[ ٢ / ٤٤٥ ]
فهرست أبيات معلقة النابغة الذبياني
١ - يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد
٢ - وقفت فيها أصيلًا كي أسائلها عيت جوابًا، وما بالربع من أحد
٣ - إلا أواري لأيًا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
٤ - ردت عليه أقاصيه، ولبده ضرب الوليدة بالمسحاة في الثاد
٥ - خلت سبيل أتي كان يحبسه ورفعته إلى السجفين فالنضد
٦ - أضحت خلاء، وأضحى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد
٧ - فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له وانم القتود على عيرانة أجد
٨ - مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد
٩ - كأن رحلي، وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد
١٠ - من وحش وجرة، موشي أكارعه طاوي المصير، كسيف الصيقل الفرد
١١ - سرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد
١٢ - فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف، ومن صرد
١٣ - فيثهن عليه، واستمر به صمع الكعوب بريئات من الحرد
١٤ - فهاب ضمران منه حيث يوزعه طعن المعارك عند المحجر النجد
١٥ - شك الفريصة بالمدرى، فأنفذها شك المبيطر إذ يشفي من العضد
١٦ - كأنه، خارجًا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتاد
١٧ - فظل يعجم أعلى الروق منقبضًا في حالك اللون صدق، غير ذي أود
[ ٢ / ٤٤٧ ]
١٨ - لما رأى واشق إقعاص صاحبه ولا سبيل إلى عقل، ولا قود
١٩ - قالت له النفس: إنى لا أرى طمعًا وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد
٢٠ - فتلك تبلغني النعمان، إن له فضلًا على الناس، في الأدنى، وفي البعد
٢١ - ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه وما أحاشي من الأقوام من أحد
٢٢ - إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند
٢٣ - وخيس الجن، إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد
٢٤ - فمن أطاع فأعقبه بطاعته كما أطاعك، وادلله على الرشد
٢٥ - ومن عصاك، فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم، ولا تقعد على ضمد
٢٦ - إلا لمثلك، أو من أنت سابقة سبق الجواد إذا استولى على الأمد
٢٧ - واحكم كحكم فتاة الحي، إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
٢٨ - قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا، ونصفه فقد
٢٩ - يحفه جانبًا نيق، وتتبعه مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد
٣٠ - فحسبوه، فألفوه كما حسبت تسعًا وتسعين، لم تنقص ولم تزد
٣١ - فكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد
٣٢ - أعطى لفارهة حلو توابعها من المواهب، لا تعطى على نكد
٣٣ - الواهب المائة الأبكار زينها سعدان توضح في أوبارها اللبد
٣٤ - والساحبات ذيول المرط فنقها برد الهواجر كالعزلان بالجرد
٣٥ - والخيل تمزع غربًا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤ بوب ذي البرد
٣٦ - والادم قد خيست فتلًا مرافقها مشدودة برحال الحيرة الجدد
٣٧ - فلا لعمر الذي قد زرته حججًا وما هريق على الأنصاب من جسد
٣٨ - والمؤمن العائذات الطير تمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند
٣٩ - ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
٤٠ - إذن فعاقبني ربي معاقبة قرت بها عين من يأتيك بالحسد
[ ٢ / ٤٤٨ ]
٤١ - هذا لأبرأ من قول قذفت به طارت نوافذه حرًا على كبدي
٤٢ - مهلًا، فداء لك الأقوام كلهمو وما أثمر من مال، ومن ولد
٤٣ - لا تقذفني بركن، لاكفاء له ولو تأثفك الأعداء بالرفد
٤٤ - فما الفرات، إذا جاشت غواربه ترمي أو اذيه العبرين بالزبد
٤٥ - يمده كل واد مزبد لجب فيه حطام من الينبوت والخضد
٤٦ - يظل من خوفه الملاح معتصمًا بالخير رانة بعد الأين والنجد
٤٧ - يومًا بأجود منه سيب نافلة ولا يحول عطاء اليوم دون غد
٤٨ - أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زار من الأسد
٤٩ - هذا الثناء، فإن تسمع لقائله فما عرضت، أبيت اللعن بالفند
٥٠ - ها إن تا عذرة إلا تكن نفعت فإن صاحبها قد تاه في البلد
[ ٢ / ٤٤٩ ]
معلقة النابغة الذبياني
نسبه
اسمه زياد بن عمرو بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع، بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
قال ابن قتيبة: يكنى أبا أمامة، ويقال: أبا ثمامة، وقد قال معلقته هذه يمدح النعمان بن المنذر ويعتذر إليه مما وشى عليه بنو قريع في أمر المتجردة، وأنظر الكلام على النعمان في البيت رقم -٤٨ - من المعلقة.
هو أحد شعراء الجاهلية المشهورين، ومن أعيان فحولهم المذكورين، عده الجمحي في الطبقة الأولى بعد امرئ القيس، قال ابن دريد في الوشاح: سمي النابغة بقوله:
رحلت إلى بني القين بن جسر فقد نبغت لنا منهم شئون
هذا وقد عده في الطليعة كثير من الشعراء كما روي عن عمر بن الخطاب -﵁- قوله: النابغة أشعر شعرائكم، وأعلم الناس بالشعر.
قال السيوطي رحمه الله تعالى: اجتمع حسان بن ثابت بالنابغة عند
[ ٢ / ٤٥١ ]
النعمان بن المنذر، فاستفدنا من ذلك أن النابغة مات في زمن النبي ﷺ قبل البعثة.
فائدة. قال ابن دريد في الوشاح: النوابغ أربعة: الذبياني هذا، والنابغة الجعدي قيس بن عبد الله الصابي، والنابغة الحارثي زيد بن أبان، والنابغة الشيباني حمل بن سعدانة، ثم رأيت في المؤتلف والمختلف لأبي القاسم الآمدى زيادة على هؤلاء، النابغة الذهلي المخارق بن عبد الله، وهو القائل:
لا تمدحن امرءًا حتى تجربه ولا تذمنه من غير تجريب
والنابغة ابن لؤي بن مطيع الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة ابن قتال بن يربوع ذبياني أيضًا، والنابغة التغلبي الحارث بن عدوان.
هذا وأبيات المعلقة من البحر البسيط:
١ - يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد
المفردات. دار: أنظر البيت رقم -٢ - من معلقة زهير. مية: علم على امرأة تغزل بها الشاعر على عادة الشعراء من افتتاح قصائدهم بذكر امرأة معلومة أو مجهولة؛ وهو الغالب. العلياء: هي في الأصل المرتفع من الأرض، وأراد الشاعر به مكانًا معلومًا، وكذلك السند مع كونه سند الوادي في الجبل، وهو ارتفاعه حيث يسند فيه، أي يصعد، والفاء لا تفيد هنا ترتيبًا ولا تعقيبًا، أنظر الشاهد ٢٩٣ من كتابنا فتح القريب المجيب. أقوت: خلت من سكانها وأهلها، وأنظر إعلال مثله في البيت -٢٥ - من معلقة امرئ القيس، والقواء القفر من الأرض. السالف: الماضي. الأمد: الزمن مثل الأبد.
المعنى ينادي متولها ومتحيرًا ديار الأحبة التي كانت تقطنها في المكانين المعلومين حالة كونها قد خلت من سكانها بارتحالهم عنها، وطال فراقهم لها حيث لم يعودوا إليها، ولا تنس أن النداء لما لا يعقل، وهو الدار.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الإعراب: يا: حرف نداء ينوب مناب الفعل أدعو. دار: منادي، وهو مضاف ومية مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. بالعلياء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة دار مية، وقيل: متعلقان بمحذوف حال منها، ويكون العامل في الحال (يا) لما فيها من معنى الفعل، وهو أقوى عند البصريين. فالسند: معطوف على سابقه بالواو العاطفة. أقوت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هي يعود إلى دارمية، والجملة الفعلية في محل نصب حال من دارمية، والرابط الضمير فقط، وقد قبلها مقدرة. الواو: حرف عطف. طال: فعل ماض. عليها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. سالف: فاعل طال، وهو مضاف والأمد مضاف إليه، وجملة طال الخ معطوفة على سابقتها، فهي شريكتها في الحالية، والرابط الضمير المجرور محلًا بعلى فقط.
٢ - وقفت فيها أصيلًا كي أسائلها عيت جوابًا، وما بالربع من أحد
المفردات. أصيلًا: ويروى (طويلًا) مكانه، كما يروى (أصيلانًا) (وأصيلالًا) فمن روى (أصيلًا) أراد عشيًا كما في البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس، ومن روى (طويلًا) جاز أن يكون معناه وقوفًا طويلًا، ويجوز أن يكون معناه وقتًا طويلًا، ومن روى (أصيلانًا) ففيه قولان: أحدهما أنه تصغير أصلان، وأصلان جمع أصيل، كما يقال: رغيف ورغفان، والقول الآخر أنه بمنزلة قولهم: على الله التكلان، وبمنزلة قولهم: غفران، وهذا هو القول الصحيح، والأول خطأ، لأن أصيلانًا لا يجوز أن يصغر إلا أن يرد إلى أقل العدد، وهو حكم كل جمع كثير، وقد قلبت النون لامًا في أصيلال أي فهو نفسه. عيت: يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه، وعييت أيضًا عجزت وضعفت، ومنه قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ ويروى
[ ٢ / ٤٥٣ ]
مكانه (أعيت) وهو بمعناه، وإعلالهما مثل إعلال أقوت في البيت السابق. الربع: أنظر البيت رقم -٦ - من معلقة زهير. أحد: أنظر البيت رقم -١١٤ - من معلقة عمرو بن كلثوم.
المعنى يقول: وقفت في ديار مية وقت العشي لأسألها عن قطانها، فعجزت عن الجواب، والحال لا يوجد فيها أحد.
الإعراب. وقفت: فعل وفاعل. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أصيلًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. كي: حرف مصدري ونصب. أسائلها: فعل مضارع منصوب بكي، وها: مفعول به، والفاعل ضممير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا، ومتعلقه محذوف، وكي والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل وقفت، والتقدير: وقفت فيها لمسائلتها عن سكانها، وجملة (وقفت الخ) مستأنفة لا محل لها. عيت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، والفاعل تقديره هي يعود إلى ديار مية، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة بحرف عطف محذوف، التقدير: فعيت. جوابًا: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: فعيت عن أن تجيب جوابًا، أو هو منصوب بنزع الخافض. الواو: واو الحال. ما: نافية. بالربع: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. من: حرف جر زائد. أحد: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل عيت، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا: لئن أكله الذئب، ونحن عصبة﴾.
٣ - إلا أواري لأيًا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
[ ٢ / ٤٥٤ ]
المفردات. الأواري: جمع آري، وهو محبس الدابة، ومثله الأواخي جمع آخيه، قال الرسول ﷺ: (مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو، ثم يرجع) اللأي: أنظر البيت رقم -٤ - من معلقة زهير. النؤي: أنظر البيت رقم -١١ - من معلقة لبيد. المظلومة: الأرض التي قد حفر فيها في غير موضع الحفر، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. الجلد: الأرض الغليظة الصلبة من غير حجارة.
المعنى يقول: لا يوجد بديار الأحبة إلا الأواري تبينتها وتعرفتها بعد بطء، ولا يوجد فيها أيضًا إلا النؤي الواسع المحفور بالأرض الصلبة، لذا فآثاره لم تنمح، ولا تزال ماثلة.
الإعراب. إلا: حرف استثناء أو حرف حصر. أواري: يروى بالنصب والرفع، فالنصب على الاستثناء المنقطع من أحد في البيت السابق، والرفع على أنه بدل منه وأجاز فيه الكوفيون والأخفش الجر على أنه بدل من (أحد) بناء على رأي الأخفش من جواز زيادة (من) في المعرفة والموجب. لأيا: ظرف متعلق بالفعل بعده، وهو في الأصل مضاف لظرف محذوف، إذ التقدير بعد لأي، فلما حذف الظرف انتصب انتصابه. ما: اعتبرها السيوطي في همع الهوامع زائدة، أنظر الشاهد رقم -١٧٦٢ - من كتابنا فتح الكريم الواسع إعراب شواهد همع الهوامع، والمعنى المتقدم أفاد هذا .. أبينها: فعل مضارع، والفاعل أنا، وها: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة أواري. الواو: حرف عطف. النؤي: معطوف على الأواري على الوجهين المعتبرين فيه. كالحوض: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة النؤي على اعتبار أل فيه للجنس، أو بمحذوف حال منه على اعتبار أل للتعريف.
بالمظلومة: جار ومجرور يجوز فيهما ما جاز بسابقيهما. الجلد: صفة ثانية
[ ٢ / ٤٥٥ ]
للموصوف المحذوف، والصفة الأولى المظلومة، هذا ويجوز أن يكن النؤي مبتدأ، وما بعده متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
٤ - ردت عليه أقاصيه، ولبده ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
المفردات. أقاصيه: ما شذ منه، والقاصي البعيد. لبده: سكنه. الوليدة. الأمة الشابة. المسحاة: مجرفة من حديد. الثأد: الموضع الندي ترابه، والضمائر تعود إلى النؤي المذكور في البيت السابق.
المعنى يقول: ردت الأمة على النؤي ما شذ من ترابه وابتعد منه، وسكنه حفر الأمة الشابة بمسحاة من حديد حالة كونها تحفر في التراب الندي.
الإعراب. ردت: يروى بالبناء للمعلوم والبناء للمجهول، فعلي الأول فالفاعل محذوف لدلالة المقام عليه على حد قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ ومثله كثير في القرآن الكريم، والتاء للتأنيث. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أقاصيه: مفعول به على رواية البناء للمعلوم، ولم يظهر النصب لضرورة الشعر، وهو نائب فاعل (ردت) رواية البناء للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة (ردت الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. لبده: فعل ماض، والهاء مفعول به. ضرب: فاعل، وهو مضاف والوليدة مضاف إليه مجرور من إضافة المصدر لفاعله. بالمسحاة: جار ومجرور متعلقان بالمصدر (ضرب) في الثأد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من المسحاة، وجملة (لبده الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
٥ - خلت سبيل أتى كان يحبسه ورفعته إلى السجفين فالنضد
المفردات. خلت: تركت، وأنظر إعلاله في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. سبيل: أنزر البيت رقم -٧ - منها أيضًا: الأتي: أراد النهر الصغير. رفعته: معناه قدمته وبلغت به، كما تقول: ارتفع القوم إلى السلطان. السجفان: ستران رقيقان يكونان في مقدم البيت. النضد: ما نضد من متاع البيت، أي صف، قال تعالى: ﴿وطلحٍ منضودٍ﴾.
المعنى يقول: تركت الأمة طريق الماء في النهير الصغير، وقد كان النؤي يحبسه، وقدمت النؤي وبلغت به إلى السترين الرقيقين الكائنين في مقدم البيت، ثم إلى أمتعة البيت المصفوفة.
الإعراب. خلت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الوليدة المذكورة في البيت السابق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. سبيل: مفعول به، وهو مضاف وأتي مضاف إليه. كان: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى النؤي في البيت السابق. يحبسه: فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى النؤي أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة (كان يحبسه) في محل جر صفة أتي. الواو: حرف عطف. رفعته: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى الوليدة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (خلت الخ) لا محل لها مثلها. إلى السجفين) جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثني، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. فالنضد: معطوفة على سابقه بالفاء العاطفة.
٦ - أصحت خلاء، وأضحى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد
[ ٢ / ٤٥٧ ]
المفردات. أصحت: ويروى مكانه أمست، وكلاهما فعل ناقص، وإعلاله مثل إعلال (آلت) في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس. خلاء: مصدر خلا المكان من أهله إذا ارتحلوا عنه. احتملوا: ارتحلوا. أخنى عليها: أفسدها لأن الخناء الفساد والنقصان، وأخنى عليه الدهر أتى عليه وأهلكه. لبد: جاء في القاموس المحيط: لبد كصرد آخر نسور لقمان، وكان قد بعثته عاد إلى الحرم يستسقي لها، فلما أهلكوا خير لقمان بين بقاء سبع بعرات سمر من أظب عفر في جبل وعر، لا يمسها القطر، أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر خلفه بعده نسر، فاختار النسور، وكان أخرها لبدًا، ومعناه خير لقمان عمرًا بين ما تقدم، قال محب الدين الخطيب: فنودي لقمان: سل، فسأل عمر سبعة أنسر، فأعطي ذلك، وكان يأخذ النسر من وكره فلا يزال عنده حتى يموت، وكان آخرها لبدًا، وهو الذي يقول فيه النابغة (أضحت البيت) ولا تنس أن لبدًا جاء في القرآن الكريم بمعنى الكثير، قال تعالى حكاية عن قول الكافر: ﴿يقول: أهلكت مالًا لبدًا﴾ أي كثيرًا، ولا تنس أنه لا يريد بأضحت التوقيت بالضحى، وإنما هي بمعنى صار.
المعنى يقول: إن ديار مية المذكورة في مطلع القصيدة قد أضحت التوقيت بالضحى، وإنما هي بمعنى صار.
المعنى يقول: إن ديار مية المذكورة في مطلع القصيدة قد أضحت خالية من السكان ليس فيها من ينفخ النار، وإن أهلها ارتحلوا منها وغادروها فكان أن فسدت، وهلكت كما هلك لبد، وهو النسر المذكور، وفي معنى البيت يقول بشر بن أبي خازم:
أضحت خلاء قفارًا لا أنيس بها إلا الجآذر والظلمان تختلف
وقفت فيها قلوصي كي تجاوبني أو يخبر الرسم عنهم أية صرفوا
الإعراب. أضحت: فعل ماض ناقص مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، واسمه ضمير مستتر تقديره هي يعود
[ ٢ / ٤٥٨ ]
إلى الديار مية. خلاء: خبر أضحى، وهو مقدر بخالية، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. أضحى: فعل ماض ناقص مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. أهلها: اسم أضحى مرفوع، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. احتملوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب خبر أضحى، وجملة (أضحى الخ) معطوفة على سابقتها لا محل لها مثلها. أخنى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. عليها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل أخنى، والجملة الفعلية تعليل للشطر الأول، أو هي مستأنفة ولا محل لها على الوجهين. أخنى: فعل ماض الخ. على لبد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وفاعله ضمير مستتر يعود إلى الذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
٧ - فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له وانم القتود على عيرانة أجد
المفردات. عد عما ترى: أي جزه وانصرف عنه. لا ارتجاع: لا رجوع. انم: ارفع. القتود: خشب الرحل، وهو للجمع الكثير، وفي القليل أقتاد، وحكي بعض أهل اللغة أن الواحد قتد. عيرانة: أراد ناقة شبهت بالعير لصلابة خفها وشدته، والعير الحمار الأهلي والوحشي، وقد غلب على الوحشي. أجد: هي التي عظم فقارها، وقالوا: هي الموثقة الخلق، وقيل: هي القوية السريعة.
المعنى يقول: جز وانصرف عن ما تراه من خراب ديار الأحبة، لأنه لا رجوع له، ولا أمل فيه، وارفع خشب الرحل على ناقة عظيمة الفقار
[ ٢ / ٤٥٩ ]
والخلق، فهو يريد الإعراض عن ديار مية الخالية من أهلها، والحث على السفر بالركوب على الناقة المذكورة، وفي البيت تجريد لا يخفي.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. عد: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها (عما) عن: حرف جر. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بعن، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ترى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل تقديره أنت، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، إذ التقدير: تراه. إذ: ظرف لما مضي من الزمان متعلق بالفعل ترى، أو هو حرف تعليل، وهو الأولى. لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. ارتجاع: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا والجملة الاسمية في محل جر بإضافة إذ إليها على اعتبارها ظرفًا، ولا محل لها على اعتبار إذ حرف تعليل. الواو: حرف عطف. انم: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهو الياء، والفاعل أنت. القتود: مفعول به. على عيرانة: جار ومجرور متعلقان بالفعل انم. أجد: صفة عيرانة، وجملة (امن الخ) معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها مثلها.
٨ - مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد
المفردات. مقذوفة: أي مرمية باللحم فهو يريد كثرته، إذ القذف الرمي، ومنه القذف بالزنا. الدخيس: الذي دخل بعضه في بعضمن كثرته، ومثله الدخاس. النحض: اللحم، وهو جمع نحضة. البازل: السن الكبير الذي يبزل اللحم، أي يشقه، ويطلع إذا بلغت الناقة الثامنة، وطعنت في
[ ٢ / ٤٦٠ ]
التاسعة- وحينئذ يطلع ناب البعير، وتكمل قوته، ثم يقال بعد ذلك: بازل عام، وبازل عامين، أي مر عليه بعد نزوله عام، أو عامان الخ. الصريف: الصوت، والصريف من الإناث بسبب شدة الإعياء، ومن الذكور بسبب النشاط والمرح، ولا تنس أن الصريف أيضًا الفضة. القعو: ما تدور فيه بكرة البئر إذا كان من خشب، فإذا كان من حديد فهو خطاف. المسد: الحبل، قال تعالى: في حق أم قبيح يوم القيامة ﴿في جيدها حبل من مسدٍ﴾ والمسد هو الذي فتل من الحبال فتلًا شديدًا، من ليف كان أو جلد أو غيرهما.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة في البيت السابق سمينة قد تراكم لحمها، بعضه فوق بعض لكثرة سمنها، ونابها كبير له صوت من شدة النشاط والمرح، مثل صوت القعو الموجود فوق البئر عند يمر الحبل فيه.
الإعراب. مقذوفة: صفة ثانية لعيرانة في البيت السابق ويجوز رفعه على تقدير مبتدأ محذوف. بدخيس: جار ومجرور متعلقان بمقذوفة لأنه صيغة اسم مفعول، ودخيس مضاف والنحض مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف. بازلها: مبتدأ، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. صريف: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (بازلها) والجملة الاسمية (بازلها الخ) في محل جر صفة ثالثة لعيرانة، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ صريف: يروى بالرفع والنصب، فالرفع على أنه بدل من سابقه، والنصب على أنه مفعول مطلق عامله محذوف وجوبًا لأنه مصدر قد وقع مشبهًا به بعد جملة مشتملة على فاعل المصدر في المعنى مثل (لزيد صوت صوت حمار) (وله بكاء بكاء الثكلى) إذ التقدير: يصوت صوت حمار، ويبكي بكاء
[ ٢ / ٤٦١ ]
الثكلى، وصريف مضاف والقعو مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، بالمسد: جار ومجرور متعلقان بالمصدر المذكور.
٩ - كأن رحلي، وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد
المفردات. الرحل: مسكن الرجل، وما يستصحبه من الأثاث، والرحل أيضًا رحل البعير، وهو أصغر من القتب، وجمعه رحال وأرحل. زال النهار: انتصف، والزوال ميل الشمس عن وسط السماء في نظر العين. بناء: علينا. الجليل: الثمام، وهو ضرب من النبات، فهو يريد بذي الجليل موضعًا فيه ثمام. مستأنس: ناظر بعينه، ومنه قوله تعالى: ﴿إني آنست نارًا﴾ فهو يريد ثورًا وحشيًا منفردًا، ولذا وصفه بالأبيات التالية. وحد: منفرد، وتقلب الواو همزة، فيصير أحد، أنظر البيت رقم -١١٤ - من معلقة عمرو بن كلثوم.
المعنى يقول: إن رحلي في حالة انتصاف النهار صار كأنه موضوع على وحش ناظر بعينه منفرد، والغرض من ذلك بيان سرعة ناقته وشدة جريها، فهو يريد تشبيهها بالثور الوحشي.
الإعراب. كأن: حرف مشبه بالفعل. رحلي: اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الواو: واو الحال. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. زال: فعل ماض. النهار: فاعل. بنا: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. بذي: جار ومجرور متعلقان بالفعل (زال) أيضًا، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف والجليل مضاف إليه، وجملة (قد زال الخ) في محل نصب حال من رحلي، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى:
[ ٢ / ٤٦٢ ]
﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ والعامل كأن لما فيها من معنى الفعل، وإن اعتبرتها معترضة بين اسم كأن وخبرها فلست مفندًا. على مستأنس: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر كأن، ومستأنس صفة لموصوف محذوف. وحد: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة (كأن رحلي الخ) مستأنفة لا محل لها. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
١٠ - من وحش وجرة، موشي أكارعه طاوي المصير، كسيف الصيقل الفرد
المفردات. وجرة: أرض فلاة معروفة تكثر فيها الوحوش الضارية. موشي: فيه ألوان كثيرة، وإعلاله مثل إعلال (ملوي) في البيت رقم -٣٩ - من معلقة طرفة. أكارعه: جمع كراع بضم الكاف هو في البقر والغنم، وما جرى مجراهما كالوظيف في الفرس والبعير وما جرى مجراهما، وهو مستدق الساق يذكر ويؤنث، ويجمع على أكرع أيضًا. طاوى المصير، أي ضامره، والمصير المعى، وجمعه مصران، وجمع مصران مصارين. الصيقل: الصانع، وقيل: هو مبالغة الصاقل، والجمع الصياقلة. الفرد: بفتح الراء وضمها وكسرها هو الذي لا نظير له.
المعنى يقول: إن المستأنس في البيت السابق كائن من وحش فلاة وجرة، ألوان أكارعه مختلفة ضامر البطن، يلمع كسيف مجلو لا نظير له ولا مثيل.
الإعراب. من وحش: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف في البيت السابق كما يجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ ووحش مضاف ووجرة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. موشي: صفة رابعة للموصوف المحذوف. أكارعه: فاعل بموشي، والهاء مضاف إليه. طاوي: صفة خامسة للموصوف المحذوف مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، وطاوي مضاف والمصير مضاف إليه من إضافة الوصف لفاعله، لأنه بمعنى ضامره. كسيف: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة خامسة للموصوف المحذوف، وسيف مضاف والصيقل مضاف إليه. الفرد: صفة سيف الصيقل، هذا ويجوز على القطع أن يكون (من وحش) متعلقين بمحذوف خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو كائن من وحش، وأن تكون الأسماء الأخرى مرفوعة على تعدد الخبر، أو الأسماء الأخرى مرفوعة على تعدد الخبر، أو هي أخبار لمبتدآت محذوفة، التقدير: هو موشي الخ.
١١ - سرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد
٧ المفردات. سرت: أنظر إعلال مثله في البيت رقم -٢٥ - من معلقة امرئ القيس، وأنظر معناه في البيت رقم -٣٥ - من معلقة طرفة. عليه: على المستأنس. الجوزاء: برج في السماء. سارية: أراد سحابة سارية. تزجي: تسوق، قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحابًا﴾ الشمال: أراد ريح الشمال، وأنظر البيت رقم -٢ - من معلق امرئ القيس. جامد البرد: ما صلب منه.
المعنى يقول: هطلت على المستانس المذكور في بيت سابق سحابة آتية من برج الجوزاء حالة كون ريح الشمال تسوق عليه أيضًا البرد الصلب.
الإعراب. سرت: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل
[ ٢ / ٤٦٤ ]
قبلهما. من الجوزاء: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من سارية كان نعتًا له فلما قدم عليه صار حالًا على القاعدة (نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا) سارية: فاعل سرت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. تزجي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. الشمال: فاعله. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. جامد: مفعول به، وهو مضاف والبرد مضاف من إضافة الصفة للموصوف، وجملة (تزجي الخ) في محل نصب حال من الضمير المجرور محلًا بعلى، والرابط الضمير فقط.
١٢ - فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشوامت من خوف، ومن صرد
المفردات. ارتاع: فزع، وأنظر شرح الروع في البيت -١٧ - من معلقة طرفة. كلاب: صاحب كلاب، والمراد الصياد. له: الضمير يعود إلى صوت، أو إلى كلاب. طوع: اسم مصدر، أو هو مصدر لطاع. الشوامت: جمع شامتة، قال الأصمعي: المعنى فبات له ما أطاع شوامته من الخوف والبرد، وقال أبو عبيدة: المعنى فبات له ما يسر الشوامت، ويروى بنصب (طوع) ومن روى هذه الرواية فالشوامت عنده القوائم، يقال للقوائم: شوامت فمعناه قد بات قائمًا. صرد: بفتح الصاد البرد، وبضمها طائر معروف.
المعنى يقول: إن المستأنس المذكور في بيت سابق قد فزع من صوت الصياد، فبات خاضعًا له ذليلًا بسبب شدة الخوف والبرد، وفي ذلك ما يسر من يشمت به.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. ارتاع: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى المستأنس، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. من صوت: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وصوت مضاف وكلاب مضاف إليه. الفاء: حرف عطف. بات: فعل ماض ناقص. له: جار ومجرور
[ ٢ / ٤٦٥ ]
متعلقان بمحذوف خبر مقدم على رفع طوع، ومتعلقان بالفعل بات على نصبه، ويكون اسم بات ضميرًا مستترًا. طوع: اسم بات أو خبره على حسب روايته. من خوف: جار ومجرور متعلقان بالمصدر طوع. الواو: حرف عطف. من صرد: جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما.
١٣ - فبثهن عليه، واستمر به صمع الكعوب بريئات من الحرد
المفردات. بثهن: فرقهن، قال تعالى: ﴿فكانت هباءً منبثا﴾ والضمير يعود إلى كلاب الصيد المفهومة من البيت السابق. عليه: الضمير يعود إلى المستأنس. صمع: ضوامر، الواحدة صمعاء. الكعوب: جمع كعب، وهو المفصل من العظام، وكل مفصل من العظام كعب عند العرب. الحرد: استرخاء عصب في يد البعير من شدة العقال، وربما كان خلقة، وإذا كان به نفض يديه، وضرب بهما الأرض ضربًا شديدًا.
المعنى يقول: أرسل الصياد كلابه على المستأنس، وهو الثور الوحشي من جميع الجهات، وأخذت الكلاب تراوغه وتلاحقه، وأرجلها قوية ليس فيها استرخاء ولا غيره مما يضعفها عن اللحاق به.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. بثهن: فعل ماض، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الصياد المذكور في البيت السابق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق لا محل لها. عليه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الواو: حرف عطف. استمر: فعل ماض. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. صمع: فاعل استمر، وهو مضاف والكعوب مضاف إليه. بريئات: صفة ثانية للموصوف المحذوف، والصفة الأولى صمع. من الحرد: جار ومجرور متعلقان ببريئات.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
١٤ - فهاب ضمران منه حيث يوزعه طعن المعارك عند المحجر النجد
المفردات. هاب: خاف. ضمران: اسم كلب. منه: من المستأنس. يوزعه: يغريه ويرسله فهو من أوزعه بالشيء أغراه به، وأما الثلاثي (وزع يزع) فهو بمعنى كف يكف، ومنه قول عثمان بن عفان ﵁: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) وقال الحسن رحمه الله تعالى: (لا بد للناس من وازع) أي من سلطان يكفهم، وأما قول الله تعالى حكاية عن قول سليمان على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك﴾ فهو بمعنى ألهمني. المعارك: المقاتل من الإنسان والحيوان. المحجر: الملجأ المدرك، وهو بضم الميم وفتح الجيم والمحجر والمحجر من العين ما دار حولها، وبفتح الميم والجيم هو ما حول القرية كالحدائق، ومنه المحجر الصحي حيث يقام المصابون بالأمراض الوبائية تحت المراقبة منعًا لانتشار الوباء. النجد: بضم الجيم وكسرها، فالأول بمعنى الشجاع والثاني بمعنى المكروب، الذي عرق من شدة الكرب.
المعنى يقول: خاف الكلب ضمران من المستأنس المذكور في بيت سابق من أن يطعنه في مقتل من مقاتله فيرديه قتيلًا وذلك قرب المكان الذي كان يأوي إليه المستأنس، وذلك المعنى على رواية نصب (طعن).
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. هاب: فعل ماض. ضمران: فاعل هاب، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. منه: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حيث: ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من ضمران، أو من الضمير المجرور محلًا بمن. يوزعه: فعل مضارع، والها ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى صاحب ضمران، وذلك على
[ ٢ / ٤٦٧ ]
رواية نصب (طعن) وعلى رفعه فهو الفاعل، وطعن مضاف والمعارك مضاف إليه، وجملة (يوزعه الخ) في محل جر بإضافة حيث إليها. عند: ظرف مكان متعلق بالفعل (يوزعه) وعند مضاف والمحجر مضاف إليه. النجد: صفة المحجر.
١٥ - شك الفريصة بالمدرى، فأنفذها شك المبيطر إذ يشفي من العضد
المفردات. شك: شك الشيء انتظمه، وشكه بالرمح طعنه وخرقه إلى العظم. الفريصة: المضغة التي ترعد من الدابة عند البيطار، وأنظر البيت رقم -٥٥ - من معلقة عنترة. المدرى: أراد قرن الثور، وأنظر جمعه في البيت -١٤ - من معلقة امرئ القيس. أنفذها: أخرجها منها.
فائدة. قال الزمخشري: إن كل ما فاؤه نون، وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، مثل نفق ونفر ونفخ ونفذ الخ. المبيطر: تصغير البيطار. العضد: داء يأخذ في العضد، يقال: عضد عضدًا إذا أصيب بهذا الداء.
المعنى يقول: إن المستأنس المذكور في بيت سابق قد شك فريصة الكلب بقرنه القوي، فأنفذه منها كما يشك البيطار حديدته في عضد الدابة المصابة بداء العضد.
الإعراب. شك: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى المستأنس. الفريصة: مفعول به. بالمدرى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وجملة (شك الخ) مستأنفة لا محل لها. الفاء: حرف عطف. أنفذها: فعل ماض، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى المستأنس، وها: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. شك: مفعول مطلق، وهو مضاف والمبيطر
[ ٢ / ٤٦٨ ]
مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. إذ: ظرف لما مضي من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. يشفي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى المبيطر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. من العضد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
١٦ - كأنه، خارجًا من جنب صفحته سفود شرب نسوه عند مفتأد
المفردات. كأنه: الضمير يعود إلى المدرى. السفود: حديدة يشوى بها اللحم. الشرب: بفتح الشين الجماعة يجتمعون على الشراب. المفتأد: المشتوى، وهو المكان الذي يشوى فيه اللحم- والمشتوي هو الذي يشوي اللحم.
المعنى يقول: كأن قرن الثور في حال خروجه من جنب الكلب حديدة يشوى بها اللحم نسيه الجماعة الذين يجتمعون على الشرب عند المشتوى، أي في المكان الذي يشوى فيه اللحم.
الإعراب. كأنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. خارجًا: حال من الضمير المنصوب، والعامل كأن لما فيها من معنى الفعل. من جنب: جار ومجرور متعلقان بخارجًا، وجنب مضاف وصفحته مضاف إليه من إضافة الشيء لمرادفه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. سفود: خبر كأن، وهو مضاف وشرب مضاف إليه. نسوه: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة سفود. عند: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف ومفتأد مضاف إليه، وجملة (كأن الخ) مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
١٧ - فظل يعجم أعلى الروق منقبضًا في حالك اللون صدق، غير ذي أود
المفردات. ظل: أنظر البيت رقم -١٦ - من معلقة امرئ القيس. يعجم: يمضغ، هذا والعجم العض، وقد عجم العود من باب نصر إذا عضه ليعلم صلابته من خوره، قال الحجاج في خطبته في العراق: وإن أمير المؤمنين وضع كنانته بين يديه فعجمها الخ. الروق: القرن .. حالك اللون: شديد السواد. صدق: صلب. أود: عوج.
المعنى يقول: فظل الكلب يعض القرن النافذ من صفحته في حال انقباضه، وقد أسود لونه، وهو صلب مستقيم غير معوج.
قال ابن قتيبة: ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مديحًا، وقال: كأن ناقتي بقرة أو ثور أن تكون الكلاب هي المقتولة، فإذا كان الشعر موعظة أو مرثية أن تكون الكلاب هي التي تقتل الثور والبقرة، ليس على أن ذلك حكاية لقصة بعينها.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. ظل: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الكلب ضمران. يعجم: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الكلب أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ظل، وجملة (ظل الخ) مستأنفة لا محل لها. أعلى: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وأعلى مضاف والروق مضاف إليه. منقبضًا: حال من فاعل يعجم المستتر. في حالك: جار ومجرور متعلقان بمنقبضًا، وهو أولى من تعليقهما بالفعل يعجم، وحالك مضاف واللون مضاف إليه. صدق: صفة الروق، وجازت الصفة لأن (أل) ليست للتعريف، وقد حصل فصل بين الصفة والموصوف بما ترى. غير: صفة ثانية للروق، وغير مضاف وذي مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن
[ ٢ / ٤٧٠ ]
الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف وأود مضاف إليه. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.
١٨ - لما رأى واشق إقعاص صاحبه ولا سبيل إلى عقل، ولا قود
المفردات. واشق: اسم كلب. الإقعاص: الموت السريع العجل، ومات فلان قعصًا إذا أصابته ضربة أورمية؛ فمات مكانه، وفي الحديث (من قتل قعصًا فقد استوجب المآب) صاحبه: أنظر البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. سبيل: أنظر البيت رقم -٧ - منها أيضًا. العقل: الدية، القود: القصاص، وكلاهما لا حقيقة له هنا، وإنما على المجاز لأن الكلاب لا عقل لها ولا قود فيها، وأنظر المعنى في البيت التالي.
الإعراب. لما: ظرف بمعنى حين، وأنظر البيت رقم -٣٧ - من معلقة امرئ القيس. رأى: فعل ماض، مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. واشق: فاعله. إقعاص: مفعول به، وهو مضاف وصاحبه مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، والهاء مضاف إليه، وجملة (رأى الخ) ابتدائية لا محل لها على القول بحرفية (لما) وفي محل جر بإضافة لما إليها على القول بظرفيتها، وجواب لما في البيت التالي. الواو: واو الحال. لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. سبيل: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. إلى عقل: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لا، ولما ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، وجملة (لا سبيل الخ) في محل نصب حال من الصمير المجرور محلًا بالإضافة، والرابط الواو فقط على حد قوله تعالى: ﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ والقول بالاعتراض بين مدخولي (لما) ممكن لا غبار عليه. الواو: حرف عطف. لا: زائدة لتأكيد النفي. قود: معطوف على عقل.
[ ٢ / ٤٧١ ]
١٩ - قالت له النفس: إني لا أرى طمعًا وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد
المفردات. قالت: أنظر القول في البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. النفس: أنظر البيت رقم -٤٥ - من معلقة طرفة. المولى: أنظر البيت رقم -٨٤ - منها أيضًا.
المعنى يقول: حينما رأى الكلب واشق ما نزل بصاحبه ضمران من الموت السريع، والهلاك الذريع، وقد ذهب دمه هدرًا، ولا يوجد من يقتص له ويأخذ بثأره حدثته نفسه، وقالت له: إنى لا أرى طمعًا بهذا الثور، ولا سبيل عليه، وإن صديقك لم يسلم من بطش ذلك الثور ولم يقدر على صيده، والكف عن ذلك أسلم.
الإعراب. قالت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. له: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. النفس: فاعل قالت، والجملة الفعلية جواب لما في البيت السابق لا محل لها من الإعراب، ولما ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. إني: حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب اسمها. لا: نافية. أرى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا. طمعًا: مفعول به، وجملة (لا أرى طمعًا) في محل رفع خبر إن، وجملة (إني الخ) في محل نصب مقول القول. الواو: حرف عطف. إن: حرف مشبه بالفعل. مولاك: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. لم: حرف نفي وقلب وجزم. يسلم: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل يعود إلى مولاك، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة (إن مولاك الخ) معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. الواو: حرف عطف. لم: حرف
[ ٢ / ٤٧٢ ]
جازم. يصد: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل يعود إلى مولاك، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
٢٠ - فتلك تبلغني النعمان، إن له فضلًا على الناس، في الأدنى، وفي البعد
المفردات. تلك: الإشارة إلى الناقة المذكورة في البيت رقم -٧ - وما بعده. تبلغني: توصلني .. النعمان: هو ابن المنذر بن ماء السماء، وأخو الملك عمرو بن هند لأبيه، ورث الملك بعده. الأدنى: القريب وأنظر الدون والأدنى في البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. البعد: بفتح الباء والعين، قيل: إنه مصدر يستوى فيه لفظ الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وقيل: إنه جمع باعد كما يقال: خادم وخدم، ومن رواه بضمتين فهو جمع بعيد.
المعنى يقول: إن الناقة المذكورة فيما تقدم سريعة الجري سهلة الركوب، هي التي توصلني إلى النعمان صاحب الفضل على الناس أجمعين، القريبين منهم والبعيدين.
الإعراب: الفاء: حرف استئناف. تلك: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. تبلغني: فعل مضارع، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الناقة المشار إليها. النعمان: مفعول به ثان، وجملة (تبلغني النعمان) في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (تلك الخ) مستأنفة لا محل لها. إن: حرف مشبه بالفعل. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. فضلًا: اسم إن
[ ٢ / ٤٧٣ ]
مؤخر. على الناس: جار ومجرور متعلقان بفضلًا، أو بمحذوف صفة له. في الأدنى: جار ومجرور بدل من سابقيهما بدل بعض من كل، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. الواو: حرف عطف. في البعد: جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وجملة (إن له الخ) مفيدة للتعليل لا محل لها.
٢١ - ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه وما أحاشي من الأقوام من أحد
المفردات. أحاشي: أنظر كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغنى اللبيب. الأقوام: أنظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. أحد: أنظر البيت رقم -١١٤ - من معلقة عمرو بن كلثوم، وأنظر إعلال - (ترى) في البيت رقم -٤ - من معلقة امرئ القيس.
المعنى يقول: لا أعتقد أن أحدًا من الناس يشبه النعمان بن المنذر في أفعاله الحميدة وشيمه الكريمة، ولا أستثني أحدًا، بل هو أكرم الناس فعالًا، وأشرفهم خصالًا إلا سلمان بن داود ﵉، حيث أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا، وقال له: قم في الخليقة فأمنعها وصنها عن الزلل والخطأ.
الإعراب. الواو: واو الحال. لا: نافية. أري: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. فاعلًا: مفعول به أول، وفاعله ضمير مستتر فيه. في الناس: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة فاعلًا أو هما متعلقان بفاعلًا، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما. يشبه: فعل مضارع، والفاعل يعود إلى فاعلًا، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان لأرى لأنها قلبية، وهو الراجح، وجملة (لا أرى الخ) في محل نصب حال من النعمان المذكور في البيت السابق، والرابط الواو والضمير المتصل بـ (يشبهه) والاستئناف ممكن بالإعراض عن البيت السابق. الواو: حرف
[ ٢ / ٤٧٤ ]
عطف. ما: نافية. أحاشي: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. من الأقوام: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف في محل نصب حال من أحد كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالًا. من: حرف جر زائد. أحد: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة (ما أحاشي الخ) معطوفة على الجملة السابقة على الوجهين المعتبرين فيها.
٢٢ - إلا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فأحددها عن الفند
المفردات. سليمان: أراد سليمان بن داود- على نبينا وعليهما ألف صلاة وألف سلام-. الإله: بمعنى المألوه، أي المعبود، ويروى مكانه (المليك). البرية: أنظر شرحها في البيت-٤٠ - من معلقة الحارث بن حلزة. فأحددها: ويروى (فازجرها) وهما بمعنى امنعها وصنها. الفند: الخطأ في الرأي والخطأ في القول، قال تعالى: ﴿ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون﴾ وأنظر المعنى في البيت السابق.
الإعراب. إلا: حرف استثناء. سليمان: مستثني من أحد، وجاز ذلك لأن أحدًا يعم كل مخلوق كما تجوز البدلية من أحد أيضًا، وذلك على القاعدة (إذا كان الكلام تامًا منفيًا) جاز الاستثناء وجاز الإتباع على البدلية. إذ: ظرف ما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف حال من سليمان. قال: فعل ماض. الإله: فاعل. له: جار ومجرور متلعقان بالفعل قبلهما، وجملة (قال الإله له) في محل جر بإضافة إذ إليها. قم: فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. في البرية: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. الفاء: حرف عطف. احددها: فعل أمر، والفاعل أنت، وها: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة
[ ٢ / ٤٧٥ ]
على سابقتها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. عند الفند: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
٢٣ - وخيس الجن، إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمد
المفردات. خيس: ذلل. الجن: أنظر البيت رقم -٧١ - من معلقة لبيد. أذنت لهم: أمرتهم، وأنظر البيت رقم -١ - من معلقة الحارث بن حلزة. الصفاح: جمع صفاحة، وهي حجارة رقاق عراض. العمد: جمع عمود يكون من رخام وغيره، والمراد هنا الرخام.
المعنى يقول: وقال الإله لسليمان ﵇: استعمل الجن واستخدمهم بما شئت من أعمال، فأني قد أمرتهم أن يبنوا بلدة تدمر بالحجارة العريضة الرقيقة، وأن يقيموا فيها العمد من الرخام وغيره. وقيل أخطأ النابغة في ذلك، فإن الجن لم تبن تدمر لسيدنا سليمان، وإنما بنت له بيت المقدس كما هو معروف ومشهور، وإنما الذي بنى تدمر، وصنع فيها ما صنع من آثار لا تزال ماثلة إلى أيامنا هذه هي زنوبيا ملكة تدمر بنت أذينة الملك، وهذا غير معتمد والمعتمد الأول على الصحيح.
الإعراب. الواو: حرف عطف. خيس: فعل أمر مبني على السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. الجن: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت السابق، فهي مثلها في محل نصب مقول القول. أني: حرف مشبه بالفعل، والياء ضمير متصل في محل نصب اسم إن. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. أذنت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة (إني قد الخ) مفيدة للتعليل لا محل لها من الإعراب. لهم: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والميم علامة جمع الذكور. يبنون: فعل
[ ٢ / ٤٧٦ ]
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل. تدمر: مفعول به. بالصفاح: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. والعمد: معطوف على سابقه بالواو العاطفة، والفعل (يبنون) في تأويل مصدر لأنه بمعنى (أن يبنوا) فلما حذفت أن ارتفع الفعل، ومعناه معنى المصدر على حد قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفًا وطمعًا﴾ وعلى حد المثل: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) لذا فهو في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان تقديرًا بالفعل (أذنت) إذ التقدير: أذنت لهم ببناء تدمر الخ.
٢٤ - فمن أطاع فأعقبه بطاعته كما أطاعك، وأدلله على الرشد
المفردات. الطاعة: الخضوع والانقياد للأمر. أعقبه: جازه بما يستحق، قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ الرشد: ضد الغي والضلال، ومثله الرشاد.
المعنى يقول: قال الله تعالى لسليمان ﵇: فمن أطاعك من الجن فجازه بطاعته خيرًا كما أطاعك وامتثل أمرك، ودله على طريق الخير والهدى والرشاد.
الإعراب. الفاء: حرف تفريع على ما سبق. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. أطاع: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، ومفعوله محذوف. الفاء: واقعة في جواب الشرط أعقبه: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به، ومفعوله الثاني محذوف، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ الذي هو من مختلف فيه- فقيل: هو جملة الشرط،
[ ٢ / ٤٧٧ ]
وقيل: جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. بطاعته: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء مضاف إليه (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر. ما: مصدرية. أطاعك: فعل ماض، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى من، وما المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولًا مطلقًا، والتقدير: فأعقبه بطاعته عاقبة كائنة مثل طاعته لك، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في هذا التركيب أن يكون منصوبًا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا، لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. الواو: حرف عطف. أدلله: فعل أمر، والفاعل أنت، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب الشرط، فهي مثلها في محل جزم. على الرشد. جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
٢٥ - ومن عصاك، فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم، ولا تقعد على ضمد
المفردات. عصاك: خالف أوامرك. عاقبه معاقبة: أنظر البيت السابق. تنهي: تكف وتردع. الظلوم: مبالغة الظالم، وأنظر البيت رقم -٩٨ - و-٨٦ - من معلقة طرفة. الضمد: الحقد، يقال: ضمد يضمد ضمدًا فهو ضمد.
المعنى يقول: قال الله تعالى لسليمان ﵇: ومن خالف أوامرك من الجن فجازه مجازاة تكف الظالم وتردعه عن ظلمه، ولا تكن حاقدًا بل أنتقم منهم عاجلًا غير آجل.
الإعراب. الواو: حرف عطف. من: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. عصاك: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى من،
[ ٢ / ٤٧٨ ]
الكاف مفعول به. الفاء: واقعة في جواب الشرط. عاقبه: فعل أمر، والفاعل أنت، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ، وأنظر البيت السابق. معاقبة: مفعول مطلق. تنهى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى معاقبة. الظلوم: مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة معاقبة. الواو: حرف عطف. لا: ناهية. تقعد: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت. على ضمد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (لا تقعد الخ) معطوفة على جملة جواب الشرط فهي مثلها في محل جزم.
٢٦ - إلا لمثلك، أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد
المفردات. إلا لمثلك: أي إلا لمثلك في جودك وكرمك وإحسانك، أو لمن فضلك عليه كفضل السابق من الخيل على التالي له. الجواد: الحصان. استولى. غلب. الأمد: الغاية.
المعنى قال الأعلم الشنمتري: أكثر أهل اللغة لا يعرف معنى هذا البيت، وروى ابن السكيت عن المازني عن الأصمعي أن هذا البيت موضعه بعد البيت -٤٩ - الآتي.
الإعراب. إلا: حرف حصر. لمثلك: جار ومجرور متعلقان بالفعل (أحاشى) في البيت رقم -٢١ - أو هما متعلقان بالفعل (عرضت) المذكور في البيت رقم -٤٩ - الآتي، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أو: حرف عطف. من: اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على مثل. أنت: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. سابقه: خبر المبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة- من إضافة اسم الفاعل لمفعوله،
[ ٢ / ٤٧٩ ]
وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره أنت، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. سبق: مفعول مطلق، وهو مضاف والجواد مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. إذا: ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر سبق. استولى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير يعود إلى الجواد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها. على الأمد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
٢٧ - وأحكم كحكم فتاة الحي، إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد
المفردات. احكم الخ. أي كن حكيمًا مثل فتاة الحي إذ أصابت في حكمها وجعلت الشيء موضعه، وهي لم تحكم بشيء وإنما قالت قولًا، فأصابت فيه، والحكمة هي الإصابة في القول والرأي، قال تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾ وقال جل شأنه: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله﴾ الفتاة: الشابة. الحي: أنظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس، وفتاة الحي هي عين اليمامة، وقيل: زرقاء اليمامة، وهي من بنات لقمان بن عاد، كانت يضرب بها المثل في حدة البصر كانت حكيمة في كل شيء، نظرت إلى حمام من بعيد، وكان لها قطاة واحدة، فقالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ونصفه قديه تم الحمام ميه
حمام: أنظر البيت رقم- ٦٩ - من معلقة لبيد. سراع: جمع سريعة، وجمع سريع سرعان، ويروى (شراع) على أنه جمع شارعة، وهي التي شرعت في الماء، وقوله (وارد) إنما جاء به مفردًا لأن اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء كالحمام يجوز معاملته معاملة المفرد، ويجوز معاملته معاملة الجمع، وقد راعى الوجهين في البيت فجمع (سراعًا) وأفرد (واردًا)
[ ٢ / ٤٨٠ ]
على حد قوله تعالى: ﴿يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر﴾ ﴿كأنهم أعجاز نخلٍ منقعرٍ﴾ الثمد: القليل الماء.
المعنى يقول للنعمان: لا تعجل على؛ وكن حكيمًا مثل فتاة الحي وقت نظرت إلى سرب من حمام طائر مسرع، قد ورد ماء قليلًا.
الإعراب. الواو: حرف عطف. أحكم: فعل أمر، والفاعل تقديره أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في البيت -٢٥ - والاستئناف ممكن. كحكم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، وحكم مضاف وفتاة مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وفتاة مضاف والحي مضاف إليه. إذ: ظرف لما مضي من الزمان متعلق بالمصدر حكم، مبني على السكون في محل نصب. نظرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذ إليها. إلى حمام: جار ومجرور متعلقان بالفعل نظرت. سراع: صفة حمام. وارد: صفة ثانية، ووارد مضاف والثمد مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره هو.
٢٨ - قالت: ألا ليتمًا هذا الحمام لنا إلى حمامتنا، ونصفه فقد
المعنى يقول: تمنت هذه الفتاة، وقد رأت حمامًا طائرًا أن يكون لها هذا الحمام ونصفه منضمًا كل ذلك إلى حمامتها، فيكون مجموع ذلك مائة حمامة، وقد هنا اسم بمعنى حسب، أي كاف، أو اسم فعل مضارع بمعنى يكفي، وهذه غير الحرفية، فعلى الأول يقال: قد زيد درهم، وعلى الثاني يقال: قد زيدًا درهم.
الإعراب. قالت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى فتاة الحي المذكورة في البيت السابق، والجملة الفعلية
[ ٢ / ٤٨١ ]
مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ألا: حرف تنبيه واستفتاح يسترعي انتباه المخاطب لما يأتي بعده من كلام. ليتما: حرف مشبه بالفعل. ما: يجوز فيها أن تكون زائدة، وأن تكون كافة لها عن العمل، وأن تكون موصولة، فعلي الزيادة الإعراب يكون كما يلي: الهاء: حرف تنبيه، للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام-، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، وعلى كونها كافة فاسم الإشارة مبتدأ، وعلى كونها موصولة، فهي اسم ليت، واسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو، والجملة الاسمية صلتها، وهو وجه ضعيف. الحمام: يروى بالنصب والرفع، فهو بدل من اسم الإشارة على جميع الأوجه السابقة في الإعراب. لنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليت على رواية نصب الحمام، وبمحذوف خبر المبتدأ على رواية الرفع باعتبار اسم الإشارة مبتدأ، وخبر ليت على اعتبار (ما) موصولة. إلى حمامتنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من اسم ليت، تقديره مضافًا أو منضمًا إلى حمامتنا، أو في محل نصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، وهما (لنا) ونا: في محل جر بالإضافة. الواو: حرف عطف. نصفه: معطوف على اسم الإشارة مرفوعًا أو منصوبًا، والهاء في محل جر بالإضافة (فقد) الفاء: الفصيحة. قد: اسم بمعنى كاف مبني على السكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، وحرك بالكسر لضرورة الشعر، أو هو مبتدأ حذف خبره، التقدير: فحسبي ذلك، وجملة المبتدأ والخبر على الاعتبارين في محل جزم جواب شرط محذوف، التقدير: إن حصل ذلك فهو كاف، ويجوز أن يكون (قد) اسم فعل مضارع بمعنى يكفي، وفاعله ضمير مستتر، والجملة الفعلية خبر للمبتدأ المحذوف المقدر، وليت واسمها وخبرها محل نصب مقول القول، وكذلك الشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
٢٩ - يحفه جانبًا نيق، وتتبعه مثل الزجاجة، لم تكحل من الرمد
المفردات. يحفه: أنظر البيت رقم -١٣ - من معلقه لبيد﵁- النيق: أعلى الجبل، قال الأصمعي: إذا كان الحمام بين جانبي نيق كان أشد لعدده لأنه يتكاثف، ويكون بعضه فوق بعض، وإذا كان في موضع واسع كان أسهل لعدده. مثل الزجاجة: أراد عينها. لم تكحل: أراد أنها لم ترمد أبدًا فتحتاج إلى الكحل، وأنظر شرح (مثل) في البيت رقم -٤٤ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: إن الحمام المذكور في البيت السابق قد رأته بجانبي جبل عال، وقد نظرت إليه بعين مثل الزجاجة في صفائها ورونقها لم ترمد أبدًا، ولم تحتج إلى الكحل، وإذا كانت بهذه المثابة، فهي أشد إبصارًا من غيرها.
الإعراب. يحفه: فعل مضارع، والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به. جانبًا: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثني، وحذفت النون للإضافة، وجانبًا مضاف ونيق مضاف إليه، وجملة (يحفه الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. تتبعه: فعل مضارع والهاء مفعول به أول، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى فتاة الحي. مثل: مفعول به ثان، وهو صفة لموصوف محذوف. ومثل مضاف والزجاجة مضاف إليه، وجملة (تتبعه الخ) معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تكحل: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، ونائب الفاعل تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف. من الرمد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
٣٠ - فحسبوه، فألفوه كما حسبت تسعًا وتسعين، لم تنقص ولم تزد
المفردات. فحسبوه: عدوه، وهو يروى بتشديد السين وتخفيفها، فعلي التشديد يكون قد دخله الخبن فقط، وعلى الثاني يكون قد دخله الخبل، وهو مركب من الخبن والطي في تفعيله واحدة. ألفوه: وجدوه، وأنظر إعلاله في البيت رقم -١٨ - من معلقة زهير. حسبت: يروى مكانه كما زعمت، وكما ذكرت. وكان الحمام قد وقع في شبكة صياد، فعدوه فإذا هو ست وستون قطاة، ونصفها ثلاث وثلاثون، فإذا ضم ذلك إلى قطاتها كان مجموعه كما تمنت، وهو مئة، ويروى (ستا وستين) وهو أولى كما ترى- تنقص: أنظر البيت رقم -٧٣ - من معلقة طرفة، وأنظر شرح عشرين في البيت رقم -٤ - من معلقة زهير.
المعنى يقول: فعدوا الحمام الذي رأته فوجدوه كما ذكرت، وهو ست وستون لم ينقص واحدة ولم يزد واحدة.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. حسبوه: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. الفاء: حرف عطف. ألفوه. فعل وفاعل ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها (كما) الكاف: حرف تشبيه وجر: ما: اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حسبت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى فتاة الحي، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره حسبته. تسعًا: مفعول به ثان لألفي. الواو: حرف عطف. تسعين: معطوف على سابقه منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع
[ ٢ / ٤٨٤ ]
المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، وتمييز العدد محذوف للعلم به. لم: حرف نفي وقلب وجزم. تنقص: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى تسعًا وتسعين، والجملة الفعلية في محل نصب حال من العدد وتمييزه المحذوف، ويروى الفعل بياء المضارعة، وعليه فالفاعل يعود إلى الحمام، والجملة حينئذ في محل نصب حال من مفعول (ألفى) الأول. الواو: حرف عطف. لم: حرف جازم. تزد: فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه السكون المقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسر العارض لضرورة الشعر، والفاعل تقديره هي أو هو على مثال ما رأيت بسابقه. والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها.
٣١ - فكملت مائة فيها حمامتها وأسرعت حسبة في ذلك العدد
المفردات. وأسرعت: قال الأصمعي: الحسبة: الجهة التي يحسب منها، وهي مثل الجلسة واللبسة، فقال: أسرعت أخذًا في تلك الجهة، ويقال: ما أسرع حسبته، أي حسابه؛ والحسبة بفتح الحاء المرة الواحدة.
المعنى يقول: تممت حمامتها بالإضافة إلى الحمام المذكور في البيت السابق مئة حمامة، وقد أسرعت تلك الفتاة في عد ذلك، وهو طائر، وهذا مما يدل على فرط ذكائها، وحدة بصرها.
الإعراب. الفاء: حرف عطف. كملت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. مائة: مفعول به. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. حمامتها: فاعل كملت، والجملة الفعلية معطوفة على مثلها في البيت السابق لا محل لها مثلها. الواو: حرف عطف. أسرعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل
[ ٢ / ٤٨٥ ]
يعود إلى فتاة الحي، تقديره هي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضًا. حسبة: مفعول به. في: حرف جر. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بفي، والجار والمجرور متعلقان بحسبة، أو بمحذوف صفتها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. العدد: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعتبره نعتًا لاسم الإشارة، وأراه ضعيفًا.
٣٢ - أعطى لفارهة، حلو توابعها من المواهب، لا تعطى على نكد
المفردات. الفارهة: أراد الجارية الحسناء، وجمعه فواره وفره، والمذكر فاره، والفاره من الدواب الجيد السير، وقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين﴾: معناه حاذقين. حلو: يقال فيه ما قيل بوارد المذكور في البيت -٢٧ - من المواهب: من الهبات، فهو جمع موهبة بمعنى هبة. النكد: الضيق والعسر.
المعنى يقول: أعطى النعمان الجارية الحسناء، ومنحها هبات لا تعطى على ضيق وعسر، فهو يريد وصفه بالكرم والجود، وأنه يعطي العطاء عن غنى وطول، وهذا البيت مردود على البيت رقم -٢١ - تأمل.
الإعراب. أعطى: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود للنعمان، لفارهة: جار ومجرور متعلقان بالفعل أعطى، وهما في محل مفعوله الأول، وفارهة صفة لموصوف محذوف. حلو: صفة ثانية للموصوف المحذوف، وهذه الصفة سببية، توابعها: فاعل يحلو، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، ويروى (حلو توابعها) برفعهما على الابتداء والخبر: والجملة الاسمية في محل جر صفة ثانية للموصوف المحذوف. من المواهب: جار ومجرور متعلقان بالفعل أعطى، وهما في محل مفعوله الثاني. لا: نافية. تعطى: فعل مضارع مبني
[ ٢ / ٤٨٦ ]
للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى المواهب، والجملة الفعلية في محل جر صفة المواهب على اعتبار آل للجنس، أو في محل نصب حال على اعتبارها للتعريف. على نكد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (أعطى الخ) مستأنفة لا محل لها.
٣٣ - الواهب المائة الأبكار زينها سعدان توضح في أوبارها اللبد
المفردات. الأبكار: جمع بكرة، وهي الفتية من الإبل، والمذكر بكر، ويروى (المائة الجرجور) وفسر الجرجور بالضخام. سعدان: نبت تسمن عليه الإبل، وتغزر ألبانها ويطيب لحمها. توضح: اسم مكان، ويروى (يوضح) بالياء على أنه فعل مضارع بمعنى يبين .. اللبد: ما تلبد من الوبر، الواحدة لبدة.
المعنى يقول: إن النعمان بن المنذر كريم جواد يهب المائة السمينة من الإبل، الغزيرة اللبن، الطيبة اللحم لأنها ترعى نبت السعدان النابت في المكان المسمى بتوضح، وقد تلبد وبرها لسمنها.
الإعراب. الواهب: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هو الواهب، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. المائة: يروى بالنصب على أنه مفعول به صريح، ويجوز جره على أنه مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والإضافة هنا جائزة لوجود أل في المضاف إليه. الأبكار: صفة المائة على الوجهين المعتبرين فيها. زينها: فعل ماض، وها: ضمير متصل في محل مصب مفعول به. سعدان: فاعل، وهو مضاف وتوضح مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة
[ ٢ / ٤٨٧ ]
لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة (زينها الخ) في محل نصب حال من المائة الأبكار. في أوبارها: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. اللبد: مبتدأ مؤخر مرفوع. وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة التي جلبها حركة الجوار قبله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من المائة الأبكار أيضًا، وهذا إذا كان اللبد بمعنى التلبد، وأما إذا كان بمعنى المتلبد، فاللبد صفة أوبارها، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المائة الأبكار أيضًا.
٣٤ - والساحبات ذيول المرط فنقها برد الهواجر كالغزلان بالجرد
المفردات. الساحبات: جمع ساحبة، والسحب الجر على الأرض. ذيول: جمع ذيل، وهو طرف الثوب الأسفل. المرط: كل ثوب غير مخيط، وهو كساء من صوف ونحوه كان يؤتزر به. فنقها: طيب عيشها؛ ويروى (أنقها) بمعنى أعطاها ما يعجبها، أو هو بمعنى أعطاها حسنًا وجمالًا. الهواجر: جمع هاجرة، وهي شدة الحر، فهو يريد أنها منعمة مرفهة لا تسير في شدة الحر. الجرد: الموضع الذي لا ينبت.
المعنى يقول: إن النعمان يهب أيضًا الجواري التي تلبس أكسية الصوف والخز، وتجر ذيولها على الأرض وهذه الجواري منعمة مرفهة لا تسير في شدة الحر حالة كونها ضامرة مثل الغزلان التي تعيش بأرض قليلة النبات، فهي تكون ضوامر.
الإعراب. الواو: حرف عطف. الساحبات: معطوف على المائة في البيت السابق، فهو منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وإن اعتبرت الأول مجرورًا فهو مجرور مثله بالكسرة
[ ٢ / ٤٨٨ ]
الظاهرة، والساحبات صفة لموصوف محذوف، وفاعله ضمير مستتر فيه. ذيول: مفعول به للساحبات، ويجوز جره بالإضافة على نحو ما رأيت في المائة في البيت السابق، والإضافة هنا جائزة أيضًا لوجود أل فيما أضيف إليه المضاف إليه، وذيول مضاف والمرط مضاف إليه. فنقها: فعل ماض، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. برد: فاعل، وهو مضاف والهواجر مضاف إليه، وجملة (فنقها الخ) في محل نصب حال من الموصوف المحذوف، أو من ضميره المستتر في الساحبات. كالغزلان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من الموصوف المحذوف، أو من ضميره المستتر بالساحبات. بالجرد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة الغزلان على اعتبار أل للجنس، أو بمحذوف حال منه على اعتبار أل للتعريف، تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم.
٣٥ - والخيل تمزع غربًا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد
المفردات. الخيل: اسم جنس لا واحد له من لفظه مثل إبل وغنم. تمزع: تمر مرًا سريعًا، ويروى (تنزع) أي تسرع. غربًا: حدة ونشاطًا، وغرب السيف حده. أعنتها: جمع عنان، وهو سير اللجام للفرس، ويجمع على عنن أيضًا. الطير: أنظر البيت رقم -٦٣ - من معلقة امرئ القيس. الشؤبوب: السحاب العظيم القطر القليل العرض، أي إنه مثل السهم، الواحدة شؤبوبة، ولا يقال لها شؤبوبة حتى يكون فيها برد.
المعنى يقول: إن النعمان يهب أيضًا الخيل السريعة في الحرب مثل الطير حالة كونها لا يصيبها مطر حين يهطل، وذلك لشدة جريها، وسرعتها.
الإعراب. الواو: حرف عطف. الخيل: معطوف على المائة في البيت -٣٣ - تمزع: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الخيل،
[ ٢ / ٤٨٩ ]
والجملة الفعلية صفة الخيل، أو حال منها على نحو ما تقدم. غربًا: مفعول مطلق عامله من غير لفظه، أو هو حال من فاعل تمزع، في أعنتها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وها: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. كالطير: جار ومجرور متعلقان بالفعل تمزع، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله العائد إلى الخيل. تنجو: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الطير، وعوده إلى الخيل بعيد، والجملة الفعلية في محل جر صفة الطير، أو هي في محل نصب حال منه. من الشؤ بوب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ذي: صفة الشؤ بوب مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عم الكسرة لأنه من الأسماء الخمسة، وذي مضاف والبرد مضاف إليه.
٣٦ - والأدم قد خيست فتلًا مرافقها مشدودة برحال الحيرة الجدد
المفردات. الأدم: أراد النوق البيض. خيست: ذللت. فتلًا مرافقها: ظهرت مرافقها من آباطها. رحال: جمع رحل، وهو أصغر من القتب يكون فوق ظهر البعير، وأنظر رقم -٩ - . الجدد: بضم الدال الأولى وفتحها، والضم أجود لأنه الأصل ولئلًا يشكل بجدة، وهي الطريقة، ومن قال: جدد في جمع جديد، أبدل من الضمة فتحة لخفة الفتحة، وأما قوله تعالى: ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر﴾ فهو جمع جدة، أي طرائق تخالف لونها لون الجبل.
المعنى يقول: وإن النعمان يهب أيضًا النوق البيض المذللة للركوب والحمل حالة كون مرافقها قد ظهرت من آبطها، قد شدت، وربطت الرحال الجديدة على ظهورها.
الإعراب. الواو: حرف عطف. الأدم: معطوف على المائة في البيت رقم -٣٣ - وهو صفة لموصوف محذوف. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي
[ ٢ / ٤٩٠ ]
من الحال. خيست: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود إلى الموصوف المحذوف، والجملة الفعلية صفة ثانية للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ فتلا: حال من نائب فاعل خيست. مرافقها: فاعل بفتلا، وها مضاف إليه. مشدودة: حال من نائب فاعل خيست أيضًا، أو هو حال من مرافقها. برحال: جار ومجرور متعلقان بمشدودة ورحال مضاف والحيرة مضاف إليه. الجدد: صفة رحال.
٣٧ - فلا لعمر الذي قد زرته حججًا وما هريق على الأنصاب من جسد
المفردات. لعمر .. الخ: أنظر البيت رقم -٧٤ - من معلقة طرفة. زرته: أنظر البيت رقم -١٣ - من معلقة عنترة. حججًا: أنظر البيت رقم -٤ - من معلقة زهير. هريق: أنظر البيت -٢٦ - منها أيضًا. الأنصاب: حجارة كانت الجاهلية تنصبها للعبادة، وتذبح عندها، وقد ورد ذكرها في القرآن كثيرًا. جسد: المراد به هنا الدم اللازق بالحجارة، والجسد والجساد صبغ الزعفران ونحوه، وجسد الإنسان بدنه وجسمه. قال تعالى: ﴿وما جعلناهم جسدًا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين﴾ الآية رقم -٨ - من سورة الأنبياء.
المعنى يقول: أقسم بالبيت الذي زرته سنوات كثيرة، ويقسم بدم القرابين التي كانت تصب على الحجارة المنصوبة للعبادة.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. لا: زائدة، زيدت توطئة لنفي جواب القسم، وقيل: نافية، ومنفيها محذوف، أي ليس الأمر كما زعموا، على حد قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون الخ﴾ اللام: حرف ابتداء. عمر: مبتدأ، وهو مضاف والذي اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. زرته: فعل وفاعل
[ ٢ / ٤٩١ ]
ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. حججًا: ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره قسمي، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الواو: حرف عطف. ما: اسم موصول معطوف على الذي مبني على السكون، فهو مثله في محل جر. هريق: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر يعود إلى ما، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول. على الأنصاب: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. من جسد: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال من نائب فاعل هريق، ومن بيان لما أبهم في (ما).
٣٨ - والمؤمن العائذات الطير تمسحها ركبان مكة بين الغيل والسند
المفردات. المؤمن: أراد به الله تعالى الذي يؤمن الطير بتحريم صيدها في أرض الحرم، وفي حالة الإحرام، والمؤمن اسم من أسماء الله كما هو معروف. العائذات: المستجيرات والمستغيثات جمع عائذة. الطير: أنظر البيت -٦٣ - من معلقة امرئ القيس. تمسحها: أي تمسح ظهورها ولا تؤذيها بذبح ونحوه. ركبان مكة: يريد الحجاج الذين يقصدون مكة على الإبل، وأنظر البيت -١٤ - من معلقة عنترة لشرح الركبان. الغيل: بكسر الغين والسند: قال أبو عبيدة: هما أجمتان كانتا بين مكة ومنى، وأنكر الأصمعي هذه الرواية، وقال: إنما الغيل بكسر الغين الغيضة، والغيل بفتح الغين الماء، وإنما يعني النابغة ما كان يخرج من أبي قبيس، وهو جبل قرب مكة المكرمة، والسند سند الجبل، وهو ما علا منه عن السفح.
المعنى يقول: أقسم بالله الذي يؤمن الطير بتحريم صيدها، ولذا فإن الناس يمسحون ظهورها، ولا يمسونها بأذى بين المكانين: الغيل والسند.
الإعراب. الواو: حرف قسم وجر. المؤمن: مقسم به مجرور،
[ ٢ / ٤٩٢ ]
والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم- هذا وقد اعتبره البغدادي معطوفًا على الذي في البيت السابق. العائذات: مفعول به لاسم الفاعل، وهو المؤمن، منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، وفاعل المؤمن ضمير مستتر فيه، أو هو مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة على مثال ما رأيت في البيت -٣٣ - الطير: موصوف تأخر عن الصفة، فالمحل له على حد قوله تعالى: ﴿وغرابيب سود﴾ إذ الأصل (سود غرابيب) واعتبره البغدادي بدلًا من سابقة بالجر والنصب. تمسحها: فعل مضارع، وها: مفعول به. ركبان: فاعل، وهو مضاف ومكة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. بين: ظرف مكان متعلق بالفعل تمسحها، وبين مضاف والغير مضاف إليه. الواو: حرف عطف. السند: معطوف على سابقه، وجملة (تمسحها الخ) في محل نصب حال من الطير، والرابط الضمير فقط.
٣٩ - ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه إ ذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
المفردات. أتيت: أنظر البيت رقم -١٧ - من معلقة امرئ القيس. شيء: أنظر البيت رقم -٧ - منها. السوط: ما يضرب به ويكون من جلد ونحوه، والشطر الثاني جار مجري المثل لوروده على ألسنة كثير من الشعراء، أنظر السيوطي.
المعنى يقول: أقسم بالله لم أفعل شيئًا مزعجًا لك أيها الملك، وليشل الله يدي إذا بدر ذلك منى، فهو يدعو على نفسه بالويل والثبور، وعظائم الأمور.
الإعراب. ما: نافية. إن: زائدة. أتيت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم المذكور في الأبيات السابقة لا محل لها من الإعراب. بشئ:
[ ٢ / ٤٩٣ ]
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أنت: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. تكرهه: فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة شيء. إذن: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. الفاء: هي الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعًا فلا الخ. لا: نافية. رفعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث: سوطي: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. إلى: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. يدي: فاعل رفعت مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم .. الخ، والياء مضاف إليه، وجملة (لا رفعت الخ) خبرية لفظًا إنشائية معنى لأن المراد منها الدعاء لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم. واعتبر المحقق الرضي (إذن) متضمنة معنى الشرط، والجملة الفعلية جواب لإذن، لا لشرط محذوف، وهذا يعني أنه يجب تقدير جملة محذوفة، ويكون التقدير: إذا حصل أو وقع ذلك منى، فلا رفعت الخ)، وقل مثله في البيت التالي.
٤٠ - إذن فعاقبني ربي معاقبة قرت بها عين من يأتيك بالحسد
المفردات. عاقبني: أنظر البيت رقم -٢٥ - ربي: أنظر البيت رقم -٢٤ - من معلقة طرفة. قرت: أنظر البيت رقم -١٣ - من معلقة عمرو بن كلثوم. يأتيك: أنظر البيت السابق. الحسد: هو أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عمن أنعم الله بها عليه، وهذا مذموم ضار للإنسان في دينه ودنياه.
المعنى يقول: أقسم بالله لم أفعل شيئًا مزعجًا لك أيها الملك،
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وليعاقبني ربي عقابًا شديدًا إذا بدر ذلك منى، وليتجاوزني ذلك العقاب إلى الذين يحسدونك، ويتمنون زوال نعمتك.
الإعراب. إذن: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل له. الفاء: هي الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإن كان ما ذكر واقعًا فعاقبني الخ- عاقبني: فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ربي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله؛ وفاعله مستتر فيه. معاقبة: مفعول مطلق، وجملة (عاقبني الخ) في محل جزم جواب الشرط المقدر وأنظر البيت السابق. قرت: فعل ماض والتاء للتأنيث. بها: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. عين: فاعل قرت، وعين مضاف ومن اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. يأتيك: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى من، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. بالحسد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (قرت الخ) في محل نصب صفة معاقبة.
٤١ - هذا لأبرأ من قول قذفت به طارت نوافذه حرًا على كبدي
المفردات. هذا: أي ما ذكرته فيما سبق. قول: أنظر البيت رقم -٦ - من معلقة امرئ القيس. قذفت: رميت- قال تعالى: ﴿إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم﴾، والقذف الرمي بشيء سيء وقبيح، ومنه القذف بالزنا ونحوه من رذيل الفعال. نوافذه: هذا تمثيل من قولهم جرح نافذ، أي قالوا قولًا آلمنى ووصل ألمه إلى كبدي. الكبد: أنظر
[ ٢ / ٤٩٥ ]
البيت رقم -٢٠ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: ما ذكرته سابقًا من الإيمان، إنما هو لأبرئ نفسي مما رماني به بنو قريع، ذلك الذي آلمنى ووصل ألمه إلى كبدي.
الإعراب. الهاء: حرف تنبيه. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (لأبرأ) اللام: لام التعليل. أبرأ: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا. من قول: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأن المضمرة بعد لام التعليل والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وهو قوله (هذا) والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها. قذفت: فعل ماض مبني على السكون، مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة قول. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. طارت: فعل ماض، والتاء للتأنيث. نوافذه: فاعل، والهاء مضاف إليه. حرًا: حال من نوافذه. على: حرف جر. كبدي: اسم مجرور بعلى، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والجار والمجرور متعلقان بحرًا، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة، وجملة (طارت الخ) في محل جر صفة قول أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٤٢ - مهلًا، فداء لك الأقوام كلهمو وما أثمر من مال، ومن ولد
المفردات. مهلًا: أنظر البيت رقم -٢٦ - من معلقة امرئ القيس. فداء لك الخ: أعلم أن: العرب تقول: فدى لك أبي بكسر الفاء وفتحها
[ ٢ / ٤٩٦ ]
مع القصر، ومنه ما أنشده الأصمعي:
فدى لك والدي، وفدتك نفسي ومالي، إنه منكم أتاني
ويقولون: فداء لك أبي بكسر الفاء مع المد، وقد جاء الممدود بالجر والرفع والنصب، ومنه البيت الذي معنا، وإذا كان المقصور غير ظاهر الإعراب، ويحمل في التقدير على الممدود، فنقول: إذا ورد الممدود مجرور الآخر فهو اسم قائم مقام فعل مقترن بلام الأمر مبني على الكسر، وتنوينه هو تنوين التنكير الذي تجده في صه ومه وإيه ونحوهن، والاسم المرفوع بعده فاعل به، وكأنه قال: ليفدك الأقوام كلهمو، فلما كان بمعناه بني، وبني على الكسر لأنه وقع للأمر، والأمر إذا حرك تحرك إلى الكسر، وقد نون لأنه نكرة وهو قول الفارسي اهـ، وقول الزمخشري مشابه لقول الفارسي المتقدم، وأنظر وجهي الرفع والنصب في الإعراب. الأقوام: أنظر البيت رقم -٥٩ - من معلقة امرئ القيس. أثمر: أجمع. مال: أنظر البيت -٨٩ - من معلقة طرفة.
المعنى يقول: ترفق أيها الملك بي، فليفدك الناس قاطبة، وليفدك كل ما جمعته من مال وما ولدته من ولد.
الإعراب. مهلًا: مفعول مطلق نائب عن فعله، وفاعله ضمير مستتر فيه. فداء: بالجر اسم قائم مقام فعل مقترن بلام الأمر، أنظر المفردات، وبالرفع مبتدأ. لك: جار ومجرور متعلقان بفداء. الأقوام: خبر المبتدأ، وسوغ الابتداء بفداء مع كونه نكرة كونه دالًا على معنى الفعل كما رأيت، ويجوز أن يكون خبرًا مقدمًا، والأقوام مبتدأ مؤخرًا، وبالنصب فجمهور النحاة يجعلونه مفعولًا مطلقًا لفعل محذوف واجب الحذف، والجار والمجرور متعلقان به، والأقوام فاعل، ونقل عن الأخفش أنه يجيز فيه وجهًا آخر، وهو أن يكون (فداء) بالنصب حالًا إما بتأويله بمشتق، وإما بواسطة جعله مفعولًا مطلقًا لفعل
[ ٢ / ٤٩٧ ]
محذوف، تكون جملته حالًا، والظاهر أنه جعله حالًا على الوجه الثاني، ولك على هذا الوجه خبر مقدم، والأقوام مبتدأ مؤخر، والمعنى على هذا الوجه: الأقوام كلهم ملك يمينك حال كونهم يفدونك بكل عزيز لديهم. كلهمو: توكيد للأقوام، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم علامة جمع الذكور، وحركت بالضم لضرورة الشعر، فتولدت واو الإشباع. الواو: حرف عطف. ما: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على الأقوام. أثمر: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره أثمره. من مال: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من المفعول المحذوف، ومن بيان لما أبهم في ما. الواو: حرف عطف. من ولد: جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما.
٤٣ - لا تقذفني بركن، لاكفاء له ولو تأثفك الأعداء بالرفد
المفردات. لا تقذفني: لا ترميني، وأنظر البيت رقم -٤١ - الركن: الجانب من البناء ونحوه، والعز والمنعة، والأمر العظيم، وهو المراد هنا. لا كفاء له: لا نظير ولا مثل له. تأثفك: احتوشوك فصاروا منك موضع الأثافي من القدر. الأعداء: أنظر البيت رقم -٨١ - من معلقة طرفة. الرفد: أنظر البيت رقم -٤٩ - منها أيضًا.
المعنى يقول: أيها الملك لا ترميني بأمر عظيم لا نظير له ولا مثيل، ولو وشى بي الأعداء واجتمعوا على، وعاون بعضهم بعضًا على الوقيعة بي.
الإعراب. لا: ناهية جازمة. تفذفني: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، وحذفت نون الوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. بركن: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. كفاء: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. له: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا وأنظر البيت رقم -١٨ -، والجملة الاسمية في محل جر صفة ركن. الواو: واو الحال. لو: وصلية. تأثفك: فعل ماض، والكاف مفعول به. الأعداء: فاعل. بالرفد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة (لو تأثفك الخ) في محل نصب حال من فاعل (تقذفني) المستتر، والرابط الواو والضمير، وإن اعتبرت (لو) شرطية فالفعل بعدها فعل شرطها، وجوابها محذوف يدل علىه سابق الكلام.
٤٤ - فما الفرات، إذا جاشت غواربه ترمى أواذيه العبرين بالزبد
المفردات. جاشت: فارت وارتفعت وأنظر البيت رقم -٦٦ - من معلقة امرئ القيس، غواربه: ما علا من مياهه، الواحد غارب أو غاربة. أواذيه: أمواجه. العبران: الشطان، وأنظر المعنى بالبيت -٤٧ - الآتي.
الإعراب. الفاء: حرف استئناف. ما: نافية حجازية تعمل عمل ليس. الفرات: اسمها. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. جاشت: فعل ماض شرط إذا، والتاء للتأنيث. غواربه: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة إذا إليها على المشهور، وهو المرجوح. ترمى: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. أواذيه: فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. العبرين: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثني، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. بالزبد: جار ومجرور متعلقان
[ ٢ / ٤٩٩ ]
بالفعل ترمى، وجملة (ترمي الخ) جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وإذا ومدخولها كلام معترض بين اسم ما وخبرها الأتي.
٤٥ - يمده كل واد مزبد لجب فيه حطام من الينبوت والخضد
المفردات. يمده: يرفده. واد: أنظر إعلاله في البيت رقم -٦٠ - من معلقة امرئ القيس. مزبد: ويروى (مترع: أي مملوء. لجب: ذو صوت، والجلبة اختلاط الأصوات. حطام: ويروى (ركام) الينبوت: ضرب من النبات. الخضد: ما ثني وكسر من النبت، وخضد الشجر قطع شوكه، قال تعالى: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدرٍ مخضودٍ الخ﴾ وأنظر المعنى في البيت -٤٧ - .
الإعراب. يمده: فعل مضارع، والهاء مفعول به. كل: فاعل، وهو مضاف وواد مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. مزبد: صفة واد. لجب: صفة ثانية. فيه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. حطام: مبتدأ مؤخر. من الخضد: معطوف على سابقه؛ وجملة (فيه حطام) في محل جر صفة ثالثة لواد، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه. بما تقدم على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾.
٤٦ - يظل من خوفه الملاح معتصمًا بالخير رانة بعد الاين والنجد
المفردات. يظل: أنظر البيت -١٦ - من معلقة امرئ القيس. الملاح: قائد السفينة. الخيزرانة: خشبة تدفع بها السفينة، تكون بيد الملاح، والخيزرانة كل ما ثني. الأين: الإعياء والتعب. النجد: العرق من الكرب، وأنظر البيت -١٤ - والمعنى في البيت التالي.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
الإعراب. يظل: فعل مضارع ناقص. من خوفه: جار ومجرور متعلقان بمعتصمًا بعدهما. الملاح: اسم يظل. معتصمًا: خبر يظل، بالخيزرانة: جار ومجرور متعلقان بمعتصمًا أيضًا. بعد: ظرف زمان متعلق به، أو هو متعلق بمحذوف حال من الملاح، وبعد مضاف والأين مضاف إليه. الواو: حرف عطف. النجد: معطوف على الأين.
٤٧ - يومًا بأجود منه سيب نافلةٍ ولا يحول عطاء اليوم دون غد
المفردات. يومًا: انظر البيت رقم -٥ - من معلقة امرئ القيس. السيب: هو من ساب الماء يسيب سيبًا إذا جرى، وذهب كل مذهب. النافلة: الزيادة، ومعنى الشطر الثاني مثل قول الأعشى في مدح النبي ﷺ (وليس عطاء اليوم مانعه غدًا) وعطاء اسم مصدر. دون: انظر البيت رقم -٧٦ - من معلقة امرئ القيس. غدًا: انظر البيت رقم -٥ - منها أيضًا.
المعنى يقول: إن نهر الفرات العظيم في وقت ارتفاع مياهه، وفيضان أمواجه على ضفتيه بالإضافة إلى ما يرفده من المياه المدفقة من الوديان المنحدرة نحوه والتي تحمل أنواع النباتات المتحطمة المتكسرة، وفي وقت يعتصم الملاح بخشبته التي يدفع بها السفينة بعد مقاومته الأمواج المتلاطمة، ليس النهر الموصوف بما تقدم بأسخى من الملك، ولا هو بأكثر عطاءً منه، وإذا سخى الملك وجاد في يوم من الأيام، فإن سخاءه في هذا اليوم لا يمنعه من أن يجود في أيام تابعة له.
الإعراب. يومًا: ظرف زمان متعلق بأجود بعده (بأجود) الباء: حرف جر زائد. أجود: خبر ما الحجازية المذكورة في البيت -٤٤ - منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، ولم يظهر الجر اللفظي لأنه ممنوع من الصرف للصفة ووزن أفعل،
[ ٢ / ٥٠١ ]
وينبغي أن تعلم أن ما بين اسم ما وخبرها إنما هو كلام معترض لا محل له، وهو في المعنى صفة، بل صفات للفرات، وبما أنه معرفة لا يجوز اعتبار الجمل صفات له، واعتبار الجمل حالًا من الفرات، لا يجيزه كثير من النجاة، لأنه مبتدأ في الأصل، واعتباره كلامًا معترضًا بين اسم ما وخبرها، مسلم من اعتراض أحد عليه. منه: جار ومجرور متعلقان بأجود أيضًا. سيب: تمييز منصوب، وهو مضاف ونافلة مضاف إليه. الواو: حرف عطف. لا: نافية. يحول: فعل مضارع. عطاء: فاعل، وهو مضاف واليوم مضاف إليه من إضافة اسم المصدر للمفعول فيه وفاعله محذوف. دون: ظرف مكان متعلق بالفعل يحول، ودون مضاف وغد مضاف إليه، وجملة (لا يحول الخ) معطوفة على مدخول (ما) الحجازية لا محل لها مثله هذا والأبيات الثلاثة مثلها في معلقة الأعشى رقم -١٢ - وما بعده في الإعراب.
٤٨ - أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأرٍ من الأسد
المفردات. أنبئت: انظر البيت رقم -٨٠ - من معلقة عنترة. أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر اللخمي، وكان ملك العرب قبل الإسلام، وكان قد تنصر، وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة، ثم قتله كسرى إبرويز، وبسبب مقتله كانت الوقعة المعروفة بيوم ذي قار بين الفرس والعرب، وكانت النصرة فيها للعرب على العجم؛ وهي أول نصرة انتصروها عليهم، وانتقل الملك بعد النعمان المذكور إلى إياس بن قبيصة الطائي، ولستة أشهر من ملكه بعث سيد العرب والعجم ﷺ، وقابوس ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة لأنه معرب (كاووس).
قال الغلاييني - رحمه الله تعالى - كذا قالوا، والذي نراه أنه عربي مأخوذ من القبس، وهو الشعلة من النار،
[ ٢ / ٥٠٢ ]
قال تعالى: ﴿إذ قال موسى لأهله إني آنست نارًا سآتيكم منها بخبرٍ أو آتيكم بشهابٍ قبسٍ لعلكم تصطلون﴾ [النمل: ٧] وأيضًا قوله تعالى: ﴿إذ رأى نارًا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجد على النار هدًى﴾ [طه: ١٠] ثم قال: والقابوس لغةً الرجل الجميل الوجه الحسن اللون، ونرى أنه منع من الصرف للعلمية وشبه العجمة لندرة هذا الوزن في العربية. أوعدني: انظر البيت رقم -١٢٠ - من معلقة طرفة. ولا قرار: ولا اطمئنان ولا سكون. الزأر والزئير صوت الأسد. الأسد: اسم وحش ضار استعاره النابغة للنعمان.
المعنى يقول: أخبرت أن الملك المكنى بأبي قابوس يتهددني ويتوعدني بالقتل، والحال لا اطمئنان ولا هدوء مع وعيده وتهديده لأنه ما شاء فعل، ولا يستطيع أحد أن يعارضه فيما يريد.
الإعراب. أنبئت: فعل ماض مبني على السكون، مبني للمجهول، والتاء ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول. أن: حرف مشبه بالفعل. أبا: اسمها منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة لأنه من الأسماء الخمسة، وأبا مضاف وقابوس مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة أو شبه العجمة. أوعدني: فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر، تقديره هو يعود إلى أبي قابوس، والجملة الفعلية في محل رفع خبر أن، وأن واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي نبا الثاني والثالث، وجملة (أنبئت الخ) مستأنفة لا محل لها. الواو: واو الحال. لا: نافية للجنس تعمل عمل إن. قرار: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب. على زأر: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا. من الأسد جار ومجرور متعلقان بزأر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية (ولا قرار الخ) في محل نصب حال من ياء المتكلم في (أوعدني) والرابط الواو فقط على حد قوله تعالي:
[ ٢ / ٥٠٣ ]
﴿قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ [يوسف: ١٤].
٤٩ - هذا الثناء، فإن تسمع لقائله فما عرضت، أبيت اللعن، بالصفد
المفردات. الثناء: المدح لفعل جميل، ويكون باللسان واليد والقلب كما قال الشاعر وهو الأخطل التغلبي: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
تسمع: انظر البيت رقم -٤ - من معلقة الأعشى. أبيت اللعن: هذا اللفظ تستعمله العرب كثيرًا في الدعاء للإنسان بالشرف والعز وعلى المرتبة، فأبيت من الإباء، واللعن هو الطرد والإبعاد من الخير، والمعنى جعلك الله أبيًا للعن، ولا يكون كذلك إلا إذا كان شريفًا أبي النفس عالي الهمة، وقال ابن الأنباري: هي تحية الملوك من لخم وجذام الذين كانت مساكنهم الحيرة، فأما تحية ملوك غسان، فهي قولهم: يا خير الفتيان، ومعناها أبيت أن تأتي شيئًا تلعن بسببه، والأول أولى. الصفد: العطاء، قال الأصمعي: لا يكون الصفد ابتداء، إنما يكون بمنزلة المكافأة، يقال: أصفدته أصفده أصفادًا، إذا أعطيته، والاسم الصفد، وصفدته أصفده صفدًا وصفادًا إذا شددته وأوثقته بالأصفاد، وهي الأغلال، قال تعالى: ﴿وترى المجرمين يومئذٍ مقرنين في الأصفاد﴾ [إبراهيم: ٤٩].
المعنى يقول: أيها الملك ما تقدم من الكلام هذا مدح لك وثناء عليك، فإن تسمع قولي فلست بحاجة إلى أن ألتمس جود غيرك وعطاءه أطال الله بقاءك، وجعلك عزيزة تأبى الذل والمهانة.
الإعراب. (هذا) الهاء: حرف تنبيه للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام. ذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. الثناء: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. الفاء: حرف تفريع: إن: حرف شرط جازم. تسمع: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل ضمير
[ ٢ / ٥٠٤ ]
مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. لقائله: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. الفاء: واقعة في جواب الشرط. ما: نافية. عرضت: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وقال الدسوقي: لا محل لها لأنها لم تحل محل المفرد، وإن ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له. أبيت: فعل وفاعل اللعن: مفعول به، والجملة الفعلية معترضة بين الفعل (عرضت) وما تعلق به، وهو الجار والمجرور (بالصفد).
٥٠ - ها إن تا عذرة إلا تكن نفعت فإن صاحبها قد تاه في البلد
المفردات. تا: اسم إشارة بمعنى هذه أشار به إلى ما ذكره من الحلف في الأبيات السابقة على أنه لم يأت بشيء يكرهه. عذرة: بكسر العين اسم للعذر بضمها، وعذرة وعذرة ومعذرة بمعنى واحد. إلا تكن: ويروى (إن لم تكن) صاحبها: صاحب العذرة، وانظر شرح صاحب في البيت -٦ - من معلقة امرئ القيس. تاه: ضل عن الطريق، والمضارع يتيه، قال تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض﴾ [المائدة: ٢٦] البلد: أراد الطريق، وقيل: المراد به هنا المفازة، وذلك لأن من ضل في المفازة، هلك، فكنى بذلك عن الهلاك ويروى (فإن صاحبها مشارك النكد) بمعني ملازم النكد الذي هو عسر العيش وشدته.
المعنى يقول: أيها الملك ما ذكرته في هذه القصيدة من الأيمان إنما هو معذرة أعتذر إليك به، وإن لم تقبل مني عذري فإني أكون من الهالكين.
الإعراب. ها: حرف تنبيه لا محل له للمخاطب ينبه به على ما يساق من الكلام. إن: حرف مشبه بالفعل. تا: اسم إشارة مبني على السكون
[ ٢ / ٥٠٥ ]
خاتمة
في محل نصب اسمها. عذرة: خبرها، وإن واسمها وخبرها جملة اسميه مستأنفة لا محل لها. إلا: أصلها إن لا. إن: شرطية ولا نافية. تكن: فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره هي، يعود إلى عذرة. نفعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى عذرة أيضًا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر تكن، وجملة (تكن نفعت) ابتدائية لا محل لها من الإعراب، ويقال لأنها جملة شرط غير ظرفي. الفاء: واقعة في جواب الشرط. إن: حرف مشبه بالفعل. صاحبها: اسمها، وها مضاف إليه. قد: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. تاه: فعل ماض، والفاعل يعود إلى صاحبها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن، وجملة (إن الخ) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وقال الدسوقي لا محل لها. في البلد: جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. تأمل وتدبر، وربك أعلم وأجل وأكرم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.
خاتمة: هذه القصيدة مدح بها النابغة النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وتنصل بها عما قذفوه به حتى خافه، وهرب منه إلى بني جفنة، ملوك الشام، وهي من القصائد الاعتذاريات، ولحسنها ألحقها أبو جعفر النحاس، والخطيب التبريزي وغيرهما بالمعلقات السبع.
وكان النابغة من خواص النعمان بن المنذر وندمائه وأهل أنسه، فرأى المتجردة زوجة النعمان يومًا، وغشيها أمر، سقط نصيفها، وهو ما تغطي به رأسها، فاستترت بيدها وذراعها، فذكرها في قصيدة ووصفها، وذكر فيها أمورًا عجيبةً منها في صفة فرجها، ثم أنشدها النابغة مرة بن سعيد القريعي، فأنشدها مرة النعمان، فامتلأ غضبًا، وتوعد النابغة وتهدده، فهرب منه إلى ملوك غسان بالشام، وهم بنو جفنة، وقيل: إن الذي من أجله هرب النابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري نديمين للنعمان، وكان النعمان دميمًا قبيح المنظر،
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وكان المنخل من أجل العرب، وكان يرمي بالمتجردة، وتكلمت العرب أن ابني النعمان منها كانا منه، فقال النعمان للنابغة: يا أبا إمامة: صف المتجردة في شعرك، فقال: تلك القصيدة، وصف فيها بطنها وفرجها وأردافها، فلحقت المنخل من ذلك غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جرب، فوقر ذلك في نفس النعمان، فبلغ النابغة فخافه، فهرب إلى ملوك غسان، ونزل بعمرو بن الحارث الأصغر فمدحه ومدح أخاه، ولم يزل مقيمًا عنده حتى مات، وملك أخوه النعمان بن الحارث، فصار معه إلى أن استعطف النعمان بن المنذر فعاد إليه اهـ. بغدادي
[ ٢ / ٥٠٧ ]