[ ٢ / ١٢٣ ]
فهرست أبيات معلقة عنترة بن شداد العبسي
١ - هل غادر الشعراء من متردم؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
٢ - إلا رواكد بينهن خصائص وبقية من نؤيها المجرنثم
٣ - أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجم
٤ - ولقد حبست بها طويلًا ناقتي ترغو إلى سفع الرواكد جثم
٥ - يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحًا، دار عبلة، واسلمي
٦ - دار لانسة غضيض طرفها طوع العناق، لذيذة المتبسم
٧ - فوقفت فيها ناقتي، وكأنها فدن لأقضي حاجة المتلوم
٨ - وتحل عبلة بالجواء، وأهلنا بالحزن، فالصمان، فالمتثلم
٩ - وتظل عبلة في الخزوز تجرها وأظل في حلق الحديد المبهم
١٠ - حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
١١ - حلت بأرض الزائرين، فأصبحت عسرًا علي طلابك، ابنة مخرم
١٢ - علقتها عرضًا، وأقتل قومها زعمًا -لعمر أبيك- ليس بمزعم
١٣ - ولقد نزلت، فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
١٤ - كيف المزار، وقد تربع أهلها بعنيزتين، وأهلنا بالغيلم
١٥ - إن كنت أزمعت الفراق، فإنما زمت ركابكمو بليل مظلم
١٦ - ما راعني إلا حمولة أهلها وسط الديار تسف حب الخمخم
١٧ - فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودًا كخافية الغراب الأسحم
١٨ - فصغارها مثل الدبى، وكبارها مثل الضفادع في غدير مفعم
[ ٢ / ١٢٥ ]
١٩ - ولقد نظرت غداة فارق أهلها نظر المحب بطرف عيني مغرم
٢٠ - وأحب لم أسقيك غير تملق والله، من سقم أصابك من دمي
٢١ - إذ تستبيك بذي غروب واضح عذب مقبله لذيذ المطعم
٢٢ - وكأنما نظرت بعيني شادن رشأ من الغزلان ليس بتوءم
٢٣ - وكأن فارة تاجر بقسيمة سبقت عوارضها إليك من الفم
٢٤ - أو روضة أنفًا تضمن نبتها غيث قليل الدمن ليس بمعلم
٢٥ - أو عاتقًا من أذرعات معتقًا مما تعتقه ملوك الأعجم
٢٦ - نظرت إليه بمقلة مكحولة نظر المليل بطرفه المتقسم
٢٧ - وبحاجب كالنون زين وجهها وبناهد حسن، وكشح أهضم
٢٨ - ولقد مررت بدار عبلة بعدما لعب الربيع بربعها المتوسم
٢٩ - جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل حديقة كالدرهم
٣٠ - سحًا وتسكابًا، فكل عشية يجري عليها الماء لم يتصرم
٣١ - وخلا الذباب بها فليس ببارح غردًا مفعل الشارب المترنم
٣٢ - هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
٣٣ - تمسي وتصبح فوق ظهر حشية وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
٣٤ - وحشيتي سرج على عبل الشوى نهد مراكلة نبيل المحزم
٣٥ - هل تبلغني دارها شدنية لعنت بمحروم الشراب مصرم؟
٣٦ - خطارة غب السرى زيافة تطس الإكام بوخد خف ميثم
٣٧ - وكأنما أقص الإكام عشية بقريب بين المنسمين مصلم
٣٨ - تأوي له قلص النعام كما أوت حزق يمانية لعجم طمطم
٣٩ - يتبعن قلة رأسه، وكأنه حرج على نعش لهن مخيم
٤٠ - صعل يعوذ بذي العشيرة بيضه كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
٤١ - شربت بماء الدحرضين، فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم
٤٢ - وكأنما تنأى بجانب دفها الـ ـوحشي من هزج العشي مؤوم
٤٣ - هر جنيب كلما عطفت له غضبي اتقاها باليدين وبالفم
٤٤ - أبقى لها طول السفار مقرمدًا سندًا، ومثل دعائم المتخيم
[ ٢ / ١٢٦ ]
٤٥ - بركت على ماء الرداع كأنما بركت على قصب أجش مهضم
٤٦ - وكأن ربًا، أو كحيلًا معقدًا حش الوقود به جوانب قمقم
٤٧ - ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم
٤٨ - إن تغدفي دوني القناع، فإنني طب بأخذ الفارس المستلئم
٤٩ - أثني علي بما عملت فإنني سهل مخالفتي، إذا لم أظلم
٥٠ - وإذا ظلمت فإن ظلمي باسل مر مذاقته كطعم العلقم
٥١ - ولقد شربت من المدامة بعدما ركد الهواجر بالمشوف المعلم
٥٢ - بزجاجة صفراء ذات أسرة قرنت بأزهر في الشمال مفدم
٥٣ - فإذا شربت، فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر لم يكلم
٥٤ - وإذا صحوت، فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
٥٥ - وحليل غانية تركت مجدلًا تمكو فريصته كشدق الأعلم
٥٦ - سبقت يداي له بعاجل طعنة ورشاش نافذة كلون العندم
٥٧ - هلا سألت الخيل، يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
٥٨ - لا تسأليني، واسألي بي صحبتي يم يديك تعففي وتكرمي
٥٩ - إذ لا أزال على رحالة سابح نهد تعاوره الكماة مكلم
٦٠ - طورًا يجرد للطعان، وتارة يأوي إلى حصد القسي عرموم
٦١ - يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغي، وأعلف عند المغنم
٦٢ - فأرى مغانم، لو أشاء حويتها ويصدني عنها الحيا وتكرمي
٦٣ - ومدجج كره الكماة نزاله لا ممعن هربًا، ولا مستسلم
٦٤ - جادت يداي له بعاجل طعنة بمثقف صدق الكعوب مقوم
٦٥ - برحيبة الفرغين يهدي جرسها بالليل معتس الذئاب الضرم
٦٦ - فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
٦٧ - فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصم
٦٨ - ومسك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
٦٩ - ربذ يداه بالقداح إذا شتا هتاك غايات التجار ملوم
٧٠ - لما رآني قد نزلت أريده أبدى نواجذه لغير تبسم
[ ٢ / ١٢٧ ]
٧١ - فطعنته بالرمح، ثم علوته بمهند صافي الحديدة مخذم
٧٢ - عهدي به مد النهار كأنما خضب البنان، ورأسه بالعظلم
٧٣ - بطل كأن ثيابه في سرحة يحذي نعال السبت ليس بتوءم
٧٤ - ولقد ذكرتك، والرماح نواهل مني، وبيض الهند، تقطر من دمي
٧٥ - فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
٧٦ - يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت علي، وليتها لم تحرم
٧٧ - فبعثت جاريتي، فقلت لها: اذهبي فتجسسي اخبارها لي، واعلمي
٧٨ - قالت: رأيت من الأعادي غرة والشاة ممكنة لمن هو مرتمي
٧٩ - وكأنها التفتت بجيد جداية رشًإ من الغزلان حر أرثم
٨٠ - نبئت عمرًا غير شاكر نعمتي والكفر مخبثة لنفس المنعم
٨١ - ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
٨٢ - في حومة الموت التي لا تشتكي غمراتها الأبطال غير تغمغم
٨٣ - إذ يتقون بي الأسنة لم أخم عنها، ولكني تضايق مقدمي
٨٤ - لما سمعت نداء مرة قد علا وابني ربيعة في الغبار الأقتم
٨٥ - ومحلم يسعون تحت لوائهم والموت تحت لواء آل محلم
٨٦ - أيقنت أن سيكون عند لقائهم ضرب يطير عن الفراخ الجثم
٨٧ - لما رأيت القوم أقبل جمعهم يتذامرون، كررت غير مذمم
٨٨ - ولقد هممت بغارة في ليلة سوداء حالكة كلون الأدلم
٨٩ - يدعون عنتر، والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم
٩٠ - كيف التقدم، والرماح كأنها برق تلألأ في السحاب الأركم؟
٩١ - كيف التقدم، والسيوف كأنها غوغا جراد في كثيب أهيم؟
٩٢ - فإذا اشتكى وقع القنا بلبانه أدنيته من سل عضب مخذم
٩٣ - ما زلت أرميهم بغرة وجهه ولبانه حتى تسربل بالدم
٩٤ - فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحمحم
٩٥ - لو كان يدري ما المحاورة؟ اشتكى ولكان، لو علم الكلام، مكلمي
٩٦ - آسيته في كل أمر نابنا هل بعد أسوة صاحب من مذمم؟
[ ٢ / ١٢٨ ]
٩٧ - فتركت سيدهم لأول طعنة يكبو صريعًا لليدين، وللفم
٩٨ - ركبت فيه صعدًة، هنديًة سمحاء، تلمع، ذات حد لهذم
٩٩ - ولقد شفى نفسي، وأبرأ سقمها قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
١٠٠ - والخيل تقتحم الخبار عوابسًا من بين شيظمة وأجرد شيظم
١٠١ - ذلل ركابي حيث شئت مشايعي قلبي، وأحفزه بأمر مبرم
١٠٢ - ولقد خشيت بأن اموت، ولم تكن للحرب دائرة على ابني ضمضم
١٠٣ - الشاتمي عرضي، ولم أشتمهما والناذرين إذا لم القهما دمي
١٠٤ - أسد علي، وفي العدو أذلة هذا، لعمرك، فعل مولى الأشأم
١٠٥ - إن يفعلا فلقد تركت أباهما جزر السباع، وكل نسر قشعم
١٠٦ - إني عداني أن أزورك، فاعلمي ما قد علمت، وبعض ما لم تعلمي
١٠٧ - حالت رماح ابني بغيض دونكم وزوت جواني الحرب من لم يجزم
١٠٨ - يا عبل لو أبصرتني لرأيتني في الحرب أقدم كالهزبر الضيغم
١٠٩ - ولقد كررت المهر يدمى نحره حتى اتقتني الخيل بابني حذلم
١١٠ - إذ يتقى عمرو، وأذعن غدوًة حذر الأسنة، إذ شرعن لدلهم
١١١ - يحمي كتيبته، ويسعى خلفها يفري عواقبها كلدغ الأرقم
١١٢ - ولقد كشفت الخدر عن مربوبة ولقد رقدت على نواشر معصم
١١٣ - ولرب يوم قد لهوت وليلة بمسور ذي بارقين مسوم
[ ٢ / ١٢٩ ]
عنترة بن شداد الذي ينتهي نسبة إلى قبيلة بني عبس، فبني غطفان، فبني قيس، أمه أمة حبشية، يقال لها: زبيبة،
معلقة عنترة بن شداد العبسي
اسمه ونسبه
هو عنترة بن شداد الذي ينتهي نسبة إلى قبيلة بني عبس، فبني غطفان، فبني قيس، أمه أمة حبشية، يقال لها: زبيبة، سباها أبوه في بعض الغارات؛ وكان لها ولد عبيد من غير شداد، وكانوا إخواته لأمه، فولدت له عنترة فجاء أسود اللون، مشقوق الشفة السفلي، وقد عد لسواده من أغربة العرب، لأن السواد لم يكن شائعًا في العرب، وعدوا منهم غير عنترة، خفاف بن ندبة، والسليك بن السلكة وكلهم من الشعراء الفتاك في الجاهلية، وكل واحد منهم ينسب إلى أمه.
وكان من عادة العرب في الجاهلية استرقاق أولاد الإماء، فنشأ عنترة عبدًا لأبيه يرعى إبله. يحتقره أفراد عشيرته لأنه عبد، ويأبون أن يشاطروه ما يحصلون عليه من الأسلاب في غزواتهم، ويلقبونه بابن السوداء، فحز ذلك في نفسه؛ وكان محبًا لعبلة ابنة عمه مالك، ولكن دمامة خلقه ووضاعة نسبه كانتا تجعلانه غير جدير بها، فرأى أن خير ما يمحو به دمامة شكله، وهجنة نسبه، أن يكون فارسًا مقدامًا، فينال شرف الدفاع عن قبيلته، وتعلو منزلته، ويصبح جديرًا بابنة عمه؛ ويظفر بحريته، وقد نال حريته فعلًا بفضل استبساله في الدفاع عن قومه.
فيذكر لنا أبو الفرج في الأغاني أن بعض أحياء العرب، أغاروا على بني
[ ٢ / ١٣١ ]
عبس، فأوقعوا فيهم واستاقوا إبلًا لهم، فلحقهم العبسيون، فقاتلوهم عما معهم، وعنترة يومئذ فيهم. فقال له أبوه: كر يا عنترة، فقال: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر، فقال: كر وأنت حر، فكر وهو يقول:
أنا الهجين عنتره كل امرئ يحمي حره
أسوده وأحمره والشعرات المشعره
الواردات مشفره
وقاتل يومئذ قتالًا حسنًا، فادعاه أبوه بعد ذلك وألحقه بنسبه. وقد أشار عنترة في شعره أكثر من مرة إلى أن له من شجاعته وبطولته ما يغنيه عن شرف النسب كقوله:
إني آمرو من خير عبس منصبًا شطري، واحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ألفيت خيرًا من معًم مخول
يقول: إن أبي من أكرم عبس بشطري، والشطر الآخر ينوب عن كرم أمي فيه ضربي بالسيف، فأنا خير في قومي ممن عمه وخاله منهم، وهو لا يغني غنائي، وهذان البيتان من قصيدة، قالها في حرب داحس والغبراء، وقد أنفق عنترة حياته في الحروب والغزوات، واشترك في حرب داحس والغبراء التي قامت بين عبس وذبيان، وقتل فيها ضمضمًا المري، وقد أشار إلى ذلك، في معلقته.
وكان دون ريب، فارسًا مغوارًا وبطلًا شجاعًا، رفع رأس قبيلته عاليًا، ولكن شجاعته لم تصل إلى حد التهور، كما تصورها القصص، وقد نقل عن الهيثم بن عدي أنه قيل لعنترة: أنت أشجع الفرسان، وأشدها، قال: لا، قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزمًا، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزمًا، ولا ادخل إلا موضعًا أرى لي منه مخرجًا،
[ ٢ / ١٣٢ ]
وكنت أعتمد الضعيف الجبان، فأضربه الضربة الهائلة يطير لها الشجاع فأثنى عليه فأقتله.
وكان عنترة إلى شجاعته، طيب الشمائل، حسن المخالقة، عفيفًا كريمًا، وكان شعره يدور كله حول الفخر بشجاعته، وكرم أخلاقه، والتغزل بابنة عمه عبلة.
أما سنة ولادته ووفاته فلا يسعنا تحديدهما على وجه الدقة، شأنه في ذلك شأن أغلب الجاهليين، ولكن أغلب الروايات تدل على أنه كان من المعمرين، وأنه توفي أو قتل، قبيل الإسلام، بعد حرب داحس والغبراء التي اشترك فيها، والتي انتهت حوالي سنة ٦١٠ م، وقد ذكر أنه اجتمع بالنبي ﷺ قبل المبعث، ونزول الوحي عليه-.
والروايات مختلفة في خبر موته، فأبو عبيدة يروي أن رجلًا من بني نبهان يدعى زر بن جابر (وكان غزاهم، وهو شيخ كبير) رماه بسهم فقتله، ويروى أيضًا أنه خرج في طلب دين له، بعد أن أسن وعجز، فأصابته ريح وقتلته، وأما أبو عمرو الشيباني، فيروي أنه قتل على إثر غزوة مع بني عبس غزا فيها طيئًا، فانهزمت عبس فسقط عن فرسه، وعجز عن امتطائه لكبره، فدخل دغلًا، فأبصره ربيئة طيئ فقتله، والمرجع الأول لأنه قال في شعره:
وإن ابن سلمى عنده فاعلموا دمي وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي
يحل بأكناف الشعاب وينتمي مكان الثريا ليس بالمتهضم
رماني ولم يدهش بأزرق لهثم عشية حلو بين نعف ومخرم
وابن سلمى هو زر بن جابر النبهاني، فقد روي في الأغاني: وكان زر بن جابر النبهاني في فتوة، فرماه، وقال: خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله، فقال وهو مجروح الأبيات.
[ ٢ / ١٣٣ ]
هذا عنترة كما يصوره التاريخ وكما يصوره شعره، وهذا مجمل ما عرف عن حياته ولكن عنترة صار فيما بعد بطلًا لقصة عرفت (بسيرة عنترة) وقد صور فيها بطل من أبطال الأساطير، وأضيفت إليه قصص البطولة الخارقة، التي تجعله يستقبل الجيوش وحده غير هياب، فيتغلب عليها، ويبيدها، وتعرض لأخطر المهالك، ويخرج منها سالمًا، ولم تقتصر السيرة على اختراع الوقائع والأحداث، وإضافتها إلى عنترة، بل أضافت إليه أيضًا كثيرًا من الشعر المهلهل الركيك الذي اختلط بالصحيح من شعره.
ولم يعرف من هو واضع سيرة عنترة، ويرجح أنها ليست من وضع مؤلف واحد، وذكروا من أسباب وضعها أن ريبة حدثت في بلاط الخليفة العزيز بالله الفاطمي -٩٧٥ - ٩٩٦ م، لهج بها الناس كثيرًا، فأشار الخليفة على رجل يدعى يوسف بن إسماعيل المصري بوضع قصة تشغل الناس عن حادثة القصر، فوضع لهم قصة عنترة هذه، فشغل بها الناس.
هذا وقد اختلف في بيان السبب الذي دعا عنترة إلى نظم هذه المعلقة، ومما قيل: إنه كان في مجلس بعد أن اعترف به أبوه وأعتقه، فسابه رجل من بني عبس، وعيره بسواده، وسواد أمه، وفاخره بشعره، فأجابه عنترة بأنه أكرم منه، وأشجع، وأحكم، وقال له في آخر كلامه: وإني لأحتضر البأس؛ وأوفي المغنم، وأعف عند المسألة، وأجود بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء، وأما الشعر فستعلم، ثم أنشأ معلقته، وكان لا يقول قبل ذلك إلا البيتين أو الثلاثة.
هذا مجمل ما قيل في الدافع إلى نظم المعلقة، ويظهر أن هذا الكلام المنسوب إلى عنترة مفتعل مختلف، وقولهم: إن معلقته كانت أول شعر قاله ظاهر البطلان؛ لأن معلقته تدل على أنه نظمها بعد حرب داحس والغبراء، أي قبل وفاته بسنوات، فلا يعقل أن يكون قد بدأ نظم القصائد في أواخر حياته،
[ ٢ / ١٣٤ ]
ويبدو لنا أيضًا أن الذي حمل عنترة على نظم معلقته هذه، هو عين الدافع الذي حمله على نظم أكثر شعره ألا وهو التغزل بعبلة ابنة عمه، والتغني بمناقبه ومحامده، لأن الشعر كان لدى عنترة وسيلة للتنويه بمآثره والافتخار بشجاعته وسجاياه، ولم يكن وسيلة للتكسب شأن المعاصرين له من الشعراء.
والملاحظ أنه بدأ معلقته بذكر عبلة ابنة عمه وبعد دارها، ثم وصف ناقته، ووصف نفسه بأنه لا يظلم أحدًا، ولا يجرؤ أحد على ظلمه، وبأنه يشرب الخمر، فيكون شريفًا كريمًا في شربه وصحوه، ثم وصف شجاعته وبطشه بأعدائه، وصور فرسه تصويرًا جميلًا، رفعه فيه إلى درجة الإنسانية بأنه يعقل، وفي معلقته من شرف المعاني، وسهولة اللفظ، وحسن الانسجام، ومتانة التعبير والموسيقى ما جعل الكثير يسمونها بالسلاسل الذهبية، وهي من البحر الكامل، اهـ من المراجع الموجودة التي اطلعت عليها.
فائدة: يروى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف فارس حازم، قال: وكيف يكون ذلك؟ قال: كان قيس بن زهير فينا، وكان حازمًا، فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا عنترة، فكنا نحمل إذا حمل، ونحجم إذا أحجم، وكان فينا الربيع بن زياد، وكان ذا راي، فكنا نستشيره ولا نخالفه، وكان فينا عروة بن الورد، فكنا نأتم بشعره، فكنا كما وصفت لك، فقال عمر ﵁: صدقت.
تنبيه: أبيات هذه المعلقة من البحر الكامل.
١ - هل غادر الشعراء من متردم؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
المفردات. غادر: انظر البيت رقم -١١ - من معلقة لبيد. الشعراء: جمع شاعر، والأصل في فعلاء أن يكون جمع فعيل، مثل ظريف وظرفاء وشريف وشرفاء، لأن فعيلًا إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان شاعر
[ ٢ / ١٣٥ ]
إنما يقال لمن عرف بالشعر شبه بفعيل، ودخلته ألف التأنيث الممدودة لتأنيث الجماعة، كما تدخل في صياقلة وزنادقة، وقد سمي الشاعر شاعرًا لفطنته، وهو الفقيه أيضًا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر، أي ما فطنت له. المتردم: هو من قولك: ردمت الشيء إذا أصلحته، وقال الأصمعي: ردم ثوبك، أي رقعه، ويقال: ثوب مردم، أي مرقع، فصار المعنى: هل ترك الشعراء شيئًا يرقع، وإنما هذا مثل، يقول: هل تركوا مقالًا لقائل، أي هل تركوا فنًا من الشعر لم يسلكوه، هذا ويروى (من مترنم) بدل (من متردم) والترنم صوت خفي ترجعه بينك وبين نفسك.
أم هل: إنما دخلت (أم) على (هل) وهما حرفا استفهام لأن هل ضعفت في حروف الاستفهام، فأدخلت عليها (أم) كما أن (لكن) ضعفت في حروف العطف لأنها تكون مثقلة ومخففة من الثقيلة وعاطفة، فلما لم لم تقو في حروف العطف أدخلت عليها الواو، ونظير هذا ما حكي عن الكسائي انه كان يجيز: جاءني القوم إلا حاشا زيد، لأن حاشا ضعفت عنده إذ كانت تقع في غير الاستثناء، وقال الزوزني: وأم ههنا معناه بل أعرفت، وقد تكون (أم) بمعنى (بل) مع همزة الاستفهام، وقال أيضًا: ويجوز أن تكون (هل) ههنا بمعنى قد مقوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان﴾ أي قد أتى. الدار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. توهم: أراد به هنا الإنكار، ويحتمل أن يكون بمعنى الظن، والتوهم في الحقيقة إنما هو نوع من الشك، وهو إدراك الطرف المرجوح.
المعنى يقول: هل ترك الشعراء فنًا من فنون الشعر لم يسلكوه، ثم هل عرفت دار المحبوبة بعد شكك فيها ففي البيت تجريد لا يخفى حيث جرد شخصًا من نفسه، وخاطبه.
الإعراب. هل: حرف استفهام. غادر: فعل ماض، الشعراء: فاعل.
[ ٢ / ١٣٦ ]
من: حرف جر زائد. متردم: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحكة حرف الجر الزائد. أم: حرف عطف. هل: حرف استفهام. عرفت: فعل وفاعل. الدار: مفعول به. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل عرفت، وبعد مضاف وتوهم مضاف إليه، وجملة (هل عرفت الخ) معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء والثانية بالإتباع.
٢ - إلا رواكد بينهن خصائص وبقية من نؤيها المجرنثم
المفردات. الرواكد: أراد الأثافي انظر البيت رقم -٥ - من معلقة زهير، وسميت رواكد لثبوتها في مكانها لأن كل ثابت راكد، أي لا يتحرك. خصائص: فرج في البناء وما شاكله، الواحدة خصاصة، ولا تنس أن الخصاصة الفقر أيضًا -قال تعالى في مدح الأنصار: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ -. النؤي: انظر البيت رقم -١١ - من معلقة لبيد. المجرنثم وجرثم اجتمع.
المعنى يقول: ما عرفت إلا أثافي ثابتة في مكانها بينهن فرج وبقية من آثار الحفرة التي كانت حول خيمة الأحبة.
الإعراب. إلا: حف استثناء. رواكد: مستثنى من الدار في البيت السابق، أو هو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ما عرفت إلا رواكد، فتكون إلا حرف حصر ورواكد صفة لموصوف محذوف. بينهن: ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. خصائص: مبتدا مؤخر، ونون لضرورة الشعر، إذ حقه المنع لصيغة منتهى الجمع مثل رواكد، والجملة الاسمية (بينهن خصائص) في محل نصب صفة ثانية للموصوف المحذوف،
[ ٢ / ١٣٧ ]
أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ الواو: حرف عطف. بقية: يجوز فيه النصب والرفع فالنصب بالعطف على رواكد، والرفع بالعطف على خصائص. من نؤيها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة بقية، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. المجرنثم: صفة نؤتها.
٣ - أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجم
المفردات. أعياك: أتبعك وأعجزك، وهو متعد بسبب همزة التعدية، واللازم (عيي) قال تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول؟﴾ الرسم: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة امرئ القيس. الدار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. يتكلم: انظر شرح الكلام في البيت رقم -٦٢ - من معلقة زهير. الأصم: الصلب المتين -وهو فاقد السمع أيضًا، وجمعه صم، وهو كثير في القرآن الكريم بهذا المعنى-. الأعجم: هو الذي لا يفصح، ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب، والأعجم أيضًا الذي في لسانه عجمة، وإن أفصح بالعجمية، والأنثى عجماء، والعجمي نسبة إلى العجم، قال تعالى: ﴿ولو جعلناه قرآنًا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي؟﴾.
المعنى يقول: أعجزك أثر دار العشيقة حال كونه غير متكلم، ثم تكلم كلامًا غير واضح وظاهر كأنه أعجمي لا يجيد التكلم باللغة العربية الفصحى لن في لسانه لكنة، ولا تنس أن قوله (أعياك) يحتمل أن يكون استفهامًا على حد قول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خبالا
وإن كان الاستفهام في قول الأخطل أظهر لوجود ام المعادلة.
الإعراب. أعياك: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر،
[ ٢ / ١٣٨ ]
والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به. رسم: فاعل، وهو مضاف والدار مضاف إليه. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يتكلم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى رسم الدار، والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط الضمير فقط، وجملة (أعياك الخ) مستأنفة لا محل لها من الأعراب. حتى: حرف غاية وجر بعدها أن مضمرة. تكلم/ فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعد إلى رسم الدار، وأن المضمرة بعد حتى والفعل تكلم في تأويل مصدر في محل جر بحتى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل أعياك. كالأصم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقعًا مفعولًا مطلقًا، والتقدير: حتى تكلم كلامًا مشابهًا كلام الأصم، وانظر رأي سيبويه في مثل ذلك في البيت رقم -٦٥ - من معلقة امرئ القيس-، ولا تنس أن الكوفي يعتبر الكاف اسمًا فالمحل لها عنده؛ والأصم صفة لموصوف محذوف. الأعجم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٤ - ولقد حبست بها طويلًا ناقتي ترغو إلى سفع الرواكد جثم
المفردات. ترغو: الرغاء صوت ذوات الخف، وقد رغا البعير يرغو رغاء بالضم والمد، أي ضج. الرواكد: انظر البيت رقم -٢ - سفع: سود، وسفعته النار والسموم إذا لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون البشرة، وبابه قطع، وانظر البيت رقم -٥ - من معلقة زهير. جثم: قعود جمع جاثم، وجثم يجثم بكسر الثاء وضمها في المضارع إذا تلبد في الأرض، قال تعالى: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾.
المعنى يقول: والله لقد وقفت بدار الأحبة، وحبست فيها ناقتي حبسًا
[ ٢ / ١٣٩ ]
طويلًا حالة كونها راغية ناظرة إلى الأثافي السود اللاصقة بالأرض التي كانت توضع عليها القدر عند الطبخ.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. حبست: فعل وفاعل. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. طويلًا: صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: حبست حبسًا طويلًا. ناقتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير في محل جر بالإضافة. ترغو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، والجملة الفعلية في محل نصب حال منها، والرابط عود الفاعل إليها فقط. إلى سفع: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وسفع مضاف والرواكد مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف. جثم: صفة الرواكد، وجملة (لقد الخ) -جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له-.
٥ - يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحًا، دار عبلة، واسلمي
المفردات. عبلة: هي ابنة عمه التي عشقها. الجواء: بلد يسميه أهل نجد جواء عدنة، والجواء أيضًا جمع جو، وهو البطن من الأرض الواسع في انخفاض. تكلمي: أخبري عن أهلك وسكانك، وانظر البيت رقم -٦٢ - من معلقة زهير. عمي صباحًا: انظر البيت رقم -٦ - من معلقة زهير. اسلمي: أراد سلمك الله من الآفات، فهو دعاء لها بطول السلامة.
المعنى يقول: يا دار الحبيبة الموجودة في هذا الموضع أخبريني عن
[ ٢ / ١٤٠ ]
سكانك ما فعل الدهر بهم: وطاب عيشك في صباحك يا دار الحبيبة وسلمك الله من عوادي الزمن.
الإعراب. يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. دار منادي منصوب، وهو مضاف وعبلة مضاف غليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. بالجواء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (دار عبلة) أو في محل نصب حال منه، والعامل (يا) لما فيها من معنى الفعل، وهو أقوى، ولها نظائر مثل (يا أيها الربع مبكيًا بساحته) -. تكلمي: فعل أمر مبني على حذف النون لأنه مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، كالجملة الندائية قبلها-. الواو: حرف عطف. عمي: فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (تكلمي) لا محل لها مثلها. صباحا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وقال السيوطي في مثله: يجوز أن يكون تمييزًا محولًا عن الفاعل، مثل قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ أو مثل (طب نفسًا) وهو أظهر. دار عبلة: منادى حذفت منه (يا) النداء، وإعرابه كإعراب سابقه. واسلمي: إعرابه مثل إعراب سابقيه.
٦ - دار لانسة غضيض طرفها طوع العناق، لذيذة المتبسم
المفردات. الآنسة: هي الطيبة النفس، وهي الفتاة التي ل تتزوج، وقد استعملت هذه الكلمة الآن لكل أثنى صغيرة أو كبيرة، والجمع أو انس. غضيض طرفها: فاترته، وغض البصر كفه عما لا يحل النظر إليه، قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ وقال جل ذكره: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ وانظر الطرف في البيت رقم -٧٩ - من معلقة امرئ القيس. العناق: بكسر العين المعانقة، وطوع
[ ٢ / ١٤١ ]
المطاوعة، ومعنى (طوق العناق) سهلة الانقياد لما يريد. المبتسم: أراد به الفم الذي يبتسم، والمراد ريقها.
المعنى يقول: إن دار عبلة هي منزل الفتاة الطيبة النفس الساكن طرفها وهادئ السهلة الانقياد لما يراد منها ريقها الذي في فمها لذيذ ومنعش.
الإعراب. دار: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي دار. لآنسة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة دار. غضيض: صفة آنسة. طرفها: فاعل بغضيض لأنه صفة مشبهة، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. طوع: صفة ثانية لآنسة، وطوع مضاف والعناق مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها. لذيذة: صفة ثالثة لآنسة، وهو مضاف والمتبسم مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها. تأميل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٧ - فوقفت فيها ناقتي، وكأنها فدن لأقضي حاجة المتلوم
المفردات. الفدن، القصر، والجمع أفدان، قال القطامي:
فلما أن جرى سمن عليها كما طينت بالفدن السياعا
المتلوم: المتمكث، وعنى بالمتلوم نفسه، فهو تجريد.
المعنى يقول: حبست بدار الأحبة ناقتي التي هي كالقصر في عظمها وضخامتها، وإنما حبستها لأقضى حاجتي بجزعي من فراقها، وبكائي على أيام وصالها.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. وقفت: فعل وفاعل. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ناقتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة
[ ٢ / ١٤٢ ]
المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: واو الحال. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. فدن: خبرها، والجملة الاسمية (كأنها فدن) في محل نصب حال من ناقتي، والرابط الواو والضمير (لأقضي) اللام: حرف تعليل وجر. أقضي: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، وأن المضمرة والفعل أقضي في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل وقفت. حاجة: مفعول به، وهو مضاف والمتلوم مضاف إليه، وجملة (وقفت الخ) مستأنفة لا محل لها، وإنما نصب الفعل (وقف) المفعول به مع كونه لازمًا لأنه بمعنى حبست، فعمل عمل الفعل الذي هو بمعناه، ويسمى هذا تضمينًا.
٨ - وتحل عبلة بالجواء، وأهلنا بالحزن، فالصمان، فالمتثلم
المفردات. تحل: تنزل. الجواء: انظر البيت رقم -٥ - أهل اسم جمع لا واد له من لفظه، مثل معشر ورهط، ونفر الخ، والأهل العشيرة وذوو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع أيضًا، والجمع أهلون، وأهال، وأهال، وأهلات وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾. الحزن والصمان والتثلم مواضع، وقال أبو جعفر النحاس: الجواء بنجد، والحزن لبني يربوع، والصمان لبني تميم، أي هي منازلهم، ومتثلم مكان.
المعنى يقول: إن عبلة تنزل في المكان المسمى بالجواء، وتقيم فيه، وأهلنا ينزلون في الأمكنة المسماة بالحزن فالصمان فالمتثلم، فهو يريد ينتجعون هذه الأمكنة بالتنقل من مكان إلى آخر، والقرينة الفاء الدالة على التعقيب.
[ ٢ / ١٤٣ ]
الإعراب. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. تحل: فعل مضارع. عبلة: فاعل. بالجواء جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (تحل عبلة بالجواء) لا محل لها، سواء اعتبرتها معطوفة أم مستأنفة. الواو: حرف عطف. أهلنا: معطوف على عبلة، وهو على تقدير فعل قبله، أي إنه فاعل لفعل محذوف، والجملة الفعلية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا. بالحزن: جار ومجرور متعلقان بالفعل المحذوف. فالصمان؛ فالمتثلم: اسمان معطوفان على الحزن بالفاء العاطفة.
٩ - وتظل عبلة في الخزوز تجرها وأظل في حلق الحديد المبهم
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة.
المفردات. تظل وأظل: لا يراد منهما التوقيت في النهار، وإنما المراد منهما الاستمرار كما في قوله تعالى: ﴿فيظللن رواكد على ظهره﴾ -وانظر البيت رقم -١٦ - من معلقة امرئ القيس-. الخزوز: جمع خز، وهو الحرير، وأراد به الثياب المنسوجة منه. حلق الحديد: أراد الدروع المنسوجة من الحديد. المبهم: المحكم النسج، يقال: حائط مبهم، أي ليس له باب ولا كوة.
المعنى يقول: إن عبلة تظل تلبس ثياب الحرير، وتجرها على الأرض متبخترة بها، أما أنا فلا أزال أخوض المعارك الحربية، لابسًا الدروع المحكم نسجها.
الإعراب. الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. تظل: فعل مضارع ناقص. عبلة: اسمه. في الخزوز: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل
[ ٢ / ١٤٤ ]
نصب خبر تظل. تجرها: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الخزوز، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثان لتظل، وجملة (تظل الخ) لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. الواو: حرف عطف. أظل: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. في حلق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر أظل، وحلق مضاف والحديد مضاف إليه. المبهم: صفة حلق الحديد وجملة (أظل الخ) عطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
١٠ - حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
المفردات. حييت: دعاء له بالتحية، والتحية السلام، واصل معناه دعاء له بالحياة، ثم عم في كل كلام يلقيه بعض الناس على بعض بقصد الدعاء، كقولهم: أبيت اللعن، وصبحك الله بخير، ونحوه، ثم خصته الشريعة الإسلامية بكلام معين، وهو قول القائل: السلام عليكم، قال الرسول ﷺ: ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، قالوا: بلى، قال: أفشوا السلام بينكم، وفي القرآن الكريم: ﴿وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ والتحية الملك أيضًا من ذلك (التحيات لله) معناه الملك لله ﵎، قال عمرو بن معد يكرب:
أسير به إلى النعمان حتى أنيخ على تحيته بجند
وتكون التحية بمعنى البقاء، قال زهير بن جناب الكلبي:
أبني إن أهلك فإ ني قد بنيت لكم بنيه
وتركتكم أولاد سا دات زنادكمو وريه
[ ٢ / ١٤٥ ]
من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية
معناه إلا البقاء، فإنه لا ينال، ويقال: حياك الله وبياك، فمعنى حياك ملكك، ومعنى بياك أضحكك. طلل: انظر البيت رقم -١ - من معلقة طرفة. تقادم عهده: معناه قدم عهده بسكانه الذين نزلوه. أقوى: خلا، يقال: منزل قواء إذا كان خاليًا ويقال: أقوى الرجل إذا ذهب زاده، قال تعالى: ﴿نحن جعلناها تذكرةً ومتاعًا للمقوين﴾ أي للمسافرين الذين ذهبت أزوادهم، وأقفر معناه مثل معنى أقوى: فهما مترادفان، فلما اختلفت اللفظتان نسق إحداهما على الأخرى، وجمع بينهما لضرب من التأكيد، وانظر البيت رقم -٧٦ - من معلقة طرفة. أم الهيثم: كنية عبلة.
المعنى يقول: أخصك بالتحية من بين الأمكنة يا مكان عبلة ومحل نزولها مع كونك قد قدم عهدك بسكانك الذين نزلوك وأقاموا فيك، وحالة كونك قد أصبحت خاليًا بعد ذهابهم عنك.
الإعراب. حييت: فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، إذ المراد منها الدعاء. من: حرف جر زائد. طلل: تمييز منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. تقادم: فعل ماض. عهده: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر على اللفظ، أو في محل نصب على المحل صفة طلل. أقوى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى طلل، والجملة الفعلية صالحة للوصفية والحالية من طلل على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ الواو: حرف عطف. أقفر: فعل ماض، والفاعل
[ ٢ / ١٤٦ ]
يعود إلى طلل أيضًا، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. بعد: ظرف زمان متعلق بأحد الفعلين السابقين على التنازع، وبعد مضاف وأم مضاف إليه، وأم مضاف والهيثم مضاف إليه.
١١ - حلت بأرض الزائرين، فأصبحت عسرًا علي طلابك، ابنة مخرم
المفردات. حلت: نزلت. الزائرين: أراد بهم الأعداء فقد شبه توعدهم وتهددهم بزئير الأسد، أي كأنهم يزأرون كما يزأر الأسد، ويروى (شطت مزار العاشقين) فمعناه عبلة من مزار العشقين. عسر: أي عسير ضد سهل، فالأول من عسر عليه من باب طرب، والثاني من عسر يعسر من باب كرم (مختار) الطلاب والمطالبة مصدران لطالب، والطلب مصدر طلب. مخرم: اسم رجل، وقيل: اسمه مخرمة، ثم رخم في غير النداء، وهو شاذ، هذا وفي البيت التفات من الغيبة إلى الخطاب، كما في صدر سورة الفاتحة، كما هو واضح، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه هي فوائد العامة، ويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته؛ وخصه بالمواجهة والانتباه لمغزاه.
المعنى يقول: نزلت الحبيبة بأرض أعدائي، فعسر علي طلبها، وفي البيت التفات لا يخفى حيث التفت من الغيبة إلى الخطاب كما في صدر سورة الفاتحة، والالتفات باب واسع من أبواب البلاغة، ذكره الخطيب القزويني في كتابه تلخيص المفتاح.
الإعراب. حلت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر
[ ٢ / ١٤٧ ]
تقديره هي يعود إلى عبلة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بأرض: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأرض مضاف والزائرين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. الفاء: حرف عطف. أصبحت: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمه ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى عبلة أيضًا. عسرًا: خبر أصبحت، وجملة (أصبحت عسرًا) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. علي: جار ومجرور متعلقان بعسر لأنه صفة مشبهة. طلابك: فاعل بعسر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ابنة: منادي حذفت منه (يا) النداء، وهو مضاف ومخرم مضاف إليه، خذ هذا الإعراب، وجوز التبريزي رفع (عسر) على انه خبر مقدم، وطلابك مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب خبر (أصبحت) كما جوز رفع (ابنة) على أنه اسم (أصبحت) مؤخر وجملة (عسر علي طلابك) خبرها مقدم، ويكون المعنى: فأصبحت ابنة مخرم طلابها عسر علي، كما تقول: كانت هند أبوها منطلق، كما جوز النحاس وجهًا آخر، وهو أن يكون (طلابك) بدلا من المضمر الذي في أصبح، وكل هذه الوجوه ظاهر فيها التعسف، تأمل وتدبر، والله أعلى وأعلم وأجل وأكرم.
١٢ - علقتها عرضًا، وأقتل قومها زعمًا -لعمر أبيك- ليس بمزعم
المفردات. علقتها: أحببتها، يقال: بفلان علق من فلانة وعلاقة، أي حب قد نشب بقلبه وعلق به، ومنه قول المرار الفقعسي يخاطب نفسه على التجريد:
أعلاقة أم الوليد بعد ما أفنان رأسك كالثغام المخلس
[ ٢ / ١٤٨ ]
عرضا: فجاءه من غير قصد له. القوم: انظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. زعما: فيه قولان: أحدهما أني أحبها، وأقتل قومها فكأن حبها زعم مني، ادعاء باطل، والقول الآخر أن أبا عمرو الشيباني قال: يقال: زعم يزعم زعمًا إذا طمع، فيكون على هذا (الزعم) اسمًا بمعنى الزعم وانظر البيت رقم -١٩ - من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري، لعمر أبيك: انظر البيت رقم -٧٤ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إنني شغفت بهذه الفتاة، وتعشقتها مفاجأة، وبدون قصد مني مع ما بيني وبين قومها من الحرب والعداوة التي لا تنقطع، ثم التفت إلى مخاطبه، وقال له: أقسم بحياتك إن طمع في غير مطمع لأنه لا يمكنني الظفر بوصالها لما بين حيينا من القتال والمعاداة.
الإعراب. علقتها: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. عرضا: مفعول مطلق على حد (قعدت جلوسًا) وقيل: تمييز، والأول أولى بالاعتبار (وأقتل قومها) في إعراب هذه الجملة ثلاثة أقوال ذكرها ابن هشام في أوضح المسالك. الأول: الواو: واو الحال. أقتل: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. قومها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من الضمير المنصوب، والرابط الواو والضمير، وهذا الوجه قيل: إنه ضرورة لأن الجملة الحالية التي فعلها مضارع مثبت لا تقترن بالواو. الوجه الثني أن الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أنا أقتل قومها، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال، وهذا وجه لا ضرورة فيه. الوجه الثالث أن الواو ليست واو الحال، وإنما هي واو العطف، والفعل
[ ٢ / ١٤٩ ]
(أقتل) مؤول بالماضي، والجملة الفعلية على هذا التأويل معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. زعمًا: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير زعمت زعمًا، ويروى بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا زعم، والجملة سواء أكانت فعلية أم اسمية مستأنفة لا محل لها (لعمر أبيك) اللام. لام الابتداء. عمر: مبتدأ خبره محذوف، تقديره قسمي، وعمر مضاف وأبيك مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية هذه معترضة بين الصفة والموصوف لا محل لها من الإعراب. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الزعم. الباء: حرف جر زائد. مزعم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبة فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الجر الزائد، وجملة (ليس بمزعم) في محل رفع أو نصب صفة لزعم على الاعتبارين فيه.
١٣ - ولقد نزلت، فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
المفردات. فلا تظني: فلا تعتقدي. المحب: اسم مفعول من أحب الرباعي، وهو قليل، إذ الأكثر في استعمالاتهم مجيء اسم الفاعل من أحب الرباعي، فيقال: محب بكسر الحاء واصل المحب المحبب، نقلت حركة الباء الأولى إلى الحاء، ثم أدغمت الباء في الباء. المكرم: اسم مفعول أيضًا من أكرم.
المعنى يقول: والله لقد حللت أيتها العشيقة من قلبي في محل من هو حبيب مكرم، فتيقني هذا واعلميه واقعًا قطعًا، ولا تظني غيره واقعًا أبدًا.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة
[ ٢ / ١٥٠ ]
في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. نزلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له (فلا) الفاء: حرف تفريع على القسم. لا: ناهية جازمة. تظني: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة المؤنثة ضمير متصل في محل رفع فاعل. غيره: مفعول به أول لتظن، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني محذوف لدلالة المقام عليه، تقديره: واقعًا. مني: جار ومجرور متعلقان بالفعل نزلت، وعليه فجملة (لا تظني غيره واقعًا) معترضة بين الفعل (نزلت) ومتعلقة. بمنزلة: جار ومجرور، قيل: متعلقان بالفعل نزلت، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة المصدر محذوف يقع مفعولًا مطلقًا لنزلت، وتقدير الكلام: ولقد نزلت مني منزلة مشابهة منزلة المحب، وإن اعتبرت الباء زائدة، فيكون منزلة هو المفعول المطلق، ولا حاجة إلى هذه التقديرات، ويكون منصوبًا، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من طهورها اشتغال المحل بحركة حرف الزائد، ويضعفه عدم ورود الباء زائدة في المفعول المطلق، ومنزلة مضاف والمحب مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والمحب صفة لموصوف محذوف. المكرم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وفيه وفي المحب ضمير مستتر هو نائب فاعلهما.
١٤ - كيف المزار وقد تربع أهلها بعنيزتين، وأهلنا بالغيلم
المفردات. المزار: مكان الزيارة، وقيل: هو مصدر كالزيارة، والزيارة معناها الميل، يقال: زرت الرجل إذا ملت إليه، ونزلت عنده، قال تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين﴾ أي تمايل، ويقال: فلان زور فلان، أي زائره، وفلانة زور فلانة، أي زائرتها، ورجال زور ونساء زور، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لأن صيغته صيغة المصدر وانظر البيت
[ ٢ / ١٥١ ]
رقم -٩٤ - . تربع أهلها: معناه نزلوا في الربيع، يقال: قد تربع بنو فلان، وارتبعوا مكان كذا وكذا إذا نزلوه في الربيع ورعوه، وانظر شرح الأهل في البيت رقم -٨ - عنيزتين والغيلم: اسما مكانين معروفين.
المعنى يقول: كيف تتأتى لي زيارة الحبيبة، وقد نزل أهلها زمن الربيع بعنيزتين، ونزل أهلنا بالغيلم، وبين المكانين مسافة بعيدة، ومشقة شديدة.
الإعراب. كيف: اسم استفهام إنكاري، أو تعجبي مبني على الفتح في محل رفع مقدم. المزار: مبتدأ مؤخر. الواو: واو الحال. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. تربع فعل ماض. أهلها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المزار، والعامل الاستفهام، والرباط الواو فقط على حد قوله تعالى ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ بعنيزتين: جار ومجرور متعلقان بالفعل تربع. الواو: حرف عطف. أهلنا: فاعل لفعل محذوف، تقديره: حل دل عليه ما قبله، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية هذه معطوفة على سابقتها فهي مثلها في محل نصب حال. بالغيلم: جار ومجرور متعلقان بالفعل المحذوف، هذا ولك، تعتبر الواو واو الحال. وأهلنا مبتدأ، والجار والمجرور بالغيلم في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من أهلها، والرابط الواو فقط، وهذا كلام لا غبار عليه. تأمل وتدبر وربك أعلم، وأجل وأكرم ..
١٥ - إن كنت أزمعت الفراق، فإنما زمت ركابكمو بليل مظلم
المفردات. أزمعت: قال الأصمعي: يقال: قد أزمعت على الأمر، وأجمعت عليه، وعزمت عليه سواء، أي جزمته وصممت على فعله، وانظر البيت رقم -٢٦ - من معلقة امرئ القيس-. زمت: شدت بالأزمة جمع زمام
[ ٢ / ١٥٢ ]
انظره في البيت رقم -٢٤ - من معلقة لبيد. ركاب: اسم جمع لا واحد له من لفظه، ولا يستعمل إلا في الإبل خاصة، واحدتها راحلة من غير جنسها، وقال الفراء: واحدها ركوب، مثل قلوص وقلاص، والركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها؛ والركبان الجماعة منهم، والشطر الثاني إنما هو كناية عن تدبير الأمر بليل.
المعنى يقول: إن كنت أيتها العشيقة قد عزمت على مفارقتنا، فإن هذا الأمر قد دبرتموه بليل، فكأن قد زمت في ذلك الوقت، وهيئت للرحيل.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. كنت: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. أزمعت: فعل وفاعل. الفراق: منصوب على نزع الخافض، التقدير: على الفراق، والناصب له عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين النزع، وجملة (أزمعت الفراق) في محل نصب خبر كنت، وجملة (كنت الخ) لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، إذ التقدير: إن كنت فلا عجب ولا غرابة. الفاء: حرف دال على التعليل. إنما: كافة ومكفوفة. زمت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ركابكمو: نائب فاعل، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع، وجملة (زمت ركابكم) لا محل لها لأنها مفيدة للتعليل. بليل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. مظلم: صفة ليل.
١٦ - ما راعني إلا حمولة أهلها وسط الديار تسف حب الخمخم
المفردات. راعني: أفزعني، يقال: راعني الشيء يروعني روعًا،
[ ٢ / ١٥٣ ]
وارتعت له ارتياعًا، ويقال: رجل رائع وامرأة رائعة إذا كانا يروعانك من جمالهما إذا فاجأتهما بالنظر، وانظر البيت رقم -١٧ - من معلقة طرفة. حمولة: انظر البيت رقم -٧٩ - من معلقة طرفة. أهلها: انظر البيت -٨ - وسط: انظر البيت رقم -٣٥ - من معلقة لبيد ﵁. الديار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. تسف: بفتح السين تأكل، يقال: سففت الدواء وغيره أسفه. الخمخم: بقلة لها حب أسود إذا أكلته الإبل والغنم قلت ألبانها وتغيرت، وإنما يصف أنها تأكل هذا لأنها لم تجد غيره، وروى أبو جعفر وغيره (حب الحمحم) بالحاء، وقال: هو آخر ما يبس من النبت وهو الذي راعه، لأنه أسرع يبسًا من غيره.
المعنى يقول: إنه أفزعه أكل الإبل حب الخمخم، لأنه لم يبق شيء إلا الرحيل إذا صارت تأكل حب الخمخم، وذلك أنهم كانوا مجتمعين في الربيع، فلما يبس الكلأ ارتحلوا وتفرقوا.
الإعراب. ما: نافية. راعني: فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. إلا: حرف حصر. حمولة: فاعل راعني، وهو مضاف وأهلها مضاف إليه، وهما: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وسط: ظرف مكان متعلق بالفعل بعده، وهو مضاف والديار مضاف إليه. تسف: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى حمولة. حب: مفعول به، وهو مضاف والخمخم مضاف إليه، وجملة (تسف حب الخ) في محل نصب حال من حمولة أهلها، والرابط الضمير فقط، وجملة (ما راعني الخ) مستأنفة لا محل لها من الاعراب.
١٧ - فيها اثنتان وأربعون حلوبة سوداء كخافية الغراب الأسحم
المفردات. حلوبة: أي محلوبة، وهو في الأصل صفة لموصوف
[ ٢ / ١٥٤ ]
محذوف، والحلوبة تستعمل بلفظ واحد للواحد والمثنى والجمع، وقيل: هي بمعنى محلوب، وفعول إذا كان بمعنى جاز أن تلحقه تاء التأنيث عندهم وجمع حلوبة حلائب، ويروى مكان حلوبة (خلية) والخلية أن تعطف ثلاث نوق، أو اثنتان على حوار واحد، وتنحر أولادها فيدررن عليه، فيلمظ من ثنتين، ويتخلى الراعي بواحدة لنفسه، وإنما تعطف هذه الخلية عليه، ثم يتخذونها لأنفسهم لأنهم لو لم يعطفوها على ولد لم تدرر وجمع خلية خلايا. سودا: إنما خص السود بالذكر لأن ما كان لحلب فالسواد فيه أبهى وأملأ للفناء، وهم يستحبون الحمر والصهب للركوب- وقد يطلقون اسم الصفر على السود كما في قوله تعالى: ﴿كأنه جمالة صفر﴾ -. خافية الغراب: جمعها خوافي، وهي أربع من ريش الجناح تكون مما يلي الظهر، لا تظهر بخلاف القوادم فإنها تظهر، والخوافي قوة للقوادم كما قال بشار بن برد:
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوة للقوادم
الأسحم: الأسود الشديد السواد، وهو لون الغربان، هذا والتاء في اثنتان كالتاء في ابنتان، إلا أنهم لم يقولوا: اثنة، كما قالوا: ابنة، ويقال: ثنتان، وبنتان، إلا أنه لم يستعمل واحد الثنتين بالتاء، كما استعمل بنت، ومجيء الهمزة في أولهما أحسن لأن اللغة العالية على ذلك، والأخرى جيدة أيضًا.
المعنى يقول: يوجد في حمولة أهل الحبيبة اثنتان وأربعون ناقة حلوبة سودًا، مثل ريش الغراب الخفي، ففيه إيماء بأن أهل الحبيبة ذوو غنى ويسار.
الإعراب. فيها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ثنتان: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه ملحق
[ ٢ / ١٥٥ ]
بالمثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. الواو: حرف عطف. أربعون: معطوفة على سابقة بالواو العاطفة مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. حلوبة: تمييز للعدد، وهو صفة لموصوف محذوفة. سودا: يروى بالرفع والنصب، فالرفع على أنه صفة للعدد، والنصب من ثلاثة أوجه ذكرها ابن هشام في كتابه شذور الذهب: الأول كونه صفة لحلوبة، الثاني كونه حالًا من العدد، الثالث كونه حالًا من حلوبة مع كونه نكرة، وهو ما استشهد به ابن هشام على مجيء الحال من النكرة كما في قول عائشة ﵂: صلى رسول الله ﷺ جالسًا، وصلى وراءه رجال قيامًا، وقال: كما روى سيبويه من قولهم: عليه مئة بيضًا، وأقول: اعتبار (سودًا) حالًا من العدد لا يجيزه الجمهور لأنه مبتدأ كما هو معروف في محاله، واعتبار (سودا) حالًا من حلوبة، وهو نكرة غير مسلم نه صفة لموصوف محذوف كما رأيت بخلاف (رجال) في الحديث فإنه نكرة وغير صفة لموصوف محذوف؛ فالحال منه، وهو نكرة الاخفاء فيه، لذا أرى أن اعتبار (سودا) صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو حال منه بعد وصفه بحلوبة على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ أحق وأولى، وعلى رواية رفع (سود) واعتباره صفة للعدد.
قال التبريزي: فإن قيل: كيف جاز أن ينعتهما، وأحدهما معطوف على صاحبه، قيل: لأنهما قد اجتمعا فصارا بمنزلة قولك: جاءني زيد وعمرو الظريفان. كخافية: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة سود، فتكون هذه الصفة كاشفة ومبينة لقوة السواد، ولا تنس أن الكوفي يعتبر الكاف اسمًا فالمحل لها عنده، وخافية مضاف والغراب مضاف إليه.
[ ٢ / ١٥٦ ]
الاسحم: صفة الغراب، والجملة الاسمية (فيها اثنتان وأربعون) مستأنفة لا محل لها من الإعراب، هذا بالإعراض عما قبل البيت، وإلا فهي في محل نصب حال من (حمولة أهلها) في البيت السابق.
١٨ - فصغارها مثل الدبى، وكبارها مثل الضفادع في غدير مفعم
هذا البيت وتالياه لم يذكرها أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكرها الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي، نقلًا عن الجمهرة.
المفردات. صغارها: الضمير يعود إلى حمولة أهلها. الدبى: بفتح الدال الجراد قبل أن يطير الواحدة دباة. الضفادع: معروفة، واحدها ضفدع بوزن خنصر، والأنثى ضفدعة، وتاس يقولون بفتح الدال، وأنكره الخليل (مختار الصحاح) الغدير: انظر البيت رقم -١١ - من معلقة لبيد. مفعم: ملآن من أفعم الإناء ملأه.
المعنى يقول: إن صغار الحمولة كثيرة مثل الجراد الصغير قبل أن يطير، وإن كبارها كثيرة مثل الضفادع التي تعيش في غدير ملآن بالماء، فالمراد وصف الحمولة بالكثرة لا التحقير كما قد يتبادر إلى الأذهان لأنه يتنافى مع الأبيات السابقة واللاحقة.
الإعراب. الفاء: حرف تفريع من العد في البيت السابق. صغارها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. مثل: خبر المبتدأ، وهو مضاف والدبى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية لا محل لها من الإعراب لأنها مفرعة عما قبلها. الواو: حرف عطف. كبارها: مبتدأ، وها: في محل جر بالإضافة، مثل: خبر المبتدأ، وهو مضاف والضفادع مضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. في غدير: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة
[ ٢ / ١٥٧ ]
الضفادع على اعتبار (أل) للجنس، أو في محل نصب حال منه على اعتبار (أل) للتعريف. مفعم: صفة غدير.
١٩ - ولقد نظرت غداة فارق أهلها نظر المحب بطرف عيني مغرم
المفردات. غداة: انظر البيت رقم -٦٣ - من معلقة امرئ القيس. الطرف: انظر البيت رقم -٧٩ - من معلقة امرئ القيس. مغرم: صيغة اسم مفعول، والمراد اسم الفاعل من أغرم بالشيء إذا أولع به، ففعله ملازم للبناء للمجهول كما في فعل (مولع) إذ هو مثله معنى ووزنًا والغرام هو كل ما ترك صاحبه غير مستطيع أن يصنع شيئًا مه ولوع وشدة رغبة فيمن أغرم به.
المعنى يقول: أقسم بالله لقد نظرت إلى الحبيبة وقت غادر أهلها ديارهم نظرة مثل نظر العاشق المستهام الذي ذلله الغرام واستعبده.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. نظرت: فعل وفاعل، ومفعول محذوف، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. غداة: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. فارق: فعل ماض. أهلها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، وجملة (فارق أهلها) في محل جر بإضافة غداة إليها. نظر: مفعول مطلق، وهو مضاف والمحب مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. بطرف: جار ومجرور متعلقان بالمصدر (نظر المحب) أو بالفعل (نظرت) وطرف مضاف وعيني مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت للإضافة، وعيني مضاف ومغرم مضاف إليه.
[ ٢ / ١٥٨ ]
٢٠ - وأحب لو أسقيك غير تملق والله، من سقم أصابك من دمي
المفردات. لو: هنا مصدرية كما في قوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنةٍ﴾ أسقيك: يحتمل أن يكون من الثلاثي ومن الرباعي، وانظر البيت رقم -١٠ - من معلقة طرفة. التملق: التودد والتلطف، وهو مذموم إذا كان في الحضور فقط، وفي الغيبة يذم صاحبه ويقدح، قال صاحبه الزينبية:
لا خير في ود امرئ متملق حلو اللسان، وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنه بك واثقً وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وانظر البيت رقم -٥٥ - من معلقة زهير. السقم: لفتح السين والقاف المرض، ومثله السقم بضم السين وسكون القاف، والجمع أسقام، مثل الحزن والحزن والجمع أحزان، وانظر شرح (أصاب) في البيت رقم -٥٩ - من معلقة زهير، وشرح (دم) في البيت رقم -١٧ - منها.
المعنى يقول: أيتها الحبيبة أتمنى أن أسقيك غير متملق لك، وإنما أفعل ذلك وفاء لك من دمي من أجل مرض أصابك.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. أحب: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. لو: حرف مصدري. أسقيك: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، ولو والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل أحب، وجملة (أحب إلخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب غير: حال من فاعل أحب المستتر، وغير مضاف وتملق مضاف إليه (والله) الواو: حرف قسم وجر، ولفظ الجلالة مقسم به، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم، وجواب القسم
[ ٢ / ١٥٩ ]
محذوف لدلالة ما قبله عليه، والقسم وجوابه كلام معترض بين الفعل أسقيك وما تعلق به. من سقم: جار ومجرور متعلقان بالفعل أسقيك، ومن بمعنى من أجل. أصابك: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى سقم، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة سقم. من دمي: جار ومجرور متعلقان بالفعل أسقيك، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
٢١ - إذ تستبيك بذي غروب واضح عذب مقبله لذيذ المطعم
المفردات. تستبيك: تذهب بعقلك، وقولهم: سباه الله تعالى غربه الله وشرده. غروب: جمع غرب، وغرب كل شيء حده، وأراد بثغر ذي غروب، وغروب الأسنان حدها. واضح: هو في الأصل الظاهر الوضوح، وأراد به هنا الأبيض. المقبل: موضع التقبيل، ويريد بعذوبته طيب رائحته. المطعم: أراد الطعم، أي الذوق والمعنى لذيذ الذوق، قال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ أراد ومن لم يذقه.
المعنى يقول: اذكر وقت ذهبت بعقلك بثغر ذي أسنان حادة، وهو أبيض شديد البياض، يستعذب تقبيله، ويستلذ طعم ريقه.
الإعراب. إذ: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بالفعل (راعني) أو بفعل محذوف، تقديره: اذكر. تستبيك: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى من يتكلم عنها، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. الباء: حرف جر. ذي: اسم مجرور بالباء، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وهو صفة لموصوف محذوف كما رأيت، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وذي
[ ٢ / ١٦٠ ]
مضاف وغروب مضاف إليه. واضح: صفة ثانية للموصوف المحذوف. عذب: يروى بالجر والرفع مثل لذيذ، فالجر على أنهما صفتان لثغر المحذوف، ومتقبله فاعل بعذب، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ولذيذ مضاف والمطعم مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والرفع على أنه خبر مقدم، ومقبله مبتدأ مؤخر، ولذيذ خبر بعد خبر، وعليه فالجملة الاسمية الناتجة من ذلك صالحة للوصفية والحالية من ثغر المحذوف الموصوف بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٢٢ - وكأنما نظرت بعيني شادن رشأ من الغزلان ليس بتوءم
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي، وهو في الديوان.
المفردات. شادن: من شدن الغزال يشدن من باب دخل إذا قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، وربما قالوا: شدن المهر، أي كبر، فإذا قالوا: شادن ولم يذكروا معه موصوفًا فلا يريدون غير ولد الظبية. رشأ: هو الصغير الذي قوي من أولاد الظباء، من استرشى الفصيل طلب الرضاع قاموس، فصار معناه رضيعًا. ليس بتوءم: انظر البيت رقم -٧٢ - الآتي.
المعنى يقول: نظرت إلى المحبوبة، وكأنها نظرت بعيني ولد ظبية رضيع منفرد في بطن أمه، وفي رضاعه، فهو قوي غير ضعيف وغير هزيل.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كأنما: كافة ومكفوفة. نظرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى من يتحدث عنها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بعيني: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وعيني مضاف وشادن مضاف إليه، وهو صفة لموصوف
[ ٢ / ١٦١ ]
محذوف. رشأ: صفى ثانية للموصوف المحذوف. من الغزلان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة أو حال من الموصوف المحذوف، وتعليقهما بأحد الوصفين غير مستبعد. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف. الباء: حرف جر زائد. توءم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة (ليس بتوءم) صالحة للوصفية والحالية من الموصوف المحذوف على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٢٣ - وكأن فارة تاجر بقسيمة سبقت عوارضها إليك من الفم
المفردات. التاجر: أراد به العطار، وأراد بفارة العطار نافجة المسك التي تكون عنده، وإنما سميت فارة لأن الروائح الطيبة تفور منها، والأصل فيها فائرة، فخففت فقيل: فارة كما في قوله تعالى: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خير أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ هارٍ﴾ فأصله هائر، وكما في شاك السلاح، فإن أصله شائك، انظر البيت رقم -٤٣ - من معلقة زهير، ونافجة المسك الجلدة التي يجتمع فيها المسك، وهذه الجلدة تسقط من سرة ولد الغزال بعد ولادته بأيام، ونافجة المسك هي المسك الطبيعي، وجمعها نوافج، وقال صاحب مختار الصحاح: معربة، فإن قيل: لم خص الشاعر فارة التاجر بالذكر دون فارة الملك، فيقال: إنما خص فارة التاجر بالذكر لأنه لا يتربص بالمسك، إذ كان يتغير بالبيع والشراء فمسكه أجود من مسك الملك المخزون. القسيمة: الحسنة الوجه، والقسامة الحسن والصباحة، والتقسيم التحسين، قال الشاعر:
ويومًا توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
أي بوجه حسن جميل، وقال أبو جعفر: معناه بسوق فيها العطارون،
[ ٢ / ١٦٢ ]
فقد فاح ريحها، فكأن ريح فمها ريح تلك الفارة، وقال أبو محمد الرستمي: القسيمة عندي الساعة التي تكون قسمًا بين الليل والنهار، وفي تلك الساعة تغير الأفواه، وقيل: هي العير التي تحمل المسك. سبقت عوارضها .. الخ: معناه صارت إليك رائحتها قبل أن تقبلها، فكيف إذا قبلتها. العوارض: ما خلف الرباعية من الأسنان، ويقال: العوارض ما خلف الضواحك من ذا الشق ومن ذا الشق، وقال أبو جعفر: العوارض الضواحك، وأراد الأسنان كلها، لم يرد العوارض وحدها، والعوارض جمع عارض، قال التبريزي: وهذا الجمع الذي على فواعل لا يكاد يجئ إلا جمع فاعلة، نحو ضاربة وضوارب وإذا نظرت البيت رقم -٨٧ - من معلقة لبيد علمت أن (العارض) اسم مثل كاهل وعاتق، فجمعه على عوارض صحيح لا غضاضة فيه تأمل وتدبر والله يهديني وإياك طريق الحق والصواب.
المعنى يقول: كأن فارة مسك عطار بقسيمة فاحت رائحتها، وسبقت عوارض الحبيبة إليك من فمها قبل أن تقبلها، فكيف إذ قبلتها.
الإعراب. كأن: حرف مشبه بالفعل. فارة: اسمها، وهو مضاف وتاجر مضاف إليه. بقسيمة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة فارة تاجر. سبقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى فارة تاجر. عوارضها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (سبقت عوارضها) في محل رفع خبر كأن؛ وجملة (كأن الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. إليك: جار ومجرور متعلقان بالفعل سبقت. من الفم: جار ومجرور متعلقان به أيضًا.
٢٤ - أو روضةً أنفًا تضمن نبتها غيث قليل الدمن ليس بمعلم
المفردات. الروضة: هي المكان المطمئن يجتمع إليه الماء، فيكثر
[ ٢ / ١٦٣ ]
نبته، ولا يقال في الشجر روضة، وإنما الروضة في النبت، والحديقة في الشجر. أنفًا: معناه لم يرعها أحد، فهو أطيب لريحها، ويقال: كأس أنف إذا كانت لم يشرب بها قبل ذلك، والأنف التام من كل شيء، وقيل: هو أول كل شيء، ومنه استأنفت الأمر. تضمن نبتها: معناه تضمن إنبات نبتها، أي سقاه كلما احتاج إلى السقي. غيث: مطر. الدمن: السرجين والبعر، وانظر البيت رقم -١ - من معلقة زهير، فأراد أن هذه الروضة في مكان حر الطين خال من الشوائب. ليس بمعلم: معناه ليس بمكان معروف.
المعنى يقول: أو كأن روضة لم يرع بها أحد قط، وقد نما نباتها وسقاه مطر لم يلوث بسرجين أو غيره، وهي ليست في موضع معروف، فيقصدها الناس للرعي، فيؤثرون فيها ويوسخونها، ولا ريب إذا كانت بهذه المثابة أن نبتها يكون أطيب نبت وأزكاه.
الإعراب. أو: حرف عطف. روضة: معطوف على فارة تاجر في البيت السابق، وجوز التبريزي فيه الرفع بالعطف على المضمر الذي في (سبقت) وقال: وحسن العطف على المضمر المرفوع لأن الكلام قد طال، ولا داعي له. أنفًا: صفة روضة. تضمن: فعل ماض. نبتها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، غيث: فاعل تضمن، وجملة (تضمن الخ) في محل رفع خبر كأن في التقدير انظر المعنى، وقال ابن الأنباري: كلام مستأنف، والأول أولى. قليل: صفة غيث، وهو مضاف والد من مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى غيث، وجوز عوده إلى نبتها. الباء: حرف جر زائد. معلم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة (ليس بمعلم) في محل نصب حال من نبتها، أو من غيث بعد وصفه بما تقدم، أو صفة ثانية له
[ ٢ / ١٦٤ ]
على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٢٥ - أو عاتقًا من أذرعات معتقًا مما تعتقه ملوك الأعجم
هذا البيت والأبيات الثلاثة التالية لم يذكرها أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكرها الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا من الجمهرة والعقد الثمين.
المفردات. العاتق: هو الخمر التي عتقت زمانًا حتى عتقت، وهذه عندهم من أطيب الخمر. أذرعات: بلدة في حوران الشام، والنسبة إليها أذرعي. الأعجم: انظر البيت رقم -٣ - .
المعنى يقول: أو كأن معتقة مصنوعة في بلدة أذرعات، وهي مما تعتقه ملوك الأعاجم لتستلذ بشربها وتستطيبه، والغرض تشبيه نكهة الحبيبة بتلك الخمر المستطابة عندهم.
الإعراب. أو: حرف عطف. عاتقًا: معطوف على فارة تاجر في البيت -٢٣ - وعاتقًا صفة لموصوف محذوف. من: حرف جر. أذرعات: اسم مجرور بمن، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، ويجوز جره بالكسرة من غير تنوين، كما يجوز جره بالكسرة مع التنوين، وإن أردت أن تعرف سبب ذلك فانظر الشاهد -١٨٨ - من كتابنا فتح رب البرية، والجار والمجرور متعلقان بعاتقًا، أو بمحذوف صفة له، والأولى أولى. معتقًا: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وإن اعتبرته بدلًا من عاتقًا فالمعنى لا يأباه (مما) من: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بمن، والجار والمجرور متعلقان بمعتقًا. تعتقه: فعل مضارع، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ملوك: فاعل، وهو
[ ٢ / ١٦٥ ]
مضاف والأعجم مضاف إليه، وجملة (تعتقه ملوك) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
٢٦ - نظرت إليه بمقلة مكحولة نظر المليل بطرفه المتقسم
المفردات. إليه: إلى النبت المذكور في البيت -٢٤ - المقلة: شحمة العين التي تجمع البياض والسواد، وجمعها مقل. المليل: هو الرجل الذي أحرقته الشمس، وهو مأخوذ من الملة، وهي الرماد الحار الذي يوضع فيه الخبز واللحم لينضج فيه. الطرف: انظر البيت رقم -٧٩ - من معلقة امرئ القيس. المتقسم: أراد به المتكسر الفاتر، وهو في هذه الحال يكون هادئًا ساكنًا، ولعله مأخوذ من القسامة، وهي الحسن كما في البيت -٢٣ - .
المعنى يقول: نظرت الحبيبة إلى الروضة بعين مكحولة، نظرًا مثل نظر الرجل الذي أحرقته الشمس عندما ينظر بطرفه الساكن الهادئ، وهو في هذه الحال أحسن ما يكون.
الإعراب. نظرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى من يتحدث عنها، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. إليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بمقلة: جار ومجرور متعلقان به أيضًا. مكحولة: صفة مقلة. نظر: مفعول مطلق، وهو مضاف والمليل مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. بطرفه: جار ومجرور متعلقان بالمصدر قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. المتقسم: صفة طرفه. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٢٧ - وبحاجب كالنون زين وجهها وبناهد حسن، وكشح أهضم
المفردات. النون: أراد حرف النون الذي هو أحد الحروف الهجائية،
[ ٢ / ١٦٦ ]
والمراد تشبيه حاجبها بالنون بالاستدارة والتقويس. الناهد: أراد الثدي الناهد، أي المرتفع، والناهد هي البنت التي كعب ثديها وارتفع، فهي ناهد وناهدة. الكشح: هو ما بين السرة ووسط الظهر؛ والجمع كشوح، والكاشح هو الذي يضمر لك العداوة، أهضم: دقيق لطيف.
المعنى يقول: ونظرت الحبيبة إلى الروض بحاجب مستدير مقوس مثل حرف النون، وهذا الحاجب يزيد وجهها حسنًا وبهاء، ونظرت بثدي حسن قد ارتفع وكعب، ونظرت بكشح لطيف ودقيق، أي ضامر، والمراد اتصافها بهذه الصفات وقت نظرها لا أنها نظرت بها حقيقة.
الإعراب. الواو: حرف عطف. بحاجب: جار ومجرور معطوفان على قوله (بمقلة) في البيت السابق، فهما متعلقان بالفعل (نظرت) حكمًا بسبب العطف. كالنون: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة حاجب. زين: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى حاجب. وجهها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (زين وجهها) صالحة للوصفية والحالية من حاجب بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ وبناهد: جار ومجرور معطوفان بالواو العاطفة على ما قبلهما، وناهد صفة لموصوف محذوف. حسن: صفة ثانية للموصوف المحذوف. الواو: حرف عطف. كشح: معطوف على سابقه. أهضم: صفة كشح، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع من الصرف للصفة ووزن أفعل.
٢٨ - ولقد مررت بدار عبلة بعدما لعب الربيع بربعها المتوسم
المفردات. دار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. الربيع: أراد مطر الربيع ورياحه. الربع: انظر البيت رقم -٦ - من معلقة زهير. المتوسم: المربع الكثير العشب والكلأ من قولهم: توسل الرجل طلب الكلأ.
[ ٢ / ١٦٧ ]
المعنى يقول: أقسم بالله لقد مررت بدار عبلة التي كانت تقطنها، ثم ارتحلت عنها بعد هطول مطر الربيع على دارها التي أنبتت الكلأ والعشب الكثير.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. مررت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. بدار: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ودار مضاف وعبلة مضاف إليه مجرور؛ وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل مررت أيضًا. ما: مصدرية. لعب: فعل ماض. الربيع: فاعل. بربعها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. المتوسم: صفة ربعها، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه.
٢٩ - جادت عليه كل بكر حرة فتركن كل حديقة كالدرهم
المفردات. جادت: أمطرت بمطر جود، أي كثير، والجود من المطر هو الذي يروي كل شيء، ويرضي أهله. عليه: على النبت المذكور في البيت -٢٤ - بكر: أراد سحابة في أول الربيع التي لم تمطر. حرة: بيضاء، وقال الزوزني: الحرة الخالصة من البرد والريح، والحر من كل شيء خالصه وجيده، ومنه طين حر لم يخالطه رمل، ومنه أحرار البقول، وهي التي تؤكل منها، وحرر المملوك خلص من الرق، وأرض حرة لا خراج عليها، وثوب حر لا عيب فيه، ويروى (كل عين ثرة) فقيل: أراد بعين سحابة تأتي من ناحية قبلة
[ ٢ / ١٦٨ ]
أهل العراق، وقيل: العين مطر أيام لا يقلع، خمسة أو ستة، أو نحو ذلك، وثرة كثيرة. حديقة: انظر البيت رقم -٢٤ - ويروى مكان حديقة (قرارة) وهي المكان المطمئن من الأرض يجتمع فيه السيل .. كالدرهم: أي في الاستدارة، أو البريق واللمعان.
المعنى يقول: أمطرت على هذا النبت كل سحابة، كثيرة الماء حتى تركت كل حديقة مثل الدرهم في الاستدارة، أو في الصفاء والبياض والبريق واللمعان.
الإعراب. جادت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. كل: فاعل جادت، وكل مضاف وبكر مضاف إليه. حرة: صفة بكر، وجملة (جادت الخ) مستأنفة لا محل لها. الفاء: حرف عطف وسبب. تركن: فعل وفاعل. كل: مفعول به أول، وهو مضاف وحديقة مضاف إليه. كالدرهم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب به مفعول به ثان لترك؛ وإن اعتبرت الكاف اسمًا فلست مفندًا، ويظهر المفعول، ويظهر المفعول الثاني فيها أكثر، وجملة (تركن .. الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
٣٠ - سحًا وتساكبًا، فكل عشية يجري عليها الماء لم يتصرم
المفردات. السح: الصب والانصاب، وتسكاب تفعال من السكب، وهو بمعنى الأول مع اختلاف في اللفظ، فهما مترادفان، والعرب تفعل ذلك اتساعًا وتوكيدًا كما في قوله طرفة (ينأ عنه ويبعد) وانظر البيت رقم -٥٧ - من معلقة طرفة. عشية: انظر البيت رقم -٦٣ - من معلقة امرئ القيس. لم يتصرم، والصرم القطع، قال تعالى حكاية عن قول أصحاب الجنة المذكورين في سورة نون: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾.
[ ٢ / ١٦٩ ]
المعنى يقول: إن المطر قد نزل على النبت المذكور في بيت سابق صبًا وتساكبًا، فكل عشية يجري عليه الماء من السحاب حالة كونه غير منقطع عنها، وإنما خص وقت العشي بالذكر لأن الزهر والنبات أحوج إلى الماء بالعشي من غيره، وقال ابن الاعرابي: خص مطر العشي لأنه أراد الصيف، فأكثر ما يكون مطره بالعشي-.
الإعراب. سحًا: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، وهو قوله (جادت) في البيت السابق، مثل قول العرب (هو يدعه تركًا) وإن اعتبرت عامله محذوفًا، التقدير: تسح سحًا فلست مفندًا، وتكون الجملة هذه تابعة لبكر حرة. الواو: حرف عطف. تساكبًا: معطوف على سابقه، فهو مفعول مطلق أيضًا. الفاء: حرف عطف. كل: ظرف زمان أخذ الظرفية من المضاف إليه، متعلق بالفعل يجري بعده، وكل مضاف وعشية مضاف إليه. يجري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. عليها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الماء: فاعل يجري، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (جادت الخ) في البيت السابق لا محل لها مثلها. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يتصرم: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الماء، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الماء، والرابط ضمير فقط، وهو رجوع الفاعل.
٣١ - وخلا الذباب بها فليس ببارح غردًا كفعل الشارب المترنم
المفردات. خلا الذباب: معناه قد خلا هذا المكان له، فليس فيه شيء يزاحمه، ولا يفزعه، فهو يصوت في رياضه، والذباب واحد يؤدي عن جماعة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه
[ ٢ / ١٧٠ ]
منه﴾ وجمعه أذبة في القلة وذبان في الكثرة، ولا ريب أن المراد بالذباب هنا الجمع، والذباب أيضًا طرف كل شيء وحده، ومنه ذباب السيف. بارح: اسم فاعل من برح الناقصة التي تفيد الاستمرار، فمعناه ليس بزائل، وفعله ناقص التصرف لا يأتي منه غير الماضي والمضارع. غردا: هو من قولهم: غرد يغرد تغريدًا إذا طرب، وأخرج (غردًا) على قوله: غرد يغرد غردًا، فهو غرد الشارب: أراد شارب الخمر، المترنم: هو الذي يطرب قليلًا قليلًا، لا يرفع صوته، والترنم ترديد الصوت بضرب من التلحين.
الأعراب. الواو: حرف عطف. خلا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. الذباب: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (جادت الخ) أو هي مستأنفة لا محل لها على الوجهين. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: حرف عطف وسبب. ليس: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الذباب (ببارح) الباء: حرف جر زائد. بارح: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. غردا: خبر بارح انظر المفردات، وعليه فاسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الذباب، وقال التبريزي: منصوب على الحال، أي من الذباب، والأول أصح، وجملة (ليس الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. كفعل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف مع الفعل، والتقدير: يفعل فعلًا مثل فعل الشارب، وفعل مضاف والشارب مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، وقد حذف مفعوله
[ ٢ / ١٧١ ]
أيضًا كما رأيت في المعنى وفاعله ضمير مستتر فيه. المترنم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٣٢ - هزجًا يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
المفردات. الهزج: السريع الصوت المدارك صوته، والهزج خفة وتدارك، وقد سمي بحر الهزج بذلك لما يلحظ من تفعيلاته هذه الخفة. يحك: الحك معروف، وأراد بيحك يسن كما في رواية أخرى. القدح: معروف، وهو إخراج النار من الزناد. المكب: اسم فاعل من أكب الرباعي، وانظر البيت رقم -٨٥ - من معلقة امرئ القيس. الزناد: جمع زند وهو العود الأعلى الذي تقتدح به النار، والزندة العود الأسفل الذي فيه الفرضة، فإذا اجتمعا قيل: الزندان، والجمع زناد وأزند وأزناد. الأجذم: المقطوع اليد، وقال بعضهم: الزناد هو الأجذم، فهو قصير، وهو أشد لإكبابه عليه.
المعنى يقول: إن الذباب المذكور في البيت السابق يصوت حال حكه إحدى ذراعيه بالأخرى مثل قدح رجل ناقص اليد، قد أكب على الزناد يقدح فيها، وانظر البيت رقم -٣١ - من معلقة طرفة.
الإعراب. هزجا: بكسر الزاي خبر ثان لبارح في البيت السابق، ويروى بفتحها على أنه مصدر؛ أي مفعول مطلق لفعل محذوف، والأول أجود. يحك: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الذباب. ذراعه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بذراعه: جار ومجرور متعلقان بالفعل يحك، والهاء مضاف إليه، وجملة (يحك .. الخ) في محل نصب حال من الذباب في البيت السابق، أو في محل نصب خبر ثالث لبارح-. قدح: مفعول مطلق، وهو في الأصل مضاف إليه صفة مفعول مطلق، فحذف المفعول المطلق وصفته فانتصب انتصاب المفعول المطلق،
[ ٢ / ١٧٢ ]
وأصل الكلام: يحك ذراعه حكًا مثل قدح الخ، وقدح مضاف والمكب مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. على الزناد: جار ومجرور متعلقان بالمكب، والمكب صفة لموصوف محذوف. الأجذم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وقيل: هو صفة الزناد.
٣٣ - تمسي وتصبح فوق ظهر حشية وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
المفردات. الحشية: الفرش المحشو صوفًا أو غيره، والجمع حشايا، ويروى مكان حشية (فراشها) السراة: أعلى الظهر؛ وسراة النهار أوله. أدهم: أسود، ويروى (أجرد صلدم) والأجرد القصير الشعر من الخيل؛ وطول الشعر هجنة، والصلدم القوي الشديد.
المعنى يقول: تسمى عبلة وتصبح منعمة موطأ لها الفرش الناعمة، وأبيت أنا فوق ظهر فرس أدهم ملجم، أقاسي الأهوال والشدائد من جراء الحروب المتواصلة.
الإعراب. تمسي: فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، واسمه ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى عبلة. الواو: حرف عطف. تصبح: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى عبلة أيضًا. فوق: ظرف مكان تنازعه الفعلان الناقصان، فهو متعلق بمحذوف خبر أحدهما، وخبر الثاني محذوف، والثاني أولى عند البصريين، والأول أولى عند الكوفيين، وفوق مضاف وظهر مضاف إليه، وظهر مضاف وحشية مضاف إليه، وجملة (تمسي) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. أبيت: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره أنا. فوق: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أبيت، وفوق مضاف وسراة مضاف إليه، وسراة مضاف وأدهم مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع
[ ٢ / ١٧٣ ]
من الصرف للصفة ووزن أفعل، وأدهم صفة لموصوف محذوف. ملجم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٣٤ - وحشيتي سرج على عبل الشوى نهد مراكله نبيل المحزم
المفردات. حشيتي: انظر البيت السابق. السرج للفرس مثل الجل للحمار. عبل الشوى: معناه على فرس غليظ القوائم والعظام كثير العصب، ويقال: رجل عبل وامرأة عبلة، وقد عبل عبالة إذا غلظ، والشوى القوائم، والشوى في غير هذا الموضع جمع شواة، وهي جلدة الرأس، قال تعالى عن نار جهنم: ﴿كلا إنها لظى (١٥) نزاعةً للشوى﴾ والشوى رذال المال، قال أعرابي، وقد نحر ناقة في شدة أصابتهم:
أكلنا الشوى حتى إذا لم ندع شوى أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
نهد: ضخم مرتفع. مراكل: جمع مركل، وهو موضع الركل، والركل الضرب بالرجل، وأراد بالمركل موضع ضرب الرجلين من بطن الدابة. نبيل: سمين، ونبيل في غير هذا الموضع مأخوذ من النبل، وهو الفضل والشرف إلخ. المحزم: أراد موضع الحزام من بطن الفرس.
المعنى يقول: بينما ينام غيري على الفرش الوثيرة والوطاءات الناعمة أجعل فراشي سرجًا على ظهر فرس غليظ القوائم والأطراف، ضخم الجنبين، منتفخهما سمين موضع الحزام منه، وشتان ما بين الحالين.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. حشيتي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. سرج: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. على عبل: جار ومجرور متعلقان
[ ٢ / ١٧٤ ]
بمحذوف صفة سرج، وعبل مضاف والشوى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وعبل صفة لموصوف محذوف. نهد: صفة ثانية للموصوف المحذوف. مراكله: فاعل بنهد لأنه صفة مشبهة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. نبيل: صفة ثالثة للموصوف المحذوف، ونبيل مضاف والمحزم مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها.
٣٥ - هل تبلغني دارها شدنية لعنت بمحروم الشراب مصرم؟
المفردات. تبلغني: توصلني. دار: انظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. شدنية: ناقة منسوبة إلى حي وأرض باليمن، يقال لها: شدن. لعنت: يدعو عليها بانقطاع لبنها، وذلك بأن لا تلقح، فهو أشد لها وأقوى، وأصل اللعن البعد والطرد والحرمان كما هو معروف، وهو حرام لا يجوز أن يوجه إلى مخلوق قطعًا. الشراب: أراد اللبن، وقال خالد بن كلثوم: معنى (لعنت بمحروم الشراب) نحيت عن الإبل لما علم أنها معقومة، أي لا تحمل، فجعلت للركوب الذي لا يصلح له إلا أمثالها. مصرم: مقطوع لبنه، وقال أبو جعفر: المصرم الذي يكوى رأس خلفه حتى ينقطع لبنه، وهو هنا (مثل لاكي) يريد أنها معقومة، لا لبن لها.
المعنى يقول: أتمنى أن توصلني إلى ديار الأحبة ناقة منسوبة إلى أرض وقبيلة شدن، دعي عليها بأن لا تلقح ولا تحمل، فينقطع لبنها، وقد استجيب الدعاء عليها بذلك، وإنما تمنى ناقة بهذه المثابة لأنها تكون أقوى وأصبر على مقاساة شدائد الأسفار، لأن كثرة الحمل والولادة تورث الناقة ضعفًا وهزالًا.
الإعراب. هل: حرف استفهام مفيد للتمني. تبلغني: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، أو هي الخفيفة، والنون
[ ٢ / ١٧٥ ]
المدغمة فيها هي نون الوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. دارها: مفعول به ثان، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. شدنية: فاعل، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، وجملة (هل تبلغني الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. لعنت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة الموصوفة بما تقدم، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف. بمحروم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومحروم مضاف والشراب مضاف إليه. مصرم: صفة محروم الشراب.
٣٦ - خطارة غب السرى زيافة تطس الإكام بوخد خف ميثم
المفردات. خطارة: أي تخطر بذنبها تحركه، وترفعه تضرب به وركيها، وإنما تفعل ذلك لنشاطها. غب السرى: أي بعد السرى، وغب كل شيء بعده، قال الرسول ﷺ: (زرغبًا تزدد حبًا) أي زر يومًا، واترك يومًا لا تملهم بالزيارة، وقال الرسول ﷺ أيضًا: (ادهنوا غبًا) أي يومًا ويومًا. السرى: انظر البيت رقم -٣٥ - من معلقة طرفة. زيافة: تزيف في سيرها، أي تسرع، والزيف التبختر، ويروى (موارة) مكان زيافة، والمراد أيضًا السريعة. تطس: الوطس الضرب الشديد بالخف، ومثله الوثم والوطث واللثم. الإكام: انظر البيت رقم -٢٦ - من معلقة لبيد. بوخد: الوخد السير السريع. ميثم: مبالغة الوثم، وهو الضرب الشديد كما رأيت، ويروى (بذات خف) أي بقوائم ذات أخفاف، أو بأوظفة ذات أخفاف.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة في البيت السابق ترفع ذنبها في سيرها مرحًا ونشاطًا، بعدما سارت الليل كله مسرعة، تضرب الإكام ضربًا شديدًا بخفها الكثير الضرب الشديد.
[ ٢ / ١٧٦ ]
الإعراب. خطارة: صفة أخرى للناقة المذكورة في البيت السابق، ويجوز اعتبارها خبرًا لمبتدأ محذوف، وذلك على القطع كما هو معروف. غب: ظرف زمان متعلق بخطارة، وغب مضاف والسرى مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. زيافة: يجوز فيه ما جاز بسابقه. تطس: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، الإكام: مفعول به، وجملة (تطس الإكام) مستأنفة لا محل لها، وذلك بالإعراض عما قبلها، أو هي في محل رفع صفة أخرى للناقة، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ بوخذ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ووخد مضاف وخف مضاف إليه. ميثم: صفة خف.
٣٧ - وكأنما أقص الإكام عشيةً بقريب بين المنسمين مصلم
المفردات. أقص: أكسر؛ ويروى (تطس) كما في البيت السابق، فيكون الفاعل عائدًا إلى الناقة. الإكام: انظر البيت السابق. عشية: انظر البيت رقم -٦٣ - من معلقة امرئ القيس. قريب: هو صفة لموصوف محذوف، التقدير: بظليم قريب الخ، دل على المحذوف قوله (مصلم) وهو وصف من أوصاف الظليم لأنه لا أذن له، والصلم الاستئصال، فكأن أذنه استؤصلت، والظليم ذكر النعام، والمنسمان ظفراه المقدمان في خفة، فإذا كان بعيد ما بينهما، قيل: منسم أفرق، وإذا لم يكن أفرق كان أصلب لخفه.
المعنى يقول: عندما أركب الناقة المذكورة أكسر الأرض المرتفعة الصلبة بخفيها القويين، وذلك لشدة وطئها عشية بعد سر الليل وسير النهار، وعدوها يشبه عدو ظليم قرب ما بين منسميه، ولا أذن له.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كافة ومكفوفة. أقص: فعل
[ ٢ / ١٧٧ ]
مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. الإكام: مفعول به. عشية: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. بقريب: جار ومجرور متعلقان بالفعل أقص أيضًا، وقريب مضاف وبين مضاف إليه، وبين مضاف والمنسمين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. مصلم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والفة الأولى قريب كما رأيت، وجملة (وكأنما أقص الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٣٨ - تأوي له قلص النعام كما أوت حزق يمانية لأعجم طمطم
المفردات. تأوي: من أوى البيت وإلى البيت نزل فيه، وتأوى له مثل تأوي إليه، والضمير يعود إلى الظليم الذي ذكرته في البيت السابق، والقلص أولاد النعام حين يسرعن ويلحقن، ولم يبلغن المسان، واحدتها قلوص، ولا تنس أن القلص تطلق على الإبل أيضًا، بل هي فيها أشهر، وتجمع القلوص أيضًا من النعام والإبل على قلائص، وانظر شرح النعام في البيت رقم -٧٠ - من معلقة امرئ القيس. الحزق: الجماعات، والواحدة حزقة، وكذلك الحزيقة، وتجمع أيضًا على حزائق، وهي تكون من الإبل وغيرها. يمانية: منسوبة إلى اليمن. الأعجم: انظر البيت رقم -٣ - طمطم: هو العي الذي لا يفصح في كلامه.
المعنى يقول: إذا نقنق الظليم المذكور في البيت السابق اجتمعت إليه جماعات النعام كما تجتمع الإبل اليمانية إلى راعيها الأعجمي عندما يناديها.
الإعراب. تأوى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. قلص: فاعل، وهو مضاف والنعام مضاف إليه، وجملة (تأوى الخ) مستأنفة لا محل لها من
[ ٢ / ١٧٨ ]
الإعراب (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية: أوت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. حزق: فاعل. يمانية: صفة حزق. لأعجم: جار ومجرور متعلقان بالفعل أوت، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وأعجم صفة لموصوف محذوف. طمطم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وما المصدرية والفعل أوت في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولًا مطلقًا، والتقدير: تأوي له إيواءً كائنًا كإيواء حزق، والكوفي يعتبر الكاف اسمًا فالمحل لها، وانظر رأي سيبويه في البيت رقم -٦٥ - من معلقة امرئ القيس-.
٣٩ - يتبعن قلة رأسه، وكأنه حرج على نعش لهن مخيم
المفردات. قلة الرأس: أعلاه. حرج: هو مركب من مراكب النساء، ورواه أبو جعفر (وكأنه حرج) بكسر الحاء وسكون الراء، لأن الحرج بفتح الحاء والراء هو النعش، فلا يجوز أن يقول: وكأنه نعش وإنما المعنى كأنه خيال للنعام على نعش مخيم. النعش: الشيء المرفوع، والنعش بمعنى المنعوش. مخيم: مجعول كالخيمة.
المعنى يقول: إن جماعات النعام جعلت أعلى رأس الظليم نصب أعينها لا تنحرف عنه تسير أينما سار، وهذا الظليم لضخامة جسمه شبيه رأسه بمركب من مركب النساء جعل كالخيمة فوق مكان مرتفع.
الإعراب. يتبعن: فعل وفاعل. قلة: مفعول به، وهو مضاف ورأسه مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يتبعن الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الحال. كأنه: حرف مشبه بالفعل،
[ ٢ / ١٧٩ ]
والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. حرج: خبر كأن. على نعش: جار ومجرور متعلقان بمخيم بعدهما. مخيم: صفة نعش، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه، وجملة (كأنه الخ) في محل نصب حال من رأسه، والرابط الواو والضمير.
٤٠ - صعل يعود بذي العشيرة بيضه كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
المفردات. صعل: هو الصغير الرأس: الدقيق العنق. يعود: يأتي ويرجع إلى بيضه، وقيل: معناه يتعهده. ذو العشيرة: موضع. أصلم: هو الذي لا أذن له.
المعنى يقول: إن الظليم الذي تتبعه جماعات النعام، صغير الرأس، دقيق العنق، يتعهد بيضه في المكان المسمى بذي العشيرة، وهو شبيه بعبد أسود قد لبس فروة، وقد قطعت أذناه.
الإعراب. صعل: صفة أخرى لظليم الموصوف بما تقدم، ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو صعل، وذلك على القطع، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. يعود: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ظليم. بذي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف والعشيرة مضاف إليه. بيضة: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يعود .. الخ) صفة أخرى لظليم، أو هي خبر بعد خبر، وذلك على القطع. كالعبد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة أخرى لظليم، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وذلك على القطع. ذي: صفة العبد مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف والفرو مضاف إليه. الطويل، الأصلم: صفتان للعبد.
[ ٢ / ١٨٠ ]
٤١ - شربت بماء الدحرضين، فأصبحت زوراء تنفر عن حياض الديلم
المفردات. شربت بماء: أي من ماء، فالباء بمعنى (من) عند الكوفيين كما في قوله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ وزائدة عند البصريين كزيادتها في قوله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ وانظر مبحث زيادة الباء في كتابنا فتح القريب المجيب. الدحرضان: اسم موضع، وقيل: هما موضعان: دحرض ووسيع، فغلب أحدهما على الآخر، وانظر مبحث التغليب في كتابنا فتح القريب المجيب. زوراء: مائلة، يقال: زور يزور زورًا، فهو أزور، والمؤنث زوراء. تنفر: تبتعد. حياض: جمع حوض، وهو مجتمع الماء، ويجمع أيضًا على أحواض. الديلم: قال الأصمعي: هو الأعداء، وعن أبي عمرو هو الجماعة، وقيل: هو الظلمة، وقيل: هو الداهية، وقيل: هو قرى النمل، وقال بعضهم: هو ماء من مياه بني سعد، ولعله هو الأصح.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة في أبيات سابقة قد شربت من مياه الدحرضين، فأصبحت مائلة مبتعدة عن مياه الديلم لأنها لا حاجة لها بها.
الإعراب. شربت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بماء: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهذا على مذهب الكوفيين، وأما على مذهب البصريين فالباء زائدة، وماء مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، وماء مضاف والدحرضين مضاف إليه مجرور، وعلامة جرة الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. الفاء: حرف عطف. أصبحت: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة. زوراء: خبر أصبحت. تنفر:
[ ٢ / ١٨١ ]
فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ثان لأصبح. عن حياض: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وحياض مضاف والديلم مضاف إليه، وجملة (أصبحت الخ) معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها.
٤٢ - وكأنما تنأى بجانب دفها الـ ـوحشي من هزج العشي مؤوم
المفردات. تنأى: تبتعد. الدف: الجانب. الوحشي: الجاني الأيمن من البهائم، وإنما قيل له: وحشي لأنه لا يركب منه الراكب، ولا يحلب منه الحالب، والجانب الأيسر يقال له: إنسي لأنها تؤتى في الركوب والحلب والمعالجة منه. هزج العشي: أراد به هرًا، وكأنه قال: تنأى بدفها من هر يخدها وقت هزج العشي، لأن السنانير أكثر صياحًا بالعشيات وبالليل، وانظر (هزج) في البيت -٣٢ - وانظر (العشي) في البيت رقم -٦٣ - من معلقة امرئ القيس. مؤوم: مشوه الخلق، وقيل: هو العظيم الرأس.
المعنى يقول: كأن هذه الناقة تبعد وتنحي جانبها الأيمن خوفًا من هر عظيم الرأس قبيحه، وإنما خص صوت الهر بالعشي لأنه ساعة الفتور والإعياء، فأراد أنها أنشط ما تكون في الوقت الذي يفتر فيه الإبل، فكأنها من نشاطها يخدشها هر تحت جنبها.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كأنما: كافة ومكفوفة. تنأى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، وعليه يكون (هر) في البيت الآتي مجرورًا على أنه بدل من هزج العشي، وبروي الفعل (ينأى) بياء المضارعة، وعليه يكون (هر) في البيت الآتي مرفوعًا على أنه فاعل به. بجانب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجانب مضاف ودفها مضاف إليه من إضافة المرادف
[ ٢ / ١٨٢ ]
لمرادفه كما رأيت في المفردات، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الوحشي: صفة دفها. من هزج: جار ومجرور متعلقان بالفعل (تنأى) وهناك مضاف محذوف، إذ التقدير: من خوف هزج، وإن علقت الجار والمجرور بمحذوف حال من فاعل تنأى المستتر فالمعنى لا يأباه، ويكون التقدير: تنأى خوفًا من هزج، وهزج مضاف والعشي مضاف إليه. مؤوم: صفة هزج العشي، وجملة (كأنما تنأى الخ) مستأنفة لا محل لها.
٤٣ - هر جنيب كلما عطفت له غضبى اتقاها باليدين وبالفم
المفردات. جنيب: مجنوب، أي مقرون إليها بجانبها فهو بمعنى اسم مفعول. عطفت: مالت وانحرفت نحوه. اتقاها: دفعها، وقيل: استقبلها، وقيل: تلقاها، وأصل اتقاها أو تقاها، قلبت الواو تاء، ثم أدغمت التاء في التاء، وهو مثل اتصل واتسق وغير ذلك.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة تبعد وتنحي جانبها خوفًا من هر، كلما انحرفت نحوه غاضبة لتعضه استقبلها بالخدش بيديه، والعض بفمه.
الإعراب. هر: انظر إعرابه في البيت السابق. جنيب: صفة هر في الرفع والجر (كلما) كل: ظرفية زمانية متعلقة بجوابها، إذ هي تحتاج إلى جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. ما: مصدرية توقيتية. عطفت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة، وما الفعل بعدها في تأويل مصدر مجرور بإضافة كل إليه، والتقدير: كل وقت عطوفها، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية لكل. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. غضبي: حال من فاعل عطفت منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. اتقاها: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وها، ضمير متصل في
[ ٢ / ١٨٣ ]
محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى هر، والجملة الفعلية جواب كلما لا محل لها من الإعراب، وكلما ومدخولها صفة ثانية لهر. باليدين: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. وبالفم: جار ومجرور معطوفان بالواو العاطفة على ما قبلهما ..
٤٤ - أبقى لها طول السفار مقرمدًا سندًا، ومثل دعائم المتخيم
المفردات. السفار: أراد به السفر، وهو في الأصل حديدة، أو جلدة توضع على أنف البعير بمنزلة الحكمة للفرس، وربما كان خيطًا يشد على خطام البعير؛ ويدار عليه، وتجعل بقيته زمامًا، ويجمع على أسفرة وسفر وسفائر. مقرمدًا: هو في الأصل المبني بالآجر، وقال أبو جعفر: المقرمد الأملس المطلي. سندًا: عاليًا. دعائم: جمع دعامة، وهي ما يقوم عليها البيت. المتخيم: بفتح الياء هو الشيء يتخذ خيمة، وبكسر الياء الرجل الذي يتخذ الخيمة، وانظر البيت رقم -١٤ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: إن طول السفر قد أضعف الناقة المذكورة وأهز لها حتى جعل سنامها عاليًا نحيفًا، وجعل قوائمها مثل الدعائم التي تقوم عليها الخيمة، وقال ابن الأنباري: يقول: إنها سمنت عن رعى العلف، وطال سنامها، وقوله (ومثل دعائم) معناه أن قوائمها قوية صلاب طويلة بعد الجهد والسفر وهو لا وجه له بعد معرفتك ما تفعل الأسفار بالرواحل.
الإعراب. أبقى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. لها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. طول: فاعل؛ وهو مضاف والسفار مضاف إليه من إضافة الصفة إلى الموصوف. مقرمدًا: مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف. سندًا: صفة ثانية للموصوف المحذوف. الواو: حرف
[ ٢ / ١٨٤ ]
عطف. مثل: معطوف على مقرمدًا، فهو صفة لموصوف محذوف أيضًا انظر المعنى، ومثل مضاف ودعائم مضاف إليه، ودعائم مضاف والمتخيم مضاف إليه، وجملة (أبقى لها الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٤٥ - بركت على ماء الرداع كأنما بركت على قصب أجش مهضم
المفردات. الرداع: اسم موضع، ويروى (جنب الرداع) أجش: هو الذي في صوته جشة، وهي البحوحة. مهضم: مكسر.
المعنى يقول: بركت تلك الناقة على مقربة من ماء الرداع، ولبروكها صوت كأنها بركت على قصب مكسر له صوت فقد شبه أنينها من تعبها بصوت قصب مكسر عند بروكها عليه، وقيل: إنما يصف أنها بركت على موضع قد حسر عنه الماء، وجف فله صوت مثل صوت القصب المكسر وقت بروكها فوقه.
الإعراب. بركت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة المذكورة في بيت سابق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. على ماء: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وماء مضاف والرداع مضاف إليه. كأنما: كافة ومكفوفة. بركت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى الناقة أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل بركت السابق، والرابط الضمير فقط. على قصب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أجش: صفة قصب مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل. مهضم: صفة ثانية، وهو صيغة اسم مفعول، فنائب فاعله ضمير مستتر فيه.
٤٦ - وكأن ربًا، أو كحيلًا معقدًا حش الوقود به جوانب قمقم
المفردات. الرب: هو في الأصل ما يطبخ من التمر وسواه، وما يخثر
[ ٢ / ١٨٥ ]
من عصير الثمار، والجمع رباب وربوب. الكحيل: القطران. المقعد: هو الذي أوقد تحته حتى انعقد وغلط، وقال أبو جعفر: الكحيل ردئ القطران يضرب إلى الحمرة، ثم يسود إذا أعقد. حش: حش النار يحشها حشًا أوقدها. الوقود: بفتح الواو الحطب، وبالضم الإيقاد وقد قرئ قوله تعالى: ﴿النار ذات الوقود﴾ بفتح الواو وضمها، ومثل ذلك قل في الوضوء، فهو بفتح الواو الماء؛ وبضمها الفعل. القمقم: وعاء من نحاس يسخن فيه الماء، قيل: أصله رومي، ثم عرب.
المعنى يقول: إن عرق الناقة السائل من رأسها وعنقها يشبه ربًا أو قطرانًا جعل في قمقم أوقدت تحته النار، فهو يترشح به عند الغليان، وعرق الإبل أول ما يخرج أسود، فإذا يبس أصفر.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كأن: حرف مشبه بالفعل. ربا: اسم كأن. أو: حرف عطف. كحيلا: معطوف على سابقه. معقدًا: صفة كحيلًا. حش: فعل ماض. الوقود: فاعله. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل حش، وقال ابن الأنباري: متعلقان بمحذوف حال من الوقوف. جوانب: مفعول به، وقال التبريزي: ويجوز أن يكون (حش) بمعنى احتش، ويكون (جوانب) منصوبة على الظرف، أي فهو متعلق بالفعل حش، وجوانب مضاف وقمقم مضاف إليه، وجملة (حش الوقود .. إلخ) في محل رفع خبر كأن، أو هي صفة ثانية لكحيلًا على اعتبار جملة (ينباع) في البيت التالي خبرًا، وكأن واسمها وخبرها جملة اسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٤٧ - ينباع من ذفرى غضوب جسرة زيافة مثل الفنيق المكدم
المفردات. ينباع: قال ابن الأعرابي: ينباع ينفعل من باع يبوع إذا مر مرًا فيه تلو كقول السفاح بن بكير اليربوعي:
[ ٢ / ١٨٦ ]
يجمع حلمًا وأناةً معًا ثمت ينباع انبياع الشجاع
وأنكر أن يكون الأصل فيه ينبع، وقال: ينبع يخرج كما ينبع الماء من الأرض، ولم يرد هذا، إنما أراد السيلان وتلويه على رقبتها كتلوي الحية، وقال غيره: هو من نبع ينبع، ثم أشبع الفتحة، فصارت ألفًا، لأنهم ربما وصلوا الفتحة بالألف، والضمة بالواو، والكسرة بالياء، فالأول مثل البيت، والثاني مثل قول امرئ القيس:
كأني بفتخاء الجناحين لقوة على عجل مني أطأطئ شيمالي
أراد شمالي، والثالث مثل قول إبراهيم بن هرمة:
وأنني حيثما يثنى الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنو فأنظور
أراد فأنظر. الدفرى: العظم الناتئ خلف الأذن، وتثنيته ذفريان، وهما أول ما يعرق من البعير، وأول ما يبدأ فيه السمن لسانه وكرشه، وآخر ما يبقى فيه السمن عينه وسلاماه وعظام أخفافه. غضوب: مبالغة غضبي. جسرة: ضخمة قوية، وقيل: هي الطويلة، وقيل: هي الموثقة الخلق. زيافة: انظر البيت -٣٦ - الفنيق: الفحل من الإبل. المكدم: بمعنى المكدم، أي المعضوض، إذ الكدم العض، وقيل: المكدم الغليظ.
المعنى يقول: إن العرق المشبه بالرب والقطران يسيل ويتلوى، أو يخرج من خلف أذن ناقة قوية ضخمة، مسرعة في سيرها، تشبه فحلًا من الإبل قد عضته الفحول.
الإعراب. ينباع: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الرب أو إلى الكحيل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر كأن في البيت السابق. من ذفرى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة
[ ٢ / ١٨٧ ]
مقدرة على الألف للتعذر، وذفرى مضاف وغضوب مضاف إليه، وغضوب صفة لموصوف محذوف. جسرة: صفة ثانية للموصوف المحذوف. زيافة: صفقة ثالثة. مثل: صفة رابعة، ويجوز نصبه على الحال من الموصوف المحذوف بعد وصفه بما تقدم، ومثل مضاف والفنيق مضاف إليه. المكدم: صفة الفنيق.
٤٨ - إن تغدفي دوني القناع، فإنني طب بأخذ الفارس المستلئم
المفردات. تغدفي: من الإغداف، وهو إرخاء القناع على الوجه، والإغداف أيضًا إرواء الرأس من الدهن. دوني: انظر البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. طب: بفتح الطاء حاذق عالم، وبكسرها هو الشأن والعادة والعلة والسبب، وقيل: الجنون أيضًا، وبتليث الطاء علاج الجسم والسحر أيضًا. المستلئم: اللابس اللأمة، وهذ الدرع.
المعنى يقول: إن نبت عينك عني فأرخيت القناع على وجهك، فإني حاذق بقتل الفرسان، وأخذ الأقران، لا ينبغي لك أن تزهدي في، فهو يرغبها في نفسه، وقيل: بل معناه إذا لم أعجز عن صيد الفرسان الدارعين، فكيف أعجز عن صيد أمثالك.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. تغدفي: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. دوني: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. القناع: مفعول به. الفاء: واقعة في جواب الشرط. إنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية،
[ ٢ / ١٨٨ ]
وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. طب: خبر إن. بأخذ: جار ومجرور متعلقان بطب، وأخذ مضاف والفارس مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والفارس صفة لموصوف محذوف. المستلئم: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية (إنني الخ) في محل جزم جواب الشرط، وإن ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
٤٩ - أثني علي بما علمت فإنني سهل مخالقتي، إذا لم أظلم
المفردات. أثني: من الثناء، وهو المدح -وانظر البيت رقم -٤٩ - من معلقة النابغة. سهل، ويروى سمح، وهما بمعنى واحد. مخالقتي: أراد خليقتي، أي خلقي، ويروى مخالطتي، ومعناه معاشرتي، وانظر البيت رقم -٢٧ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: امدحيني أيتها الحبيبة بما علمت من فعالي وشمائلي، فإني سهل المعاشرة والمخالطة إذا لم يعتد علي ويساء إلي. وقال أبو جعفر النحاس: قد قال قبل هذا: إن تغدفي القناع، ثم قال: أثنى علي بما علمت، لأن المعنى إذا رآك الناس قد كرهتني، وأغدفت دوني القناع توهموا أنك استثقلتني، واسترذلتني، وأنا مستحق لخلاف ما صنعت، فأثني علي بما علمت.
الإعراب. أثني: فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. علي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما (بما) الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. علمت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من
[ ٢ / ١٨٩ ]
الإعراب، والعائد محذوف، إذ التقدير: علمته. الفاء: حرف تعليل. إنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. سهل: خبر إن. مخالقتي: فاعل بسهل لأنه صفة مشبهة مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منه من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (إنني الخ) لا محل لها لأنها تعليل للأمر. إذا: ظرف زمان متعلق بسهل مبني على السكون في محل نصب. لم: حرف نفي وقلب وجزم. أظلم: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، وإن اعتبرت (إذا) شرطية فالفعل أظلم فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير: إذا لم أظلم فإنني سهل .. إلخ.
٥٠ - وإذا ظلمت فإن ظلمي باسل مر مذاقته كطعم العلقم
المفردات. الظلم: انظر البيت رقم -٩٨ - من معلقة طرفة. باسل: كريه: يقال: رجل باسل وبسيل إذا كرهت مرآه ومنظره، ورجل باسل شجاع، والبسالة الشجاعة. مذاقته: ذوقه وطعمه، يقال: ذقت الشيء وتذوقته إذا تطعمت منه، هذا والذوق يكون محسوسًا ومعنويًا، وهو في البيت معنوي، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه، أي اختبره، وانظر فلانًا فذق ما عنده، قال الشماخ يصف فرسًا:
فذاق، فأعطته من اللين جانبًا كفى ولهًا أن يغرق السهم حاجز
وأصله من الذوق بالفم، وذوقوا في كثير من الآيات القرآنية للإهانة،
[ ٢ / ١٩٠ ]
وفيه استعارة تبعية تخييلية وفي العذاب استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلًا، وخذ قوله تعالى للكافرين: ﴿ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار﴾. العلقم: الحنظل، ويقال لكل مر: علقم.
المعنى يقول: من ظلمني واعتدى علي فإني أعاقبه عقابًا شديدًا يكرهه كما يكره طعم الحنظل من ذاقه وطعمه.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ظلمت: فعل ماض مبني للمجهول شرط إذا مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على المسهور المرجوح. الفاء: واقعة في جواب إذا. إن: حرف مشبه بالفعل. ظلمي: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة -من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف-. باسل: خبر إن، والجملة الاسمية (إن ظلمي باسل) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. مر: خبر ثان لإن. مذاقته: مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كطعم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية هذه مفسرة لقوله مر، أو هي في محل رفع خبر ثالث لإن، هذا ويجوز أن يكون مذاقته فاعلًا بمر، فيكون الجار والمجرور (كطعم) متعلقان بمحذوف خبر ثالث لإن، أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو كطعم، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر ثالث لإن، وطعم مضاف والعلقم مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف.
[ ٢ / ١٩١ ]
٥١ - ولقد شربت من المدامة بعدما ركد الهواجر بالمشوف المعلم
المفردات. المدامة: الخمر، ومثلها المدام، وإنما سميت بذلك لأنها أديمت في الدن، أي أطيل مكثها. ركد. سكن. الهواجر: جمع الهاجرة، وهي أشد الأوقات حرًا، وذلك حين يقوم كل شيء على ظله. المشوف: المجلو، وأراد به الدينار والدرهم هذا قول الأصمعي، وقال غيره: هو البعير المهنوء، وقيل: هو الكأس، والمعروف ما قاله الأصمعي، وأصل المشوف المشووف، فألقيت حركة الواو على الشين، فبقيت الواو ساكنة، وبعدها واو ساكنة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ويقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحح ساكن، وهو الشين، وحرف علة متحرك، وهو الواو، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الشين، فبقيت ساكنة، فاجتمع معنا ساكنان وهما الواوان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين والمحذوف عند سيبويه الثانية، لأنها زائدة، وعند الأخفش الأولى. المعلم: هو الذي فيه العلامة، وهي الكتابة، فيكون المراد الدينار كما قال الأصمعي، وانظر قول غيره.
المعنى يقول: والله لقد شربت من الخمر بعد اشتداد حر الهواجر وسكونه بالدينار المجلو المنقوش، فهو يفتخر بشرب الخمر على عادة العرب، فإنهم كانوا يفتخرون بشربها وبالقمار، لأنهما من دلائل الجود عندهم.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. شربت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف. من المدامة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما،
[ ٢ / ١٩٢ ]
بعد: ظرف زمان متعلق بالفعل شربت أيضًا. ما: مصدرية. ركد: فعل ماض: الهواجر: فاعل، وما المصدرية والفعل ركد في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه. بالمشوف: جار ومجرور متعلقان بالفعل شربت أيضًا، والمشوف صفة لموصوف محذوف كما رأيت في المفردات. المعلم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٥٢ - بزجاجة صفراء ذات أسرة قرنت بأزهر في الشمال مفدم
المفردات. ذات أسرة: ذات طرائق وخطوط وتكسر، واحدها سر وسرر، وهما أيضًا الخط من خطوط اليد والجبهة وغيرهما، وتجمع أيضًا على الأسرار، ثم تجمع الأسرار على الأسارير، جاء في الحديث أن النبي ﷺ دخل على عائشة ﵂ تبرق أسارير وجهه، وقال ابن الأنباري: ويقال في الجمع القليل أسرة وأسرار، ويقال في الجمع الكثير أسارير، والأول هو ما في كتب اللغة. قرنت بأزهر: معناه جعلت مع إبريق أزهر، وهو الأبيض، يعني إبريقًا من فضة أو من رصاص. مفدم: مشدود فمه بخرقة، وقيل: مفدم عليه الفدام، وهو المصفاة يصفى بها، ويروى (ملثم) أي عليه لثام.
تنبيه- ذات في هذا البيت مؤنث ذو، الذي هو بمعنى صاحب، وقد يثنى على لفظه، فيقال: ذاتا أو ذاتي كذا، من غير رد لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنى ذو بذوا، أو بذوي على لفظه، ويجوز فيها (ذواتا) على الأصل برد لام الكلمة، وهي الياء ألفًا لتحرك العين، وهو الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في وصف الجنتين: (ذواتا أفنان) وقال: (ذواتي أكل خمط).
هذا والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء ثمت وربت ولات، ولكنها تعرب بالحركات الظاهرة على التاء، فالجر كما في قوله تعالى: ﴿إن الله عليم
[ ٢ / ١٩٣ ]
بذات الصدور﴾ ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام﴾ والنصب جاء في قوله تعالى: ﴿سيصلى نارًا ذات لهبٍ﴾ وكل معانيها في القرآن الكريم صاحبة إلا في موضعين، فإنها جاءت بمعنى الجهة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ الآيتان كلتاهما من سورة الكهف وقد رأيت تثينتها في الآيتين المذكورتين في حالتي النصب والجر، ولم ترد في القرآن بمعنى الجمع، هذا ولم يتعرض النحويون لها بهذا المعنى مع كثرة تعرضهم لذي بمعنى صاحب وتثنيته وجمعه، ولكنهم ذكروا (ذات) بمعنى التي، و(ذوات) بمعنى اللواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته:
وكالتي أيضًا لديهم ذات وموضع اللاتي أتى ذوات
قال الأشموني: أي عند طيئ، ألحقوا بذو تاء التأنيث مع بقاء التاء على الضم، حكى الفراء: (بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به) وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤية:
جمعتها من أنيق موارق ذوات ينهضن بغير سائق
والفرق بين الأولى والثانية، الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت، بخلاف الثانية، فإنها لا تضاف، لأنها معرفة بالصلة، التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة، تنبه لهذا وافهمه، فإنه معنى دقيق، وأسأل الله لي المزيد من التوفيق.
المعنى يقول: شربت الخمر من زجاجة صفراء ذات طرائق وخطوط
[ ٢ / ١٩٤ ]
وتكسر جعلت بإبريق أبيض مسدود رأسه بالفدام، وهو المصفاة لأصفي الخمر من الابريق في الزجاجة.
الإعراب. بزجاجة: جار ومجرور متعلقان بالفعل شربت في البيت السابق، والباء بمعنى (من) كما فيقوله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ صفراء: صفة زجاجة مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وقيل: صفراء منصوب على الحال من المدامة في البيت السابق، والأول أجود. ذات: صفة ثانية لزجاجة، وذات مضاف وأسرة مضاف إليه. قرنت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى زجاجة، والجملة الفعلية في محل جر صفة زجاجة، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ بأزهر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قرنت، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وأزهر صفة لموصوف محذوف. في الشمال: جار ومجرور متعلقان بالفعل قرنت، وإن علقتهما بمفدم بعدهما، فتكون الشمال بمعنى الجهة، والمعنى قوي عليه-. مفدم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٥٣ - فإذا شربت، فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر لم يكلم
المفردات. المال: انظر البيت رقم -٨٩ - من معلقة طرفة. عرضي: انظر البيت رقم -٨٢ - منها أيضًا. وافر: تام. لم يكلم: لم يجرح؛ أي لم يتكلم في بسوء.
المعنى يقول: أتلف مالي بشرب الخمر، وذلك لجودي وسخائي، وعرضي محفوظ مصون لا يعيبني إنسان، فهو يريد أن يعلم عشيقته أنه سخي
[ ٢ / ١٩٥ ]
جواد في الحالين جميعًا، أي في حال صحوه وسكره، وانظر البيت الآتي.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب-. شربت: فعل وفاعل والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، على القول المشهور المرجوح-. الفاء: واقعة في جواب إذا. إنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. مستهلك: خبر إن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، وجملة (إنني مستهلك) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. مالي: مفعول به لمستهلك منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير في محل جر بالإضافة. الواو: واو الحال. عرضي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة إلخ، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. وافر: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في مستهلك أو من ياء المتكلم المتصلة بمالي، والرابط الواو والضمير. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يكلم: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى عرضي، والجملة الفعلية مفسرة لوافر، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدأ.
٥٤ - وإذا صحوت، فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
المفردات. صحوت: ذهب سكري، يقال: صحا يصحو إذا أفاق السكران من سكره، والمحب من حبه، فهو صاح، وأصحت السماء، فهي
[ ٢ / ١٩٦ ]
مصحية، أي غير ماطرة. الندى: الكرم والسخاء، والبذل والعطاء. الشمائل: الأخلاق، واحدها شمال، يقال: فلان حلو الشمائل والغرائز والنحائز، وإعلان ندى مثل إعلان أسىً في البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس-.
المعنى يقول: بعد أن بين في البيت السابق أنه جواد في حال سكره: وإذا صحوت من سكري فلا أبخل بمالي، بل أجود به كما أجود به في حال سكري. وأخلاقي وتكرمي كما علمت أيتها الحبيبة، فلا تزهدي بي، وتعرضي عني.
الإعراب. الواو: حرف عطف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك. صحوت: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف كما رأيت في المعنى، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. الفاء: واقعة في جواب إذا. ما: نافية. أقصر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها كلام معطوف على إذا السابقة ومدخولها لا محل له أيضًا. عن ندى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف المحذوفة للالتقاء الساكنين، والألف المقصورة دليل على المحذوفة، وليست عينها. الواو: حرف عطف. الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. علمت: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، إذ التقدير: علمتها، وما المصدرية والفعل علم في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. شمائلي: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. وتكرمي: معطوف على سابقة بالواو العاطفة، وإعرابه كإعرابه.
[ ٢ / ١٩٧ ]
٥٥ - وحليل غانية تركت مجدلًا تمكو فريصته كشدق الأعلم
المفردات. الحليل: الزوج، والمرأة حليلة، والجمع حلائل، قال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم إلى أن قال: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾ وقيل في اشتقاقهما: إنهما من الحلول. فسميا به لأنهما يحلان منزلًا واحدًا وفراشًا واحدًا، فهو على هذا القول فعيل بمعنى مفاعل، مثل شريب وأكيل ونديم، بمعنى مشارب ومؤاكل ومنادم، وقيل: بل مشتقان من الحل، لأن كلا منهما يحل لصاحبه، فهو على هذا القول فعيل بمعنى مفعل مثل الحكيم بمعني المحكم، وقيل: بل هما مشتقان من الحل، وهو على هذا القول فعيل بمعنى فاعل، وسميا به لأن كلًا منهما يحل إزار صاحبه. الغانية: هي المرأة المستغنية بحسنها وجمالها عن الزينة، وقيل: هي المتزوجة المستغنية بزوجها عن الأزواج، قال جميل:
أحب الأيامي، إذ بثينة أيم وأحببت لما أن غنيت الغوانيا
أي لما أن تزوجت، وقيل: هي المستغنية بمال أبيها عن الأزواج، أو هي التي تطلب ولا تطلب، وقال عمارة بن عقيل: الغانية الشابة الحسنة التي تعجب الرجال، ويعجبها الرجال، وجمع الغانية الغانيات والغواني، وهي مأخوذة من غني فلان بالمكان إذا أقام به، ولم يبرحه، فكأنهن مقيمات بخدورهن لا يفارقنها كقوله تعالى: ﴿حور مقصورات في الخيام﴾ مجدلًا: مصروعًا، وأصله أنه لصق بالجدالة، وهي الأرض. تمكو: تصفر، والمكاء الصفير، قال تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصديةً﴾ أراد بالمكان الصفير، وبالتصدية التصفيق. الفريصة: هي المضغة التي في موضع الكتف، ترعد من الإنسان إذا فزع، وإنما خص الفريصة بالذكر، لأنها إذا طعنت هجمت الطعنة على القلب مات الرجل، وإنما يصفر الجرح إذا ذهب
[ ٢ / ١٩٨ ]
الدم كله، لأنه يخرج منه ريح بعد الدم. الشدق: جانب الفم، وجمعه أشداق. الأعلم: الجمل، وكل بعير أعلم، لأن مشفره الأعلى مشقوق، ويقال: رجل أعلم إذا كان مشقوق الشفة العليا، ورجل أفلح إذا كان مشقوق الشفة السفلى، وقال أبو جعفر: الأعلم في هذا البيت البعير، ولا يجوز أن يكون الرجل، لأن كل بعير أعلم، فهو أشهر، وليس كل إنسان أعلم.
الإعراب. الواو: واو رب. حليل: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، وحليل مضاف وغانية مضاف إليه. تركت: فعل وفاعل، والمفعول الأول محذوف، التقدير: تركته، والجملة الفعلية صفة حليل غانية، والخبر محذوف، تقديره: موجود، وإن اعتبرت الجملة الفعلية في البيت الآتي خبرًا له فلست مفندًا، والمعنى يؤيده، وإن اعتبرت (حليل غانية) مفعولًا به مقدمًا لتركت، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة إلخ، ويكون المضاف إليه قد أغنى عن صفة مجرور رب المشروطة له. مجدلًا: مفعول به ثان لتركت. تمكو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل. فريضته: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كشدق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف، انظر المعنى: والكوفي يعتبر الكاف اسمًا فالمحل لها عنده، وشدق مضاف والأعلم مضاف إليه، وجملة (تمكو فريصته الخ) في محل نصب من تعدد المفعول الثاني لتركت، وقيل: هي في محل نصب حال، والأول أولى.
٥٦ - سبقت يداي له بعاجل طعنة ورشاش نافذة كلون العندم
المفردات. سبقت الخ: أراد عجلت إليه بالطعنة، ويروى بعاجل
[ ٢ / ١٩٩ ]
ضربة-. الرشاش: بفتح الراء ما تطاير وتفرق من الدم، وبكسر الراء جمع رش. النافذة: أراد الطعنة التي نفذت إلى الجانب الآخر، ويقال: هي التي نفذت إلى الجوف. العندم: انظر البيت رقم -٩ - من معلقة زهير، وانظر شرح اليد في البيت رقم -٨١ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: ضربت حليل الغانية ضربة عاجلة جعلت ترش الدم من طعنة نافذة إلى جوفه، والدم الخارج يشبه لونه لون العندم.
الإعراب. سبقت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. يداي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بعاجل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعاجل مضاف وطعنة مضاف إليه، من إضافة الصفة للموصوف، وجملة (سبقت يداي إلخ) في محل رفع خبر المبتدأ المجرور برب في البيت السابق، أو هي مستأنفة لا محل لها إن لم تعتبره مبتدأ. الواو: حرف عطف. رشاش: معطوف على عاجل، ورشاش مضاف ونافذة مضاف إليه، ونافذة صفة لموصوف محذوف. كلون: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة رشاش، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لونه كلون، وتكون الجملة الإسمية هذه صفة رشاش، ولون مضاف والعندم مضاف إليه.
٥٧ - هلا سالت الخيل، يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
المفردات. الخيل: المراد أصحاب الخيل، إذ الخيل لا تسأل، فحذف المفعول به، وهو المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وهذا الحذف كثير شائع في القرآن الكريم، وغيره من الكلام العربي، قال تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ أي واسأل أهل القرية، وقال جل ذكره: ﴿وجاء ربك﴾ أي وجاء أمر
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ربك، والخيل اسم جمع لا واحد له من لفظه. ابنة مالك: ابنة عمه عبلة عشيقته. جاهلة: انظر البيت رقم -١١١ - من معلقة طرفة. بما لم: الباء بمعنى عن كما في قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾ أي عنه، وانظر الإعراب.
المعنى يقول: هلا سألت الشجعان ركاب الخيل عن شجاعتي وإقدامي في الحروب أيتها الحبيبة، إن كنت تجهلين ذلك.
الإعراب. هلا: حرف تحضيض. سألت: فعل وفاعل. الخيل: مفعول به، وجملة (هلا سألت الخيل) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. ابنة: منادي، وهو مضاف ومالك مضاف إليه، والجملة الندائية لا محل لها أيضًا لأنها مستأنفة. إن: حرف شرط جازم. كنت: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. جاهلة: خبرها، وجملة (كنت جاهلة) ابتدائية لا محل لها من الإعراب، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، إذ التقدير: إن كنت جاهلة فاسألي. الباء: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بجاهلة، وأما على اعتبار الباء بمعنى (عن) فالجار والمجرور متعلقان بالفعل سألت، وتكون الجملة الشرطية معترضة بين الفعل ومتعلقة-. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تعلمي: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، إذ التقدير: بما لم تعلميه.
٥٨ - لا تسأليني، واسألي بي صحبتي يملأ يديك تعففي وتكرمي
هذا البيت لم يذكر أحد من شراح المعلقة، وإنما ذكره الدكتور فخر
[ ٢ / ٢٠١ ]
الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة.
المفردات. بي: أي عني كما رأيت في البيت السابق. صحبتي: انظر البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. تعففي: انظر البيت رقم -٦١ - الآتي، وانظر شرح اليد في البيت رقم -٨١ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: لا تسأليني عن خلائقي، ولا عن شجاعتي، بل اسألي عني أصحابي تجديني عفيفًا كريمًا، وهذا مثل قول طرفة في البيت رقم -١١٥ - .
الإعراب. لا: ناهية جازمة. تسأليني: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، لأنه من الأفعال الخمسة والنون للوقاية، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. اسألي: فعل أمر مبني على حذف النون، لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. بي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. صحبتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبة فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. يملأ: فعل مضارع مجزوم بجواب الأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تسألي يملأ. يديك: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. تعففي: فاعل يملأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وتكرمي: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، وإعرابه كإعرابه، وجملة (يملأ الخ) لا محل لها لأنها جملة جواب شرط
[ ٢ / ٢٠٢ ]
مقدر كما رأيت، ولم تقترن بالفاء ولا بإذا الفجائية.
٥٩ - إذ لا أزال على رحالة سابحٍ نهدٍ تعاوره الكماه مكلم
المفردات. الرحالة: سرج كان يعمل من جلود الشاه بأصوافها يتخذ للجري الشديد. السابح من الخيل: هو الذي يرمي بيديه لا يرفع سنبكه عن الأرض كثيرًا، وضد السابح المتلقف، وهو الذي يخبط الأرض بيديه في استنانه لا يقلعهما نحو بطنه. نهد: غليظ، وانظر البيت رقم -٢٧ - تعاوره: تداوله أراد يطعنه هذا مرة وهذا مرة، وهو فعل مضارع حذفت منه تاء المضارعة كما رأيت في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. الكماه: جمع كمي، وهو الشجاع، سمي كميًا لأنه يقمع عدوه، يقال: كمي شهادته إذا قمعها ولم يظهرها، وقال أبو عبيدة: الكمي التام السلاح، وهذا هو المعروف. مكلم: مجرح معناه قد جرح المرة بعد المرة.
المعنى يقول: هلا سألت الفرسان عن شجاعتي وإقدامي في وقت لا أزال فيه راكبًا على سرج غرس سابح تناوبه الأبطال بالجرح مرة بعد مرة.
الإعراب. إذْ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل مصب متعلق بالفعل سألت في البيت رقم -٥٧ - لا: نافية. أزال: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. على رحالة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر أزال، وجملة (لا أزال على رحالة) في محل جر بإضافة إذ إليها، ورحالة مضاف وسابح مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. نهد: صفة ثانية للموصوف المحذوف. تعاوره: فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. الكماه: فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك
[ ٢ / ٢٠٣ ]
أنزلناه﴾ مكلم: صفة أخرى للموصوف المحذوف.
٦٠ - طورًا يجرد للطعان، وتارةً يأوي إلى حصد القسي عرمرم
المفردات. طورًا: انظر البيت رقم -١٩ - من قصيدة طرفة. يجرد: يهيأ. الطعان: الضرب بالرماح. تارة: مرة. يأوي: انظر البيت رقم -٣٨ - حصد: كثير. القسي: جمع قوس، وهو آلة على شكل نصف دائرة، ترمى بها السهام، وهي مؤنثة وقد تذكر، وجمع القوس قِسي وقُسِي وأقوَاس وقِيَاس وَأَقوُس وَأَقيَاس. العرموم: الكثير، وقيل: معناه الشديد.
المعنى يقول: إن الفرس المذكور في البيت السابق أخرجه مرة من صف الأصدقاء، وأبرزه لطعن الأعداء وضربهم، ومرة أنضم فيه إلى جيش كثير القسي شديد على الأعداء.
الإعراب. طورًا: ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. يجرد: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الفرس المذكور في البيت السابق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. للطعان: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. تارة: ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. يأوي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الفرس المذكور، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها لا محل لها من الإعراب. إلى حصد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وحصد صفة لموصوف محذوف، وحصد مضاف والقسي مضاف إليه من إضافة الوصف لفاعله. عرمرم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٦١ - يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى، وأعف عند المغنم
[ ٢ / ٢٠٤ ]
المفردات. الوقيعة: أراد الوقيعة في الحرب، ومثلها الوقعة والجمع الوقعات والوقائع. أغشى: آتي وأدخل. الوغى: أصله الصوت في الحرب، ثم أطلق على الحرب نفسها، ومثله الوعى والوحى. أعف: لا أستأثر بشيء دون أصحابي، وقيل: معناه إنني لا أتطلع إلى الغنيمة، ولكن أهب نصيبي للناس. المغنم: الغنيمة، وهي ما يؤخذ من الأعداء قهرًا في الحرب.
المعنى يقول: إن سألت عني أصحابي في أوقات الحروب، وفي نهايتها يخبرك من حضر الحرب وشاهدها أنني رجل كريم عالي الهمة أخوض معامع الحرب، وأترك الغنيمة لغيري تعففًا وتكرمًا.
الإعراب. يخبرك: فعل مضارع مجزوم لأنه جواب (هلا سألت) في البيت رقم -٥٧ - لأنه تخضيض، والتحضيض نوع من أنواع الطلب كما هو معروف، وهو كقوله تعالى: ﴿وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجلٍ قريبٍ فأصدق وأكن من الصالحين﴾ فقوله (وأكن) معطوف على موضع (فأصدقَ) لأنه لولا الفاء لكان مجزومًا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول. من: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. شهد: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد. الوقيعة: مفعول به، وجملة (شهد الوقيعة) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. أنني: حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. أغشى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. الوغى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة (أغشى الوغى) في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر سد مسد مفعولي الفعل (يخبر) الثاني والثالث، وجملة (يخبرك الخ) لا محل لها من الإعراب لأنها جواب
[ ٢ / ٢٠٥ ]
للطلب كما رأيت. الواو: حرف عطف. أعف: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. عند: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف والمغنم مضاف إليه، وجملة (أعف الخ) معطوفة على سابقتها، فهي في محل رفع مثلها.
٦٢ - فأرى مغانم، لو أشاء حويتها ويصدني عنها الحيا وتكرمي
هذا البيت لم يذكره أحد من شراح المعلقة، وقد ذكره الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن مختار الشعر الجاهلي.
المفردات. أرى: انظر شرح (ترى) في البيت رقم -٤ - من معلقة امرئ القيس. مغانم: جمع مغنم انظر البيت السابق. أشاء: انظر البيت رقم -٨٨ - من معلقة طرفة. حويتها: استوليت عليها، تقول: حوي الشيء واحتوى عليه إذا استولى عليه. يصدني: يمنعني، وفي القرآن الكريم: ﴿يصدون عن سبيل الله﴾ أي يمنعون الناس من الدخول في دين الإسلام. الحيا: أصله ممدود، وهو الاستحياء والخجل، فقصره لضرورة الشعر، وهو قبيح لأنه غير المعنى، إذ الحيا بالقصر المطر والخصب والحياء خلق كريم يمنع الإنسان من ارتكاب الأمور الدنيئة، وإذا فقده إنسان كان القبر خيرًا له قال الرسول ﷺ: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» وقال الشاعر الحكيم:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحِ فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
المعنى يقول: إنني أرى غنائم كثيرة لو شئت أن أستولي عليها لاستوليت لا يمنعني أحد من ذلك لأنني صاحبها وكاسبها، ولكن يمنعني من
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الاستيلاء عليها الحياء وترفعي عن ذلك، وتكرمي بها على غيري من ذوي الحاجات والمعوزين.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. أرى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. مغانم: مفعول به، وجملة (أرى مغانم) مستأنفة لا محل لها. لو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. أشاء: فعل مضارع شرط لو، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها، لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي-. حويتها: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب لو، لا محل لها من الإعراب، ولو ومدخولها صفة مغانم- الواو: حرف عطف. يصدني: فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. عنها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الحيا: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة (يصدني .. الخ) معطوفة على جملة (أرى الخ) لا محل لها مثلها، والحالية لا تجوز لأن المضارع مثبت وقد اقترن بالواو. الواو: حرف عطف. تكرمي: معطوف على الحيا مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله.
٦٣ - ومدججٍ كره الكماه نزاله لا ممعنٍ هربًا، ولا مستسلم
المفردات. مدجج: تام السلاح بفتح الجيم وكسرها مع التشديد، وقد جاءت ألفاظ بصيغة الفاعل والمفعول هذا أحدها، ومنها قولهم: مخيس ومخيس للسجن، ورجل ملفَج، وملفِج للفقير، وعبد مكاتَب ومكاتِب.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
الكماه: انظر البيت رقم -٥٩ - نزاله: منازلته في ميدان الحرب. ممعن: من الإمعان، وهو الإسراع في الشيء والغلو فيه. مستسلم: متذلل منقاد.
المعنى يقول: رب رجل تام السلاح كانت الأبطال تكره مبارزته وقتاله لفرط شجاعته وشدة بأسه لا يسرع في الهرب إذا اشتد بأس عدوه، ولا يستسلم له فيؤسر، أرديته قتيلًا مجندلًا.
الإعراب. الواو: واو رب. مدجج: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، وهو رب المقدرة بعد الواو، ومدجج صفة لموصوف محذوف انظر المعنى. كره: فعل ماض. الكماه: فاعل. نزاله: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة (كره الكماه نزاله) صفة ثانية للموصوف المحذوف، وخبر المبتدأ في البيت التالي. لا: نافية. ممعن: صفة ثالثة للموصوف المحذوف. هربًا: قال التبريزي: منصوب على المصدر، لأن معنى (لا ممعن) لا هارب، فصار مثل (هو يدعه تركًا) وهذا يعني أنه مفعول مطلق، وأرى أنه منصوب بنزع الخافض، والناصب له عند الكوفيين النزع، وعند البصريين اسم الفاعل قبله. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. مستسلم: معطوف على ممعن، وفاعلهما ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف.
٦٤ - جادت يداي له بعاجل طعنةٍ بمثقفٍ صدق الكعوب مقوم
المفردات. جادت: من الجود، وهو البذل والعطاء هنا، وانظر البيت رقم -٢٩ - مثقف: مصلَح. صَدق: صلب. الكعوب: عقد الأنابيب، وما بين كل أنبوبين كعب. مقوم: أي قد قُوِّم وسُوِّي، فهو بمعنى مثقف.
المعنى يقول: لقد طعنت الفارس المدجج بالسلاح المذكور في البيت
[ ٢ / ٢٠٨ ]
السابق طعنة عاجلة برمح مقوم صلب الكعوب.
الأعراب. جادت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. يداي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بعاجل: جار ومجرور متعلقان به أيضًا، وعاجل مضاف وطعنة مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف. بمثقف: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة طعنة، وقيل: متعلقان بعاجل، والأول أقوى، ومثقف صفة لموصوف محذوف. صدق: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وصدق مضاف والكعوب مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها. مقوم: صفة ثالثة للموصوف المحذوف.
٦٥ - برحيبة الفرغين يهدي جرسها بالليل معتس الذئاب الضرم
المفردات. رحيبة: واسعة، وانظر البيت رقم -٥٤ - من معلقة طرفة. الفرغين: مثنى فرغ، وهو في الأصل ما بين عرقوتين من الدلو، ومدفع الماء إلى الأودية فرغ، والجمع فروغ، فضرب هذا مثلًا لمخرج الدم من الطعنة المذكورة في البيت السابق، فجعله مثل مضب الدلو. يهدي: يدل. الجرس: بفتح الجيم وكسرها الصوت. المعتس من الذئاب: هو الطالب فريسة يأكلها. الذئاب: جمع ذئب بهمز وبدونه، وبهما قرئ في قوله تعالى: ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافِلون﴾ الضرم: الجياع، يقال: لقيت فلانًا ضرمًا، ولا يقال: هو ضارم، وضُرَّم جمع، ولم يتكلم بضارم.
المعنى يقول: طعنت المدجج طعنة واسعة، فخرج الدم ينهار منها له صوت يدل الذئاب الجائعة عليه، فتأتي فتأكل منه.
الإعراب. برحيبة: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور (بعاجل
[ ٢ / ٢٠٩ ]
طعنة) في البيت السابق، وقال ابن الأنباري: متعلقان بجادت، والمعنى واحد، ورحيبة مضاف والفرغين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وهذه الإضافة من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، ورحيبة صفة لموصوف محذوف. يهدي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. جرسها: فاعل، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بالليل: جار ومجرور متعلقان بالفعل يهدي. معتس: مفعول به، وهو مضاف والذئاب مضاف إليه. الضرم: صفة الذئاب، وجملة (يهدي جرسها الخ) في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي حال منه بعد وصفه بما تقدم على حدّ قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٦٦ - فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم
المفردات. شككت: انتظمت، يقال: شككته أشكه شكًا إذا انتظمته، وقيل: شككته وشققته بمعنى واحد. الأصم: الصلب. ثيابه: أراد درعه، وقيل: أراد قلبه، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ وانظر البيت رقم -٢٧ - من معلقة امرئ القيس. الكريم: انظر البيت رقم -٥٢ - من معلقة طرفة. القنا: الرماح، مفردة قناة، ويجمع أيضًا على قِنِيّ وقنوات وقُنيات، هذا والقنا حديداب في الأنف، يقال: رجل أقنى الأنف، وامرأة قنواء، والقناة تطلق على مجرى الماء، وعلى الحال فيقال: لانت قناته، إذا تغيرت حاله، وتستعار للإباء والشدة والعز والقوة والصلابة، قال عمرو بن كلثوم:
فإن قناتنا يا عمرو أعيت على الأعداء قبلك أن تلينا
المعنى يقول: لقد طعنت المدجج المذكور في البيت رقم -٦٣ - طعنة
[ ٢ / ٢١٠ ]
أنفذت الرمح في جسمه وثيابه كلها، وإن الرماح مولعة بالكرام لحرصهم على الإقدام، وقيل: بل المعنى إن كرمه لا يخلصه من القتل المقدر له، قال الجعدي:
وما يشعر الرمح الأصم كعوبه بثروة رهط الأبلج المتظلم
الإعراب. الفاء: حرف عطف. شككت: فعل وفاعل. بالرمح: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الأصم: صفة الرمح. ثيابه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (شككت الخ) معطوفة على جملة (جادت .. الخ) في البيت رقم -٦٤ - فهي في محل رفع مثلها. ليس: فعل ماض ناقص. الكريم: اسم ليس. على القنا: جار ومجرور متعلقان بمحرم بعدهما، وعلامة الجر فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (بمحرم) الباء: حرف جر زائد. محرم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة (ليس الكريم الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٦٧ - فتركته جزر السباع ينشنه ما بين قلة رأسه والمعصم
المفردات: جزر: جمع جزرة، وهي ما يذبح من شاة أو ناقة. ينشنه: يتناولنه بالأكل، قال الله تعالى: ﴿وأنى لهم التناوش من مكانٍ بعيدٍ﴾ أي التناول. القلة: أعلى الشيء، ومنه قلة الجبل، والجمع قُلل وقِلال-. المعصم: موضع السوار من اليد، ويروى الشطر الثاني هكذا (يقضمن حسن بنانه والمعصم) والقضم أكل الشيء اليابس، والخضم أكل كل شيء رطب، والبنان الأصابع، واحدته بنانه، والأنامل أطرافها، واحدتها أنملة، قال تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنانٍ﴾ وقال جل ذكره: ﴿أيحسب
[ ٢ / ٢١١ ]
الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾.
المعنى يقول: قتلت المدجج المذكور في بيت سابق، وتركته طعامًا للسباع حالة كونها تتناوله بالأكل، وأراد بقوله: (ما بين قلة رأسه والمعصم) كل جسمه.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. تركته: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (جادت الخ) في البيت رقم -٦٤ - فهي في محل رفع مثلها. جزر: مفعول به ثان، وهو مضاف والسباع مضاف إليه. ينشنه: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من السباع إن كانت (أل) للتعريف، أو في محل جر صفة إن كانت للجنس. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلًا من الضمير الواقع مفعولًا به بـ (ينشنه) بدل بعض من كل على حد قوله تعالى: ﴿ونرثه ما يقول ويأتينا فردًا﴾ بين: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، تقديره يكون، أو يقع، أو نحوه، وبين مضاف وقلة مضاف إليه، وقلة مضاف ورأسه مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. المعصم: معطوف على سابقه، وعلى الرواية الثانية، فيقضمن: فعل وفاعل، وحسن مفعول به، وهو مضاف وبنانه مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يقضمن .. الخ) بدل من جملة (ينشنه) على حد قوله تعالى: ﴿أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعامٍ وبنين﴾.
٦٨ - ومسك سابغةٍ هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
المفردات. مسك سابغة: بالسين المهملة سمرها، والسمر شدك الشيء بالمسمار، ويروى (مشكِ) بالشين، وقد جعله بعضهم اسم مكان الشك، وهو الانتظام، انظر البيت رقم -٦٦ - فهو على هذا بفتح الميم
[ ٢ / ٢١٢ ]
والشين جميعًا، وجعله بعضهم بكسر الميم وفتح الشين، وفسروه بمسامير الدرع، وفسره الأصمعي بسير، وقال: كانت العرب تجعل سيرًا في جيب الدرع يجمع جيبها، فإذا أراد أحدهم الفرار جذب السير، فقطعه واتسع الجيب، فألقاها عنه، وهو يركض، وقيل: المشك الدرع التي قد شك بعضها إلى بعض، وقيل: المشك الرجل الشاك-، وأراد بسابغة الدرع الفاضلة الواسعة التامة، والجمع سابغات، قال تعالى لداود ﵇: ﴿أن اعمل سابغاتٍ وقدر في السرد﴾ هتكت فروجها: شققتها وخرقتها، والفروج جمع فرج، وأراد بفروجها جيبها وكميها. الحامي: المانع والحافظ. الحقيقة: ما يجب على الرجل حفظه من عرض ومال وأهل. معلم: بكسر اللام اسم فاعل من أعلم نفسه بعلامة في الحرب، وكان البطل المغوار يشهر نفسه بعلامة أدلالًا بشجاعته، وإعلامًا بمكانه، وجعله بعضهم بفتح اللام اسم مفعول، ومعناه الذي يشار إليه، ويدل عليه بأنه فارس الكتيبة.
المعنى يقول: رب موضع انتظام درع سابغة شققت أوساطها بالسيف عن رجل حافظ ومانع لما يجب عليه حفظه قد شهر نفسه في الحرب بعلامة يعرف فيها، أو يشار إليه ويدل عليه بأنه فارس الكتيبة البطل.
الإعراب. الواو: واو رب. مسك: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد، ومسك مضاف وسابغة مضاف إليه، وسابغة صفة لموصوف محذوف كما رأيت. هتكت: فعل وفاعل. فروجها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (هتكت فروجها) في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو مجرور برب على تفاسير مسك ومشك الأولى، أو هي في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف، ويكون الخبر محذوفًا إلا على تفسير المشك بالرجل، فيكون الخبر قوله (لما رآني .. الخ) في البيت رقم -٧٠ - الآتي
[ ٢ / ٢١٣ ]
كما يجوز أن يكون محذوفًا، تقديره: قتلته. بالسيف: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. عن حامي: جار ومجرور متعلقان به أيضًا، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل، وحامي صفة لموصوف محذوف، وحامي مضاف والحقيقة مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. معلم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
٦٩ - ربذٍ يداه بالقداح إذا شتا هتاك غايات التجار ملوم
المفردات. الربذ: السريع الضرب، وأراد بالقداح قداح القمار والميسر، وقد كان القمار مدحًا عند العرب في الجاهلية لأنهم لم يأكلوا ما يربحونه على نحو ما رأيت في البيت رقم -٧٣ - من معلقة لبيد ﵁، وكان حقه أن يقول: (ربذة يداه) لأن اليد مؤنثة، وقد اختلفوا في تخريجه، فقال الفراء: يجوز في الشعر تذكير المؤنث الذي ليست فيه علامة التأنيث، وقال أبو جعفر النحاس والتبريزي: إن ربذًا نعت حقيقي لحامي الحقيقة، وفيه ضمير هو فاعله، ويداه بدل من الضمير المستتر. شتا: أراد إذا اشتد الزمان، ونزل القحط بالناس، وكان الشتاء عندهم أشد الأوقات عسرًا، وكان لا يجود فيه إلا الأجواد الكرماء. التجار: بكسر التاء وتخفيف الجيم الخمارون، جمع تجر الذي هو جمع لتاجر، كشرب وشارب، وسفر وسافر، والغايات العلامات والرايات التي كان الخمارون ينصبونها ليعرفوا بها، وأراد بهتكها قلعها، وانظر البيت رقم -٥٨ - من معلقة لبيد. ملوم: هو الذي يلام كثيرًا على تبذير ماله.
المعنى يقول: إن الرجل الذي شققت أوساط درعه بالسيف، سريع اليد، خفيفها في إجالة قداح الميسر في أوقات الشدة والعسر، وقد كان يأتي الخمارين، فيشتري كل ما عندهم من الخمر، فيقلعون راياتهم، ويذهبون، فذلك هتكه للرايات.
[ ٢ / ٢١٤ ]
الإعراب. ربذ: صفة للموصوف المحذوف في البيت السابق. يداه: فاعل بربذ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وانظر شرح المفردات. بالقداح: جار ومجرور متعلقان بربذ. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بربذ أيضًا. شتا: فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. هتاك: صفة أخرى للموصوف المحذوف، وهو مبالغة اسم الفاعل، وهتاك مضاف وغايات مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، وغايات مضاف والتجار مضاف إليه. ملوم: صفة أخرى للموصوف المحذوف، وهو مبالغة اسم المفعول، فنائب فاعله ضمير مستتر فيه.
٧٠ - لما رآني قد نزلت أريده أبدى نواجذه لغير تبسم
المفردات. أبدى: أظهر. النواجذ: جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس، قال الرسول ﷺ: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» والمراد تمسكوا بها، لا تحيدوا عنها. التبسم: أوائل الضحك، ويروى لغير تكلم.
المعني يقول: إن الرجل الموصوف بما تقدم عندما رآني قد نزلت عن فرسي أريد قتله كشر عن أنيابه غير متبسم وغير مستبشر، بل كشر، وقلصت شفتاه عن أسنانه لشدة خوفه، ولكراهية الموت.
الأعراب. لما: تقتضي جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما، ويقال فيها: حرف وجود لوجود، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، ويرى ابن السراج والفارسي وابن
[ ٢ / ٢١٥ ]
جني وجماعة أنها ظرف بمعنى حين، وهو المشهور بين المعربين. رآني فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف المحذوف في البيت -٦٨ - والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة لما إليها على اعتبار ظرفيتها، وابتدائية على اعتبار (لما) حرفًا. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. نزلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط الضمير فقط، وهذا على اعتبار (رأى) بصرية، وهو الأولى. أريده: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الضمير فقط، فتداخلت الحال، وهي جملة، وهو أقوى من اعتبارها متعددة. أبدى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما عاد إليه فاعل (رآني) نواجذه: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لغير: جار ومجرور متعلقان بالفعل أبدى: وغير مضاف وتبسم مضاف إليه، وجملة (أبدى الخ) جواب لما لا محل لها من الإعراب، ولما ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
٧١ - فطعنته بالرمح، ثم علوته بمهندٍ صافي الحديدة مخذم
المفردات. مهند: انظر البيت رقم -٨٦ - من معلقة طرفة. صافي الحديدة: مصقول. مخذم: سريع القطع.
المعنى يقول: طعنت الرجل الموصوف بما تقدم برمحي ألقيته من ظهر فرسه، ثم ضربته بسيف مهند مصقول الحديد سريع القطع، وإنما وصفه بما تقدم ليدل على فرط شجاعته، لأنه لا يقتل الشجاع إلا الشجاع، وأما الجبان فلا شجاعة في قتله، ولا يكسب قاتله محمدة.
[ ٢ / ٢١٦ ]
الإعراب. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. طعنته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب على الوجهين المعتبرين في الفاء. بالرمح: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ثم: حرف عطف. علوته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضًا. بمهند: جار ومجرور متعلقان بالفعل غلوته، ومهند صفة لموصوف محذوف. صافي: صفة ثانية للموصوف المحذوف مجرور، وعلامة جرة كسرة مقدرة على الياء للثقل، وصافي مضاف والحديدة مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، مثل طاهر القلب. مخذم: صفة ثالثة للموصوف المحذوف.
٧٢ - عهدي به مد النهار كأنما خضب البنان، ورأسه بالعظلم
المفردات. العهد: اللقاء، يقال: عهدته أعهده عهدًا إذا لقيته. مد النهار: أول النهار، أي وقت ارتفاع الشمس، ومثله شد النهار ووجه النهار، وشباب النهار. البنان: انظر البيت رقم -٦٧ - وخضب البنان تلونه بالحناء وغيره، وأراد بقوله (البنان) بنانه؛ فأقام الألف واللام مقام الضمير كما في قوله تعالى: ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ أي عن هواها: العظلم: نبت أحمر يختطب به.
المعنى يقول: رأيت الرجل الذي طعنته برمحي وقت ارتفاع الشمس، وقد جف الدم عليه كأن أصابعه ورأسه مخضوبان بنبت أحمر اسمه العظلم.
الإعراب. عهدي: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. به: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وهو قول التبريزي وابن الأنباري، وأرى أنهما
[ ٢ / ٢١٧ ]
متعلقان بالمصدر على أنهما في موضع المفعول به، والخبر محذوف لسد الجملة الآتية الواقعة حالًا مسده كما في الشاهد -٢١١ - من فتح رب البرية. مد: ظرف زمان قال التبريزي: بدل من الاستقرار، أي من الجار والمجرور (به) ولم يعلقه بالمصدر لئلا يفصل بينه وبين متعلقة بأجنبي، وهو الخبر، وذلك على نحو قوله تعالى: ﴿إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر﴾ حيث لم يعلق الظرف، بالمصدر السابق، وأرى أن (مد) متعلق بالمصدر، وإذا قلت: عهدته طول النهار حالة كونه مخضوبًا بنانه ورأسه بالعظلم، ظهر لك صحة ما أذهب إليه وأرتئيه. كأنما: كافة ومكفوفة. خضب: فعل ماض مبني للمجهول. البنان: نائب فاعله، الواو: حرف عطف. رأسه: معطوف على ما قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بالعظلم: جار ومجرور متعلقان بالفعل خضب، وجملة (كأنما خضب .. الخ) في محل نصب حال من الضمير المجرور محلًا بالباء، والعامل فيها المصدر، والرابط الضمير فقط، وهذه الحال سادة مسد الخبر كما ذكرته سابقًا، والجملة الاسمية (عهدي الخ) مستأنفة لا محل له من الإعراب، وذلك بالإعراض عما قبل البيت.
٧٣ - بطلٍ كأن ثيابه في سرحةٍ يحذي نعال السبت ليس بتوءم
المفردات. بطل: شجاع- وسمي بذلك لأنه يبطل دماء أقرانه، أي يريقها ويهدرها-، والفعل بطل بطالة بفتح الباء، وأجير بطَّال بين البطالة بكسر الباء، وقد تفتح، والفعل منه بَطل يبطلُ، ويقال من الفساد: بَطل يَبطل بُطلا وبطولًا. ثيابه: يجوز أن يكون على ظاهره، ويجوز أن يكون قد أراد درعه. في: هي بمعنى (على) كما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ أي على جذوع النخل. سرحة: شجرة من عظام الشجر، وقد يكنى بها عن المرأة، وقوله (كأن ثيابه في سرحة) كناية عن طوله وامتداد قامته، كما
[ ٢ / ٢١٨ ]
في قولهم: طويل النجاد، والعرب تتمدح بالطول وتذم القصر، اسمع قول أثال بن عبدة بن الطيب:
ولما التقى الصفان، واختلف القنا نهالًا، وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طيالها
يحذى: يلبس. السبت: بكسر السين وسكون الباء الجلد المدبوغ بالقرظ، ولم ينجرد من شعره، وقال أبو زيد: السبت جلود البقر خاصة مدبوغة، فأما ما كان من جلود الضأن خاصة، فهو السلف، وأراد بقوله: يحذى نعال السبت أنه من الملوك الذين يلبسون النعال السبتية الرقيقة، الطيبة الريح، وهم يمتدحون بجودة النعال كما يمتدحون بجودة الملابس. ليس بتوءم: أي لم يزاحمه آخر في الرحم، فيخرج ضاويًا ضعيفًا، ولم يكن له شريك في اللبن، فيكون هزيلًا، يقال: هو توأم إذا ولد معه آخر، والجمع توائم وتؤام، وقد أتأمت المرأة، فهي متئم إذا ولدت اثنين في بطن، فإذا كان ذلك عادتها فهي متئم إذا ولدت اثنين في بطن، فإذا كان ذلك عادتها فهي متآم، وقال أبو جعفر: توائم جمع توأمة للمؤنث، وتوأمون جمع توأم للمذكر.
المعنى يقول: إن الرجل الذي أرداه قتيلًا شجاع، وطويل القامة، وعظيم الجسم كأن ثيابه قد ألبست شجرة عظيمة من طول قامته واستواء خلقه، وهو من أشراف قومه الذين يلبسون جلود البقر المدبوغة بالقرظ، وقد ولد منفردًا ليس معه توأم يزاحمه في الرحم، فيخرج ضاويًا ضعيفًا، ولا يشاركه أحد في لبن أمه بعد ولادته.
الإعراب. بطل: يروى بالجر والرفع، فالجر على أنه صفة أخرى للموصوف المحذوف بحامي الحقيقة في البيت رقم -٦٨ - والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو بطل، والجملة الاسمية هذه تحتمل الحالية
[ ٢ / ٢١٩ ]
والوصفية من الموصوف المحذوف، والاستئناف ممكن. كأن: حرف مشبه بالفعل. ثيابه: اسمها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. في سرحة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر كأن، وجملة (كأن ثيابه في سرحة) صالحة للحالية والوصفية من الموصوفة المستتر في بطل؛ لأنه صفة مشبهة-. يحذى: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الموصوف ببطل المحذوف، وهو المفعول الأول. نعال: مفعول به ثان، وهو مضاف والسبت مضاف إليه، وجملة (يحذى نعال السبت) يجوز فيها جاز في الجملة الاسمية (كأن الخ) ليس: فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى الموصوف المحذوف أيضًا (بتوءم) الباء: حرف جر زائد. توءم: خبر ليس منصوب، وعلامة نصب فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة (ليس بتوأم) يجوز فيها ما جاز في الجملتين قبلها.
٧٤ - ولقد ذكرتك، والرماح نواهل مني، وبيض الهند، تقطر من دمي
هذا البيت وتاليه لم يذكرهما أحد من شراح المعلقة، وقد ذكرهما الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي، نقلًا عن الجمهرة، وهما في الديوان.
المفردات. نواهل: جمع ناهلة، وتجمع أيضًا على نهال، أما المذكر، وهو ناهل فجمعه نَهَل ونُهُل، ونُهول ونَهَلة ونهلى ونِهال، والنهل مصدر الشرب الأول، والعلل الشرب مرة بعد مرة، والناهل والنهلان الشارب والعطشان، فهما من الأضداد اهـ مختار الصحاح. بيض النهد: أراد السيوف المصنوعة في الهند.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
المعنى يقول: أقسم بالله لقد ذكرتك، ولم أنسك حتى في أصعب المواقف، وهو وقت اشتداد الحرب، وفي وقت شرب الرماح من دمي، وفي وقت تقاطر دمي من السيوف، وذلك بسبب تلطخها بالدم، وإنما ذكرها وقت التحام الحرب لأن من عادة الأبطال إذا التحمت السيوف، وتكسرت النصال على النصال أن يذكر كل منهم أحب الناس إليه، ليكون ذلك أبعث لنشاطه، وأشد إثارة لشجاعته، وهو كقول أبي عطاء السندي أفلح بن يسار:
ذكرتك، والخطي يخطر بيننا وقد نهلت منا المثقفة السمر
وهو أيضًا دليل على تمكن حب حبيبه في قلبه، انظر قول الآخر:
فليتك يوم الملتقى ترينني لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ذكرتك: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. الواو: واو الحال. الرماح: مبتدأ. نواهل: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الواو والضمير المجرور بمن. مني: جار ومجرور متعلقان بنواهل، لأنه جمع اسم فاعل كما رأيت. الواو: حرف عطف. بيض: مبتدأ، وهو مضاف والهند مضاف إليه. تقطر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى بيض الهند. من: حرف جر. دمي: اسم مجرور بمن، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منه من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة-، وجملة (تقطر من دمي) في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (بيض الهند الخ)
[ ٢ / ٢٢١ ]
معطوفة على سابقتها، فهي في محل نصب حال مثلها، أو هي من تعدد الحال، وهو جملة تأمل وتدبر، والله أعلى وأعلم، وأجل وأكرم.
٧٥ - فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
المفردات. وددت: تمنيت. البارق: اللامع، والفعل برق يبرق السيف وغيره تلألأ. الثغر: انظر البيت رقم -٢٢ - من معلقة امرئ القيس. المتبسم: من التبسم، وهو أوائل الضحك.
المعنى يقول: تمنيت عندما حمي وطيس الحرب أن أقبل لسيوف، لأنها لمعت لمعانًا شبيهًا بلمعان ثغرك الضاحك المشرق.
الإعراب. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. وددت: فعل وفاعل. تقبيل: مفعول به، وهو مضاف والسيوف مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وجملة (وددت الخ) لا محل لها سواء أعطفتها على جملة جواب القسم في البيت السابق، أم استأنفتها. اللام: حرف تعليل وجر. أنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. لمعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى السيوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل السابق. كبارق: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير: لمعت لمعانًا كائنًا الخ وانظر قول سيبويه في البيت رقم -٦٥ - من معلقة امرئ القيس، وبارق مضاف وثغرك مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لفاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. المبتسم: صفة ثغرك.
٧٦ - يا شاة ما قنصٍ لمن حلت له حرمت عليَّ، وليتها لم تحرم
[ ٢ / ٢٢٢ ]
المفردات. شاة: كنى بها عن المرأة، والعرب تكني عن المرأة بالنعجة أيضًا، وبه فسر قوله تعالى: ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجةً ولي نعجة واحدة﴾ قنص: بفتح القاف والنون المصيد الذي يقتنص، ومثله القنيص كما يطلقان على الصياد نفسه أيضًا الذي يطلق عليه اسم القانص والمعنى على هذا، ومثل القنص الذي هو بمعنى المقنوص العدد بمعنى المعدود، والخبط بمعنى المخبوط، والنفض بمعنى المنفوض، والقبض بمعنى المقبوض، وكل ذلك بفتح أوله وثانيه. حلت له: قدر عليها. حرمت علي: قيل: حرمت عليه لأن أباه تزوجها، واسمها سمية أو سهية، وقيل: حرمت عليه باشتباك الحرب بين قبيلته وقبيلتها، واحتج من قال ذلك في البيت رقم -١٢ - فتمنى الصلح بين القبيلتين ليتأتى له زواجها، وقيل: كانت له جارة، ومن عادتهم المحافظة على الجوار، وليس بشيء، لأن زواج الجارة لا غضاضة فيه في وقت من الأوقات. والحرام في الأصل كل ممنوع، قال تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾ فالحرمات كل ممنوع منك مما بينك وبين غيرك، وقولهم: لفلان بي حرمة، أي أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرجل محظورة به عن غيره، وقوله تعالى: ﴿للسائل والمحروم﴾ فالمحروم هو الممنوع.
المعنى يقول: يا شاة مصيدة لمن تمكن منها، وحلت له، وأما أنا فقد حرمت علي، وأتمنى أن تكون حلالًا لي، لنظر ما قيل في تحريمها، وهو يريد وصفها بالحسن والجمال.
الإعراب. يا: حرف نداء وتعجب. شاة: منادى متعجب منه منصوب، ويجوز أن يكون المنادى محذوفًا، تقديره: يا هؤلاء، وشاة مفعولًا به لفعل محذوف، تقديره اشهدوا، انظر الزوزني، وشاة مضاف وقنص مضاف إليه، وما زائدة مقحمة بين المتضايفين، وجوز ابن الأنباري أن تكون (ما) نكرة
[ ٢ / ٢٢٣ ]
موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وقنص صفته كما تقول في الكلام: نظرت إلى ما معجب لك، على معنى نظرت إلى شيء معجب لك، ويروى البيت (يا شاة من قنص) انظر ما قيل فيه في الشاهد -٦١٥ - من كتابنا فتح القريب المجيب (لمن) اللام: حرف جر. من: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بقنص. حلت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى شاة قنص. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (حلت له) صلة الموصول لا محل لها. حرمت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى شاة قنص. علي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (حرمت علي) في محل نصب حال من فاعل (حلت) العائد بدوره إلى شاة قنص، والرابط رجوع الفاعل إليها وهي على تقدير قد قبلها (وليتها لم تحرم) الواو: حرف استئناف. ليتها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تحرم: فعل مضارع محزوم بلم: وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى شاة قنص، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ليت، وجملة (ليتها لم تحرم) مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو أولى من العطف على جملة (حرمت علي) الواقعة حالًا، لأنها إنشائية، والإنشاء لا يكون حالًا.
٧٧ - فبعثت جاريتي، فقلت لها: اذهبي فتجسسي أخبارها لي، واعلمي
المفردات. الجارية: هي في الأصل الشابة، ثم توسعوا فيها حتى سموا كل أمة جارية، سواء أكانت عجوزًا أم شابة، قلت: انظر إعلاله في البيت رقم -٢٠ - من معلقة امرئ القيس. تجسسي: يروى بالجيم والحاء، وهما بمعنى اطلبي خبرها والتمسيه، وقيل: إن التحسس بالحاء يكون في
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الخير، وبالجيم يكون في الشر، ومنه الجاسوس، وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس ومن الأول قوله تعالى: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾ أي فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا﴾ أي لا تفتشوا عن عورات المسلمين ومساوئهم، علمًا بأنه قرئ في الآيتين الكريمتين بالجيم والحاء في غير قراءة حفص، وما أثبته هنا إنما هو قراءة حفص.
المعنى يقول: أرسلت جاريتي، وقلت لها: اذهبي، وتعرفي أخبار الحبيبة، وابحثي عن أحوالها.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. بعثت: فعل وفاعل. جاريتي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (بثت جاريتي) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. فقلت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة بالفاء العاطفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. لها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. اذهبي: فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. الفاء: حرف عطف. تجسسي: فعل أمر مبني على حذف النون، وياء المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل مصب مقول القول. أخبارها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. واعلمي: إعرابه، ومحل مثل سابقيه، ومفعولاه محذوفان لدلالة الكلام عليهما.
٧٨ - قالت: رأيت من الأعادي غرةً والشاة ممكنة لمن هو مرتمي
[ ٢ / ٢٢٥ ]
المفردات. الأعادي: جمع الجمع، يقال في جمع عدو: عُداة وعِدِّى وأعداء، ويجمع أعداء على أعاد وأعادي، وفي القاموس المحيط والعدا بالضم والكسر اسم الجمع، وانظر البيت رقم -٥٤ - من معلقة طرفة، والبيت رقم -٥٣ - من معلقة زهير. غرة: غفلة، ورجل غر غافل لم يجرب الأمور. الشاة: انظر البيت -٧٦ - مرتم: قيل: معناه لمن أراد أن ينظر ويلتمس، وقال أبو جعفر: معناه لمن أراد أن يصطادها ويأخذها، وإعلال مرتم مثل إعلال (واد) في البيت رقم -٦٠ - من معلقة امرئ القيس والياء الثابتة ليست ياء العلة، وإنما هي للإشباع.
المعنى يقول: قالت لي الجارية لما انصرفت: صادفت الأعادي غافلين عن المحبوبة، وبالإمكان زيارتها، والاجتماع بها، وذلك لغفلة الرقباء عنها.
الإعراب. قالت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الجارية المرسلة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. رأيت: فعل وفاعل. من: حرف جر. الأعادي: اسم مجرور بمن، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من غرة كان صفة لها، فلما قدم عليها صار حالًا على القاعدة (نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا). غرة: مفعول به، وجملة (رأيت الخ) في محل نصب مقول القول. الواو: واو الحال. الشاة: مبتدأ. ممكنة: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ وإن عطفتها على جملة (رأيت الخ) فلست مفندًا، وتكون في محل مصب مقول القول مثلها (لمن) اللام: حرف جر. من: اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بممكنة. هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. مرتمي: خبر
[ ٢ / ٢٢٦ ]
مرفوع، وعلامة رفعه ضمة قدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، وهذه الياء الثابتة إنما هي ياء الإشباع لضرورة الشعر، والجملة الاسمية (هو مرتم) صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
٧٩ - وكأنها التفتت بجيد جدايةٍ رشًأ من الغزلان حرٍّ أرثم
المفردات. كأنها، ويروى (كأنما) الجيد: العنق، وجمعه أجياد. جداية: هي ولد الظبية، وهي بمنزلة الجدي من الغنم والماعز، وهي التي أتت عليها خمسة أشهر أو ستة. رشأ: انظر البيت رقم -٢٢ - الحر: هو من كل شيء خالصه وجيده. الأرثم: هو الذي في شفته العليا بياض أو سواد والأنثى رثماء والجمع رُثم، فإن كان من السفلى ألمظ، والأنثى لمظاء.
المعنى يقول: إن المحبوبة عندما تلتفت، فهي شبيهة في حال التفاتتها بولد ظبية، أسود خالص السواد، أو أبيض خالص البياض، في شفته العليا بياض أو سواد، أي ما يخالف لون بقية جسمه.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير تصل في محل نصب اسمها. التفتت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى من يتحدث عنها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر كأن، والجملة الاسمية (كأنها التفتت) مستأنفة لا محل لها من الأعراب، وإن رويت (كأنما) فهي كافة ومكفوفة، والجملة الفعلية بعدها مستانفة لا محل لها. بجيد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجيد مضاف وجداية مضاف إليه. رشأ: صفة أولى لجداية، أو بدل منه، وهو أولى. من الغزلان: جار ومجرور متعلقان برشأ باعتبار معناه. حر: صفة ثانية لجداية. أرثم: صفة ثالثة، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع للصفة ووزن أفعل.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
٨٠ - نبئت عمرًا غير شاكر نعمتي والكفر مخبثة لنفس المنعم
المفردات. نبئت: أعلمت وأخبرت مجهول نبأ بالتشديد من النبأ، وهو كالخبر وزنًا ومعنى، ويقال: النبأ أخص من الخبر، لأن النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن وخطر من الأخبار، وقال الراغب: النبأ خبر ذو فائدة يحصل به علم، أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحقه أن يتعرى عن الكذب كالتواتر وخبر الله تعالى، وخبر الرسول ﷺ. شاكر: اسم فاعل من الشكر، والشكر في اللغة فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعمًا على الشاكر أو غيره، سواء كان ذلك قولًا باللسان، أو اعتقادًا بالجنان، أو عملًا بالأركان التي هي الأعضاء كما قال القائل:
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا
والشكر في الاصطلاح صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله؛ ومما هو جدير بالذكر أن شكر العبد المنعم إنما هو من شكر الله، قال تعالى في وصية لقمان لابنه: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾ وقال الرسول ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» وعدم شكر النعمة كفر، أي جحود، وقد قارنه بالشكر كما في قوله تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ وقوله تعالى: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾ - وتقول: شكرته وشكرت له إذا أثنيت عليه وحمدته، والأكثر في هذا الفعل أن يتعدى باللام كما في وصية لقمان لابنه- وانظر (كافر وكفر) في البيت رقم -٤٢ - من معلقة لبيد ﵁. النعمة: المعروف والإحسان. مخبثة: مفسدة، أي مغيرة. نفس: انظر البيت رقم -٤٥ - من معلقة طرفة.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
المعنى يقول: أخبرت وأعلمت أن عمرًا غير شاكر معروفي وإحساني إليه وجحود المعروف والإحسان وكفرانهما ينفر المحسن والمنعم من فعل الخير.
الإعراب. نبئت: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول. عمرًا: مفعول به ثان. غير: مفعول به ثالث، وغير مضاف وشاكر مضاف إليه، وشاكر مضاف ونعمتي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: واو الحال. الكفر: مبتدأ. مخبثة: خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من عمرًا، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ لنفس: جار ومجرور متعلقان بمخبثة، ونفس مضاف والمنعم مضاف إليه، وجملة (نبئت .. الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٨١ - ولقد حفظت وصاه عمي بالضحى إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
المفردات. وصاه: اسم مصدر من وصى مثل صلاة وسلام، والوصاه والوصية شيء واحد. بالضحى: الباء هي بمعنى في. تقلص: ترتفع. وضح الفم: أراد بياض الأسنان.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف تقديره والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في
[ ٢ / ٢٢٩ ]
جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. حفظت: فعل وفاعل. وصاه: مفعول به، وهو مضاف وعمي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهذه الإضافة من إضافة اسم المصدر لفاعله، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. بالضحى: جار ومجرور متعلقان باسم المصدر، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة (لقد حفظت .. الخ) جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق باسم المصدر أيضًا، وقيل: هو بدل كم الجار والمجرور (بالضحى) تقلص: فعل مضارع. الشفتان: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. عن وضح: جار ومجرور متعلقان بالفعل تقلص، ووضح مضاف والفم مضاف إليه، وجملة (تقلص الخ) في محل جر بإضافة إذ إليها.
٨٢ - في حومة الموت التي لا تشتكي غمرتها الأبطال غير تغمغم
المفردات. حومة كل شيء معظمه. الموت: انظر البيت رقم -٧١ - من معلقة طرفة، ويروى (في حومة الحرب) لا تشتكي: من الشكوى، وهي عدم الصبر والثبات في الأزمات والشدائد وماضيه اشتكى، ومثله شكا يشكو، ويروى (لا يتقي) من الوقاية، وهي التحفظ من شيء مخيف. غمرتها: شدائدها التي تغمر أصحابها، أي تغلب قلوبهم وعقولهم، مفردها غمرة بفتح الغين وسكون الميم، وأما الجمع فهو بفتحهما جميعًا انظر البيت رقم -٤ - من معلقة امرئ القيس. الأبطال: جمع بطل انظر البيت رقم -٧٣ - التغمغم: صوت يسمع لا يفهم منه شيء.
المعنى يقول: ولقد حفظت وصية عمي إياي في أشد الأوقات هولًا
[ ٢ / ٢٣٠ ]
التي لا تشكوها الشجعان إلا بصوت خافت يسمع، ولا يفهم منه شيء.
الإعراب. في حومة: جار ومجرور متعلقان بالفعل حفظت، أو بالفعل تقلص، وحومة مضاف والموت مضاف إليه. التي: اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة حومة الموت. لا: نافية. تشتكي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفع ضمة مقدرة على الياء للثقل. غمرتها: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الأبطال: فاعل تشتكي، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. غير: منصوب على الاستثناء المنقطع، وقال ابن الأنباري: وغير نصب على المصدر، أي إنه مفعول مطلق، وكأنه يعتبر التغمغم من نوع الشكوى، فهو مصدر مرادف لتشتكي، وغير مضاف والتغمغم مضاف إليه.
٨٣ - إذ يتقون بي الأسنة لم أخم عنها، ولكني تضايق مقدمي
المفردات. يتقون: يجعلونني وقاية، وأصله يوتقون، قلبت الواو تاء، ثم أدغمت التاء بالتاء. الأسنة: جمع سنان، وهو الذي يطعن به. لم أخم: لم أضعف ولم أجبن، يقال: خام يخيم إذا ضعف وجبن. تضايق مقدمي: معناه ضاق المكان الذي أقدم فيه، فصرت في مضيق من الأرض لا أستطيع أن أقدم فرسي فيه.
المعنى يقول: إنني لم أضعف ولم أجبن حين جعلني أصحابي وقاية بينهم وبين أسنة أعدائهم، ولكن ضاق المكان الذي أقدم فيه، فصرت في مضيق من الأرض لا أستطيع التقدم فيه، فلذا تأخرت.
الإعراب. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (أخم) الآتي. يتقون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه
[ ٢ / ٢٣١ ]
ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. بي: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الأسنة: مفعول به، وجملة (يتقون .. الخ) في محل جر بإضافة إذ إليها. لم: حرف نفي وقلب وجزم. أخم: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا، تقديره أنا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، هذا وإن اعتبرت (إذ) بدلًا من (إذ) في البيت رقم -٨١ - فتكون جملة (لم أخم) في محل نصب حال من الضمير المجرور محلًا بالباء، والرابط الضمير فقط، والمعنى لا يأباه. عنها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. لكني: حرف مشبه بالفعل مفيد للاستدراك، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. تضايق: فعل ماض. مقدمي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (تضايق مقدمي) في محل رفع خبر لكن، وجملة (لكني .. الخ) معطوفة على الجملة الفعلية (لم أخم) على الوجهين المعتبرين فيها.
٨٤ - لما سمعت نداء مرة قد علا وابني ربيعة في الغبار الأقتم
المفردات. نداء مرة: صوته. علا: ارتفع. الغبار الأقتم: الضارب إلى السواد، والمعنى يأتي بعد البيت الثالث.
الإعراب. لما: انظر البيت رقم -٧٠ - سمعت: فعل وفاعل. نداء: مفعول به، وهو مضاف ومرة مضاف إليه مجرور، وعلامة جر الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث اللفظي، وجملة (سمعت .. الخ) ابتدائية على القول بحرفية لما، لا محل لها من الإعراب، وفي محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. علا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر والفاعل
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى نداء مرة، والجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. ابني: معطوف على مرة مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وابني مضاف وربيعة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف مثل (مرة) في الغبار: جار ومجرور متعلقان بالفعل (علا) الأقتم: صفة الغبار، وجواب (لما) في البيت رقم -٨٦ - الآتي.
٨٥ - ومحلم يسعون تحت لوائهم والموت تحت لواء آل محلم
المفردات. محلم: هو محلم بن عوف الشيباني الذي يضرب به المثل في الوفاء والعزة، وقد أراد به القبيلة التي تنتسب إليه بدليل الضمير الدال على الجماعة بعده، وقد صرف لضرورة الشعر. اللواء: راية الحرب. الموت: انظر البيت رقم -٧١ - من معلقة طرفة. آل: أصله أهل بدليل تصغيره على أهيل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار أأل، ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدًا مجانسًا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة، مثل آدم وإيمان، أصلهما أَأدم وإِإِمان، وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما رأيت في البيت رقم -٢٦ - من معلقة زهير، وآل لا يستعمل إلا فيمن له خطر وشأن، يقال: آل النبي وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، والمعنى يأتي في البيت التالي، وانظر البيت رقم -٨٣ - من معلقة الحارث بن حلزة.
الإعراب. الواو: واو الحال. محلم: مبتدأ. يسعون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (محلم يسعون) في محل نصب حال من نداء مرة، والرابط
[ ٢ / ٢٣٣ ]
الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ تحت: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وتحت مضاف ولوائهم مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. الواو: حرف عطف. الموت: مبتدأ. تحت: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها، فهي في محل نصب حال مثلها، وتحت مضاف ولواء مضاف إليه، ولواء مضاف وآل مضاف إليه، وآل مضاف ومحلم مضاف إليه، وصرف لضرورة الشعر.
٨٦ - أيقنت أن سيكون عند لقائهم ضرب يطير عن الفراخ الجثم
المفردات. الفراخ: جمع فرخ، وهو الصغير من الطيور. الجثم: جمع جاثم، وانظر البيت رقم -٣ - من معلقة زهير.
المعنى للأبيات الثلاثة يقول: عندما سمعت صوت مرة، وصوت ابني ربيعة حالة كونه قد ارتفع في الغبار الضارب إلى السواد، وحال كون قبيلة محلم يزحفون تحت لوائهم الذي يوجد تحته الموت بسبب شجاعتهم، وشدة شكيمتهم في الحرب: أيقنت يقينًا لا ريب فيه، أنه يوجد عند مواجهتهم ضرب بالسيوف يلقي الرؤوس عن أبدان قوم، شبيهين بفراخ الطيور الصغيرة الضعيفة.
الإعراب. أيقنت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب لما في البيت رقم -٨٤ - لا محل لها من الإعراب. أن: حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف. السين: حرف استقبال: يكون: فعل مضارع ناقص. عند: ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل نصب خبر يكون تقدم على اسمه، وعند مضاف ولقاهم مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. ضرب: اسم يكون مؤخر
[ ٢ / ٢٣٤ ]
يطير: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ضرب، ومفعوله محذوف، التقدير: يطير الهام. عن الفراخ: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الجثم: صفة الفراخ، وجملة (يطير الخ) في محل رفع صفة ضرب، وجملة (سيكون الخ) في محل رفع خبر (أن) وأن واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (أيقنت).
٨٧ - لما رأيت القوم أقبل جمعهم يتذامرون، كررت غير مذمم
المفردات. القوم: انظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس، يتذامرون: يحض بعضهم بعضًا على القتال. كررت: من الكر، وهو الرجوع في الحرب إلى ساحة الوغى، وبابه رد.
المعنى يقول: عندما رأيت الأعداء قد أقبلوا نحونا يحض بعضهم بعضًا على قتالنا رجعت إليهم، فقاتلتهم حالة كوني محمودًا غير مذموم.
الإعراب. لما: انظر البيت رقم -٧٠ - رأيت: فعل وفاعل. القوم: مفعول به. أقبل: فعل ماض. جمعهم: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وجملة (أقبل جمعهم) في محل نصب مفعول به ثان لرأيت على اعتبارها علمية، أو هي في محل نصب حال من القوم على اعتبارها بصرية، فتكون (قد) مقدرة قبل الفعل، والرابط الضمير فقط، وجملة (رأيت الخ) في محل جر بإضافة (لما) إليها على القول بظرفيتها، وابتدائية على القول بحرفيتها لا محل لها من الإعراب. يتذامرون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب، إما من تعدد المفعول الثاني لرأيت، أو من تعدد الحال، وهي جملة.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
كررت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب (لما) لا محل لها من الإعراب. غير: حال من تاء الفاعل، وغير مضاف ومذمم مضاف إليه، ولما ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
٨٨ - ولقد هممت بغارةٍ في ليلةٍ سوداء حالكةٍ كلون الأدلم
المفردات. هممت: أردت، قال تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ أي أرادت منه الفاحشة، وأراد دفعها.
انظر البيت رقم -١٠٢ - من معلقة طرفة. الغارة: الهجوم في الحرب. حالكة: شديدة السواد. الأدلم: الحية الشديدة السواد.
المعنى يقول: أقسم بالله لقد أردت أن أهجم على القوم في ليلة مظلمة، شديدة الظلمة، مثل لون الحية الشديدة السواد.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. هممت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. بغارة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. في ليلة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة غارة. سوداء: صفة ليلة مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. حالكة: صفة ثانية لليلة. كلون: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثالثة لليلة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ليلة بعد وصفها بما تقدم على حدّ قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ولون مضاف والأدلم مضاف إليه.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
٨٩ - يدعون عنتر، والرماح كأنها أشطان بئرٍ في لبان الأدهم
المفردات. يدعون: يحتمل أن يكون بمعنى يقولون، ويحتمل أن يكون على بابه، وهو النداء، وهذا الفعل يأتي بمعنى يسمون أيضًا، والماضي دعا بمعنى سمى، وهو بهذا المعنى يتعدى إلى مفعولين، كما في قول الشاعر:
دعتني أخاها أم عمروٍ، ولم أكن أخاها، ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعدما كان بيننا من الفعل ما لا يفعل الأخوان
أشطان: جمع شطن، وهو الحبل الذي يدلى في البئر لنزح الماء. لبان: بفتح اللام الصدر، وهو بتخفيف الباء، أو ما بين الثديين، وأكثر استعماله لصدر ذات الحوافر كالفرس ونحوه، واللبان بكسر اللام الرضاع، يقال: هو أخوه بلبان أمه، انظر البيتين السابقين، ولا يقال بلبن أمه، واللبان بضم اللام الصنوبر والكندر، واللبانة الحاجة من غير فاقة، بل من همة، وجمعها لبانات، ويقال: هو باطن العنق. الأدهم: الفرس الأسود، وأراد فرسه.
المعنى يقول: يستغيثون بي، وينادونني بقولهم: يا عنتر في حال كون الرماح نازلة وصاعدة في صدر فرسي، فهي شبيهة بحبال بئر يستقي بها، وقد تكاثرت عليه السقاة.
الإعراب. يدعون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. عنتر: يروى بالضم والفتح، فالضم على أنه منادى مفرد علم، حذفت منه يا النداء، مبني على الضم الظاهر على الحرف الموجود على لغة من لا ينتظر الحرف الأخير، والفتح من وجهين: أحدهما أنه منادى مفرد علم، حذفت منه (يا) النداء، مبني على ضم مقدر على لحرف المحذوف على لغة من ينتظر الحرف الأخير، وثانيهما أنه مفعول
[ ٢ / ٢٣٧ ]
به للفعل يدعون، وعلى الوجهين الأولين، فالجملة الندائية في محل نصب مقول القول المفسر من يدعون. الواو: واو الحال. الرماح: مبتدأ. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. أشطان: خبر كأن، وهو مضاف وبئر مضاف إليه، وجملة (كأنها الخ) في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو الرماح. في لبان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر ثان للمبتدأ، ولبان مضاف والأدهم مضاف إليه، والجملة الاسمية (والرماح كأنها الخ) في محل نصب حال من فاعل (يدعون) والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾.
٩٠ - كيف التقدم، والرماح كأنها برق تلألأ في السحاب الأركم؟
المفردات. تلألأ: لمع. الأركم: المتراكم بعضه فوق بعض.
المعنى يقول: كيف أستطيع التقدم، والرماح تلمع نازلة وصاعدة، فهي شبيهة ببرق لمع في السحاب المتراكم بعضه فوق بعض.
الإعراب. كيف: اسم استفهام دال على التعجب، مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. التقدم: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الحال. الرماح: مبتدأ. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها: برق: خبرها. تلألأ: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى برق. في السحاب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الأركم: صفة السحاب، وجملة (تلألأ .. الخ) في محل رفع صفة برق، وجملة (كأنها الخ) في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو الرماح، والجملة الاسمية (الرماح الخ) في محل نصب حال من التقدم، والعامل فيه الاستفهام، والرابط الواو فقط كما في البيت السابق.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
٩١ - كيف التقدم، والسيوف كأنها غوغا جرادٍ في كثيبٍ أهيم
المفردات. الغوغا: الجراد الصغير أول ما يكسى ريشًا قبل السمن، والغوغاء من الناس الكثير المختلطون. الكثيب: تل من الرمل المجتمع. أهيم: لا يتماسك.
المعنى يقول: كيف أستطيع التقدم، والسيوف كثيرة كثرة شبيهة بجرد صغير قد غرز في أرض رملية رخوة.
الإعراب. كيف: اسم استفهام، دال على التعجب، مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. التقدم: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الواو: واو الحال. السيوف: مبتدأ. كأنها: حرف مشبه بالفعل، وها: ضمير متصل في محل نصب اسمها. غوغا: خبر كأن مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على اللف للتعذر، وغوغا مضاف وجراد مضاف إليه. في كثيب: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة غوغا جراد. أهيم: صفة كثيب مجرور، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع للصفة ووزن أفعل، وجملة (كأنها الخ) في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو السيوف، والجملة الاسمية (السيوف الخ) في محل نصب حال من التقدم، والعامل والرابط كما في البيت السابق.
٩٢ - فإذا اشتكى وقع القنا بلبانه أدنيته من سل عضبٍ مخذم
المفردات. اشتكى: انظر البيت رقم -٨٢ - القنا: الرماح جمع قناة- انظر البيت رقم -٦٦ - . لبانه: صدره، وانظر البيت -٨٩ - أدنيته: قربته- سل: مصدر سل السيف يسله إذا أخرجه من غمده. عضب: قاطع. مخذم: قاطع أيضًا.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
المعنى يقول: إن حصانه الأدهم المذكور في البيت -٨٩ - إذا اشتكر كثرة وقع الرماح بصدره، قربه من السيوف القاطعة، وهذا بالطبع آلم له.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، حافض لشرطه، منصوب بجوابه؛ صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب-. اشتكى: فعل ماض شرط إذا مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الأدهم المذكور في البيت -٨٩ - وقع: مفعول به، وهو مضاف والقنا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. بلبانه: جار ومجرور متعلقان بالمصدر، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (اشتكى الخ) في محل جر بإضافة إذا إليها على القول المرجوح المشهور. أدنيته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها، وإذا ومدخولها كلام مستأنف. من سل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وسل مضاف وعضب مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، وعضب صفة لموصوف محذوف. مخذم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
تنبيه- هذا البيت وسابقاه لم يذكرهن أحد من شراح المعلقة، وقد ذكرهن الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي، نقلًا عن الجمهرة.
٩٣ - ما زلت أرميهم بغرة وجهه ولبانه حتى تسربل بالدم
المفردات. الغرة: بالضم بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم: ويروى (بثغرة نحره) والثغرة بالضم نقرة النحر بين الترقوتين، والجمع ثغر. لبانه: انظر البيت رقم -٨٩ - تسربل: صار الدم بمنزلة السربال، والسربال أصله
[ ٢ / ٢٤٠ ]
القميص، ومنه قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ كما يطلق على الدرع أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وسرابيل تقيكم بأسكم﴾.
المعنى يقول: ما زلت أدفع حصاني إلى الميدان، وأقابل الأعداء بوجهه وصدره، وهم يرمونه برماحهم وسيوفهم حتى جرح وتلطخ بالدم، وصار الدم له بمنزلة السربال.
الإعراب. ما: نافية. زلت: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها. أرميهم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم علامة جمع الذكور، والجملة الفعلية في محل نصب خبر زال، وجملة (ما زلت أرميهم .. الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. بغرة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وغرة مضاف ووجهه مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. لبانه: معطوف على غرة وجهه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، حتى: حرف غاية وجر بعدها أن مضمرة، وهي بمعنى (إلى) تسربل: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الأدهم المذكور في البيت رقم -٨٩ - بالدم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأن المضمرة بعد حتى والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحتى، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أرميهم) وبعضهم يعتبر حتى حرف ابتداء -والجملة الفعليى بعدها مستانفة ولا وجه له-.
٩٤ - قازور من وقع القنا بلبانه وشكا إليَّ بعبرةٍ وتحمحم
المفردات. أزور: مال، وهو مأخوذ من الزور، وهو الميل، يقال: ازورَّ يزورُّ: وتَزَاورَ يَتَزاورُ، وازوارَّ يَزوَارُّ، وازَّاور، يزَّاورُ، قال تعالى: ﴿وَتَرَى
[ ٢ / ٢٤١ ]
الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم﴾ قرئ (تزاور) بتشديد الزاي وتخفيفها، كما قرئ (تزورُّ) على مثال (تحمرُّ) مضارع ازورَّ، كما قرئ (تزوارُّ) على مثال تحمارُّ وتصفارُّ، مضارع ازوارَّ، وانظر البيت رقم -١٤ - القنا: انظر البيت رقم -٩٢ - لبانه: انظر البيت رقم -٨٩ - شكا: انظر البيت رقم -٨٢ - العبرة: الدمعة من العين، وجمعها عبر، وعبرات. التحمحم: صوت مقطع ليس بالصهيل شبيه بالحنين، ومعنى: شكا .. الخ أَي لو كان ممن تصح منه الشكاية لشكا، إذ من المعلوم أن الفرس لا يشكو.
المعنى يقول: مال فرسي وانحرف مما أصابه من رماح الأعداء وسيوفهم في صدره، ونظر إليَّ وحمحم لأرق له وأشفق عليه.
الإعراب. الفاء: ويروى بالواو، وكلاهما حرف عطف. أزور: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الأدهم المذكور في البيت رقم -٨٩ - من وقع: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ووقع مضاف والقنا مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. بلبانه: جار ومجرور متعلقان بالمصدر (وقع) والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (أزور الخ) معطوفة على جملة (تسربل بالدم) في البيت السابق. الواو: حرف عطف. شكا: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الأدهم، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. إلى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بعبرة: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل شكا، والتقدير: شكا باكيًا بعبرة. وتحمحم: معطوف على سابقه بالواو العاطفة.
٩٥ - لو كان يدري ما المحاورة؟ اشتكى ولكان، لو علم الكلام، مكلمي
[ ٢ / ٢٤٢ ]
المفردات. يدري: يعلم. المحاورة: المراجعة في الكلام، قال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ وحاوره محاورة وحيوارًا راجعه في الكلام، وحار يحور، رجع يرجع، قال تعالى: ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ اشتكى: انظر البيت رقم -٨٢ - الكلام: انظر البيت رقم -٦٢ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: لو كان فرسي الأدهم يستطيع الكلام لاشتكى إليَّ مما يقاسيه ويعانيه من الآلام، ولو قدر على الكلام لكلمني، ولكنه لا يستطيعه.
الإعراب. لو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. كان: فعل ماض ناقص شرط لو، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الأدهم المذكور في البيت رقم -٨٩ - يدري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما عاد إليه اسم كان، وهو معلق على العمل لفظًا بسبب (ما) الاستفهامية بعده (ما المحاورة) ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. المحاورة: خبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (يدري) وجملة (يدري الخ) في محل نصب خبر كان، وجملة (كان الخ) لا محل لها من الإعراب- لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي-. اشتكى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما عاد إليه اسم كان، والجملة الفعلية جواب لو، لا محل لها من الإعراب، ولو مدخولها كلام مستأنف لا محل له أيضًا. الواو: حرف عطف. اللام: واقعة في جواب (لو) في التقدير، لأن الجملة بعدها معطوفة على جملة جواب (لو) وهي جملة (اشتكى) كان: فعل ماض ناقص، واسمهما ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى ما عاد إليه اسم كان السابقة. لو:
[ ٢ / ٢٤٣ ]
حرف الخ. علم: فعل ماض شرط لو، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو. الكلام: مفعول به، وجملة (علم الكلام) ابتدائية لا محل لها، وجواب لو محذوف لدلالة الكلام عليه، انظر المعنى، ولو ومدخولها كلام معترض بين كان وخبرها. مكلمي: خبر كان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، تقديره هو وجملة (لكان مكلمي) معطوفة على جملة (اشتكى) لا محل لها مثلها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٩٦ - آسيته في كل أمرٍ نابنا هل بعد أسوة صاحبٍ من مذمم؟
هذا البيت وتالياه لم يذكرهن أحد من شراح المعلقة، وقد ذكرهن الدكتور فخر الدين قباوة في تعليقه على شرح التبريزي نقلًا عن الجمهرة.
المفردات. آسيته: سويته بنفسي. نابنا: أصابنا وألم بنا. الأسوة: ما يتعزى به، والأسوة القدوة، قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا﴾ والأسوأ بهذا المعنى تكون حسنة، وتكون سيئة، فطوبي لمن كان أسوةً حسنةً، وويل لمن كان أسوةً سيئةً، والأسوة بالمعنيين بضم الهمزة وكسرها، وبهما قرئ في الآية الكريمة، وجمع الأسوة بالمعنيين أسى بضم الهمزة وكسرها أيضًا. صاحب: انظر البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. مذمم: أراد من ذم، أي ما يذم به إنسان.
المعنى يقول: عزيت حصاني، وسويته بنفسي في كل ما أصابنا ونزل بنا من أهوال وشدائد، ولا يوجد بعد التسوية بالنفس ما يعاب به إنسان.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الإعراب. آسيته: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. في كل: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وكل مضاف وأمر مضاف إليه. نابنا: فعل ماض، ونا: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى أمر، والجملة الفعلية في محل جر صفة أمر. هل: حرف استفهام مفيد للنفي. بعد: ظرف زمان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، وبعد مضاف وأسوة مضاف إليه، وأسوة مضاف وصاحب مضاف إليه. من: حرف جر زائد. مذمم: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية (هل بعد الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
٩٧ - فتركت سيدهم لأول طعنةٍ يكبو صريعًا لليدين، وللفم
المفردات. سيدهم: انظر البيت رقم -١٩ - من معلقة زهير. لأول: من أول، فاللام بمعنى من. يكبو: يسقط، وماضيه كبا، وهو بتخفيف الباء، وانظره بتشديدها في البيت رقم -٨٥ - من معلقة امرئ القيس. صريعًا: مطروحًا ملقى على الأرض، فهو اسم مفعول. لليدين: على اليدين، فاللام بمعنى على، ومثله للفم.
المعنى يقول: تركت سيد القوم مطروحًا على يديه وفمه ميتًا من أول طعنة طعنته إياها، ومثله قول الآخر:
ضممت إليه بالسنان قميصه فخر صريعًا لليدين وللفم
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. تركت: فعل وفاعل. سيدهم: مفعول به أول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور. لأول: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأول مضاف
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وطعنة مضاف إليه. يكبو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى سيدهم، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان لتركت، أو في نصب حال من سيدهم، وهو أقوى معنى من اعتباره حالًا من فاعل (يكبو) المستتر. لليدين: جار ومجرور متعلقان بصريعًا، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. وللفم: جار ومجرور معطوفان بالواو العاطفة على قوله (لليدين).
وجملة (تركت الخ) مستأنفة لا محل لها.
٩٨ - ركبت فيه صعدةً، هنديةً سحماء، تلمع، ذات حد لهذم
المفردات. ركبت: غرزت. صعدة: بفتح الصاد رمح معتدل لين، وأنثه باعتبار أنه خشبة. هندية: مصنوعة في الهند. سمحاء: سوداء مؤنث أسحم، والسحمة السواد. لهذم: قاطع، والضمير يعود إلى سيدهم، وانظر شرح (ذات) في البيت رقم -٥٢ - .
المعنى يقول: غرزت في السيد المذكور في البيت السابق رمحًا منسوبًا إلى الهند أسود له لمعان، وله حد قاطع، وهذا مجاز؛ فالحد في الحقيقة إنما هو للسيف، وإنما أراد رأس الرمح.
الإعراب. ركبت: فعل وفاعل. فيه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. صعدة: مفعول به. هندية: صفة أولى لصعدة، وجملة (ركبت الخ) يجوز فيها ما جاز بجملة (يكبو) في البيت السابق، إن لم تعتبرها مستأنفة. سمحاء: صفة ثانية لصعدة، ويجوز أن تكون حالًا منها بعد وصفها بهندية على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ تلمع: فعل مضارع،
[ ٢ / ٢٤٦ ]
والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى صعدة، والجملة الفعلية صالحة للوصفية والحالية من صعدة، مثل سحماء. ذات: يجوز فيها ما جاز بسحماء، وذات مضاف وحد مضاف إليه. لهذم: صفة حد.
٩٩ - ولقد شفى نفسي، وأبرأ سقمها قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
المفردات. شفى نفسي: اشتفيت حيث قالوا لي: أقدم، فأقدمت، والذي قال له ذلك أبوه، قال له: ويك عنتر أقدم، فاذهب بالحرم والمال، فقال له: العبد لا يحسن الكر، وإنما يحسن الحلب والصَّرَّ، فأعاد عليه مرارًا، فلما تخوف أن يذهب الحرم. قال: أي بني أما ترى؟ وهذا اعتراف منه بأبوته له، وكان قبل ذلك لا يعترف كما رأيت في الكلام عن حياته؛ قال: الآن نعم، فركب فرسه عريانًا، وأخذ قناته، فرد الظعن، وقتل من قتل، وانظر شرح النفس في البيت رقم -٤٥ - من معلقة طرفة. أبرأ: أذهب. السُّقم: بضم السين وسكون القاف المرض، ومثله السَّقَم بفتح السين والقاف، ومثل ذلك عُدم وعَدَم، وبُخل وبَخَل. قيل: قول. الفوارس: انظر البيت رقم -٨٧ - من معلقة لبيد ﵁.
ويك: قال بعض النحويين: معناه ويحك، وقال بعضهم: معناه ويلك، قال التبريزي: وكلا القولين خطأ، لأنه كان يجب على هذا أن يقرأ قوله تعالى: ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ كما يقال: ويلك إنه، وويجك إنه، على أنه قد احتج لصاحب هذا القول بأن المعنى: ويلك اعلم أنه لا يفلح الكافرون، وهذا خطأ من جهات: إحداهما حذف اللام من ويلك، وحذف اعلم، لأن مثل هذا لا يحذف، لأنه لا يعرف معناه، وأيضًا فإن المعنى لا يصح، لأنه لا يُدرى من خاطبوا بهذا، وروي عن بعض أهل التفسير أن معنى (وَيكَ) ألم تر، وأما ترى؟ والأحسن في هذا ما روى سيبويه
[ ٢ / ٢٤٧ ]
عن الخليل، وهو أن (وَي) منفصلة، وهي كلمة يقولها المتندم، إذا ما تنبه على ما كان منه، فهي على هذا مفصولة، كأنهم قالوا على التندم ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ وأنشد النحويون لزيد بن عمرو بن نفيل، أو لابنه سعيد، أو لنبيه بن الحجاج:
وي كأن من يكن له نشب يحـ ـبب، ومن يفتقر يعش عيش ضر
انظر الكلام على هذا البيت في الشاهد رقم -٦٨٩ - من كتابنا فتح القريب المجيب، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
المعنى يقول: اقسم بالله لقد شفى نفسي، وأذهب ما بها من الغم قول الفوارس لي: ويلك يا عنترة أقدم نحو العدو، واحمل عليهم، فهو يريد أن تعول أصحابه عليه، والتجاءهم في هذا المقام إليه فقد شفى نفسه من همها وغمها، حيث قيل له: يا عنترة تقدم، فيتعجب لك في تأخرك، وعدم قدومك على الطعن والنزال، ولقد رأيت في شرح المفردات أن القائل إنما هو أبوه
الإعراب. الواو: حرف فسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. شفى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. نفسي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال محل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. أبرأ: فعل ماض. سقمها: مفعول به. وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. قيل: يطلبه كل من الفعلين (شفى وأبرأ) على التنازع، فالبصريون يجعلونه فاعلًا للثاني لقربه، ويضمرون في الأول، ويختار الكوفيون العكس، وقيل: مضاف والفوارس مضاف إليه من إضافة المصدر
[ ٢ / ٢٤٨ ]
لفاعله .. ويك: اسم فعل مضارع بمعنى نعجب مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره نحن، والكاف حرف خطاب لا محل له، وانظر شرح المفردات. عنتر: منادى مفرد علم، حذفت منه (يا) النداء، مبني على الضم المقدر على الحرف المحذوف على لغة من ينتظر الحرف الأخير، أو هو مبني على الضم الموجود على الراء على لغة من لا ينتظر الحرف الأخير، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول للمصدر (قيل) أقدم: فعل أمر مبني على السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضًا، وجملة (لقد شفى الخ) جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وجملة (أبرأ الخ) معطوفة على جملة جواب القسم لا محل لها مثلها.
١٠٠ - والخيل تقتحم الخبار عوابسًا من بين شيظمةٍ وأجرد شيظم
المفردات. الخيل: اسم جنس لا واحد له من لفظه. الاقتحام: الدخول في الشيء بسرعة. الخبار: الأرض اللينة، والركض يشتد فيها ويصعب. عوابس: كوالح من الجهد. شيظم: هو الطويل من الخيل، والأنثى شيظمة. أجرد: قصير شعره، ويروى مكانه (آخر).
المعنى يقول: والخيل تسير وتجري في الأرض اللينة التي من شأنها أن تسوخ فيها قوائمها، فتجد شدة وصعوبة، وقد كحلت وجوهها لما نالها من التعب والإعياء، والخيل المذكورة كلها طويلة، سواء أكانت ذكرًا أم أنثى؟ .
الإعراب. الواو: حرف استئناف. الخيل: مبتدأ. تقتحم: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هي يعود إلى الخيل. الخبار:
[ ٢ / ٢٤٩ ]
مفعول به. عوابسًا: حال من الخيل، وصرف لضرورة الشعر، إذ حقه المنع لصيغة منتهى الجموع، وجملة (تقتحم الخ) في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (الخيل الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب. من بين: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل تقتحم المستتر، ومن تفسير وتوضيح له، وبين مضاف وشظيمة مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف. الواو: حرف عطف. أجرد: معطوف على شيظمة مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل، وهو صفة لموصوف محذوف. شيظم: صفة ثانية للموصوف المحذوف.
١٠١ - ذلل ركابي حيث شئت مشايعي قلبي، وأحفزه بأمرٍ مبرم
المفردات. ذلل: جمع ذلول، مثل صبور وصُبُر وغفور وغُفُر، وهو المنقاد السهل. الركاب: انظر البيت رقم -١٥ - شئت: انظر البيت رقم -٨٨ - من معلقة طرفة. مشايعي: اسم فاعل من المشايعة، وهي المناصرة والمعاونة، أخذت من الشياع، وهو دقاق الحطب لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل. قلبي: ويروى مكانه (لبي) واللب العقل، وجمعه ألباب وألب، ومن الأول قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب﴾ ويروى (مصاحبي عقلي) أحفزه: أدفعه وأقويه. بأمر، ويروى (برأي) مبرم: محكم، وهو مأخوذ من الفتل المحكم، وهو أن تفتل الطاقتين حتى تصيرا طاقةً واحدةً.
المعنى يقول: إن إبلي تذل لي وتنقاد، فحيث أوجهها تتجه، وإن عقلي ليعاونني في جميع أعمالي، فأمضي ما يقتضيه عقلي برأي محكم، ولا يعزب عني عقلي في حال من الأحوال.
الإعراب. ذلل: خبر مقدم. ركابي: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه
[ ٢ / ٢٥٠ ]
ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، هذا ويجوز الكوفي الذي لا يشترط اعتماد الوصف على نفي أو استفهام أن يكون ذلل مبتدأ، وركابي فاعلًا به سادًّا مسد الخبر. حيث: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بذلل، لأنه جمع ذلول كما رأيت. شئت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة حيث إليها. مشايعي قلبي: مبتدأ وخبر مرفوعان انظر ركابي، والجملة الاسمية ابتدائية، وياء المتكلم في مشايعي في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه. الواو: حرف استئناف. أحفزه: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها ويجوز فيها العطف على الجملة الاسمية قبلها لا محل لها أيضًا، وهذا يتطلب تقدير مبتدأ محذوفٍ، أي وأنا أحفزه، وتكون الجملة اسمية معطوفة على مثلها-. بأمر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. مبرم: صفة أمر.
١٠٢ - ولقد خشيت بأن أموت ولم تكن للحرب دائرةٌ على ابني ضمضم
المفردات. خشيت: انظر البين رقم- ١٠٨ - من معلقة طرفة. أموت: انظر البيت رقم- ٧١ - منها. لم تكن: يروى مكانه (لم تَدُرْ) من دار يدور دورًا، ودورانًا إذا تحرك وعاد إلى حيث كان، أو إلى ما كان عليه، والدائرة اسم للحادثة من حوادث الدهر، سميت بذلك لأنها تدور على الناس من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ثم اختصت في الاستعمال بالمكروه من الحوادث، والجمع دوائر، قال تعالى: ﴿ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء﴾ ابنا ضمم: هما هرم وحصين المريان، وكان عنترة قد قتل أباهما ضمضمًا، فكانا يتواعدانه.
[ ٢ / ٢٥١ ]
المعنى يقول: والله إني أخاف أن أموت، ولم تدر الحرب على ابني ضمضم المريين بما يكرهانه؛ فهو يخاف من عدم التمكن قبل موته، لأنه يريد قتلهما كما قتل أباهما من قبل بسبب تهديد هماله، ووعيدهما إياه.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. وقد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. خشيت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها؛ والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له (بأن) الباء: حرف جر زائد. أن: حرف ناصب. أموت: فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، وأن المصدرية والفعل أموت في تأويل مصدر مجرور لفظًا، منصوب محلًا على أنه مفعول به للفعل خشي، وقيل: الباء حرف جر أصلي، والجار والمجرور متعلقان بالفعل خشيت، والمعنى يأباه. الواو الحال: جار ومجرور متعلقان بدائرة بعدهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من دائرة، كان صفةً له، فلما قدم عليه صار حالًا. دائرة: اسم تكن. على: حرف جر. ابني: اسم مجرور بعلى، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر تكن، وابني مضاف وضمضم مضاف إليه، وجملة (لم تكن الخ) في محل نصب حال من فاعل (أموت) المستتر، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله. الذئب ونحن عصبة﴾.
١٠٣ - الشاتمي عرضي، ولم اشتمها والناذرين إذا لم ألقهما دمي
المفردات. الشتم: السب والعيب والقدح. عرضي: انظر البيت رقم
[ ٢ / ٢٥٢ ]
- ٨٢ - من معلقة طرفة. الناذرين: يريد والقائلين: والله إن لقيناه لنقتلنه، يريد أنهما يتوعدانه حين يكون غائبًا عنهما، فأما عند وجوده فلا جراءة لهما على ذلك. لم ألقهما: فقد خففت الهمزة، وحركت ميم لم بالفتح لضرورة الشعر، ورواه ابن الأنباري وحده (إذا لقيتهما) وقال: وإنما قال: إذا لقيتهما، ولم يقل: إذا لقياني، وهو أبين في الكلام، لأن ما لقيك فقد لقيته، وما لقيته فقد لقيك، قال الله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلماتٍ﴾ برفع آدم ونصب كلمات: وقرأ ابن عباس ﵄: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ أي بنصب آدم، ورفع كلمات، ومعنى القراءتين واحد، وقال تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ وفي قراءة عبده ﴿لا ينال عهدي الظالمون﴾ قال الفراء: معنى القراءتين واحد، لأن ما نلته فقد نالك، وما نالك فقد نلته.
المعنى يقول: أعني بابني ضمضم اللذين يشتمان عرضي من غير أن أشتمهما، واللذين يقولان: لئن لقيناه لنقتلنه، وذلك في حال غيبتي عنهما، وأما في حال وجودي فلا يجرآن على ذلك.
الإعراب. الشاتمي: صفة لابني ضمضم في البيت السابق مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، ويجوز أن يكون منصوبًا على الذم بفعل محذوف، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة، كما يجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هما الشاتما، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، والشاتمي مضاف وعرضي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: واو الحال. لم: حرف نفي وقلب وجزم. أشتمها: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والهاء ضمير
[ ٢ / ٢٥٣ ]
متصل في محل نصب مفعول به، والميم واللف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية (لم أشتمها) في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط الواو والضمير. الواو: حرف عطف. الناذرين: معطوف على الشاتمين على جميع الوجوه المذكورة فيه، وإعرابه كإعرابه. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالناذرين. لم: حرف جازم. ألقهما: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم والألف حرفان دالات على التثنية، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها، هذا وإن اعتبرت (إذا) شرطية فالفعل بعدها فعل شرطها، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: إذا لم ألقهما فهما الناذران دمي، ويكون إذا ومدخولها كلامًا معترضًا بين الناذرين ومفعوله: هذا وأما على رواية (لقيتهما) فلقي فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها مثل الرواية السابقة. دمي: مفعول به للناذرين منصوب، وعلامة نصبه مثل (عرضي) وفاعل الناذرين ضمير مستتر فيه، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة.
١٠٤ - أسدٌ عليَّ، وفي العدو أذلةٌ هذا، لعمرك، فعل مولى الأشأم
المفردات. أسد: جمع أسد، ويجمع أيضًا على أسود وأسد وآسد وآساد، وقد جمع والواجب التثنية لمناسبة ما قبله لضرورة الشعر، أو يكون قد أرادهما وقومهما. العدو: انظر البيت رقم- ٨١ - من معلقة طرفة. أذلة: جمع ذليل، وهو المستضعف المحتقر، وأما قوله تعالى: ﴿أذلةٍ على المؤمنين، أعزةٍ على الكافرين﴾ فمعنى أذلة متواضعين عاطفين على المؤمنين. لعمرك: انظر البيت رقم- ٧٤ - من معلقة طرفة. الأشأم: صيغة
[ ٢ / ٢٥٤ ]
تفضيل، وهو من يأتي بالشؤم، ويجمع على أشائم ضد الأيامن، وانظر شرح مولى في البيت- ٨٤ - من معلقة لبيد.
المعنى يقول: هم شجعان علي، ولكنهم أذلاء جبناء أمام الأعداء، أخبرني بحياتك إن هذا إلا فعل الموصوفين بالشؤم واللؤم.
الأعراب. أسد: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هم أسد. علي: جار ومجرور متعلقان بأسد لأنه مؤول بمشتق، وهو شجعان كما رأيت، وانظر الشاهد- ٤٩٦ - من فتح رب البرية تجد ما يسرك، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. في العدو: جار ومجرور متعلقان بأذلة بعدهما. أذلة: معطوف على أسد عطف مفرد على مفرد، أو هو خبر لمبتدأ محذوف أيضًا، فيكون العطف عطف جملة على جملة (هذا) الهاء: حرف تنبيه. ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (لعمرك) اللام: لام الابتداء. عمرك: مبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره قسمي، والجملة الاسمية معترضة بين المبتدأ والخبر. فعل: خبر المبتدأ، وهو مضاف ومولى مضاف إليه مجرور، وعلامة جرة كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وهي الإضافة من إضافة المصدر لفاعله، ومولى مضاف والأشأم مضاف إليه، والجملة الاسمية (هذا فعل إلخ) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له.
١٠٥ - إن يفعلا فلقد تركت أباهما جزر السباع، وكل نسرٍ قشعم
المفردات. جزر السباع: أي مقتول لها تأكله، والجزور من الإبل ما ينحر ويذبح، وهو يقع على الذكر والأنثى. القشعم: الكبير من النسور، وانظر أم قشعم في البيت رقم- ٤٢ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: لا يستغرب منهما أن يشتماني، وأن ينالا عرضي بالوقوع
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فيه، فإني قتلت أباهما، وتركته مطمعًا للسباع، وللنسور المسنة، فلهم عندي ترة وثأر، وليس في قدرتهما أن ينالا ثأرهما مني، فلينفسا عن أنفسهما بهذا الشتم الذي لا يضرني، ولا ينال مني.
الإعراب. إن: حرف شرط جازم. يفعلا: فعل مضارع فعل الشرك مجزومة، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. الفاء: واقعة في جواب الشرط. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. تركت: فعل وفاعل. أباهما: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. جزر: مفعول به ثان، وهو مضاف والسباع مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. الواو: حرف عطف. كل: معطوف على السباع، وكل مضاف ونسر مضاف إليه. قشعم: صفة نسر، وجملة (لقد تركت الخ) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه في محل جزم جواب الشرط، وإن مدخولها كلام مستأنف لا محل له. هذا وإن اعتبرت جواب الشرط محذوفًا، تقديره فلا ألومهما، فتكون الجملة القسيمة تعليلًا، لا محل لها.
١٠٦ - إني عداني أن أزورك، فاعلمي ما قد علمت، وبعض ما لم تعلمي
المفردات. عداني: شغلني وألهاني. أزورك: انظر البيت- ١١٣ -
المعنى يقول: لقد شغلني وصرفني عن زيارتك أشياء قد عرفتها، وأشياء لم تطلعي عليها، ولم تعرفيها.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الإعراب: إني: حرفه مشبع بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. عداني: ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والنون للوقاية وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. أن: حرف مصدري ونصب.، أزروك: فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، وأن المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف محذوف، تقديره: عن زيارتك، والجار والمجرور متعلقات بالفعل قبلهما، وإن شئت قلت: المصدر المؤول منصوب بنزع الخافض (فاعلمي) الفاء: حرف استئناف واعتراض. اعلمي: فعل أمر مبني على حذف النون لأنه مضارعه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معترضة بين الفعل (عداني) وبين فاعله. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل للفعل عدا. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. علمت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: قد علمته. الواو: حرف عطف. بعض: معطوف على (ما) الواقعة فاعلًا، وبعض مضاف وما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تعلمي: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون أنه من الفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: ما لم تعلميه، وجملة (عداني الخ) في محل رفع خبر إن، وإن اسمها وخبرها جملة اسمية ابتدائية لا محل لها.
١٠٧ - حالت رماح ابني بغيض دونكم وزوت جواني الحرب من لم يجرم
المفردات. حالت: حجزت ومنعت. ابنا بغيض: عبس وذبيان، يعني قتالهم في حرب داحس والغبراء. دون: انظر البيت رقم- ٧٥ - من معلقة
[ ٢ / ٢٥٧ ]
امرئ القيس. زوت: جمعته وحازته إلى ناحية لا يقدر أن ينفرد من قومه مخافة أن يقتل، وأصل الانزواء التقبض والاجتماع من ذلك قول النبي ﷺ: «زويت لي الأرض، فأريت مشاريقها ومغاربها». جواني: جمع جانية، وأراد جرائر الحرب. من لم يجرم: من لم يرتكب جريرة وجناية فيها.
المعني يقول لمحبوبته: إني لم أزرك بسبب القتال الناشب بين قبيلتي عبس وذبيان، وهذا القتال شمل من ارتكب جناية، ومن لم يرتكبها.
الإعراب. حالت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. رماح: فاعل، وهو مضاف وابني مضاف إليه مجرور وعلاوة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وابني مضاف وبغيض مضاف إليه. دونكم: ظرف مكان متعلق بالفعل حالت، والكاف ضمير متصل في جر بالإضافة، والميم علاقة جمع الذكور. الواو: حرف عطف. زوت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء التأنيث. جواني: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، وجواني مضاف والحرب مضاف إليه من إضافة جمع اسم الفاعل لفاعله. من: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يجرم: فعل مضارع مجروم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والعائد ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، وجملة (لم يجرم) صلة الموصول لا محل لها، وجملة (زوت جواني .. الخ) معطوفة على جملة (حالت رماح الخ) لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالاتباع
١٠٨ - يا عبل لو أبصرتني لرأيتني في الحرب أقدم كالهزبر الضيغم
المفردات. الهزبر: هو الأسد القوي، والضيغم مثله.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
المعني يقول: أيتها الحبيبة لو أنك أبصرتني في الحرب لرأيتني مقدمًا إقدامًا مثل إقدام الأسد القوى.
الإعراب. يا: حرف نداء ينوب مناب أدعو. عبل: منادي مرخم مبني على ضم مقدر على الحرف المحذوف على لغة من ينتظر الحرف الأخير، أو هو مبني على الضم الموجود على اللام على لغة من لا ينتظر الحرف الأخير في محل نصب بيا. لو: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. أبصرتني: فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية، والجميلة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. اللام: واقعة في جواب لو. رأيتني: فعل وفاعل ومفعول به، والنون للوقاية، والجملة الفعلية جواب لولا محل لها من الإعراب. في الحرب: جار ومجرور متعلقان بالفعل (أبصر) أو هما متعلقان بالفعل (أقدم) بعدهما. أقدم: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل (رأى) على اعتباره قلبيًا، أو في محل نصب حال من ياء المتكلم الواقعة مفعولًا به على اعتباره بصريًا. كالهزبر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف، صفة لمفعول مطلق محذوف، انظر المعنى. الضيغم: بدل من سابقه، لأنه مرادف له في المعنى، وانظر رأي سيبويه في البيت رقم- ٦٥ - من معلقة امرئ القيس.
١٠٩ - ولقد كررت المهر يدمى نحره حتى اتقتني الخيل بابني حذلم
المفردات. كررت: من الكر، وهو الفر للجولان، ثم العود للقتال، ويروي (تركت) المهر: هو في الأصل الصغير من الخيل، وأراد به هنا حصانه الذي يركبه في الطعن والنزال. اتقتني: جعلت وقاية. الخيل: انظر البيت رقم- ١٠٠ - ابنا حذلم: قال في القاموس، وتميم بن حذلم تابعي، وهو بعيد هنا كما ترى، ويروى بابني حذيم، قال في القاموس: والحذيم كمنبر
[ ٢ / ٢٥٩ ]
الحاذق انظر القاموس المحيط.
المعني يقول: والله لقد رددت حصاني للقتال حال كون الدم يسيل من نحره لكثرة ما أصابه من طعن الرماح وضرب السيوف، حتى جعل الفرسان ابني حذلم وقاية بيني وبينهم، فهو يمدح هذين الرجلين بالشجاعة والإقدام.
الإعراب. الواو: حرف قسم جر والمقسم به محذوف، تقديره والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. قد حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. كررت: فعل وفاعل. المهر: مفعول به. يدمي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الألف للتعذر. نحره: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يدمي نحره) في محل نصب حال من المهر، والرابط الضمير فقط، أو هي في محل نصب مفعول به ثان لكررت، وجملة (لقد كررت .. الخ) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. حتى: حرف غاية وجر بعدها أن مضمرة. اتقتني: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين وهو في محل نصب بأن المضمرة بعد حتى؛ والتاء للتأنيث، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. الخيل: فاعل. بابني: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثني، وحذفت النون للإضافة، وابني مضاف وحذلم مضاف إليه، وأن المضمرة بعد حتى والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بختي، والجار والمجرور متعلقان بالفعل كررت، وبعضهم يعتبر حتى حرف ابتداء، والجملة مستأنفة، ولا وجه له-.
١١٠ - إذ يتقي عمرٌو، وأذعن غدوةً حذر الأسنة، إذ شرعن لدلهم
المفردات. يتقي: يجعل وقاية. عمرو: هو المذكورة في البيت رقم
[ ٢ / ٢٦٠ ]
- ٨٠ - أذعن: خضع وذل. غدوة: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. حذر. خوف. الأسنة: جمع سنان، وهو طرف الرمح الذي يكون فيه الحديدة. شرعن: صوبن.
المعني يقول: لقد كررت المهر وقت يجعل عمرو وقاية يتقي به، ووقت خضع وذل فيه خوفًا من رماحنا وقت تصويبها نحوه.
الإعراب. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون، متعلق بالفعل (كررت) في البيت السابق. يتقي: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمه مقدرة على الألف للتعذر. عمرو: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. الواو: حرف عطف. أذعن: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى عمره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. غدوة: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. حذر: مفعول لأجله، وهو مضاف والأسنة مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. إذ: ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر حذر. شرعن: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، ونون النسوة ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. لدلهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
١١١ - يحمي كتيبه، ويسعى خلفها يفري عواقبها كلدغ الأرقم
المفردات. يحمي: يحفظ. الكتيبة: مجموعة من الجيش عليها آمر، والجمع كتائب. يفري: يقطع ويشق. العواقب: جمع عاقبة، وهي آخر كل شيء. الأرقم: أخبث الحيات، وهو ما كان منها فيه سواد وبياض، والجمع أراقم، والأنثى من هذا النوع يقال لها: رقشاء لا رقماء.
[ ٢ / ٢٦١ ]
المعني يقول: إن عمرًا المذكور في البيت السابق يحفظ جيشه، ويسير خلفه لا يترك شيئًا من أواخره، بل يسوقه سوقًا حثيثًا من شدة محافظته عليه.
الإعراب. يحمي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود إلى عمرو في البيت السابق. كتيبته: مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يحمي كتيبته) مستأنفة لا محل، وذلك بالإعراض عما قبل البيت، أو هي في محل نصب حال من عمرو، إن أردت اتصال الكلام بسابقه، والرابط الضمير فقط. الواو: حرف عطف. يسعى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعة ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير يعود إلى عمرو أيضًا. خلفها: ظروف مكان متعلق بالفعل قبله، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (يسعى خلفها) معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. يفري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى عمرو أيضًا. عواقبها: مفعول به، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كلدغ: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير: يفري عواقبها فريا كائنًا مثل لدغ، ولدغ مضاف والأرقم إليه من إضافة المصدر لفاعله، وجملة (يفري الخ) معطوفة على ما قبلها أيضًا على الوجهين المعتبرين فيها.
١١٢ - ولقد كشفت الخدر عن مربوبةٍ ولقد رقدت على نواشر معصم
المفردات. الخدر: انظر البيت رقم- ١٨ - من معلقة امرئ القيس.
مربوبة: مؤنث المربوب، وهو المربى وأراد مخدومة منعمة. رقدت: نمت.
نواشر: هي عروق وعصب باطن الذراع، واحدها ناشر وناشرة. المعصم: موضع السوار من اليد، والجمع معاصم.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
المعني يقول: والله لقد اقتحمت خدر امرأة منعمة مخدومة في بيتها، ولقد رقدت ونمت على ذراعها وساعدها.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. كشفت: فعل وفاعل. الخدر: مفعول به. عن مربوبة: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (لقد الخ) جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له (ولقد) إعرابه كإعراب سابقة. رقدت: فعل وفاعل. على نواشر: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ونواشر مضاف ومعصم مضاف إليه، وجملة (لقد رقدت .. الخ) جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
١١٣ - ولرب يومٍ قد لهوت وليلةٍ بمسورٍ ذي بارقين مسوم
المفردات. يوم: انظر البيت رقم- ٥ - من معلقة امرئ القيس. لهوت: لعبت، واللهو اللعب. مسور: موضع السوار من الزند. بارقين: تثنية بارق من البرق، وهو الضوء واللمعان. مسوم: معلم أي علامة. قال تعالى: ﴿وأمطرنا عليها حجارةً من سجيلٍ منضودٍ، مسومةً عند ربك﴾.
المعنى يقول: في كثير من الأيام، وفي كثير من الليالي لهرت ولعبت بساعد امرأة معلم، وكأنه يريد الوشم الذي يكون في الساعد.
الإعراب. الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. رب: حرف جر شبيه بالزائد لا يتعلق بشيء. يوم" مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الشبيه بالزائد. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. لهوت: فعل وفاعل، والجملة
[ ٢ / ٢٦٣ ]
الفعلية صفة يوم، ورابط الصفة محذوف، إذ التقدير: قد لهوت فيه. الواو: حرف عطف. ليلة: معطوفة على يوم، وحذفت الصفة لدلالة ما قبلها عليها، إذ التقدير: وليلة قد لهوت فيها. بمسور: جار ومجرور متعلقان بالفعل لهوت، ومسور صفة لموصوف محذوف. ذي: صفة ثانية للموصوف المحذوف مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف وبارقين مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. مسوم: صفة ثالثة للموصوف، وخبر المبتدأ الذي هو مجرور برب محذوف. التقدير: موجود. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٢ / ٢٦٤ ]