يذكر النحاة أن كل حرف من حروف المعاني يفيد- بطريق الأصالة- معنى أو عدة معان، تعد من لوازم هذا الحرف غالبًا، غير أنه في بعض الأحيان قد يفيد الحرف معنى من المعاني ليس أصلًا في إفادته، وإفادة الحرف معنى يختص به حرف آخر يعد عند بعض العلماء من باب التقارض بينهما، فكأنَّ الحرف الآخر أقرضه هذا المعنى، وربما عدَّه بعضهُم من باب نيابة الحرف مكان الحرف الآخر، وهذه مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين فالبصريون يرون (أن أحرف الجر لا ينوب بعضها عن بعض بقياس، كما أن أحرف الجزم وأحرف النصب كذلك، وما أوهم ذلك فهو عندهم محمول على ما يلي:
١- إما مؤول تأويلًا يقبله اللفظ، كما قيل في قوله تعالى ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه: ٢٠) إنَّ (في) ليست بمعنى على، ولكن شبِّه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحالِّ في الشيء.
[ ٥٩ / ٢٦٥ ]
٢- وإمَّا على تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بذلك الحرف، كما ضمَّن بعضهم (شربن) في قول أبي ذؤيب الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت
متى لحج خضر لهنَّ نئيج ١
٣- وإمّا على شذوذ إنابة كلمة عن أخرى:
وقد ذهب الكوفيون إلى جواز نيابة الحرف عن الحرف أي أن يقترض الحرف من الحرف الآخر معناه.
أما المالقى فقد وقف بين الفريقين موقفًا وسطًا حيث قال:
"إن نيابة الحرف مكان الحرف الآخر موقوفة على السماع، لأن الحروف لا يوضع بعضها موضع بعض قياسًا إلا إذا كان معناهما واحدًا ومعنى الكلام الذي لا يدخلان عليه واحدًا " ٢.
وغير خاف أن مذهب الكوفيين بعيد عن التكلف والتعسف ومن ثم فهو جدير بالإتباع لذا سوف نسوق أمثلة متنوعة لبعض الحروف التي تفيد معاني أصيلة ومعاني أخرى غير أصيلة اقترضتها من الحروف الأخرى.
[ ٥٩ / ٢٦٦ ]