تقول: إنهم تضرب أو تقتل (تعمل أحدهما) ومن يأتيك أو يحدثك لا يكون هنا إلا " أو " من قبل أنك أنما تستفهم عن المفعول.
وإنما حاجتك إلى صاحبك أن يقول: فلان. وعلى هذا الحد يجري: " متى " و" من " و" كم " و" كيف " و" أين ".
وتقول: هل عندك شعير أو بر أو تمر؟ وهل تأتينا أو تحدثنا؟ لا يكون إلا كذلك وذلك أن " هل " ليست بمنزلة "
ألف " الاستفهام لأنك إذا قلت: هل تضرب زيدا؟ فلا يكون أن تدعي أن الضرب واقع.
وقد تقول: أتضرب زيدا. وأنت تدعي أن الضرب واقع.
[ ٣ / ٤١٩ ]
ومما يدلك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة " هل " أنك تقول للرجل:
" اطربا! " وأنت تعلم أنه قد طرب لتوبخه أو تقرره.
ولا تقول هذا بعد " هل ".
وإن شئت قلت: هل تأتيني أم تحدثني؟ وهل عندك بر أم شعير؟ على كلامين.
وكذلك سائر حروف الاستفهام التي ذكرنا وعلى هذا قالوا: هل تأتينا أم هل تحدثنا؟
قال الججاف بن حكيم:
أبا مالك هل لمتني مذ حضضتني على القتل أو هل لامني لك لائم (١)
وكذلك سمعناه من العرب.
فأما الذين قالوا: أم هل لامني لك لائم: فإنما قالوا على أنه أدركه الظن بعد ما مضى صدر حديثه.
وأما الذين قالوا: " أو " هل فإنهم جعلوه كلاما واحدا.
وتقول: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا؟
وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا؟
فهل ههنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت هل تأتينا؟
وإنما دخلت " هل " هاهنا لأنك إنما تقول: أعلمني كما أردت ذلك حين قلت:
هل تأتينا أو تحدثنا؟ فجرى هذا مجرى قوله ﷿: إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟ (٢).
وقال زهير:
ألا ليت شعري هل يرى النّاس ما أرى من الأمر أو يبدوا لهم ما بدا ليا (٣)
_________________
(١) نسب إلى زفر بن الحارث، والصحيح أنه لجحاف بني حكيم السلمي، وهو كان معاصرا لعبد الملك بن مروان، وغزا تغلب وقتل منهم كثيرين، فاستجاروا بعبد الملك بن مروان فأهدر دمه، فهرب إلى الشام وأقام بها حتى مات عبد الملك ثم تولى ابنه الوليد. انظر طبقات فحول الشعراء: ٤١١، الصناعتين: ٩٣.
(٢) سورة الشعراء، الآيتان: ٧٢، ٧٣.
(٣) انظر الديوان ١٠٦، العقد الثمين: ٥٤.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
وقال مالك بن الريب:
ألا ليت شعري هل تغيّرت الرّحى رحى الحزن أو أضحت بفلج كما هيا (١)
وكذلك سمعناه ممن ينشده من العرب.
وقال ناس: أم أضحت؟ على كلامين كما قال علقمة بن عبدة:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم (٢)
قال أبو سعيد: قولهم: " أيّهم تضرب أو تقتل " قد ادعى السائل أن سوءا من قتل أو ضرب يقع على أحد منهم لا يعرفه بعينه.
فإذا سأل عن ذلك أجيب عن الاسم فقيل له: زيد فيعلم بذلك أن " زيدا " الواقع به السوء. ولا يدري ذلك السوء ما هو؟
فإذا أراد معرفته قال: أتضرب زيدا أم تقتل؟
فأجيب عن الفعل فقيل له: ضرب أو قيل له قتل.
وإذا قيل: من يأتيك أو يحدثك؟ فقد سأله عن اسم يقع منه أحد هذين الفعلين.
فالجواب أن يقول: زيد. فيعرفه بعينه. ثم يسأله عن أحد فعليه كما تقدم في الذي قبله.
وأما قوله: هل عندك شعير أو بر أو تمر؟ فإن " هل " لا تقع بعدها " أم " على مذهب: أيهما؟ كما تقع بعد الألف بمعنى: أيهما؟
وفصل سيبويه بين " الألف " وبين " هل ": بأن ما بعد " هل " لا يكون تقريرا ولا توبيخا لو قلت: هل تضرب زيدا؟
لم يجز أن تدعي وقوع الضرب وتوبيخه عليه وتقريره به كما يقول القائل:
أتضرب زيدا وهل أبوك توبيخا له بذلك فأرى أن مذهب " الألف " أوسع من مذهب " هل " فجاز في الألف من معادلة " أم " ما لم يجز في " هل ".
ويقع بعد " أم " التقرير والتوبيخ كما يقع بعد الألف كقوله ﷿: أَمْ يَقُولُونَ
_________________
(١) الخزانة: ١/ ٣١٩، جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي: ٢٧٨.
(٢) ديوانه: ٤٣.
[ ٣ / ٤٢١ ]
افْتَراهُ (١) على جهة التوبيخ ولا تكون " هل " إلا لاستئناف الاستفهام وهو حرف يجري مجرى أسماء الاستفهام.
وقد يجوز أن تقول: هل عندك شعير أم بر على " أم " المنقطعة وهو استفهام بعد استفهام ومعناه غير خارج من معنى " أو " في هذا الموضع لأنك إذا قلت: " أعندك شعير أو بر "؟ فأنت في التحصيل سائل عن كل واحد منهما شاك فيه طالب لمعرفته بسؤال واحد.
وإذا قلت: أعندك شعير أم بر؟ فأنت سائل عن كل واحد منهما بسؤالين لكل واحد منهما سؤال مفرد وكأنك قلت: أعندك شعير؟ أعندك بر؟
والدليل على ذلك: أنك إذا قلت: أعندك شعير أو بر؟ فالجواب أن يقال: " نعم " أو " لا " فيكون جوابا واحدا عن السؤال بعينه بأسره. كما يجاب عن قولك:
أعندك شعير أم بر؟ أو بر؟ أو قيل: أعندك شعير؟ أعندك بر؟ فلكل سؤال منهما جواب غير جواب الآخر.
ولهذا كان " أو " و" أم " متقاربا معناهما في قوله: " أو هل وأم هل لامنى ".
والذي بينهما من الفرق: أن " أو " من كلام واحد و" أم " من كلامين.
وقوله: " هل تأتينا أو تحدثنا؟ بمنزلة: " هل تأتينا؟ " لأنه سؤال واحد.
فإذا قلت: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا؟ أو: ليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا؟
فكأنك قلت: هل تأتينا؟ وسكت لأنها كلام واحد.
وفي دخول هل في: ليت شعري هل تأتينا؟
أو في: ما أدري هل تأتينا؟ حدوث معنى " أخبرني " أو " أعلمني " كما أن قولك:
هل تأتينا بمعنى أخبرني و" أعلمني ".
والأبيات التي أنشدنا على هذا النحو ومن أنشد شيئا منها " بأم " فهو على كلامين على نحو ما ذكرناه في غير الأبيات.