أي من الثلاثي وغيره، وهي على قسمين: قياسي، وسماعي، وقد بدأ الناظم ﵀ بمصادر الثلاثي مجملة: السماعي منها والقياسي، ثم بين القياسي منها، ثم عقد فصلًا لمصادر غير الثلاثي.
وأما مصادر الثلاثي مجملة، فقد أشار إليها بقوله:
(وللمصادر أوزان أبينها فللثلاثي ما أبديه منتحلا)
أي مختارًا لها، وانتحال الأمر: اختياره. ثم المصدر السماعي إما محرك العين أو ساكنها. وقد بدأ الناظم ﵀ بساكن العين؛ مجردًا ومزيدا، في آخره تاء التأنيث أو الألف المقصورة أو الألف والنون، فقال:
(فَعل وفِعل وفُعل أو بتاء مؤنـ ثٍ أو الألف المقصور متصلا)
(فًعلان فِعلان فُعلان)
أي: فمنها: فعل بسكون العين مع فتح فائه أو كسره أو ضمه؛ نحو: ضرب ضربًا وقتل قتلا، ونحو: علم علما، وفسق فسقا، ونحو: شكر شكرًا وكفر كفرا، فهذه ثلاثة أوزان. ومثلها في المؤنث بالتاء، ونحو: ﵀ رحمة ورغب رغبة، ونحو: نشد الضالة نشدة وحمى مريضه حمية، ونحو: قدر قدرة وكدر لونه كدرة، ومثلها في المؤنث بألف التأنيث المقصورة، نحو: اتقى الله تقوى؛ أي خافه، ونحو: ذكر الله ذكرى، ونحو: رجع رجعى، أي رجوعًا. ومثلها في المتصل به الألف والنون، نحو: لواه بدينه ليانًا بفتح
[ ١٧٧ ]
اللام؛ أي مطلة، وشنئه بكسر النون شنآنًا بسكونها، أي أبغضه، ولم يجئ فعلان بسكون العين غيرهما، ونحو: حرمه حرمانا: أي منعه، ونسيه نسيانا، ونحو: غفر له غفرانًا وشكر له شكرانا. فهذه اثنا عشر وزنًا فيما عينه ساكنة. وقوله: "فعل .. " بدل مما أبديه، أي فللثلاثي فعل؛ مجردًا أو متصلًا بما ذكر.
وإما متحرك العين، فلما لم تف القسمة بحسب الاستقراء بدخوله تحت ضابط أورده الناظم ﵀ على حسب ما ساعده النظم، فقال:
(.. .. .. ونحو جلًا رضى هدى وصلاح ثم زد فعلا)
(مجردًا وبتا التأنيث ثم فعا لة وبالقصر والفعلاء قد قبلا)
(فِعالة وفُعالة وجئ بهما مجردين من التا، والفعول صلا)
(ثم الفعيل وبالتاذان والفعلا ن أو كبينونةٍ ومشبهٍ شغلا)
(وفعلل وفعول مع فعاليةٍ كذا فعيلية فعلة فعلى)
(مع فعلوتٍ فعلى مع فعلنيةٍ كذا فعولية، والفتح قد نقلا)
أي: وعينه إما مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة مع اختلاف حركة فائه بالفتح والكسر والضم، فالقسمة تقتضي في المجرد منه تسعة أوزان. وفي المؤنث بالتاء مثلها، وبالألف المقصورة مثلها، وفي المتصل به الألف والنون مثلها، وفي المزيد فيه بحسب الزيادة من ألف أو واو أو ياء أو غيرها- أوزانًا كثيرة، فذكر لمفتوح العين مع اختلاف حركة فائه ثلاثة أوزان: مفتوح الفاء نحو طلب طلبًا وفرح فرحًا، ومثل جلا رأسه
[ ١٧٨ ]
جلًا: انحسر الشعر عن مقدم رأسه إلى النصف، ومكسوره، نحو: سمن سمنًا وصغر صغرا، ومثله: رضي رضى. ومضمومه، ولم يرد إلا معتل اللام كهدى وسرى. فهذه ثلاثة أوزان في مفتوح العين. وأما مكسورها فلم يجئ منه إلا مفتوح الفاء فقط، مذكرًا أو مؤنثًا، وهو المشار إليه بقوله: "ثم/ زد فعلًا مجردًا وبتا التأنيث"، وذلك نحو كذب كذبًا وسرق سرقة. وكذلك لم يجئ مضموم العين إلا مضموم الفاء، وهو المذكور بعد قوله: "ومشبه شغلا". ومثله: حلم الغلام حلما، إذا بلغ الحلم. هذه أوزان المجرد.
وأما الأوزان المزيد فيها فأشار إلى ما زيادته ألف بين عينه ولامه، مذكرًا أو مؤنثًا مع اختلاف حركة فائه، وهو المشار إليه بقوله من قبل: "وصلاح"، وقوله: "ثم فعالة" وذلك في مفتوح الفاء. وقال في مكسور الفاء ومضمومة؛ مذكرًا أو مؤنثا: "فِعالة وفُعالة وجيء بهما مجردين من التاء".
وذلك نحو: ذهب ذهابًا وصلح صلاحًا ونظف نظافة وظرف ظرافة. وهذا في مفتوح الفاء. ونحو: آب إيابًا: رجع، وشرد شرادًا، وكتب كتابة،
[ ١٧٩ ]
ودرى دراية، أي فهم فهمًا. وهذا في مكسور الفاء، ونحو: صرخ، صراخًا، وسأل سؤالًا، ودعب دعابة، بالمهملتين: مزح بالزاي، وخفر خفارة، أي أجاره ومنعه. وقد يقال: خَفارة وخِفارة، بفتح أوله وكسره. فهذه ستة أوزان أيضا. وسابعها: فعلة محركة. وهي المراد بقوله: وبالقصر، أي وبحذف الألف من فعالة؛ لأن فعالة بالفتح إذا حذف منها المد وهو الألف صار فعلة، وذلك نحو غلبه غلبة، وضبعت الناقة: بالضاد المعجمة وكسر الباء الموحدة، ضبعة: اشتهت الفحل، وهذا الوزن هو مؤنث فعل المحرك كطلب طلبًا، وقد سبق. وقوله: "والفعلاء قد قبلا": أي بزيادة ألف التأنيث الممدودة، مفتوح الفاء، ساكن العين؛ كرغب رغباء ورهب رهباء ووقع في هلكاء؛ أي مهلكة، وقوله: والفعول صلا. ثم الفعيل، وبالتاء ذان، أي وصل الفعول بضم الفاء؛ مذكرًا ومؤنثا. ثم الفعيل كذلك بما قبله؛ لأن الزيادة فيهما حرف مد قبل الآخر، فهما نظيرا فعال وفعالة، وذلك نحو: خرج خروجًا ودخل دخولًا وسهل سهولة وصعب صعوبة. ونحو: صهل الفرس صهيلًا وذمل البعير ذميلًا بالذال المعجمة، وهو ضرب من السير، ونم نميمة ونصح نصيحة وفضحه فضيحة. هذه أربعة أوزان، وخامسها: الفعول بفتح الفاء، نحو: قبل البيع ونحوه قبولا، وقد ذكره بعد، وإنما أخره عن الفعول بالضم؛ لقلة وروده، حتى إنه لم يرد غير هذه اللفظة؛ أعني القبول. وسادسها: الفعلان محركا، نحو: جالا جولانا: أي طاف، وخفق قلبه خفقانا،
[ ١٨٠ ]
وهو كثير مقيس، بخلاف الفعلان بسكون العين، كما سبق. فهذه ستة أوزان.
وأما ما زيادته بغير ما سبق، فمنها: الفَعْلُولة، نحو: بان بينونة وصار صيرورة. ومنها: فُعلَل بضم الفاء وفتح اللام، نحو: ساد قومه سوددا، ومنها: فَعَالية بفتح الفاء مخففة، نحو: كرهه كَراهية، وعلن الأمر عَلانية، وعبق به الطبيب عَباقية، وفهم فَهامية، وطمع طَماعية. ومنها: فُعيلية بضم الفاء مصغرا، نحو: ولدت المرأة وُليدية، أي ولادة. ومنها: فُعُلة بضم الفاء والعين معًا وتشديد اللام، نحو: غلبه غُلبة، أي غلبة بالتحريك. ومنها: فَعَلى محركا، نحو: جمَزَت الناقة بالزاي والجيم جَمَزَى، بمعنى أسرعت، وكذا: مرضت مَرضى. ومنها: فَعَلوت بفتح الفاء والعين معًا، نحو: رغب رَغَبوتًا ورهب رهبوتًا ورحم رَحموتا؛ أي رغبة ورهبة ورحمة. ومنها: فُعُلى بضم الفاء والعين معا وتشديد اللام، نحو: غلبه غُلُبى؛ أي غَلَبة؛ أي غَلَبة. ومنها: فُعَلْنِيَة بضم الفاء وفتح العين وسكون اللام وكسر النون وتحفيف الياء؛ نحو: سحف رأسه بالمهملتين سُحَفْنِيَة؛ أي حلقه. لكن قال في القاموس "رجل سُحَفْنِيَة كبلهنية للمحلوق الرأس"، فجعله وصفًا لا مصدرا. ومنها: فُعولية بتشديد الياء مع فتح الفاء وضمها، وهو معنى قوله: "والفتح قد نقلا"، وذلك نحو: خصه خُصُوصية وخَصوصِية. فهذه عشرة أوزان.
وأما زيادته ميم في أوله، فأشار إليه بقوله:
ومَفْعَلٌ مَفْعِلٌ ومَفْعُلٌ وَبِتَا التأنيث فيها وَضم قلما حُملا
[ ١٨١ ]
(تنبيه) ظاهر كلامه أن فعلا مقيس في فعل المفتوح المعدى مطلقا و.. و
وهي المفعل بفتح الميم مع اختلاف حركة العين بفتح أو كسر أو ضم مذكرًا أو مؤنثا، وذلك نحو: دخل مَدخلًا ورضى مَرضاة، ونحو كبر الرجل مكبرًا وحمده محمدة، ونحو: هل مهلكا ومهلكة بضم اللام، ومعنى قوله: "وضم قلما حملا": أن المفتوح والمكسور كثير في كلامهم، بل مقيس كما سيأتي في باب المفعَل والمفعِل، وأما المضموم فقل من حمله من الرواة عنهم، وسيأتي حصر ما جاء من كلامهم بالضم في باب المفعَل والمفعِل. فهذه ستة أوزان. فمجموع ذلك ثمانية وأربعون وزنا، المقيس منها عشرة أوزان، أشار إليها بقوله:
فعل مقيس المعدى
أي إن قياس المصدر من الفعل الثلاثي المعدى أن يكون على فعل بفتح الفاء وسكون العين، وشمل ذلك المعدى من فعل المفتوح وفعل المكسور، وهو كذلك، نحو: ضربه ضربًا وفهمه فهما.
(تنبيه) ظاهر كلامه أن فعلا مقيس في فعل المفتوح المعدى مطلقا، وإن سمع غيره، وهو مذهب الفراء، ولكن المنقول عن سيبويه والأخفش أنه مقيس ما لم يسمع؛ فإن سمع غيره وقف عنده، ولم يخترع له مصدرًا آخر على القياس [فلا يقال في طلبه طلبا وظلمه ظلما: طلبًا وظلمًا بالفتح]، (فلا يجوز أن يقال ذلك قياسا).
وظاهر عبارته أيضًا أنه مقيس في فعل المكسور بلا قيد/، وهو أيضًا ظاهر
[ ١٨٢ ]
قياس المصدر من فعل المفتوح اللازم ..
إطلاق الخلاصة، حيث قال: "فعل قياس مصدر المعدى"، وهو مقتضى كلام سيبويه والأخفش، لكن قيد في التسهيل أطراده بأن يدل على عمل بالفم، نحو: لقم لقمًا وقضم قضما، وهو كذلك، وأما غير عمل الفم فمجيء مصدره على فعل قليل، ومنه حمده حمدا وجهله جهلا وفهمه فهما، وقد يجيء على فعل بالكسر كحفظة حفظًا وفهمه فهما. وعلى فعل بالضم كشربه شربًا ولبسه لبسا وغنمه غنما. وعلى غير ذلك كركبه ركوبًا، وقربه قربانا، وضمنه ضمانًا وكرهه كراهية، ثم أشار إلى المصدر من فعل المفتوح اللازم بقوله:
"والفعول لغيره"
أي: والفعول بضم الفاء لغير المعدى. فدخل في إطلاقه اللازم مطلقًا من فعل المفتوح والمكسور والمضموم، وليس كذلك، لكن يفهم ختصاصه باللازم من فعل المفتوح من أفراد المكسور والمضموم بعد بالذكر، فقياس المصدر من فعل المفتوح اللازم على فعول نحو قعد قعودًا، ولكن اطراده فيه
[ ١٨٣ ]
مصدر فعل المكسور اللازم ..
مشروط بأمور، منها: ألا يكون فعل صوت، ولهذا قال:
(سوى فعل صوت ذا الفعال جلا)
أي: فإن كان فعل صوت من أي حيوان كان، فقياس مصدره على فعال بضم الفاء، نحو: صرخ صراخًا ونبح نباحا، وعلى فعيل أيضًا كما سنذكره بعد، والإشارة "بذا" إلى فعل الصوت، وهو مبتدأ، وجلا بفتح الجيم فعل ماض، والفعال مفعول مقدم، والجملة خبر المبتدأ؛ أي: وفعل الصوت أظهر الفعال مصدرًا له عند تصريفه، بقولك: صرخ صراخا، ومنها: ألا يكون فعل داء ولا فرار ولا شبهه، ولا دالًا على حرفة وشبهها كما سيذكره بعد. ولو قدمه هنا لكان اولى. وأما مصدر فعل المكسور اللازم، فذكره بقوله:
وما على فعل استحق مصدره إن لم يكن ذا تعد كونه فعلا
أي: وما كان من الثلاثي على فعل بكسر العين، فقياس مصدره إن لم يكن معدى أن يكون على فعل بفتح الفاء والعين معًا؛ سواء كان صحيحًا أو معتلًا أو مضاعفا، كفرح فرحًا وغرث غرثا، بالغين المعجمة والثاء المثلثة؛ بمعنى
[ ١٨٤ ]
(تنبيه) أطلق الناظم كذلك
مصدر فعل المضموم
تنبيهان
الأول: ظاهر كلامه أن كلا من المصدرين مقيس
جاع، وجوى جوى بالجيم، والجوى وجع الجوف، وشلت يده شللا؛ أي فسدت.
(تنبيه) أطلق الناظم كذلك، وهو مشروط بأن لا يكون لونًا في الأكثر؛ إذ قياسه فعله بالضم، نحو: كدر كدرة وحمر حمرة وخضر خضرة. وأما مصدر فعل المضموم فأشار إليه بقوله:
(وقس فعالة أو فعولة لفعلت كالشجاعة والجاري على سهلًا)
أي: وقس فعالة بالفتح أو فعولة بالضم مصدرا لفعل بالضم كالشجاعة في شجع والسهولة في سهل، ويجوز أن يقرأ قوله والجاري بالراء اسم فاعل من جرى، وبالهمزة اسم فاعل من جاء.
تنبيهان: الأول: ظاهر كلامه أن كلا من المصدرين مقيس، وهو أيضًا مقتضى الخلاصة حيث قال فيها: فعولة فعالة لفعلا. وزعم بدر الدين ﵀ أن الفعولة مقيس في مصدره الذي الوصف منه على فعل؛ كسهل سهولة فهو سهل، وأن الفعالة مقيس في مصدره الذي الوصف منه على فعيل، كنظف نظافة فهو نظيف، وفي ذلك نظر، لمجيء الوصف من السماحة والجلادة والرخاصة والشهامة على فعل، وهو سمح وجلد ورخص وشهم.
[ ١٨٥ ]
الثاني: لم أر من نبه على مجيء المصدر منه على فعل
والصواب عندي ما قاله بعضهم: أن المقيس الفعالة فقط لغلبتها، دون الفعولة لقلتها، كالجنابة والصلابة والسماجة والسماحة والصباحة والفصاحة والملاحة والوقاحة والبلادة والطهارة والقذارة والنضارة والنجاسة والفراسة والتعاسة والشناعة والفظاعة والوساعة والحصافة والسخافة والنحافة والثقافة والقيامة والكثافة واللطافة والنظافة والحماقة والصفاقة والبسالة والجزالة والرذالة والجسامة والحزامة والضخامة والملامة والحضانة والرفاهة والفراهة والنباهة، وأما الفعولة فقليل، كالصعوبة والجمودة والبرودة والحموضة والسهولة والخشونة.
الثاني: لم أر من نبه على مجيء المصدر منه على فعل وهو كثير جدًا، بحيث إن يقول بأنه مقيس أولى من الفعولة، وذلك كالقرب والبعد والرحب والخبث، والفسح والكبر والبؤس والفحش والرخص والغلظ والسخف والطرف والظرف والقبح والحسن والطول والعرض والقصر والصغر والعسر واليسر والكفر والحمق والخرق والسحق والنبل والعظم واللؤم والجبن والثخن والنبه. وعلى فعلة كالبردة والسرعة والحرمة والهجنة. ويجئ أيضًا على فعل كعنب بكثرة كالقصر والصغر والكبر والعوض والغلظ والثقل والعظم والقدم والثخن. وعلى فعل محركًا كالأدب والخطر والشرف والضنك والكرم والسفه. وعلى فعل بالفتح، كالفقر والخفض والبهجة والنجدة والكثرة. وعلى غير ذلك كالرفاهية والفراهية والحلم. ثم أشار بقوله:
(وما سوى ذاك مسموع)
إلى أن هذه الستة أوزان التي ذكرها هي المقيسة، وسائر الأوزان السابقة
[ ١٨٦ ]
/ سماعية، فيحفظ المسموع ولا يقاس عليه. ثم أشار بقوله:
(وقد كثر الفعيل في الصوت)
إلى ما ذكرناه من قبل: أن شرط اطراد فعول بالضم في فعل المفتوح اللازم ألا يكون فعل صوت، وأن فعل الصوت قياسه: إما فعال بالضم، وقد سبق، أو فعيل وهو هذا، كالضجيج، والأجيج، والأنين، والحنين، والرنين، والأليل، والشخير، والنخير، والزفير، ونقيق الضفدع، وهرير الكلب، وفحيح الأفعى، وزئير الأسد، ونهيق الحمار وشهيقه، ونعيب الغراب ونعيقه، وسحيل وصهيل الفرس، ونئيم الظبي، وهدير الإبل والحمام، وقصيف الوعد، وطنين الطست. وكذا أشار بقوله:
( والداء الممض جلا)
(معناه وزن فعال فليقس )
إلى ما ذكرناه من قبل: أن شرط اطراد فعول فيه ألا يكون فعل داء، فإن كان فعل داء فقياسه الفعال بالضم، كالعطاس والزكام. والممض: الموجع، وجلا معناه وزن فعال: أظهر مصدره، فالمعنى هو المصدر، وهو مفعول به، ووزن فعال؛ فاعله. وكذا أشار بقوله:
( ولذى فرارٍ او كفرارٍ بالفعال جلا)
إلى ما ذكرناه من أن شرط اطراد فعول فيه ألا يكون فعل فرار وشبهه؛ فإن كان كذلك فمصدره بالفعال بالكسر جلا بالقصر والمد؛ أي وضوح
[ ١٨٧ ]
تنبيه: أهمل الناظم ﵀ ما دل على سير أو تقلب
وظهور، نحو شرد شرادًا، وفر فرارًا وأبق إباقا. والمراد بشبهه ما يدل امتناع، كأبى إباءًا ونفر نفارًا وجمح جماحًا، وكذا أشار بقوله:
(فعالة لخصالٍ والفعالة دع لحرفةٍ أو ولايةٍ ولا تهلا)
إلى ما ذكرناه من أن شرط اطراد الفعول فيه ألا يصاغ من فعل حرفة أو ولاية؛ فإن كان كذلك فقياسه الفعالة كالكتابة والتجارة والولاية. وقوله: "ولا تهلا": أي ولا تنس ما ذكرته لك، وأما قوله: "فعالة لخصال" بالرفع، فقال بدر الدين ﵀: الخصال إنما تنبني من فعل المضموم، نحو: نظف نظافة، قال: وقد تقدم أن مصدره يجيء على فعالة وفعولة كالشجاعة والسهولة؛ فقوله هنا "فعالة لخصال" إعادة محضة. انتهى.
وعندي أنه ليس بإعادة محضة، بل هو بيان لمعنى أعم من الأول؛ فإنه ذكر فيما مضى أن فعل بالضم يجيء مصدره مقيسًا فعالة وفعولة، وأراد هنا أن يبين أن أفعال الخصال من أي فعل كانت تصاغ على فعالة، كظرف ظرافة، وفطن فطانة، وغبي غباوة، وغوى غواية، وسعد سعادة، ورجح عقله رجاحة. وقد صرح بمثل ذلك غيره.
تنبيه: أهمل الناظم ﵀ ما دل على سير أو تقلب، وهما أيضًا مستثنيان من مقيس المفتوح اللازم؛ لأن قياس ما يدل على السير الفعيل، كزمل البعير زميلا، ورحل رحيلا، ودب دبيبًا، وقياس ما يدل على التقليب الفعلان محركا، كجال جولانا، وهذا هو البناء العاشر؛ لأنا ذكرنا أن مقيس الثلاثي عشرة، ولم يورد الناظم إلا تسعة، وقد ذكره لك في
[ ١٨٨ ]
تنبيه: شرط بناء المرة والهيئة
الخلاصة. ويتحصل أيضًا مما ذكر أن الفعال بالضم مشترك بين الصوت [والداء وكذا الفعيل مشترك بين الصوت] والسير. والله أعلم.
اسم المرة واسم الهيئة
ثم لما أنهى الكلام على مصادر الثلاثي إجمالًا وتفصيلًا أتبعها بذكر نوع منها فقال:
(لمرةٍ فعلة. وفعلة وضعوا لهيئةٍ غالبًا كمشية الخيلا)
أي إنهم وضعوا للدلالة على المرة من مصدر الثلاثي المجرد فعلة بفتح الفاء، وللدلالة على الهيئة منه فعلة بكسرها؛ لازمًا كان الفعل أو متعديا، مفتوح العين أو مكسورها، أما المرة، فنحو: جلس جلسة وضرب ضربة: أي واحدة منه، وكذا فرح فرحة، وشرب شربة، وأما الهيئة، وهي الحالة التي يكون عليها الفاعل حال مباشرته للفعل، نحو: حسن الجلسة والركبة، ومشى مشية الخيلاء، وسار سيرة حسنة. وأشار بقوله: "غالبا" إلى ما شذ من قولهم: لقيته لقاية، وأتيته إتيانة، والقياس لقية وأتية، بالفتح في المرة، وبالكسر في الهيئة.
تنبيه: شرط بناء المرة والهيئة على فعلة وفعلة: أن يكون مقيسا، ألا يصاغ المصدر عليهما كرحمة وحمية، ألا يكون فيه تاء التأنيث كالشجاعة والسهولة، فلا تقول: نكح نكاحة وعجز عجزة وربح ربحة وحرب حرابة وكرم كرامة، وكذا لو كان مصدره على فعلة بفتح الفاء جيء بالمرة والهيئة منه كذلك، وفرق بينهما بالقرائن كرحمة رحمة واحدة أو نوعًا من الرحمة أو رحمة واسعة. ولا يقال في الهيئة منه الرحمة بالكسر، وكذا لو كان المصدر منه على فعلة بالكسر جيء بالمرة والهيئة منه كذلك، وفرق بينهما بالقرائن كحميت المريض حمية واحدة أو حمية مانعة أو نوعًا من الحمية، ولا يقال في
[ ١٨٩ ]
المرة منه الحمية بالفتح، وكذا لو كان في مصدره تاء التأنيث لم تلحقه التاء للدلالة على المرة والهيئة؛ اكتفاء بتلك التاء، وفرق بالقرائن، كنظف نظافة وسهل سهولة وكتب كتابة. وقد ذكر الناظم ﵀ في آخر الفصل الآتي، المعقود لما زاد على الثلاثي أن المرة من الفعل الذي تلازم مصدره التاء إنما يكوم بذكر الوصف بالوحدة:
فصل في أبنية ما زاد على الثلاثي
وهي سبعة أنواع: سداسي، ولا يكون إلا مبدوءًا بهمزة الوصل كاستخرج، وخماسي مبدوء بها كانطلق، أو بالتاء كتدحرج، ورباعي كدحرج، أو من مزيد الثلاثي، هو إما بهمزة قطع كأكرم، أو بالتضعيف كقطع، أو بألف بين فائه وعينه كقاتل، ولكل من هذه الأنواع مصدر مقيس لا يتوقف/ على سماع، وما سمع له من غير القياسي حفظ ولم يقس عليه. وقد ذكر الناظم ﵀ من هذه الأنواع ستة، وأهمل الرباعي المبدوء بهمزة القطع الصحيح العين كأكرم، وبدأ بالمبدوء بهمزة الوصل سداسيًا وخماسيًا، فقال:
بكسر ثالث همز الوصل مصدر فعل حازه مع مد ما الأخير تلا
أي بناء المصدر من كل فعل حاز همزة الوصل؛ خماسيًا كانطلق، أو سداسيًا كاستخرج، بكسر ثالثة، كالطاء من انطلق، والتاء من استخرج، مع مد الحرف الذي يتلوه الأخير، وهو اللام من انطلق، والراء من استخرج، والمراد بمده: إشباع فتحه حتى يبدو منها ألف فيصير انطلاقًا واستخراجًا، ومثله: اقتدر اقتدارا؛ واحمر احمرارا، واخرنجم اخرنجامًا واخلولى اخليلاء.
تنبيه: اعلم أن إطلاقه وإن كان يقتضي أن كل فعل مبدوء بهمزة الوصل لا
[ ١٩٠ ]
تنبيهان
أحدهما: إنما كسروا ما قبل الأخير من معتل هذا النوع
الثاني: ما ذكره في مصدر المبدوء بالتاء هو المصدر المقيس
يكون مصدره إلا بكسر ثالثه مع مد ما قبل آخره، فالمراد به القياس دون السماعي كاقشعر قشعريرة. والمراد به الصحيح أيضًا دون المعتل، كاستعاذ استعاذة، وقد ذكر الناظم ﵀ التقييد بعد، كما فعل في مصدري فعل وتفعل المضعفين كما سيأتي، فإطلاق عبارته أولًا اعتماد على التقييد آخرا. ثم أشار إلى النوع الثالث وهو مصدر الخماسي المبدوء بالتاء بقوله:
(واضممه من فعل التازيد أوله واكسره سابق حرف يقبل العللا)
أي: واضمم ما قبل الأخير إذا بنيت المصدر من فعل زيد التاء، في أول ماضيه إن كان صحيح اللام، فإن زيدت التاء في أوله وهو معتل فاكسر ما قبل آخره، مثال الصحيح، والتقييد به مفهوم من ذكر المعتل: تدحرج تدحرجًا وتغافل تغافلًا وتكلم تكلما، ومثال المعتل: تسلقى تسلقيا وتولى توليا.
تنبيهان: أحدهما: إنما كسروا ما قبل الأخير من معتل هذا النوع مع أن قياس نظيره من الصحيح الضم، مع أنهم يمكنهم أن يقولوا: تسلقوا- لئلا يخرج إلى ما ليس من كلامهم، وهو كون آخر الاسم واوًا قبلها ضمة، ولا يوجد في كلامهم مثل ذلك، ولهذا جمعوا دلوا على أدل، وقياس نظيره من الصحيح: أدلو، مثل: كلب وأكلب.
الثاني: ما ذكره في مصدر المبدوء بالتاء هو المصدر المقيس، وقد نبه بعد ذلك على أنهم قالوا أيضًا في بعض المبدوء بالتاء تفعال بكسر أوله وثانيه معا: كتملق تملاقًا، وتجمل تجمالا، ومنه قول الشاعر:
(ثلاثة أحباب فحب علاقة وحب تملاق وحب هو القتل)
[ ١٩١ ]
تنبيهات
ثم أشار إلى النوع الرابع، وهو مصدر الرباعي المجرد، بقوله:
لفعلل ائت بفعلالٍ وفعللةٍ
أي وائت بوزن المصدر من فعلل، وهو الرباعي المجرد كدحرج. على فعلال بكسر الفاء، أو فعللة بفتحها، كدحراج ودحرجة، ومثله: زلزل زلزالا وزلزلة، وحوقل الرجل حيقالا وحوقلة؛ إذا أسن وضعف عن الجماع، وسرهفت الصبي سرهافا وسرهفة، إذا غذيته بالأطعمة الطيبة، ذكره في القاموس من زيادته، وفي الصحاح: سرعفته بالعين المهملة، وهو يدل على أن الهاء من سرهفته أصلية.
تنبيهات: الأول: قضية كلامه أن كلا من الفعلال والفعللة مقيس في فعلل، وهو ظاهر التسهيل أيضا، وصرح به بعضهم، إلا أن المشهور- وبه صرح في الخلاصة حيث قال:
وأجعل مقيسًا ثانيًا لا أولا
- أن المقيس الفعللة لا غير؛ لأنه المطرد في الرباعي المجرد، كدحرج، ومزيد الثلاثي الملحق؛ كبيطر بيطرة، وهرول هرولة، وجورب جوربة، ولم يسمع الفعلال في شيء من الملحق بالرباعي إلا قولهم حوقل حيقالا.
ثانيهما: قد كثر الفعلال في الرباعي المضاعف، نحو: زلزل وصلصل، وقد سبقت أمثلة منه في موضعه. وأجازوا فيه الفتح أيضًا فقالوا: زلزل زلزالا بالكسر، على القياس، وزلزالًا بالفتح، وكثيرًا ما يراد بالمفتوح منه الدلالة على اسم الفاعل، ومنه ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]، أي مصلصل، ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤] أي الموسوس.
ثالثهما: ما ذكره في مصدر فعلل من الفعلال والفعللة هو المقيس فيه، ومما سمع فيه أيضا: الفعللى، بفتح الفاء، نحو: قهقر القهقرى، والفعللى مضمومها،
[ ١٩٢ ]
نحو: قرفص القرفصى ولم يذكرهما الناظم رحمه الله تعالى، والقهقرى: هو الرجوع إلى وراء، والقرفصى: أن يجلس على أليتيه، ويلصق بطنه بفخديه ويتأبط كفيه، ثم أشار إلى النوع الخامس وهو مصدر الرباعي الذي هو من مزيد الثلاثي بالتضعيف، بقوله:
( وفعل اجعل له التفعيل حيث خلا)
(من لام اعتل، للحاوية تفعلة ألزم )
أي أجعل مصدر فعل المضعف: التفعيل، نحو ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، و﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهذا إذا كان صحيح اللام، فإن كان معتلها فالزم في مصدره: التفعلة، نحو: زكى تزكية، وصلى تصلية، وهذا هو القياس فيهما، وربما جاء على غيره فيحفظ؛ فمن ذلك أنهم ربما شبهوا الصحيح منه بالمعتل؛ فقالوا في مصدر الصحيح أيضًا تفعلة، وإلى ذلك أشار بقوله:
( وللعار منه ربما بدلا)
أي وربما بدلوا التفعلة للعارى عن اللام المعتل، نحو: تبصرة/ وتذكرة.
تنبيهان: الأول: لما كان للمهموز شبه بالصحيح من وجه، وبالمعتل من وجه اطرد في مصدره التفعيل والتفعلة معا، ولم يذكر الناظم، نحو: جزأه تجزيئًا وتجزئة وخطأه تخطيئًا وتخطئة.
الثاني: لم يذكر الناظم رحمه الله تعالى تشبيه المعتل بالصحيح، عكس ما ذكره، لأنهم ربما بدلوا التفعيل للمعتل، كقول الشاعر:
[ ١٩٣ ]
باتت تنزي دلوها تنزيًا
وقياسه: تنزية، ومن ذلك: مجيء مصدر فعل الصحيح على فعال بكسر الفاء مضعفا نحو: كذب كذابا، وعلى تفعال بفتح التاء مخففًا، إذا قصد الدلالة على الكثرة، نحو: طوف تطوافًا، وسير تسيارًا. وقد ذكره الناظم ﵀ مع غيره، فقال:
(ومن يصل بتفعال تفعل والفعال فعل فاحمده بما فعلا)
(وقد يجاء بتفعال لفعل في تكثير فعل كتسيار وقد جعلا)
(ما للثلاثي فعيلى مبالغة ومن تفاعل أيضًا قد يرى بدلا)
(وبالفعليلة افعلل قد جعلوا مستغنيًا لا لزومًا فاغرف المثلا)
أي إن ما مضى من المصادر المقيسة قد يشركها غيرها، فيحفظ ذلك ولا يقاس عليه، فمن ذلك قولهم في تفعل: تفعالا، كتملق تملاقا، كما قد نبهنا عليه في موضعه، وفي فعل المضعف فعال، نحو: كذب كذابا. وإنما قال "يصل" لأن المصدر يوصل بفعله في تصريفه، وعلى هذا فصواب العبارة: ومن يصل تفعالا بتفعل فانعكس على الناظم. وكذا قالوا في مصدر فعل المضعف تفعال أيضًا للدلالة على الكثرة كطوف تطوافا، وقد نبهنا على ذلك قريبا. ومن ذلك أنه قد يجيء مصدر الثلاثي على فعيلى بكسر الفاء والعين المشددة للدلالة على المبالغة، كقولهم: خصه بالشيء خصيصى، وحثه على الأمر حثيثى، وربما جاء ذلك في مصدر تفاعل، وهو الخماسي المبدوء بالتاء، بدلًا عن مصدره، وهو التفاعل، كقولهم: ترامى اللوم رميا، بدل من تراميا. ومن ذلك قولهم في مصدر افعلل وهو السداسي المبدوء بالهمزة: فعليلة،
[ ١٩٤ ]
تنبيه
كاقشعر قشعريرة، واطمأن عليه طمأنينة، وقد سبق أن قياسه الإفعلال بكسر ثالثه ومد ما قبل آخره، كاقشعر اقشعرارًا، واستقر استقرارًا، وسبق أيضًا التنبيه على هذا. وأشار بقوله: مستغنيًا لا لزومًا إلى أن ذلك إنما جاءوا به على سبيل النيابة عن المصدر المقيس لا على سبيل اللزوم والاطراد، وقوله: "فاعرف المثلا" بضم الميم، جمع مثال؛ أي فاعرف المقيس منها المطرد من السماعي المحفوظ؛ لتميز بينهما.
تنبيه: ما ذكره الناظم ﵀ من أن القشعريرة ونحوها من أمثلة المصادر لعله اختاره، وإلا فمذهب سيبويه أنها ليست مصادر حقيقة، وإنما هي اسم مصدر وضعت موضعه كما في اغتسل غسلا وتوضأ وضوءًا، والمصدر الحقيقي اغتسالا وتوضؤا. وما ذكره أيضًا من كون التسيار ونحوه من مصادر فعل المضعف هو مذهب الفراء وغيره من الكوفيين، وكأنه اختاره، وذلك أيضًا ظاهر التسهيل، لكن مذهب سيبويه وسائر البصريين أنها من مصادر الثلاثي، وجيء بها كذلك لقصد التكثير، كما جيء بالخصيصى ونحوها للمبالغة، مع الاتفاق على أنه من الثلاثي كما سبق، لا من المزيد عليه.
ثم أشار إلى النوع السادس، وهو مصدر الرباعي، الذي هو من مزيد الثلاثي؛ بزيادة ألف بين فائه وعينه- بقوله:
(لفاعل اجعل فعالًا أو مفاعلة)
أي إن فاعل له مصدران مقيسان، وهما: الفعال بكسر الفاء مخففًا، والمفاعلة، نحو: قاتل مقاتلة وقتالًا، وجادل جدالًا ومجادلة.
[ ١٩٥ ]
تنبيهان
تنبيه: ظاهر كلامه هنا وفي الخلاصة أيضا، حيث قال: "لفاعل الفعال والمفاعلة" أن كلا من المصدرين مقيس، والمنقول عن سيبويه أن المقيس المفاعلة لا غير، واحتج بأنهم قد يتركون الفعال ولا يتركون المفاعلة؛ لأنها تنفرد غالبًا بما فاؤه ياء، نحو: ياسره مياسرة ويامنه ميامنة، ولا يأتي فيه الفعال لإستثقال الكسرة على الياء، إلا ما ندر فيما حكاه ابن سيده من قولهم: يأومه مياومة ويوامًا، ثم أشار إلى غير المقيس في فاعل بقوله:
( وفعلة عنهما قد ناب فاحتملا)
أي إن فعلة بكسر الفاء قد تنوب عن الفعال والمفاعلة في فاعل، نحو: ماراه مماراة ومراء ومرية أيضا.
تنبيهان: أحدهما؛ ظاهر كلامه أن الفعلة مصدر حقيقي لفاعل، والمشهور أنه اسم مصدر، كتوضأ وضوءًا.
والثاني: من المصادر السماعية لفاعل أيضًا الفيعال بكسر الفاء، ولم يذكره، كضارب ضيرابًا، ثم أشار بقوله:
(ما عينه اعتلت الأفعال منه والاسـ تفعال بالتاء، وتعويض بها حصلا من الزال .. .. ..)
- إلى نوعين من مصادر معتل العين، وهما: الإفعال والاستفعال/: أي فإنهما كنظيرهما من الصحيح، إلا أنهما زيدت عليهما تاء التأنيث عوضًا عن عينهما المزالة لالتقاء الساكنين.
أما الإفعال فهو المصدر الرباعي المزيد فيه همزة القطع، وهو النوع السابع، وقد ذكرنا أن الناظم ﵀ ذهل عن ذكر مصدره الصحيح، وقياسه: إن كان صحيح العين: الإفعال، كأكرم إكراما، فإن كان معتلها كأعان وأقام
[ ١٩٦ ]
تنبيهات
الأول: احترز بالإفعال والاستفعال عن مصدري الخماسي المبدوء بهمزة وصل
ثانيها: اختلفوا في المحذوف من نحو الاقامة والاستقامة من الألفي
فيجيء المصدر منه على قياس الصحيح، لكن تسقط العين في مصدره لالتقاء الساكنين، وهما: الألف المبدلة من عينه، وألف الإفعال المزيدة بين فائه وعينه للدلالة على المصدر؛ لأن أصل أقام إقامة: أقوم إقواما، على وزن أكرم إكراما، فلما نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها انقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما، فصار: إقاما، فزادوا عليه تاء التأنيث عوضًا عن المحذوف فصار: إقامة، وأما الاستفعال فهو مصدر السداسي المبدوء بهزة الوصل، وقد سبق أن قياس مصدره بكسر ثالثه ومد ما قبل آخره، كاستخرج استخراجًا، وقيدناه هناك بصحيح العين؛ فإن كان معتلها كاستعان واستقام جاء المصدر منه أيضًا على قياس صحيحها، لكن تسقط العين في مصدره؛ فأصل استقام استقامة: استقوم استقواما، على وزن استخرج استخراجًا، فلما نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها انقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما، فصار: استقاما، وعوض عنها التاء، فصار: استقامة.
تنبيهات: الأول: احترز بالإفعال والاستفعال عن مصدري الخماسي المبدوء بهمزة وصل، وهما: الانفعال والافتعال، كانطلق انطلاقا واقتدر اقتدارًا؛ فإن مصدرهما من معتل العين يجيء على وزن صحيحها من غير حذف ولا زيادة. كانقاد انقيادًا واعتاد إعتيادًا.
ثانيها: اختلفوا في المحذوف من نحو الاقامة والاستقامة من الألفين؛ فعند سيبويه والخليل أنها الألف المزيدة قبل الآخر للدلالة على المصدر، لأن حذف الزائد أولى من حذف الأصل. وعند الأخفش والفراء بالعكس، لأن حذف حركة العلة أولى من حذف حرف زيد للدلالة على معنى؛ لئلا تفوت الدلالة بحذفه.
ثالثهما: ربما حذفوا التاء من نحو الإقامة فقالوا: إقاما وإجابا، وقد نبه على
[ ١٩٧ ]
رابعها: ربما جاءوا بالمصدر المعتل من الإفعال والاستفعال
ذلك في الخلاصة، حيث قال: "وغالبا ذا التا لزم" ويكثر ذلك مع الإضافة نحو ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ [النور: ٣٧].
رابعها: ربما جاءوا بالمصدر المعتل من الإفعال والاستفعال على وزن الصحيح لتصحيحهم فعله، نحو استحوذ استحواذًا وأغيمت السماء إغيامًا، والقياس: استحاذ استحاذة وأغامت السماء إغامة.
ثم لما فرغ من ذكر مصادر المزيد على الثلاثي أتبعها بذكر المرة منها فقال:
( وإن تلحق بغيرهما تبن بها مرة من الذي عملا)
أي وإذا لحقت تاء التأنيث بغير الإفعال المعتل، من نحو الاقامة، والاستفعال من نحو الاستقامة؛ من سائر المصادر المقيسة المذكورة في هذا الفصل مما ليست فيه تاء، كان ذلك لبيان المرة من المصدر المعمول، وسماه معمولًا لأنه مفعول مطلق، فقوله: "عمل" هو بضم العين بالبناء للمفعول، وذلك نحو: استخرج استخراجة، وانطلق انطلاقة وتدحرج تدحرجة، وعمله تعليمة، وأكرمه إكرامة، فالتاء في ذلك للدلالة على المرة، وكذلك دحرجه دحراجة وقاتله قتالة، لا دحرجة ولا مقاتلة إلا بوصف الواحدة وكذا سائر المصادر التي تلازمها التاء، وإلى ذلك أشار بقوله:
(ومرة المصدر الذي تلازمه بذكر واحدةٍ تبدو لمن عقلا)
أي فإذا أردت الدلالة على المرة مما فيه التاء وصفته بالواحدة، كقولك: أعان إعانة واحدة، واستعان استعانة واحدة، ولا يختص ذلك بنحو الإقامة
[ ١٩٨ ]
والاستقامة، بل كلامه عام لما فيه التاء، وقد سبق في هذا الفصل جملة مما فيه التاء، كالفعللة والمفاعلة والتفعلة، نحو: دحرج دحرجة واحدة، وقاتل مقاتلة واحدة، وزكى تزكية واحدة، وكذا اقشعر قشعريرة واحدة، إذ لا يختص ذلك بالمقيس، نعم لا يجوز إلحاق التاء للدلالة على المرة بما ليس بالمقيس، فلا تقول: تملق تملاقه، وكذب كذابة، ولا سير تسيارة؛ فعلى هذا من جعل الفعلال مقيسًا كالناظم أجاز إلحاقه التاء، ومن جعل المقيس الفعللة فقط منع إلحاق الفعلال التاء، والله أعلم.
[ ١٩٩ ]