[ ١ / ٢٣٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
باب الكتب في الظهور وكراهة كثرة الدعاء على العنوان
٦٩٨- يستعمل ذلك من لا يتعمل له، وربما اعتذر بعضهم في ذلك، وربما جاء أحسن من الاعتذار، كما كتب بعضهم إلى آخر في ظهر، ووقع في آخره:
كتبت إليك في ظهر تفاؤلًا أن يظهرك الله على عدوك.
٦٩٩- وكتب آخرى:
تعذر قرطاسي وفي الظهر بلغةٌ وأنت كريمٌ تقبل العذر فاعذر
٧٠٠- وكتب آخر إلى أخ له في ظهر، فأجابه في ظهر، وكتب في رأسه إليه:
فأول راضي سنةً من يسيرها
[ ١ / ٢٣٤ ]
٧٠١- فأما ما يحكى عن موسى بن أبي العباس الناشئ فقبيحٌ محظورٌ.
حكي عنه أنه كان إذا احتاج إلى ظهر أمر مناديًا، فنادى: من له مظلمةٌ؟ فإذا اجتمعت القصص، قال لكاتبه: شأنكم بها.
٧٠٢- وكان بعضهم يقول: أخذ القرطاس والظهر مورثٌ للعداوة.
٧٠٣- كما حكي عن العباس بن يزيد بن ثوبان، أنه كان إذا مس له قرطاسٌ قال: أبق على المودة، فإنك إن أخذت منها سحاءةً تعادينا.
٧٠٤- ومما يقبح بفاعله: ما روي عن حمزة بن نصير أنه دخل عليه وبيده نصف طومار، وهو منكمشٌ، يكتب ويقطع، فقيل له في ذلك، فقال: شكا إلي الوكيل بأنه محتاجٌ إلى ظهور، فأنا مذ غدوة أعمل له ظهورًا.
٧٠٥- وكذا ما حكي عن العباس بن عبيد بن أخي زيد بن عبد الله أنه كان يتأنق في القراطيس، ثم يمشق فيها، ويباعد بين سطوره، ويكتب بمثل الأعدال ليري الناس أنه متملكٌ في خطه عظيم السلطان في كتبه.
٧٠٦- ومتقدمو الكتاب ينكرون كثرة الدعاء على العنوان ويستقبحونه.
[ ١ / ٢٣٥ ]
باب كتبهم سلامٌ عليك في أول الكتاب وفي آخره والسلام عليك ولم قدموا السلام على الرحمة
٧٠٧- المستعمل أن يكتب في أول الكتاب: «سلامٌ»؛ لأنه لما ابتدئ به ولم يتقدمه ما يكون به معرفةً وجب أن يكون نكرةً.
٧٠٨- والمستعمل في آخر الكتاب «والسلام عليك» لأنه مشارٌ به إلى الأول. وقال الله ﷿: ﴿كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا. فعصى فرعون الرسول﴾ .
٧٠٩- وإنما قدم السلام على الرحمة لأن السلام اسمٌ من أسماء الله ﷿، قال الله جل ثناؤه: ﴿السلام المؤمن المهيمن﴾ والسلام أيضًا السلامة، والسلام الجنة، قال الله جل وعز: ﴿لهم دار السلام﴾ ويجوز أن يكون المعنى: لهم دار الله ﷿، أو دار السلامة؛ وقد يكون السلام جمع سلامة، فلتصرف السلام كان كان تقديمه أولى.
[ ١ / ٢٣٦ ]
باب العلة في ترتيبهم «أطال الله بقاءك» في أول الدعاء، ولم أتبعوه: «وأدام عزك» دون غيره والذي أوجب أن يكون «وتأييدك» أجل من «وأعزك»؛ ولم كان «وأعزك» أجل من «وأكرمك»، وكراهة من كره «وجعلني فداك»
٧١٠- اعتل قومٌ في اصطلاحهم على تقديم «أطال الله بقاءك» في أول الدعاء بعلتين، فمنهم من قال: هو أجل الدعاء؛ لأن العز وما بعده إنما ينتفع به مع طول البقاء.
وقال قومٌ: هو أفخم الدعاء، فلذلك قدموه وأتبعوه «وأدام عزك» لأنه إذا أديم عزه كان محوطًا مصونًا، غالبًا لعدوه، آمنًا غنيًا؛ وأتبعوه «وتأييدك» لأن معناه، وزاد مما دعوت به لك، وأصله من أيده الله، أي: قواه؛ «وسعادتك» أصله من المساعدة، أي: تساعد على ما تريد، وهذا كله أجل من «وأكرمه» لأنه قد يكرمه ولا يساعده.
وقد قيل: إنه كان «وأعزك» جليلًا، ثم حدث «وتأييدك» .
٧١١- فأما كراهة من كره «وجعلني فداك»، فقد ذكرناه في باب مكاتبة الفقهاء والأدباء، ومن أجازه احتج بأشياء قد ذكرنا منها ما فيه كفايةٌ.
[ ١ / ٢٣٧ ]
٧١٢- وقد احتج بعضهم بما صح عن رسول الله ﷺ من قوله: «ارم فداك أبي وأمي» .
وقال حسان:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
باب ذكر «أما بعد» وما معناها
٧١٣- روى زكريا، عن الشعبي، أن زيادًا قال: إن فصل الخطاب الذي أعطي داود ﵇ «أما بعد» .
٧١٤- قال أبو جعفر: وروى أبو بردة، عن أبي موسى، قال: أول من قال «أما بعد» داود النبي صلى الله عليه، وهو فصل الخطاب.
٧١٥- وزعم ابن الكلبي أن أول من قال «أما بعد» قس بن ساعدة.
٧١٦- وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: أول من قال: «أما بعد» كعب ابن لؤي، وهو أول من سمى يوم الجمعة يوم الجمعة، وكان يقال له: العروبة.
٧١٧- وقد روي عن ابن عباس أن فصل الخطاب «أما بعد» .
[ ١ / ٢٣٨ ]
٧١٨- وقال مجاهد وكعبٌ: فصول الخطاب الشهود والأيمان.
٧١٩- وقال الحسن: هو الفهم في القضاء.
٧٢٠- وقال الضحاك: هو العلم بالقضاء.
٧٢١- وقال شريحٌ: فصل الخطاب الشهود على المدعي واليمين على المدعى عليه.
٧٢٢- وقال أبو عبد الرحمن السلمي: لما أمر داود ﵇ بالقضاء انقطع به، فقيل له: سلهم البينة واستحلفهم. قال: وفصل الخطاب الخصوم.
٧٢٣- وسمعت أبا إسحاق يسأل عن معنى «أما بعد» وذكر قول سيبويه: معناها: مهما يكن من شيء؛ قال أبو إسحاق: إذا كان رجلٌ في حديث وأراد أن يأتي بغيره، قال: أما بعد.
٧٢٤- وهذا الذي قاله أبو إسحاق هو الذي عليه النحويون، ولهذا لم يجيزوا في أول الكلام «أما بعد»، لأنها إنما ضمت لما حذف منها مما يرجع إلى ما تقدم، وسنشرح هذا في المرتبة التي نذكر فيها النحو، إن شاء الله.
[ ١ / ٢٣٩ ]