قال أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي:
١- الحمد لله الواحد المجيد، القوي الشديد، المبدئ المعيد؛ ذي العزة والسلطان، والرحمة والامتنان؛ الذي تواضع كل شيء لعظمته، واستسلم الخلق لقدرته؛ أحمده على النعماء، وأشكره على الشدة والرخاء؛ مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قديرٌ؛ الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم؛ وصلى الله على محمدٍ عبده المرسل بالحجة والبرهان، والنور والفرقان؛ داعيًا إلى الحق وشاهدًا على الخلق، وعلى آل محمدٍ وسلم تسليمًا.
٢- فلم يزل صلى الله عليه يصدع بما أمر به ويجاهد في سبيله محتسبًا صابرًا، يحض على الطاعة والعلم كما حدثنا أبو سعدٍ محمد بن يحيى، يعرف بالرهاوي، قال: حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان، قال: حدثني، أبي، عن أبيه، قال: حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، قال: أتيت صفوان بن عسالٍ المرادي، فقال لي: ما أقدمك؟ قلت: التماس العلم؛ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع» وذكر الحديث.
[ ١ / ٢٧ ]
٣- قال أبو جعفر: ومن العلم صناعة الكتاب، وقد وهم من زعم أن أحكام الكتابة مباينةٌ لأحكام الشريعة، لأن ذلك مخالفٌ لما يوجبه الدين والعقل، لأن الكتابة فرعٌ من فروع الشريعة، والشريعة أصلٌ، والكتابة سياسةٌ للملك، والملك لا قوام له إلا بالدين، فقد تبين أن الكتابة فرعٌ من فروع الدين، وما كان فرعًا لشيءٍ لم يباينه، وأحكام الكتابة ملائمةٌ لأحكام الشريعة. والدليل على ذلك أن مسلمًا لو أحيا أرضًا مواتًا كان حكم الفقيه والكاتب فيها سواءً؛ وكذلك في ما يخرج من الزكاة من العشر ونصف العشر، وكذا حكم الصدقات من الإبل والبقرة والغنم، وكذا الحكم في الركاز والفيء والغنائم. وقد ألزم بعض الناس الكاتب أشياء يعجز عنها، وترك أشياء يحتاج إليها، وإنما أدوات الكتابة: الخط، والبلاغة، والعلم بترتيب أعمال الدواوين، والخبرة بمجاري الأعمال، والدربة بوجوه استخراج الأموال مما يحل ويسع. فهذه الآلات ليس لواحدٍ منها حيزٌ بذاته ولا انفرادٌ باسمه يخصه، وإنما هو جزءٌ من الكتابة وداخلٌ في أركانها.
٤- فأما الفقه والفرائض وصناعة الحساب والعلم بالنحو، فكل واحدٍ منها منفردٌ على حدته وإن كان الكاتب محتاجًا إلى أشياء منها، نحو ما يكتب بالألف والياء وإلى شيءٍ من المقصور والمدود.
[ ١ / ٢٨ ]
٥- ولو كلف الكاتب ما ذكره من ذكره لجعل الأصعب طريقًا إلى الأسهل، والأشق مفتاحًا للأهون؛ وفي طباع الناس النفار عن ما ألزمهم من جميع هذه الأشياء. على أن بعض الناس قد ترك كل ما قال وأغفل كل ما يحتاج إليه، وجهل ما يجب عليه، حتى صار يعيب العلم وأهله، ويستصغر الأدب وأصله، وهذا كما حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول: من أمل رجلًا هابه، ومن جهل شيئًا عابه.
٦- قال أبو جعفر: وهو في هذا الفعل مخالفٌ لله ﷿ ولرسوله ﷺ وللصحابة ﵃ وللتابعين ﵏ والحكماء.
قال الله جل وعز: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، وقال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، وقال جل ذكره: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا﴾، وقال ﷿: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ .
٧- وقرئ على عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، عن شريك بن سعيدٍ، قال: حدثنا أبو بكر ابن عياش، عن سعيد بن عبد الكريم، عن أبي عمار، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: «طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ، وطالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر» .
٨- قال: وحدثني شريكٌ قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر،
[ ١ / ٢٩ ]
قال: «إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى العلم حتى يكون لله» .
٩- وحدثني محمد بن أيوب بن حبيب، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان [الثوري]، عن حبيب ابن أبي ثابت: «طلبت هذا العلم زمانًا وما أريد به الله، فنفعني الله به بعد» .
١٠- وحدثني محمد بن أيوب، قال: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: حدثنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا مسعر بن كدام، وروي عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «من غدا يطلب العلم صلت عليه الملائكة، وبورك له في معيشته، ولم ينتقص في رزقه، وكان مباركًا عليه» .
١١- قال أبو جعفرٍ: ولو كان من لا يحسن يمسك عن الطعن على من يحسن لكان أقرب لعذره كما قرئ على علي بن سعيد بن بشير، عن أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدثنا محمد بن منصورٍ؟؟؟ قال: حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، أنه قال: كفى بك شرًا أن لا تكون صالحًا وتطعن على الصالحين، وكفى بك خائنًا أن لا تكون خائنًا وأنت أمينٌ للخائنين.
١٢- ويروى عن أبي الدرداء، قال: اطلبوا العلم، فإن عجزتم عنه
[ ١ / ٣٠ ]
فأحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم.
١٣- قال أبو جعفر: ولو لم يلحق من فعل هذا إلا أنه ينسب به إلى الجهل الذي يغضب منه كل أحدٍ ويكون من الهمج الرعاع كما قال عليٌ صلى الله عليه: الناس ثلاثةٌ: عالمٌ ربانيٌ، ومتعلمٌ على سبيل نجاةٍ، وهمجٌ رعاعٌ.
والهمج: البعوض، أي: هو بمنزلة البهائم.
١٤- حدثنا محمد بن الحسن البخاري، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح، قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن عرعرة، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري، قال: حدثنا سفيان، عن الأوزاعي، عن كثير بن قيسٍ، عن يزيد بن سمرة، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضاها بما يصنع، وإنه تستغفر له دواب الأرض حتى الحيتان في البحر، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍ وافرٍ» .
[ ١ / ٣١ ]
١٥- قرئ على أحمد بن سعيد الدمشقي، عن إسماعيل بن يحيى المزني في فضل العلم، قال: وإنه قال صلى الله عليه: «يقال يوم القيامة للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف واشفع لمن شئت» .
١٦- وقال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجلٌ آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها» .
١٧- وقال صلى الله عليه: «من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله» .
١٨- وقال ﷺ: «العالم والمتعلم كهذه من هذه -وجمع بين أصبيعه السبابة والتي تليها- شريكان في الأجر، ولا خير في سائر الناس» .
١٩- وقال ﷺ: «اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا لذلك، ولا تكن الخامس فتهلك» .
٢٠- وقال ﷺ: «رددوا المسائل فإن أجر آخرها كأجر أولها» .
٢١- وعن عيسى ﷺ قال: «لا تلق اللؤلؤ إلى الخنزير فإنه لا يصنع به شيئًا، ولا تعط الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خيرٌ من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شرٌ من الخنزير» .
[ ١ / ٣٢ ]
قال المزني: في هذا الحديث معنيان؛ أحدهما: أدبٌ والآخر تمثيلٌ.
٢٢- وعن عمر ﵁ أنه قال: من رق وجهه رق علمه.
٢٣- وعن علي صلى الله عليه [كذا] أنه قال: تعلموا العلم، فإذا تعلمتموه فاكظموا عليه، ولا تخلطوه بضحكٍ ولا بلعبٍ فتمجه القلوب.
٢٤- حدثنا ابن عناز [أو غسان؟؟]، قال: حدثنا أبو الظاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت سفيان يقول في هذه الآية: ﴿وجعلني مباركًا أين ما كنت﴾ قال: معلم الخير.
٢٥- وقال إبراهيم: «لا يتعلم مستكبرٌ ولا مستحٍ» .
٢٦- وقال رجاء بن حيوة: يقال ما أحسن الإسلام ويزينه الإيمان، وما أحسن الإيمان ويزينه التقوى، وما أحسن التقوى ويزينه العلم، وما أحسن العلم ويزنه الحلم، وما أحسن الحلم ويزينه الرفق.
٢٧- وكان عبد الله بن عباس يقول: لصوت فقيهٍ -أو قال عالمٍ- أثقل على إبليس من مئة عابدٍ.
٢٨- وقال مالك بن أنسٍ: إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نورٌ يجعله الله في القلوب.
٢٩- وروى مالك بن أنسٍ أن عيسى صلى الله عليه قال: «تأتي أمة
[ ١ / ٣٣ ]
محمدٍ صلى الله عليه علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء» قال مالكٌ: وأراهم صدر هذه الأمة.
٣٠- قال مالكٌ: إن حقًا على من طلب العلم أن يكون فيه وقارٌ وسكينةٌ وخشيةٌ، وأن يكون متبعًا لأثر من مضى قبله.
٣١- قال أبو جعفرٍ: وقد صار أكثر من مضى يطعن على متعلمي العربية جهلًا وتعديًا، حتى إنهم يحتجون بما يزعمون أن القاسم بن مخيمرة قال: النحو أوله شغلٌ وآخره بغيٌ.
ويحتجون بقول النبي ﷺ: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا» .
وبقول الله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ .
والمحتج بما ذكرنا جاهلٌ بكتاب الله، غالطٌ في معنى حديث رسول الله ﷺ، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ الآية مستثناةٌ.
والحديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا» قال الشعبي: معناه: من الشعر الذي هجي به النبي ﷺ.
ويروى هذا عن عائشة ﵂.
وفيه تأويلٌ آخر، وهو اختيار أبي عبيدٍ، أن معنى امتلاء جوفه من الشعر أن يغلب عليه حتى لا يكون فيه فضلٌ لقراءة القرآن ولا لذكر الله، فأما من كان ناظرًا في القرآن والذكر فلم يمتلئ جوفه شعرًا.
[ ١ / ٣٤ ]
ولولم يكن في هذه الآية إلا قول النبي ﷺ: «إن من الشعر حكمةً» . وقوله لحسان: «يا حسان! أجب عن رسول الله، اللهم أيده بروح القدس» . لكان فيه كفايةٌ.
٣٢- وقد سمع النبي ﷺ الشعر واستحسنه وأثاب قائله، وكذا الصحبة والتابعون، واستشهدوا به في كتاب الله، منهم ابن عباس كما روى أبو داود الطيالسي عن مسمع قال: سمعت عكرمة قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيءٍ من أمر القرآن أنشد فيه شعرًا من أشعارهم.
٣٣- وأما قول القاسم بن مخيمرة، فإن صح فإنه مخالفٌ لقول النبي ﷺ وأصحابه وتابعيه، وما كان كذلك لم يجز لمسلمٍ أن يحتج به. وأيضًا فقوله: أوله شغلٌ وآخره بغيٌ؛ كلامٌ لا معنى له، لأن أول الفقه شغلٌ، وأول الحساب شغلٌ، وآخره بغيٌ، وكذا أوائل العلوم، أفترى الناس تاركين العلوم من أجل أن أولها شغلٌ!؟
وقوله: وآخره بغيٌ، إن كان يريد به أن صاحب النحو إذا حذقه صار فيه زهوٌ واستحقر من يلحن، فهذا موجودٌ في غيره من العلوم من الفقه وغيره في بعض الناس، وإن كان مكروهًا.
وإن كان يريد بالبغي التجاوز في ما لا يحل فهذا كلامٌ محالٌ، لأن النحو إنما هو لتعلم اللغة التي نزل بها القرآن، وهي لغة النبي صلى الله عليه وكلام أهل الجنة وأهل السماء؛ كما قال مقاتل بن حيان: كلام أهل السماء العربية.
[ ١ / ٣٥ ]
٣٤- وفي الحديث: «أحبوا العربية لثلاثٍ: لأني عربيٌ، والقرآن عربيٌ، وكلام أهل الجنة عربيٌ» .
٣٥- والأحاديث عن النبي صلى الله عليه والصحابة والتابعين في فضل العربية كثيرةٌ. فمن ذلك ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» .
٣٦- وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى: أما بعد؛ فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية.
٣٧- وقال أبي بن كعبٍ: تعلموا العربية كما تعلمون حفظ القرآن.
٣٨- وكان عبد الله بن عمر يضرب ولده على اللحن.
٣٩- وقال رجلٌ للحسن: يا أبا سعيدٍ! والله ما أراك تلحن؛ فقال: يا ابن أخي! إن سبقت اللحن.
٤٠- وقال مورقٌ: تعلموا النحو والفرائض، فإنه من دينكم.
٤١- وسئل يزيد بن هارون عن معنى اللحن، فقال: اللغة.
٤٢- وكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى: مر من قبلك بتعلم العربية فإنه يدل على صواب الكلام، ومرهم برواية الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق.
٤٣- ومر الحسن بقومٍ يتعلمون العربية، فقال: أحسنوا، يتعلمون
[ ١ / ٣٦ ]
لغة نبيهم ﷺ.
٤٤- وإن الحسن قال: من لحن في القرآن فقد كذب على الله.
٤٥- وقال هشام بن عروة: خرج علينا أبي يومًا ومعلمنا يعلمنا النحو، فلما خرج أبي أسكتنا المعلم، فجلس أبي، فقال للمعلم: مرهم فليتعلموا، فما أحدث أحدٌ مروءةً هي أعجب إلي من النحو.
٤٦- وقال الزهري: ما أحدث الناس مروءةً هي أعجب إلي من الفصاحة.
٤٧- وقال الخليل بن أحمد: لحن أيوب [السختياني]، فقال: أستغفر الله.
٤٨- وقال شعبة: تعلموا العربية، فإنها تزيد في العقل.
٤٩- وقال قتادة: لا أسأل عن عقل رجلٍ لم يدله عقله على أن يتعلم من العربية ما يصلح لسانه.
٥٠- وقال عمر ﵁: تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة.
٥١- وقال ﵁: تعلموا إعراب القرآن كما تعلمون حفظه.
٥٢- قال أبو جعفر: وقد كان الكتاب فيما مضى أرغب الناس في علم النحو وأكثرهم تعظيمًا لأهله، حتى دخل فيهم من لا يستحق هذا الاسم، فصعب عليه باب العدد، فعابوا من الإعراب الحساب. وبعد
[ ١ / ٣٧ ]
عليهم معرفة الهمزة التي تنضم وينفتح ما قبلها، أو تختلف حركتها وحركة ما قبلها، فكتبوا: «يقرأوا» بزيادة واوٍ لا معنى لها، ولم يفرقوا بين ذوات الياء وذوات الواو، ولا بين الواو التي يثبت بعدها ألفٌ وبين الواو التي لا يثبت بعدها ألفٌ، فكتبوا: «فلان يرجوا» كذا بألفٍ لا معنى لها، وكتبوا: «جاءني مسلموا القرية» بألف بعد الواو ولا يجوز إثباتها، ولم يفرقوا بين ما يكتب بالياء إذا انفصل وإذا اتصل فكتبوا إحداهما بالياء، فجاؤوا بما لا يجوز عند أحدٍ من النحويين، وكتبوا «عن من» موصولًا، وكذلك «عن ما» بمعنى الذي، ولم يفرقوا بين «ما» إذا كانت بمعنى الذي وإذا كانت زائدة توكيدًا، واصطلحوا على ما لا يجوز وعلى الخطإ الفاحش، فصاروا يتطيرون من الصواب إذا كتبه بعضهم، وينكرون على من كتب: ورحمة الله؛ بالهاء؛ جهلًا منهم بأن تأنيث الأسماء بالهاء، وأنه لا فرق بين هذا وبين «جارية زيدٍ» .
٥٣- ولم يكن متقدموهم كذلك، فقد قال عبد الحميد: إن الكتاب قليلٌ والمسمين بالكتاب كثيرٌ، والعلم معينٌ على نفسه من أخذه، فمن أدخل نفسه في الكتاب مصطبرًا على ما ينوبه بالعفاف عن الطمع والتتبع للمعروف، وترك الضجر لأهل الانقطاع، وصبر على النوائب، وحاول جر المنافع إلى الصديق، وأظهر بشره وحسن معاملته فهو الذي احتوى على الكتاب واحتوى الكتاب عليه.
٥٤- وقال: أنتم معاشر الكتاب ذوو الأخطار، من خيار
[ ١ / ٣٨ ]
الخيار، على أيديكم مجاري النعم والنقم، ليس فوقكم رغبةٌ لذي مطلبٍ، فأفضلكم الفاضل، وخيركم الخير، تشهدون ما غاب الناس عنه، خيركم منتظرٌ وشركم مخوفٌ، فليست حالٌ تعدل مكان الكاتب ماخلا ذروة الرياسة، أصول إن صال ولا أنفذ إن قال مقالًا منه، فلتكن أخلاقكم بحيث وضعكم الله من عباده في بلاده، فإنه لا أقبح من كاتب دق نظره وصغر خطره في المعروف أن يبيعه أو يباع له، فاجعلوا إسداء المعروف إلى الناس تجارتكم المربحة.
٥٥- وقد كان عبد الحميد مع بلاغته وعلمه على النهاية من الوفاء لمن صحبه.
٥٦- حكى عمرو بن بحرٍ الجاحظ، أن مروان بن محمدٍ قال لعبد الحميد لما كثرت عليه جيوش أبي مسلمٍ وقوي أمر بني العباس وبلغه قول نصر بن سيارٍ.
أرى خلل الرماد وميض نارٍ ويوشك أن يكون لها ضرام
فقلت من التعجب: ليت شعري أأيقاظٌ أمية أم نيام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها كلام
[فقل] لبني أمية حيث حلوا على الإسلام والعرب السلام
أرى يا عبد الحميد أن تصير إلى هؤلاء القوم فتعلمهم أنك آثرت ناحيتهم على ناحيتي، فلعلهم يسكنون إليك، فتدبر لي عليهم؛ فتفكر
[ ١ / ٣٩ ]
عبر الحميد، ثم قال متمثلًا:
أسر وفاءً ثم أظهر غدرةً فمن لي بعذرٍ يشمل الناس واسعه
قال: فتركه مروان ساعةً، ثم رد عليه القول، فقال متمثلًا:
فغدري ظاهرٌ لا شك فيه لطالبه وعذري بالمغيب
فأمسك مروان عنه، وعلم أنه من أهل الوفاء.
٥٧- ومن حسن ما في هذا قول علي بن زيدٍ الكاتب حين استصحبه رجلٌ من الملوك، فقال له عليٌ: أصحبك على ثلاث خلالٍ؛ قال: وما هي؟ قال: لا تهتك لي سترًا، ولا تشتم لي عرضًا، ولا تقبل فيَّ قول قائلٍ حتى تستبرئني. قال: هذه لك، فما لي عندك؟ قال: لا أفشي لك سرًا، ولا أؤخر عنك نصيحةً، ولا أوثر عليك أحدًا؛ قال: نعم الصاحب المصحوب أنت.
٥٨- وقد حكي عن عمرو بن مسعدة على بلاغته وتقدمه في الكتابة ومكانه من الرياسة ومحله من الصناعة أن رجلًا قال له: ما صنعتك؟ فقال له على التبرم: كاتبٌ. قال: من أي الكتاب أنت فإنهم خمسةٌ؟ قال
[ ١ / ٤٠ ]
عمرو: فقلت: أسمهم لي.
قال: كاتب خراجٍ يحتاج إلى أن يكون عارفًا بالطسوج والمساحة والتقسيط خبيرًا بالحساب والمقاسمات.
وكاتب رسائل يحتاج إلى أن يكون عارفًا بالفصول والوصول حاذقًا بالعقود والفتوح والترغيب والترهيب والابتداء والجواب.
وكاتب قاضٍ يحتاج أن يكون عارفًا بالحلال والحرام والتأويل والتنزيل والمتشابه والمقالات والاختلاف في الأموال والفروج حافظًا للأحكام حاذقًا بالشروط.
وكاتب جندٍ يحتاج إلى أن يكون عارفًا بحلى الرجال وشياة الدواب.
وكاتب معونةٍ يحتاج إلى أن يكون عارفًا بالقصاص والجراحات ومواضع الحدود ومبالغ العقوبات في الجنايات.
فمن أيهم أنت؟
قال عمرو: وكنت متكئًا فاستويت جالسًا تعجبًا من قوله: فقلت: أنا كاتب رسائل.
فقال: لي أخٌ من إخوانك واجب الحق عليك معنيٌ بأمورك لا يغفل لك عن صغيرٍ ولا كبيرٍ، يكاتبك في كل حقٍ وباطلٍ وأنت له على مثل ذلك تزوجت أمه كيف تكتب إليه أتهنيه أم تعزيه؟ قلت: هو إلى التعزية أقرب؛ قال: فاكتب إليه بذلك؛ فلم يتجه لي شيءٌ، فقلت: لا أهنيه ولا أعزيه ولا أكتب إليه. قال: إنك لا تغفل له عن شيء ولا تجد بدًا من أن تكتب إليه. قلت: هي بالمصائب أشبه. قال: فكيف تعزيه؟ قال:
[ ١ / ٤١ ]
ففكرت ساعةً فلم يتجه لي شيءٌ، فقلت: أقلني! أنا كاتب خراجٍ.
قال: فوجه بك أمير المؤمنين إلى ناحية من عمله وأمرك بالعدل والإنصاف وأن لا تدع شيئًا من حق السلطان يذهب ضياعًا وحذرك أن تشكى، فخرجت حتى قدمت الناحية، فوقفوك على قراح خطه قابل فتي، كيف تمسحه؟ قلت: آخذ وسطه وآخذ طوله فأضربه فيه؛ قال: يختلف عليك العطوف؛ قلت: آخذ طوله وعرضه من ثلاثة مواضع، قال: إن طرفيه محددان وفي تحديده تقويسٌ وذلك يختلف؛ فأعياني ذلك، فقلت أقلني! فإني كاتب معونةٍ.
قال: فرجلٌ وثب على رجلٍ فشجه موضحةً، فوثب على من شجه فشجه مأمومةً، كم بينهما من الدية؟ قلت: لا علم لي بذلك؛ قال: فلست كاتب معونةٍ! فقلت: أقلني! أنا كاتب جندٍ.
قال: فإن رجلين من عسكرك اسمهما واحدٌ، هذا مشقوق الشفة العليا وهذا مشقوق الشفة السفلى، كيف تحليهما؟ قلت: لا علم لي، أقلني! فأنا كاتب قاضٍ.
قال: فإن رجلاٌ هلك وخلف حرةً حاملًا وسرية ًحاملًا، فولدتا في ليلةٍ واحدةٍ، الحرة جاريةً والسرية غلامًا، فأخذت الحرة البنت فوضعتها في مهد السرية، وأخذت الابن، وتناكرتا كيف تحكم بينهما؟ قلت: لا علم لي بذلك، فأقلني! قال: قد فعلت.
[ ١ / ٤٢ ]
ثم سألته تفسيره فقال: أما الذي تزوجت أمه، فاكتب إليه:
إن الأقدار تجري بغير محاب المخلوقين والستر في عافية خيرٌ من شائنة في ملكٍ، والله يختار للعبد، خار الله لك في جميع الأمور.
وأما القراح فتمسح اعوجاجه حتى تبصر كم قبضةً تكون فيه، فإن استوى في يدك عقدٌ تعرفه فاضرب طرفه في وسطه.
وأما الشجة المأمومة ففيها ثلاثٌ وثلاثون وثلثٌ من الإبل، وفي الموضحة خمسٌ من الإبل، فيرد صاحب الموضحة على صاحب المأمومة ثمانيًا وعشرين وثلثًا من الإبل.
وأما الجنديان، فتكتب المشقوق الشفة العليا أعلم، والمشقوق الشفة السفلى أفلح.
وأما الحرة والسرية فيوزن لبنهما، فأيتهما كانت أخف لبنًا كانت الجارية لها، وذكر الحديث.
وهذا حسنٌ غير منكر إلا ما قال في اللبن، فإن الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا مخالفون له، وسنذكر جملة الشجاج إذا انتهينا إلى موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله.
٥٩- وليس ينكر أن يكون عمرو بن مسعدة على محله من الكتابة وموضعه من الرئاسة يشكل عليه مثل هذا، وقد كان فيه توقفٌ وترك
[ ١ / ٤٣ ]
جسارةٍ على ما أرتج عليه كما روي أن المأمون أمره أن يكتب إلى العمال في سائر النواحي والأمصار بالاستكثار من القناديل في المساجد الجامعة والطرق السابلة في شهر رمضان، قال فكتبت:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد؛ فقد أمر أمير المؤمنين بالاستكثار من المصابيح في شهر رمضان. واعتاص عليَّ المعنى، فلم أدر ما أكتب، وأرتج. فنمت مهمومًا، فأتاني آتٍ في منامي، فقال لي: اكتب فإن في ذلك أنسًا للسابلة وضياءً للمتهجد، ونفيا ًلمكامن الريب وتنزيهًا لبيوت الله عن وحشة الظلم.
٦٠- ومن أحسن ما في هذا، وهو من كلام بعض أهل عصرنا، قال: وجدت قول القائل: الكتابة اسمٌ مشتركٌ يوقع على معانٍ كثيرةٍ، فتارةً يقع على كمالها واستيعاب أقسامها، وتارةً على بعض منازلها.
ويسمى به من يعلم البعض منها، حتى إنه في عصرنا هذا يوقع على من لبس لبسة أهلها، فمن كان من الكتاب جامعًا لأدوات الكتابة فهو الذي يصلح فيها للرئاسة العالية، ومن كان مقصرًا عن تلك المنزلة وجب أن تنزل طبقته بحسب ما معه من الصناعة.
٦١- وسمعت علي بن سليمان يقول: كنا إذا قللنا ما مع الإنسان من النحو قلنا: نحو كتابيٌ؛ ألا تراهم يفرون إلى قراءة الأخبار ويطلبون (الكامل) ويدعون ما يحتاجون إليه من النحو لصعوبته.
[ ١ / ٤٤ ]
٦٢- قال أبو جعفرٍ: وقد سئل بعضهم: لم حذفت الألف من الرحمن؟ فلم يدر.
٦٣- وقال بعض رؤسائهم: حذفت لكثرة الاستعمال. وهذا عجيبٌ من الجواب، لأنه لا يقع إلا لله ﷿، فما معنى كثرة الاستعمال؟
٦٤- وقال آخر: حذفت فرقًا بينها وبين الألف الثانية.
٦٥- وحتى زعم بعضهم أنه يكتب ثلاث سجلاتٍ بغير هاءٍ لتأنيث الجمع. وهذا بطلان العدد، لأن بابه أن ينظر إلى الواحد لا إلى الجمع، والصواب في هذا ما قاله الأخفش سعيدٌ قال: تقول: ثلاثة حماماتٍ لأن الواحد حمامٌ مذكرٌ.
٦٦- وقد قال قائل هذا في عمن: إنها تكتب موصولةً للإدغام. ولو جاز هذا لكتبت الرحمن براءين ومن في: عن من بمعنى الذي، والكتاب على الانفصال.
٦٧- وقد ذكرنا أشياء كثيرةً، منها أنه فرق بين الخلف والكذب، فزعم أنه من قال: أنا أفعل؛ ثم لم يفعل، أنه ليس بكاذبٍ؛ وهذا مخالفٌ على نص كتاب الله، قال الله ﷿: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدًا أبدًا وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ . فقال جل ثناؤه: ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ فأكذبهم في المستقبل.
ونظيره قوله ﷿: ﴿ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من
[ ١ / ٤٥ ]
المؤمنين﴾ فأكذبهم الله جل ثناؤه فقال ﷿: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾ .
٦٨- ولولا كراهية الإطالة لذكرنا من هذا أشياء كثيرةً. على أن لشيخنا ابن كيسان كتابًا مفردًا في ما وقع من الغلط في (أدب الكاتب) المصنف.
٦٩- ومن حسن ما سمعناه في وصف كاتبٍ ما نعت به أبو علي البصير أبا الحسن عبيد الله بن يحيى، وهو قوله: إن أمير المؤمنين قد استصلحك لنفسه، وائتمنك على رعيته، فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك وتسليطه الحق على الهوى فيك بعد أن ميل بينك وبين الذين نصبوا لمرتبتك، وأجروا إلى غايتك: فأسقطهم مضمارك، وخفوا في ميزانك، لم يزدك -أيده الله- رفعةً وتشريفًا إلا ازددت له هيبةً وتعظيمًا، ولا تسليطًا وتمكينًا إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفًا وتنزيهًا، ولا تقريبًا واختصاصًا إلا ازددت بالعامة رأفةً وعليها حدبًا.
ولا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيته، ولا إثبات حقه عن الأخذ بحقها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمن ما هو عليه.
ولا تشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقد صغارها، ولا الجذل بإصلاح ما تصلح منها عن النظر في عواقبها، تمضي ما كان الرشد في
[ ١ / ٤٦ ]
إمضائه، وترجئ ما يوجد الحزم في إرجائه، وتبذل ما كان الفضل في بذله، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه، وتلين في غير ضعفٍ، وتشتد في غير عنفٍ، وتعفو في غير فشلٍ، وتسطو في غير جورٍ، وتقرب في غير تبذلٍ، وتبعد من غير تكبرٍ، وتخص في غير ميلٍ، وتعم في غير تضييعٍ، ولا يشقى بك المحق وإن كان عدوًا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليًا، فالسلطان يعتد لك من الغناء والكفاية والذب والحياطة والنصح والأمانة والعفة والنزاهة والنصب في ما أدى إلى الراحة بما يراك معه حيث انتهى إحسانه إليك مستوجبًا للزيادة، وكافة الرعية إلا من غمط منهم العافية مثنون عليك بحسن السيرة ويمن النقيبة، ويعدون من مآثرك أنك لم تدحض حجةً بباطلٍ، ولم تدفع حقا ًبشبهةٍ، ولم تقصد لإزالة نعمةٍ.
وهذا يسيرٌ من كثيرٍ، لو قصدنا لتفصيله لأنفدنا الزمان قبل تحصيله، ثم كان قصرنا الوقوف دون الغاية منه.
٧٠- قال أبو جعفر: ومما يوصف به الكاتب المستقيم الأمر أن يكون مبادرًا أيامه، كما روى المزني عن الشافعي، أنه حكى عن بعض الحكماء أنه قال: ليس من أحدٍ وإن ساعدته المقادير بمستخرجٍ من الدنيا غضارة عيشٍ إلا من خلالٍ مكروهةٍ.
ومن انتظر بمعاجلة الدرك مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن صناعة الدهر السلب، وشروط الأيام الإقالة، وفي ذلك يقول:
[ ١ / ٤٧ ]
الحكيم:
بادر إذا الحاجات يومًا أمكنت بورودهن بوادر الآفات
كم من مؤخر حاجةٍ قد أمكنت لغدٍ وليس غدٌ له بموات
تأتي الحوادث حين تأتي جمةً وترى السرور يجيء في الفلتات
٧١- ويروى أن المأمون كان يتفقد ما يكتب به الكتاب، فيسقط من لحن، ويحط مقدار من أتى بما غيره أجود منه في العربية؛ فكان الكتاب يتثابرون على ما يأخذون من النحو لما كانت الرؤساء يتفقدون هذا منهم ويقربون العلماء.
٧٢- كما قال المفضل بن محمدٍ: جاءني رسول الله الرشيد، فنهضت، فلما دخلت عليه سلمت، فأومأ بيده ومحمدٌ عن يمينه والمأمون عن يساره والكسائي بين يديه يطارحهما معاني القرآن ومعاني الشعر، فقال لي الرشيد: كم اسمًا في ﴿فسيكفيكهم الله﴾؟ فقلت: ثلاثة أسماءٍ يا أمير المؤمنين؛ اسم الله، والكاف الثانية اسم النبي ﷺ، والهاء مع الميم اسم الكفار؛ قال الرشيد: كذا قال الرجل، وأشار إلى الكسائي، ثم التفت إلى محمدٍ فقال: أفهمت ما قال؟ قال: نعم؛ قال: فاردده علي إن كنت صادقًا؛ فرده عليه كما لفظت به، فقال: أحسنت أمتع الله بك؛ ثم أقبل علي، فقال: من يقول:
[ ١ / ٤٨ ]
نفلق هامًا لم تنله أكفنا بأسيافنا هام الملوك القماقم
قال: قلت: الفرزدق، يا أمير المؤمنين؛ قال: كيف يفلق هامًا لم تنله كفه؟ قلت: على التقديم والتأخير، كأنه قال: نفلق بأسيافنا هام الملوك القماقم هام من لم تنله أكفنا، على التعجب والاستفهام؛ قال: أصبت. ثم أقبل على الكسائي؛ فحادثه ساعةً، ثم التفت إلي، فقال: أعندكم مسألةٌ؟ قلت: نعم، لصاحب هذا البيت؛ قال: هات! قلت: قال:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
قال الرشيد: قد أفادنا هذا الشيخ؛ يعني الكسائي، ثم التفت إلى محمدٍ والمأمون، فقال: أحفظتما ما قاله في هذه المسألة؟ قالا: نعم، علمنا علي بن حمزة أن القمرين ها هنا الشمس والقمر، كما قالوا: سيرة العمرين، يريدون أبا بكرٍ وعمر، وكما قالوا: ما أطرد الأسودان، أي: الليل والنهار. قلت: أزيد يا أمير المؤمنين في السؤال؟ قال: زد! قلت: فلم استحبوا هذا؟ قال: لما اجتمع شيئان من جنسٍ واحدٍ فكان أحدهما أشهر من الآخر، غلب الأشهر، لأن القمر أشهر عند العرب لأنسه وكثرة بروزهم فيه ومشاهدتهم إياه دون الشمس في أكثر الأوقات، وتلك القصة في قولهم: العمران، لطول خلافة عمر
[ ١ / ٤٩ ]
وكثرة الفتوح فيها، وكذا الليل، لأنهم فيه أفرغ وسمرهم فيه أكثر. فقلت: أفيه يا أمير المؤمنين غير هذا؟ فقال: ما أعلمه؛ ثم التفت إلى الكسائي، فقال: أتعرف في هذا غير ما جرى مما أفدتناه؟ قال: لا يا أمير المؤمنين؛ وهو وفاء المعنى؛ فأمسك عني قليلًا، ثم قال لي: أتعرف أنت فيه أكثر من هذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، بقيت الغاية التي افتخر بها قائل هذا الشعر؛ قال: فقل! قلت: الشمس أراد بها إبراهيم خليل الرحمن، والقمر أراد محمدًا ﷺ، والنجوم الطوالع أنت والخلفاء من آبائك ومن يكون من ولدك إلى يوم القيامة. قال: فتهلل وجهه، وقال: حسنٌ والله، والعلم كثيرٌ لا يحاط به، ولعله هذا الشيخ لم يسمع هذا فيفيدناه، وإن هذا لعمري لأبلغ إلى غاية الفخر؛ ثم رفع رأسه إلى الفضل بن الربيع، فقال: يحمل إلى منزل الشيخ عشرة آلاف درهمٍ، فيقدم بها من ساعته.
٧٣- ومما كتبناه عن علي بن سليمان:
أن الأصمعي غاب عن الرشيد غيبةً طويلةً، فلما وافى دخل إليه، فقال له: يا عبد الملك! أطلت الغيبة؛ فقال: يا أمير المؤمنين! ما ألاقتني أرضٌ حتى وافيتك؛ فلم يدر الرشيد ما معنى ألاقتني، فأمسك مغتاظًا، فلما انفض الناس قال: ما معنى ألاقتني؟ قال: أقرتني وأثبتتني؛ فقال: له: احذر أن تكلمني بين العامة بما لا أفهمه.
[ ١ / ٥٠ ]
٧٤- فممن امتنع من النحويين من ملازمة السلاطين إجلالًا للعلم وغنى نفسٍ: الخليل بن أحمد وبكر بن محمدٍ المازني.
ونملي خبر الخليل عن علي بن سليمان ومحمد بن الحسين بن الحسن، عن عبد الله بن عبد العزيز، وفي رواية علي بن سليمان زيادة بيتين في آخر الأبيات، والخبر أن سليمان بن حبيبٍ المهلبي وجه إلى الخليل، فامتنع، وكتب إليه.
أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ وفي غنىً غير أني لست ذا مال
سخى بنفسي أني لا أرى أحدًا يموت هزلًا ولا يبقى على حال
والرزق عن قدرٍ لا الضعف ينقصه ولا يزيدك فيه حول محتال
والرزق يغشى أناسًا لا خلاق لهم كالسيل يغشى أصول الدندن البالي
كل امرئٍ بسبيل الموت مرتهنٌ فاعمل لبالك إني شاغلٌ بالي
والفقر في النفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
٧٥- وكان خبر المازني قريبًا من هذا لما عرض عليه الواثق المقام. وقد أمليت خبره عن علي بن محمدٍ المعروف بابن الخردلي، عن أحمد بن يحيى، أن المازني أشخصه الواثق إلى سر من رأى لأن جاريةً غنت وراء ستارةٍ:
[ ١ / ٥١ ]
أظليم إن مصابكم رجلًا أهدى السلام تحيةً ظلم
فقال لها الواثق: رجلٌ؛ فقالت: لا أقوله إلا كما علمت؛ فقال للفتح: كيف هو يا فتح؟ قال: هو خبر «إن» كما قال أمير المؤمنين؛ فقالت الجارية: علمني أعلم الناس بالعربية المازني، كان يعرب شعر غنائي؛ فأمر أمير المؤمنين بإشخاصه، فأشخص. قال أحمد بن يحيى: فلقيني يعقوب بن السكيت، فسألني، فأجبته: بالنصب؛ قال: فأين خبر «إن»؟ قلت: «ظلم»، ثم أتى المازني، فأجاب بمقالة الجارية.
٧٦- قال أبو جعفر: وجدت في هذا الخبر زيادةً من رواية البصريين عن المازني، وهي أن المازني قال: قلت لابن قادمٍ ولابن سعدان لما كابراني: كيف تقول نفقتك دينارًا أصلح من درهمٍ؟ فقال: دينارٌ؛ فرفع، قلت: كيف تقول: ضربك زيدًا خيرٌ لك؟ فنصب؛ فقلت: فرق بينهما، فانقطع، وكان ذلك عند الواثق، وحضر ابن السكيت، فقال لي الواثق: هات مسألةً! فقلت ليعقوب: ﴿فأرسل معنا أخانا نكتل﴾ ما وزنه من الفعل؟ فقال: نفعل. فقال له الواثق: غلطت؛ ثم قال لي: فسره يا مازني! فقلت: نكتل تقديره نفتعل، نكتيل، فانقلبت الياء ألفًا لفتحة ما قبلها، فصار لفظها نكتال، فأسكنت اللام للجزم، لأنه جواب الأمر، فحذفت الألف لالتقاء
[ ١ / ٥٢ ]
الساكنين. فقال: هذا الجواب، لا جوابك يا يعقوب!
فلما خرجنا، قال لي يعقوب: ما حملك على هذا وبيني وبينك المودة الخالصة؟ قلت: والله ما قصدت تخطئتك، ولكن كانت في نفسي هينة الجواب ولم أظن أنها تعزب عنك، ولو علمت ذلك ما ألقيتها.
٧٧- وحضرت يومًا آخر، وقد اجتمع جماعةٌ من نحويي الكوفة، فقال لي الواثق: يا مازني! هات مسألةً؛ فقلت: ما تقولون في قول الله جل وعز ﴿وما كانت أمك بغيًا﴾ لم لم يقل: «بغيةً» وهي صفةٌ لمؤنثٍ؟ فأجابوا بجواباتٍ ليست بمرضيةٍ، فقال لي الواثق: هات الجواب؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! لو كانت بغي على تقدير فعيل بمعنى فاعلة لحقتها الهاء مثل كريمةٍ وظريفة ٍوإنما تحذف الهاء إذا كانت بمعنى مفعولةٍ نحو: امرأةٍ قتيلٍ، وكفٍ خضيبٍ، وتقدير بغي ها هنا ليس بفعيل، إنما هو فعول، وفعولٌ لا يلحقه الهاء في وصف التأنيث، نحو امرأةٍ شكورٍ، وبئرٍ شطونٍ، إذا كانت بعيدة الرشاء، وتقدير بغي بغويٌ، قلبت الواو ياءً ثم أدغمت الياء في الياء نحو سيدٍ وميتٍ؛ فاستحسن الجواب. ثم أتيته، فاستأذنته في الخروج، فقال: هلا أقمت عندنا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! لي بنيةٌ أشفق أن أغيب عنها؛ قال: كأني بك وقد قالت لك قول ابنة الأعشى للأعشى:
أرانا إذا أضمرتك البلاد نجفى وتقطع منا الرحم
[ ١ / ٥٣ ]
وقلت:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عينا فإن لجنب المرء مضطجعا
فوالله ما ترك ما في نفسي، وأمر لي بمالٍ، وأذن لي في الانصراف.
٧٨- وفر أبو عمر بن العلاء من الحجاج، قال: فبينما أنا أسير، إذ سمعت رجلًا ينشد:
ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجةٌ كحل العقال
مات والله الحجاج. فما أدري بأيهما كنت أفرح. يعني: موت الحجاج، أو قوله: فرجةً.
٧٩- وعبد الله بن أبي إسحاق واحد القراء والنحويين، كان ممتنع الجانب، قليل الغشيان للسلطان، حتى عير بالكبر، وهجي به.
ومن النحويين من سارع إلى السلاطين والكتاب ثم لم يحمد معهم العاقبة
٨٠- منهم سيبويه وابن السكيت كما حدثنا علي بن سليمان، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ومحمد بن يزيد وبعض أصحابنا يختلفون في الشيء بعد الشيء، قالوا: لما ورد سيبويه إلى العراق شق أمره على
[ ١ / ٥٤ ]
الكسائي، فأتى جعفر بن يحيى والفضل بن يحيى، فقال: أنا وليكما وصاحبكما، وهذا الرجل قد قدم ليذهب محلي؛ فقالا: احتل لنفسك، فإنا سنجمع بينكما؛ فجمعا عند البرامكة، وحضر سيبويه وحده وحضر الكسائي ومعه الفراء وعليٌ الأحمر وغيرهما من أصحابه، فسألوه: كيف تقول: كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟ قال: أقول: فإذا هو هي؛ فأقبل عليه الجمع، فقالوا: أخطأت ولحنت؛ فقال يحيى بن خالدٍ: هذا موضعٌ مشكلٌ، فمن يحكم بينكم؟ قالوا: هؤلاء الأعراب على الباب؛ فأدخل أبو الجراح ومن وجد معه من الأعراب ممن كان يحمل عنه الكسائي وأصحابه، فقالوا: نقول: فإذا هو إياها؛ وانصرم المجلس على أن سيبويه قد أخطأ وحكم عليه، فأعطاه البرامكة وأخذوا له من الرشيد، وبعث به إلى بلده، فيقال: إنه ما لبث بعد هذا إلا يسيرًا ثم مات، فيخال أنه مات كمدًا.
ومما أنشد عند موته وأخوه جالسٌ عند رأسه:
أخيين كنا فرق الدهر بيننا إلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدهرا
قال علي بن سليمان: وأصحاب سيبويه إلى هذه الغاية لا اختلاف بينهم أن الجواب على ما قال سيبويه، وهو: فإذا هو هي، وهذا موضع الرفع.
[ ١ / ٥٥ ]
٨١- وأما ابن السكيت، فمن خبره ما حدثنيه محمد بن الحسين، قال: حدثني عبد الله بن عبد العزيز النحوي، قال: قال لي يعقوب بن السكيت: أريد أن أشاورك في شيءٍ، قلت: قل. قال: إن أمير المؤمنين -يعني المتوكل- قد أدناني وقربني وندبني إلى منادمته، فما ترى؟ قلت: لا تفعل! وكرهت له النهاية، فدافع بذلك يعقوب، ثم تطلعت نفسه إليه، فرجع، فشاورني، فقلت له: يا أخي! احذره على نفسك، فإنه سلطانٌ، وأكره أن تزل بشيءٍ؛ فحمله الحب لذلك على أن خالفني، فقتله في أول مرةٍ لشيءٍ جرى بينه وبينه في أمر الحسن والحسين ﵄، وكان أوله مزاحًا، وكان ابن السكيت يتشيع، فقتله.
ومن النحويين من قرب من السلاطين فحظي عندهم، وأحمد أمره معهم
٨٢- منهم علي بن حمزة الكسائي. وأصل علمه من البصرة وعن أهلها أخذ الصحيح من علمه كما حدثني علي بن سلميان، قال سمعت محمد بن يزيد، يقول: سمعت أبا عثمان المازني، يقول: حدثني الأخفش، قال: حدثني يونس بن حبيبٍ، قال: أقام الكسائي عندنا بالبصرة عشرين سنةً، ثم رحل إلى الكوفة، فأخذ عن أعرابٍ ليسوا بفصحاء، فأفسد الحق بالباطل.
٨٣- قال أبو جعفرٍ: فقد صار النحو كله من البصرة لأن الكسائي منهم تعلم، ثم قرأ على الأخفش كتاب سيبويه، ويحكى أنه دفع
[ ١ / ٥٦ ]
إليه مئتي دينارٍ؛ وليس أحدٌ من الرؤساء المتقدمين في النحو إلا بصريٌ، حتى إنهم حججٌ في اللغة تؤخذ عنهم لفصاحتهم، وكانوا لا يأخذون إلا عن الفصحاء، ولهم السبق والتقدم، منهم أبو الأسود الدؤلي وأبو عمروٍ.
٨٤- وسمعت علي بن سليمان يقول: ساءني أن خلف البزاز على جلالته ومحله ترك الكسائي، وهو أستاذه، ولم يرو عنه حرفًا واحدًا مع حاجته إليه في تصنيفه «كتاب القراءات» . ثم عرفني غير أبي الحسن أنه إنما ترك الرواية عنه لأنه سمعه يقول: قال سيدي الرشيد! فتركه، وقال: إن إنسانًا مقدار الدنيا عنده أن يجل رجلًا من أهلها هذا الإجلال لحريٌ ألا يؤخذ عنه شيءٌ من العلم.
٨٥- ولم يكن الرشيد من الخلفاء شديد الكبر ولا الزهو، يدلك على ذلك ما رواه محمد بن سماعة، قال: دخلت مع محمد بن الحسن دار هارون الرشيد -وقد بعث إليه- فقعدنا في مجلسٍ، فبينا نحن كذلك إذ خرج هارون، فقام الناسك لهم غير محمدٍ، ثم دعا به، فأدخل عليه، فقال له: قد عزمت على أن أجبر بني تغلب على الإسلام. فقال: ولم ذاك؟ قال: لأن عمر صالحهم على أن لا ينصروا أبناءهم؛ فقال له محمدٌ: وقد ترك عمر أبناءهم على حكمهم، ولم يأخذهم بالإسلام؛ فقال له هارون: فلعل مدة عمر بعد صلحه إياهم لم تطل! قال محمدٌ: فهبها كانت كذلك، قد كان بعده إماما عدلٍ لهما مدةٌ طويلةٌ: عليٌ
[ ١ / ٥٧ ]
وعثمان ﵄، فما أخذاهم بذلك؛ فسكت هارون.
٨٦- قال أبو جعفرٍ: ونظير هذا أن عبد الله بن إدريس الكوفي قال: كنا جلوسًا ننتظر خروج أمير المؤمنين وفينا أبو بكر بن عياشٍ، فخرج علينا، فقام الناس ولم أقم، وكان أبو بكرٍ ممن قام، فاشتد عليه ذلك -يعني أبا بكرٍ- فجرى شيءٌ من العلم، وجرى ذكر النبيذ. فقال أبو بكرٍ: حدثنا أبو إسحاق، عن مشايخه، عن عبد الله بن مسعودٍ أنه كان يشرب النبيذ الشديد، فقلت: يا أبا بكرٍ! ما هذا مما يحتج به، أهو الشديد من الخل أو من غيره؟ فقال: اسكت يا صبي! فقلت: يا شيخ! إبليس أقدم منك. يقول أبو إسحاق عن بعض مشايخه، وهذا مما لا يحتج به؛ وأبو إسحاق إذا سمى مشايخه كان فيه نظرٌ، ولكنني حدثني محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرامٌ» .
٨٧- وشخص الكسائي مع الرشيد إلى الري، فمات هناك سنة تسعٍ وثمانين ومئة هو ومحمد بن الحسن الفقيه. واشتد بكاء محمد بن الحسن عند موته فقيل له: إنك على خيرٍ من العلم والدين؛ فقال: أخاف أن يسألني ربي عن خروجي إلى الري، هل كان في جهادٍ أو في مرضاة الله؟ فلا تكون لي حجةٌ.
٨٨- وقد كان الأصمعي متصلًا بالرشيد، وكان يقدمه ويتكلم في مجلسه. قال الأصمعي: ناظرت أبا يوسف عند الرشيد، فلم يفرق بين
[ ١ / ٥٨ ]
عقلته وعقلت عنه، حتى فهمته أن عقلته أعطيت ديته، وعقلت عنه لزمته ديةٌ فدفعتها عنه.
٨٩- قال: وكان الأصمعي شديد التوقي لتفسير القرآن وحديث النبي ﷺ، فيقال: إنه تكلم فيهما بعد ذلك لما لقيه أحمد بن حنبلٍ وأبو عبيدٍ، وكان صدوقًا، ويقال: إنه ولد سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ، وعمر نيفًا وتسعين سنةٍ، وسمعت علي بن سليمان يقول: أهل النحو فيما نعلم معمرون لا يكسر علينا هذا إلا سيبويه.
٩٠- ومنهم المفضل بن محمدٍ الضبي، كان ملازمًا للرشيد، فأمره أن يختار له أشعارًا، وقد أمليناها.
٩١- ومنهم أبو زيدٍ سعيد بن أوسٍ القاضي النحوي، قال: إذا سمعتم سيبويه يقول: حدثني الثقة، فإنما يعنيني.
٩٢- وكان سيبويه والأصمعي يرضيان به في أشياء يتماريان فيها، غير أنه قد كان قدريًا، كان قد قارب المئة في سنه.
٩٣- ومنهم أبو عبيدة البصري، سمعت علي بن سليمان يقول: قال علي بن المدائني: رأيت أبا عبيدة البصري من أصدق الناس، سألته عن حرفٍ من الغريب، قال: ما أعرفه، وعندنا رجلٌ يقال له: عبد الملك، فاسأله وعرفني ما يقول؛ ففعلت، وغبرت مدةً طويلةً ثم سألته عن الحرف بعينه، فقال: ما أعرفه، إلا أن إنسانًا سألني عنه، وعرفني عن بعض أهل بلدنا بكذا. ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج، وتوفي سنة عشرٍ ومئتين، وقيل: إحدى عشرة؛ وقد قارب المئة.
[ ١ / ٥٩ ]
٩٤- ومنهم يونس بن حبيبٍ، يكنى أبا عبد الرحمن، وهو من أستاذي سيبويه، مات سنة اثنتين وثمانين ومئةٍ، وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنةً وكان في لسانه فضلٌ.
٩٥- ومنهم عيسى بن عمر، كان صاحب تقعيرٍ في كلامه، ونصبٍ في قراءته، مات سنة سبعٍ وأربعين ومئةٍ.
٩٦- ومنهم النضر بن شميلٍ، نحويٌ محدثٌ، وكانت وفاته سنة ثلاثٍ ومئتين.
٩٧- ومنهم يحيى بن زيادٍ الفراء، توفي في طريق مكة سنة سبعٍ ومئتين.
٩٨- ومنهم اليزيدي عبد الرحمن بن المبارك، كان معلمًا حذاء دار أبي عمرو بن العلاء. وقيل: يزيديٌ لأنه كان يؤدب ولد يزيد بن منصورٍ الحميري.
٩٩- قال علي بن سليمان: حدثت أن اليزيدي كان جالسًا مع المأمون على ما يجتمع عليه كثيرٌ من الملوك، وبلغ من اليزيدي، فامتن على المأمون بتأديبه إياه، فلما انصرف إلى منزله عرف ما كان منه، فغدا على المأمون، فأنشده لنفسه وقد تكفن وتحنط:
أنا المذنب الخطاء والعفو واسعٌ ولو لم يكن ذنبٌ لما عرف العفو
ثملت فأبدت مني الكأس بعض ما كرهت وما إن يستوي السكر والصحو
ولا سيما إذ كنت عند خليفةٍ وفي مجلسٍ ما إن يجوز به اللغو
[ ١ / ٦٠ ]
فإن تعف عني ألف خطوي واسعًا وإلا يكن عفوٌ فقد قصر الخطو
فقال المأمون: يا أبا محمدٍ! إن الشراب بساطٌ يطوى بما عليه.
١٠٠- ومنهم أبو عبيدٍ القاسم بن سلامٍ، خراسانيٌ، كان مؤدبًا، وولي قضاء طرسوس أيام ثابت بن نصر بن مالكٍ، ولم يزل معه ومع ولده يجري عليه الرزق وهو يصنف الكتب، توفي بمكة سنة أربعٍ وعشرين ومئتين.
١٠١- ومنهم صالح بن إسحاق الجرمي لم يزل النحوي منفردًا وصاحب الغريب والشعر منفردًا، حتى كان أبو عمروٍ الجرمي، فجمع الأمرين، ولولاه ما عرفت أبنية سيبويه، وكان فوق أصحابه المازني واليزيدي والرياشي والسجستاني.
١٠٢- قال أبو جعفر: أبو إسحاق وأبو العباس تاريخا النحو.
١٠٣- قال أبو جعفر: وربما كان الكاتب يمنعه من التأدب الكبر، وهذا أشد من ذلك الذي ذكرناه.
١٠٤- وقد روى عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار مثقال ذرةٍ من إيمانٍ، ولا يدخل الجنة مثقال ذرةٍ من كبرٍ» فقال رجلٌ: يا رسول الله! إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنًا. قال: «الكبر بطر الحق وغمص الناس» .
[ ١ / ٦١ ]
١٠٥- وفي الحديث أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وذقنه قد كان يقارب عرف دابته تواضعًا لله جل وعز.
١٠٦- وأنه قال ﷺ: «الكبرياء رداء الله من نازعه إياه قصمه» .
١٠٧- وهو القائل صلى الله عليه: «يا أبا عميرٍ! ما فعل النغير؟» .
١٠٨- وروى ابن مسعودٍ أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه، فكلمه، وأخذته رعدةٌ، فقال له النبي صلى الله عليه: «هون عليك، فإنما أنا ابن امرأةٍ من قريشٍ كانت تأكل القديد» .
١٠٩- قال أبو جعفر: ونحن نؤلف كتابًا نجمع فيه ما يحتاج إليه الكاتب ونجتهد في تقريبه، ونذكر فيه عيون ما ينتفع به من الخط والهجاء والعربية واللغة والمكاتبات على الترتيب للرجال والنساء، وعيونًا من الرسائل وغير ذلك، ونجعله مراتب عشرًا، نذكر في كل مرتبةٍ من صناعة الكاتب ما يشبه بعضه بعضًا إن شاء الله.
١١٠- فأول ذلك:
[ ١ / ٦٢ ]