، ألا ترى أنّك تقول: ما رأيتك عاقلا ولكن أحمق، ومنه ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك، ومنه قول طرفة:
ولكن متى يسترفد القوم أرفد (٤)
على تقدير: ولكن أنا متى؛ وقد تقدم قولنا أن متى لا توصل بالفعل ولا تغيّره، كما يوصل الذي، ومن، وما، وأيّهم، لأنه لا يخبر عن (متى) كما يخبر عن هذه الأسماء.
وقوله:
_________________
(١) عجز بيت سبق تخريجه.
(٢) لم تقف عليه فيما أتيح لنا من مصادر.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
(٤) عجز بيت ثم تخريجه.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
متى ما أملك الضّرّ أنفع (١)
تقديره: ولكن أنفع متى ما أملك الضّرّ، وفيه قبح لأنه جزم الشرط، وليس بعده جواب، وقبحه كقبح قولك: أكرمك إن تأتني، وقد ذكرناه، ولا بد لمتى هاهنا من المجازاة، وجزم (أملك) لأنها لا تنصرف إلى مذهب (من) وأخواتها، فيرفع الفعل بعدها صلة لها، وقول الله﷿-: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٢).
تقديره: مهما يكن من شيء فسلام لك من أصحاب اليمين إن كان من أصحاب اليمين، فالفاء وما بعدها جواب
(مهما)، ثم جعلت (أما) في معنى مهما والشرط، وعوّضوا من المحذوف تقديم بعض ما بعد الفاء، وسلام لك مبتدأ وخبر مغن عن إن كما يغني عنه قولك: أنا مكرمك، ويحتمل أن يكون التقدير: مهما يكن من شيء، فإن كان من أصحاب اليمين فسلام، فيكون فاء إن إحداهما لأمّا والأخرى لجواب إن، فلما جعل مكانها أمّا وحذف الشرط وقدّم (إن كان) التقت الفا أن، فأغنت إحداهما عن الأخرى، وهذا يحتمله مذهب أبي الحسن لأنه يجعله جوابا لهما، ولا يحسن جزمه، ولو قلت: وأما إن يكن من أصحاب اليمين لم يحسن لأنّا إن جزمناه وقدرناه بعد سلام لك كانت جازمة لا جواب بعدها، فتأمل ذلك إن شاء الله.