وذلك قولك: قد قاله القوم حتى أن زيدا يقوله " وانطلق القوم حتى أن زيدا
[ ٣ / ٣٦٨ ]
لمنطلق " فحتى هاهنا معلقة. لا تعمل في " إن " كما لا تعمل إذا قلت: حتى زيد ذاهب فهذا موضع ابتداء و" حتى " بمنزلة " إذا " ولو أردت أن تقول: " حتى أن " في هذا الموضع كنت محيلا. لأن " أن " وصلتها هاهنا بمنزلة " الانطلاق " ولو قلت: " انطلق القوم حتى الانطلاق " " وحتى الخير " كان محالا. لأن " أنّ " تصير الكلام خبرا فلما لم يجز ذا حمل على الابتداء. وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنّه يقول وسمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما
أخبرك به:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا إذا إنه عبد القفا واللهازم (١)
فحال " إذا " هاهنا كحالها إذا قلت: " إذا هو عبد القفا واللهازم " وإنما جاءت " إن " هاهنا لأنك بهذا المعنى أردت كما أردت في " حتى " معنى حتى هو منطلق وإذا قلت: مررت فإذا أنّه عبد. تريد: مررت به فإذا العبودية واللؤم، كأنك قلت: مررت فإذا أمره العبودية واللؤم ثم وضعت " أن " في هذا الموضع جاز.
وتقول: قد عرفت أمورك حتى أنك أحمق كأنك قلت: عرفت أمورك حتى حمقك ثم وضعت " أن " في هذا الموضع. هذا قول الخليل وسألته عن قوله: (هذا حق كما أنك هاهنا) هل يجوز على ذا الحد كما أنك هاهنا؟
فقال: لا. لأن لا يبتدأ بها في كل موضع ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة أنك ذاهب ولا: كيف أنك صانع. و" كما " بتلك المنزلة.
قال أبو سعيد: قوله: وانطلق القوم حتى أن زيدا لمنطلق معناه. وانطلق القوم وزيد منطلق. وهي: " حتى " التي بمعنى: الواو. وتقع بعدها الجمل. ولذلك لم يجز أن تقع بعدها. " أن " مفتوحة. لأنها وما بعدها بمعنى المصدر. ولو قلت: انطلق القوم حتى انطلاق زيد لم يجز لأن ما بعد " حتى " إذا جعلت بمعنى الواو أو جعلت غاية من جنس ما قبلها.
ألا ترى أنك لا تقول: جاءني إخوتك حتى الحمار. وكذلك إذا أردت. " إذا " التي للمفاجأة. لأنها يقع بعدها الابتداء والخبر إلا أنه يجوز بعد. " إذا " الفتح والكسر جميعا.
فالكسر قولك: مررت به فإذا أنه يقول أن زيد خير منك. وكذلك قوله:
_________________
(١) البيت في الخصائص: ٢/ ٣٩٩، ابن يعيش: ٤/ ٩٧، الخزانة: ٤/ ٣٠٣.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
إذا إنّه عبد القفا واللهازم
وكسرها: لأن الابتداء والخبر يقع بعدها.
وفتحها: قولك: خرجت فإذا أنه عبد. على معنى: فإذا أمر العبودية.
فإن قال قائل: لم جاز في " إذا " الفتح والكسر ولم يجز في " حتى " إلا الفتح؟
قيل له: إنما جاز في " إذا " الوجهان لأن ما بعدها يجوز ألا يكون ما قبلها ولا بعضه. ويجوز أن يكون مصدرا وغير مصدر كقولك: " خرجت فإذا زيد قائم "، " وخرجت فإذا صباح زيد ". والذي يقول: " خرجت فإذا زيد قائم ".
ويقول: خرجت فإذا أن زيدا قائم والذي يقول: (خرجت فإذا صياح زيد) يقول: (خرجت فإذا زيد صائح) وحتى إذا لم تكن غاية لا يكون ما بعدها إلا عطفا على قبلها داخلا في معناه ولفظه. فإن قال قائل فإذا كسرتم " إن " بعد " إذا " فما موضع " إذا "؟ وما العامل فيها؟ وقد علمتم أنه لا يعمل خبر " إن " فيما قبل " إن "؟ قيل له: " إذا " حرف دخل لمعنى المفاجأة ولا عمل لها وهي في مذهب حروف العطف فمن حيث دخلت " إن " المكسورة بعد حروف العطف جعل دخولها بعد " إذا " ومن أجل ذلك جاز دخول " الفاء " عليها وخروجها منها.
أما دخولها: فلان " الفاء " للعطف وما بعدها معطوف على ما قبلها كعطف جملة على جملة. " وإذا " للمفاجأة واختصت بالدخول عليها الفاء من بين حروف العطف لأن ترتيب الثاني أن يكون بعد الأول في المعنى.
وأما إسقاط " الفاء " فأن حروف المفاجأة لما وردت بعد الفعل الأول دل على أنه عقيبه. ونظيره: دخول " الواو " على " لكن " في العطف وسقوطها كقولك: ما جاء في زيد لكن عمرو. " وما مررت بزيد لكن عمرو " ويجوز: ولكن عمرو. لأن " لكن " لما دلت على الاستدراك ولم يبتدأ بها أغنت عن حروف العطف.
وأما منعه أن يقال " كما أنك هاهنا " فلأن " أنت " مبتدأ " وهاهنا " خبره وهما جميعا بمنزلة المصدر. وكما يكون الفعل والفاعل مع " ما " بمنزلة المصدر. و" ما " في ذلك حرف وليست باسم وهي كان والفعل بعدها. غير أن " ما " يليها الاسم والخبر والفعل والفاعل " وإن " لا يليها إلا الفعل والفاعل.
وإنما يلي " ما " " إن " إذا كانت بمعنى " الذي " كقوله ﷿: وَآتَيْناهُ مِنَ
[ ٣ / ٣٧٠ ]
الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (١) وإذا كانت بمعنى المصدر لم يدخلها " إن " لأن أصلها أن يكون بعدها فعل وفاعل. والمبتدأ والخبر مجردين من الدواخل عليهما بمنزلة الفعل والفاعل. فلم يدخلوا " إن " من أجل ذلك.
ومن الدليل على أنه يقع المبتدأ والخبر في الموضع الذي لا يقع فيه " إن " قولهم:
" يوم الجمعة أنت ذاهب: وكيف أنت صانع؟ " وإنما جاز " يوم الجمعة أنت ذاهب " لأن الناصب (ليوم) هو " ذاهب " يعمل فيما قبل " أنت " كقولك: يوم الجمعة زيدا ضارب.؟
ولا يجوز زيدا أنك ضارب. وكذلك: " كيف " في موضع نصب على الحال والعامل فيه:
(صانع) فإذا قلت: (أنك صانع بطل) عمل " صانع " فيما قبل " أن ".