[ ٢ / ٥ ]
فهرست أبيات معلقة لبيد بن ربيعة
الصحابي ﵁
١ - عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
٢ - فمدافع الريان عري رسمها خلقًا كما ضمن الوحي سلامها
٣ - دمن تجرم بعد عهد أنيسها حجج خلون، حلالها وحرامها
٤ - رزقت مرابيع النجوم وصابها ودق الوراعد، جودها فرهامها
٥ - من كل سارية، وغاد مدجن وعشية، متجاوب إرزامها
٦ - فعلا فروع الأيهقان، وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها
٧ - والعين ساكنة على أطلائها عوذًا تأجل بالفضاء بهامها
٨ - وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها
٩ - أو رجع واشمة أسف نؤورها كففًا تعرض فوقهن وشامها
١٠ - فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا صما خوالد ما يبين كلامها؟
١١ - عريت، وكان بها الجميع، فأبكروا منها، وغودر نؤيها وثمامها
١٢ - شاقتك ظعن الحي حين تحملوا فتكنسوا قطنًا تصر خيامها
١٣ - من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها
١٤ - زجلًا كأن نعاج توضح فوقها وظباء وجرة عطفًا أرآمها
١٥ - حفزت، وزايلها السراب كأنها أجزاع بيشة، أثلها ورضامها
١٦ - بل ما تذكر من نوار، وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها
١٧ - مرية حلت بفيد، وجاورت أهل الحجاز، فأين منك مرامها؟
١٨ - بمشارق الجبلين، أو بمحجر فتضمنتها فردة فرخامها
[ ٢ / ٧ ]
١٩ - فصوائق إن أيمنت فمظنة منها وحاف القهر، أو طلخامها
٢٠ - فاقطع لبانة من تعرض وصله ولشر واصل خلة صرامها
٢١ - واحب المجامل بالجزيل، وصرمه باق، إذا ضلعت، وزاغ قوامها
٢٢ - بطليح أسفار ترطن بقية منها فأحنق صلبها وسنامها
٢٣ - فإذا تغالى لحمها فتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها
٢٤ - فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها
٢٥ - أو ملمع، وسقت لأحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها
٢٦ - يعلو بها حدب الإكام مسحجًا قد رابه عصيانها ووحامها
٢٧ - بأحزة الثلبوت يربأ فوقها قفر المراقب خوفها آرامها
٢٨ - حتى إذا سلخا جمادى ستة جزآ، فطال صيامه وصيامها
٢٩ - رجعا بأمرهما إلى ذي مرة حصد ونجح صريمة إبرامها
٣٠ - ورمى دوابرها السفا، وتهيجت ريح المصايف، سومها وسهامها
٣١ - فتنازعا سبطا، يطير ظلاله كدخان مشعلة يشب ضرامها
٣٢ - مشمولة غلثت بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها
٣٣ - فمضى وقدمها، وكانت عادةً منه إذا هي عردت إقدامها
٣٤ - فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورًا قلامها
٣٥ - محفوفة وسط اليراع، يظلها منه مصرع غابة، وقيامها
٣٦ - أفتلط، أم وحشية مسبوعة خذلت، وهادية الصوار قوامها؟
٣٧ - خنساء ضيعت الفرير، فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها
٣٨ - لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب، لا يمن طعامها
٣٩ - صادفن منها غرة، فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها
٤٠ - باتت، وأسبل واكف من ديمة يروي الخمائل، دائمًا تسجامها
٤١ - تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا بعجوب أنقاء يميل هيامها
٤٢ - يعلو طريقة متنها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها
٤٣ - وتضيئ فر وجه الظلام منيرة كجمانة البحري سل نظامها
٤٤ - حتى إذا انحسر الظلام، وأسفرت بكرت تزل عن الثرى أزلامها
[ ٢ / ٨ ]
٤٥ - علهت تردد في نهاء صعائد سبعًا تؤامًا كاملًا أيامها
٤٦ - حتى إذا يئست، وأسحق حالق لم يبله إرضاعها، وفطامها
٤٧ - وتسمعت رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب، والأنيس سقامها
٤٨ - فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
٤٩ - حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا دواجن قافلًا أعصامها
٥٠ - فلحقن واعتكرت لها مدرية كالسمهري حدها وتمامها
٥١ - لتذودهن، وأيقنت إن لم تذد أن قد أحم مع الحتوف حمامها
٥٢ - فتقصدت منها كساب، فضرجت بدم، وغودر في المكر سحامها
٥٣ - فبتلك، إذ رقص اللوامع بالضحى واجتاب أردية السراب إكامها
٥٤ - أقضي اللبانة لا أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها
٥٥ - أو لم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل جذامها
٥٦ - تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها
٥٧ - بل أنت لا تدرين: كم من ليلة طلق لذيذ لهوها وندامها
٥٨ - قد بت سامرها وغاية تاجر وافيت، إذ رفعت، وعز مدامها
٥٩ - أغلى السباء بكل أدكن عاتق أو جونة قدحت، وفض ختامها
٦٠ - باكرت حاجتها الدجاج بسحرة لأعل منها حين هب نيامها
٦١ - وغداة ريح قد وزعت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
٦٢ - بصبوح صافية وجذب كرينة بموتر تأتاله إبهامها
٦٣ - ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي، إذ غدوت لجامها
٦٤ - فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة حرج إلى أعلامهن قتامها
٦٥ - حتى إذا ألقت يدًا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها
٦٦ - أسهلت، وانتصبت كجذع منيفة جرداء يحصر دونها جرامها
٦٧ - رفعتها طرد النعام، وفوقه حتى إذا سخنت، وخف عظامها
٦٨ - قلقت رحالتها، وأسبل نحرها وابتل من زبد الحميم حزامها
٦٩ - ترقى وتطعن في العنان، وتنتحي ورد الحمامة، إذ أحد حمامها
٧٠ - وكثيرة غرباؤها مجهولة ترجى نوافلها، ويخشى ذامها
[ ٢ / ٩ ]
٧١ - غلب تشذر بالذحول كأنها جن البدئ رواسيًا أقدامها
٧٢ - أنكرت باطلها، وبؤت بحقها يومًا، ولم يفخر علي كرامها
٧٣ - وجزور أيسار دعوت لحفتها بمغالق متشابه أجسامها
٧٤ - أدعو بهن لعاقر، أو مطفل بذلت لجيران الجميع لحامها
٧٥ - فالضيف والجار الغريب كأنما هبطا تبالة مخصبًا أهضامها
٧٦ - تأوى إلى الأطناب كل رذية مثل البلية، قالص أهدامها
٧٧ - ويكللون، إذا الرياح تناوحت خلجًا تمد شوارعًا أيتامها
٧٨ - إنا إذا التقت المجامع لم يزل منا لزاز عظيمة جشامها
٧٩ - ومقسم يعطي العشيرة حقها ومغذمر لحقوقها هضامها
٨٠ - فضلًا، وذو كرم يعين على الندى سمح كسوب رغائب غنامها
٨١ - من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها
٨٢ - إن يفزعوا تلق المغافر عندهم والسن يلمح كالكواكب لامها
٨٣ - لا يطبعون، ولا يبور فعالهم إذ لا تميل مع الهوى أحلامها
٨٤ - فاقنع بما قسم المليك، فإنما قسم الخلائق بيننا علامها
٨٥ - وإذا الأمانة قسمت في معشر أوفى بأعظم حظنا قسامها
٨٦ - فبنى لنا بيتًا رفيعًا سمكة فسما إليه كهلها وغلامها
٨٧ - وهم السعادة إذا العشيرة أفظعت وهمو فوارسها، وهم حكامها
٨٨ - وهمو ربيع للمجاور فيهمو والمرملات إذا تطاول عامها
٨٩ - وهم العشيرة أن يبطئ حاسد أو أن يلوم مع العدى لوامها
[ ٢ / ١٠ ]
(معلقة لبيد بن ربيعة)
لبيد ونسبه
هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
شيء من أخباره
يروى أن أبا براء، وهو عم لبيد، واسمه عامر بن مالك بن جعفر قد وفد في رهط بني جعفر على النعمان بن المنذر، ومعه لبيد، وهو يومئذ غلام؛ فوجدوا عند النعمان الربيع بن زياد العبسي - وكان نديمًا له - مع تاجر من تجار الشام يقال له سرجون بن توفيل، وكان أديبًا حسن الحديث والمنادمة، فاستخفه النعمان، فكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه وإلى النطاسي متطبب كان له، وإلى الربيع، وهو وأخوته الكملة من الرجال، وهم الربيع وعمارة وقيس وأنس، وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية-، فلما قدم الجعفريون على النعمان كانوا يأتونه لحوائجهم، فإذا خرجوا من عنده، وخلا به الربيع طعن فيهم، فصده عنهم، فدخلوا عليه يومًا فرأوا منه جفاءً وتغيرًا، وكان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجالسهم، فخرجوا من عنده غضابًا، ولبيد متخلف في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو كل صباح بإبلهم فيرعاها، فأتاهم ذات ليلة فوجدهم يتذاكرون أمر الربيع، وما يلقون منه، فسألهم عما هم فيه
[ ٢ / ١١ ]
فكتموه، فقال لهم: والله لا أحفظ لكم متاعًا، ولا أسرح لكم بعيرًا، أو تخبروني بهذا الأمر.
وكانت أم لبيد امرأة من بني عبس، يتيمة في حجر الربيع بن زياد، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، وصد بوجهه عنا، فقال: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه، فازجره عنكم بقول ممض مؤلم لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدًا؟ قالوا: وهل عندك من ذلك شيء؟ قال: نعم، قالوا: إنا نبلوك بشتم هذه البقلة - لبقلة قدامهم رقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التربة - فقال:
هذه التربة التي لا تذكي نارًا، ولا توهل دارًا، ولا تسر جارًا، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل، أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعًا، وأشدها قلعًا، آكلها جائع، والمقيم عليها قانع، فألقوا بي أخا بني عبس، أرده عنكم بتعس، وأدعه من أمره في لبس.
قالوا: نصبح فنرى فيك رأينا، فقال عامر عمه: انظروا غلامكم فإن رأيتموه نائمًا فليس أمره بشيء، إنما يتكلم بما جاء على لسانه، وإن رأيتموه ساهرًا فهو صاحبه، فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلًا، وقد تكدم واسطه حتى أصبح، قالوا له: أنت والله صاحبه، فعمدوا إليه فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلة، ثم غدوا به معهم، فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغدى، ومعه الربيع بن زياد، وهما يأكلان ليس معه غيره، والدار والمجالس مملؤة من الوفود، فلما فرغوا من الغداء أذن للجعفريين، فدخلوا عليه، وقد كان تقارب أمرهم، فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد يرتجز، وهو يقول:
يا رب هيجا هي خير من دعه أكل يوم هامتي مقزعة
[ ٢ / ١٢ ]
لا تمنع الفتيان من حسن الرعه نحن بني أم البنين الأربعة
ونحن خير عامر بن صعصعه المطعمون الجفنة المدعدعه
والضاربون الهام تحت الخيضعه مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه
إن استه من برص ملمعه وإنه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتى يواري أشجعه كأنه يطلب شيئًا ضيعه
وزعموا أنه لما أنشد لبيد هذا الرجز التفت النعمان إلى الربيع شذرًا، فقال: كذاك أنت يا ربيع؟ فقال: لا والله لقد كذب ابن الحمق اللئيم، فقال النعمان: أف لهذا الطعام، لقد خبثت علي طعامي، فغضب، وقال: أبيت اللعن، أما إني قد فعلت بأمه، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، وهي من نسوة غير فعل، وأنت المرء فعل بيتيمةٍ في حجره، فغضب الربيع وغضب لغضبه بنو فقيم ونهشل، وضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل، وكان أبرص، وكانت بنو كلاب أسروا ضمرة فمنوا عليه، فقال لبيد يرتجز بضمرة أيضًا:
يا ضمر يا عبد بني كلاب يا أير كتب علي بباب
تمكو استه من حذر الغراب يا ورلا ألقي في السراب
أكان هذا أول الثواب لا يعلقنكم ظفري ونابي؟
إني إذا عاقبت ذو عقاب بصارم مذكر الذباب
فأمر النعمان بلبيد وأصحابه فأخرجوا، وقام الربيع فانصرف إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالانصراف إلى أهله. فكتب إليه الربيع (إني قد عرفت أنه وقر في صدرك ما قال لبيد. ولست برائم حتى تبعث إلي من يجردني، فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال) فأرسل إليه (إنك صادق لست صانعًا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، ولا قادرا
[ ٢ / ١٣ ]
على ما زلت به الألسن فالحق بأهلك) فلحق بأهله، وأرسل إلى النعمان بأبيات قالها:
لئن رحلت جمالي لا إلى سعة لا مثلها سعة عرضًا ولا طولا
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ما وزنت ريشة من ريش سمويلا
ترعى الروائم أحرار البقول بها لا مثل رعيكم ملحًا وغسويلا
فأبرق بأرضك بعدي واخل متكئًا مع النطاسي طورًا وابن توفيلا
فأجابه النعمان بقوله:
شرد برحلك عني حيث شئت ولا تكثر علي، ودع عنك الأباطيلا
فقد ذكرت به والركب حامله ما جاور الفيل أهل الشام والنيلا
نما انتفاؤك منه بعدما جرعت هوج المطي به أبراق شنيلا
قد قيل ما قيل إن صدقًا وإن كذبًا فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟
فالحق بحيث رأيت الأرض واسعةً فانشر بها الطرق، إن عرضًا وإن طولا
وقد كان لبيد مخضرمًا، قال الشعر في الجاهلية والإسلام، وإنما قيل لمن كان على هذه السبيل مخضرمًا لأن بعض أيام مضت في الجاهلية، وبعضها في الإسلام. وقال بعض الرواة: لم يقل لبيد في الإسلام إلا بيتًا واحدًا:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى لبست من الإسلام سربالا
والحق فقد روي له مقطعات، وما يروى عند موته يثبت ذلك.
يروى عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة ﵂ كانت تكثر تمثل قول لبيد:
[ ٢ / ١٤ ]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون ملامة ومذمة ويلام قائلهم، وإن لم يشغب
قالت: ويح لبيد بن ربيعة كيف لو بقي إلى مثل هذا اليوم؟ . قال هشام: قال أبي: فكيف لو بقيت عائشة ﵂ إلى هذا اليوم. قال هشام: وأنا أقول: كيف لو بقي أبي إلى هذا اليوم؟ وأنا أقول: رضي الله عن الجميع كيف لو رأوا هذا الزمان وأهله الذين صاروا خلًا ودودًا، بل حيات وعقارب، وذئابًا وثعالب.
عاش لبيد ﵁ مائة وثلاثين سنة، وأدرك معاوية بن أبي سفيان، وقال بعضهم: عاش مائة وأربعين سنة، وقال حين طوى سبعًا وسبعين:
قامت تشكي إلى النفس مجهشةً وقد حملتك سبعًا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثًا تبلغي أملًا وفي الثلاث وفاء للثمانينا
فلما بلغ تسعين حجة قال:
كأني وقد جاوزت تسعين حجةً خلغت بها عن منكبي ردائيًا
فهو يعني أن مضي هذه السنين في سرعتها بمنزلة خلع الرداء عن الكتف، فلما بلغ مائة وعشرًا قال:
أليس في مائةٍ قد عاشها رجل وفي تكامل عشرٍ بعدها عبر
فلما بلغ مائة وثلاثين قال:
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟
غلب العزاء، وكان غير معلب دهر طويل دائم ممدود
[ ٢ / ١٥ ]
يوم إذا يأتي علي وليلة وكلاهما بعد المضاء يعود
هذا وقد كان لبيد ﵁ شريفًا رائع الجمال سخيًا حليمًا كان يقال: إنه يطعم كلما هبت الصبا لبيت قاله في الجاهلية وهو قوله:
وصبًا غداة مقامة وزعتها بجفان شيزي فوقهن سنام
وقالت عجوز من طي كان لنا جاران من بني جعفر في الإسلام لم نر مثلهما: أحدهما لبيد بن ربيعة لم يصبح منذ هاجر إلا وعند بابه جزر تنحر، أو فرث أو دم لم يجف، وكان الآخر مفرطًا في البخل، فكان يرسل خادمه فيأتيه بالتمر، فيملأ فاه ماء مخافة أن يأكل منه في الطريق، فسبحان من أقام العباد فيما أراد، وإليه المرجع والمآب.
ملاحظة: معلقة لبيد من البحر الكامل.
١ - عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
المفردات. عفت: انظر البيت رقم - ٢ - من معلقة أمرئ القيس، وانظر إعلال مثله في البيت رقم - ٢٥ - منها. الديار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. محلها: المحل من الديار ما حل فيه لأيام معدودة، والمقام منها ما طالت الإقامة فيه. منى: موضع بحمى ضرية غير منى الحرم، وقال قوم: المراد به منى مكة الذي يقيم فيه الحجاج أيام الحج، أي العيد وتالييه، ويروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما سمي منى منى لأن آدم ﵊ لما انتهى إليه قيل له: تمن، فقال: أتمنى الجنة، فسمي منى لذلك، وقال غيره: إنما سمي منى لما يمنى فيه من الدم، أي يراق فيه من دم الأضاحي، وقيل: إنما سمي منى لما يمنى فيه من ثواب الله تعالى، أي يقدر، ومنى يذكر ويؤنث. يقال: هو منى وهي منى، فمن ذكره رواه بالتنوين ومن أنثه رواه بالقصر. تأبد: توحش، والأوابد الوحوش،
[ ٢ / ١٦ ]
واحدها آبد، ومنه أوابد الشعر المشار إليها بالجودة. الغول والرجام: جبلان، وقال بعض الرواة: الغول ماء معروف، والرجام الهضاب واحدتها رجمة، والرجام في غير هذا الموضع حجارة تجمع وتجعل أنصابًا ينسكون عندها، ويطوفون بها، واحدتها أيضًا رجمة.
المعنى يقول: درست منازل الأحبة، وانمحت آثارهم ما كان منها للحلول الموقت دون الإقامة، وما كان منها للإقامة الدائمة، وهذه المنازل كانت بالموضع المسمى منى، وقد توحشت، أي لم يبق فيها أنيس، المنازل الغولية والمنازل الرجامية منها لارتحال أهلها وبعدهم عنها.
الإعراب. عفت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث المحركة بالكسر لالتقاء الساكنين. الديار: فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها، وبعضهم يعتبرها في محل نصب مقول القول. محلها: بدل من الديار، بدل بعض من كل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فمقامها: معطوف على سابقه بالفاء العاطفة، وها: في محل جر بالإضافة. بمنى: جار ومجرور متعلقان بالفعل عفت، ويجوز تعليقهما بمحذوف حال من الديار، وما أبدل منه، وقيل: متعلقان بالفعل بعدهما، وهو غير قوي. تأبد: فعل ماض. غولها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فرجامها: معطوف على سابقه بالفاء العاطفة. وها في محل جر بالإضافة، وجملة (تأبد غولها) في محل نصب حال من الديار، والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير قبلها.
٢ - مدافع الريان عري رسمها خلقًا كما ضمن الوحي سلامها
المفردات المدافع: أراد بها مجاري المياه، وهي التلاع. الريان:
[ ٢ / ١٧ ]
جبل معروف، وقيل: هو واد بالحمى، وبروي (فصدائر الريان) وهو ما صدر من الوادي، وهو أعلاه. عري: ارتحل عنه، فعري بعد أن بلي لسكونهم إياه، وانظر البيت - ١١ - الآتي، الرسم: انظر البيت رقم - ٢ - من معلقة أمرئ القيس. خلقا: باليا يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر ضمن: حوى. الوحي: جمع وحي، وهو الكتاب، يقال: وحيث أحي وحيًا إذا كتبت، وقال جرير:
كان أخا اليهود يخط وحيًا بكاف في منازلها ولام
والوحي وزنه من الفعل فعول فأصله (وحوي) فأعل كما أعل (ملوي) في البيت رقم - ٣٩ - من معلقة طرفة ويروي بفتح الواو، فيكون أصله (الموحو: ويشبه إعلاله إعلال (عصي) في البيت رقم - ١٤ - من معلقة زهير. السلام: الحجارة والصخور الصلبة، واحدتها سلمة، قال بجير بن عنمة الطائي:
ذاك خليلي، وذو يواصلني يرمي ورائي بامسهم وامسلمة
أراد بالسهم والسلمة، فأم في الكلمتين قامت مقام أل التعريفية.
المعنى يقول: إن مجاري المياه الموجودة في جبل الريان درست رسومها، وصارت بالية، وهي تشبه كتابًا خط في حجارة لا يظهر من بعيد لأن نقشه ليس بشيء مخالف للون الحجارة، وإنما يظهر لمن يقرب منه، وكذلك تلك الرسوم.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. مدافع: مبتدأ، وهو مضاف والريان مضاف إليه. عري: فعل ماض مبني للمجهول. رسمها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر
[ ٢ / ١٨ ]
المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا، وقيل: إن (مدافع) معطوف على قوله (غولها) في البيت السابق، فيكون العطف عطف مفرد على مفرد، وتكون جملة (عري رسمها) في محل نصب حال من مدافع الريان. خلقًا: حال من رسمها. الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. ضمن: فعل ماض. الوحي: مفعول به. سلامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وما المصدرية والفعل ضمن في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف للفعل (عري) والتقدير: عري رسمها تعرية كائنة كتضمين الحجارة الكتابة، وإن علقتهما بمحذوف صفة خلقًا فالمعنى لا يأباه.
٣ - دمن تجرم بعد عهد أنيسها حجج خلون، حلالها وحرامها
المفردات. دمن: انظر شرحها في البيت رقم - ١ - من معلقة زهير. تجرم: انقطع ومضى. عهد: أراد به لقاء، وأراد بأنيسها الذين يسكنونها. حجج: انظر البيت رقم - ٤ - من معلقة زهير. خلون: مضين. حلالها: أراد به الشهور الحلال. حرامها: أراد به الأشهر الحرم، وانظر البيت رقم -٨ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: إن آثار ديار الأحبة قد مر عليها بعد مفارقة أهلها لها سنون عديدة، وكل سنة منها تشتمل على ثمانية أشهر حلال، وعلى أربعة أشهر حرام، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب.
الإعراب. دمن: خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي، أو تلك دمن، ويروى (دمنًا) بالنصب، قال التبريزي: على الحال من الديار والمنازل المذكورة، ولا وجه له لأنه ليس مشتقًا، وإنما نصبه بفعل محذوف، تقديره:
[ ٢ / ١٩ ]
رأيت أو غير ذلك. تجرم: فعل ماض. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبعد مضاف وعهد مضاف إليه، وعهد مضاف وأنيسها مضاف إليه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. حجج: فاعل تجرم، والجملة الفعلية صفة (دمن) خلون: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة حجج. حلالها: بدل من حجج بدل بعض من كل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وحرامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: في محل جر بالإضافة.
٤ - رزقت مرابيع النجوم وصابها ودق الرواعد، جودها فرهامها
المفردات. رزقت: دعاء لها، أي رزقها الله تعالى، وقال بعض أهل اللغة: إنما هو خبر، وليس بدعاء. مرابيع: جمع مرباع، وهو المطر الذي يكون في أول الربيع، وأضاف المرابيع إلى النجوم، لأنهم كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، ويروي (مرابيع السحاب) صابها وأصابها: بمعنى نزل عليها. الودق: المطر الداني من الأرض، واحدته ودقة، يقال ودق يدق إذا دنا، قال تعالى: ﴿فترى الودق يخرج من خلاله﴾ الرواعد: أراد السحائب ذوات الرعد الجود: المطر الكثير الشديد. الرهام: جمع رهمة، وهي المطرة التي فيها لبن، وتجمع أيضًا على رهم.
المعنى يقول: رزق الله تلك الديار والدمن المذكورة في الأبيات السابقة أمطار الأنواء الربيعية، وأنزل الله عليها مطر السحائب المصحوبة بالرعد، ما كان منه غزيرًا، وما كان منه لينًا لطيفًا، والكلام محتمل للدعاء والخبر كما ذكرته سابقًا.
الإعراب. رزقت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الديار والدمن المذكورة في البيت السابق، وهو المفعول الأول. مرابيع: مفعول به ثان، وهو مضاف والنجوم
[ ٢ / ٢٠ ]
مضاف إليه. الواو: حرف عطف. صابها: فعل ماض، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ودق: فاعل صابها، وهو مضاف والرواعد مضاف إليه، وجملة (صابها ودق) معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. جودها: بدل من ودق الرواعد، بدل بعض من كل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فرهامها: معطوف على سابقه بالفاء العاطفة، وهما: في محل جر بالإضافة.
٥ - من كل سارية، وغاد مدجن وغشية، متجاوب إرزامها
المفردات. سارية: أراد بها سحابة ماطرة في الليل، وانظر السري في البيت رقم - ٣٥ - من معلقة طرفة: غاد: يجيء بالغداة، وانظر إعلال واد في البيت رقم - ٦٠ - من معلقة أمرئ القيس. مدجن: مظلم، وأراد ملبس آفاق السحاب بظلامه لفرط كثافته. عشية: انظر البيت رقم - ٥ - من معلقة أمرئ القيس. متجاوب: يجاوب بعضه بعضًا. الإرزام: التصويت، وإرزام الناقة حنينها، يقال: أرزمت الناقة إذا حنت، يريد لرعدها رزمة، أي صوت كصوت الناقة على ولدها.
المعنى يقول: إن الأمطار المذكورة في البيت السابق هي مؤلفة من كل مطر سحابة آتية ليلًا، ومن مطر سحاب آت غدوًا يلبس آفاق السماء بكثافته وتراكمه ظلمة، ومن مطر سحابة آتية عشية تتجاوب أصواتها، أي كأن رعودها تتجاوب.
الإعراب. من كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل (صابها) في البيت السابق، ويجوز القطع، أي اعتبارهما متعلقين بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي، أو تلك الأمطار، وكل مضاف وسارية مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: سحابة سارية، فلذا أنت.
[ ٢ / ٢١ ]
الواو: حرف عطف. غاد: معطوف على سارية مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: سحاب غاد، فلذا ذكر. مدجن: صفة ثانية للموصوف المحذوف. وعشية: معطوف على غاد بالواو العاطفة، وهو في الأصل مضاف إليه، إذ أصل الكلام: وسحاب عشية، فقد حذف المضاف، وأبقي المضاف إليه بحاله، متجاوب: صفة لسحاب المحذوف. إرزامها: فاعل بمتجاوب، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٦ - فعلًا فروع الأيهقان، وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها
المفردات. علا: ارتفع، ويروى (غلا) بالغين، ومعناه ارتفع وزاد من قولهم: قد غلا السعر إذا ارتفع وزاد. الفروع: الأعالي. الأيهقان: بفتح الهاء وضمها هو الجرجير البري، الواحدة أيهقانة. أطفلت: صارت ذات أطفال. الجلهتان: جانبا الوادي، ومفرده جلهة، وجمعه جلاه وجلهات. الظباء: جمع ظبية، وهي أنثى الغزال - وتجمع على ظبيات، وهو كثير في الشعر العربي -. النعام: انظر البيت رقم - ٧٠ - من معلقة أمرئ القيس.
المعنى يقول: ارتفعت فروع الجرجير البري في ديار الأحبة، وذلك لكثرة الأمطار التي أصابتها، وتوالدت الغزلان وفرخ النعام بجانبي الوادي، وذلك لخلو الديار من ساكنيها، فالوحوش والطيور آمنة فيها.
الإعراب. الفاء: حرف عطف، أو استئناف. علا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. فروع: فاعل علا، ويروى بالنصب على أنه مفعول به، فيكون الفاعل ضميرًا مستترًا تقديره هو يعود إلى السيل، والرفع أجود كما رأيت في المعنى، وفروع مضاف والأيهقان مضاف إليه، وجملة (علا الخ) لا محل لها سواء عطفتها على ما قبلها، أو استأنفتها. الواو:
[ ٢ / ٢٢ ]
حرف عطف. أطفلت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. بالجلهتين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ظباؤها: فاعل أطفلت، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (أطفلت الخ) معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. نعامها: فاعل لفعل محذوف تقديره: باضت أو أفرخت، لأن النعام تبيض وتفرخ، ولا تلد الأطفال، وقد عطف النعام على الظباء في الظاهر لزوال اللبس، ومثله قول الراعي النميري:
إذا ما الغانيات برزن يؤمًا وزججن الحواجب والعيونا
إذ التقدير: وكحلن العيون، وأيضًا قول الآخر:
علفتها تبنًا ماءً باردًا حتى غدت همالةً عيناها
إذ التقدير: وسقيتها ماءً، وأيضًا قول الآخر:
تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه أن مولاه صار له وفر
إذ التقدير: ويفقأ عينيه، وأيضًا قول الآخر:
يا ليت بعلك قذ غدا متقلدًا سيفًا ورمحا
إذ التقدير: وحاملًا رمحًا، وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد ٦٦٥ من كتابنا فتح القريب المجيب تجد ما يسرك ويثلج صدرك.
٧ - العين ساكنة على أطلائها عوذًا تأجل بالقضاء بهامها
المفردات. العين: انظر البيت رقم - ٣ - من معلقة زهير، ويروى (والوحش) ساكنة: مطمئنة. الأطلاء: انظر البيت رقم - ٣ - من معلقة زهير.
[ ٢ / ٢٣ ]
العوذ: الحديثات النتاج والولادة، الواحدة عائذ، مثل حائل وحول وبازل وبزل. تأجل: فعل مضارع أصله (تتأجل) انظر البيت رقم - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس، ومعنى تأجل تجتمع، أو تصير آجالًا؛ الواحد إجل، وهو القطيع من الظباء والبقر والشاء. الفضاء: المتسع من الأرض. بهامها: جمع بهمة. وقيل: واحدة البهام بهم، وواحد البهم بهمة، ويجمع البهام على بهامات، وهي من أولاد الضأن خاصة، وتجري البقرة الوحشية مجرى الضائنة في كل شيء، وقال أبو زيد: يقال: لأولاد الغنم ساعة تضعه أمه من المعز والضأن جميعًا ذكرًا كان أم أنثى سخلة، وجمعه سخال، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، وجمعها بهم.
المعنى يقول: إن ديار الأحبة صارت مسكنًا للوحش بعد أن كانت مسكنًا للإنس فترى البقر قد تكاثر فيها وأناثه قد عكفت على أولادها ترضعها في حال كونها حديثات النتاج، وأولادها قد كثرت في تلك الأرض الواسعة حتى صارت قطعانًا كثيرةً.
الإعراب. الواو: حرف استئناف العين: مبتدأ. ساكنة: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. على أطلائها: جار ومجرور متعلقان بساكنة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. عوذًا: حال من الضمير المستتر بساكنة، وقيل: هو حال من العين، والجمهور لا يجوزون مجيء الحال من المبتدأ. تأجل: فعل مضارع. بالفضاء: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بهامها: فاعل تأجل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (تأجل بالفضاء بهامها) في محل نصب حال ثانية من صاحب الحال الأولى، تأمل وتدبر وربك أعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ٢٤ ]
٨ - وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها
المفردات. جلا: كشف. السيول: جمع سيل، وهو ما يجتمع من ماء السماء في الوادي وغيره. الطلول: انظر البيت رقم - ٢ - من معلقة أمرئ القيس. زبر: جمع زبور، وهو الكتاب، إذ الزبر الكتابة. تجد: من التجديد، أي يعاد عليها الكتابة بعد أن درست وانمحت آثارها. متونها: ظهورها وأوساطها جمع متن، وأراد كلها.
المعنى يقول: إن السيل قد مر فوق الطلول فكشف عن بياض وسواد، فهي شبيهة بكتاب قديم قد محيت كتابته ودرست، فأعيدت كتابة بعضه؛ وترك ما يبين منه، فكتابته مختلفة، وكذلك آثار هذه الديار بعد تدفق السيول عليها.
الإعراب. الواو: حرف استئناف، والعطف ممكن. جلا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. السيول: فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها سواء عطفت أم استأنفت. عن الطلول: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. زبر: خبر كأن، والجملة الاسمية (كأنها زبر) في محل نصب حال من الطلول. تجد: فعل مضارع. متونها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أقلامها: فاعل تجد، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة (تجد الخ) في محل رفع صفة زبر.
٩ - أو رجع واشمة أسف نؤورها كففًا تعرض فوقهن وشامها
المفردات. رجع واشمة: انظر البيت رقم - ١ - و- ٥٦ - من معلقة طرفة. النؤور: حصاة مثل الإثمد تدق، ثم يذر مسحوقها على موضع الغرز فتسوده، وقيل: هو ما يتخذ من دخان السراج والنار، وقيل: هو النيلج. أسف: ذر عليه النؤور. وسف الدواء والسويق ونحوهما سفًا أخذه غير ملتوت
[ ٢ / ٢٥ ]
كففًا: جمع كفة، وهي الدارات من النقش، وكل شيء مستدير كفة، وأصله من الكف، وهو المنع، ومنه سميت اليد كفا لأن الإنسان يمتنع بها. تعرض: أخذ يمينًا وشمالًا، أي توسع، وقيل: تعرض وأعرض: ظهر ولاح، وانظر البيت - ٣٣ - من معلقة أمرئ القيس. الوشام: بكسر الواو جمع الوشم.
المعنى يقول: إن ديار الأحبة التي اجتاحتها السيول شبيهة بكتاب قد تطمس، أو هي شبيهة بترديد واشمة وشمًا قد ذرت نؤورها في داراتٍ ظهر الوشام فوقها واسعًا، قد أخذ يمنةً ويسرةً.
الإعراب. أو: حرف عطف. رجع: معطوف على زبر في البيت السابق، وهو مضاف وواشمة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وواشمة صفة لموصوف محذوف. أسف: فعل ماض مبني للمجهول. نؤورها: نائب فاعل، وهو المفعول الأول، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كففًا: مفعول به ثان لأسف، وجملة (أسف إلخ) في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف. تعرض: فعل ماض. فوقهن: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. وشامها: فاعل تعرض، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (تعرض الخ) في محل نصب صفة كففًا.
١٠ - فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا صمًا خوالد ما يبين كلامها؟
المفردات. الصم: الصخور الصلاب، واحدها أصم وواحدتها صماء، ويروي مكانه (سفعًا) وهي الأثافي: وانظر البيت رقم - ٥ - من معلقة زهير. خوالد: بواقي، والخلود الدوام والبقاء. يبين: يروى بفتح ياء المضارعة من الثلاثي وبضمها من الرباعي، ومعناه يظهر، يقال: أبان الشيء واستبان بمعنى واحد. الكلام: انظر البيت رقم - ٦٢ - من معلقة زهير.
[ ٢ / ٢٦ ]
المعنى يقول: وقفت أسأل الطلول عن سكانها، ثم تساءل متعجبًا فقال: وما يجدي سؤالنا حجارة صمًا بواقي لا تتكلم، فهو يشير إلى أن الداعي إلى هذا السؤال إنما هو فرط الشوق، وشدة الوله بالأحبة، وهذا مستحسن في النسيب والمراثي، لأن الغرام والمصائب يدهشان صاحبهما.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. وقفت: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل المتحركة، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات، فيما هو كالكلمة الواحدة، وهكذا قل في إعراب كل فعل ماض، اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل وقفنا وقفن إلخ ويقال اختصارًا: فعل وفاعل، تنبه لذلك واحفظه فإنه لا أعيده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، والله الموفق إلى الحق والصواب. أسألها: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والمتعلق محذوف، إذ التقدير: أسألها عن الأحبة، وجملة (أسألها) في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف اعتراض. كيف: اسم استفهام معناه التعجب هنا، مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. سؤالنا: مبتدأ مؤخر، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية لا محل لها لأنها معترضة. صما: مفعول به للمصدر سؤال، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف. خوالد: صفة ثانية للموصوف المحذوف، ولم ينون لصيغة منتهى الجموع. ما: نافية. يبين: فعل مضارع. كلامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (ما يبين كلامها) في محل نصب صفة ثالثة للموصوف
[ ٢ / ٢٧ ]
المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
١١ - عريت، وكان بها الجميع، فأنكروا منها، وغودر نؤيها وثمامها
المفردات. عريت: أي خلت من أهلها، فكأنه جعل سكانها بمنزلة اللباس لها، لأنهم يغشونها بإبلهم ومواشيهم. أبكروا: ارتحلوا منها بكرة، انظر البيت رقم - ١٣ - من معلقة زهير، وقيل: معناه ارتحلوا منها في أول الزمان. غودر: ترك وخلف، وسمي الغدير غديرًا لأن السيل غادره وتركه خلفه، قال تعالى حكاية عن قول الجرمين يوم القيامة: ﴿ويقولون: يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة وكبيرة إلا أحصاها﴾ النؤي: نهير صغير يحفر حول الخباء يجري فيه الماء، ويمنعه من دخول الخيمة - والجمع آناء وأناء ونئي ونئي، ويجوز في المفرد فتح النون وضمها وكسرها، ويقال أيضًا النوى -. الثمام: نبت يجعل حول الخباء أيضًا ليمنع السيل، ويقي الحر، ويلقونه على بيوتهم، وعلى وطاب اللبن لأنه أبرد ظلًا.
المعنى يقول: خلت ديار الأحبة من سكانها بعد أن كانوا بها جميعًا، فساروا منها بكرة، وتركوا النؤي والثمام فيها، بمعنى لم يبق بمنازلهم آثار إلا النؤي والثمام، وإنما لم يحملوا الثمام لأنهم يجدونه أينما حلوا.
الإعراب. عريت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الطلول المذكورة في البيت رقم - ٨ - والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: واو الحال. كان: فعل ماض ناقص. بها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر مقدم. الجميع: اسم كان مؤخر، وجملة (كان بها الجميع في محل نصب حال من فاعل عريت المستر، والرابط الواو والضمير. الفاء: حرف عطف. أبكروا:
[ ٢ / ٢٨ ]
فعل وفاعل وألف الفارقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل (أبكروا) الواو: حرف عطف. غودر: فعل ماض مبني للمجهول. نؤيها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب حال أيضًا، والكل على إضمار قد. الواو: حرف عطف. ثمامها: معطوف على سابقه، وها: في محل جر بالإضافة.
١٢ - شاقتك ظعن الحي حين تحملوا فتكنسوا قطنًا تصر خيامها
المفردات. شاقتك: اشتقت لها، وقيل: دعتك إلى الشوق إليها. الظعن: انظر البيت رقم - ٧ - من معلقة زهير. الحي: انظر البيت رقم - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس. حين: يروي (يوم) مكانه انظر شرحه في البيت رقم - ٥ - منها. تحملوا: ارتحلوا بأحمالهم. تكنسوا: دخلوا في الهوادج شبه الهوادج بالكنس، الواحد كناس، وهو بيت تتخذه الظباء، تجذب أغصان الشجرة، فتقع على الأرض، فيصير بينها وبين ساق الشجرة مدخل تستظل به، وقد سميت النجوم كنسًا لغيبوبتها وراء الأفق، قال تعالى: ﴿فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس﴾ وخنوسها رجوعها، فبينما ترى النجم في آخر البرج أذكر راجعًا إلى أوله اهـ كشاف. قطنا: أراد به جمع قطين، وهم الجماعة، والقطين أيضًا الحشم والجيران والعبيد. وقال أبو جعفر النحاس: يريد ثياب قطن، وليس للقطين ها هنا معنى، وقال: والدليل على أنه أراد أغشية القطن قوله في البيت الذي بعده. تصر: من الصرير، وهو صوت الباب عند إغلاقه، وصوت الرجل وغير ذلك. خيامها: جمع خيمة انظر البيت رقم - ١٤ - من معلقة زهير، وأراد تعجل بهن الإبل فتهز الخشب فتصر، وقيل: تصر من ثقلها.
المعنى يقول: دعتك إلى الشوق نساء القبيلة حين دخلن هوادجهن
[ ٢ / ٢٩ ]
متغطيات بثياب من قطن حال كون خيمهن المحملة تصر من ثقلها على الإبل، أو لسرعة الإبل بهن، ففي البيت تجريد والتفات لا يخفيان.
الإعراب. شاقتك: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ظعن: فاعل، وهو مضاف والحي مضاف إليه. حين: ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب متعلق بالفعل السابق. تحملوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارًا: فعل وفاعل، انتبه لهذا الإعراب، ولا أعيده في غير هذا الموضع من هذا الكتاب، والله الموفق للحق والصواب، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة يوم إليها. الفاء: حرف عطف. تكنسوا: فعل وفاعل، وألف الفارقة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تحملوا) فهي في محل جر مثلها. قطنا: مفعول به إن كان المراد به ثياب القطن، وحال من واو الجماعة إن كان جمع قطين. تصر: فعل مضارع. خيامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (تصر خيامها) في محل نصب صفة قطنًا، وجملة (شاقتك الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
١٣ - من كل مخفوف يظل عصي زوج عليه كله وقرامها
المفردات. محفوف: أراد به الهودج المغطى بالثياب، أو المحاط بها، قال تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ وقال الرسول صلي الله عليه وسلم (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) يظل: من الظل، وهو الحاصل من انتصاب الشيء في وجه الشمس. عصيه: أراد
[ ٢ / ٣٠ ]
خشب الهودج، وانظر البيت رقم - ١٤ - من معلقة زهير. زوج: أراد به النمط من الثياب، وهو ثوب من صوف يطرح على الهودج، والجمع أزواج. الكلة: بكسر الكاف الستر الرقيق، والجمع كلل. القرام: ثوب يجعل فوق الفراش تحت الرجل والمرأة، وهو بمنزلة الشرشف، والقرام والمقرم ما يغطى به الشيء.
المعنى يقول: إن الهوادج التي دخلتها نساء الحي مغطاة بالثياب، فعيدانها تحت ظلال ثيابها الصوفية، وثيابها مغطاة أيضًا بستر رقيق وشرشف وغير ذلك.
الإعراب. من كل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الهوادج أو هي من كل الخ، وكل مضاف ومحفوف مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. يظل: فعل مضارع. عصيه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. زوج: فاعل يظل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في محفوف لأنه اسم مفعول. عليه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. كلة: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع صفة زوج. الواو: حرف عطف. قرامها: معطوف على سابقه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
١٤ - زجلا ًكأن نعاج توضح فوقها وظباء وجرة عطفًا أرامها
المفردات. زجلًا: جماعات الواحدة زجلة مثل زمر جمع زمرة. النعاج: انظر البيت رقم - ٧٤ - من معلقة أمرئ القيس. توضح: اسم مكان - انظر البيت رقم - ٢ - من معلقة أمرئ القيس -. ظباء: جمع ظبية، وهي أنثي الغزال، وتجمع أيضًا على ظبيات. وجرة: موضع بعينه. عطفًا:
[ ٢ / ٣١ ]
ملتفتات، أو من العطف، وهو التحنن والميل نحو الأخر، أي متحننات على أولادهن أرآم: انظر البيت رقم - ٤ - من معلقة أمرئ القيس.
المعنى يقول: إن الظعائن المذكورة في البيت رقم - ١٢ - ارتحلن جماعات جماعات، وهن فوق الإبل كأنهن نعاج بقر الوحش، أو كأنهن ظباء وجرة حالة كونهن متحننات على أولادهن ملتفتات بأعناقهن، وهن في هذه الحال أحسن ما يكن.
الإعراب. زجلا: حال من واو الجماعة في قوله (تحملوا) في البيت - ١٢ - كأن: حرف مشبه بالفعل. نعاج: اسم كأن، وهو مضاف وتوضح مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. فوقها: ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر كأن، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، فالضمير يعود إلى الإبل ولم يجر لها ذكر، وجملة (كأن الخ) في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة. الواو: حرف عطف. ظباء: معطوف على نعاج، وهو مضاف ووجرة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. عطفًا: حال من ظباء وجرة، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل. أرآمها: فاعل بعطف، وها: في محل جر بالإضافة.
١٥ - حفزت، وزايلها السراب كأنها أجزاع بيشة، أثلها ورضامها
المفردات. حفزت: دفعت واستحثت في السير. زايلها السراب: دفعها سراب إلى سراب، وفي المختار: المزايلة المفارقة، يقال: زايله مزايلة وزيالًا، أي فارقه، قال تعالى: (لو تزيلوا) أي لو تفرقوا، والسراب ما يرى نصف النهار في الصحراء كأنه ماء، قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم
[ ٢ / ٣٢ ]
كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماء﴾ أجزاع: جمع جزع وهو منعطف الوادي. بيشة: اسم واد بعينه - وبيشة بلدة اليوم في جنوب السعودية مما يلي اليمن - الأثل: شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منها، قال تعالى: ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل﴾ الرضام: جبال صغار، والرضام أيضًا صخور عظام يجتمع بعضها إلى بعض، ورضم الحجارة رضمًا إذا نضد بعضها على بعض، وواحد الرضام رضمة، وقيل: رضمة.
المعنى يقول: ضربت الإبل التي تقل الظعن لتجد في السير، وفارقها السراب ولمعانه، فظهرت كأنها منعطفات وادي بيشة، فهي شبيهة بشجر الأثل والصخور العظام ضخامة وعظمًا.
الإعراب. حفزت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الظعن، والمراد الركاب التي تقلها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. زايلها: فعل ماض، وها: مفعول به. السراب: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. أجزاع: خبر كأن، وهو مضاف وبيشة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وجملة (كأنها إلخ) في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولًا به. أثلها: بدل من أجزاع بيشة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ورضامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: في محل جر بالإضافة.
١٦ - بل ما تذكر من نوار، وقد نأت وتقطعت أسبابها ورمامها
المفردات. تذكر: فعل مضارع أصله تتذكر، انظر البيت رقم - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس. نوار: علم على امرأة يشبب بها، وهي مأخوذة من
[ ٢ / ٣٣ ]
النوار، وهو النفور من الريب، يقال: نرت من ذلك الأمر أنور نورًا، إذا نفرت منه. نأت: بعدت، وانظر إعلال مثله في البيت - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس. أسبابها: انظر البيت رقم - ٥٠ - من معلقة زهير. رمامها: جمع رمة، وهي القطعة البالية من الحبل.
المعنى يقول: بعد أن جرد من نفسه شخصًا وخاطبه أي شيء تتذكر من نوار في حال بعدها عنك، وقد تقطعت أسباب مودتها والوصول إليها ما قوي منها وما ضعف.
الإعراب. بل: حرف انتقال من كلام إلى آخر. ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. تذكر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والمفعول محذوف، التقدير: تتذكره، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرت (ما) مفعولًا به للفعل تذكر فتكون الجملة فعلية. من: حرف جر. نوار: اسم مجرور بمن، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: واو الحال. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. نأت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى نوار، والجملة الفعلية في محل نصب حال من نوار، والرابط الواو والضمير. الواو: حرف عطف. تقطعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. أسبابها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي مثلها في محل نصب حال. ورمامها: معطوف على أسبابها بالواو العاطفة، وها: في محل جر بالإضافة.
١٧ - مرية حلت بفيد، وجاوزت أهل الحجاز، فأين منك مرامها؟
[ ٢ / ٣٤ ]
المفردات. مرية: منسوبة إلى بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض. حلت: نزلت. فيد: بلدة معروفة في طريق مكة يجوز منعها من الصرف وصرفها على نحو ما تقف عليه في البيت رقم - ٢٨ - من معلقة عمرو بن كلثوم إن شاء الله تعالى. جاورت: من المجاورة، ويروي (جاوزت) بالزاي، بمعنى قطعت وتركت. الحجاز: بلاد معروفة مشهورة، وأنكر أبو جعفر هذه الرواية، ورواه (أهل الجبال) وقال: وذلك أن فيد في قرب جبلي طيء، ميرة أهل فيد من الجبلين، وبين فيد وبين الحجاز مسيرة ثلاثة عشر يومًا، فكيف يكون أراد الحجاز؟ وإنما أراد بالجبال أجًأ وسلمى، قال: ومن الحجة للجبال قوله: (بمشارق الجبلين، أو بمحجر) وقال الزوزني: يريد أنها تحل بفيد أحيانًا وتجاور أهل الحجاز؛ وذلك في فصل الربيع وأيام الإنتاج، لأن الحال بفيد لا يكون مجاورًا أهل الحجاز لأن بينها وبين الحجاز مسافة بعيدة وتيها قذفًا. مرامها: مطلبها.
المعنى يقول: إن نوار من بني مرة، وليست من أهلك، وقد نزلت بفيد، فقد بعدت عنك، فما طلبك لها؟ أي لا فائدة في ذلك، ومطلبها عناء.
الإعراب. مرية: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي، ومرية صفة لموصوف محذوف. حلت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ بفيد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. جاورت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف. أهل: مفعول به، وهو مضاف والحجاز مضاف إليه، وجملة (جاورت الخ) معطوفة على ما قبلها فهي مثلها. الفاء: حرف عطف. أين: اسم استفهام مبني على الفتح
[ ٢ / ٣٥ ]
في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. منك: جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف أيضًا - أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستر في الخبر المحذوف -. مرامها: مبتدأ مؤخر، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (أين منك مرامها) معطوفة على ما قبلها، والاستئناف ممكن.
١٨ - بمشارق الجبلين، أو بمحجر فتضمنتها فردة فرخامها
المفردات. الجبلين: أراد جبلي طيء أجأ وسلمى، وأراد بمشارقهما شرقيهما. محجر: يروى بكسر الجيم المشددة وبفتحها هو اسم موضع، وقيل: هو جبل. تضمنتها: نزلت فيها. فردة: جبل منفرد عن سائر الجبال سمي بذلك لانفراده عنها. رخام: أرض متصلة بفردة وقال الأنباري والتبريزي: فردة أرض ورخام جبل.
المعنى يقول: حلت نوار شرقي جبلي أجأ وسلمى، أو حلت بالموضع المسمى محجرًا، وكذلك نزلت الأرض، أو الجبل المسمى بفردة، والأرض المتصلة به.
الإعراب. بمشارق: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: حلت، أو بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، تقديره هي، ومشارق مضاف والجبلين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. أو: حرف عطف. بمحجر: جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. الفاء: حرف عطف. تضمنتها: فعل ماض، والتاء للتأنيث، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. فردة: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة. الفاء: حرف عطف. رخامها: معطوف على فردة، وها: في محل جر بالإضافة.
[ ٢ / ٣٦ ]
١٩ - فصوائق إن أيمنت فمظنة منها وحاف القهر، أو طلخامها
المفردات. صوائق: موضع معروف. أيمنت: أخذت نحو اليمن، قال يعقوب بن السكيت: يقال: أيمن الرجل ويامن إذا أخذ نحو اليمن، وأشأم إذا أتى الشام، وأعرق إذا أتى العراق، وأنجد إذا أتى نجدًا. مظنة الشيء: حيث يظن كونه فيه. الوحاف: إكام صغار إلى جانب القهر، والقهر اسم جبل. طلخام: اسم موضع، والطلخام أيضًا الأنثى من الفيلة.
المعنى يقول: إن نوار إن أتت اليمن حلت بوحاف القهر، أو بالموضع المسمى طلخام، أي أحدهما موضعها الذي تظن أنها تحله.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. صوائق: معطوف على فردة في البيت السابق. إن: حرف شرط جازم. أيمنت: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى نوار، والجملة الفعلية لا محل لها، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي -. الفاء: واقعة في جواب الشرط. مظنة: خبر مقدم. منها: جار ومجرور متعلقان بمظنة. وحاف: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف والقهر مضاف إليه، والجملة الأسمية في محل جزم جواب الشرط. أو: حرف عطف. طلخامها: معطوف على سابقه. وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وإن ومدخولها في محل رفع صفة صوائق -.
٢٠ - فاقطع لبانة من تعرض وصله ولشر واصل خلة صرامها
المفردات. اللبانة: الحاجة. تعرض وصله: تغير وصله كأنه أخذ يمينًا وشمالًا، يقال: تعرض فلان في الجبل إذا أخذ يمينًا وشمالًا، أو المعنى تعرض وصله للزوال والانتقاض، ولشر: ويروى (ولخير) الخلة: الصداقة، وانظر البيت رقم - ٧ - من معلقة زهير. صرامها: قطاعها، قال بندار: معنى
[ ٢ / ٣٧ ]
(ولخير واصل خلة صرامها) خير الأصدقاء من إذا علم من صديقه أن حاجته تثقل عليه قطع حوائجه منه لئلا يفسد ما بينه وبينه، قال: ومثل هذا قول بعضهم: إذا أردت أن تدوم لك مودة صديقك فاقطع حوائجك عنه إذا كنت تكره أن يردك، وقال: ومعنى (ولشر واصل خلة صرامها) من صرمه لإنزال الحاجة به، والمعنى يرجع إلى ذلك، فإن كنت تحب مودته فلا تسأله حاجة إذا كان على هذا، وانظر شرح (خير وشر) في البيت رقم - ٢٢ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: اقطع حاجتك ممن تعرض وصله للانتقاض والزوال، وخير الأصدقاء من إذا علم من صديقه أن حاجته تثقل عليه قطع حوائجه منه لئلا يفسد ما بينهما.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. اقطع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت. لبانة: مفعول به ولبانة مضاف ومن اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. تعرض: فعل ماض. وصله: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ومتعلق الفعل محذوف انظر المعنى؛ وجملة (تعرض وصله) صلة الموصول لا محل لها، وجملة (اقطع الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم اللام: واقعة في جواب القسم. شر: مبتدأ، وهو مضاف وواصل مضاف إليه، وواصل مضاف وخلة مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستر فيه. صرامها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (لشر الخ) جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف.
٢١ - واحب المجامل بالجزيل، وصرمه باق، إذا ضلعت، وزاغ قوامها
[ ٢ / ٣٨ ]
المفردات. أحب: أمر من الحباء، وهو المنحة والعطاء. المجامل: هو الذي يجاملك بالمودة ظاهرًا، وسره على خلاف ذلك وانظر المصانعة في البيت رقم - ٥٥ - من معلقة زهير، ويروى (المحامل) بالحاء المهملة وفسر بالمكافئ الذي يحمل لك وتحمل له. الجزيل: أراد الود الجزيل، والجزيل والكمال والتمام بمعنى واحد. صرمه: قطعه - مصدر، وهو بضم الصاد وفتحها -. باق: دائم مستمر وانظر إعلال (واد) في البيت رقم - ٦٠ - من معلقة أمرئ القيس. ضلعت: مالت وجارت، ويروي (ظلعت) بالظاء، والظلع ميل الدابة عند مشيها بسبب مرض. زاغ: مال، قال تعالى: (﴿ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب الشعير﴾ وقال جل ذكره: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ فالأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي. قوامها: بفتح القاف وكسرها، فالأول بمعنى القامة، والثاني بمعنى ما تقوم به.
المعنى يقول: لا تعاجل صديقك بقطع الذي بينك وبينه، واخصصه بالمودة ما ثبت لك، فإن مال عن طريق الاستقامة، فأنت قادر على قطيعته كل وقت، كما قال النمر بن تولب الصحابي ﵁:
فأحبب حبيبك حبًا رويدًا فليس يعولك أن تصرما
وأبغض بغيضك بغضًا رويدًا إذا أنت حاولت أن تحكما
وقد ذكروا أنه مأخوذ من قول النبي ﷺ، وقيل: هو من قول علي ﵁: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.
الإعراب. الواو: حرف عطف. أحب: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو: والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير
[ ٢ / ٣٩ ]
مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا. المجامل: مفعول به. بالجزيل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: واو الحال. صرمه: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله، وفاعله محذوف -. باق: خبر مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل نصب حال من المجامل، والرابط الواو والضمير. إذا: ظرف متعلق باسم الفاعل قبله مبني على السكون في محل نصب. ضلعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى خلة في البيت السابق، وقيل: محذوف لدلالة المقام عليه، إذ الأصل إذا ضلعت مودته على حد قوله تعالى: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾ إذ المراد إذا بلغت الروح الحلقوم، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. الواو: حرف عطف. زاغ: فعل ماض قوامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
٢٢ - بطليح أسفار تركن بقية منها فأحنق صلبها وسنامها
المفردات. طليح أسفار: معناه بناقة كالة معيية، إذ الطليح والطلح المعيي، وقد طلحت البعير أطلحه طلحًا أعييته، فطليح فعيل بمعنى مفعول بمنزلة الجريح والقتيل، يستوي فيه المذكر والمؤنث، وطلح فعل بمعنى مفعول أيضًا بمنزلة الذبح والطحن، بمعنى المذبوح والمطحون، وأسفار جمع سفر. أحنق: ضمر، ولا يقال: أحنق السنام، وإنما يقال: ذهب إلا أنه حمله على المعنى لعلم السامع بما يريد، كما يقال: أكلت خبزًا ولبنًا، أي وشربت لبنًا، وانظر البيت رقم - ٦ - والصلب والسنام للناقة معروفان.
المعنى يقول: اقطع حاجتك وحاجة غيرك بركوب ناقة قد أعيتها
[ ٢ / ٤٠ ]
الأسفار، وأضعفتها وتركت بقية من لحمها وقوتها، فلذا ضمر صلبها وذهب سنامها.
الإعراب. بطليح: جار ومجرور متعلقان بالفعل (اقطع) في البيت رقم - ٢٠ - وطليح صفة لموصوف محذوف كما رأيت، وهو مضاف وأسفار مضاف إليه. تركن: فعل وفاعل. بقية: مفعول به. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل تركن، وجملة (تركن الخ) في محل جر صفة أسفار. الفاء: حرف عطف وسبب. أحنق: فعل ماض. صلبها: فاعل أحنق، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تركن الخ) فهي في محل جر مثلها. الواو: حرف عطف. سنامها: فاعل لفعل محذوف كما رأيت في المفردات، والجملة الفعلية هذه معطوفة على سابقتها، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تركن الخ) فهي في محل جر مثلها. الواو: حرف عطف. سنامها: فاعل لفعل محذوف كما رأيت في المفردات، والجملة الفعلية هذه معطوفة على سابقتها، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٢٣ - فإذا تغالي لحمها فتحسرت وتقطعت بعد الكلال خدامها
المفردات. تغالى لحمها: ارتفع إلى رؤوس العظام من الغلاء، وهو الارتفاع، ومنه قولهم: قد غلا السعر إذا ارتفع وزاد. تحسرت: أي صارت حسيرًا، أي كالة معيية عارية من اللحم لضعفها وهزالها. الكلال: الضعف والتعب. خدامها: جمع خدم، والخدم جمع خدمة، وهي سيور تشد بها النعال إلى أرساغ الإبل.
المعنى يقول: فإذا ضعفت تلك الناقة، وتجمع لحمها فوق رؤوس عظامها فعريت من اللحم، وتقطعت السيور التي تشد بها نعالها بعد إعيائها، فلها هباب الخ.
[ ٢ / ٤١ ]
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان حافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. تغالي: فعل ماض شرط إذا مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. لحمها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، على المشهور المرجوح، وجواب إذا في البيت التالي. الواو: حرف عطف. تحسرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر مثلها. الواو: حرف عطف. تقطعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبعد مضاف والكلال مضاف إليه. خدامها: فاعل تقطعت، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضًا.
٢٤ - فلها هباب في الزمام كأنها صهباء خف مع الجنوب جهامها
المفردات. هباب: نشاط وهيج. الزمام: هو الخيط الذي يشد في البرة، أو في الخشاش، ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زمامًا وانظر شرح البرة في البيت - ٦٧ - من معلقة عمرو بن كلثوم. صهباء: أراد سحابة صهباء، وإذا أصهابت السحابة، وقل ماؤها خفت وأسرع مرها والأصهب هو الذي يخالط بياضه حمرة، والصهباء اسم من أسماء الخمر. خف: أسرع، ويروى راح. الجنوب: أراد ريح الجنوب، وانظر البيت رقم - ٢ - من معلقة أمرئ القيس. الجهام: هو السحاب الذي أراق ماءه بفتح الجيم وقد تكسر.
المعنى يقول: فإذا حصل للناقة ما ذكر في البيت السابق، فلها في مثل تلك الحال نشاط في السير مثل السحاب الذي قد هراق ماءه؛ فأدنى ريح تسوقه لخفته.
[ ٢ / ٤٢ ]
الإعراب. الفاء: واقعة في جواب إذا في البيت السابق. لها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. هباب: مبتدأ مؤخر. في الزمام: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة هباب، والجملة الاسمية (لها هباب) جواب إذا في البيت السابق لا محل لها من الإعراب. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. صهباء: خبر كأن، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلًا باللام، والرابط الضمير فقط -، وصهباء صفة لموصوف محذوف، انظر المفردات. خف: فعل ماض. مع: ظرف مكان متعلق بالفعل خف، ومع مضاف والجنوب مضاف إليه. جهامها: فاعل خف، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة (خف الخ) في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٢٥ - أو ملمع، وسقت لأحقب لاحه طرد الفحول وضربها وكدامها
المفردات. الملمع: هي الأتان الوحشية التي قد استبان حملها في ضرعها، وذلك أنه يلمع للبن. وسقت: جمعت، قال تعالى: ﴿والليل وما وسق﴾ أي جمع وستر وآوى إليه من الدواب وغيرها؛ يقال: وسقه فاتسق واستوسق، ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع، وقيل: معنى وسقت استجمعت كأنه بمعنى استوسقت، وقال أكثر أهل اللغة معناه حملت، وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، لأن من قال: جمعت فمعناه عنده جمعت ماء الفحل فحملت. الأحقب: هو الحمار الوحشي الذي في وركيه، أو في خاصرتيه بياض والحقب بفتح الحاء الحزام الذي يلي حقو البعير، وما تشده المرأة على وسطها تعلق به الحلي، والحقب بضم الحاء ثمانون سنة أو أكثر. لاحه: غيره، قال تعالى عن جهنم: ﴿لواحة للبشر﴾ أراد مغيرة وجوههم. طرد الفحول، ويروى طرد الفحالة، معناه جعل يطرد الفحالة عنهن قبل أن يحملن، فلما حملن ذهبت الفحالة عنهن، وصار شرهن عليه.
[ ٢ / ٤٣ ]
ضربها: أي بأرجلها. الكدام: هو بمنزلة الكدم، وهو العض، ويروى (عذامها) وهو بمنزلة العذم، وهو العض أيضًا.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة في الأبيات السابقة شبيهة بسحابة صهباء، أو بأتان وحشية قد لمعت أطباؤها باللبن، وقد حملت أو جمعت ماء الفحل أحقب قد غير وهزل ذلك الفحل طرده الفحول وضربه إياها وعضه، فهو لشدة غيرته عليها يسوقها سوقًا عنيفًا.
الإعراب. أو: حرف عطف. ملمع: معطوف على صهباء في البيت السابق، وهو صفة لموصوف محذوف، إذ التقدير: أتان ملمع. وسقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الأتان، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف. لأحقب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وأحقب صفة لموصوف محذوف. لاحه: فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. طرد: فاعل لاح، وهو مضاف والفحول مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف، وجملة (لاحه طرد الفحول) صفة ثانية للموصوف المحذوف، ويجوز فيها وفي جملة (وسقت) أن تكونا أيضًا في محل نصب حال من الموصوف المحذوف، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ وضربها: معطوف على (طرد الفحول) وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله وفاعله محذوف انظر المعنى. وكدامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وإعرابه كإعرابه.
٢٦ - يغلو بها حدب الإكام مسحجا قد رابه عصيانها ووحامها
المفردات. يعلو بها: يصعد. الحدب: هو ما ارتفع من الأرض، قال
[ ٢ / ٤٤ ]
تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون﴾ الإكام: جمع أكمة، وهي ما ارتفع من الأرض، وتجمع الأكمة أيضًا على أكم بفتح الهمزة والكاف جميعًا، وعلى أكمات أيضًا بفتحتات، وجمع الجمع آكام وإكام، وأكم بضم الهمزة، وسكون الكاف، هذا وقد جاء في شرح الإقناع لمتن أبي شجاع ما يلي: والآكام بالمد جمع أكم بضمتين، جمع إكام بوزن كتاب جمع أكم بفتحتين جمع أكمة، وهي التل المرتفع من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا.
قال البجيرمي في حاشيته على الشرح المذكور: فأقل ما يصدق عليه آكام أحد وثمانون أكمة، وأكم على سبعة وعشرين، وإكام على تسع؛ وأكم بفتحتين على ثلاث، لأن أقل الجمع ثلاثة، ونظير ذلك جمع ثمرة على ثمر، كشجرة وشجر، وجمع ثمر بفتحتين على ثمار، كجبل وجبال، وجمع ثمار على ثمر بضمتين ككتاب وكتب، وجمع ثمر على أثمار كعنق وأعناق، ذكر ذلك ابن هشام في شرح بانت سعاد، قال: ولا أعرف لهما، أي الآكام وأثمار نظيرًا في العربية، وقد ألغز بعضهم في ذلك فقال:
أفدني ما اسم مفرد جاء جمعه وقد جاء جمع الجمع أيضًا مقررا
وجمعك جمع الجمع أيضًا محقق ومن بعد هذا الجمع جمع تحررا
وهذي جموع أربع قد ترتبت لها مفردات أربع كن محررا
واختصرها بعضهم فقال:
أفدني جموعًا أربعًا قد تربت وكل غدا جمعًا لما هو قبله
وقلت مجيبًا:
جوابك في الأثمار يبدو بلا خفا كذلك آكام بمد تقررا
[ ٢ / ٤٥ ]
المسحج: المعضض قد عضضته الحمير. رابه: قد استبان الريب والريب الشك، يقال: رابني الأمر يريبني إذا حققت منه الريبة، وأرابني إذا توهمت منه الريبة -، قال الرسول ﷺ: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. عصيانها: امتناعها عليه. وحامها، ومثله الوحم: وهو اشتهاء الحبلى للشيء، يقال: امرأة وحمى ونساء وحام ووحامى.
المعنى يقول: يطرد هذا الفحل أتانه ويصعد بها ما ارتفع من الأرض إتعابا لها وإبعادًا بها عن الفحول، وقد شككه في أمرها عصيانها إياه في حال حملها، واشتهاؤها إياه قبله، والغرض تشبيه ناقته بهذه الأتان في سرعتها.
الإعراب. يعلو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى أحقب في البيت السابق. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حدب: مفعول به، وهو مضاف والإكام مضاف إليه. مسحجا: حال من فاعل يعلو المستتر، ويروى بالرفع على أنه فاعل يعلو كما يروى بالجر على أنه بدل من أحقب، أو صفة لأحقب، وجملة (يعلو بها .. الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. رابه: فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل جر نصب مفعول به. عصيانها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة (قد رابه عصيانها) في محل نصب حال من فاعل يعلو المستتر. ووحامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وإعرابه كإعرابه.
٢٧ - بأحزة الثلبوت يربأ فوقها قفر المراقب خوفها آرامها
المفردات. الأحزة: جمع حزيز، وهو ما غلظ من الأرض، وهو جمع قلة، وجمع الكثرة حزان، وهو خارج عن القياس لأن نظيره إنما يجمع على
[ ٢ / ٤٦ ]
فعلان، مثل رغيف ورغفان إلا أن فعيلًا وفعالًا يتضارعان ألا ترى أنك تقول: طويل وطوال، فعلى هذا شبه فعيل بفعال، فقيل: حزيز وحزان كما يقال: غلام وغلمان. الثلبوت: موضع، وقيل: هو ماء لبني ذبيان. يربأ: يعلو ويرتفع، وربيئة القوم طليعتهم. القفر: الخالي لا أنيس فيه ولا ماء. المراقب: مواضع مشرفة ينظر منها من يمر بالطريق، واحدها مرقب. الآرام: حجارة تجعل أعلامًا يعرف بها الطريق، واحدها إرم وإرمي وأيرمي، والأرام الظباء كما رأيت في البيت رقم - ٤ - من معلقة أمرئ القيس.
المعنى يقول: إن الحمار الوحشي يعلو بأتانه ويصعد بها ما غلظ من الأرض في مكان خال قفر لينظر إلى أعلامها، هل يري صيادًا استتر بعلم منها يريد أن يرميها، فهو يخاف من هذه الحجارة، إذا رآها لأنه يتوهم أنها مما تخيفه.
الإعراب. بأحزة: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يعلو) في البيت السابق، وأحزة مضاف والثلبوت مضاف إليه. يربأ: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الحمار الوحشي. فوقها: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قفر: مفعول به، وهو مضاف والمراقب مضاف إليه، وجملة (يربأ الخ) في محل نصب حال من فاعل (يعلو) والرابط الضمير فقط. خوفها: مبتدأ. آرامها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل كما ترى لا محل لها من الإعراب.
٢٨ - حتى إذا سلخا جمادى ستة جزآ، فطال صيامه وصيامها
المفردات. سلخا: أراد خرجا، يقال: سلخت الشهر وغيره أسلخه
[ ٢ / ٤٧ ]
سلخًا مر علي، وانسلخ الشهر نفسه انقضى وذهب، قال تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ وألف التثنية عائدة إلى الحمار الوحشي وإلى أتانه. جمادى: وتثنيته جماديان، وهما شهران عربيان معروفان، قيل في سبب تسميتهما بذلك: إن العرب سموا الشهر باسم الحالة التي كان فيها وقتئذ؛ ووافقت تسميتهما وقوعهما في فصل الشتاء، فصل البرد والصقيع والجليد، وقد قلبت الألف المقصورة ياء في التثنية لأنها خامسة، كما هي القاعدة العامة في تثنية المقصور، والجمع جماديات على القاعدة نفسها.
ستة: أراد ستة أشهر. جزآ: أي اكتفيا بالرطب لأنهما إذا أكلاه استغنيا عن الماء، ويروى (جزءًا) والجزء الوقت الذي يتجزأ فيه بالرطب عن الماء. الصيام: هو الإمساك في كلام العرب، ومنه الصوم المعروف لأنه إمساك عن المفطرات، ومنه الصوم عن الكلام، كما في صيام مريم على نبينا وعليها ألف صلاة وألف سلام، قال تعالى: ﴿قالت إني نذرت للرحمن صومًا، فلن أكلم اليوم إنسيًا﴾ وأصل صيام صوام قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.
المعنى يقول: أقام العير وأتانه بالثلبوت حتى مر عليهما الشتاء كله، فاكتفيا بالرطب عن الماء، وطال إمساكهما عنه.
الإعراب. حتى: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل هذا الموضع جارة لإذا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك - مبني على السكون في محل نصب -. سلخا: فعل ماض شرط إذا، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. جمادى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ستة: بالنصب بدل من جمادى، وقد حذف المضاف إليه كما رأيت في المفردات، ويروى بالجر على أنه مضاف
[ ٢ / ٤٨ ]
إليه. جزآ: فعل ماض، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها: ومن رواه (جزءًا) جعله مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف مع فاعله، والجملة الفعلية هذه جواب إذا، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. الفاء: حرف عطف وسبب. طال: فعل ماض. صيامه: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا. وصيامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.
٢٩ - رجعا بأمرهما إلى ذي مرة حصدٍ، ونجح صريمة إبرامها
المفردات. رجع: يستعمل لازمًا وهو كثير ومتعديًا مثل قوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم﴾ ذو مرة: صاحب قوة وإحكام رأي، قال تعالى - في صفة جبريل ﵇: ﴿ذو مرة فاستوى﴾ معناه ذو عقل وشدة. حصد: محكم. النجح والنجاح حصول المراد. صريمة: عزيمة، وهي التي صرمها صاحبها عن سائر عزائمه بالجد في إمضائها، وجمع الصريمة صرائم كالعزيمة والعزائم. إبرامها: إحكامها.
المعنى يقول: تنازع الحمار الوحشي وأتانه في شان ورود الماء بعد طول صيامهما عنه، ثم رجعا إلى رأي محكم ذي قوة وهو عزم الحمار على الورود، أو رأيه فيه، وإنما يحصل المرام بأحكام العزم وتنفيذه.
الإعراب. رجعا: فعل ماض، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بأمرهما: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. إلى: حرف جر ذي: اسم مجرور بإلى، وعلامة
[ ٢ / ٤٩ ]
جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (رجعًا) أيضًا، وذي مضاف ومرة مضاف إليه. حصد: صفة ثانية للموصوف المحذوف. الواو: واو الحال. نجح: مبتدأ، وهو مضاف وصريمة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. إبرامها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة والجملة الاسمية في محل نصب حال من ألف الاثنين الواقعة فاعلًا، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لن أكله الأب وخن غضبة﴾.
٣٠ - ورمى دوابرها السفا، وتهيجت ريح المصايف، سومها وسهامها
المفردات. رمى: أصاب. دوابرها: مآخير الحوافر، واحدتها دابرة. السفا: سفا البهمي، وهو كشوك السنبل، وهو يجف إذا جاء الصيف، والبهمي شجر، والسفا أيضًا التراب، وهو مما يؤنث ويذكر، ولذا يروى الفعل (رمى) رمت بلحاق تاء التأنيث. المصايف: جمع مصيف، وهو الصيف. تهيجت: هاجت السوم: المرور، وقيل: اختلاف مرورها. السهام: الريح الحارة.
المعنى يقول: وأصاب شوك شجر البهمي مآخير حوافرها، وتحركت ريح الصيف على اختلاف هبوبها، وشدة حرها، فهو يشير إلى انقضاء الربيع، ومجيء الصيف، واحتياجها إلى ورود الماء.
الإعراب. الواو: واو الحال. رمى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر دوابرها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. السفا: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (رجعا) في البيت السابق،
[ ٢ / ٥٠ ]
والرابط الواو فقط، وهي على تقدير (قد) قبل الفعل (رمى) أو هي مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى. الواو: حرف عطف. تهيجت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. ريح: فاعل، وهو مضاف والمصايف مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي مثلها في محل نصب حال. سومها: بدل من ريح المصايف. وسهامها: معطوف على ما قبله بالواو العاطفة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٣١ - فتنازعا سبطًا، يطير ظلاله كدخان مشعلة يشب ضرامها
المفردات. تنازعا: تجاذبا - وتعاطيا، قال تعالى: ﴿يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم﴾ أي يتعاطون -، وألف الاثنين عائدة إلى الحمار الوحشي وأتانه. سبطًا: أراد غبارًا مرتفعًا ممتدًا. ظلاله: ما يظل به، وظل كل شيء خياله. مشعلة: نار موقدة. يشب: يوقد. الضرام: ما دق من الحطب واحده ضرم، وواحدها ضرمة، وهو كل عود رفيق تسرع فيه النار ليس بغليظ، وقد ضرمت النار، واضطرمت وتضرمت التهبت.
المعنى يقول: تجاذب الحمار الوحشي وأتانه في عدوهما نحو الماء غبارًا ممتدًا مرتفعًا كدخان نار موقدة تشعل في دقاق حطبها، فهو يصف سرعة ناقته حتى شبهها بالحمار وأتانه في حال عدوهما.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. تنازعا: فعل ماض، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (رمي الخ) في البيت السابق، على الوجهين المعتبرين فيها. سبطا: مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف. يطير: فعل مضارع. ظلاله: فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف. كدخان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولًا مطلقًا للفعل
[ ٢ / ٥١ ]
(يطير) وقيل: متعلقان بمحذوف صفة سبطًا، ودخان مضاف ومشعلة مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. يشب: فعل مضارع مبني للمجهول. ضرامها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يشب ضرامها) في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، ويجوز فيها وفي جملة (يطير ظلاله) أن تكونا في محل نصب حال من الموصوف المحذوف على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٣٢ - مشمولة غلثت بنابت عرفج كدخان نار ساطع أسنامها
المفردات. مشمولة: هبت عليها ريح الشمال، فهي تلتهب. غلثت: خلط ما أوقدت به. عرفج: نوع من الشجر، ونابته غضه وطريه، وهذا يحدث دخانًا كثيفًا عند احتراقه. أسنامها: بكسر الهمزة، إشراقها وارتفاعها وبفتح الهمزة ارتفاع لهبها.
المعنى يقول: إن النار المذكورة في بيت سابق قد أصابتها ريح الشمال فهي تلتهب، وقد أوقدت بغض شجر العرفج وطريه ويابسه، فنشأ من ذلك دخان عال كثيف، والغرض تشبيه الغبار الذي أثاره العير وأتانه بارتفاع الدخان وكثافته.
الإعراب. مشمولة: صفة أخرى لنار المذكورة في البيت السابق. غلثت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى نار، والمراد وقودها، والجملة الفعلية صالحة للوصفية والحالية من الموصوف المحذوف على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ بنابت: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ونابت مضاف وعرفج مضاف إليه. كدخان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة أخرى لنار،
[ ٢ / ٥٢ ]
ودخان مضاف ونار مضاف إليه. ساطع: صفة نار. أسنامها: فاعل بساطع، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٣٣ - فمضى وقدمها، وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها
المفردات. مضى: ذهب أي الحمار. قدمها: قدم الأتان أمامه لكيلا تعند عليه. كانت: أنث الفعل بتاء التأنيث مع أن اسمها الإقدام، وهو مذكر، ففي تأنيثه تأويلان: أولهما عن الكسائي فقال: إذا كان خبر كان مؤنثًا، واسمها مذكرًا، وأوليتها الخبر فمن العرب من يؤنث كان، ويتوهم أن الاسم مؤنث إذا كان الخبر مؤنثًا، وكان يجيز: كانت عادةً حسن عطاء الله تعالى؛ وكانت رحمةً المطر البارحة، وقال غير الكسائي: إنما بنى الشاعر كلامه (وكانت عادةً تقدمتها) لأن التقدمة مصدر قدمها إلا أنه لما انتهى إلى القافية، فلم يجد التقدمة تصلح لها، فقال (إقدامها) واحتج بقول الشاعر:
أزيد بن مصبوح، فلو غيركم صبا غفرنا، وكانت من سجيتنا الغفر؟
فقال الكسائي: إنه أنث كانت لأنه أراد (كانت سجية من سجايانا الغفر) وقال الذي خالفه: بل بني على المغفرة، فانتهى إلى آخر البيت، والمغفرة لا تصلح له، فقال: الغفر لأن الغفر والمغفرة مصدران، قال الفراء: وكل قد ذهب مذهبًا، وقول الكسائي أشبه بمذهب العرب.
عردت: تركت الطريق، ومالت عنه، وأصل التعريد الفرار، قال الشاعر:
ظننتك إن شبت لظى الحرب صاليًا فعردت فيمن كان فيها معردا
المعنى يقول: فمضى الحمار الوحشي نحو الماء، وقدم أتانه أمامه
[ ٢ / ٥٣ ]
لئلا تتأخر، وكانت تقدمة الأتان عادة من العير، إذا تأخرت وأحجمت عن التقدم.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. مضى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الحمار الوحشي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في بيت سابق. الواو: حرف عطف. قدمها: فعل ماض، والفاعل يعود إلى الحمار الوحشي أيضًا، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. الواو: واو الحال بعدها قد مضمرة. كانت: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. عادة: خبر مقدم. منه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة عادة. إذا: ظرف زمان متعلق بمضمون الكلام المؤلف من كان واسمها وخبرها مبني على السكون في محل نصب. هي: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده كان مستترًا، فلما حذف الفعل برز وانفصل، والجملة الفعلية هذه في محل جر بإضافة إذا إليها. عردت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الأتان، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور؛ وقال الشلوبين بحسب ما تفسره. إقدامها: اسم كان مؤخر، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وجملة (كانت عادة الخ) في محل نصب حال من فاعل (مضى) والرابط الواو والضمير.
٣٤ - فتوسطا عرض السري وصدعا مسجورة متجاورًا قلامها
المفردات. العرض: بضم العين الناحية، وهو المراد هنا، وبفتح العين ضد الطول، وبكسر العين أنظره في البيت رقم - ٨٢ - من معلقة طرفة. السري: النهر الصغير، قال تعالى: ﴿قد جعل ربك تحتك سريًا﴾ صدعا:
[ ٢ / ٥٤ ]
شققا النبت الذي على الماء. مسجورة: أراد عينًا مملوءةً، قال تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ أي المملوء ماء. متجاورًا: متقاربًا. القلام: ضرب من النبت.
المعنى يقول: إن الحمار الوحشي وأتانه قد خاضا الماء فشربا من عين ممتلئة ماء، فدخلا فيها من ناحية نهرها وقد تجاور نبتها الكثير الكثيف.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. توسطا: فعل ماض، وألف الاثنين فاعله. عرض: مفعول به، وهو مضاف والسري مضاف إليه، وجملة (توسطا الخ) معطوفة على ما قبلها في البيت السابق. الواو: حرف عطف. صدعا: فعل ماض، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. مسجورة: صفة لمفعول به محذوف. متجاورا: صفة ثانية للموصوف المحذوف. قلامها: فاعل بمتجاور، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وجملة (صدعا الخ) معطوفة على ما قبلها من جمل، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي مستأنفة مع ما قبلها لا محل لها.
٣٥ - محفوفة وسط اليراع، يظلها منه مصرع غابة، وقيامها
المفردات. محفوفة: يقصد العين الموصوفة بمسجورة في البيت السابق: فهو يريد أنها حفت بالقصب نابتًا فيها، وأصله أنه ينبت في جوانبها، وانظر (حف) في البيت رقم - ١٣ - وسط: بتسكين السين فهو ظرف، وبفتحها فهو اسم، وكل موضع يصلح فيه بين فهو بتسكينها، وإن لم يصلح فيه بين فهو بفتحها، وربما سكن وليس بالوجه والوسط من كل شيء أعدله، ومنه قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾ أي عدلًا، وشيء وسط بين الجيد والرديء، والوسط يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع. اليراع:
[ ٢ / ٥٥ ]
القصب، الواحدة يراعة، واليراع أيضًا الجبان والأحمق وشيء كالبعوض يغطي الوجه، وهو أيضًا القلم. يظلها: يغطيها. المصرع: المائل كأن الريح تميله، وصرعه طرحه على الأرض، وخر صريعًا؛ أي مقتولًا. الغابة: الأجمة، وكل قصب مجتمع يقال له غابة. قيامها: ما انتصب منها وقيامها أصله قوامها، فاعلت الواو بالقلب ياء حملًا علي قام.
المعنى يقول: إن الحمار الوحشي وأتانه قد شقا عينًا قد حفت بضروب من النبت، والقصب يظلها، وهذا القصب بعضه مائل، وبعضه قائم.
الإعراب. محفوفة: صفة ثالثة للموصوف المحذوف في البيت السابق. وسط: ظرف مكان متعلق بمحفوفة، وهو مضاف واليراع مضاف إليه. يظلها: فعل مضارع، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. منه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. مصرع: فاعله، وهو مضاف وغابة مضاف إليه. وقيامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة (يظلها الخ) في محل نصب حال من نائب فاعل محفوفة تأمل.
٣٦ - أفتلك، أم وحشية مسبوعة خذلت، وهادية الصوار قوامها؟
المفردات. وحشية: أراد بقرة وحشية. مسبوعة: قد أكل السبع ولدها، فهي مذعورة. خذلت: تأخرت عن القطيع وأقامت على ولدها، وقيل: خذلت ولدها، وذهبت ترعى مع صواحبها حتى افترس السبع ولدها، وانظر البيت رقم - ٨ - من معلقة طرفة. هادية: دالة وقائدة تكون في الأول. الصوار: القطيع من بقر الوحش، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقال: صوار وصوار وصيار بقلب الواو ياء مثل قوام وقيام، والجمع أصورة وصيران. قوام الشيء: ما يقوم به هو.
[ ٢ / ٥٦ ]
المعنى يقول: أناقتي تشبه تلك الأتان في الإسراع بالسير أم تشبه بقرة وحشية قد خذلت ولدها، وذهبت ترعى مع صواحبها، فافترست السباع ولدها فهي تسرع في السير طالبة لولدها، وجعلت هادية القطيع والتي تتقدمه قوام أمرها، أي يعتمد عليها.
الإعراب. الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. تلك: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل، وخبر المبتدأ محذوف، إذ التقدير: أفتلك الأتان تشبه ناقتي. أم: حرف عطف. وحشية: معطوف على اسم الإشارة فهو مبتدأ مثله، وخبره محذوف أيضًا، وهو في الحقيقة صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ. مسبوعة: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية هذه معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالاتباع. خذلت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى وحشية، ومفعوله محذوف، انظر المفردات، والجملة الفعلية صفة ثالثة للموصوف المحذوف. الواو: واو الحال. هادية: مبتدأ، وهو مضاف والصوار مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله: وفاعله ضمير مستتر فيه. قوامها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ويجوز اعتبار (قوامها) مبتدأ مؤخرًا وهادية الصوار خبرًا مقدمًا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل خذلت المستتر، والرابط الواو والضمير.
٣٧ - خنساء ضيعت الفرير، فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها
المفردات. الخنس: تأخر الأنف في الوجه وقصره، والبقر كلها خنس، والأخنس والأفطس بمعنى واحد. الفرير: ولد البقرة، والفرير في الأصل الخروف، وهو ولد الضأن، ولكن البقرة تجري مجرى الضائنة. يرم: يبرح
[ ٢ / ٥٧ ]
وأصله الأصيل (يريم) فيقال في إعلاله اجتمع معنا حرف صحيح ساكن وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت الكسرة إلى الراء بعد سلب سكونها، فصار (يريم) فلما دخل الجازم صار (يريم) فاجتمع معنا ساكنان الياء والسكون، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار يرم، وقل مثله في إعلال كل فعل أجوف مثل باع يبيع، وقال يقول إلخ العرض: الناحية والجانب، وانظر البيت رقم - ٣٤ - الشقائق: جمع شقيقة، وهي أرض غليظة بين رملتين. طوفها: ذهابها ومجيئها. بغامها: صوتها الرقيق.
المعنى يقول: قد ضيعت البقرة الوحشية المذكورة في البيت السابق ولدها، أي فقدته بسبب أكل السبع له، فهي لا تبرح من هذه الأرض؛ فهي تطلب ولدها لأن في هذه الأرض نباتًا، فهي تذهب وتجيء وتصيح بولدها عله يعود إليها.
الإعراب. خنساء: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي خنساء، وذلك على القطع وخنساء صفة لموصوف محذوف، وقيل: هو صفة وحشية في البيت السابق. ضيعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى خنساء. الفرير: مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة أخرى للبقرة الوحشية، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ الفاء: حرف عطف وسبب. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يرم: فعل مضارع مجزوم بلم. عرض: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف والشقائق مضاف إليه. طوفها: فاعل يرم. وبغامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (لم يرم .. إلخ) معطوفة على جملة (ضيعت الفرير) فمحلها مثلها.
[ ٢ / ٥٨ ]
٣٨ - لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب، لا يمن طعامها
المفردات. العفر والتعفير: الإلقاء على العفر، وهو التراب، وقال أبو عبيد: التعفير أن تعفر ولدها، وذلك إذا أرادت فطامه منعته من اللبن، فإذا خافت عليه النقصان رجعت، فأرضعته، ثم قطعت عنه حتى يأنس بذلك. قهد: أبيض، وفي الأنباري: القهد ضرب من الضأن تصغر آذانهن تعلوهن حمرة، والجمع قهاد. تنازع: انظر البيت - ٣١ - الشلو: العضو، وقيل: هو بقية الجسد. غبس: جمع أغبس وغبساء، والغبسة صفرة إلى سواد، وهو كقول القائل: لون كلون الرماد. كواسب: تكسب الصيد. لا يمن طعامها: فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى لا يطعمها أحد فيمن عليها، إنما تصيد لنفسها، والقول الثاني أنها لا تمن بشيء مما تصيده، والقول الثالث ما ينقص طعامها، قال تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون﴾ أي غير مقطوع.
المعنى يقول: إن البقرة الوحشية تجد في الطلب من أجل ولدها المفقود الذي تجاذبت جسده الذئاب التي تصيد لنفسها، والتي لا ينقطع طعامها.
الإعراب. لمعفر: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يرم) في البيت السابق، ومعفر صفة لموصوف محذوف. قهد: صفة ثانية للموصوف المحذوف. تنازع: فعل ماض. شلوه: مفعول به، والها ضمير متصل في محل جر بالإضافة. غبس: فاعل تنازع، وهو صفة لموصوف محذوف. كواسب: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (تنازع الخ) في محل جر صفة للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ما: نافية. يمن: فعل مضارع مبني
[ ٢ / ٥٩ ]
للمجهول. طعامها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (ما يمن طعامها) مثل جملة (تنازع شلوه) فهي صالحة للوصفية والحالية.
٣٩ - صادفن منها غرة، فأصبنها إلى المنايا لا تطيش سهامها
المفردات. صادفن: وجدن، والمصادفة المقابلة على قصد وبدونه. منها: من البقرة، فيكون الضمير الآتي عائدًا إليها أيضًا، ويكون المعنى فأصبنها بولدها، ويروي (منه) أي من الفرير، فيكون الضمير الآتي عائدًا إلى الغرة، والغرة الغفلة والذهول عن الشيء. المنايا: انظر البيت رقم - ٦١ - من معلقة طرفة. الطيش: الخفة، وأراد لا تخطيء بل تصيب والمنايا لا سهام لها، وإنما هي استعارة، اسمع قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
المعنى يقول: صادفت الذئاب من البقرة الوحشية غفلة، فأصبنها بافتراس ولدها، والموت واقع بكل مخلوق لا محيص عنه، ولا مهرب منه، قال تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة﴾.
الإعراب. صادفن: فعل وفاعل. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من غرة كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالًا. غرة: مفعول به. فأصبنها: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة السابقة بالفاء العاطفة لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف والثانية بالاتباع. إن: حرف مشبه بالفعل. المنايا: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. لا: نافية. تطيش: فعل مضارع. سهامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (لا تطيش سهامها) في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية
[ ٢ / ٦٠ ]
(إن المنايا الخ) ابتدائية لا محل لها من الإعراب.
٤٠ - باتت، وأسبل واكف من ديمة يروي الخمائل، دائمًا تسجامها
المفردات. باتت: يقال: بات يفعل كذا، إذا فعل ليلًا، وليس بات بمعنى نام في الليل، لأنك تقول: بات فلان يصلي إذا لم يزل يصلي بالليل، وانظر ظل في البيت رقم - ١٦ - من معلقة أمرئ القيس. اسبل: جرى وسال واسترخى، ومنه إسبال الازار، أي إرخاؤه، وقال أبو زيد: يقال: أسبلت السماء إسبالًا، وهو المطر الذي بين السماء والأرض حين يخرج من السحاب، ولم يصل إلى الأرض، والاسم السبل. الواكف: المطر المنهل. الديمة: مطر يدوم ويسكن ليس بالشديد، وقيل: الديمة مطرة تدوم نصف يوم وليلة، والجمع الديم، وأصل الديمة دومة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم قلبت في الديم حملًا على القلب في الواحد. الخمائل: جمع خميلة، وهي كل رملة ذات نبت عند أكثر الأئمة، وقال جماعة منهم: هي أرض ذات شجر. التسجام: الصب، والمراد المطر الغزير، وانظر تشرابي في البيت رقم - ٥٧ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: باتت تلك البقرة بعد فقدها ولدها ممطورة بمطر يروي الرمال المنبتة والأرض التي بها أشجار في حال دوام سكبها الماء.
الإعراب. باتت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة الوحشية وهذا على تمامه، وإن اعتبرته ناقصا فالخبر محذوف، ويكون التقدير: باتت بهذه الحال، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. أسبل: فعل ماض، واكف: فاعل، وهو صفة لموصوف محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. من ديمة: جار ومجرور متعلقان بواكف. يروي: فعل مضارع
[ ٢ / ٦١ ]
مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، الخمائل: مفعول به. دائمًا: حال من تسجامها قدم عليه. تسجامها: فاعل يروي، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يروي الخ) في محل جر صفة ديمة.
٤١ - تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا بعجوب أنقاء يميل هيامها
المفردات. تجتاف: تدخل في جوفه، ويروى (تجتاب) بالباء، أي تدخل فيه، قال تعالى: ﴿الذين جابوا الصخر بالواد﴾ أراد نقبوا الصخر فدخلوا فيه، وابتنوا المساكن، ومنه سمي الجيب جيبًا؛ لأنه منه يلبس القميص، وهذا الفعل من ذوات الياء، أي من جاب يجيب، وأما جاب الأرض يجوبها إذا قطعها ومر فيها فمن ذوات الواو. قالصًا: أي مرتفعًا غير مسترسل، وقيل: معنى قالص متنح. المتنبذ: المتنحي، يقال: جلس فلان متنبذًا عن الناس، وجلس نبذة ونبذة عنهم، أي متنحيًا، وإليك قوله تعالى: ﴿فحملته، فانتبذت به مكانًا قصيًا﴾ وأما قوله تعالى: ﴿فنبذوه وراء ظهورهم﴾ فهو بمعنى طرحوه وألقوه، وقيل: معنى متنبذًا: متفرقًا. العجوب: جمع عجب، وهو أصل الذنب فاستعاره لأصل النقا. أنقاء: جمع نقًا، وهو الكثيب من الرمل الذي لم يخالطه غيره، وتثنية النقا نقوان ونقيان. الهيام: بفتح الهاء ما لا تماسك به من الرمال، والهيام بضم الهاء أشد العطش، وبكسرها الإبل العطاش، الواحد هيمان، والواحدة هيمي، مثل عطشان وعطشى.
المعنى يقول: باتت البقرة الوحشية في جوف أصل شجرة بعيد عن أصول الشجر، وقد ارتفعت أغصانها عن الأرض، وأصل تلك الشجر نابت في أرض رملية لا تتماسك، وذلك لكثرة المطر، وهبوب الرياح العاصفة.
الإعراب. تجتاف: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود
[ ٢ / ٦٢ ]
إلى البقرة الوحشية. أصلًا: بعض النحاة ينصب مثل هذا على الظرفية، والمحققون ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض لا على الظرفية، فهو منتصب انتصاب المفعول به على السعة بإجراء الفعل اللازم مجرى المتعدي، وإنما كان (أصلًا) بهذه المثابة لان تجتاف بمعنى تدخل أو تنزل أو تسكن، وجملة (تجتاف الخ) مستأنفة لا محل لها، وقيل هي في محل نصب في التأويل على معنى باتت مجتافة أصلًا، وهذا يعني أنها خبر لباتت محذوفة مع اسمها مدلول عليها بباتت في البيت السابق. قالصًا، متنبذًا: صفتان لأصلا. بعجوب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثالثة لأصلًا أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما سبق على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ وقيل: متعلقان بالفعل تجتاف، والمعنى لا يؤيده، وعجوب مضاف وأنقاء مضاف إليه. يميل: فعل مضارع. هيامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة أنقاء، والرابط الضمير المجرور محلا بالإضافة.
٤٧ - يعلو طريقة منها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها
المفردات. الطريقة. الخط المخالف لغيره في اللون، والجمع طرائق، وأراد خطًا ممتدًا من ذنبها إلى عنقها. المتن: الظهر، والمتنان مكتنفا الظهر. متواتر: متتابع، وقال الأصمعي: المتواتر أن يجيء شيء، ثم يكون هنيهة، ثم يجيء شيء آخر، يقال: تواترت الإبل والقطا تتواتر تواترًا، قال تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ فمعناه منقطعة بين كل رسولين برهة من الزمان، وقال أبو هريرة ﵁ (لا بأس بقضاء رمضان متواترًا) يريد متقطعًا. كفر النجوم: غطاها وسترها، وسمي الكافر كافرًا لأنه يغطي نعم الله بجحدها، وسمي الزارع كافرًا، لأنه إذا ألقى البذر في الأرض غطاه بالتراب، قال تعالى - في تشبيه حال الدنيا ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته﴾ أراد الزراع
[ ٢ / ٦٣ ]
- وانظر البيت - ٦٥ - الآتي .. الغمام: جمع غمامة، وهي السحابة.
المعنى يقول: أصاب ظهر البقرة الوحشية مطر متتابع، أو متقطع في ليلة لم تظهر فيها النجوم بسبب تراكم السحب بعضها فوق بعض.
الإعراب. يعلو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. طريقة: مفعول به، وهو مضاف ومتنها مضاف إليه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. متواتر: فاعل يعلو، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ويروى (متواترًا) بالنصب، فيكون الفاعل ضميرًا مستترًا تقديره هو يعود إلى واكف في البيت - ٤٠ - ومتواترًا حال من الضمير المستر، والجملة الفعلية مستأنفة أيضًا. في ليلة: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يعلي) كفر: فعل ماض. النجوم: مفعول به. غمامها: فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة (كفر .. إلخ) في محل رفع صفة ليلة.
٤٣ - وتضيئ في وجه الظلام منيرة كجمانة البحري سل نظامها
المفردات. الإضاءة والإنارة يتعدى فعلهما ويلزم، انظر البيت رقم - ٥٠ - من معلقة أمرئ القيس. وجه الظلام: أوله، وكذا وجه النهار. الجمانة: واحدة الجمان، وهو حب من الفضة يعمل على شكل اللؤلؤة، وقيل: الجمانة اللؤلؤة الصغيرة، والكبيرة الدرة، وهي المرادة هنا، فإنه أراد بالجمانة اللؤلؤة البحرية نفسها، لأنه أضافها إلى البحري الذي يغوص عليها فيستخرجها، وأصل الجمانة فارسي معرب. سل واستل الشيء من الشيء: انتزعه وأخرجه برفق. النظام: الخيط ينظم فيه اللؤلؤ وغيره.
المعنى يقول: إن هذه البقرة تضيء في أول الليل كدرة الصدف البحري حين سل خيطها منها، وإنما وصف اللؤلؤة بذلك، لأنها إذا انقطع خيطها فسقطت كانت أضوأ وأشرق بسبب حركتها، وتموج لمعانها وبريقها،
[ ٢ / ٦٤ ]
فهو يشير إلى حركة البقرة وعدم استقرارها.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. تضييع: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة الوحشية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. في وجه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ووجه مضاف والظلام مضاف إليه. منيرة: حال من فاعل تضيء المستتر، فهي حال مؤكدة، مثل قوله تعالى: ﴿فتبسم ضاحكًا من قولها﴾ وقوله جل ذكره: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ كجمانة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولًا مطلقًا للفعل تضيء، إذ التقدير: تضيء إضاءة كائنة كجمانة - وانظر ما ذكرته في البيت - ٦٥ - من معلقة أمرئ القيس عن سيبويه -، وقال ابن الأنباري: والكاف منصوبة لمنيرة على النعت، ولا وجه له، وجمانة مضاف والبحري مضاف إليه. سل: فعل ماض مبني للمجهول. نظامها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية (سل نظامها) في محل جر صفة جمانة، أو في محل نصب حال منها، فالأول على اعتبار (أل) في البحري للجنس، والثاني على اعتبارها للتعريف.
٤٤ - حتى إذا انحسر الظلام، وأسفرت بكرت تزل عن الثرى أزلامها
المفردات. انحسر الظلام: انكشف وانجلى. أسفرت: دخلت في الإسفار، والإسفار بياض الصبح، قال تعالى: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ أي أشرق وأضاء. بكرت: انظر البيت رقم - ١٣ - من معلقة زهير. تزل: تزلق لا تثبت على الأرض من الطين. الثرى: أراد التراب المبتل، والثرى التراب مطلقًا، قال تعالى: ﴿له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى﴾ أزلامها: أراد قوائمها، والأزلام القدح والسهام التي كانوا يقامرون فيها، واحدها زلم وزلم.
[ ٢ / ٦٥ ]
المعنى يقول: فلما انكشف الظلام وأضاء غدت البقرة مبكرةً من مأواها حالة كون أقدامها تزلق، ولا تثبت على الأرض لكثرة المطر الذي أصابها ليلًا.
الإعراب. حتى: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل هذا الموضع جارة لإذا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك. مبني على السكون في محل نصب. انحسر: فعل ماض شرط إذا. الظلام: فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على المشهور المرجوح. الواو: حرف عطف. أسفرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. بكرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى البقرة أيضًا، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب. تزل: فعل مضارع. عن الثرى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر فتحة مقدرة على الألف للتعذر: أزلامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (تزل الخ) في محل نصب حال من فاعل بكرت المستتر، والرابط الضمير فقط، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له -.
٤٥ - علهت تردد في نهاء صعائد سبعًا تؤامًا كاملًا أيامها
المفردات. علهت: من العله، ومثله الهلع وهو الانهماك في الجزع والضجر، قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا إلا المصلين﴾ وقيل: العله ذهاب العقل. تردد، ويروى تبلد، وهما بمعنى تتحير تذهب وتجيء لا تدري أين تمر؛ وقد حذفت منهما تاء المضارعة كما رأيت في البيت رقم - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس. النهاء:
[ ٢ / ٦٦ ]
جمع نهي بفتح النون وكسرها، وهو الغدير من الماء. صعائد: موضع بعينه. سبعًا: معناه سبع ليال بأيامهن. التؤام: جمع توءم، والتوءم الاثنان، جعل كل ليلة مع يومها توءمًا، ثم جمع توءمًا على تؤام. الأيام: انظر البيت رقم - ٥ - من معلقة أمرئ القيس.
المعنى يقول: إن البقرة المذكورة قد جزعت جزعًا شديدًا، وقد ترددت في موضع صعائد، ومواضع غدرانه سبع ليال بأيامهن، وذلك بسبب طلبها ولدها، وهو الفرير المذكور في البيت - ٣٧ - والذي أكلته الذئاب المذكورة في البيت - ٣٨ - .
الإعراب. علهت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة الوحشية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، أو هي في محل نصب حال ثانية من فاعل بكرت في البيت السابق. تردد: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى البقرة أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل علهت المستتر، والرابط الضمير فقط، وهي حال متداخلة على اعتبار الأولى حالًا. في نهاء: جار ومجرور متعلقان بالفعل تردد، ونهاء مضاف وصعائد مضاف إليه، وقد صرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع للعلمية والعجمة. سبعًا: صفة لظرف محذوف، إذ التقدير: ليالي سبعًا، أو هو ظرف، وحذف المضاف إليه، إذ التقدير: سبع ليال. تؤاما: صفة ثانية. كاملًا: صفة ثالثة. أيامها: فاعل بكاملًا، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٤٦ - حتى إذا يئست، وأسحق حالق لم يبله إرضاعها، وفطامها
المفردات. اليأس: انظر البيت رقم - ٧٨ - من معلقة طرفة. أسحق: ارتفع، وقيل: معناه أخلق، والخالق البالي. حالق: ضامر، وقيل: ممتلئ لبنًا. لم يبله إرضاعها: أي لم يبله أن أرضعت وفطمت، ولكنها ثكلت
[ ٢ / ٦٧ ]
ولدها، فحزنت وتركت العلف فغرزت، فانقطع لبنها. إرضاعها: انظر البيت - ٣٣ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: فلما يئست البقرة من ولدها صار ضرعها باليًا لانقطاع لبنها، ولم يبله إرضاعها ولدها، ولا فطامها إياه، ولكنها ثكلته فحزنت وتركت العلف فغرزت؛ وانقطع لبنها.
الإعراب. حتى: حرف ابتداء، وانظر البيت رقم - ٤٤ - إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. يئست: فعل ماض شرط إذا، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا في البيت رقم - ٤٨ - الآتي. الواو: حرف عطف. أسحق: فعل ماض. حالق: فاعل، وهو صفة لموصوف محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر بالإضافة مثلها. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يبله: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. إرضاعها: فاعل. وفطامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. وها فيهما: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وجملة (لم يبله إرضاعها) في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٤٧ - وتسمعت رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب، والأنيس سقامها
المفردات. تسمعت: أي تسمعت البقرة صوت الناس، ويروى (فتوجست) وهو بمعنى تسمعت. الرز: الصوت الخفي والركز مثله، قال
[ ٢ / ٦٨ ]
تعالى: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟﴾ الأنيس والأنس والأناس والناس واحد. فراعها: فافزعها، والروع الفزع، وانظر البيت رقم - ١٧ - من معلقة طرفة. عن ظهر غيب: من وراء حجاب، أي تسمع من حيث لا ترى. والأنيس سقامها: أي هلاكها لأنه يصيدها.
المعنى يقول: إن البقرة الوحشية سمعت صوتًا خفيًا، ولم تر أحدًا فخافت، ولا عجب أن تخاف الناس لأنهم يصيدونها، ويسببون بذلك هلاكها.
الإعراب. الواو: حرف عطف. تسمعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة الوحشية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (يئست) في البيت السابق، فهي في محل جر مثلها. رز: مفعول به، وهو مضاف والأنيس مضاف إليه. الفاء: حرف عطف وسبب. راعها: فعل ماض، وها: مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى رز الأنيس، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها، فهي في محل جر أيضًا. عن ظهر: جار ومجرور متعلقان بالفعل تسمعت، وتعلقهما براعها ضعيف، وظهر مضاف وغيب مضاف إليه. الواو: واو الحال. الأنيس: مبتدأ. سقامها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل راع المستتر، والرابط الواو وإعادة الأنيس بلفظه. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.
٤٨ - فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
المفردات. غدت: من الغدو الذي حدثتك عنه في البيت رقم - ٦٣ - من معلقة أمرئ القيس، وانظر إعلال (آلت) في البيت رقم - ٢٥ - منها،
[ ٢ / ٦٩ ]
ويروى (عدت) بالعين المهملة من العدو، وهو شدة الجري. كلا: انظر البيت رقم - ٦٢ - من معلقة أمرئ القيس. الفرجين: مثنى فرج، وهو الثغرة في الجبل، والفرج أيضًا الواسع من الأرض، والفرج أيضًا ما بين قوائم الدواب، وهو غير مراد هنا خلافًا للزوزني. تحسب: بفتح السين وكسرها، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه﴾ مولى المخافة: الموضع الذي فيه المخافة، أي الخوف، وقال ثعلب: إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء كقوله تعالى: ﴿مأواكم النار هي مولاكم﴾ أي أولى بكم، وانظر البيت - ٨٤ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إن البقرة عندما سمعت صوت الصيادين أخذت تعدو في الجبل خائفة، وهي كلما ذهبت في طريق ظنت أنه المكان الذي فيه الصيادون، سواء في ذلك الطريق الذي أمامها، والطريق الذي خلفها.
الإعراب. الفاء: زائدة في جواب إذا في البيت - ٤٦ - غدت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب. كلا: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وكلا مضاف والفرجين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون بدل من التنوين في الاسم المفرد. تحسب: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة. أنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. مولى: خبر أن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ومولى مضاف والمخافة مضاف إليه، وأن اسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي تحسب، وجملة (تحسب الخ) في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو كلا، والجملة الاسمية (كلا الفرجين الخ) في محل
[ ٢ / ٧٠ ]
نصب حال من فاعل غدت المستتر على تقدير الواو، وهو قول ابن هشام في شذور الذهب، وإن اعتبرت (غدا) فعلًا ناقصًا، فاسمها ضمير البقرة، والجملة الاسمية خبرها، وهو كلام لا غبار عليه، وقال التبريزي: قال النحاس: الأجود في (كلا) أن تكون في موضع نصب على أنه ظرف، والمعنى فغدت في كلا الفرجين، وهذا كلام غير مسلم له. خلفها: بدل من كلا الفرجين. وأمامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والتقدير: فغدت كلا الفرجين خلفها وأمامها تحسب أنه مولى المخافة، هذا وجوز أن يكون (خلفها) مرفوعة على أنه بدل من (مولى) كما جوز أن يكون (مولى) مبتدأ وخلفها خبرًا، والجملة الأسمية هذه في محل رفع خبر أن، كما جوز أن يكون (خلفها) خبرًا لمبتدأ محذوف، وأمامها معطوفًا عليه، والتقدير: هما خلفها وأمامها، تأمل وتدبر والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم.
٤٩ - حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفًا دواجن قافلًا أعصامها
المفردات. يئس: انظر البيت - ٧٨ - من معلقة طرفة. الرماة: جمع رام، وهو من يرمي بالنبل. غضفًا: جمع أغضف، والأنثى غضفاء، والغضف من الكلاب المسترخية الآذان، والغضف استرخاء الأذن، وهو مستعمل في غير الكلاب استعماله فيها. دواجن: معلمات ضاريات، والدواجن ما ألف البيوت واستأنس فيها من الحيوانات، والمفرد داجن وداجنة. أعصامها: بطونها، وقيل: بل أراد سواجيرها، وهي قلائدها من الحديد والجلود وغير ذلك، وقال بعض النحويين: واحد الأعصام عصام؛ وقال: هو جمع على غير قياس، وقال غيره: واحد الأعصام عصم، وقال: هو في الجمع بمنزلة قولك: قفل وأقفال، وبرد وأبراد.
المعنى يقول: إن الرماة لما أيسوا من البقرة، وأيقنوا أن سهامهم لا
[ ٢ / ٧١ ]
تنالها أرسلوا خلفها كلابًا مسترخية الآذان، معلمة ضارية ضوامر البطون، أو يابسة السواجير الموضوعة في أعناقها.
الإعراب. حتى: حرف ابتداء، وانظر البيت رقم - ٤٤ - إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. يئس: فعل ماض شرط إذا. الرماة: فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. الواو: زائدة. أرسلوا: فعل وفاعل وألف الفارقة، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وقيل: إن الواو غير زائدة، والجملة الفعلية معطوفة بها على جواب إذا المحذوف، والتقدير: حتى إذا يئس الرماة تركوا رميها، ثم حذف هذا العلم السامع. غضفًا: صفة لمفعول به محذوف، إذ التقدير: أرسلوا كلابًا غضفًا. دواجن: صفة ثانية للموصوف المحذوف، ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف الصيغة منتهى الجموع. قافلًا: صفة ثالثة للموصوف المحذوف. أعصامها: فاعل بقافلًا، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٥٠ - فلحقن واعتكرت لها مدرية كالشمهري حدها وتمامها
المفردات. لحقن: لحقت الكلاب هذه البقرة. اعتكرت: رجعت وعكر واعتكر بمعنى عطف ورجع، وعكر الماء ونحوه ضد صفا فهو عكر. مدرية: أراد البقرة التي لها مدرى، أي قرن. السمهرية: الرماح منسوبة إلى رجل اسمه سمهر كان بقرية تسمى خطا من قرى البحرين، وكان مثقفًا ماهرًا، فنسب إليه الرماح الجيدة، فشبه قرنها بالرماح لصلابته وشدته وحدته.
المعنى يقول: قد لحقت الكلاب البقرة، فكرت راجعة نحوها، ولها قرن يشبه الرمح في طوله وحدته، وطفقت تطعنهن بهذا القرن.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لحقن: فعل وفاعل والمفعول
[ ٢ / ٧٢ ]
محذوف كما رأيت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. اعتكرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. لها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. مدرية: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. كالسمهري: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. حدها: مبتدأ مؤخر، وتمامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع صفة مدرية، هذا وجوز أن يكون الجار والمجرور (كالسمهري) متعلقان بمحذوف صفة مدرية، وحدها وتمامها يرتفعان على البدلية من مدرية، والكوفي يعتبر الكاف اسمًا فالمحل لها في كل ما تقدم عنده.
٥١ - لتذودهن، وأيقنت إن لم تذد أن قد أحم مع الحتوف حمامها
المفردات. الذود: الكف والرد والطرد، قال تعالى: ﴿ووجد من دونهم امرأتين تذودان﴾ أي تحبسان الغنم وتمنعانها. أحم: قدر وحان وقرب، مثل حم وحم: ويروى (أجم) بالجيم، وهو بمعنى الأول، وليس فيه إلا لغة واحدة. الحتوف: جمع حتف، وهو قضاء الموت، وقد يسمى الهلاك حتفًا. الحمام: بكسر الحاء الموت.
المعنى يقول: إن البقرة رجعت على الكلاب لترد عن نفسها الموت والهلاك، وأيقنت أنها إذا لم تطردها دنا موتها وقرب مع موت كثير من الحيوانات.
الإعراب. (لتذودهن) اللام: لام التعليل. تذود: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، وأن المضمرة والفعل تذود في تأويل مصدر في محل جر باللام،
[ ٢ / ٧٣ ]
والجار والمجرور متعلقان بالفعل اعتكرت في البيت السابق. الواو: حرف عطف. أيقنت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى البقرة أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (اعتكرت) في البيت السابق. إن: حرف شرط جازم. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تذد: فعل مضارع مجزوم بلم، وهو أيضًا في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة المقام عليه، وإن ومدخولها كلام معترض بين الفعل أيقنت ومفعوله الآتي. أن: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. أحم: فعل ماض. مع: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف والحتوف مضاف إليه. حمامها: فاعل أحم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (قد أحم إلخ) في محل رفع خبر أن، وأن واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به لأيقنت.
٥٢ - فتقصدت منها كساب، فضرجت بدم، وغودر في المكر سحامها
المفردات. تقصدت: قصدت، وقيل: معناه قتلت من قولهم: رماه فأقصده، أي قتله مكانه. كساب: اسم كلبة مبني على الكسر، مثل حذام وقطام ورقاش وسجاح اسم للكذابة التي ادعت النبوة، وسكاب اسم لفرس، وهو مذهب أهل الحجاز، فإنهم يبنون كل ما كان على وزن فعال علمًا لمؤنث على الكسر في جميع أحواله، يقولون: قالت حذام، وسمعت حذام، ومررت بحذام، وأما بنو تميم فقد افترقوا فرقتين، فبعضهم يعرب ذلك كله إعراب ما لا ينصرف، وعلى هذه اللغة ورد قول الفرزدق، وهو شاعر بني تميم:
[ ٢ / ٧٤ ]
ندمت ندامة الكسعى لما غدت مني مطلقة نوار
ولو أني ملكت يدي ونفسي لكان إلي للقدر الخيار
فقد منع (نوار) من الصرف، وأكثرهم يفرق بين ما كان آخره راء كوبار: اسم القبيلة، وحضار: اسم لكوكب، وسفار: اسم لماء، وظفار: اسم لبلدة، فيبنيه على الكسر كالحجازيين من ذلك قول الفرزدق:
متى تردن يومًا سفار تجد بها أدهم يرمي المستجيز المعورا
وما ليس آخره راء كحذام وقطام، فيعربه إعراب ما لا ينصرف للعلمية والتأنيث، فيقولون: قالت حذام، ورأيت حذام، ومررت بحذام، وقال الأعشى فجمع بين اللغتين:
ألم تروا إرمًا وعادًا أودى بها الليل والنهار
مر دهر على وبار فهلكت جهرةً وبار
حيث بنى (وبار) الأول على الكسر، والتنوين لضرورة الشعر، وأعرب الثاني هذا ومن العلماء من يجعل المنع من الصرف للعلمية والعدل باعتبار هذه الأسماء معدولة عن حاذمة وقاطمة وراقشة ونائرة، ومنعها للعلمية والتأنيث أولى. ضرجت: لطخت بالدم. غودر: انظر البيت رقم - ١١ - المكر: موضع الكر، وهو الرجوع. سحام: اسم كلب، والهاء تعود إلى الكلاب، ويروى (سخامها) بالخاء.
المعنى يقول: قصدت البقرة الكلبة المسماة كساب فلطختها بالدم، وتركت سخامًا في موضع كرها ورجوعها صريعة أيضًا.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. تقصدت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى البقرة، والجملة الفعلية معطوفة
[ ٢ / ٧٥ ]
على جملة (أيقنت) في البيت السابق. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كساب: اسم مبني على الكسر في محل نصب مفعول به. الفاء: حرف عطف وسبب. ضرجت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى كساب، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. بدم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. غودر: فعل ماض مبني للمجهول. في المكر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. سحامها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (غودر الخ) معطوفة على ما قبلها.
٥٣ - فبتلك، إذ رقص اللوامع بالضحي واجتاب أردية السراب إكامها
المفردات. تلك: الإشارة إلى الناقة المذكورة في بيت سابق، والمشبهة بالبقرة الوحشية المذكورة في الأبيات السابقة. رقص: تحرك واضطرب. اللوامع: الأرضون التي تلمع بالسراب الواحدة لامعة، وقيل: أراد باللوامع لوامع الآل التي تراها كأنها تنزو، والآل يكون بالضحى، وهو الذي يرفع كل شيء، والسراب يكون نصف النهار، وهو الذي يلزق بالأرض، وانظر البيت رقم - ١٥ - اجتاب: انظر البيت رقم - ٤١ - أردية: جمع رداء استعاره للسراب الذي يغطي الأرض. الإكام: انظر البيت رقم - ٢٦ - .
المعنى يقول: أقضي حاجتي بتلك الناقة السريعة وقت تحرك الآل واضطرابه في وقت الضحى، ووقت تغطية السراب الجبال الصغار الذي هو شبيه بالأردية.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. الباء: حرف جر. تلك: اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقضي، وقيل: متعلقان بالفعل (أقضي) في البيت الآتي، واللام للبعد،
[ ٢ / ٧٦ ]
والكاف حرف خطاب لا محل له. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المحذوف أيضًا. رقص: فعل ماض. اللوامع: فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. بالضحى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. الواو: حرف عطف. اجتاب: فعل ماض. أردية: مفعول به، وهو مضاف والسراب مضاف إليه. إكامها: فاعل اجتاب، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (اجتاب الخ) معطوفة على جملة (رقص اللوامع) فهي في محل جر مثلها.
٥٤ - أقضي اللبانة لا أفرط ريبة أو أن يلوم بحاجة لوامها
المفردات. اللبانة: الحاجة. لا أفرط: لا أقصر، وقيل: معناه لا أقدم وأنفذ، ومنه قوله تعالى: ﴿لا جرم أن لهم النار، وأنهم مفرطون﴾ أي مقدمون إلى النار معجلون إليها، وقال النبي ﷺ: (أنا فرطكم على الحوض) أراد أنا أتقدمكم إليه، وأما قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ فمعناه ما تركنا وما أغفلنا، وفرط فلان على فلان فروطًا فهو يفرط، أي عجل عليه بما يكره، قال تعالى: ﴿قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى﴾ وانظر البيت - ٦٣ - . الريبة الشك، وانظر البيت - ٢٦ - اللوم: انظر البيت رقم - ٦٠ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: أقضي حاجتي، ولا أقصر في طلب بغيتي، أو لا أقدم فيها مخافة الشك والارتياب إلا أن يلومني اللائمون، أو إلى أن يلومني اللائمون. وقال التبريزي: معنى هذا البيت والذي قبله أنه وصف مواصلته ومصارمته، وأن هذه الناقة تعينه على قصد من أراد مواصلته، وعلى ترك من أراد مصارمته.
الإعراب. أقضي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على
[ ٢ / ٧٧ ]
الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. اللبانة: مفعول به والجملة الفعلية مفسرة، أو بدل من الجملة المحذوفة في البيت السابق. لا: نافية. أفرط: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل أقضي المستر، والرابط الضمير فقط. ريبة: مفعول لأجله. أو: حرف عطف. أن: حرف ناصب. يلوم: فعل مضارع منصوب بأن. بحاجة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. لوامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وأن المصدرية والفعل يلوم في تأويل مصدر معطوف على ريبة، فهو مثله في محل نصب، هذا، وقيل: إنه معطوف على قوله (لا أفرط) لأنه في معنى المصدر، لأن التقدير: لأن لا أفرط، فحذف أن واكتفى بلا منها ورفع المستقبل بفقد الناصب، ويجوز في العربية: لا أفرط ريبةً على إضمار أن كما قال صالح بن عبد القدوس:
لا تنطق بمقالة في مجلس تخشى عواقبها، وكن ذا مصدق
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إن البلاء موكل بالمنطق
هذا ويروى البيت (أقطضي اللبان أن أفرط ريبة) وقيل: معناه لأن لا أفرط ريبة، فاكتفى بأن من لا كما قال الله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا، والله بكل شيء عليم﴾ أراد لأن لا تضلوا فاكتفى بأن من لا فاسقطها، وفي الكشاف: ومعناه كراهة أن تضلوا، وهو قول البصريين، والأول قول الكوفيين.
٥٥ - أو لم تكن تدري نوار بأنني وصال عقد حبائل جذامها
المفردات. نوار: اسم امرأة من بني جعفر كذا قال الأنباري والتبريزي، وهو خلاف ما ذكر في شرح البيت رقم - ١٧ - وصال: صيغة مبالغة من المواصلة، وهي ضد المقاطعة، والفعل وصل يصل صل انظر إعلال قفا في
[ ٢ / ٧٨ ]
البيت رقم - ١ - من معلقة أمرئ القيس فهو مثله. حبائل: جمع حبالة، وهي مستعارة للعهد والمودة هنا. جذامها: صيغة مبالغة من الجذم، وهو القطع، والفعل جذم يجذم.
المعنى يقول: ألا تعلم نوار علم اليقين أنني أصل عقد العهود والمودات مع الذين أعقدها معهم، وأقطعها من يستحق القطيعة والهجر.
الإعراب. الهمزة: حرف استفهام وتقرير. الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تكن: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم. تدري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى نوار، وهو وإن كان متأخرًا لفظًا، فهو متقدم رتبة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر تكن تقدم على اسمها. نوار: تنازعه كل من تكن وتدري، فالأول يطلبه اسمًا له، والثاني يطلبه فاعلًا له، فان أعملت الثاني فيه أضمرت في الأول، وهو اختيار البصريين، وإن أعملت الأول فيه أضمرت في الثاني، وهو اختيار الكوفيين. الباء: حرف جر زائد. أنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. وصال: خبرها، وهو مضاف وعقد مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره أنا، وعقد مضاف وحبائل مضاف إليه، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه أن يمنع لصيغة منتهى الجموع جذامها: خبر ثان لأن، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور لفظًا منصوب محلًا سد مسد مفعولي الفعل (تدري).
٥٦ - تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها
المفردات: تراك: مبالغة اسم الفاعل تارك، وفعله ترك يترك. يعتلق:
[ ٢ / ٧٩ ]
الأصل فيه أن يكون بمعنى يحب ويهوى، وأراد فيه هنا يأخذ ويختطف، ويروى مكانه (يرتبط) وهو بمعنى يأخذ. النفوس: انظر البيت رقم - ٤٥ - من معلقة طرفة. الحمام: بكسر الحاء الموت، وبفتحها الحمام.
المعنى يقول: إني أترك الأمكنة إذا رأيت فيها ما أكره إلا أن يدركني الموت فيحبسني.
الإعراب. تراك: خبر ثالث لأن في البيت السابق، وهو مضاف وأمكنة مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره أنا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. لم: حرف نفي وقلب وجزم. أرضها: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا محذوف، لدلالة ما قبله عليه، وإن اعتبرت إذا مجردة عن الشرطية فهي متعلقة بتراك، ولا تحتاج إلى جواب. أو: حرف عطف. يعتلق: فعل مضارع معطوف على (لم أرضها) فهو مجزوم مثله، وقيل: إنه في موضع رفع إلا أنه أسكنه لأنه رد الفعل إلى أصله، لأن أصل الأفعال ألا تعرب، وإنما أعربت للمضارعة، وقيل: إنه في موضع نصب، ومعنى (أو) معنى إلا أن، غير أنه أسكن لأنه رد الفعل أيضًا إلى أصله، وأجود هذه الأوجه الأول. بعض: مفعول به، وهو مضاف والنفوس مضاف إليه. حمامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٥٧ - بل أنت لا تدرين: كم من ليلة طلق لذيذ لهوها وندامها
المفردات. ليلة طلق وطلقة: إذا لم يكن فيها حر يؤدي، ولا برد ولا مطر ولا ريح. اللهو: اللعب: الندام: جمع نديم، مثل كرام جمع كريم،
[ ٢ / ٨٠ ]
والندام أيضًا المنادمة، مثل الجدال والمجادلة والخصام والمخاصمة، والبيت يحتمل الوجهين.
المعنى يقول: مخاطبًا النوار: أنت لا تعلمين كثرة الليالي التي طابت لي بسبب اللهو والندماء الذين سررت بهم.
الإعراب. بل: حرف إضراب عن الكلام السابق. أنت: ضمير منفصل مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ. لا: نافية. تدرين: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. كم: اسم بمعنى كثير مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. من: حرف جر زائد. ليلة: تمييز لكم منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. طلق: صفة ليلة. لذيذ: صفة ثانية، وقد ذكر الصفتين لأنهما شبيهتان بالمصدر، والصفة هنا سببية، وليست حقيقية على حد قولهم (مررت بامرأة كريم آباؤها). لهوها: فاعل بلذيذ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وندامها: معطوف على سابقه، وإعرابه كإعرابه، وخبر كم الخبرية محذوف تقديره موجودة أو سهرتها أو نحو ذلك، هذا إن لم تعتبر جملة (قدبت سامرها) في البيت الآتي هي الخبر -، والجملة الاسمية في محل نصب سدت سد مفعولي الفعل (تدرين) المعلق عن العمل لفظًا بسبب كم الخبرية.
٥٨ - قدبت سامرها وغاية تاجرٍ وافيت، إذ رفعت، وعز مدامها
المفردات. بت: انظر بات في البيت رقم - ٤٠ - سامرها: من السمر، وهو حديث الليل، وأراد سامرًا فيها. غاية تاجر: رايته التي ينصبها ليعرف
[ ٢ / ٨١ ]
موضعه، وأراد بالتاجر الخمار الذي كان يبيع الخمر، وقد ذكر ذلك عنترة في البيت رقم - ٦٩ - من معلقته. وافيت: أتيت ووصلت. عز: قل، وعز أيضًا بمعنى قوي، والفعل المضارع يعز عزًا بكسر العين فيهما، وعز علي أن تفعل كذا، وعز علي ذاك بمعنى اشتد. المدام: الخمر سميت بذلك لأنها قد أديمت في دنها حتى عتقت.
المعنى يقول: قدبت تلك الليلة أسامر ندمائي وأحدثهم فيها، ورب راية خمار أتيتها حين رفعت ونصبت ليراها الناس، وقد قل وجودها بسبب كثرة المقبلين عليها لطيبها.
الإعراب. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. بت: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. سامرها: خبر بات، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل إلى المفعول فيه، وجملة (قدبت سامرها) في محل رفع خبر كم الخبرية في البيت السابق إن لم تعتبر الخبر محذوفًا، وإلا فهي مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف، أو هي واو رب. غاية: يروى بالنصب والجر، فالنصب على أنه مفعول به مقدم للفعل وافيت بعده، والجر من وجهين: الأول كونه معطوفًا على (ليلة) في البيت السابق، والثاني كونه مجرورًا برب مقدرة بعد الواو، فيكون مبتدأ مرفوعًا، أو هو منصوب بوافيت، والرفع أو النصب مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وغاية مضاف وتاجر مضاف إليه. وافيت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة (غاية تاجر) على اعتباره مبتدأ والخبر محذوف تقديره موجودة، وعلى اعتبار (غاية تاجر) مفعولًا به مقدمًا، فالجملة الفعلية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. إذ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل وافيت، مبني على السكون في محل نصب.
[ ٢ / ٨٢ ]
رفعت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى غاية تاجر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. الواو: حرف عطف. عز: فعل ماض. مدامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها فهي في محل جر مثلها.
٥٩ - أغلى السباء بكل أدكن عاتق أو جونة قدحت، وفض ختامها
المفردات. السباء: شراء الخمر، ولا يستعمل في غيرها، يقال: سبأت الخمر أسبؤها سبأو سباء اشتريتها، والسبيئة هي الخمر نفسها. أغليت الشيء اشتريته غاليًا، وصيرته غاليًا، ووجدته غاليًا، وانظر البيت رقم - ٢٣ - الأدكن: زق الخمر الذي فيه غبرة. عاتق: قيل: هي الخالصة، يقال لكل ما خلص عاتق، وقيل: هي التي عتقت وانظر البيت رقم - ١٥ - من معلقة طرفة. جونة: سوداء، وأراد خابية سوداء. قدحت: غرفت، والقدح الغرف، ويقال للمغرفة مقدحة، والقدح الطعن في أعراض الناس، والقدح بالزناد إخراج النار، وكل ذلك بفتح الحاء. وبكسرها هو واحد الأقداح التي كانت تستعمل في القمار. الفض: الكسر. الخاتم والخاتام والخيتام والختام واحد، والجمع خواتم وختم، والخاتمة أقصى الشيء وآخرته وعاقبته، والجمع خواتيم وخاتمات، وقال أبو جعفر النحاس: قدحت وفض ختامها، معناه فض ختامها وقدحت، فقدم بعض الأخبار، وهو مؤخر في المعنى، وإنما أراد: فض ختامها فسال في الباطية، ثم قدح من الباطية، واستشهاده بقول الله تعالى: ﴿إذ قال الله: يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا﴾ حيث قال: أي رافعك إلي ومتوفيك لم أجده في كتب التفسير.
المعنى يقول: أشتري الخمر للندماء عند ارتفاع أسعارها، وأشتري كل
[ ٢ / ٨٣ ]
زق خمر أدكن، أو كل خابية سوداء قد فض ختامها، وأغترف منها.
الإعراب. أغلي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. السباء: مفعول به، وجملة (أغلي السباء) مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وذلك بالإعراض عن البيت السابق، أو هي في محل نصب حال من فاعل (وافيت) في البيت السابق، والرابط الضمير فقط، بكل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من السباء، وهو أولى من تعليقهما بالفعل السابق، وكل مضاف وأدكن مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وقبل كل مضاف محذوف، وأدكن صفة لموصوف محذوف، وتقدير الكلام: أغلى السباء بشراء كل زق أدكن. عاتق: صفة ثانية للموصوف المحذوف. أو: حرف عطف. جونة: صفة لموصوف محذوف معطوف على المجرور السابق. قدحت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ الواو: حرف عطف. فض: فعل ماض مبني للمجهول. ختامها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (فض ختامها) معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.
٦٠ - باكرت حاجتها الدجاج بسحرة لأعل منها حين هب نيامها
المفردات. باكرت: انظر البيت رقم - ١٣ - من معلقة زهير. حاجتها: أي حاجتي في الخمر، فأضاف الحاجة إلى الخمر اتساعًا، ويروى (بادرت لذتها) الدجاج: أراد الديكة، والدجاج اسم جنس يعم ذكوره وإناثه، والواحد
[ ٢ / ٨٤ ]
دجاجة، وجمع الدجاج دجج، والدجاج بكسر الدال لغة غير مختارة. السحرة: انظر البيت رقم - ١٣ - من معلقة زهير. أعل منها: من العلل، وهو الشرب الثاني، والشرب الأول يقال له: نهل، ومنه قولهم: شرب عللًا بعد نهل.
المعنى يقول: استيقظت مبكرة في السحر قبل صياح الديكة لأشرب من الخمر مرة بعد أخرى حين استيقظ الناس من نومهم، وهبوا من رقادهم، قبل أن يخرج الدجاج من أوكاره.
الإعراب. باكرت: فعل وفاعل. حاجتها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الدجاج: مفعول به ثان، وقال بعض أهل اللغة: نصب الدجاج على الوقت، أراد في وقت صياح الدجاج، فحذف صياح وأقام الدجاج مقامه كما قال الآخر (وفرشا محشوة إوزًا) أراد محشوة ريش إوز، فحذف الريش، وأقام الإوز مقامه، وكما تقول: أنا أجيئك مقدم الحاج، أي وقت مقدم الحاج. بسحرة: جار ومجرور متعلقان بالفعل باكرت (لأعل) اللام: لام التعليل، أعل: يروى بالبناء للمعلوم والمجهول، فهو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل، أو ونائبه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، وأن المضمرة والفعل أعل في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل باكرت أيضًا. منها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حين: ظرف زمان مبني على الفتح في محل نصب متعلق بالفعل أعل أيضًا. هب: فعل ماض. نيامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة حين إليها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٦١ - وغداة ريح قد ورغت وقرة إذ أصبحت بيد الشمال زمامها
المفردات. غداة: انظر البيت رقم - ٦٣ - من معلقة أمرئ القيس.
[ ٢ / ٨٥ ]
الريح: انظر البيت رقم - ٢ - منها أيضًا. وزغت ٠ كففت، قال تعالى: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجًا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون﴾ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يدخلوا النار. القرة والقر: البرد. الشمال: أراد الجهة. الزمام: الخيط الذي تربط به الدابة وقد استعاره هنا للريح، وانظر البيت رقم - ٢٤ - .
المعنى يقول: ورب يوم تهب فيه ريح الشمال، وهي أبرد الرياح قد كففت شدة البرد فيها عن الناس بإطعامهم ونحر الجزور لهم، وإسقائهم من الخمر المذكورة في البيت الآتي.
الإعراب. الواو: حرف عطف. أو هي واو رب. غداة: يروى بالنصب والجر، فالنصب على أنه مفعول به مقدم للفعل وزعت بعده، وتكون الجملة معطوفة على جملة (وافيت) في البيت رقم - ٥٨ - والجر من وجهين: الأول كونه معطوفًا على ليلة في البيت رقم - ٥٧ - والثاني كونه مجرورًا برب مقدرة بعد الواو، فيكون مبتدأ مرفوعًا، أو هو منصوب على أنه مفعول مقدم لوزعت أيضًا، والرفع أو النصب مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وغداة مضاف وريح مضاف إليه. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. وزعت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية، إما معطوفة كما رأيت؛ أو هي صفة (غداة ريح) على اعتباره مبتدأ، والخبر محذوف تقديره موجودة، ورابط الصفة محذوف، تقديره (قد وزعت فيها) الواو: حرف عطف. قرة: معطوف على ريح. إذ: ظرف متعلق بالفعل وزعت مبني على السكون في محل نصب. أصبحت: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الغداة، أو إلى الريح، أو إلى القرة. بيد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. زمامها: مبتدأ مؤخر، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة؛ والجملة الاسمية في محل نصب خبر أصبحت، وجملة
[ ٢ / ٨٦ ]
(أصبحت الخ) في محل جر بإضافة إذا إليها، هذا واعتبار اسم أصبح ضميرًا إنما هو قول ابن الأنباري، ولا أرى مانعًا من اعتبار (زمامها) اسمها مؤخرا، و(بيد) خبرها مقدمًا بعد معرفتك أن الضمير يعود للغداة أو للريح.
٦٢ - بصبوح صافية وجذب كرينة بموتر تأتاله إبهامها
المفردات. الصبوح: انظر البيت رقم - ٥١ - من معلقة طرفة. صافية: أراد خمرًا صافية، ويروى (بسماع مدجنة) والمدجنة هي التي تسمع في يوم الدجن. الجذب: الشد. الكرينة: الجارية المغنية، والجمع الكرائن، ويقال للعود الكران. موتر: عود له أوتار. تأتاله: بفتح اللام من قولك: تأتيت له كأنه يفعل ذلك على مهل وترسل، ويروى بضم اللام من قولك: ألت الأمر إذا أصلحته، والائتيال المعالجة والإصلاح.
المعنى يقول: دفعت شدة البرد بشرب خمر صافية في الصباح وغناء مغنية بعود ذي أوتار تصلحه إبهامها، أو تضرب عليه بتمهل وترسل.
الإعراب. بصبوح: جار ومجرور متعلقان بالفعل (وزعت) في البيت السابق، وصبوح مضاف وصافية مضاف إليه الواو: حرف عطف. جذب: معطوف على صبوح، وهو مضاف وكرينة مضاف إليه. بموتر: جار ومجرور متعلقان بجذب، وموتر صفة لموصوف محذوف. تأتاله: فعل مضارع، أو هو فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. إبهامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٦٣ - ولقد حميت الخيل تحمل شكتي فرط وشاحي، إذ غدوت لجامها
[ ٢ / ٨٧ ]
المفردات. حميت: حفظت ومنعت من الأعداء. الخيل: اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل غنم، وإنما واحده من غير لفظه، وجمعه خيول وأخيال، والخيل أيضًا تستعمل على المجاز للفرسان وركاب الخيل، ومنه قوله تعالى: ﴿وأجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾ أي فرسانك ورجالتك، ويروى مكان الخيل (الحي) وانظر البيت رقم - ٥ - من معلقة أمرئ القيس. الشكة: السلاح. فرط: أي فرس متقدمة سريعة خفيفة، والفرط في غير هذا الأكمة والجبل، وجمعه أفراط، يقال: البوم تنوح على الأفراط، أي على الآكام، وانظر البيت رقم - ٥٤ - وشاحي لجامها: معناه أن الفرسان كان أحدهم يتوشح اللجام ساعة يفزع ليكون قريبًا منه، وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه؛ ويخرج يده منه - غدوت: من الغدو انظر البيت رقم - ٦٣ - من معلقة أمرئ القيس -.
المعنى يقول: والله لقد حميت الخيل، أو قبيلتي حالة كوني محمولًا على فرس متوشحًا لجامها في وقت نزولي لأكون متهيئًا ومستعدًا لركوبها عند الاقتضاء.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. حميت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. الخيل: مفعول به. تحمل: فعل مضارع. شكتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فرط: فاعل تحمل، وهو صفة لموصوف محذوف، وجملة (تحمل إلخ) في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الضمير
[ ٢ / ٨٨ ]
المجرور محلًا بالإضافة فقط. وشاحي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم الخ والياء مضاف إليه. لجامها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بفرط على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ إذ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمضمون الجملة الاسمية مبني على السكون في محل نصب. غدوت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها.
٦٤ - فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة خرج إلى أعلامهن قتامها
المفردات. علوت: صعدت. مرتقبًا: يروى بكسر القاف وفتحها، فالأول معناه يرقب أصحابه، والثاني معناه علوت موضعًا يرتقب فيه، والأول اسم فاعل، والثاني اسم مكان. الهبوة: الغبار، ويروى (على مرهوبة) أي مخوفة. حرج: ضيق، قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء﴾ ويقال للشجر الملتف بعضه إلى بعض حرج. الأعلام: الجبال والرايات، قال تعالى: ﴿وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام﴾ القتام: الغبار.
المعنى يقول: صعدت لحماية الخيل، أو لحماية الحي مكانًا مرتفعًا ذا غبار شديد، واصل لأعالي الجبال، وقيل: معناه دائم إلى أعلامهن قتامها، وثابت معهن.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. علوت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (حميت الخيل) في البيت السابق لا محل لها مثلها. مرتقبًا: على رواية كسر القاف هو حال من تاء الفاعل، وعلى رواية فتحها هو مفعول
[ ٢ / ٨٩ ]
به. على: حرف جر. ذي: اسم مجرور بعلى، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل علوت، أو بمرتقبًا على رواية كسر القاف، ومتعلقان بمحذوف صفة مرتقبًا على رواية فتح القاف، وذي صفة لموصوف محذوف، وذي مضاف وهبوة مضاف إليه. حرج: صفة ثانية للموصوف المحذوف. إلى أعلامهن: جار ومجرور متعلقان بحرج، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. قتامها: فاعل بحرج، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٦٥ - حتى إذا ألقت يدًا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها
المفردات. ألقت: بدأت الشمس في المغيب، فأضمر الشمس ولم يتقدم لها ذكر على حد قوله تعالى: ﴿فقال: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب﴾ - وإن أردت الزيادة فانظر الشاهد ١٩٠ من كتابنا فتح رب البرية - كافر: أراد الليل لأنه يستر كل شيء بظلمته، انظر البيت رقم - ٤٢ - أجن: ستر من الاجتنان، وهو الستر والتغطية، ومثله جن من الثلاثي، وبه جاء القرآن الكريم: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الأفلين﴾ والجن ضد الإنس الواحد جني سميت بذلك لاستتارها عن أعين الإنس، والجنين الولد ما دام في بطن الأم سمي بذلك لاستتاره أيضًا عن الأعين، وجن فلان ذهب عقله، ويقال: أجنه الليل إجنانًا، وجن عليه يجن ويجن جنونا، إذا قالوا: أجن لم يأتوا بعلى، وإذا قالوا: جن أدخلوا على، انظر الآية الكريمة. الثغور: جمع ثغر، وهو موضع المخافة من الأعداء، والثغر مقدم الأسنان، وقد يطلق على الفم جميعًا، وعورات الثغور أشدها مخافة، قال تعالى حكاية عن قول المنافقين: ﴿يقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارًا﴾ والعورة في الأصل الخلل، ومدينة معورة
[ ٢ / ٩٠ ]
إذا كان فيها مكان يتخوف منه، والعورة سوءة الإنسان، وكل ما يستحيا منه عند ذوي الألباب.
معنى البيت مرتبط بالبيت التالي تأمل.
الإعراب. حتى: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش في مثل هذا الموضع جارة لإذا. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. ألقت: فعل ماض شرط إذا مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه. يدا: مفعول به، وجملة (ألقت) بذا في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا في البيت التالي. في كافر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة يدا، وأصل الكلام (يدًا في يد كافر) فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. الواو: حرف عطف. أجن: فعل ماض. عورات: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وعورات مضاف والثغور مضاف إليه. ظلامها: فاعل أجن، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (أجن إلخ) معطوفة على جملة (ألقت الخ) فهي في محل جر مثلها.
٦٦ - أسهلت، وانتصبت كجذع منيفةٍ جرداء يحصر دونها جرامها
المفردات. أسهلت: نزلت من مرقبتي إلى السهل. انتصبت: رفعت عنقها من نشاطها ومرحها، ولم تكسره. كجذع منيفة: أي كجذع نخلة منيفة، أي طويلة مشرفة، والجذع ساق النخلة، وجمعه جذوع وأجذاع. جرداء: قد انجردت من سعفها وليفها. يحصر: بفتح الصاد وضمها، وجوز الكسر أيضًا، فهو بمعنى يضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿أو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ وقد أحصر الرجل إذا أصابه أمر منعه من المضي فيما يريد، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن
[ ٢ / ٩١ ]
أحصرتم فما استيسر من الهذي﴾ أي منعتم من دخول مكة لإتمام فريضة الحج، وأراد بيحصر هنا يكل ويضجر أو الكلام على حذف مضاف انظر المعنى. دونها: انظر البيت رقم - ٧٦ - من معلقة أمرئ القيس. جرامها: قطاعها، والفعل جرم الشيء يجره إذا قطعه، وجرم النخل ونحوه قطف ثمره.
المعنى يقول: لما غربت الشمس، وأقبل الليل بظلامه نزلت من المرقب، وأتيت مكانًا سهلًا، وقد رفعت فرسي عنقها من شدة نشاطها ومرحها كجذع نخلة طويلة تضيق صدور الذين يريدون قطف حملها لعجزهم وضعفهم عن ارتقائها، أو المعنى يكلون ويضعفون عن إتمام قطافها.
الإعراب. أسهلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب إذا في البيت السابق لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. انتصبت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الفرس المذكورة في البيت - ٦٣ - . كجذع: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولًا مطلقًا، والتقدير: انتصبت انتصابًا كائنًا كانتصاب جذع نخلة، وجذع مضاف ومنيفة مضاف إليه، وهي صفة لموصوف محذوف كما رأيت. جرداء: صفة ثانية للموصوف المحذوف مجرور؛ وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف الألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. يحصر: فعل مضارع. دونها: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. جرامها: فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، وجملة (يحصر دونها جرامها) صالحة للوصفية والحالية من النخلة المحذوفة كما في قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٦٧ - رفعتها طرد النعام، وفوقه حتى إذا سخنت، وخف عظامها
المفردات. رفعتها: أي جعلتها تسرع في سيرها. طرد النعام: عدوه،
[ ٢ / ٩٢ ]
والطرد بفتح الراء وسكونها لغتان جيدتان، وانظر النعام في البيت رقم - ٧٠ - من معلقة أمرئ القيس. فوقه: أي فوق الطرد، ويروي مكانه (وشله) والشل والشلل الطرد أيضًا. سخنت: بفتح الخاء وضمها وكسرها، ومضارع الأول والثاني بضمها ومضارع الثالث بفتحها، وسخنت مأخوذ من قولهم: سخنت عين الرجل، وهو من التمثيل كأنها سخنت من الدمع. خف عظامها: قيل: معناه كثر عرقها وخفت عظامها، وقيل: معناه أسرعت كما تقول: خف فلان بحاجتي، ولم يؤنث الفعل (خف) لأن عظامها غير مؤنث حقيقي كما هو معروف.
المعنى يقول: جعلت فرسي تسرع في سيرها إسراعًا مثل إسراع النعام في ركضه حتى إذا جدت في الجري وأسرعت في السير اضطربت رحالتها على ظهرها من إسراعها في جريها، وسال نحرها عرقًا، وابتل حزامها من ذلك العرق.
الإعراب. رفعتها: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. طرد: مفعول مطلق لفعل محذوف. مثل أقبل زيد ركضًا، وطرد مضاف، والنعام مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. الواو: حرف عطف. فوقه: ظرف مكان متعلق بفعل محذوف لدلالة ما قبله عليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية المقدرة معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. حتى: حرف ابتداء، وانظر البيت رقم - ٦٥ - إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. سخنت: فعل ماض شرط إذا، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الفرس، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب إذا في البيت التالي. الواو: حرف عطف. خف: فعل ماض. عظامها: فاعل، وها: ضمير
[ ٢ / ٩٣ ]
متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
٦٨ - قلقت رحالتها، وأسبل نحرها وابتل من زبد الحميم حزامها
المفردات. قلقت: اضطربت من شدة السير، والقلق الانزعاج وعدم الاستقرار. الرحالة: سرج كان يصنع من جلود الغنم بأصوافها يتخذ للجري الشديد. أسبل نحرها: سال بالعرق. الزبد: ما يعلو الماء ونحوه من الرغوة. في الحميم: أراد به العرق، والحميم القريب الذي تهتم بأمره والصديق أيضًا، قال تعالى: ﴿ولا يسأل حميم حميمًا﴾ وذلك في يوم القيامة، والحميم أيضًا الماء الحار، قال تعالى: ﴿فشارون عليه من الحميم﴾ وذلك في يوم القيامة أيضًا. الحزام للدابة بمنزلة النطاق للإنسان، ومعنى البيت ذكر في البيت السابق.
الإعراب. قلقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. رحالتها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب إذا في البيت السابق لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. أسبل: فعل ماض. نحرها: فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. ابتل: فعل ماض. من زبد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وزبد مضاف والحميم مضاف إليه. حزامها: فاعل ابتل، وها: في محل جر بالإضافة؛ وجملة (ابتل .. الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا.
٦٩ - ترقى وتطعن في العنان، وتنتحي ورد الحمامة، إذ أجد حمامها
المفردات. ترقى: تصعد، وأراد ترفع رأسها فكأنها تصعد. تطعن: تعتمد في العنان كما يعتمد الطاعن، ولا تنس أن تطعن بضم العين في
[ ٢ / ٩٤ ]
المضارع، وكذا كل ما هو حسي، وأما المعنوي كيطعن في النسب فبفتح العين، والعنان بكسر العين سير اللجام، والجمع أعنة وعنن، وشركة العنان معروفة في الفقه. تنتحي: تعتمد وتقصد. الحمامة: أراد القطاة، ويريد بالحمام هنا الجماعة، لأنه يقال للذكر والأنثى حمامة، ولا يقال للذكر: حمام لئلا يشبه الجمع، فإن أردت أن تبين قلت: رأيت حمامة ذكرً، وحمامة أنثى هذا والحمام عند العرب كل ذي طوق من الفواخت والقماري وساق حر والقطا والدواجن والوارشين وأشباه ذلك، وورد الحمامة، أي ورودها الماء، فهي أسرع ما تكون في تلك الحالة فهو يشبه فرسه بالحمامة في تلك الحالة، وتجمع الحمامة على حمامات وحمائم أيضًا. أجد: أسرع في الطيران.
المعنى يقول: إن الفرس ترفع عنقها في سيرها كأنها تطعن بعنقها في عنانها، وهي تسرع في جريها الذي يشبه سرعة الحمام في طيرانه عندما يقصد الماء، وهو عطشان، وهو في تلك الحالة أسرع ما يكون.
الإعراب. ترقى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الفرس المذكورة في الأبيات السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: حرف عطف. تطعن: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. في العنان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. تنتحي: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها أيضًا. ورد: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، هو ترقى أو تطعن أو تنتحي، وورد مضاف والحمامة مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. إذ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل تنتحي مبني على السكون في محل نصب. أجد: فعل
[ ٢ / ٩٥ ]
ماض. حمامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها.
٧٠ - وكثيرة غرباؤها مجهولة ترجي نوافلها، ويخشى ذامها
المفردات. كثيرة: صفة لموصوف محذوف، وقد اختلف في هذا المحذوف، فقيل: هو خطة وأراد بغرباؤها أنه قد جهل القضاء فيها، وجهلت جهاتها، وقيل: المعنى: وحرب كثيرة غرباؤها وجعلها كثيرة الغرباء لما يحضرها من ألوان الناس، وجعلها مجهولة، العالم والجاهل يجهلان عاقبتها، وقيل: المعنى وجماعة كثيرة غرباؤها، وقيل: إنما يريد قبة النعمان، وجعلها كثيرة الغرباء لاجتماع الناس عندها، وجعلها مجهولة لأن بعضهم لا يعرف بعضًا إلا بالسؤال، وقيل: يريد وأرض كثيرة غرباؤها، أي أرض يضل بها من يسلكها إذا جهل طرقها.
وإنما وقع الاختلاف في المعنى لأنه أقام الصفة مقام الموصوف، فاحتمل هذه المعاني إلا أن الأشبه بما يريد الجماعة لأن بعد هذا البيت (أنكرت الخ) البيت - ٧٢ - الآتي، وإقامة الصفة مقام الموصوف في مثل هذا قبيح لما يقع فيه من الإشكال، ألا ترى أنك لو قلت: مررت بجالس كان قبيحًا، ولو قلت: بظريف كان حسنًا. ترجى: من رجا الشيء أمله وطمع فيه، فهو ضد يئس، وقد يكون الرجاء بمعنى الخوف قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون الله وقارًا﴾ أي لا تخافون عظمة الله، وقال أيضًا جل ذكره: ﴿من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم﴾ وقال الهذلي في صفة عسال:
إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل
بمعنى لم يخف لسعها. النوافل: جمع نافلة، وهي الغنيمة والكسب،
[ ٢ / ٩٦ ]
وتجمع النافلة أيضًا على نافلات، والأنفال في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ جمع نفل، ونافلة العبادة المطلوب فعلها زيادة على الفرائض من صوم وصلاة، وحج وزكاة. يخشى: انظر البيت رقم - ١٠٨ - من معلقة طرفة ذامها. عيبها، يقال: ذممت الرجل أذمه ذمًا، وذمته أذيمه نيما، وذامته أذامه ذأمًا.
المعنى يقول: رب حرب أو خطة أو جماعة، أو قبة كثرت غرباؤها وغاشيتها، وجهلت أي لا يعرف بعض الغرباء بعضًا ترجى عطاياها ويخشى عيبها، قال الزوزني: يفتخر بالمناظرة التي جرت بينه وبين الربيع بن زياد العبسي في مجلس النعمان بن المنذر ملك العرب، وهي التي ذكرتها في الكلام عن حياة لبيد ﵁.
الإعراب. الواو: واو رب. كثيرة: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وكثيرة صفة لموصوف محذوف كما رأيت. غرباؤها: فاعل بكثيرة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. مجهولة: صفة ثانية للموصوف المحذوف. ترجي: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. نوافلها: نائب فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (ترجي نوافلها) في محل رفع خبر المبتدأ المجرور لفظًا برب المقدرة بعد الواو، وإن اعتبرتها صفة ثالثة للموصوف المحذوف، فالخبر محذوف تقديره موجودة. الواو: حرف عطف. يخشى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع الخ. ذامها: نائب فاعل، وها: في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.
[ ٢ / ٩٧ ]
٧١ - غلب تشذر بالذحول كأنها جن البدي رواسيًا أقدامها
المفردات. غلب: غلاظ الأعناق كأنها فحول غلب. تشذر: يتهدد بعضهم بعضًا ويتوعده، وقيل: التشذر رفع اليد ووضعها لأنهم كانوا يفعلون ذلك إذا تفاخروا وتثالبوا، والتشاذر نظر بعضهم إلى بعض بمآخير أعينهم، ومنه قولهم: نظر إليه شذرًا، وتشذر أصله تتشذر حذفت منه تاء المضارعة كما رأيت في البيت رقم - ٢٥ - من معلقة أمرئ القيس. الذحول: جمع ذحل، وهو الحقد. الجن: خلق خلقهم الله من نار يروننا ولا نراهم، لذلك سموا الجن من الاجتنان، وهو التغطية والستر كما رأيت في البيت - ٦٥ - فمنهم المؤمن، ومنهم الكافر وكافرهم إذا ازداد عتوًا سمي ماردًا، وإذا ازداد أكثر فأكثر سمي شيطانًا، وإن أردت الزيادة في الكلام عليهم فانظر الكتب المتعلقة بهم. البدي: البادية، وقيل: هو موضع، وقيل: هو واد لبني عامر. رواسيا: ثوابتا، قال تعالى: ﴿أمن جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا، أإله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون﴾.
المعنى يقول: إن الغرباء، وأراد بهم الوفود في البيت السابق، أو أراد بهم خصومه رجال غلاظ الأعناق كالأسود يهدد بعضهم بعضًا ويتوعده بسبب الأحقاد التي بينهم، فهم شبيهون بجن البادية، ثابتون لا يتزحزحون عند مخاصمتهم وجدالهم، فهو يمدح خصومه لأنه كلما كان الخصم أقوى وأشد كان قاهره وغالبه أقوى وأشد.
الإعراب. غلب: صفة أخرى للموصوف المحذوف المجرور برب في البيت السابق، ويجوز في العربية رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي أو هم غلب. تشذر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، أو
[ ٢ / ٩٨ ]
هي في محل جر صفة أخرى له على نحو ما رأيت في جملة (ترجي نوافلها) في البيت السابق. بالذحول: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. جن: خبرها، وهو مضاف والبدي مضاف إليه، وجملة (كأنها جن البدي) في محل نصب حال من فاعل تشذر المستتر. رواسيا: حال من جن البدي، والعامل في الحال كأن لما فيها من معنى الفعل، وصرف (رواسي) لضرورة الشعر، إذ حقه المنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. أقدامها: فاعل برواسي لأنه جمع اسم فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٧٢ - أنكرت باطلها، وبؤت بحقها يومًا، ولم يفخر علي كرامها
المفردات. أنكرت باطلها: لم أعترف بما فخر به الوفود من الباطل، والباطل ضد الحق، والحق واحد، وأما الباطل فله أنواع كثيرة وفروع عديدة، قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإني تصرفون؟﴾ بؤت: رجعت وانصرفت، قال الرسول ﷺ: باء طلحة بالجنة، وقيل: معناه اعترفت، وفي الدعاء أبوء لك بالنعمة، أي أقر وأعترف. يومًا: انظر البيت رقم - ٥ - من معلقة أمرئ القيس، ويروى مكان (يوما) (عندي) وهذا يؤيد المعنى الثاني لبؤت. الفخر: الارتفاع والتعظيم، يقال: دار فاخرة، أي مرتفعة عظيمة، وناقة فخور، أي عظيمة الضرع. كرام: انظر البيت رقم - ٥٢ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: لم أعترف بما فخر به أولئك الرجال الغلاظ الأعناق من الباطل، ولم أنكر ما كان منها حقًا عندي، ولم يغلبني بالمفاخرة كرامها وشرفاؤها.
الإعراب. أنكرت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية يجوز فها ما جاز
[ ٢ / ٩٩ ]
بالجملة الفعلية (ترجي نوافلها) في البيت رقم - ٧٠ - والاستئناف ممكن. وذلك بالإعراض عما قبل البيت، باطلها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. بؤت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. بحقها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. يومًا: ظرف زمان متعلق بالفعل يفخر الاتي، وأما (عندي) على الرواية الثانية فهو ظرف مكان متعلق بحقها لأنه مصدر تأمل المعنى جيدًا، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يفخر: فعل مضارع مجزوم بلم. علي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما: كرامها: فاعل يفخر، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (لم يفخر الخ) معطوفة على جملة (أنكرت باطلها) والحالية ممكنة من الضمير المجرور محلًا بالإضافة، والرابط الواو والضمير.
٧٣ - وجزور أيسار دعوت لحتفها بمغالق متشابه أجسامها
المفردات. الجزور: هي الناقة التي تشترى للذبح، وجمعها جزائر وجزر. أيسار: جمع يسر وياسر، وهو الذي يضرب بالقداح، والميسر القمار؛ وكانوا يتفاخرون به في الجاهلية لأنهم كانوا يطعمون ما يكسبونه للفقراء والمحاويج، وقد افتخر به طرفة في البيت رقم - ١١٠ - وعنترة في البيت - ٦٩ - الحتف: الموت أو محله، وانظر البيت - ٥١ - وأراد دعوت لنحرها وذبحها. المغالق: هي سهام القمار الواحد مغلق ومغلاق، وإنما سميت مغالق لأنه يجب بها غلوق الرهن. متشابه أجسامها: يشبه بعضها بعضًا، وهي على قدر واحد. ويروى (أعلامها) مكان أجسامها، وهي العلامات، واحدها علم.
[ ٢ / ١٠٠ ]
المعنى يقول: ورب ناقة أصحاب ميسر دعوت ندمائي لنحرها وذبحها بقداح يشبه بعضها بعضًا، قال بعض الأئمة يفتخر بنحره إياها من صلب ماله لا من كسب قماره، والأبيات التي بعده تدل عليه، والأبيات التي بعده تدل عليه، وإنما أراد السهام ليقرع بها بين إبله أيها ينحر للندماء.
الإعراب. الواو: واو رب. جزور: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وجزور مضاف وأيسار مضاف إليه. دعوت: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، التقدير: دعوتها، والجملة الفعلية في محل جر صفة جزور، والخبر محذوف تقديره موجودة، ويجوز اعتبار (جزور) مفعولًا مقدمًا لدعوت، فيكون منصوبًا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة الخ. لحتفها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بمغالق: جار ومجرور متعلقان بالفعل دعوت، وصرف مغالق لضرورة الشعر، إذ حقه المنع لصيغة منتهى الجموع. متشابه: صفة مغالق. أعلامها: فاعل بمتشابه، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٧٤ - أدعو بهن لعاقر، أو مطفل بدلت لجيران الجميع لحامها
المفردات. بهن: بهذه المغالق، أي المذكورة في البيت السابق. العاقر: الناقة التي لا تلد، ولم تلحق الهاء عاقر لأنها إنما تلحق للفرق بين المذكر والمؤنث، فما لا يكون للمذكر لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث مثل حائض وحامل وطالق، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، هذا قول أهل البصرة: هذا غير مستمر لأن العرب تقول: رجل أيم وامرأة أيم، ورجل عانس وامرأة عانس مع الاشتراك؛ وقالوا: امرأة مصبية وكلبة مجرية مع الاختصاص، قالوا: والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل وطالق
[ ٢ / ١٠١ ]
وحائض ونحوها أوصاف مذكرة وصف بها الإناث كما أن الربعة والراوية والخجأة أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور اهـ مختار الصحاح -ولا تنس قوله تعالى حكاية عن قول زكريا على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام (وكانت امرأتي عاقرًا) وانظر ما ذكرته في مرضع في البيت رقم -٢٣ - من معلقة امرئ القيس-. مطفل: الناقة معها ولدها، ويقال بلحاق الهاء له مثل سابقه، والعاقر من النوق أسمن والمطفل أغلى. البذل: العطاء والجود، وأراد فرق لحمها. الجيران: جمع جار، وهو المجاور لك في المسكن، أو في المتجر، أو في الحقل، ويطلق على الشريك في العقار والخفير والمستجير والحليف والناصر، وجيران جمع كثرة، وجمع القلة جيرة، ويروى (لجيران العشي) أي لمجالسنا بالعشي. لحامها: جمع لحم، يقال. لحم وألحم ولحمان ولحام، ورجل لحيم شحيم، إذا كان كثير اللحم والشحم، ورجل لا حم شاحم، إذا كثر عنده اللحم والشحم، ورجل لحم شحم، إذا كان قرمًا إلى اللحم والشحم، هذا ويجمع اللحم على لحوم أيضًا، قال تعالى في الأضاحي: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم).
المعنى يقول: أضرب بالقداح بين النياق لاستخراج ناقة لا تلد، أو لاستخراج ناقة ذات ولد تذبح، ويفرق لحمها بين جميع الجيران.
الإعراب. أدعو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بهن: جار ومجرور متعلقات بالفعل قبلهما. لعاقر: جار ومجرور متعلقان بالفعل أدعو أيضًا، وعاقر صفة لموصوف محذوف. أو: حرف عطف. مطفل: معطوف على عاقر، وهو أيضًا صفة لموصوف محذوف. بذلت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. لجيران: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجيران مضاف والجميع مضاف إليه. لحامها: نائب
[ ٢ / ١٠٢ ]
فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (بذلت الخ) في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٧٥ - فالضيف والجار الغريب كأنما هبطا تبالة مخصبًا أهضامها
المفردات. الضيف: أراد به النازل غير المقيم. الجار: انظر البيت السابق. الغريب: ويروى مكانه الجنيب وهو بمعنى الغريب، وهما بمنزلة الجانب والجنب، قال تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ هبطا: نزلا، قال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعًا﴾ وقال جل ذكره: ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدو﴾ تبالة: اسم موضع قريب من الطائف، يقال: إنه كثير الخصب، وقال الزوزني والصاغاني: واد، أو بلدة باليمن مخصبة، وفي المثل (أهون من تبالة على الحجاج) وكان عبد الملك بن مروان قد ولاه إياها، فلما أتاها استحقرها فلم يدخلها، وقيل: إنه قال للدليل حين قرب منها: أين هي؟ قال: تسترها عنك هذه الأكمة، فقال: أهون علي بعمل تستره عني أكمة، ورجع من مكانه، وفي مثل آخر: (ما حللت تبالة لتحرم الأضياف) أي إن الله لم يخولك هذه النعمة إلا لتجود على الناس. اهـ بغدادي. مخصب: اسم فاعل من أخصب الوادي ونحو إذا كثر كلؤه وخيره. أهضام. جمع هضم، وهو أرض منخفضة فيها نخل كثير.
المعنى يقول: الأضياف والجيران الغرباء إذا نزلوا عندي وحلوا بجواري كأنهم نازلون وادي تبالة في حالة كثرة نبات أماكنه المطمئنة شبه إكرامه للأضياف والجيران بخصب هذا الوادي أيام الربيع.
[ ٢ / ١٠٣ ]
الإعراب. الفاء: حرف تفريع. الضيف: مبتدأ. الواو: حرف عطف. الجار: معطوف على سابقه. الغريب: صفة الجار. كأنما: كافة ومكفوفة. هبطا: فعل ماض، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل. تبالة: يجوز فيه ما جاز بالاسم الواقع بعد نزل ودخل وسكن انظر البيت رقم -١٨ - من معلقة امرئ القيس، وجملة (كأنما هبطا تبالة) في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه. مخطبًا: حال من تبالة. أهضامها: فاعل بمخصبا، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (الضيف الخ) لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة.
٧٦ - تأوي إلى الأطناب كل رذية مثل البلية، قالص أهدامها
المفردات. تأوي: تلجأ، ويروي بالياء والتاء، فالأول على معنى كل، والثاني على معنى المضاف إليه، وهي رذية. الأطناب: حبال البيت، واحدها طنب، وأراد البيت نفسه. الرذية: هي في الأصل الناقة المهزولة التي قد تركت لهزالها، وأراد بها المرأة التي أرذاها أهلها، أي ألقوها مثل الأرملة التي لا كافل لها ونحوها. البلية: هي الناقة يموت صاحبها، فيشد وجهها بكساء، وتربط عند قبره لا تطعم ولا تسقى حتى تموت. القالص: المرتفع. الأهدام: جميع هدم، وهو البالي من الثياب: وانظر شرح المثل في البيت رقم -٤٤ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: تلجأ إلى بيتي كل امرأة مسكينة ضعيفة لا كافل لها، ثيابها قصيرة بالية لما بها من الفقرة والمسكنة، وقد شبهها بالبلية في قلة تصرفها وعجزها عن الكسب وامتناع الرزق عنها.
الإعراب. تأوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل. إلى الأطناب: جار ومجرور متعلقان بالفعل
[ ٢ / ١٠٤ ]
قبلهما. كل: فاعل، وهو مضاف وردية مضاف إليه. مثل: صفة رذية، ومثل مضاف والبلية مضاف إليه. قالص: صفة ثانية لرذية. أهدامها: فاعل بقالص، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (تأوي الخ) مستأنفة لا محل لها-.
٧٧ - ويكللون إذا الرياح تناوحت خلجًا تمد شوارعًا أيتامها
المفردات. يكللون: التكليل: وضع اللحم متراكمًا بعضه على بعض فوق الجفان. الرياح: انظر أنواعها في البيت رقم -٢ - من معلقة امرئ القيس. تناوحت: قابل بعضها بعضًا، وذلك يكون في الشتاء، ومنه النوائح سميت بذلك لأن كل واحدة تقابل صاحبتها. خلجا: جمع خليج، وهو في الأصل ما امتد من البحر في البر، وأراد بخلجًا جفانًا مثل الخليج. تمد: يزاد فيها. شوارعا: أي يشرعون بالأكل منها. أيتامها: جمع يتيم، وهو من الحيوان من فقد أمه ومن بني آدم من فقد أباه كما يقال لفاقد الأم أيضًا يتيم وأسوأ منهما من فقد أباه وأمه، وهناك يتيم العقل والأدب والتربية والخلق والدين، وهو أسوأ حالًا من الأول، وإن كان بالغًا من العمر الستين والسبعين، ويملك من الأموال الملايين، ولله در القائل:
ليس اليتيم الذي قد مات والده إن اليتيم يتيم العلم والأدب
وهناك يتيم يرى أبويه على قيد الحياة، ولكنهما لا يعيرانه انتباهًا، ولا يحيطانه بالعطف والحنان، وغنما هما مشغولان عنه باقتطاف ملذات الدنيا وشهواتها الدنيئة، ولله در القائل:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلًا
إن اليتيم هو الذي تلقى له أمًا تخلت أو أبًا مشغولًا
[ ٢ / ١٠٥ ]
المعنى يقول: ونضع اللحم متراكمًا بعضه على بعض فوق جفان كالخليج في وقت اشتداد البرد، واختلاف الرياح يتناول طعامها الفقراء والأرامل واليتامى وذوو الحاجة، ولا تنس ما في البيت من الالتفات بالنسبة لما قبله، وذلك من التكلم إلى الغيبة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. يكللون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. إذا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله مبني على السكون في محل نصب. الرياح: فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. تناوحت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الرياح، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وهذا الإعراب إنما هو على طريقة البصريين، وانظر إعراب الكوفيين في البيت رقم -٣٣ - من معلقة امرئ القيس. خلجا: مفعول به للفعل يكللون، وانظر شرح المفردات. تمد: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى خلجًا، والجملة الفعلية صفة خلجًا. شوارعا: حال من الضمير المستتر في تمد، وقيل: صفة ثانية لخلجًا، وجوده ابن كيسان، ونون شوارع لضرورة الشعر، إذ حقه المنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، أيتامها: فاعل بشوارعا، وها -ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يكللون الخ) مستأنفة لا محل لها-.
٧٨ - إنا إذا التقت المجامع لم يزل منا لزاز عظيمة جشامها
المفردات. غنا: ويروى مكانه (كنا) قال ابن كيسان: (إنا) أبلغ في المدح من كنا. المجامع: ويروى مكانه (المحافل) اللزاز: هو الذي يلزم الشيء
[ ٢ / ١٠٦ ]
ويعتمد عليه فيه، ومنه سميت الخشبة التي يشد بها الباب لزازًا، وهي المترس. الجشام: المكتلف للأمور القائم بها، وروى الأصمعي (جسامها) بالسين، أي ركاب معظمها كما يروى (حسامها) بمعنى قطاعها، يقال: قد حسمت هذا الأمر: أي قطعته، وانظر حسام في البيت رقم -٨٦ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إذا اجتمع الناس للفخار، أو لعظيم من الأمر كان الذي يقوم بذلك، ويحكمه منا.
الإعراب. إنا: حرف مشبه بالفعل، ونا: ضمير متصل في محل نصب اسمها، وحذفت النون للتخفيف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب.
التقت: فعل ماض شرط إذا مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة المحركة بالكسرة لالتقاء الساكنين أيضًا. المجامع: فاعل، وجملة (التقت المجامع) في محل جر بإضافة إذا إليها.
لم: حرف نفي وقلب وجزم. يزل: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم. منا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر مقدم. لزاز: اسم يزل مؤخر؛ وهو صفة لموصوف محذوف، ولزاز مضاف وعظيمة مضاف إليه، إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. جشامها: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، وجملة (لم يزل .. الخ) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية (إنا .. الخ) لا محل لها لأنها مستأنفة.
٧٩ - ومقسم يعطي العشيرة حقها ومغذمر لحقوقها هضامها
[ ٢ / ١٠٧ ]
المفردات. مقسم: يعطي ويقسم بالعدل وغيره. العشيرة: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. مغذمر: قال الأصمعي: المغذمر الذي يضرب بعض حقوق الناس ببعض، فيأخذ من هذا ويعطي هذا، وقال أبو عبيدة: هو الذي لا يعصى أمره ولا يرد قوله، وقيل: المغذمر هو الذي يعطي الشيء، ولا يلتفت إليه، ولا يبالي به-. الهضام: هو الذي ينقص قومًا ويعطي قومًا بتدبير، وقد وثق في ذلك، وأصل الهضم الكسر، يقال/ أهضم له من حقك أي اكسر له، ومن ثم قيل: رجل هضوم الشتاء، أي يكسر ما له في الشتاء، ومنه هضيم الحشا، وفي الأرض هضوم، أي مطمأنات، قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾.
المعنى يقول: وفينا أو ومنا مقسم يقسم الغنائم، فيوفر على العشائر حقوقها، ويغضب عند إضاعة شيء من حقوقها ويهضم حق نفسه، ومنا السيد الذي يملك أمور القوم جبرًا وهضمًا في أوقاتها على اختلافها، فإن أساؤا هضم حقهم، وإن أحسنوا غضب من أجلهم.
الإعراب. الواو: حرف عطف. مقسم: مبتدأ خبره محذوف تقديره منا، والجملة الاسمية هذه معطوفة على الجملة الفعلية (لم يزل .. الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها، وجوز عطفه على (لزاز) في البيت السابق عطف مفرد على مفرد، والمعنى على الأول أقوى، ومقسم صفة لموصوف محذوف. يعطي: فعل مضارع مرفوع، ولعامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف. العشيرة: مفعول به أول. حقها: مفعول به ثان، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يعطي الخ) في محل رفع صفة ثانية للموصوف المحذوف. الواو: حرف عطف. مغذمر: يجوز فيه ما جاز بمقسم، وهو أيضًا
[ ٢ / ١٠٨ ]
صفة لموصوف محذوف. لحقوقها: جار ومجرور متعلقان بمغذمر. هضامها: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه.
٨٠ - فضلًا، وذو كرم يعين على الندى سمح كسوب رغائب غنامها
المفردات. فضلًا: يفعل ذلك تفضلًا من غير وجوب عليه. ذو كرم: صاحب شرف وقدر رفيع. الندى: الجود والعطاء، ويروى مكانه (العلا) وهو رفعة القدر وعلو الشأن. سمح: سهل الأخلاق. كسوب: مبالغة كاسب. رغائب: جمع رغيبة، وهي ما يرغب فيه من شيء نفيس، أو خصلة شريفة ونحوهما. غنام: مبالغة غانم.
المعنى يقول: إن السيد المذكور في البيت السابق يفعل ذلك تفضلًا منه، ومنا كريم يعين أصحابه على الكرم يعين أصحابه على الكرم سمح الأخلاق يكسب رغائب المعالي ويغتنمها.
الإعراب. فضلا: حال من فاعل يعطي في البيت السابق، أو هو مفعول لأجله، وإن اعتبرت العامل محذوفًا، التقدير: يفعل ذلك فضلًا فلست مفندًا. الواو: حرف عطف. ذو: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعة الواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، والخبر محذوف تقديره: وفينا .. الخ وقال آخرون: هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: وهو ذو كرم، وجوز عطفه على لزاز في البيت -٧٨ - وذو مضاف وكرم مضاف إليه، وذو كرم صفة لموصوف محذوف. يعين: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف. على الندى: متعلقان بالفعل قبلهما. سمح: خبر لمبتدأ محذوف. كسوب: خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، وكسوب مضاف ورغائب مضاف إليه من إضافة
[ ٢ / ١٠٩ ]
اسم الفاعل لمفعوله، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع لصيغة منتهى الجموع، وفاعل كسوب ضمير مستتر فيه. غنامها: خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، ويجوز أن يكون هو وسابقه من تعدد الخبر، وها: في محل جر بالإضافة من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه.
٨١ - من معشر سنت لهم آباؤهم ولكل قوم سنة وإمامها
المفردات. معشر: اسم جمع لا واحد له من لفظه مثل نفر ورهط وقوم. السنة: الطريقة قد تكون حسنة وقد تكون سيئة. فهنيئًا لمن سن سنة حسنة، وويل لمن سن سنة سيئة، وسنة الله في خلقه أن ينصر الحق وأهله وأن يبيد الباطل وأهله، قال تعالى: ﴿سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلًا﴾ وقال: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا﴾ قوم: انظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. الإمام: المثال، وهو أيضًا الرجل الذي يقتدى به، قال تعالى مبينًا طلب المؤمنين: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعينٍ واجعلنا للمتقين إمامًا﴾ والإمام الكتاب والرسول قال تعالى: ﴿يوم ندعوا كل أناسٍ بإمامهم﴾ والإمام الطريق الذي يؤتم به، قال تعالى: ﴿وإنهما لبإمامٍ مبينٍ﴾.
المعنى يقول: ممدوحة من قوم سنت لهم آباؤهم أفعال الكرم والجود وكسب الأفعال المجيدة، ثم قال: ولكل قوم سنة، وإمام يؤتم به في فعل الخير وصنائع المعروف ..
الإعراب. من معشر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقدير هو، أو هما متعلقان بفعل محذوف، تقديره ورثنا هذه الأفعال من معشر. سنت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. لهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم حرف دال على جمع الذكور. آباؤهم: فاعل
[ ٢ / ١١٠ ]
سنت، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف انظر المعنى، وجملة (سنت الخ) في محل جر صفة معشر. الواو: تحتمل العطف والاستئناف والحالية. لكل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وكل مضاف وقوم مضاف إليه. سنة: مبتدأ مؤخر. الواو: حرف عطف. إمامها: معطوف على سابقة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية (لكل الخ) لا محل لها على العطف والاستئناف، وفي محل نصب حال على الرأي الثالث من آباؤهم، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾.
٨٢ - إن يفزعوا تلق المغافر عندهم والسن يلمع كالكواكب لامها
هذا البيت تفرد التبريزي بروايته.
المفردات. يفزعوا: الفزع في الأصل الخوف والذعر، تقول: فزع إليه وفزع منه كلاهما من باب طرب، ولا تقل: فزعه، والمفزع بوزن المجمع الملجأ، وفلان مفزع للناس يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، أي إذا دهمهم أمر فزعوا إليه، والفزع أيضًا الإغاثة، وهو المراد هنا، قال النبي ﷺ للأنصار: (إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع) اهـ مختار الصحاح، والإفزاع الإخافة والإغاثة أيضًا، وهذا يعني أن هذه المادة من الأضداد. تلقى: توجد. المغافر: جمع مغفر، وهو زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. السن: أراد الأسنة، جمع سنان. لامها: جمع لأمة بهمزة وغيره، وهي الدرع، وفي غزوة أحد، قال الرسول ﷺ: (لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته، فيضعها حتى يقاتل).
المعنى يقول: إن النفر المذكورين في البيت السابق إن هبوا لإغاثة من يستجير بهم تجد المغافر موجودة عندهم؛ وتجد الأسنة كذلك عندهم حال
[ ٢ / ١١١ ]
كون الدروع تلمع كالنجوم الساطعة في ظلمة الليل البهيم.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. يفزعوا: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف ألف الفارقة، والجملة لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير طرفي-. تلق: بالبناء للمعلوم والبناء للمجهول فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. المغافر: مفعول به، فيكون فاعل (تلق) ضمير مستترًا فيه وجوبًا تقديره أنت، أو هو نائب فاعل (تلق) فيكون مرفوعًا. عندهم: ظرف مكان متعلق بالفعل (تلق) والهاء ضير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (تلق الخ) لا محل لها من الأعراب لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية. الواو: حرف عطف. السن: معطوف على المغافر، فيجوز فيه الرفع والنصب مثله. يلمع: فعل مضارع. كالكواكب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف واقع مفعولًا مطلقًا للفعل يلمع، والتقدير: يلمع لمعانًا كائنًا كلمعان الكواكب، وهذا غير قول سيبويه-. لامها: فاعل يلمع، وهل: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يلمع الخ) في محل نصب حال من واو الجماعة في (يفزعوا) والرابط الضمير العائد بدوره على الواو، والتقدير: لام جماعتها، أي جماعة القوم، وإن اعتبرت الجملة حالًا من السن. فيكون الرابط أيضًا الضمير، ويكون عائدًا عليها للملابسة.
٨٣ - لا يطبعون، ولا يبور فعالهم إذ لا تميل مع الهوى أحلامها
المفردات. لا يطبعون: الطبع تدنس العرض، وتلطخه، يقال: طبع
[ ٢ / ١١٢ ]
السيف إذا دخله مثل الجرب من شدة الصدأ وطبع الرجل فهو طبع إذا أتى عيبًا، يقال: نعوذ بالله من طمع يدني، إلى طبع، أي إلى دنس، قال ثابت بن قطنة:
لا خير في طمع يدني إلى طبع وغفة من قوام العيش تكفيني
هذا والطبع السجية التي جبل عليها الإنسان، والطبع التأثير في الشيء، والطبع الختم على القلب بحيث لا تؤثر فيه الموعظة ولا تجدي معه النصيحة، وكثير في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ البوار: الهلاك، يقال: بار الطعام إذا كسد وهلك، ويقال: نعوذ بالله من بوار الأيم، أي من كسادها، قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانيةً يرجون تجارةً لن تبور﴾ الفعال: بفتح الفاء الكرم والجود، وبكسرها على أنه جميع فعل. تميل: انظر البيت رقم -١٩ - من معلقة امرئ القيس. الهوى: بالقصر ميل النفس إلى ما تحب. وإذا مد فالمراد به ما بين السماء والأرض، وكل خال هواء وقوله تعالى: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ يقال: إنه لا عقول لهم وعن ابن جريج معناه صفر خالية من الخير، ويقال للأحمق وللجبان: قلبه هواء -وانظر البيت رقم -٥٢ - من معلقة امرئ القيس-. الأحلام: المراد به العقول هنا على أنه جمع حلم، وانظر البيت -٥١ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت -٨١ - لا تتدنس أعراضهم بعار، ولا تفسد أفعالهم، بل تذيع وتنتشر فتبقى ابد الهر، لأنهم لا يميلون مع هواهم، بل تتغلب العقول على الهوى.
الإعراب. لا: نافية. يطبعون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل،
[ ٢ / ١١٣ ]
والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة في البيت السابق، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. يبور: فعل مضارع. فعالهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. إذ: حرف تعليل. لا: نافية. تميل: فعل مضارع. مع: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف والهوى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. أحلامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (لا تميل الخ) لا محل لها لأنها تعليلية.
٨٤ - فاقنع بما قسم المليك، فإنما قسم الخلائق بيننا علامها
المفردات. اقنع: أمر من القناعة، وهي الرضا بما قسم الله من الرزق، والفعل قنع بكسر النون يقنع بفتحها لا من قنع بفتح النون إذا سأل وتذلل، وعليه قولهم: والعبد حر إن قنع، والحر عبد إن قع، واسم الفاعل منهما قانع، فهو من الأضداد، وبهما فسر (قانع) من قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾. المليك: هو والملك بمعنى واحد، والجمع ملوك وأملاك، قال تعالى: ﴿إن المتقين في جناتٍ ونهرٍ * في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ﴾ الخلائق: جمع خليقة، وهي السجية والطبع، ويروى (المعايش) العلام: هو الله تعالى، وفي القرآن الكريم: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾.
المعنى يقول: فارض أيها العبد بما قسم الله تعالى؛ فإن الله تعالى قد قسم الأرزاق، والأخلاق في قديم الأزل قال الرسول ﷺ: (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم).
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. اقنع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر
[ ٢ / ١١٤ ]
فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب (بما) الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. قسم: فعل ماض. المليك: فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، إذ التقدير: بالذي قسمه المليك، وإن اعتبرت (ما) مصدرية، فتؤول مع الفعل بمصدر يجر بالباء، والتقدير: بقسمة المليك. الفاء: حرف تعليل، إنما: كافة ومكفوفة. قسم فعل ماض. الخلائق: مفعول به. بيننا: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. علامها: فاعل قسم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (قسم .. الخ) لا محل لها لأنها تعليلية.
٨٥ - وإذا الأمانة قسمت في معشر أوفى بأعظم حظنا قسامها
المفردات. الأمانة: خلق عربي كريم، وقد جاء الإسلام حاثًا عليه، آمرًا بالقيام به، أمارة الإيمان وضده أمارة النفاق، وآيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي العظيم في هذا الشأن أكثر من أن تحصر عدًا. قسم بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد. معشر: انظر البيت رقم -٨١ - أوفى: ارتفع، ويقال: معناه وفي الذي يقسم لنا وأعطانا أعظم الحظ، ويقال: وفيت وأوفيت، قال طفيل الغنوي:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها
أعظم: ويروى مكانه (أفضل) و(أوفر) حظنا: نصيبنا، والحظ ضد النحس، وعليه قول القائل:
لا تطلبن بغير حظ رتبه قلم الأديب بغير حظ مغزل
[ ٢ / ١١٥ ]
سكن السما كان السماء كلاهما هذا له رمح، وهذا أعزل
هذا ويروى (حقنا) قسامها: أراد به المولى جل علاه.
المعنى يقول: وإذا تفاخر الأقوام بأداء الأمانات، فإننا في المحل الأرفع والمكانة العليا في هذه الصفة الجليلة القدر، ولا غرو لأن الله هو الذي خصنا بالقسط الأوفر منها حين قسم الحظوظ من تلك الصفة النبيلة.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. الأمانة: نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده واقع شرطًا لإذا، والفعل المحذوف وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. قسمت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستر فيه تقديره هي يعود إلى الأمانة، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين بحسب ما تفسره، وهذا الإعراب إنما هو على طريقة البصريين، وانظر إعراب الكوفيين في البيت رقم -٣٣ - من معلقة امرئ القيس. في معشر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أوفى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. بأعظم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل الباء حرف جر زائد، وعليه فأعظم مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وأعظم مضاف وحظنا مضاف إليه، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قسامها: فاعل أوفى، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (أوفى الخ) جواب إذا لا محل لها من الأعراب، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
٨٦ - فبنى لنا بيتا رفيعًا سمكه فسما إليه كهلها وغلامها
[ ٢ / ١١٦ ]
المفردات. بنى لنا بيتا: أراد بيت الشرف والعز والسؤدد لا البيت الحقيقي كما يظهر؛ والفاعل هو الله تعالى كما ترى هذا وروى التبريزي والأنباري البيت بعد رقم -٨٣ - وقال التبريزي: فبنى، يعني الإمام، كما رواه بلفظ (فبنوا) وقال: يعني الآباء، وأرى أن روايته هنا أجود معنى وأتم سبكًا. السمك: الارتفاع والسمك السقف، أو هو من أعلى البيت إلى أسفله، قال تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها﴾ وقال الأنباري: سمكه شرفه. سما: من السمو، وهو الارتفاع والعلو. الكهل: هو الذي جاوز الثلاثين من عمره، والأنثى كهلة، فيقال: اكتهل الرجل صار كهلًا، ولا يقال: كهل، ودون الكهل الشاب، ودونه الغلام، والضمير المجرور بالإضافة يعود إلى العشيرة، وانظر -شرح الغلام في البيت رقم -٦٨ - من معلقة امرئ القيس-.
المعنى يقول: إن الله تعالى بنى لنا بيت شرف عالي السقف راسخ الأساس، فتطلع إلى ذلك الشرف أبناء العشيرة جميعهم، شيبهم وشبابهم، كهولهم وغلمانهم.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. بنى: فعل ماضي مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الله تعالى المعبر عنه بقسام الحظوظ في البيت السابق، أو بالمليك بسابقه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف كما ترى. لنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بيتا: مفعول به. رفيعًا: صفة بيتًا. سمكه: فاعل برفيعًا لأنه صفة مشبهة؛ والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الفاء: حرف عطف وسبب. سما: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. إليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كهلها: فاعل سما. وغلامها: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وها: فيهما ضمير متصل في
[ ٢ / ١١٧ ]
محل جر بالإضافة، وجملة (سما الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا.
٨٧ - وهم السعادة إذا العشيرة أفظعت وهمو فوارسها، وهم حكامها
المفردات. السعاة: جمع الساعي، وأراد سعاة في الخير من إصلاح بين العشيرة أو غيرها بما يتحملون من الديات وغير ذلك. العشيرة: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. أفظعت: حل بها أمر فظيع ويروى (أقطعت) أي غلبت، والمقطع المغلوب، وقال بعض أهل اللغة: المقطع الذي لا حليلة له ولا قوة.
فوراسها: جمع فارس، وهو شاذ لأن فواعل لا يكون جمعًا لفاعل إلا إذا كان فيه واحد من ثلاثة أمور: أحدها أن يكون اسمًا، نحو كاهل وكواهل وعاتق وعواتق، وثانيها أن يكون صفة لمؤنث عاقل، نحو حائض وحوائض، وطالق وطوالق، أو صفة لمؤنث غير عاقل، نحو ناقة حاسر ونوق حواسر، وثالثها أن يكون صفة لمذكر غير عاقل، نحو فرس صاهل وأفراس صواهل، هذا وكما شذ هذا الجمع الذي هو صفة لمذكر عاقل شذ تسعة ألفاظ من أوصاف العاقلين، فجاءت مجموعة هذا الجمع من غير أن تستحقه قياسًا.
وهي فارس وفوارس، وهالك وهوالك، وغائب وغوائب، وشاهد وشواهد، وحاسر وحواسر، وحاجب وحواجب، وخاطئ وخواطئ، وحاج وحواج، ورافد وروافد، وناكس ونواكس، كلن حسنه في كل ذلك انتفاء الشركة بينه وبين المؤنث، لأنهم يقولون: امرأة فارسة .. الخ، فبعد بهذا عن الصفة، فهو كالاسم، إذ الفرق بين المؤنث والمذكر بالتاء إنما يكون في الصفات، وأراد بقوله: هم فوارسها، أي الذين يمنعون العشيرة ويحمونها من أعدائها، وأراد بقوله: هم حكامها، أي الذين يرجع إلى رأيهم، ويقبل
[ ٢ / ١١٨ ]
قولهم، ولا يرد فيما أصدروه وأوردوه.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت رقم -٨١ - إذا أصاب العشيرة أمر عظيم سعوا بدفعه وكشفه، وهم الذين يمنعون العشيرة ويحمونها من أعدائها، وهم حكامها عند تخاصمها يقبل قولهم، ولا يرد فيما أصدروه وأوردوه، وهو يريد رهطه الأدنين.
الإعراب. الواو: ويروى بالفاء، وكلاهما حرف استئناف. هم: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم لالتقاء الساكنين. السعاة: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالسعاة. لأنه جمع ساع. العشيرة: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده: والفعل المحذوف وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وإن اعتبرت إذا شرطية فالفعل المحذوف فعل شرطها، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه. أفظعت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى العشيرة، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها عند الجمهور، وقال الشلوبين: بحسب ما تفسره، وهذا الإعراب إنما هو على طريقة البصريين، وانظر إعراب الكوفيين في البيت رقم -٣٣ - من معلقة امرئ القيس. الواو: حرف عطف. همو: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. فوارسها: خبر المبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، وإعراب الجملة الثانية مثلها.
٨٨ - وهمو ربيع للمجاور فيهمو والمرملات إذا تطاول عامها
المفردات. هم ربيع: أي هم بمنزلة الربيع في الخصب لمن
[ ٢ / ١١٩ ]
جاورهم، وانظر شرح المجاورة في البيت -٧٤ - المرملات. هن اللواتي لا أزواد لهن، وهن اللواتي قد مات أواجهن، وهو المراد هنا لأن قوله (إذا تطاول عامها) يدل لعيه؛ لأن المرأة إذا توفى عنها زوجها أقامت عامًا لا تتزوج، ونزل بذلك القرآن قال تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصيةً لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراجٍ﴾ ثم نسخ هذا بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشرًا﴾.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت رقم -٨١ - بمنزلة الربيع في الخصب لمن جاورهم لعموم نفعهم، وإحيائهم إياه بجودهم وسخائهم كما يحي الربيع الأرض الموات، وكذلك هم بمنزلة الربيع للنساء اللاتي فقدن أزواجهن فطال عامها لأن أيام الشدة تستطال كما رأيت في البيت رقم -٦٥ - من معلقة طرفة.
الإعراب. الواو: حرف عطف. همو: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وحرك بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. ربيع: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها مثلها. للمجاور متعلقان بمحذوف صفة ربيع. فيهمو: جار ومجرور متعلقان بالمجاور، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. الواو: حرف عطف. المرملات: معطوف على المجاور. إذا: متعلق بالمرملات مبني على السكون في محل نصب. تطاول: فعل ماض. عامها: فاعل، وها: ضمير متصل في حل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها.
٨٩ - وهم العشيرة أن يبطئ حاسد أو أن يلوم مع العدى لوامها
المفردات. هم العشيرة: فيه مدح، كما تقول: هو الرجل، أي هو
[ ٢ / ١٢٠ ]
الرجل الكامل المعروف بالشجاعة والنجدة وغير ذلك. يبطئ: من بطأه إذا ثبطه عن الأمر، قال الرسول ﷺ: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي من أخره عمله عن السبق مع السابقين إلى الجنة. حاسد: اسم فاعل من الحسد، وهو أن تتمنى زوال نعمة المحسود إليك، وهو من شر ما يتصف به إنسان. يلوم: من اللوم، وهو التوبيخ والتأنيب والتقريع بمعنى واحد. العدى: الأعداء، والاختيار فيه كسر العين إذا لم يكن فيه هاء، وقد تضم، فإذا أدخلت الهاء ضمت العين لا غير، وانظر شرح (عدو) في البيت رقم -٢٣ - من معلقة زهير، ويروى الشطر الثاني هكذا (أو أن يميل مع العدو لئامها) فانظر شرح يميل في البيت رقم -١٩ - من معلقة امرئ القيس، واللئام جمع لئيم، وهو الدنيء المنحط الأخلاق، وقال الزوزني: قوله (أن يبطئ حاسد) معناه على قول البصريين كراهية أن يبطئ حاسد وكراهية أن يميل، وعند الكوفيين أن لا يبطئ حاسد، وأن لا يميل كقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ أي كراهية أن تضلوا، أو يبين الله لكم أن لا تضلوا، أي كي لا تضلوا.
المعنى يقول: إن الجماعة المذكورين في البيت رقم -٨١ - يد واحدة على من سواهم كراهية أن يثبط حاسد وحاقد بعضهم عن نصر بعض، وكراهية أن يلوم لائمهم مع الأعداء، ويظاهروهم على الأقارب.
الإعراب. الواو: حرف عطف. هم العشيرة: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها أيضًا. أن: حرف ناصب. يبطئ: فعل مضارع منصوب بأن. حاسد: فاعل مرفوع، وأن المصدرية والفعل يبطئ في تأويل مصدر في محل جر بالإضافة لمفعول لأجله محذوف على تقدير البصريين، أو في محل جر بحرف جر محذوف على تقدير الكوفيين، والجار والمجرور متعلقان بالعشيرة، لأنه مؤول بمشتق كما رأيت
[ ٢ / ١٢١ ]
في المفردات أو: حرف عطف. أن: حرف ناصب. يلوم: فعل مضارع منصوب بأن. مع: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، ومع مضاف والعدى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. لوامها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمصدر المؤول من أن والفعل يلوم معطوف على المصدر المؤول السابق على الوجهين المعتبرين فيه. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
***
[ ٢ / ١٢٢ ]