فأن مفتوحة تكون على وجوه:
فأحدهما: أن تكون " أن " وما تعمل فيه من الأفعال بمنزلة مصادرها.
والآخر: أن تكون فيه بمنزلة " أي ".
ووجه آخر: تكون فيه مخففة من الثقيلة.
ووجه آخر: تكون فيه لغوا نحو قولك: لما أن جاء وأما والله أن لو فعلت.
وأما أن فتكون للمجازاة وتكون " أن " يبتدأ ما بعدها في معنى اليمين وفي اليمين كما قال الله ﷿: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (١)، ووَ إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٢)، وحدثني عن رجل من أهل المدينة موثوق به أنه سمع عربيا يتكلم بمثل قولك: " أن زيدا لذاهب " وهي التي في قوله ﷿: وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣).
وهذه " أن " محذوفة. وتكون بمنزلة " ما " قال الله ﷿: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٤).
وتصرف الكلام إلى الابتداء كما صرفتها " ما " إلى الابتداء وذلك قولك:
ما أن زيد ذاهب. قال الشاعر:
وما إن طبنا جين ولكن منايانا ودولة آخرينا (٥)
_________________
(١) سورة الطارق، الآية: ٤.
(٢) سورة يونس، الآية: ٣٢.
(٣) سورة الصافات، الآيتان: ١٦٧، ١٦٨.
(٤) سورة الملك، الآية: ٢٠.
(٥) الخزانة: ٢/ ١٢١، الكتاب: ٢/ ٣٠٥، الهمع: ١/ ١٢٣، الحماسة البصرية: ٢/ ٤١٦.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
قال أبو سعيد: أما " أن " الداخلة على الأفعال فتنصب المستقبل منها وتكون معها بمنزلة المصدر فهي تدخل على الماضي والمستقبل كقولك: " أعجبني أن دخلت الدار ". و" تعجبني أن تزورنا " ولا تقع للحال. وقد ذكرت في غير موضعها.
وأما " أن " التي بمعنى " أي " فهي نائبة عن القول وتأتي بعد فعل في معنى القول وليس بقول. كقولك: كتبت إليك أن قم. تأويله: قلت لك: قم. ولو قلت لك: أن قم لم يجز. لأن القول يحكي ما بعده. ويؤتى بما بعده باللفظ الذي يجوز وقوعه في الابتداء.
وما كان في معنى القول وليس بقول فهو يعمل وما بعده ليس كالكلام المبتدأ وهذا الوجه في " أنّ " لم يعرفه الكوفيون ولم يذكروه. وعرفه البصريون وذكروه. وسموه " أن " التي للعبارة وحملوا عليه قوله ﷿: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا (١)، وفي تقديره وجهان:
أحدهما: انطلقوا. فقال بعضهم لبعض " امشوا واصبروا " وذلك أنهم انصرفوا عن مجلس دعاهم فيه النبي صلّى
الله عليه وسلّم إلى التوحيد لله ﷿ وترك الآلهة دونه وصار " انطلق الملأ منهم " لما اضمروا القول بعده بمعنى: فعل يتضمن القول نحو: كتب واشباهه.
والوجه الآخر: أن يكون " انطلقوا " بمعنى " تكلموا " كما يقال: انطلق زيد في الحديث كأن خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق.
ويقال في " امشوا " أي: اكثروا ونموا. والمشاء: النماء. وأمشيت الماشية ماشية.
وأهل الكوفة جعلوا " أن " في موضع نصب بإسقاط الخافض وهو " الباء " كأنه قال:
وانطلقوا بالمشي وحقيقته: أي قال بعضهم لبعض " أمشوا " وقد ذكر كونها بعض الثقيلة وأحكامها وزيادتها.
وأما " أن " المخففة التي للإيجاب فهي مخففة عن الثقيلة فإن بقيت أعمالهم لم يحتج إلى " اللام " كما لا يحتاج في الثقيلة كقولك: أن زيدا قائم وإن شئت أدخلت اللام فقلت:
أن زيدا لقائم ولا تدخل إلا على اسم وخبر.
وإن خففتها ولم تعملها لزمت " اللام " فيما بعدها للدلالة على الفرق بينها وبين " أن " في معنى الجحد ودخلت على الاسم والفعل فالاسم كقولك: أن زيد لذاهب والفعل
_________________
(١) سورة ص، الآية: ٦.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
أن قام لزيد ومنه قوله ﷿: إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١)، وقوله ﷿:
وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (٢).
وأهل الكوفة يذهبن في " أن " إلى أنها بمعنى " ما " وفي اللام إلى أنها بمعنى " ألا " وتأولوا قول الشاعر:
شلت يمينك إن قتلت لمسلما وجهت عليك عقوبة المتعمّد (٣)
إلى أن معناه: ما قتلت إلا مسلما.
قال أبو سعيد:
هذا التقدير وإن كان يصح معناه هذا الموضع فحقيقة الكلام أن اللام دخلت على التوكيد ولزمت للفصل بينها وبين " أن " التي بمعنى " ما " ولا نعلم " اللام " تستعمل بمعنى " إلا " ولو جاز ذلك جاز أن تقول: " جاءني القوم لزيد " بمعنى: إلا زيدا.
مذهب سيبويه أن دخول " أن " بعد " ما " يبطل عمل " ما " في قول أهل الحجاز وبهذا يرد قول أبي العباس المبرد: "
أن " وحدها لو دخلت على اسم وخبر لعملت كعمل (ما) نحو أن زيد قائما فلو كانت تعمل وحدها لما أبطلت عمل " ما " بل كانت تؤكد عملها.
وأهل الكوفة يذهبون إلى أن " أن " إذا دخلت على " ما " وهما حرفا جحد ترادفا على الجحد كما يترادف حرفا التوكيد على الشيء كقولهم " أن زيدا لقائم ".
وأهل البصرة يجعلون " أن " بعد " ما " زائدة لأنها لو لم تكن زائدة كانت جحد وجحد الجحد إيجاب وليس التوكيد بجحد.
وجعل سيبويه إبطال " أن " لعمل " ما " في قول أهل الحجاز كإبطال " ما " عمل " أن " في قولك: " أنما زيد أخوك " لأن كل واحدة منهما أبطلت عمل ما قبلها وصار ما بعدها مبتدأ وخبرا.
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ١٠٨.
(٢) سورة الصافات، الآيتان: ١٦٧، ١٦٨.
(٣) البيت لعاتكة بنت زيد ترثي زوجها الزبير بن العوام وقد قتل في موقعة الجمل. الخزانة: ١/ ٢٤، ابن يعيش: ٨/ ٧١، شواهد المغني للسيوطي: ١/ ٧١، العيني: ٢/ ٤٧٨.
[ ٣ / ٣٨٤ ]