تقول: ما قدم علينا أمير إلا إنّه مكرم لي. لأنه ليس هاهنا شيء يعمل في " إن " ولا يجوز أن تكون " أنّ "، وإنما تريد
أن تقول: ما قدم علينا أمير إلا هو مكرم لي.
فكما لا تعمل في ذا لا تعمل في " أن " شئ ودخول اللام هاهنا يدلك على (ذلك) أنه موضع ابتداء قال الله ﷿: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (٢) ومثل ذلك قول كثير:
ما أعطياني ولا سألتهما إلا وإنّي لحاجزي كرمي (٣)
وكذلك لو قال: إلا وأني حاجزي كرمي، وتقول: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق كأنك قلت إلا لأنك فاسق، وأما قوله ﷿: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ (٤) فإنما حمله على " ما منعهم "، وتقول: إذا أردت معنى اليمين: " أعطيته ما إنّ شره خير من جيد ما معك " " وهؤلاء إن أجبتهم لأشجع من شجعانكم " قال الله ﷿: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٧٦.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٢٠.
(٣) ديوان كثير ٢/ ٦٦، المقتضب: ٢/ ٣٤٥.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٥٤.
[ ٣ / ٣٧١ ]
بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (١) " فإن " صلة لما كأنك قلت: ما والله أن شره خير من جيد ما معك.
قال أبو سعيد: الحال إذا كانت بمبتدأ وخبر جاز بالواو وبغير الواو كقولك: جاء زيد وهو راكب وجاء زيد هو راكب ويجوز دخول " أن " على المبتدأ والخبر كقولك:
جاءني زيد وأنه ليفرق وجاءني زيد وأن أباه ينظر إليه وجاز أيضا إخراج " الواو " من " أن " كقولك: جاءني زيد أن أباه ينظر إليه. وتقع الحال بعد إلا مما قبلها بجملة وغير جملة.
فأما غير الجملة فقولك: ما جاء في زيد إلا راكبا. وما قدم علينا عمرو إلا أميرا.
وأما الجملة فقولك: " ما قدم علينا عمرو إلا هو أمير وإن شئت قلت: " إلا وهو أمير ".
وإن شئت قلت: إلا أنه أمير وإن شئت قلت: إلا وإنه أمير وإدخال اللام في خبر " إن " وإخراجها سواء. وقوله ﷿: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (٢). تقديره: وما أرسلنا أحد من المرسلين. والمعنى: ما أرسلنا المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام.
والبيت الذي أنشده سيبويه. كان أبو العباس المبرد يرده على سيبويه ويقول: تقدير سيبويه في العربية صحيح
ولكنه غلط في معنى الشعر ويرويه:
ألا فإني حاجز كرمي
" إلا التي للتنبيه في أول الكلام " كأن أبا العباس ذهب إلى أنهما ما أعطياه وأنه ما سألهما ثم ابتدأ يصف نفسه بأنه يحجزه عن سؤالهما كرمه. ولو كانت إلا مكسورة وما بعدها كأنا قد أعطياه وسألهما في حال. كما حجزه كرمه.
وهذا لا يجوز عندي: لأن الحاجز من الكرم إنما يحجز عن السؤال وقبول العطية.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن " إلا " أجود لأنها توجب أنهما أعطياه وأنه سألهما وما حجزه كرمه عنده أنه ما عاب أعطاه هما ولا ألح عليهما في مسألته وشعره يدل على ذلك.
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٧٦.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٢٠.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
قال كثير:
دع عنك سلمى إذا فات مطلبهما واذكر خليليك من بني الحكم (١)
ما أعطياني ولا سألتهما إلا وأني لحاجزي كرمي
مبدي الرضا عنهما ومنصرف عن بعض ما لو سألت: لم ألم
لا أنزر المائل الخليل إذا ما اعتل نزر الظؤون لم ترم
إنّي متى لا تكن عطيته عندي بما قد فعلت احتشم
خليلاه من بني الحكم: عبد الملك وعبد العزيز ابنا مروان بن الحكم وكانا يعطيانه ويسألهما مشهور ذلك من فعله وفعلهما فقد تبين في هذه الأفعال ما قلناه. لأن قوله لا أنزر الخليل: لا ألح عليه في المسألة. فينفي عن مسألته ما يفتح من الإلحاح. وقوله:
أني متى لا تكون عطيته عندي بما قد فعلت احتشم
أي: ما لم استوجب عطيته يعني: يمدح له أو غير ذلك من وجود الاستجاب.
واحتشم واستحي من العطية. فقد دل على الإعطاء والسؤال. ولو كان ما قاله أبو العباس لم يكن عطاؤهما ومسألته لهما واقعا البته. ولم تكن الصورة على ذلك.
وإنما فتحت " أنّ " في: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق " لأنها " في موضع اسم مخفوض أو منصوب كأنه قال:
لفسقك. وقوله ﷿: " إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا " في موضع رفع لأنه فاعل " منعهم " كأنه: ما منعهم عن قبول نفقاتهم إلا كفرهم.
وقد مضى من تفسير هذا الباب ما أغني عن إعادته