هذا هو الباب الثالث من الأبواب التي عناها الناظم ﵀ في بيان التوابع؛ لأنه لا زال في باب المرفوعات من الأسماء، وإن شئت قلت: الباب الرابع؛ لأننا زدنا باب عطف البيان؛ لأنه لم يذكره كما سبق بيانه.
قال: بَابُ التَّوكِيدِ أي هذا باب بيان حقيقة التوكيد، والتوكيد تفعيل، مصدر بمعنى اسم الفاعل، ويقال فيه: التأكيد بالهمز، وبإبدال الهمزة ألفًا على القياس كما في راس وفاس، إذًا فيه ثلاث لغات: توكيد، وتأكيد بالهمز، وتاكيد بتركه كما يقال رأس وراس، وفأس وفاس، وأفصح هذه اللغات هو التوكيد، لذلك ترجم به الناظم، وقلنا: هي أفصح من التأكيد والتاكيد لورودها في القرآن قال تعالى: (َلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) [النحل:٩١] إذًا جاء لفظ التوكيد في القرآن حينئذٍ يكون أفصح، فإذا كان ثَمَّ عدة لغات وجاء القرآن بلغة واحدة منها حينئذٍ نقول: هذه أفصح من غيرها. والتوكيد لغة: التقوية، ولذلك نقول: هو يأتي بمعنى التقوية والتشديد، وأما في الاصطلاح فالتوكيد قسمان: توكيد لفظي، وتوكيد معنوي.
أما التوكيد اللفظي: فهو إعادة اللفظ الأول بعينه، يعني يكرره مرة أخرى، وهذا يكون في الاسم وفي الفعل وفي الحرف، يعني
[ ٤٦٥ ]
الذي يعاد ويكرر فيكون توكيدًا لفظيًا، قد يكون اسمًا كما في قول القائل:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لاَ أَخًا لَهُ كَسَاعٍ إِلَى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاَحِ
أخاك أخاك: أخاك الأول مفعول به لفعل محذوف وجوبًا تقديره الزم، منصوب على الإغراء. وأخاك الثاني توكيد، إذًا كررها على أنها توكيد لفظي، وحينئذٍ أعاد اللفظ الأول بعينه مرة أخرى، وأخاك اسم، إذًا أعاد الاسم مرة أخرى فصار توكيدًا لفظيًا. كذلك يكون التوكيد اللفظي في الفعل كما في قول القائل:
فَأَينَ إِلَى أَينَ النَّجَاةُ بِبَغْلَتِي أَتَاكِ أَتَاكِ اللاَّحِقُونَ احْبِسِ احْبِسِ
أتاكِ أتى فعل ماض، وفاعله اللاحقون، والكاف ضمير متصل مبني على الكسر في محل نصب مفعول به، هذه الأولى، وأتاك الثانية توكيد لفظي، أعاد اللفظ الأول بعينه، واللفظ الأول الذي أعيد فعل، فحينئذٍ التوكيد اللفظي كما يكون في الأسماء يكون في الأفعال.
واحبسِ احبسِ الجملة الأولى وهي احبسِ فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنتِ، واحبسِ الثانية توكيد للجملة السابقة. وأيضًا يكون التوكيد اللفظي في الحرف كما في قول القائل:
لاَ لاَ أَبُوحُ بِحُبِّ بَثْنَةَ إِنَّهَا أَخَذَتْ عَلَيَّ مَوَاثِقًا وَعُهُودَا
[ ٤٦٦ ]
فلا حرف نفي، ولا الثانية توكيد لفظي.
إذًا حقيقة التوكيد اللفظي إعادة اللفظ الأول بعينه، ولا يختص بالأسماء، بل يدخل الأفعال والحروف. تقول: جاء زيد زيد، فأعدت الفاعل مرة ثانية. وضربت زيدًا زيدًا، أعدت المفعول به مرة ثانية. ومررت بزيد بزيد، أعدت المجرور مرة ثانية. هذا في الأسماء، وهو توكيد لفظي. وتقول: جاء جاء زيد، وقام قام عمرو، أعدت الفعل مرة ثانية، حينئذٍ صار توكيدًا بالفعل. ولا لا لست قادمًا، ونعم نعم جاء زيد، إذًا لا لا، ونعم نعم توكيد لفظي.
أما القسم الثاني وهو الذي ذكره الناظم وهو التوكيد المعنوي، فيكون بألفاظ محصورة، وهو من خواص الأسماء، التوكيد اللفظي عام، والتوكيد المعنوي خاص بالأسماء؛ لأن له ألفاظًا، وهذه الألفاظ محصورة موقوفة على السماع، لا يجوز القياس عليها، وهذه الألفاظ كلها أسماء كما سيأتي بالنفس والعين ونحوها.
وَيَتْبَعُ المُؤَكَّدَ التَّوكِيدُ فِي رَفْعٍ وَنَصْبٍ ثُمَّ خَفْضٍ فَاعْرِفِ
[وَيَتْبَعُ المُؤَكَّدَ] بفتح الكاف اسم مفعول، وهو مفعول به مقدم، و[التَّوكِيدُ] فاعل، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، يعني المؤكِّد بكسر الكاف اسم فاعل يتبع المؤكَّد بفتح الكاف اسم مفعول، لأن الأصل هو المؤكَّد، تقول: جاء زيدٌ نفسُه، فزيد مؤكَّد بفتح الكاف، إذًا هو الأصل، ونفسه مؤكِّد، والمؤكِّد يتبع المؤكَّد [فِي رَفْعٍ] فإن كان المؤكَّد مرفوعًا فالتوكيد مرفوعٌ، نحو: جاء زيدٌ نفسُه،
[ ٤٦٧ ]
وإن كان منصوبًا فالتوكيد منصوبٌ، نحو: رأيت زيدًا نفسَه، وإن كان مجرورًا فالتوكيد مجرورٌ، نحو: مررت بزيدٍ نفسِه، إذًا تبعه رفعًا ونصبًا وجرًا، لأن هذا شأن التوابع أن التابع ومنه التوكيد يتبع المتبوع. [فِي رَفْعٍ] أي في رفعه فالتنوين عوض عن المضاف إليه، لأنه تابع له في رفع أي رفع المؤكد، [وَنَصْبٍ] أي وفي نصبه، والتنوين عوض عن المضاف إليه، فإن كان المؤكد منصوبًا كان المؤكِّد منصوبًا، [ثُمَّ خَفْضٍ] ثم بمعنى الواو، يعني إن كان المؤكَد مخفوضًا فالتوكيد مخفوضٌ. [فَاعْرِفِ] يعني فاعلم ذلك، تتمة البيت.
كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ فَاقْفُ الأَثَرَا وَهَذِهِ أَلفَاظُهُ كَمَا تَرَى
[كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ] أي مثل ذاك في أن التوكيد يتبع المؤكد في الإعراب، كذاك يتبعه في التعريف، يشترط في التوكيد المعنوي أن يكون المؤكَّد معرفة، فلا يتبع التوكيد النكرة، فلا تؤكد النكرة، وإنما الذي يؤكد المعرفة فقط، وهذا على مذهب البصريين؛ لأن ألفاظ التوكيد المعنوي كلها معارف فحينئذٍ يشترط التطابق بين المؤكَد والمؤكِد، فلما كان التوكيد لازمًا للتعريف لزم منه أن يكون المؤكَد معرفة؛ لأنك تقول: جاء زيد نفسه عينه، فعينه ونفسه يلزم الإضافة إلى الضمير فحينئذٍ صار معرفة، إذًا هو ملازم للتعريف لا ينفك عنه، فحينئذٍ لا يجوز أن يؤكد به النكرة؛ لأنه لا بد من التطابق، ولذلك قال [كَذَاكَ فِي التَّعْرِيفِ] وسكت ولم يقل والتنكير، لأن ألفاظ التوكيد كلها معارف فلا تتبع النكرة فلا يقال: جاء رجل نفسه، وهذا مذهب البصريين، سواء كانت النكرة محدودة كيوم
[ ٤٦٨ ]
وليلة وشهر وحول، أو غير محدودة كوقت وزمن وحين يعني مطلقًا، سواء كانت محدودة أو غير محدودة، وأما مذهب الكوفيين فهو جواز توكيد النكرة المحدودة لحصول الفائدة بذلك، نحو: صمت شهرًا كلَّه، وهذا الذي مال إليه ابن مالك ورجحه فقال:
وَإِنْ يُفِدْ تَوكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ وعَنَ نُحَاةِ البَصْرةِ المَنْعُ شَمِلْ
إن أفاد توكيد النكرة وذلك فيما إذا كانت النكرة محدودة كشهر وأسبوع ويوم، وذلك إذا كانت محدودة صح توكيدها عند ابن مالك ﵀، لورود السماع وحصول الفائدة، وإن لم تكن محدودة فالمنع مطلقًا عند البصريين وعند الكوفيين، إذًا محل الخلاف بين المذهبين هو توكيد النكرة المحدودة، وأما غير المحدودة فهي محل اتفاق في عدم توكيدها، لعدم حصول الفائدة، وأما إن أفادت وذلك فيما إذا كانت النكرة محدودة جاز.
إذًا المؤكِّد يتبع المؤكَّد في إعرابه وفي تعريفه، فهذان أمران لا بد من وجودهما في المؤكدات، [فَاقْفُ الأَثَرَا] الألف للإطلاق، أي فاتبع الأثر، والأثر هو القول المأثور الذي ينقله خلَفٌ عن سلَفٍ، [وَهَذِهِ أَلفَاظُهُ كَمَا تَرَى] المشار إليه كما هو ظاهر العبارة أنه سيأتي، حينئذٍ يكون قد أشار إلى أمر غير موجود تنزيلًا للمعدوم منزلة الموجود، عامله معاملة المحسوس، والأصل في اسم الإشارة كما سبق أنه لا يصح إلا مع إشارة حسية، فإذا لم يكن إشارة فالأصل عدم استعماله، ولكن يتجوز به في المعاني، ولكن ليست كل المعاني، وإنما بعض المعاني التي صار لها نوع حصر ونوع علم وتمكن
[ ٤٦٩ ]
في الذهن، حينئذٍ صحت الإشارة إليه، تنزيلًا لهذا المعدوم منزلة المحسوس ما دام أنه معين ومحصور في الذهن فكأنه معين في الخارج، فإذا أشير إليه وهو في الذهن كأنه أشير إليه وهو في الخارج، [كَمَا تَرَى] أي كما تعلم أو تُبصر، يحتمل أنه بالمعينين، ثم التوكيد المعنوي نوعان:
الأول: توكيد يكون لرفع احتمال المجاز وإثبات الحقيقة.
والثاني: توكيد يكون لرفع توهم الخصوص بما ظاهره العموم.
لذلك يعبر ابن عقيل في هذه فيقول في الأول: لرفع توهم عدم الإضافة، وفي الثاني: لرفع توهم عدم إرادة الشمول.
النَّفْسُ وَالعَيْنُ وَكُلٌّ أَجْمَعُ وَمَا لِأَجْمَعَ لَدَيْهِمْ يَتْبَعُ
[النَّفْسُ] بإسكان الفاء، وهي هنا بمعنى الذات، [وَالعَيْنُ] وإطلاق العين هنا مراد به الذات، وهذا إطلاق مجازي علاقته الجزئية والكلية، لأن أصل العين هي العين الباصرة، أطلقت وأريد بها الذات كلها، كما قيل في الرقبة: اعتق رقبة، والرقبة المراد بها الرقبة المعروفة، أطلقت وأريد بها الذات كلها، إذًا يكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل وهذا يسمى مجازًا مرسلًا علاقته الجزئية والكلية، والنفْس والعين معناهما واحد، فمعنى العين هو معنى النفْس، ومعنى النفْس هو معنى العين، وهو الذات، إلا أن إطلاق النفْس على الذات إطلاق حقيقي، وإطلاق العين على الذات إطلاق مجازي؛ [النَّفْسُ وَالعَيْنُ] هذه من ألفاظ التوكيد التي جيء
[ ٤٧٠ ]
بها لرفع المجاز عن الذات وإثبات الحقيقة، أو إن شئت عبر برفع توهم عدم الإضافة، يعني بأن يكون المؤكَد بفتح الكاف غير مضاف.
تقول: جاء الأمير، فهذا يحتمل أن الأمير جاء بذاته، ويحتمل أنه لم يأت بذاته وإنما تُجوِّز فيه، والأصل جاء كتاب الأمير، أو خبر الأمير، فحينئذٍ تجوز بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فإذا قيل: جاء الأمير يحتمل أنه جاء بذاته، ويحتمل أنه جاء خبره، ويحتمل أنه جاء كتابه، فإذا قلت: جاء الأمير صار محتملًا للمجاز؛ لأن من صيغ المجاز عندهم حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مُقامه، فإذا أردت رفع وتضعيف هذا الاحتمال وأن المراد به ذات الأمير، تقول: جاء الأمير نفسه؛ فحينئذٍ رفعت الاحتمال، وأن المراد به جاء الأمير بذاته بنفسه، وعلمنا أن المراد هنا الذات بالتوكيد، لولا هذا التوكيد لصار الكلام محتملًا، محتملًا لأي شيء؟ لأن يكون المراد به الأمير بذاته أو بخبره أو بكتابه، فلما أردت تعيين الذات قلت: جاء الأمير نفسه، أو جاء الأمير عينه، أو جاء الأمير نفسه عينه، تجمع بينهما، يصح إفراد النفس عن العين، وإفراد العين عن النفس، لكن هذا الاحتمال الذي يذكره النحاة ليس متعينًا، بل الأصل حمل الأفعال على فاعليها، هذا هو الأصل، ولو حصل تجوز فحينئذٍ بما يجوز أن يتجوز به، وليس على إطلاقه، لأنهم إذا أطلقوا في هذا المقام، أوَّلُ ما يمثل به عندهم قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ) [الفجر:٢٢]، قالوا: هذا محتمل أنه جاء بذاته - ﷿ -، أو جاء أمره، أو جاء مَلَكُه، إذًا يحتمل أنه بذاته، ويحتمل أنه بغير ذاته، فإذا قالوا:
[ ٤٧١ ]
(وَجَاءَ رَبُّكَ)، أي جاء أمر ربك، نقول: هذا التأويل فاسد، لأن الأصل في إطلاق الأفعال التي هي أوصاف في المعنى لفاعليها الحقيقة، وإذا حصل نوع تجوز فإنما يكون فيما يصح التجوز فيه، وأما هذه الألفاظ نفسه وعينه في مقام لا يصح فيه التجوز، لا نقول به، وهذا من باب المغالطات؛ لأنه يمثلون بهذه الآية: (وَجَاءَ رَبُّكَ) أي جاء أمر ربك، لأنها مثل: جاء الأمير، فإذا سلَّمت بأنَّ جاء الأمير محتمل للمجاز فحينئذٍ اللغة واحدة، فمثله وجاء ربك محتمل للمجاز، نقول: لا، وَجَاءَ رَبُّكَ قام الدليل الشرعي على أنه لا احتمال، فحينئذٍ إذا قيل: جاء الأمير، يحتمل هذا فيما بيننا نحن البشر، والناس يتجوزون في مثل هذا، وأما إذا جاء تطبيقه فيما لا يصح تنزيل هذه القواعد، والاحتمالات عليها كنصوص الشرع، نقول: لا، قف (وَجَاءَ رَبُّكَ) لا يحتمل إلا مجيئه بذاته - ﷿ - ثم ننفي المشابهة أو إدراك تلك الحقيقة، إذًا النفس والعين هذان لفظان مؤكِدان، والتوكيد بهما معنوي، والفائدة رفع المجاز عن الذات فيما يقبل المجاز، وأما ما لا يقبل المجاز كقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ) فحينئذٍ لا يصح اعتماد هذه القاعدة في ذاك، أو إن شئت قل: ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكد، (جاء الأمير) يحتمل أن ثَم مضافًا محذوفًا، وهو جاء خطاب الأمير، أو رسول الأمير.
إذًا عرفنا أنه يؤكَد بالنفس والعين، وإذا أُكد بهما فلا بد من اتصالهما بضمير يعود على المؤكَد، وهذا هو السر في كونهما معرفة، وأنه لا يجوز أن يؤكد بهما النكرة؛ لأنها معارف، وهذا الضمير
[ ٤٧٢ ]
باعتبار المؤكَد، قد يكون مفردًا وقد يكون مثنى وقد يكون مجموعًا، يعني يطابق المؤكَد، إن أكدت بالنفس والعين المفرد جئت بالضمير مفردًا، وإن أكدت به المثنى صح في لغة العرب أن يؤتى به مثنى وهو الأصل، وإذا أكدت به الجمع جئت بالضمير جمعًا، ولكن يقال: إذا أكد المفرد فجيء بلفظ النفس والعين مفردين، تقول: جاء زيد نفسه، وجاء الأمير عينه، وجاء خالد نفسه عينه، نفسه أعاد الضمير على زيد، وزيد مفرد، حينئذٍ طابقه في الإفراد، لكن إذا أكد بالنفس والعين المثنى والجمع فالأفصح في لغة العرب أن يؤتى بالنفس والعين مجموعتين على وزن (أَفْعُل) مضافتين إلى ضمير يطابق المؤكَد، فإذا أردت أن تؤكد المثنى فالأفصح أن تأتي بالنفس والعين مجموعة على وزن (أَفْعُل) فتقول: أنفس وأعين، وتضيفها إلى ضمير المثنى ليطابق الضمير المؤكَد فتقول: جاء الزيدان أنفُسهما أعيُنهما، هذا هو الأفصح، وسُمع نفسهما، وسمع أيضًا نفساهما، إلا أن الأول أفصح، وكذلك إذا أردت أن تؤكد الجمع، فالأفصح أن تأتي بالنفس والعين مجموعة على وزن (أَفْعُل) مضافتين إلى ضمير جمع يطابق المؤكَد، فتقول: جاء الزيدون أنفُسهم أعيُنهم، وجاءت الهندات أنفُسهن أعيُنهن. إذًا نقول: القاعدة: أنه إذا أكد بالنفس والعين وجب إضافتها إلى ضمير يعود على المؤكَد مطابقا له، فإن كان المؤكَد مفردًا كان الضمير مفردًا، وإن كان مثنى كان الضمير مثنى، وإن كان جمعا كان الضمير جمعا، ثم ننظر في لفظ النفس والعين، إن كان المؤكَد مفردا حينئذٍ لا بد من المطابقة نحو: جاء زيد
[ ٤٧٣ ]
نفسه عينه، وإن كان المؤكَد مثنى فالأفصح أن يؤتى بالنفس والعين مجموعتين، لا تأتي بهما مثنى، تقول: نفساهما أو نفسهما، هذا مسموع لكنه غير فصيح، وإنما تأتي بالنفس جمعًا على وزن أَفْعُل أنفس، تأتي بالعين جمعًا على وزن أَفْعُل أعين، ثم تضيفها إلى ضمير يطابق المؤكد فتقول: جاء الزيدان أنفسهما أعينهما، وإذا كان المؤكد مجموعًا فتقول: جاء الزيدون أنفسهم، وجاءت الهندات أنفسهن، إذًا هذا إذا أكد بالنفس والعين، لكن إذا جمع بينهما قالوا: لا يصح أن نقدم العين على النفس، بل يجب تقديم النفس على العين، فتقول: جاء زيد نفسه، وجاء زيد عينه، وجاء زيد نفسه عينه، جمعت بينهما، وقدمت النفس على العين، ولا يصح أن يقال: جاء زيد عينه نفسه؛ لأنه من باب تقديم الجزء على الكل، وهذا خلاف الأولى. ثم قال:
[وَكُلٌّ أَجْمَعُ] هذه كما ذكرنا يؤكد بهما للإحاطة والشمول، يعني للدلالة على العموم على أن اللفظ مراد به العموم، وأن احتمال الخصوص مرتفع بلفظ كل، تقول: جاء القوم، فيحتمل أن المراد كل القوم، أي كل ما يصدق عليه لفظ القوم، ويحتمل أن المراد بعض القوم فحينئذٍ يكون من باب إطلاق الكل مرادًا به الجزء فيكون مجازًا، فإذا قلت: جاء القوم كلهم فحينئذٍ ارتفعت إرادة الخصوص، وتعين الشمول، ومنه قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ) [الحجر:٣٠]، إذًا كل وأجمع في الأصل أنه يؤتى بهما للدلالة على الإحاطة والشمول، أي العموم، وإن شئت قل: لرفع توهم إرادة الخصوص بلفظ العموم،
[ ٤٧٤ ]
تقول: جاء القوم فيحتمل مجيء جميعهم، أو مجيء بعضهم، فيكون من باب التجوز بإطلاق الكل على البعض، فإذا قلت: جاء القوم كلهم، ارتفع الاحتمال، وبعضهم يقول: ضعف الاحتمال، وهذا ينبني عليه خلاف، إذا قيل: ارتفع الاحتمال فحينئذٍ لا يصح أن يؤتى بمؤكد آخر، فإذا قلت: فسجد الملائكة كلهم، إذًا رفعت احتمال إرادة الخصوص بلفظ الملائكة، إذًا تأكدنا أن المراد بلفظ الملائكة العموم، فقوله بعد ذلك: أجمعون إذًا جاء مؤكد آخر ولأي شيء جيء به؟! جاء زيد نفسه عينه، إذا قيل: نفسه رفعت الاحتمال مطلقًا، ولم تضعف الاحتمال، فعينه لماذا جيء بها؟! وإنما يقال: المؤكد الأول أضعف الاحتمال، وإذا جيء بالمؤكد الآخر ارتفع الاحتمال ليكون للمؤكد الثاني عمل كالأول، لأنه جيء به فأثر في المعنى، والثاني إذا قيل الأول رفع الاحتمال بالكلية، ما وظيفته؟ وماذا عمل؟ لا بد أن يكون له أثر لأننا نقول: هو مؤكد جيء بنفسه وعينه كل منهما مؤكد لكن بعضهم يرى أن التعبير الصحيح الدقيق في نحو: جاء زيد نفسه عينه، أنَّ نفسه أضعفت احتمال عدم إرادة الذات، وعينه أكدت، وإذا لم يؤت بالعين فحينئذٍ لا بأس أن يقال: رفعت الاحتمال باللفظ الأول. وشروط التوكيد بلفظ كل ثلاثة:
الأول: أن يكون المؤكَد بها مفردًا أو جمعًا، وأما المثنى فلا يؤكد بكل.
[ ٤٧٥ ]
الثاني: أن يكون المؤكَد متجزأ بذاته أو بعامله، فالمؤكَّد وهو اللفظ الذي جيء بالتأكيد بلفظ كل من أجله يشترط فيه أن يكون متجزأ بذاته، يعني يقبل التفرقة، فالملائكة جمع ملَك، وكل ملك مستقل بذاته عن الآخر، إذًا متجزأ بذاته، والقوم يشمل زيد وعمرو وخالد وفاطمة وعائشة وغيرهم، إذًا متجزأ بذاته، أوبعامله كقولك: اشتريت العبد، فالعبد لا يتجزأ بذاته، وإنما بالنظر إلى عامله وهو الشراء يتجزأ، ولذلك عندنا المبعض، يعني الذي بعضه حر وبعضه على أصله في الرق، إذًا هو بِيع واشتُري في جزءٍ وبقي الجزء الآخر، فقولك: اشتريت العبد نقول: العبد هذا متجزأ لكنه بالنظر إلى عامله وهو الشراء، لا بالنظر إلى ذاته، وأما ما لا يتجزأ بذاته ولا بعامله فلا يصح توكيده فلا يقال: جاء زيد كله، أما فسجد الملائكة كلهم، فالملائكة جمع، وقد وجد الشرط، ليس بمثنى وأيضًا يتجزأ بذاته، كذلك جاء القوم كلهم، أو متجزأ بعامله، كاشتريت العبد كله، فلفظ كل توكيد للعبد، أكد وإن كان العبد بذاته لا يتجزأ ولا يتبعض، ولكن بالنظر إلى عامله.
الثالث: أن يتصل بها ضمير عائد على المؤكَد مطابق له، إن كان مفردًا فمفرد، وإن كان جمعًا فجمع، نحو: اشتريت العبد كله فالضمير مفرد، وقال تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر:٣٠]، فالضمير جمع، إذًا لا بد من المطابقة.
[أَجْمَعُ] أي وأجمع على حذف حرف العطف، وهي مثل كل في المعنى، ولذلك الأكثر أنها تأتي تابعة لكل، يعني في الغالب أنها لا
[ ٤٧٦ ]
تستقل، وقد يؤكد بها دون كل، وأجمع في المفرد المذكر، وجمعاء في المفرد المؤنث، وجمعهما وهو أجمعون وجُمع، ولا يثنيان فيقال: جمعاوان، لعدم السماع، وجوز بعضهم ذلك، والأصح لا، لعدم السماع، لأن هذه ألفاظ منقولة، والتوكيد المعنوي هو الحاصل بألفاظ معلومة محصورة، والأصل السماع، فحينئذٍ إذا ورد لفظ يؤكَد به منقولا، لا يزاد عليه، ولا يقاس على ما سمع أجمع وجمعاء وأجمعون وجمع، ولم يسمع جمعاوان، وقاسه بعضهم، والأصل عدم القياس، وهذا اختيار ابن هشام رحمه الله تعالى. يؤكد بها غالبًا بعد كل فلذلك استغنت عن الضمير، ومنه قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) [الحجر:٣٠] لم تضف إلى الضمير لأنه لا يشترط فيها إضافتها إلى الضمير، لأنها في الغالب لا تأتي إلا بعد كل، وكل من شروط التوكيد بها أن تكون متصلة بضمير، فلذلك استغني عن الضمير هنا، تقول: اشتريت العبد كله أجمعَ، والأَمَة كلها جمعاءَ، والعبيد كلهم أجمعين، والإماء كلهم جُمَعَ.
إذًا يؤكد بأجمع بعد كل، هذا هو الغالب، ويؤكد بأجمع وأجمعين وجمع دون كل ولكنه ليس بغالب، ولذلك جاء في القرآن: (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:٣٩] (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:٤٣] جاء دون كل هنا، إذًا يصح التوكيد بها دون كل.
[وَمَا لِأَجْمَعَ لَدَيْهِمْ يَتْبَعُ] أي والذي، يتبع الجملة صلة الموصول، ولأجمع جار ومجرور متعلق بقوله يتبع، لديهم أي لدى
[ ٤٧٧ ]
العرب، ولدى بمعنى عند أي في حكمهم، توابع أجمع هذه لا يؤكد بها إلا بعد التأكيد بأجمع يعني على التسلسل أولًا كل ثم أجمع، ثم هناك توابع لأجمع لذلك قالوا: لا يجوز تقديمها عليها وهي ثلاثة: أبتع، وأكتع، وأبصع، وأكتع مأخوذ من تكتع الجلد إذا اجتمع، وأبتع مأخوذ من البَتْع من قولهم: فلان ذو بتع، أي عنقه طويل، وأبصع وقيل أبضع بالضاد، والمشهور الأول، مأخوذ من البصع وهو اجتماع العرق، هذه الثلاث لا يؤكد بها إلا بعد أجمع، ولا يجوز تقديمها عليها؛ لأنها تابعة لها.
كَجَاءَ زَيدٌ نَفْسُهُ يَصُولُ وَإِنَّ قَوْمِي كُلَّهُمْ عُدُولُ
وَمَرَّ ذَا بِالقَوْمِ أَجْمَعِينَا فَاحْفَظْ مِثَالًا حَسَنًا مُبِينَا
[كَجَاءَ زَيدٌ نَفْسُهُ يَصُولُ] الكاف بمعنى مثل أي مثل جاء زيد، أو تكون على بابها حرف جر ويكون مدخولها محذوفًا كقولك: جاء زيد نفسه، جاء فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وزيد فاعل مرفوع بجاء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، ونفسه توكيد لزيد والمؤكِد يتبع المؤكَد، تبعه في الرفع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، نفس مضاف، والضمير مضاف إليه مبني على الضم في محل جر مضاف إليه، ويصول مضارع من صال يصول، إذا وثب، يصول: جملة فعلية متممة تعتبر حالا من زيد.
[وَإِنَّ قَوْمِي كُلَّهُمْ عُدُولُ] إن حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وقومي اسم إن منصوب بها ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة
[ ٤٧٨ ]
المناسبة، وقوم مضاف، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، وكلهم توكيد، وتوكيد المنصوب منصوب ونصبه فتحة ظاهرة على آخره، وكل مضاف والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وعدول جمع عدل، وهو خبر إنَّ.
إذًا جاء زيد نفسه، هذا مثال للتوكيد بالنفس وهو مرفوع. وإن قومي كلهم، هذا مثال للتوكيد بكل وهو منصوب تبعه في النصب.
[وَمَرَّ ذَا بِالقَوْمِ أَجْمَعِينَا] مر فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع فاعل، وبالقوم جار ومجرور متعلق بقوله مر، أجمعينا الألف للإطلاق، وأجمعين توكيد للقوم، وتوكيد المجرور مجرور وجره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بالجمع المذكر السالم.
[فَاحْفَظْ مِثَالًا حَسَنًا مُبِينَا] فاحفظ، والحفظ بقاء صورة المحفوظ في الذهن، والفاء هذه فصيحة، وتحتمل العطف، وتحتمل أنها زائدة، ومثالًا مفعول به، حسنًا صفة لمثالًا، مبينًا، أي موضحًا، احفظ مثالًا، أي هذا ما ذكر لك في الأمثلة فقس عليها. والحاصل أنَّ التوكيد نوعان: توكيد لفظي وتوكيد معنوي؛ التوكيد اللفظي هو إعادة اللفظ الأول بعينه ويقع في الأسماء والأفعال والحروف، التوكيد المعنوي هذا خاص بالأسماء، ويكون بألفاظ محصورة معدودة لا يقاس عليها، ولا يؤكد بها مطلقًا، وإنما بشروط وقد ذكرناها.
[ ٤٧٩ ]