[ ٢ / ٥٠٩ ]
فهرس أبيات معلقة عبيد بن الأبرص
١ - أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات، فالذنوب
٢ - فراكس، فثعالبات فذات فزقين، فالقليب
٣ - فعردة، فقفاجبر ليس بها منهمو عريب
٤ - وبدلت من أهلها وحوشًا وغيرن حالها الخطوب
٥ - أزض توارثتها شعوب وكل من حلها محروب
٦ - إما قتيل، وإنما هالك والشيب شيئ لمن يشيب
٧ - عيناك دمعهما سروب كأ شأنيهما شعيب
٨ - واهية، أو معين ممعن من هضبة، دوئها لهوب
٩ - أو فلج ببطن وادٍ للماء من تحته قسيب
١٠ - أو جدول في ظلال نخل للماء من تحته سكوب
١١ - تصبو، وأني لك التصابي أني، وقد راعك المشيب؟
١٢ - إن يك حول منها أهلها فلا بدئ وعجيب
١٣ - أويك قد أقفر منها جوها وعادها المحل والجدوب
١٤ - فكل ذي نعمة مخلوسها وكل ذي أمل مكذوب
١٥ - وكل ذي إبل موروث وكل ذي سلبٍ مسلوب
١٦ - وكل ذي. غيبةٍ يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
١٧ - أعاقر مثل ذات رحمٍ أو غانم مثل من يخيب؟
[ ٢ / ٥١١ ]
١٨ - من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
١٩ - بالله يدرك كل خير والقول في بعضه تلغيب
٢٠ - والله ليس له شريك علام ما أخفت القلوب
٢١ - أفلح بما شئت، فقد يبلغ بالـ ـضعف، وقد يخدع ألأريب
٢٢ - لا يعظ الناس من لا يعظ الـ ـدهر، ولا ينفع التلبيب
٢٣ - لا ينفع اللب عن تعلم إن السجيات والقلوب
٢٤ - قد يعودن حبيبًا شانئ ويرجعن شانئًا حبيب
٢٥ - ساعد بأرض إذا كنت بها ولا تقل: إنني غريب
٢٦ - قد يوصل النازح النائي، وقد يقطع والسهمة القريب
٢٧ - والمرء ما عاش في تكذيبٍ طول الحياة له تعذيب
٢٨ - بل رب ماء وردته آجنٍ سبيله خائف جديب
٢٩ - ريش الحمام على أرجائه للقلب من خوفه وجيب
٣٠ - قطعته غدوة مشيحًا وصاحبي بدن خبوب
٣١ - عيرامة مؤجد فقارها كأن حاركها كثيب
٣٢ - أخلف ما بازلًا سديسها لاحقة هي، ولا نيوب
٣٣ - كأنها من حمير عاناتٍ جون بصفحته ندوب
٣٤ - أو شبب يرتعي الرخامي تلفه شمال هبوب
٣٥ - فذاك غصر، وقد أراني تحملني نهدة سرحوب
٣٦ - مضبر خلفها تضبيرًا ينشق عن وجهها السبيب
٣٧ - زيتية ئائم عروقها ولين أسرها رطيب
٣٨ - كأنها لقوة طلوب تخر في وكرها القلوب
٣٩ - بائث على إرم عذوبًا كأنها شيخة رقوب
٤٠ - فأصبحت في غداةٍ قرةٍ يسقط عن ريشها الضريب
[ ٢ / ٥١٢ ]
٤١ - فأبصرت تعلبًا سريعًا ودوه سبسب جديب
٤٢ - فنفضت ريشها وولت فذاك من نهضة قريب
٤٣ - فاشتال، وارتاع من حسيس وفعله يفعل المذؤوب
٤٤ - فنهضت نحوه حثيثةً وحردت حزده تسيب
٤٥ - فدب من رأيها دبيبًا والعين حملاقها مقلوب
٤٦ - فأدركته فطرحته والصيد من تحتها مكروب
٤٧ - فجدلته، فطرحته فكدحت وجهه الجبوب
٤٨ - فعاودته، فرفعته فأرسلته، وهو مكروب
٤٩ - يضغو ومخلبها في دفه لا بد حيزومه منقوب
[ ٢ / ٥١٣ ]
عبيد بن الأبرص، بن حنتم، وقيل: ابن جشم من بني أسد، ويتصل نسبه بمضر
معلقة عبيد عبيد بن الأبرص الأسدي
هو عبيد بن الأبرص، بن حنتم، وقيل: ابن جشم من بني أسد، ويتصل نسبه بمضر، كان اسم أمه أمامة، ولا يعرف زمن مولده، وكان يعد في شعراء الجاهلية من الطبقة الأولى، على أن محمد بن سلام جعله في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة، وقال فيه: عبيد بن الأبرص قديم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب، ذاهب لا أعرف إلا قوله في كلمته: (أقفر من أهله ملحوب) ولا أدري ما بعد ذلك.
وعبيد سيد من سادات قومه، وفرسانهم المشهورين، وكان في أيامه حجر بن الحارث أبو امرئ القيس الشاعر ملكًا على بني أسد، فنادمه عبيد، ثم تغير عليه حجر، وأخذ يتوعده في شيء بلغه عنه، ثم استصلحه، فقال عبيد يخاطبه:
أبلغ بني كرب عني وإخوته قولًا سيذهب غورًا بعد أنجاد
ولما تمرد بنو أسد على حجر، وأبو أن يدفعوا الجباية، وقتلوا رسله، غضب وسار إليهم بجنده، وأخذ أشرافهم، وجعل يقتلهم بالعصا، فسموا عبيد العصا، وحبس منهم عمرو بن مسعود بن كندة، بن فزارة الأسدي، وكان
[ ٢ / ٥١٥ ]
سيدًا، وعبيد بن الأبرص، وأباح أموالهم، وصيرهم إلى تهامة، وأبي أن يساكنهم في بلد، فسارت بنو أسد ثلاثًا، ثم إن عبيدة قام فقال: أيها الملك اسمع مقالتي:
يا عين فابكي بني أسد فهم أهل الندامة
فرق قلب حجر حين سمع قوله، فبعث في أثرهم، فأقبلوا، ولم يطل الأمر حتى ثاروا عليه وقتلوه، فهددهم ابنه امرؤ القيس بفرسان قحطان، وبأنه سيحكم فيهم ظبي السيوف، وشبا الأسنة شفاء لقلبه وثأرًا بأبيه، انظر الكلام على حياة امرئ القيس، فخاطبه عبيد بقصيدة يفتخر فيها بمآثر قومه، ويتحداه قال:
يا ذا المخوفنا بقتل أبيه إذلالًا وحينًا
ويذكر أن عبيدًا عمر طويلًا جعله ابن رشيق ثلاثمائة سنة، وفيه مبالغة.
وعبيد من الشعراء الجاهليين الذين وضعت حول موتهم الأساطير شأن امرئ القيس، والحلة المسمومة، وطرفة وتفاصيل مقتله، وكلها تدل على أنه قتل بأمر المنذر بن ماء السماء الملك، فقد كان له يوم بؤس ويوم نعيم، وكان يقتل أول من رأى في يوم بؤسه فرآه في يوم يؤسه فقتله.
وشعر عبيد منثور في كتب الأدب، وله ديوان عثر على مخطوطته المستشرق الانكليزي السر تشارلس ليال، فحققه وطبعه وعلق حواشيه، وألحق به في ملحق وذيل ما وجده لعبيد من شعر في كتب العرب، ونقله إلى الإنكليزية وختمه بفهارس متعددة كلها جزيل الفائدة.
وشعر عبيد هو شعر الجاهلية الأولى بما فيه من مادية وعزة وأنفة، وصدق وغلو في الفخر، وبما فيه من تعدد المواضيع في القصيدة الواحدة،
[ ٢ / ٥١٦ ]
والوقوف على الأطلال والبكاء عليها، وسؤالها عن الأحبة، ووصف للظعائن، ورسم مخطط جغرافي للأماكن التي تمر بها، وبما يحتويه من وصف الناقة وتشبيهها بالثور الوحشي، ثم الانصراف إلى الفخر والتغني بأمجاد القبيلة، التي ينتمي إليها الشاعر، أو إلى الغرض الذي شاء أن يرمي إليه.
ولغة عبيد خشنة جافة، وحشية الألفاظ أحيانًا، وبعض قوافيه عويص كالصاد والضاد والطاء، مما لا يمكن فهمه دون اللجوء إلى المعاجم، وربما مرت بك ألفاظ لا يمكن أن يعاد اشتقاقها إلى مادة صريحة في كتب اللغة.
وأكثر ما تكون خشونة ألفاظه في وصف الديار الخالية، ووصف الناقة والحرب، أما في غير ذلك فتلطف بعض اللطف وتنجلي، وكثير من أوزانه يشوبه الوهن والاضطراب كما يظهر لك ذلك في بعض أبيات معلقته، مما يدل على أن الأوزان كانت لا تزال متقلقلة في أيامه، وهذا ما جعل ابن سلام يقول عنه: وشعره مضطرب اهـ من الديوان بتصرف.
وذكر التبريزي نقلًا عن محمد بن عمرو بن أبي عمرو الشيباني أن عبيد بن الأبرص كان رجلًا محتاجًا، ولم يكن له مال، فأقبل ذات يوم، ومعه غنيمة، ومعه أخته ماوية، ليورد غنمه. فمنعه رجل من بني مالك بن ثعلبة، ورده أسوأ رد، فانطلق حزينًا مهمومًا لما صنع به المالكي، حتى أتى شجرات، فاستظل هو وأخته تحتهن، فناما، فزعم أن المالكي نظر إليه نائمًا، وأخته إلى جنبه، فقال:
ذاك عبيد قد أصاب ميا يا ليته ألقحها صبيا
فحملت فولدت ضاويا
فسمعه عبيد فساءه ذلك، فرفع يديه نحو السماء، فابتهل فقال: اللهم إن كان هذا ظلمني ورماني بالبهتان فأدلني منه، ثم نام، ولم يكن قبل ذلك
[ ٢ / ٥١٧ ]
يقول شعرًا. فأتاه آت في المنام بكبة من شعر فألقاها في فيه. ثم قال له: قم، قل ما بدا لك، فأنت أشعر العرب، وأمجد العرب. إن صرت مقلًا فلما بسطت يدًا، ووصلت رحمًا، فقام وهو يرتجز ببني مالك، وكان يقال لهم: بنو الزنية، فقال:
يا بني النية ما غركمو لكم الويل بسربال حجر
ثم اندفع في الشعر، واستمر بعد ذلك يقوله، وكان شاعر بني أسد غير مدافع اهـ تبريزي بتصرف بسيط، والله أعلم بحقيقة ذلك، هذا والقصيدة من مخلع البحر البسيط.
١ - أقفر من أهله ملحوب قالقطبيات فالذنوب
المفردات. أقفر: خلا. أهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل معشر ونفر .. الخ، وانظر البيت رقم -٨ - من معلقة عنترة. ملحوب وما بعده أسماء مواضع معروفة عندهم.
المعنى يقول: إن الأمكنة ملحوب والقطبيات والذنوب قد خلت من أهلها وسكانها، وليس فيها أنيس.
الإعراب. أقفر: فعل ماض. من أهله: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ملحوب: فاعل أقفر، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب، وبعضهم يعتبرها في محل نصب مقول القول. فالقطبيات والذنوب: معطوفان بالفاء العاطفة على ملحوب، والفاء هنا لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا.
٢ - فراكس، فتعالبات فذات فرقين، فالقليب
المفردات. راكس، وثعالبات وذات فرقين: أسماء أمكنة معروفة لديهم. القليب: البئر، وأراد ما حولها.
[ ٢ / ٥١٨ ]
المعنى يقول: إن الأمكنة المذكورة قد خلت من سكانها وأهلها، وليس فيها أنيس.
الإعراب. الأسماء كلها معطوفة بالفاء العاطفة على الأسماء المذكورة في البيت السابق، وصرف راكس لضرورة الشعر، وذات مضاف وفرقين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والفاء لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا، كما قد ذكرته مرارًا.
٣ - فعردة، فقفاجبر ليس بها منهمو عريب
المفردات. عردة: اسم هضبة، ويروي مكانه (فردة) وهي ماء من مياه نجد لجرم من طيئ. حبر: جبل في ديار سليم، ويروى (عبر) وهو موضع أيضًا. عريب: أحد لا يستعمل إلا في النفي وشبهه، ومثله أحد المذكور في البيت رقم -١١٤ - من معلقة عمرو بن كلثوم، ومثلهما (ديار) قال الله تعالي: ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٤] وقال جل شأنه حكاية عن قول نوح علي نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا﴾ [نوح: ٢٦] والثلاثة بمعنى واحد.
المعنى يقول: وكذلك المكانان: عردة وقفا حبر ليس فيهما أحد، وقد أقفرا من أهلهما وسكانهما.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. عردة: معطوفة على الأسماء المذكورة فيما سبق، قفا: معطوف أيضًا مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وقفا مضاف وحبر مضاف إليه. ليس: فعل ماض ناقص. بها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمها. منهمو: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من عريب، كان صفة له، فلما قدم عليه
[ ٢ / ٥١٩ ]
صار حالًا على القاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. عريب: اسم ليس مؤخر، وجملة (ليس الخ) في محل نصب حال من الأسماء المتقدمة، والرابط الضمير فقط.
٤ - وبلت من أهلها وحوشًا وغيرت حالها الخطوب
المفردات. أهلها: انظر البيت الأول. الخطوب: جمع خطب، وهو الأمر العظيم، و(من) في البيت زائدة لأن الوزن يختل بوجودها لأن القصيدة من مخلع بحر البسيط.
المعنى يقول: إن الأمكنة السابقة بعد أن أقفرت من سكانها سكنتها الوحوش، وغيرت حالها الأمور العظيمة، أي ما أصابها من حوادث الدهر ونوائبه.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. بدلت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي، يعود إلى الأمكنة المذكورة فيما سبق، وهو المفعول الأول .. من أهلها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وحوشًا: مفعول به ثان، وجملة (بدلت الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. غيرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. حالها: مفعول به، وها مضاف إليه. الخطوب: فاعل غيرت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٥ - أرض توارثها شعوب وكل من حلها محروب
المفردات. شعوب: اسم للمنية. حلها: نزلها. محروب: مسلوب.
المعنى يقول: إن تلك الأمكنة المذكورة فيما تقدم قد قضى على أهلها
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الموت، وكل من نزلها وحل بها مسلوب إما بالقتل، وإما بالهلاك والموت من غير قتل، ومن لم يقتل وعمر حتى يشيب فشيبه عيب له، وكانوا يستحبون أن يموت الرجل، وفيه بقية قبل أن يفرط به الكبر ويرد إلى أرذل العمر، فيصبح طفلًا في تصرفاته كلها كما كان في صغره أو أشد.
الإعراب. أرض: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: تلك الأمكنة. توارثها: يحتمل الماضي والمضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. شعوب: فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع صفة أرض. الواو: حرف عطف. كل: مبتدأ، وهو مضاف ومن اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. حلها: فعل ماض، وها مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. محروب: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع، والحالية تجوز من أرض بعد وصفها بما تقدم ويكون الرابط الواو والضمير، والوصفية لا تجوز لوجود المانع، وهو الواو.
٦ - إما قتيل، وإما هالك والشيب شين لمن يشيب
الإعراب. إما: حرف تفصيل وتقسيم. قتيل: بدل من (من) بدل بعض من كل. الواو: حرف عطف. إما: معطوفة على ما قبلها. هالك: معطوف على قتيل. الواو: واو الحال. الشيب: مبتدأ. شين: خبره (لمن) اللام: حرف جر. من: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بشين لأنه صفة مشبهة. يشيب: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والجملة الفعلية صلته لا محل لها، والجملة الاسمية (الشيب الخ) في محل نصب حال من
[ ٢ / ٥٢١ ]
الضمير المستتر بقتيل أو هالك، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالي: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ [يوسف: ١٤] والاستئناف ممكن بالإعراض عما سبق، هذا ويروى (إما قتيلا وإنما هالكا) فيكون التقدير: إما أن يكون قتيلًا، وإما أن يكون هالكًا، والمصدر المؤول يكون محله في محل رفع بدلًا من (من) في البيت السابق.
٧ - عيناك دفعهما سروب كأن شأنيهما شعيب
المفردات. سروب: جار من سرب الماء يسرب، أي جرى وسال. شأنيهما: تثنية شأن، وهو مجرى الدمع من العين. الشعيب: القربة المنشقة.
المعنى يقول: إن دمع عينيك جار ومنسكب كان مجراهما قربة منشقة يسيل منها الماء، وفي البيت تجريد لا يخفى، والتجريد أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة.
الإعراب. عيناك: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. دمعهما: مبتدأ ثان، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية: سروب: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية (عيناك الخ) مستأنفة لا محل لها. كأن: حرف مشبه بالفعل. شأنيهما: اسم كان منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. شعيب: خبر كأن، وجملة (كأن الخ) في محل رفع خبر ثان للمبتدأ الأول.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
٨ - واهية، أو معين ممعن من هضبة، دونها لهوب
المفردات. واهية: بالية منشقة، وفي المثل يضرب لمن لا يستقيم على حال، وهو ضعيف قول القائل:
خل سبيل من وهى سقاؤه ومن هريق بالفلاة ماؤه
الواهية في قوله تعالى: ﴿وانشقت السماء فهي يومئذٍ واهية﴾ [الحاقة: ١٦] بمعني ساقطة مسترخية. معين: هو الذي يأتي على وجه الأرض من الماء، فلا يرده شيء قال تعالى: ﴿قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورًا فمن يأتيكم بماءٍ معينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. ممعن: من أمعن في الشيء إذا بالغ فيه، مثل بيت عنترة رقم -٦٣ - الهضبة: ما ارتفع من الأرض دون الجبل. دون: انظر البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. لهوب: جمع لهب، وهو شق في الجبل.
المعنى يقول: كأن دمعه ماء جار من قربة ممزقة، أو هو منحدر من هضبة بسرعة شديدة، وفي أسفل الهضبة شق في جبل يسير فيه، فيزداد سرعة.
الإعراب. واهية: صفة شعيب في البيت السابق. أو: حرف عطف. معين: معطوف على شعيب، وهو صفة لموصوف محذوف. ممعن: صفة ثانية للموصوف المحذوف. من هضبة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥٠] دونها: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة لهوب: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة هضبة.
٩ - أو فلج ببطن واد واد للماء من تحته قسيب
[ ٢ / ٥٢٣ ]
المفردات. ببطن واد: قال الجوهري: لو روي (في بطون واد) لاستقام وزن البيت، وهو صحيح لأن القصيدة من مخلع البسيط، وعند تقطيعه يظهر لك النقص في تفعيلاته. واد: انظر إعلاله في البيت رقم -٦٠ - من معلقة امرئ القيس. قسيب الماء وأليله وثجيجه وعجيجه وخريره صوت جريه، ويروى (قشيب) بالشين، وهو بمعنى الأول، هذا وفلج بفتح الفاء واللام نهر صغير يجري فيه الماء، يقال: عين فلج وماء فلج، والفلج أيضًا البئر الكبيرة، والفلج موضع لبني قيس في أعلى بلاد قيس، قاله أبو عبيدة، وقال ياقوت الفلج مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة وقشير، ابني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، قال الجعدي:
نحن بنو جعدة أرباب الفلج نحن منعنا سيله حتى اعتلج
وقال الدماميني: الفلج الظفر والفوز ويروى بسكون اللام، فيكون فيه لغتان فتح اللام وسكونها.
المعنى يقول: كأن دمعه نهر صغير يجري في أسفل واد، للماء صوت مرتفع بسبب جريه.
الإعراب. الواو: حرف عطف. فلج: معطوف على شعيب في البيت رقم -٧ - ببطن: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة فلج، وبطن مضاف وواد مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. للماء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. من تحته: جار ومجرور متعلقان بقسيب بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قسيب: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة واد.
١٠ - أو جدول في ظلال نخل للماء من تخته سكوب
المفردات. جدول: نهر صغير. سكوب: أراد انسكاب، فلم تمكنه
[ ٢ / ٥٢٤ ]
القافية، والانسكاب الجريان بسرعة شديدة.
المعنى يقول: كان دمعه نهر صغير، يجري خلال نخل كثير لا يرى الشمس، للماء فيه جريان شديد.
الإعراب. أو: حرف عطف. جدول: معطوف على شعيب في البيت رقم -٧ - في ظلال: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة جدول، وظلال مضاف ونخل مضاف إليه. للماء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. من تحته: جار ومجرور متعلقان بسكوب بعدهما، والهاء مضاف إليه. سكوب: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة نخل.
١١ - تصبو، وأني لك التصابي أني، وقد راعك المشبب؟
المفردات. تصبو: من الصبوة، وهي الميل إلى جهلة الصيبان، قال تعالى حكاية عن قول يوسف ﵇: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين﴾ [يوسف: ٣٣] والصبوة والصبابة العشق والغرام، قال الشاعر:
ولو أن ما بي من جوى وصبابة على جمل، لم يدخل النار كافر
راعك: أفزعك؛ وانظر البيت رقم -١٧ - من معلقة طرفة. المشيب. اسم زمان من شاب رأسه، إذا صار شعره أبيض، والمشيب عبارة عن كون الحيوان في زمان تكون فيه قوته غير غريزية، والشيب بياض الشعر، هذا قول الأصمعي، وقال الجوهري: الشيب والمشيب واحد، وأما الشباب فهو عبارة عن كون الحيوان في زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة، أي قوية مشتعلة، ويكون الإنسان فيه موفور القوة البدنية، ولا تكون قواه العقلية قد تم نضجها فيه، وأما المشيب فيكون الإنسان فيه خائر القوى، وفي الغالب تكون قواه
[ ٢ / ٥٢٥ ]
العقلية قد كملت فيه، وتم نضجها فيه، وهذا إذا كملت عند الأربعين، وإذا لم تكمل عند الأربعين فلا كمال أبدًا، قال زهير البيت رقم -٦٤ - من معلقته:
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده وإن الفتى بعد السفاهة يحلم
المعنى يقول: تميل إلى العشق والغرام، وكيف لك بهذا، بعد أن صرت شيخًا، وطعنت في السن، رفي البيت تجريد، كما في البيت رقم -٧ - .
الإعراب. تصبو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الاعتراض. أني: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. لك: جار ومجرور متعلقان بالتصابي بعدهما، واللام بمعني من. التصابي: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، ويجوز أن يكون (أنى) مبتدأ، والتصابي خبره. أنى: توكيد للأولى. الواو: واو الحال. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. راعك: فعل ماض، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. المشيب: فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل تصبو، والرابط الواو والضمير معًا، وجملة (أنى .. الخ) معترضة لا محل لها، ولا يجوز أن تكون حالًا لأنها استفهامية، والاستفهام إنشاء.
١٢ - إن يك خول منها أهلها فلا بدئ، ولا عجيب
المفردات. يك: انظر البيت رقم -٧٠ - من معلقة طرفة. حول الخ: نقلوا منها، ويجوز أن يكون قد أراد معنى البيت رقم -٤ - فلا بدئ الخ: أي ليست أول ما خلا منها أهلها، وليس ذلك بعجيب ولا غريب، وانظر شرح العجب في البيت رقم -٦١ - من معلقة زهير.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
المعنى يقول: إن تكن الديار المذكورة في الأبيات السابقة، قد تغيرت حالها وأوضاعها، وقطنتها الوحوش الشاردة بدلًا من أهلها فليست أول ما خلا من الديار، ولا غرابة في ذلك ولا عجب.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. يك: فعل مضارع ناقص فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف. حول: فعل ماض مبني للمجهول. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أهلها: تنازعه كل من الفعلين السابقين، فالأول يطلبه اسمًا له، والثاني يطلبه نائب فاعل، ولم يضمر في أحدهما، مع أن الواجب الإضمار، ولو أضمر لبرز الضمير لأن أهلها اسم جمع كما رأيت، وعلى كل فالجملة الفعلية (حول الخ) في محل نصب خبر (يك) والاسم إما أهلها، وقد تأخر عن الخبر، أو هو ضمير، ويقال في حول مثله، وجملة (يك الخ) ابتداية لا محل لها، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. الفاء: واقعة في جواب الشرط. لا: نافية. بدئ: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فلا هي بدئ، ويجوز أن تكون (لا) نافية حجازية، وبدئ اسمها، وخبرها محذوف، التقدير: فلا بدئ فيها، والأول أقوى، وعلى كل فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. عجيب: معطوف على بدئ، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
١٣ - أويك قد أقفر منها جوها وعادها المحل والجدوب
المفردات. يك: مثل البيت السابق. أقفر: خلا من سكانه. جوها: وسطها. عادها: أصابها مرة بعد مرة، وأصله من عيادة المريض. المحل والجدوب: بمعنى واحد، و(قد) زائدة في البيت كما في البيت رقم -٤ - حيث زيدت فيه (من).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
المعنى يقول: إن تكن الديار المذكورة في الأبيات السابقة قد خلا وسطها من سكانه، وأصابها القحط والجدب فلا غرابة في ذلك أيضًا لأن كل صاحب نعمة يسلبها في يوم من الأيام، ولأن كل صاحب أمل في شيء قد لا يناله، فيكذب أمله، ولا ينال كل ما يؤمل.
الإعراب. أو: حرف عطف. يك: معطوف على مثله في البيت السابق، وحرف الشرط مقدر قبله، وإعرابه كإعرابه. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. أقفر: فعل ماض. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. جوها: يقال فيه ما قيل بأهلها في البيت السابق مع اختلاف بين إفراد الضمير وجمعه، تأمل. الواو: حرف عطف. عادها: فعل ماض، وها: مفعول به. المحل: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (يك الخ) لا محل لها مثلها، وجواب الشرط محذوف مدلول عليه بما تقدم، والكلام برمته معطوف على مثله في البيت السابق لا محل له مثله. والجدوب: معطوف على سابقه بالواو العاطفة.
١٤ - فكل ذي نعمة مخلوسها وكل ذي أمل مكذوب
المفردات. ذي نعمة: صاحب نعمة، ونعم الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] مخلوسها: مسلوبها. أمل: من أمل يؤمل تأميلًا إذا رجي الأمر، وأكثر ما يستعمل الأمل فما يستبعد حصوله بخلاف الطمع، فإنه لا يكون إلا فيما يرجى حصوله، وقد يكون الأمل بمعنى الطمع، وأما الرجاء فهو بين الأمل والطمع، والآمال في الدنيا رحمة من الله تعالى حتى عمر بها الدينا، وتم صلاحها، قال النبي ﷺ: (الأمل رحمة من الله تعالى لأمتي، ولولا ذلك ما غرس غارس شجرة، ولا أرضعت أم ولدًا) قال الشاعر:
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وللنفوس، وإن كانت على وجل من المنية، آمال تقويها
فالمرء يبسطها، والدهر يقبضها والنفس تنشرها، والموت يطويها
الإعراب. الفاء: حرف تعليل. كل: مبتدأ، وهو مضاف وذي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسما الخمسة، وذي مضاف ونعمة مضاف إليه. مخلوسها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (كل الخ) مفيدة للتعليل لا محل لها، والشطر الثاني إعرابه مثل الأول بلا فارق. تأمل وتدبر، وربك أعلم.
١٥ - وكل ذي إبل موروث وكل ذي سلب مسلوب
المفردات. إبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، مثل خيل وغنم فالتأنيث لها لازم، وربما قالوا: إبل بسكون الباء للتخفيف، والجمع آبال، وإذا قالوا: إبلان وغنمان فإنما يريدون قطيعين من الإبل والغنم، والنسبة إلى الإبل إبلي بفتح الباء استيحاشًا لتوالي الكسرات. وسلب الشيء انتزعه من غيره قهرًا.
المعنى يقول: كل صاحب إبل يرثه غيره كما ورثها من غيره، وكل من سلب غيره شيئًا يسلبه غيره إياه، ولم يدم له ذلك، وذلك بإتيان الموت عليه، وإعراب البيت مثل سابقه بلا فارق.
١٦ - وكل ذي غيبة يؤوب وغائب المؤت لا يؤوب
المفردات. يؤوب: يرجع، وماضيه آب. الموت: انظر البيت رقم -٧١ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: كل من غاب عن أهله ووطنه يرجع في يوم من الأيام،
[ ٢ / ٥٢٩ ]
أما من مات فغيبته لا رجعة لها، وهذا على حد قول الآخر:
وما غائب من غاب، يرجى غيابه ولكنه من ضمن الأحد غائب
الإعراب. الواو: حرف عطف. كل: مبتدأ، وهو مضاف وذي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف وغيبة مضاف إليه. يؤوب: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى كل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في البيت رقم -١٤ - لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. غائب: مبتدأ، وهو مضاف والموت مضاف إليه. لا: نافية. يؤوب: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى غائب تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا.
١٧ - أعاقر مثل ذات رحم أو غانم مثل من يخيب؟
المفردات. العاقر: هي من النساء التي لا تلد، ومن الرمال هي التي لا تنبت شيئًا، وانظر البيت رقم -٧٤ - من معلقة لبيد - ﵁ - ذات رحم: أراد التي تلد. غانم: أراد من يكسب في الغنيمة. يخيب: لا يكسب بل يرجع صفر اليدين، وانظر شرح (مثل) في البيت رقم -٤٤ - من معلقة طرفة، وشرح (ذات) في البيت رقم -٥٢ - به من معلقة عنترة.
المعنى يقول: لا تستوي التي تلد من النساء والتي لا تلد، ولا يستوي من خرج فغنم، ومن خرج فرجع خائبًا.
الإعراب. الهمزة: حرف استفهام بمعنى النفي. عاقر: مبتدأ جوز الابتداء به تقدم الاستفهام عليه. مثل: خبر المبتدأ، وهو مضاف وذات مضاف إليه، وذات مضاف ورحم مضاف إليه، وجملة (أعاقر الخ) مستأنفة لا محل لها. أو: حرف عطف. غانم: مبتدأ. مثل: خبره، وهو مضاف ومن
[ ٢ / ٥٣٠ ]
اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. يخيب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية (غانم الخ) معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. هذا ويجوز اعتبار مثل في الشطرين فاعلًا سادًا مسد الخبر.
١٨ - من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
المعنى يقول: من يطلب من الناس حوائجه يملوا طلبه، ولم يعطوه سؤله، وأما من سأل الله حوائجه فهو لا يخيب لأن الله لا يرد سؤاله، بل يعطيه بغيته ومراده، ولله در القائل:
لا تسألن بني آدم حاجةً وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
الله: علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب؛ وإذا سئل به أعطى. وإنما تخلفت الإجابة عند الدعاء به لتخلف شروط الإجابة التي أعظمها أكل الحلال.
الإعراب. من: اسم شرط جازم يجزم فعلين، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يسال: فعل مضارع، فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستر تقديره هو يعود إلى من. الناس: مفعول به. يحرموه: فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما رأيت في البيت رقم -٤٧ - من معلقة الحارث بن حلزة.
[ ٢ / ٥٣١ ]
الواو: واو الحال. سائل: مبتدأ، وهو مضاف والله مضاف إليه من إضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. لا: نافية. يخيب: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى سائل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير الواقع فاعلًا أو مفعولًا، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ [يوسف: ١٤] والاستئناف ممكن بالأعراض عما قبل الجملة، والجملة الاسمية (من يسأل .. الخ) مستأنفة لا محل لها.
١٩ - بالله يدرك كل خير والقول في بعضه تلغيب
المفردات. الله: انظر البيت السابق. القول: انظر البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. تلغيب ضعف، لأن فيه خلطة وكذبة من قولهم: سهم لغب إذا كانت قذذه بطنانًا، وهو رديء ورجل لغب ضعيف.
المعنى يقول: بالرجوع إلى الله والالتجاء إليه ينال الإنسان كل خير يطلبه ويرغب فيه، وبعض القول فيه ضعف، أي إن الإنسان لا يستطيع أن يعبر في جميع الأوقات عما يريد ويبتغي، وقد يخطئ في قوله.
الإعراب. بالله: جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. يدرك: فعل مضارع مبني للمجهول. كل: نائب فاعل، وهو مضاف وخير مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: تحتمل الحال والاستئناف والعطف. القول: مبتدأ. في بعضه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. تلغيب: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر القول، والجملة الاسمية تحتمل العطف لا محل لها مثل الأولى، والاستئناف لا محل لها أيضًا، وكذلك الحالية من
[ ٢ / ٥٣٢ ]
(كل خير) والرابط الواو فقط مثل البيت السابق.
٢٠ - والله ليس له شريك علام ما أخفت القلوب
المفردات. الله: انظر البيت السابق. شريك: أي في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. علام: صيغة مبالغة عالم. أخفت: أسرت وأضمرت، وانظر إعلال مثله في البيت -٢٥ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن الله جلت قدرته لا شريك له في ملكه، ولا مناوئ له في سلطانه، وهو عالم بما في الضمائر، وما تكنه السرائر.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. الله: مبتدأ. ليس: فعل ماض ناقص. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر ليس مقدم. شريك: اسم ليس مؤخر؛ وجملة (ليس الخ) في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. علام: خبر ثان للمبتدأ، أو هو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو علام، وعلام مضاف وما اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه .. أخفت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. القلوب: فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: أخفته القلوب.
٢١ - أفلح بما شئت، فقد يبلغ بالـ ـضعف، وقد يخدع الأريب
المفردات. أفلح: أسعد، والفلاح الفوز والنجاح، قال تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] شئت: انظر البيت رقم -٨٨ - من معلقة طرفة. يبلغ: ويروى (يدرك) وهما. معني واحد. يخدع: من خدعه إذا أظهر له خلاف ما يخفيه، وألحق به المكروه من حيث لا يعلم، قال تعالى في حق المنافقين.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ [البقرة: ٩] الأريب: العاقل، وإسقاط الفاء أولى لأنه يختل الوزن بوجودها.
المعنى يقول: عش كيف شئت. وأسعد بمالك في حياتك، ولا تجهد نفسك في طلب الدنيا، فقد يدرك الضعيف بضعفه ما لا يدركه القوي بقوته، وقد يخدع العاقل ويغلب على أمره، قيل: سأل سعيد بن العاص ﵁ الحطيئة: من أشعر الناس، فقال الذي يقول:
أفلح بما شئت البيت
ويعجبني في هذا المقام أن أذكر قول القائل.
أسعد بما ليك في الحياة فإنما يبقى خلافك مصلح أو مفسد
فإذا جمعت لمفسد لم يفنه وأخو الصلاح قليله يتزيد
الإعراب. أفلح: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب (بما) الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. شئت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: شئته. الفاء: حرف تعليل للأمر على ثبوتها. قد: حرف تقليل. يبلغ: فعل مضارع مبني للمجهول. بالضعف: جار ومجرور نائب فاعل، هذا إن لم نضع المفعول المحذوف نائب فاعل، بعد تقدير (يبلغ بالضعف ما يتمناه الإنسان)، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل لا محل لها. الواو: حرف عطف. قد: حرف تقليل. يخدع: فعل مضارع مبني للمجهول. الأريب: نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
٢٢ - لا يعظ الناس من لا يعظ الـ ـذهر، ولا ينفع التلبيب
المفردات. لا يعظ: لا ينصح، وانظر إعلال (تقص) في البيت رقم -٦٩ - من معلقة عمرو بن كلثوم. الناس: انظر البيت -٣٥ - من معلقة زهير. الدهر: انظر البيت رقم -٧٣ - من معلقة طرفة. التلبيب: تكلف اللب، أي العقل من غير طباع ثابتة، ولا غريزة فيه.
المعنى يقول: من لم يتعظ بحوادث الدهر، فإن الناس لا يقدرون على عظته ونصيحته، ولا يجدي تكلف العقل والفهم، أي فإن الذي لم يطبع على ذلك، ولم يكن ذلك غريزة فيه، وإن تكلفه فهو لا بد راجع إلى سجيته وخلقه، كما قال الشاعر:
كل امرئ صائر يومًا لشيمته وإن تخلق أخلاقًا إلى حين
الإعراب. لا: نافية. يعظ: فعل مضارع. الناس: فاعل. من: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. لا: نافية. يعظ: فعل مضارع. الدهر: فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: (لا يعظه الدهر) وجملة (لا يعظ الناس الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. لا: نافية. ينفع: فعل مضارع. التلبيب: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٢٣ - لا ينفع اللب عن تعلم إلا السجيات والقلوب
المفردات اللب: العقل، والجمع الألباب، وكثير في القرآن هذا الجمع. السجيات: جمع سجية، وهي الخلق والطبع، وتجمع السجية على سجايا أيضًا.
المعنى يقول: لا ينفع العقل الحاصل بسبب تعلم وإرشاد، إذا لم يكن
[ ٢ / ٥٣٥ ]
سجية في الإنسان وكان القلب واعيًا حافظًا أيضًا، وهو يعني العقل الغريزي، وما يكسبه الإنسان بالتعلم يسمى العقل المكتسب.
الإعراب. لا: نافية. ينفع: فعل مضارع. اللب: فاعل. عن تعلم: جار ومجرور متعلقان بالفعل ينفع، كما يجوز تعلقهما بمحذوف حال من اللب. إلا: حرف حصر. السجيات: بدل من اللب. الواو: حرف عطف. القلوب: معطوف على سابقه، وجملة (لا ينفع الخ) مستأنفة لا محل لها.
٢٤ - فقد يعودن حبيبًا شانئ ويرجعن شانئًا حبيب
المفردات. الشانئ: المبغض، والشنآن البغض، قال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨].
المعنى يقول: كثيرًا ما يتحول العدو صديقًا، ويتحول الحبيب عدوًا مبغضًا، قال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤] ويروى عن علي كرم الله وجهه قوله: (أنه قال: أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض عدوك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما) هذا وذكر التبريزي بدل هذا البيت وسابقه ما يلي:
إلا سجيات ما في القلوب وكم يصيرن شانئًا حبيب
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. قد: حرف تقليل. يعودن: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة. حبيبًا: حال من شأنئ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالًا على القاعدة نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا. شأنى: فاعل يعودن، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإعراب الشطر الثاني مثله هذا وإن اعتبرت الفعلين (يعود،
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ويرجع) ناقصين بمعنى يصير، وهو ما صرحت به عبارة التبريزي، فيكون المنصوب خبرًا مقدمًا، والمرفوع اسمًا لهما مؤخرًا تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٢٥ - ساعد بأرض إذا كنت بها ولا تقل: إنني غريب
المعنى يقول: إذا كنت في معشر فساعدهم بما تقدر عليه، ودارهم ما دمت في دارهم، ولا تقل: إنني غريب لا أفعل ذلك.
الإعراب. ساعد: فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بأرض: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من فاعل ساعد المستتر. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. كنت: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. بها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها، وجملة (كنت بها) في محل جر بإضافة إذا إليها، هذا وإن اعتبرت إذا شرطية فكنت فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه. الواو: حرف عطف. لا: ناهية جازمة. تقل: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت. إنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. غريب: خبرها، وجملة (إنني غريب) في محل نصب مقول القول، وجملة (لا تقل الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٢٦ - قد يوصل النازح النائي، وقد يقطع ذو السهمة القريب
المفردات. يوصل: من الصلة، وهي العطية والهبة. النازح والنائي: بمعنى واحد، ومعناهما البعيد. يقطع: يمنع ولا يعطي. السهمة: هي في
[ ٢ / ٥٣٧ ]
الأصل النصيب، وأراد صاحب القرابة القريبة.
المعنى يقول: ربما وصل الإنسان البعيد من الناس، وربما قطع وعق أقاربه، فلا يمنعنك إذا كنت في غربة أن تخالط الناس، وأن تساعدهم بقدر الإمكان.
الإعراب. قد: حرف تقليل. يوصل: فعل مضارع مبني للمجهول. النازح: نائب فاعل، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف. النائي: صفة ثانية للموصوف المحذوف مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وجملة (قد يوصل الخ) مفيدة للتعليل لا محل لها. الواو: حرف عطف. قد: حرف تقليل. يقطع: فعل مضارع مبني للمجهول. ذو: نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، وذو مضاف والسهمة مضاف إليه. القريب: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى (ذو) وجملة (قد يقطع الخ) معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، هذا وإن اعتبرت الفعلين (يوصل ويقطع) مبنيين للمعلوم فلست مفندًا، ويكون المفعول به محذوفًا، والمعنى لا يتغير على هذا الاعتبار أيضًا.
٢٧ - والمرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له ئعذيب
المعنى يقول: الحياة كلها غرور قال تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ [الحديد: ٢٠]، والسعيد هو الذي لا يغتر بها، وطول العمر في هذه الدنيا عذاب للإنسان لما يقاسي من مشاق الكبر والهرم، وما يعاني من أحداث الدهر ونوابه، قال زهير (سئمت تكاليف الحياة الخ).
الإعراب. الواو: حرف استئناف. المرء: مبتدأ. ما: ظرفية مصدرية. عاش: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى المرء. في تكذيب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وما المصدرية والفعل بعدها
[ ٢ / ٥٣٨ ]
في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. طول: مبتدأ، وهو مضاف والحياة مضاف إليه. له: جار ومجرور متعلقان بتعذيب بعدهما لأنه مصدر. تعذيب: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل رفع خبر ثان للمبتدأ فلست مفندًا.
٢٨ - بل رب ماء وردته آجن سبيله خائف جديب
المفردات. آجن: متغير منتن. سبيله: انظر البيت رقم -٧ - من معلقة امرئ القيس. خائف: أراد مخوف المسلك وقد يقوم اسم الفاعل مقام اسم المفعول. جديب: ليس فيه نبات، هذا وماء أصله وه بفتح الميم والواو، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار (ماه) فلما اجتمعت الألف والهاء، وكلاهما خفي، قلبت الهاء همزة، ودليل ذلك أن جمع ماء أمواه ومياه، وتصغيره مويه، وأصل ياء مياه واو، لكنها قلبت ياء لانكسار ما قبلها في جمع أعلت في مفرده، كما قالوا: دار وديار، وقيمة وقيم، ومثله سوط وسياط وحوض وحياض، وثوب وثياب. وثور وثيرة، ويقال في تعريف الماء: هو جسم رقيق مائع، به حياة كل نام، وقيل في حده: جوهر سيال به قوام الأرواح.
المعنى يقول: كثيرًا ما أرد ماء فأجده متغيرًا لعدم من يرده لأن طريقه مخوف لا يسلكه الناس لشدة هوله ووحشته.
الإعراب. بل: حرف إضراب عن الكلام السابق. رب: حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء. ماء: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. وردته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو
[ ٢ / ٥٣٩ ]
في محل رفع على المحل صفة ماء. آجن: صفة ثانية لماء. سبيله: مبتدأ، والهاء مضاف إليه. خائف: خبر أول. جديب: خبر ثان، وجملة (سبيله الخ) في محل رفع خبر المبتدأ المجرور برب، هذا إن لم تعتبر جملة قطعته .. الخ) في البيت رقم -٣٠ - خبرًا، وعليه فالجملة الاسمية من صفات ماء تأمل، والجملة الإسمية هذه لا محل لها لأنها مستأنفة.
تنبيه: البيت مكسور الوزن، ولو حذف الضمير الواقع مفعولًا به لاستقام الوزن، وحذفه لا يخل بالمعنى قطعًا. ورواه الدكتور فخر الدين قباوة في شرحه مع بيت قبله: كما يلي:
بل إن أكن قد علتني كبرة والشيب شين لمن يشيب
قرب ماء وردت آجن سبيله خائف جديب
وعليه فالفعل أكن فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره أنا، وجملة (قد علتني كبرة) في محل نصب خبره، والجملة الاسمية (رب ماء الخ) في محل جزم جواب الشرط، والجملة الاسمية (والشيب الخ) معترضة بين فعل الشرط وجوابه، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وباقي الإعراب واضح إن شاء الله تعالى ..
٢٩ - ريش الحمام على أرجائه القلب من خوفه وجيب
المفردات. الحمام: انظر البيت رقم -٦٩ - من معلقة لبيد - ﵁ - الأرجاء: النواحي، الواحد رجا ويمد أيضًا. وجيب: خفقان.
المعنى يقول: إن الماء المذكور في البيت السابق منثور في نواحيه ريش الحمام، فيخفق القلب، ويضطرب عند رؤيته.
الإعراب. ريش: مبتدأ، وهو مضاف والحمام مضاف إليه. على معلقة على
[ ٢ / ٥٤٠ ]
أرجائه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية تحتمل الصفة الماء والخبرية له، والاستئناف والاعتراض. للقلب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. من خوفه: جار ومجرور متعلقان بوجيب بعدهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وجيب: مبتدأ مؤخر، وقل في الجملة الاسمية ما قيل في سابقتها.
٣٠ - قطعته غدوةً مشيحًا وصاحبي بادن حبوب
المفردات. غدوة: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. مشيحًا: مجدًا: صاحب: انظر البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. بادن: ناقة ذات بدن وجسم. خبوب: من الخبب، وهو نوع من السير السريع.
المعنى يقول: قطعت الماء المذكور في البيت ٢٨ مبكرًا مجدًا على ناقة ضخمة سريعة في سيرها.
الإعراب. قطعته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية تحتمل الخبرية للمبتدأ الذي هو مجرور برب في البيت -٢٨ - والاستئناف. غدوة: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. مشيحًا: حال من تاء الفاعل. الواو: واو الحال. صاحبي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بادن: خبر أول. خبوب: خبر ثاني والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الواو والضمير.
٣١ - عيرانة مؤجد فقارها كأن حاركها كثيب
المفردات. عيرانة: انظر البيت رقم -٧ - من معلقة النابغة. الفقار:
[ ٢ / ٥٤١ ]
خرز عظام الظهر، جمع فقرة، والمؤجد هي التي يكون عظم فقارها واحدًا، ويروي (مضبر) ومعناه موثق، وأصله من الإضبارة، وهي الحزمة من الكتب. الحارك: هو ما شخص من فروع الكتفين إلى أصل العنق. الكثيب: كومة من الرمل.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة في البيت السابق قوية صلب فقار ظهرها، مرتفع حاركها، كأنه كثيب من رمل.
الإعراب. عيرانة: خبر ثالث لصاحبي في البيت السابق. مؤجد: صفة عيرانة. فقارها: فاعل بمؤجد، وإن كانت صيغته صيغة اسم مفعول، ويجوز أن يكون فقارها: مبتدأ مؤخرًا ومؤجد خبرًا مقدمًا، والجملة الاسمية في محل رفع صفة عيرانة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كان: حرف حرف مشبه بالفعل. حاركها: اسمها، وها: مضاف إليه. كئيب: خبرها، وجملة (كأن الخ) في محل رفع صفة ثانية لعيرانة، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم.
٣٢ - أخلف ما بازلًا سديسها لاحقة هي، ولا نيوب
المفردات. أخلف الخ: أتى عليها سنة بعدما بزلت: السديس: هو السن للإبل ينبت قبل البازل، والبازل بعده فإذا جاوز البزول بعده بعام، قيل: مخلف عام، ومخلف عامين، ومخلف أعوام. الحقة: هي من الإبل التي أتى عليها من نتاجها أربع سنين. هي: بتسكين الياء، وهي لغة لبعض بني أسد وتميم وقيس، وانظر البيت -٤٨ - نيوب: بفتح النون مسنة، وهي التي لها سبع عشرة من العمر، ونيوب بضم النون جمع ناب، وهي أيضًا الناقة المسنة كما تجمع أيضًا على أنياب ونيب.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة فتية قد طلع سنها المسمى بالبازل
[ ٢ / ٥٤٢ ]
بعد السن المسماة بالسديس فليست حقة وليست مسنة.
الإعراب. أخلف: فعل ماض. ما: زائدة. بازلًا: مفعول به. سديسها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لا: نافية. حقة: خبر مقدم. هي: مبتدأ مؤخر، وفي الأصل ضمير مبني على الفتح فسكن كما رأيت، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلًا بالإضافة. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. نيوب: معطوف على حقة عطف مفرد على مفرد.
٣٣ - كأنها من حمير غانات جون بخته ندوب
المفردات. عانات: اسم موضع نسبت العرب الحمير إليه، وعانات موضع بالجزيرة ينسب إليه نوع من الخمر، وهذا الاسم مثل أذرعات يجوز فيه الجر بالكسرة مع التنوين كما هي رواية البيت، ويجوز فيه الجر بالكسرة بلا تنوين، ويجوز فيه الجر بالفتحة نيابة عن الكسرة من غير تنوين، وكذا الرفع بالضمة، والنصب بالفتحة فيمنع من التنوين، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد ١٨٨ من كتابنا فتح رب البرية. جون: انظر البيت رقم -٨٢ - من معلقة عمرو بن كلثوم. ندوب: آثار العض جمع ندب.
المعنى يقول: كان الناقة المذكورة حمار من حمير عانات أبيض أو أسود بصفحته آثار عض الحمير ظاهرة في صفحته وجنبه، لذا فهو سريع الركض، والشطر الأول مختل الوزن.
الإعراب. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. من حمير: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ها، والعامل كأن لما فيها من معنى الفعل، أو هما متعلقان بجون الآتي، وحمير مضاف وعانات مضاف إليه. جون: خبر كان، وهو صفة لموصوف محذوف.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
بصفحته: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ندوب: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (كأنها الخ) اسمية مستأنفة لا محل لها.
٣٤ - أو شبب يرتعي الرخامى تلفه شمأل هبوب
المفردات. الشبب: هو الذي قد تم شبابه، وقد أراد ثورًا وحشيًا. الرخامي: نبت معروف يكون في البادية. تلفه: تأتيه من كل وجه. شمأل: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: كأن الناقة ثور وحشي، قد بلغ شبابه واستوى، قد رعى نبت الرخامى، وقد أتته ريح الشمال من كل وجه، فهو يسرع إلى مأواه بكل قوة ونشاط.
الإعراب. أو: حرف عطف. شبب: معطوف على جون في البيت السابق، وهو صفة لموصوف محذوف. يرتعي: فعل مضاع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى شبب، والجملة الفعلية صفته. الرخامى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. تلفه: فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. شمأل: فاعل. هبوب: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى شمأل، وجملة (تلفه الخ) في محل رفع صفة شبب، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥٠].
٣٥ - فذاك عصر، وقد أراني تحملني نهدة سرحوب
المفردات. عصر: زمن. نهدة: ضخمة. سرحوب: سريعة سريحة السير سمحة، وقيل: طويلة الظهر.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
المعنى يقول: قد مضى زمن كنت أركب فيه فرسًا ضخمة سريعة في سيرها.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. ذاك: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. عصر: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الحال. قد حرف تحقيق هنا. أراني: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وهنا قد عمل الفعل في ضميرين متصلين: أحدهما فاعل والآخر مفعول، وهذا جائز في باب (ظن، وفقد، وعدم) تحمنلي: فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. نهدة: فاعل، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف. سرحوب: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (تحملني الخ) في محل نصب مفعول به ثان لأرى، وجملة (قد أراني الخ) في محل نصب حال من (عصر) وإنما جاءت الحال من النكرة، ولم تجز الوصفية لوجود المانع منها، وهو وجود الواو، ولا يقال بزيادة الواو لأن الوزن يختل بسقوطها، وانظر الشاهد رقم -٧٩٦ - من كتابنا القريب المجيب والكلام عليه تجد ما يسرك ويثلج صدرك.
٣٦ - مضبر خلقها تضبيرًا ينشق عن وجهها السبيب
المفردات. مضبر: موثق. السبيب: أراد شعر الناصية.
المعنى يقول: إن الفرس التي كانت أركبها، خلقها حسن، وشعر ناصيتها لا يغطي وجهها وبصرها، فهي لذلك حادة البصر.
الإعراب. مضبر: صفة ثالثة للموصوف المحذوف في البيت السابق. خلقها: فاعل بمضبر، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، هذا ويجوز
[ ٢ / ٥٤٥ ]
أن يكون (مضبر) خبرًا مقدمًا، وخلقها مبتدأ مؤخرًا، والجملة الاسمية هي الصفة. تضبيرًا: مفعول مطلق. ينشق: فعل مضارع. عن وجهها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة. السبيب: فاعل ينشق، والجملة الفعلية في محل رفع صفة رابعةً للموصوف المحذوف في البيت السابق، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء: ٥٠].
٣٧ - زيتية نائم عروقها ولين أسرها رطيب
المفردات. زيتية: أي لونها بلون الزيت. نائم عروقها: أي ساكتة لصحتها، ويروي (صليب) و(ناعم) أيضًا. وقيل: معنى (نائم عروقها) ليست بناتئة العروق، وهي غليظة في اللحم. لين: من اللين، وانظر إعلال (سيد) في البيت رقم -١٩ - من معلقة زهير فهو مثله. أسرها: خلقها الذي خلقها الله عليه.
المعنى يقول: إن الفرس التي أركبها لونها كأنه لون الزيت، وعروقها ساكتة لصحتها، وخلقها لين ليس فيها قسوة ولا غلاظة، فهي لينة العريكة، هادئة الطبع.
الإعراب. زيتية: صفة خامسة للموصوف المحذوف. نائم: صفة سادسة. عروقها: فاعل بنائم، وها مضاف إليه. الواو: حرف عطف. لين: معطوف على نائم. أسرها: فاعل به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. رطيب: صفة أخرى للموصوف المحذوف، وحذف فاعله لدلالة ما قبله عليه، إذ التقدير: رطيب أسرها، هذا ولك أن تعتبر (لين) خبرًا مقدمًا، وأسرها مبتدأ مؤخرة، ورطيب خبرًا بعد خبر تأمل، والجملة الاسمية حينئذ تكون في محل نصب حال من الموصوف المحذوف في البيت -٣٥ - .
[ ٢ / ٥٤٦ ]
٣٨ - كأنها لقوة طلوب تخر في وكرها القلوب
المفردات. لقوة: هي العقاب سميت بذلك لأنها سريعة التلقي لما تطلب. طلوب: ملحة في طلب الصيد. تخر: تسقط، قال تعالى: ﴿ويخرون للأذقان يبكون﴾ [الإسراء: ١٠٩] الوكر: عش الطير. القلوب: أراد قلوب الطير.
المعنى يقول: إن الفرس التي أركبها شبيهة بعقاب ملحة في طلب الصيد، لا تهدأ ولا تستقر، لذا فإنك تجد قلوب الطير في عشها كثيرة، وذلك على حد قول امرئ القيس:
كان قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العناب والحشف البالي
الإعراب. كان: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. لقوة: خبرها. طلوب: صفة لقوة. تخر: فعل مضارع. في وكرها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة القلوب: فاعل تخر، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية للقوة، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم.
٣٩ - باتت على إرمٍ عذوبًا كأنها شيخة رقوب
المفردات. باتت: انظر البيت رقم -٤٠ - من معلقة لبيد. إرم: هو الجبل الصغير هنا، وهو في قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعادٍ إرم ذات العماد﴾ [الفجر: ٦ - ٧] اسم علم من أولاد نوح ﵇، وقيل: بل هو اسم بلدة عاد وأرضهم التي كانوا فيها. عذوبًا: لا تأكل شيئًا. شيخة: امرأة طاعنة في السن، وانظر البيت رقم -٩٦ - من معلقة طرفة. رقوب: لم يبق لها ولد.
المعنى يقول: باتت تلك العقاب على جبل صغير لا تأكل ولا تشرب، كأنها عجوز حزينة يمنعها فقد أولادها من الطعام والشراب.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الإعراب. باتت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى لقوة في البيت السابق. على إرم: جار ومجرور متعلقان بعذوبة بعدهما. عذوبًا: خبر باتت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. شيخة: خبرها. رقوب: صفة شيخة، وجملة (كأنها الخ) اسمية مستأنفة لا محل لها أيضًا، هذا إن أردت الإعراض عن البيت السابق، وإن أردت الاتصال فقل فيها وفي جملة (باتت الخ) ما قلت في جملة (تخر الخ) في البيت السابق.
٤٠ - فأصبحت في غداة قرة يسقط عن ريشها الضريب
المفردات. غداة: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. قرة: باردة. الضريب: الجليد.
المعنى يقول: أصبحت تلك القوة في يوم بارد شديد البرد يتساقط الجليد عن ريشها، وهي على رأس الجبل المذكور.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. أصبحت: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى لقوة. في غداة: جار ومجرور متعلقان بأصبحت على القول المعتمد من أنه يصح التعليق بالفعل الناقص. قرة: صفة غداة. يسقط: فعل مضارع. عن ريشها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: مضاف إليه. الضريب: فاعل يسقط، والجملة الفعلية في محل نصب خبر أصبحت، وجملة (أصبحت الخ) معطوفة على جملة (بانت الخ) في البيت السابق.
٤١ - فأبصرت تعلبًا سريعًا ودونه سبسب جديب
[ ٢ / ٥٤٨ ]
المفردات. دونه: انظر البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. سبسب: المفازة، وأيضًا الأرض البعيدة المستوية، والجمع سباسب. جديب: انظر البيت -٢٨ - .
المعنى يقول: رأت اللقوة ثعلبًا مسرعًا في سيره، وبينها وبينه مفازة لا يوجد فيها ماء، ولا نبات.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. أبصرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى لقوة المذكورة في البيت -٣٨ - ثعلبًا: مفعول. سريعًا: صفة ثعلبًا، وهذا على تفسيره بمسرعًا، أو هو حال من فاعل أبصرت، وجملة (أبصرت الخ) معطوفة على جملة (باتت الخ) في البيت -٣٩ - الواو: واو الحال. دونه: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. سبسب: مبتدأ مؤخر: جديب: صفته، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ثعلبًا، والرابط الواو والضمير، وجوزت الحال من النكرة لوصفها بسريعًا كما رأيت، وعلى اعتبار (سريعًا) حالًا من فاعل أبصرت، فالواو هي المانعة من الوصفية والمجوزة للحالية.
٤٢ - فنفضت ريشها وولت فداك من نهضة قريب
المفردات. ولت: أعرضت، وأراد طارت، وانظر إعلال مثله في البيت -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. نهضة: أراد طيرانًا.
المعنى يقول: لما رأت العقاب الثعلب نشرت ريشها ونفضته ليقع الجليد عنه، ثم طارت نحوه مسرعة لتقتله.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. نفضت: فعل ماض، والتاء للتأنيث،
[ ٢ / ٥٤٩ ]
والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى لقوة. ريشها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (باتت الخ) في البيت -٣٩ - الواو: حرف عطف. ولت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى لقوة أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. الفاء: حرف عطف. ذاك: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. من نهضة: جار ومجرور متعلقان بقريب بعدهما. قريب: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها من جمل، أو هي مستأنفة.
٤٣ - فاشتال، وارتاع من حسيس وفعله يفعل المذؤوب
المفردات. اشتال: رفع بذنبه، ارتاع: فزع، وانظر البيت رقم -١٧ - من معلقة طرفة. حسيس: صوت، وتحسس الخبر تسمعه، قال تعالى: ﴿ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ [الحجرات: ١٢] في قراءة، وتحسس الشيء تعرفه وتطلبه بالحاسة، قال تعالى في حكاية قول يعقوب لأولاده: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ [يوسف: ٨٧] أي تعرفوا خبرهما. المذؤوب: المذعور الفزع.
المعنى يقول: إن الثعلب لما سمع صوت العقاب فزع، ورفع بذنبه من شدة الفزع، وفعله هذا شبيه بفعل من دهمته الذئاب فأفزعته.
الإعراب. الفاء: حرف عطف وسبب. اشتال: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ثعلبًا المذكور في البيت ٤١، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل فيما تقدم. الواو: حرف عطف. ارتاع: فعل ماض، والفاعل هو، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضًا. من حسيس: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: واو الحال. فعله:
[ ٢ / ٥٥٠ ]
مبتدأ، والهاء مضاف إليه. من إضافة المصدر لفاعله. يفعل: فعل مضارع. المذؤوب: فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، التقدير: يفعله المذؤوب، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (ارتاع) والرابط الواو والضمير، ويروى (فعله) بالنصب، فيكون مفعولًا مقدمًا، وتكون الجملة فعلية لا اسمية.
٤٤ - نهضت نحوه حثيثةً وحردت حرده تسيب
المفردات. نهضت: طارت. نحوه: انظر البيت رقم -٣٩ - من معلقة امرئ القيس. حثيثة: مسرعة. حردت: قصدت، وحرده قصده، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وغدوا على حردٍ قادرين﴾ [القلم: ٢٥] والحرد الحنق والغيظ، ومنه قولهم: حردان وحردانة. تسيب: تجري بسرعة فائقة.
المعنى يقول: طارت تلك العقاب نحو الثعلب مسرعة، وقصدت نحوه بسرعة فائقة.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. نهضت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى اللقوة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل. نحوه: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. حثيثة: حال من فاعل نهضت المستتر. الواو: حرف عطف. حردت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل هي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضًا. حرده: مفعول مطلق، والهاء مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. تسيب: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل حردت المستر، والرابط الضمير فقط.
٤٥ - فدب من رأيها دبيبًا والعين حملاقها مقلوب
[ ٢ / ٥٥١ ]
المفردات. دب: مشي كالحية، أو على اليدين والرجلين كالطفل، قال أوس الحنفي:
زعمتني شيخًا، ولست بشيخ إما الشيخ من يدب دبيبًا
من رأيها: من رؤيتها، ويروى (من حولها) ومن (خوفها) الحملاق: قيل: هو جفن العين، وقيل: هو ما بين الماقين، وقيل: هو بياض العين ما خلا السواد، وقيل: هو العروق التي في بياض العين.
المعنى يقول: إن الثعلب لما رأى العقاب صار يمشي مشيًا وئيدًا، كأنه طفل صغير، وذلك من خوفه منها، وحملاق عينه مقلوب.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. دب: فعل ماض، والفاعل ضمير مستر تقديره هو يعود إلى الثعلب. من رأيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر المفعوله، وفاعله محذوف. دبيبًا: مفعول مطلق، وجملة (دب الخ) معطوفة على ما قبلها من جمل. الواو: واو الحال. العين: مبتدأ أول. حملاقها: مبتدأ ثان، وها مضاف إليه. مقلوب: خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (دب) المستتر، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالي: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ [يوسف: ١٤]. والعطف ممكن على الجمل السابقة. تأمل وتدبر، وربك أعلم؛ وأجل وأكرم.
٤٦ - فأدركته فطرحته والصيد من تختها مكروب
المفردات. طرحته: ألقته وقذفت به الأرض، ويروى (فخوتته) بمعني اختطفته. مكروب: اسم مفعول من الكرب، وهم الغم والحزن والمشقة، وأراد بالصيد الثعلب.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
المعنى يقول: إن اللقوة قد أدركت الثعلب، فأخذته وألقته على الأرض صريعًا، وبركت فوقه، وهو مغموم تحتها لما لقي من المشقة والعناء.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. أدركته: فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الثعلب. فطرحته: إعرابها مثل إعراب سابقتها. الواو: واو الحال. الصيد: مبتدأ. من تحتها: جار ومجرور متعلقان بمكروب بعدهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. مكروب: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل طرحته المستتر، والرابط الواو والضمير، والجملتان الفعليتان معطوفتان على ما قبلهما من جمل.
٤٧ - فجدلته، فطرحته فكدحت وجهه الجبوب
المفردات. جدلته: طرحته بالجدالة، وهي الأرض. طرحته: مثل السابق. كدحت: خدشت جعلت بوجهه كدوحًا، أي خدوشًا، وأما قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه﴾ [الانشقاق: ٦] فالمراد به عامل عملًا، إذ الكدح العمل والسعي والكد والكسب. الجبوب: قالوا: الحجارة، وقيل: الأرض الصلبة، وهو بفتح الجيم.
المعنى يقول: إن اللقوة طرحت الثعلب على الأرض قتيلًا مجندلًا، وقد أحدثت الأرض بوجهه خموشًا من هول الصدمة بها.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. جدلته: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى اللقوة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل فيما تقدم. فطرحته: إعرابها مثل إعراب سابقتها. الفاء: حرف عطف. كدحت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. وجهه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الجبوب: فاعل، وجملة (كدحت
[ ٢ / ٥٥٣ ]
الخ) معطوفة على ما قبلها أيضًا.
٤٨ - فعاودته، فرفعته فأرسلته، وهو مكروب
المفردات. عاودته: عادت إليه. رفعته: أي مرة ثانية. أرسلته: ألقته على الأرض. هو: بتسكين الواو كما رأيت في البيت -٣٢ - مكروب: انظر البيت -٤٦ - .
المعنى يقول: عادت اللقوة إلى الثعلب مرة ثانية، فرفعته، ثم ألقته على الأرض، وهو حزين مكروب.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. عاودته: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى اللقوة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل. فرفعته، فأرسلته: إعرابهما مثل إعراب سابقتهما. الواو: واو الحال. هو: ضمير منفصل مبني على الفتح المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض على لغة بني أسد وتميم وقيس. مكروب: خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب محلًا فيما تقدم، والرابط الواو والضمير.
٤٩ - يضغو ومخلبها في دفه لابد حيزومه منقوب
المفردات. يضغو: يصيح، والاسم الضغاء. مخلبها: ظفرها. دفه: جنبه. حيزومه: صدره.
المعنى يقول: إن الثعلب يصيح ويصرخ، وأظافر اللقوة في جنبه ناشبة، فلا شك أن صدره قد شق.
الإعراب. يضغو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الثعلب، والجملة
[ ٢ / ٥٥٤ ]
الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الحال. مخلبها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. في دفه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل يضغو المستتر، والرابط الواو والضمير. لا: نافية للجنس. بد: اسمها مبني على الفتح في محل نصب. حيزومه: مبتدأ، والها مضاف إليه. منقوب: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر لا، وجملة (لا بد الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
خاتمة
أيها القارئ الكريم إني أحبوك إعراب الكلمتين الآتيتين بالتفصيل، أما الأولى فهي لفظ (ولقد) وقد تكرر لفظها في كل المعلقات، ولا سيما معلقة عنترة التي تكرر لفظها بكثرة، وإعرابها كما يلي:
الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم، هذا وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابًا لقسم محذوف، ولا أسلمه أبدًا، لأنه يكون على هذا قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: ووالله أقسم، أو أقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف، وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على إن الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابًا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكمة، كما في قوله تعالى: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر: ١٢]، افهم هذا وأحفظه فإنه جيد، إن شاء الله تعالي.
فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم، فالجواب أنه قد حذف المقسم به حذفًا مطردة في أوائل السور
[ ٢ / ٥٥٧ ]
القرآنية، مثل قوله تعالى: ﴿والضحى﴾ [الضحى: ١] ﴿والسماء والطارق﴾ [الطارق: ١] ونحو ذلك، فإن التقدير: ورب الضحى، ورب السماء .. الخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى: ﴿فورب السماء والأرض﴾ [الذاريات: ٢٣]، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيا﴾ [مريم: ٧١]، وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ [المائدة: ٧٣]، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.
وأما (كلا) فلم أرها إلا في البيت رقم -٦٥ - من معلقة الأعشى، وإني أنقل لك القول فيها بحروفه من مغني اللبيب لابن هشام طيب الله ثراه، لتكون على بصيرة من أمرك، قال رحمه الله تعالى: وهي عند سيبويه والخليل والمبرد والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الردع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون الوقف عليها، والابتداء بما بعدها، وحتى قال بعضهم: متى سمعت (كلا) في سورة فاحكم بأنها مكية، لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتو كان فيها، وفيه نظر، لأن لزوم المكية إنما يكون عن اختصاص العتو بها، لا عن غلبته، ثم لا تمتنع الإشارة إلى عتو سابق، ثم لا يظهر معنى الزجر في كلا المسبوقة بنحو قوله تعالى: ﴿في أي صورةٍ ما شاء ركبك كلا﴾ [الانفطار: ٨] وقوله جل شأنه ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين كلا﴾ [المطففين: ٦] وقوله جل ذكره: ﴿ثم إن علينا بيانه كلا بل تحبون العاجلة﴾ [القيامة: ١٩ - ٢٠].
وقولهم: المعنى انته عن ترك الإيمان بالتصوير في أي صورة ما شاء الله، وبالبعث وعن العجلة بالقرآن تعسف، إذ لم يتقدم في الأوليين حكاية نفي ذلك عن أحد، ولطول الفصل في الثالثة بين (كلا) وذكر العجلة، وأيضًا
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فإن أول ما نزل خمس آيات من أول سورة الفلق ثم نزل قوله تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾ [العلق: ٦] فجاءت في افتتاح الكلام، والواو منها في القرآن ثلاثة وثلاثون موضعًا، كلها في النصف الأخير، وذلك في خمس عشر سورة منه، وكلها مكية، قال الديربي في تفسيره المنظوم.
وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى
ويرى الكسائي وأبو حاتم ومن وافقهما أن معنى الردع والزجر ليس مستمرًا فيها، فزادوا فيها معنى ثانيًا، يصح أن يوقف دونها، ويبتدأ بها، ثم اختلفوا في تعيين ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها للكسائي ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى حقًا، والثاني لأبي حاتم ومتابعيه، قالوا: تكون بمعنى (ألا) الاستفتاحية، والثالث للنضر بن شميل والفراء ومن وافقهما، قالوا: تكون حرب جواب بمنزلة إي ونعم، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿كلا والقمر﴾ [المدثر: ٣٢] فقالوا: معناه إي والقمر.
وقول أبي حاتم عندي أولى من قولهما، لأنه أكثر إطرادًا، فإن قول النضر لا يأتي في آيتي المؤمنين والشعراء على ما يأتي بيانه، وقول الكسائي لا يتأتى في نحو قوله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار﴾ [المطففين: ١٨] وقوله: ﴿كلا إن كتاب الفجار﴾ [المطففين: ٧] وقوله جل شأنه: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] لأن همزة إن تكسر بعد (ألا) الاستفتاحية، ولا تكسر بعد حقًا، ولا بعد ما كان بمعناها، ولأن تفسير حرف بحرف أولى من تفسير حرف باسم، وأما قول مكي: إن كلا على رأي الكسائي إذا كانت بمعنى حقًا فبعيد، لأن اشتراك اللفظ بين الاسمية والحرفية قليل، ومخالف للأصل، ومحوج لتكلف دعوى علة لبنائها، وإلا فلم نونت؟
وإذا صلح الموضع للردع ولغيره جاز الموقف عليها، والابتداء بها على
[ ٢ / ٥٥٩ ]
اختلاف التقديرين، والأرجح حملها على الردع لأنه الغالب فيها، وذلك نحو قوله تعالى ﴿أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا كلا سنكتب ما يقول﴾ [مريم: ٧٨ - ٨٨] وقوله جل شأنه: ﴿واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢].
وقد تتعين للردع، أو الاستفتاح، نحو قوله جل شأنه: ﴿رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت كلا إنها كلمة﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] لأنها لو كانت بمعني حقًا، لما كسرت همزة إن، ولو كانت بمعني نعم لكانت للوعد بالرجوع لأنها بعد الطلب، كما يقال: أكرم فلانًا، فنقول: نعم، ونحو قوله جل ذكره: ﴿قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢] وذلك لكسر همزة إن، ولأن نعم بعد الخبر للتصديق.
وقد يمتنع كونها للزجر، نحو قوله تعالى: ﴿وما هي إلا ذكرى للبشر كلا والقمر﴾ [المدثر: ٣١ - ٣٢] وليس قبلها ما يصح ره، وقول الطبري وجماعة: إنه لما نزل في عدد خزنة جهنم قوله تعالى: ﴿عليها تسعة عشر﴾ [المدثر: ٣٠] قال بعضهم: اكفوني اثنين، وأنا أكفيكم سبعة عشر، فنزل (كلا) زجرا له تعسف، لأن الآية لم تتضمن ذلك اهـ مغني اللبيب.
أقول: ويتلخص من هذا أن الأكثر في كلا أن تكون حرف ردع وزجر، وذلك إذا سبقها كلام يستدعي ذلك، ولا ردع في سورة الانفطار، ولا في سورة العلق، ولا في سورة المطففين، وما جرى مجراهن، وإنما هي للتنبيه والاستفتاح كما هو واضح، وتكون حرف جواب بمعنى إي، كما في قوله تعالى: ﴿كلا والقمر﴾ ولا تكون بمعنى حقًا كما بينه ابن هشام لعدم فتح همزة إن بعدها، ونقل الجمل عن السمين للنحويين فيها ستة مذاهب والمعتمد ما لخصته، وبالله التوفيق، وبه أستعين.
[ ٢ / ٥٦٠ ]