أي بفتح العين وكسرها، مفتوحي الميم، وضابط الباب: أن يصاغ من كل فعل ثلاثي متصرف للدلالة على مصدره/ أو ظرفه وهو زمانه ومكانه الذي فعل فيه- مفعل ومفعل بفتح العين وكسرها. ثم ذلك على قسمين: قياسي، وسماعي، والقياسي ثلاثة أضرب: مفتوح العين مطلقا، أي سواء كان مصدرًا أو ظرفا، ومكسورها مطلقا، وضرب ثالث يكون المصدر منه مفتوحًا والظرف مكسورا.
وقد بدأ الناظم ﵀ بالقسم القياسي، وأشار إلى الضرب الأول منه بقوله:
(من ذي الثلاثة لا يفعل له ائت بمفعل لمصدر أو ما فيه قد فعلا
أي يجاء من الفعل الثلاثي الذي لا يكون مضارعه على يفعل بكسر العين، بل على يفعل بضمها أو يفعل بفتحها بوزن مفعل بفتح العين، والتقييد به يفهم مما بعده- للدلالة على المصدر أو الظرف الذي فعل فيه ذلك الفعل من مكان أو زمان. ودخل فيما مضارعه مضموم أو مفتوح نحو: نصر ينصر، ومضارع نحو: فاح يفوح، كقولك خرج يخرج مخرجا، ودخل يدخل
[ ٢٠٠ ]
مدخلا، وكرم يكرم مكرما، وذهب يذهب مذهبا، شرب يشرب مشربا. وخرج بقوله: لا يفعل له نحو: ضرب يضرب مضربا، ووعد يعد موعدًا وباع يبيع مبيعا، ورمي مرمى وحل يحل محلًا، لأن قياس المضارع من هذه كلها يفعل بالكسر؛ فأما نحو رمى فهو ملحق بما قبله، وإليه أشار بقوله:
(كذلك معتل لام مطلقا)
أي فإن المفعل من معتل اللام مطلقا يكون مفتوحا، ولو كان مضارعه
[ ٢٠١ ]
تنبيه: شمل إطلاقه
على يفعل بالكسر، كرمى يرمى مرمى، ومثله: ولى يلى مولى؛ تقول في المصدر رميت مرمى زيد: أي كرميه، وفي الظرف كذلك، أي في مكان رميه أو زمانه، وأما نحو: وعد، فهو بعكس ما قبله وهو الضرب الثاني، وإليه أشار بقوله:
( وإذا الفا كان واوًا بكسر مطلقا حصلا)
أي وإذا كان فاء الفعل واوًا فالمفعل منه بكسر العين مطلقا، أي سواء به المصدر أو الظرف، وعد يعد موعدًا حسنا: أي وعدًا. وجئته في موعده: أي وقت موعده أو مكانه.
تنبيه: شمل إطلاقه ما فاؤه واو ومضارعه مفتوح: سواء كان من باب فعل بالفتح، كوضع يضع، أو من باب فعل بالكسر، كوجل يوجل، وقد صرح بذلك غيره أيضا، لكن المختار- وبه صرح بدر الدين ﵀- أن ذلك خاص بما مضارعه على يفعل بالكسر، كوعد يعد، وأما نحو: وضع يضع، ووجل يؤجل فملحق بنحو فرح يفرح، وقد سبق أن المفعل منه فقط مفتوح مطلقا، وشمل إطلاقه أيضًا معتل اللام: ما فاؤه واو، نحو: وقاه، ووفى بوعده، وولى أمره، لكن أخرجه بقوله:
(ولا يؤثر كون الواو فاء إذا ما اعتل لام كمولى فارع صدق ولا)
أي إنه سبق أن كون اللام معتلًا يوجب فتح المفعل مطلقًا، وكون الفاء واوًا يوجب كسره مطلقا، فلو اجتمعا معًا في فعل لم يؤثر كون الفاء واوًا،
[ ٢٠٢ ]
بل يكون حكمه حكم رمى يرمي من معتل اللام، مما ليس فاؤه واوا، وقد سبق أن المفعل منه مفتوح مطلقا، فتقول: وقاه يقيه موقى: أي وقاية بالكسر والفتح، وكذا: وليه يليه مولى: أي ولاية بفتح الواو وكسرها، وولاء أيضا، والولاء: هو الموالاة بالنصرة والصحبة والقرابة والمجاورة؛ لأن المولى يجيء بمعنى الناصر والصاحب والقريب والجار، ومعنى قوله: "فارع صدق ولا": أي كن حافظًا لولائك صادقًا فيه، وهو بفتح الواو ممدودًا، وإنما قصره لضرورة الشعر. وأما نحو: ضرب يضرب فهو الضرب الثالث، وإليه أشار بقوله:
(في غير ذا عينه افتح مصدرًا، وسوا هـ اكسر .. .. .. .. ..)
أي: وفي غير ما سبق فافتح عين المفعل للدلالة على المصدر، واكسرها للدلالة على ما سوى المصدر من زمان أو مكان، وخرج من ذلك ما سبق، مما مضارعه مضموم كنصر ينصر وكرم يكرم، ومفتوح كمنع يمنع وفرح يفرح، أو مكسور وهو معتل اللام كرمى يرمي [فهذه قياسها فتح المفعل مطلقا] أو فاؤه واو [غير معتل اللام] كوعد يعد [وورث يرث، وهذا قياسه كسر المفعل مطلقا، وغير ما سبق]، نحو ضرب يضرب، وفر يفر، فتقول في المصدر منه: جلس يجلس مجلسًا بالفتح: أي جلوسا، وفر يفر مفرا بالفتح؛ أي فرارا، وفي الظرف: هذا مجلس زيد بالكسر؛ أي مكانه أو زمانه، وكذا هذا مفره: أي موضع فراره أو وقته. وشمل ذلك أيضًا نحو: باع يبيع مبيعا، وسيأتي آخر الباب ما فيه من الاضطراب.
[ ٢٠٣ ]
تنبيهان
تنبيهان: أحدهما: المتحصل من ذلك أن المصدر مفتوح مطلقا إلا في/ نحو وعد يعد موعدًا فمكسور، وأما الظرف فمفتوح فيما مضارعه مضموم أو مفتوح، ومكسور فيما مضارعه مكسور، إلا إذا كان معتل اللام مطلقا كرمى ووقى فمفتوح أيضا.
الثاني: وجه المناسب لما ذكر في الباب أنهم جعلوا الظرف من يفعل بالفتح مفتوحًا، ومن يفعل بالكسر مكسورا، للتوافق بين الظرف وفعله، وألحقوا المضموم بالمفتوح، فجعلوا الظرف من المضموم مفتوحا، لقلة المفعل بالضم في كلامهم، وكان إلحاقه بالمفتوح أولى من إلحاقه بالمكسور لخفة الفتح، لكن لما كان الموعد ونحوه بالكسر أخف من الموعد بالفتح بشهادة الذوق التزموا فيه الكسر مطلقا؛ مصدرًا كان أو ظرفا، وعكسه المولى ونحوه حيث التزموا فيه الفتح مطلقا، لخفة الفتح فيه، ولإفضاء الكسر إلى صيرورة الاسم منقوصا.
ثم أشار إلى القسم الثاني، وهو السماعي، بقوله:
( وشذ الذي عن ذلك اعتزلا)
أي: وما خرج عن الضابط فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ثم إن الشاذ على ضربين: ضرب جاء فيه مع الشذوذ القياس أيضا، وضرب جاء شاذًا فقط، وقد أشار إلى الضرب الأول بقوله:
(مظلمة مطلع المجمع محمدة مذمة منسك مضنة البخلا)
(مزلة مفرق مضلة ومدب محسر مسكن محل من نزلا)
(ومعجز وبتاء ثم مهلكة معتبة مفعل من وضع ومن وجلا)
(معها من احسب وضرب وزن مفعلة موقعة، كل ذا وجهاه قد حملا)
[ ٢٠٤ ]
فقوله: "مظلمة" بالرفع: إما بدل من فاعل شذ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهي مظلمة، وما بعده معطوف بحذف العاطف، وقوله:
"معها من احسب" متعلق بقوله: "وزن مفعلة" وهو معطوف أيضًا على مظلمة، وكذا: موقعة، وحمل بضم الحاء؛ أي فهذه كلها قد حمل الرواة فيها عن العرب وجهين، فمن ذلك المصدر من ظلم يظلم، يقال فيه: مَظْلَمة ومَظْلِمة؛ بالفتح على القياس، والكسر شاذ، وقياس الظرف منه الكسر؛ لأن مضارعه يفعل بالكسر. وفي القاموس: المظلمة بكسر اللام: ما يظلمه الرجل، فجعلها مفعولًا به لا مصدرا، ومنه المصدر من طلع يطلع، قالوا فيه: المَطْلَع والمَطْلِع، والقياس فتح مصدره وظرفه معا؛ لأن مضارعه يفعل بالضم، قال بدر الدين: وإذا أريد المكان قيل المَطْلِع بالكسر لا غير. وهو يقتضي أن ظرفه مما شذ بالكسر منفردا، فيكون من الضرب الثاني، ولم يذكره الناظم، وفي القاموس: طلع مطلَعا ومطلِعا، وهما للموضع، انتهى. فنقل بوجهين في ظرفه أيضا، وإطلاق النظم يقتضيه. ومنه المكان من جمع يجمع قالوا: المجمَع والمجمِع، والقياس فتح مصدره وظرفه معا؛ لأن مضارعه يفعل بالفتح. ومنه المصدر من حمد يحمد كفرح يفرح، ومن ذم يذم كنصر ينصر، قالوا فيهما: المحمَدة والمحمِدة، والمذَمة والمذِمة، والقياس الفتح في مصدره وظرفه. ومنه المكان من نسك ينسك كنصر ينصر، بمعنى عبد. قالوا فيه: المنسَك والمنسِك، والقياس فتح مصدره وظرفه معا، ولهذا إذا أرادوا المصدر قالوا: المنسك بالفتح
[ ٢٠٥ ]
لا غير. ومنه المصدر من ضمن بالشيء يضن، كحن يحن، بمعنى بخل به، قالوا فيه: المضَنة والمضِنة، فقياس مصدره: الفتح، وظرفه: الكسر، كضرب يضرب، وفيه لغة كفرح يفرح، فقياس المصدر والظرف معًا عليهما الفتح. ولعل الناظم أضافه إلى البخل لئلا يشتبه بالمظنة؛ من ظن بمعنى حسب. وسيأتي. ومنه المكان من زل يزل، كجن يجن؛ بمعنى أخطأ، قالوا فيه: مزلة أقدام ومزلة. فالكسر هو قياس ظرفه كضرب يضرب، وقياس مصدره الفتح، لكن في القاموس زللت مزلة بكسر الزاي وزللا، ومقتضاه: أن المصدر جاء منه مكسورًا، فيكون من الضرب الثاني. ومنه المكان من فرق بين الشيئين يفرق، كنصر ينصر، بمعنى فصل بينهما، قالوا فيه: المفرَق والمفرِق، والقياس فتح مصدره وظرفه معا؛ لأنه مضموم، قال الله تعالى ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] ومن ذلك المصدر من ضل يضل، كحن يحن، ضد اهتدى. قالوا فيه: مضَلة ومضِلة، وقياس مصدره الفتح، وظرفه الكسر، كضرب يضرب، وفيه لغة كفرح يفرح؛ فقياس مصدره وظرفه عليهما الفتح، وفي القاموس أرض مضَلة ومضِلة يضل فيها، فجعل الوجهين في المكان. ومنه المكان من دب/ على الأرض يدب كحن يحن، قالوا فيه: مَدَب النمل ومَدِب النمل، وقياسه فتح مصدره، وكسر ظرفه؛ فالفتح فيه هو الشاذ، وقد جاء المصدر منه بالفتح لا غير، على القياس. ومنه المكان من حشر يحشر، كنصر وضرب؛ بمعنى جمع، ومن سكن الدار يسكنها، ومن حلها يحلها، بمعنى نزلها، قالوا فيه: المحشَر والمحشِر والمسكَن والمسكِن والمحَل والمحِل، وقياس المصدر والظرف معًا
[ ٢٠٦ ]
منها الفتح، نعم جاء أيضًا في مضارع حل بالمكان، إذا لم يتعد بنفسه- الكسر، كما في مضارع حشر، فعليها يكون قياس الظرف منهما الكسر، وقيد الناظم حل بالنزول احترازًا من حل الدين ونحوه اللازم فإنه على القياس: المصدر منه مفتوح، والظرف مكسور، فتقول: حل الأجل مَحَلًا بالفتح؛ أي حلولا، وبلغ الأجل محِله بالكسر؛ أي وقته. قال الله تعالى ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي مكانه الذي ينحر فيه. ومن ذلك المصدر من عجز يعجز [كضرب يضرب، ومن هلك يهلك مثله، ومن عتب عليه يعتب كذلك]، قالوا فيه: المعجَز والمعجِز بالفتح والكسر مجردًا عن التاء، وكذا المعجَزة والمعجِزة. والمعتَبَة والمعتِبَة، والمهلَكة والمهلِكة بتاء التأنيث فيها، والقياس فيها الفتح في المصدر، [والكسر في الظرف، وربما قالوا: عتب عليه يعتب كنصر ينصر، وعجز يعجز، كفرح يفرح، وكذا هلك يهلك، وذلك يقتضي الفتح في المصدر والظرف معا]، وإنما قيد الناظم المعتبة والمهلكة بالتاء؛ لأن المعتب بمعنى العتاب لم يأت إلا بالفتح على القياس، وأما المهلك فسيأتي أنه مثلث العين وكذا المهلكة. ومنه المكان من وضع يضع ووجل يوجل، قالوا فيه: الموضَع والموضِع، والموجَل والموجِل، وقد سبق أن ظاهر عبارة الناظم فيما فاؤه واو أن المصدر والظرف منه معًا مفعل بالكسر؛ سواء كان مضارعه مكسورًا كوعد يعد، أو مفتوحًا كوجِل يوجَل ووضَع يضع، وعلى هذا فالشاذ في الموضع والموجل الفتح، ولكن سبق أن المختار اختصاص ذلك بمكسور المضارع، كوعد دون مفتوحه، وعليه فالشاذ فيهما الكسر، كما في فرح يفرح
[ ٢٠٧ ]
وذهب يذهب، وقضية النظم أن الوجهين في ظرفه، لكن في القاموس، وجِل وجلا وموجلا كمقعد، وللموضع كمنزل، فجعل المصدر مفتوحًا، والظرف مكسورا، فالشذوذ فيه، ويكون من الضرب الثاني. ومنه المفعلة من حسب يحسَب ويحسِب بمعنى ظن، قالوا فيه: المحسَبة والمحسِبة، فإن كان الوجهان في ظرفه، كما هو ظاهر كلام بدر الدين، فالوجهان فيه على اللغتين في مضارعه، وإن كانا في مصدره، كما هو ظاهر القاموس حيث قال: حسبه محسَبة ومحسِبة وحسابًا بالكسر: ظنه، فالشاذ هو الكسر، لأن قياس مصدره الفتح مطلقا، ومنه المفعلة من ضرب، قالوا فيه: مضربة السيف ومضربته، جعلوها اسمًا لحديدته التي ضرب منها، وأصلها المكان، والشاذ فيها هو الفتح؛ لأن قياس ظرفه الكسر، ومصدره الفتح، ومنه المكان من وقع يقع، قالوا فيه: موقعة الطائر وموقعته: للموضع الذي يقع عليه، وهو نظير وضع يضع، وقد سبق ما فيه. فعلى ظاهر النظم الشاذ فيه الفتح، وعلى المختار، وبه صرح بدر الدين هنا، الشاذ الكسر، فهذه اثنان وعشرون، جاء في المفعل منها وجهان: الفتح والكسر. والناظم لم يبين كون الشذوذ ورد في مصادرها أو ظروفها، وكذا في التسهيل، وما قيدته به من كون الشذوذ مرة في المصدر ومرة في الظرف تبعت فيه بدر الدين وبعض شروح التسهيل ونقلت ما اقتضى مخالفة ذلك في القاموس في المظلمة والمطلع والمزلة والمضلة والموجل والمحسبة- ليعلم ذلك- والله أعلم.
ثم أشار إلى الضرب الثاني، وهو ما جاء شاذًا فقط بقوله:
(والكسر أفرد لمرفقٍ ومعصيتةٍ ومسجد مكبرٍ مأوٍ حوى الإبلا)
[ ٢٠٨ ]
(من ائو واغفر وعذر واحم مفعلةٍ ومن رزا واعرف اظنن منبتٍ وصلا)
(بمفعل اشرق مع اغرب واسقطن رجع اجزر .. .. .. .. .. .. ..)
أي جاء الكسر في هذه الأوزان مفردًا مع أنه شاذ. وقوله: "من ائو" متعلق بقوله: "مفعلة" وهي مجرورة بالعطف على المرفق؛ أي: والمفعلة من ائو. وكذا قوله: "منبت" مجرور بتقدير العطف على المرفق. "وصل" فعل أمر: أي وصل ما سبق بمفعل اشرق؛ فمن ذلك أنهم قالوا في المصدر من رفق يرفق كنصر ينصر: المرفق بالكسر بمعنى الرفق، وقياسه فتح مصدره وظرفه. وفي المصدر من عصى يعصى كرمى يرمي مرمى: المعصية، وقياس معتل اللام فتح مصدره وظرفه مطلقا، كالمرمى والمولى. وقالوا في المكان من سجد يسجد كنصر ينصر: المسجد، وقياسه فتح مصدره وظرفه معا، وقالوا في المصدر من كبر يكبر كفرح يفرح؛ بمعنى أسن: المكبر؛ أي الكبر، وقياسه فتح مصدره وظرفه، وقالوا في المكان من أوت الإبل بقصر/ الهمزة تأوى كرمى يرمي: المأوى بكسر الواو منقوصا، وقياسه الفتح مطلقًا لأنه معتل اللام. وفي غير الإبل: المأوى بالفتح على القياس، كذا ذكره الناظم هنا، وفي التسهيل أن في مأوى الإبل وجهين: فجعله من الضرب الأول. وقالوا في المصدر من أويت له بقصر الهمزة بمعنى رثيت له: مأوية، والقياس فتح مصدره وظرفه معا، كرمى يرمي. وقالوا في المصدر من غفر يغفر كضرب يضرب:
[ ٢٠٩ ]
المغفرة، وكذا من عذره يعذره كضرب يضرب: المعذرة، وقياسهما فتح المصدر وكسر الظرف. وقالوا في المصدر من حمى عن كذا يحمى كرضى يرضى؛ بمعنى: أنف منه: المحمية. ومن رزأه يرزؤه كمنعه يمنعه؛ بمعنى نقصه أو أصابه بمصيبة: المرزئة، وقياسهما فتح المصدر والظرف معا. وقالوا: في المصدر من عرف يعرف كضرب يضرب: المعرفة، والقياس فتح مصدره وكسر ظرفه، وقالوا في المكان من ظن يظن كنصر ينصر، بمعنى حسب: هذا مظنة كذا؛ أي موضعه الذي يظن وجوده فيه. وكذا في المكان من نبت البقل ينبت كنصر ينصر، وغربت تغرب كنصر ينصر: المنبت والمغرب. وفي المكان من سقط يسقط كنصر ينصر: هذا الدار مسقط رأس، وقياسها جميعها فتح المصدر والظرف معا، وقالوا في المصدر من رجع يرجع كضرب يضرب: المرجع، ومنه ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨] أي رجوعكم، وقياسه فتح مصدره وكسر ظرفه. وقالوا في المكان من جزر الإبل أي ذبحها: المجزر، وقضية الحكم بشذوذه: أن مضارعه مضمون كنصر ينصر، ومقتضى القاموس أن المشهور فيه الكسر؛ لأن وزنه ضرب يضرب، ثم قال: وقد يضم آتيه، أي مضارعه، فعلى ما في القاموس كسر ظرفه هو القياس، نعم في نسخ من التسهيل بدل المجزر: المزجر، بتقديم الزاي؛ من زجر الكلب يزجر كنصر ينصر، وقد
[ ٢١٠ ]
قالوا فيه: قعد مني مزجر الكلب، بالكسر، فوجه شذوذه ظاهر. وهذه أيضًا ثمانية عشر وزنًا شاذة بالكسر، على ما في المأوى والمجزر من الاضطراب.
ثم أتبعها الناظم رحمه الله تعالى بما جاء مع شذوذه مثلث العين، فقال:
( ثم مفعلة اقدر واشرقن يخلا)
(وقبر ومن أرب وثلث اربعها كذا لمهلك التثليث قد بذلا)
أي ثم صل أيضًا بمفعلة اقدر، فقالوا في المصدر من قدر يقدر كضرب يضرب: المقدرة، ومن أرب الرجل يأرب كفرح يفرح، بمعنى صار أريبًا عاقلا: المأربة، وفي المكان من شرقت الشمس تشرق كنصر ينصر: المشرقة، لموضع القعود فيها عند شروقها، وفي المكان من قبر الميت يقبُره ويقبِره أيضا: المقبرة، لموضع دفن الموتى، بتثليث العين في هذه الأربعة الأوزان: فالضم شاذ مطلقا، وكذا كسر المصدر من قدر وأرب؛ لأن قياس قدر فتح مصدره وكسر ظرفه، وقياس أرب فتح مصدره وظرفه معًا، وكذا كسر الظرف من شرق شاذ؛ إذ قياسه فتح مصدره وظرفه معا، وأما قبر ففتح ظرفه قياس ضم مضارعه، وكسر قياس كسره، ففي إيراد الناظم له فيما شذ بالكسر نظر، وقوله: "وثلث اربعها" بنقل فتح الهمزة من "اربعها" إلى ثاء "ثلث". وقالوا أيضًا في المصدر من هلك يهلك كضرب يضرب على المشهور: المهلك بمعنى الهلاك مثلثا؛ فالضم فيه شاذ، وكذا الكسر؛ لأن قياسه فتح مصدره وكسر ظرفه، وسبق أن فيه لغة كفرح، وعليها فالقياس فتح مصدره وظرفه
[ ٢١١ ]
تنبيه: إنما ذكر الناظم ﵀ المفعل بالضم استطرادا
معًا، وقضية النظم أن المهلكة بزيادة تاء التأنيث لم يأت فيها الضم، لكنه ذكرها في التسهيل مثلثة العين.
تنبيه: إنما ذكر الناظم ﵀ المفعل بالضم استطرادًا، ولم يذكره في الترجمة لقلته، وأن سيبويه قال: ليس في الكلام مفعل بالضم، وسبق قول الناظم: "وضم قلما حملا"، فاقتضى أنه مع قلته منقول. وقال في التسهيل: لم يجئ مفعل سوى مهلك إلا معون ومكرم ومالك وميسرة؛ أي في قول الله تعالى ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وقول الشاعر: "على كثرة الواشين أي معون"، بمعنى المعونة. وقول الآخر: "ليوم روعٍ أو فعال مكرم". بمعنى فعل الكرم كالمكرمة. وقول الآخر: "أبلغ النعمان عني مألكا". أي رسالة كالمألكة، وفي القاموس: ولا مفعل غيره؛ أي غير مألك، مع أنه ذكر الباقيات في موادها، وكأن مراده ما انفرد بالضم دون مشاركة غيره، لكن يرد عليه مكرم ومعون. وفيه أن الزبلة بفتح الباء وضمها، ولم يذكرها في التسهيل، وأن الميسرة مثلثة
[ ٢١٢ ]
السين، والمزرعة مثلثة الراء، وذكرها في التسهيل أيضًا مع المقدرة وأخواتها. فيتحصل من ذلك بحسب ما ظفرت به أن الضم محفوظ في أحد عشر وزنا: سبعة منها مثلثة، وهي الخمسة المذكورة في النظم مع الميسرة والمزرعة، وواحد ورد فيه الفتح والضم دون الكسر، وهي المزبلة كما في القاموس، وثلاث انفردت بالضم، وهي المالك والمكرم والمعون، والله أعلم.
ثم لما كان قوله أولا "في غير ذا عينه افتح" الخ شاملًا لنحو باع يبيع، مع أن فيه خلافا، نبه على ذلك بقوله:
(وكالصحيح الذي اليا عينه وعلى رأي توقف ولا تعد الذي نقلا)
أي فيكون حكمه حكم يضرب مضربًا بفتح مصدره وكسر ظرفه. فتقول عاش يعيش معاشًا للمصدر ومعيشًا للظرف؛ سواء سمع خلاف ذلك أو لم يسمع. وهذا المذهب هو المشهور، ونص عليه/ الجوهري في عشرة مواضع من صحاحه؛ نظرًا إلى القياس ولو سمع خلافه. والمذهب الثاني: أنك مخير في مصدره؛ أي إن شئت فتحته، وإن شئت كسرته، نقله في التسهيل، وجزم به الجوهري في: عاب المتاع يعيب معابًا ومعيبا، نظرًا إلى كثرة الوارد منه مكسورا. والمذهب الثالث: أن مصدره موقوف على السماع، ولا يتعدى المنقول؛ بل يكسر ما كسروه، ويفتح ما فتحوه، ولا يقاس على الصحيح. قال في التسهيل: وهذا أولى، وهو معنى قول الناظم: وعلى رأي توقف، لكن فيه إشكال من حيث إن ما لم يسمع فيه شيء، هل قياسه الفتح أو الكسر؟
[ ٢١٣ ]
تنبيه: اعلم أني تتبعت مواد هذا الباب من الصحاح فرأيت العلماء لم يمعنوا النظر فيه؛ فلهذا كثر بينهم الاختلاف في مصدره الميمي ..
تنبيه: اعلم أني تتبعت مواد هذا الباب من الصحاح فرأيت العلماء لم يمعنوا النظر فيه؛ فلهذا كثر بينهم الاختلاف في مصدره الميمي، ومعلوم أن المرجع في علوم العربية إلى الاستقراء، فجميع المذكور فيه من مواد معتل العين بالياء نحو تسعين مادة، قد سبق معظمها في أمثلة المضارع المكسور، وأما المصدر الميمي فمنه ما أورده بوجهين: نحو عاب المتاع معابًا ومعيبا، وعاش الناس معاشًا ومعيشا، وحاص عنه محاصًا ومحيصا: أي مال، وكال الطعام مكالا ومكيلا، ومال الشيء ممالًا ومميلا، فهذه خمسة، ومنه ما أورده مكسورًا فقط، نحو جاء مجيئًا، وشاب رأسه مشيبًا، وغاب عنه مغيبا، وبات مبيتا، وزاد مزيدا، وسار مسيرا، وصار مصيرا، وحاضت المرأة محيضا، وباعه مبيعا، وقال في الهاجرة مقيلا: أي قيلولة، فهذه عشرة. وأما سائر مواده فمقتضى الصحاح أنه لم يسمع فيها شيء، وأنه لم يرد شيء منه بالفتح فقط، فالمختار حينئذٍ الذي تقتضيه القاعدة أن يكون قياس مصدر معتل العين بالياء الكسر؛ حملًا على أكثر الوارد منه، وللفرق بينه وبين معتل العين بالواو، كالمآب والمتاب والممات والمعاد والمعاذ والملاذ والمثاب والمزار والمغار والمنار والمفاز والمغاص والمناص والمناط والمساغ والمطاف والمذاق والمساق والمآل والمجال والمقام والمرام والمقام والملام، إذ لم يزالوا يفرقون بين ذوات الواو وذوات الياء، والله أعلم.
[ ٢١٤ ]
ولما فرغ من المفعل والمفعل من الثلاثي ذكر نظيرهما من غير الثلاثي فقال:
(وكاسم مفعول غير ذي الثلاثة صغ منه لما مفعل أو مفعل جعلا)
أي إنه يصاغ من غير الثلاثي، رباعيًا كان أو أكثر، للدلالة على مصدره الميمي أو ظرفه اللذين صيغ لهما المفعل والمفعل من الثلاثي- على وزن المفعول من ذلك الفعل، نحو: أدخلته مدخلا، وأخرجته مخرجا بضم الميم، وكذا هذا مدخل زيد ومخرجه؛ أي مكانه أو زمانه، ومنه ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]. وكذا انطلق منطلقا؛ أي انطلاقا، وتبوأ متبوأ، واستخرج مستخرجا، أي استخراجا، وهذا منطلق زيد ومتبوؤه ومستخرجه، أي موضعه ووقته.
[ ٢١٥ ]
فصل في بناء المفعلة
بفتح الميم والعين وصفا للمكان للدلالة على الكثرة من اسم ما كثر فيه.
ولما كان فيه شبه بالظروف الميمية ألحقها بها، ولكنها لا تصاغ إلا من أسماء الأعيان المشتقة، ولهذا أفرادها بفصل، ولا تصاغ إلا من اسم ثلاثي لفظًا وأصلا، أو أصلا فقط هو مزيد الثلاثي بعد حذف الزيادة، ولهذا قال:
(من اسم ما كثر اسم الأرض مفعلة كمثل مسبعة والزائد اختزلا)
(من المزيد كمفعاة )
أي تسمى الأرض وتوصف بوزن مفعلة بفتح الميم والعين، مبينًا ذلك من اسم ما كثر فيها للدلالة على الكثرة بشرط أن يكون ذلك الاسم ثلاثيًا أصلًا ولفظا، نحو أرض مأسدة ومسبعة؛ من أسد وسبع، وكذا إن كان حروفه الأصلية ثلاثة فقط أو أكثر في اللفظ بحروف الزيادة فإنه يبني منه المفعلة بعد حذف الزائد، وهو معنى قوله: "والزائد اختزلا من المزيد" أي اقتطع، كقولهم: أرض مفعاة ومقثأة لكثرة الأفعى والقثاء بحذف الهمزة من أفعى وتخفيف القثاء. وإن شئت صغت من اسم ما كثر في الأرض بدل المفعلة فعلًا رباعيًا من مزيد الثلاثي بزيادة همزة القطع، ووصفتها باسم الفاعل منه، وهو المراد بقوله:
(.. .. .. ومفعلة وأفعلت عنهم في ذلك احتملا)
أي احتمل ونقل عنهم في الدلالة على الكثرة بدلًا عن المفعلة: أفعلت فهي مفعلة بضم الميم اسم فاعل من افعل، نحو: أعشبت فهي معشبة، وأبقلت
[ ٢١٦ ]
فهي مبقلة، وأسبعت فهي مشبعة؛ بضم الميم فيها كلها وكسر العين، والشرط أيضًا أن يكون الاسم الذي يصاغ منه الفعل ثلاثيًا كالعشب والبقل، ولهذا قال:
(غير الثلاثي من ذا الوضع ممتنع وربما جاء منه نادر قبلا)
أي فلا يصاغ المفعلة ولا أفعلت من خماسي الأصول كسفرجل، ولا رباعي الأصول كضفدع، إلا ما ندر من قولهم: أرض معقربة ومثعلبة، أي كثيرة العقرب والثعلب، حكاهما سيبويه.
تنبيه: كما تبنى المفعلة للدلالة على الكثرة تبنى أيضًا وصفًا لما هو سبب نحو "الولد مبخلة مجبنة" الحديث: أي سبب البخل والجبن.
[ ٢١٧ ]
فصل في بنا الآلة
ولما كان لها شبه بالمصادر والظروف الميمية ألحقها بها، وهي على قسمين: قياسي وسماعي، وإلى القياسي أشار بقوله:
(كمفعل وكمفعالٍ/ ومفعلةٍ من الثلاثي صغ اسم ما به عملا)
أي يصاغ من الفعل الثلاثي دون غيره لبناء اسم الآلة التي يعمل بها ذلك الفعل الثلاثي- اسم ميمي، إما على وزن مفعل مذكرا، كالمحلب والمقدح والمقلى، أو مؤنثًا كالمسرجة والمسبحة والمسحاة، أو مفعال مذكرًا فقط، كالمصباح والمفتاح والمسواك، وإلى الشاذ أشار بقوله:
(شذ المدق ومسعط ومكحلة ومدهن منصل والآت من نخلا)
أي إن هذه الأسماء شذت بالضم فتحفظ ولا يقاس عليها، فمنها: المدق، وهو الآلة التي يدق بها، ومنها: المسعط، وهو الإناء الذي يجعل فيه السعوط، والسعوط بفتح السين: الدواء الذي يصب في الأنف، ومنها: المكحلة، وهي الإناء الذي يجعل فيه الكحل، وأما المكحل والمكحال بكسر الميم على القياس فهو الميل الذي يكتحل به، ومنها: المدهن للإناء الذي
[ ٢١٨ ]
تنبيه: أما المسعط والمكحلة والمدهن فلم يسمع فيها غير الضم ..
يجعل فيه الدهن. ومنها: المنصل وهو من أسماء السيف. ومنها: المنخل، وهو ما ينخل به الدقيق. فهذه الستة جاءت بضم الميم والعين على خلاف القياس.
تنبيه: أما المسعط والمكحلة والمدهن فلم يسمع فيها غير الضم، وأما المدق فسمع أيضًا فيها المدق بكسر الميم على القياس. وسمع في "المنصل" فتح الصاد مع الميم، وكذا في "المنخل" سمع فتح الخاء مع ضم الميم، وزاد في التسهيل "المحرضة" وهي الإناء الذي يجعل فيه الحرض بضمتين، وهو الأشنان. ولم يذكر في الصحاح والقاموس فيها إلا الكسر على القياس، ثم إن الضم في هذه الأدوات الشاذة إنما هو عند إطلاق الاسم عليها تشبيهًا لها بأسماء الأعيان الغير المشتقة، وأما إذا قصد بها الاشتقاق مما عمل فإنه يجوز فيها مراعاة القياس فتكسر على الأصل، ولهذا قال:
(ومن نوى عملًا بهن جاز له فيهن كسر ولم يعبأ بمن عذلا)
أي فيجوز أن يقول: سعطته بالمسعط، ونخلته بالمنخل، وهذه المسألة من زوائده على التسهيل. وقوله: "ولم يعبأ" أي لم يبال بمن لامه على ذلك، وهو مهموز هنا.
ولما يسر الله له تمام قصده حمد الله على ذلك، فقال:
(وقد وفيت بما قد رمت منتهيًا فالحمد لله إذ ما رمته كملا)
أي: وقد وفيت بما قد وعدت من النظم المحيط بالمهم من تصريف الأفعال منتهيًا، أي بالغًا النهاية. وذلك نعمة من الله تعالى يقتضي الشكر الموجب
[ ٢١٩ ]
للمزيد، فالحمد لله على تمام ما رمته: أي قصدته وطلبته "وكمل" مثلث الميم، ثم أردف الحمد بالصلاة والتسليم على النبي الكريم محمد ﷺ، كما بدأ نظمه بذلك، فقال:
(ثم الصلاة وتسليم يقارنها على الرسول الكريم الخاتم الرسلا)
أي ثم بعد الحمد لله: الصلاة منه، وهي الرحمة مع التسليم من كل آفة، على الرسول منه إلى الخلق كلهم، الكريم عليه، الخاتم للرسل، وهو نبينا محمد ﷺ، فإنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين، وهو أكرم الخلق على الله؛ لأنه أتقاهم لله، وخاتم النبيين والمرسلين، والكريم هنا: هو العظيم المنزلة عند الله، وضده: الحقير المهين ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] ومن أكرمه الله فما له من مهين.
ثم أتبع ذلك بالدعاء والثناء على آله وأصحابه وأتباعه، صلى الله عليه وعليهم أجمعين، مكافأة لهم على ما قلدوا الخاص والعام من الإحسان والإنعام، فقال:
(وآله الغر والصحب الكرام ومن إياهم في سبيل المكرمات تلا)
والغر: جمع الأغر، وهو السيد المقدم، وغرة كل شيء مقدمه، وهم المقدمون بالشرف لشرفه ﷺ، والكرام: جمع كريم: وهو هنا العظيم القدر، وهم أجل الناس قدرا؛ لعظم قدره ﷺ، وإياهم: ضمير نصب منفصل مفعول مقدم لتلا: أي تبع، فشمل ذلك التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والمكرمات جمع المكرمة، وهي فعل الكرم. ثم لما قدم بين نجواه هذه الوسيلة العظيمة قوى رجاؤه بأنها مظنة قبول الدعاء، ولأن الدعاء للنبي ﷺ وعليهم أجمعين مقبول، والله أكرم أن يرد ما اتصل بهما من الدعاء، فلهذا سأل الله تعالى فقال:
[ ٢٢٠ ]
(وأسأل الله من أثواب رحمته سترا جميلًا على الزلات مشتملا)
والأثواب جمع ثوب: وهو استعارة، والستر بكسر السين: الثوب يستر به، وبالفتح مصدر، والاشتمال على الشيء: الإحاطة به من جميع جهاته، وكأنه قال: وأسأل الله مغفرة لزلاتي لأن المغفرة هي الستر، وهذا دعاء منه لما مضى من عمله، ثم قال للمستقبل منه:
(وأن ييسر لي سعيا أكون به مستبشرًا جذلًا، لا باسرًا وجلا)
والمراد بالسعي: العمل الصالح في باقي عمره؛ لأنه الموجب للاستبشار لقوله تعالى: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨، ٣٩] والجذلان هو الفرحان؛ يقال: جذل يجذل كفرح يفرح وزنًا ومعنى، والوجه الباسر: هو الكالح، والوجل: الخائف، حقق الله ما رجاه، وأعاذه مما يخشاه، واستجاب دعاه، بمنه وكرمه آمين، ولنا ولوالدينا ولمشايخنا في الدين، ولسائر المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
تم كتاب بعون الله الملك الوهاب، واتفق الفراغ من زبره ضحى الأحد ٢٩ من شهر ذي القعدة المبارك أحد شهور سنة ٩٧٩ هجرية نبوية، على شرعها أفضل الصلاة والسلام وآله أجمعين.
[ ٢٢١ ]