أي هذا باب بيان حقيقة الحال، والحال أصلها حَوَلٌ على وزن فَعَلٍ مثل بوب تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت الواو ألفا، فالألف منقلبة عن واو، والدليل على أن هذه الألف منقلبة عن واو أنها تجمع على أحوال، وتُصَغَّر على حُويلة، فهذه الواو هي الأصل في لفظ حال، لأن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، ولذلك الكلمة إذا كانت على ثلاثة أحرف فيها ألف، فاقطع بأن الألف منقلبة عن واو أو ياء؛ لأنهم أجمعوا على أن الألف لا تكون أصلًا في الثلاثي، وإنما تكون زائدةً فيما زاد على ثلاثة أحرف، لأنه كما سبق أن أقل ما يوضع عليه الاسم هو ثلاثة أحرف، وأقل ما يوضع عليه الفعل ثلاثة أحرف. فحينئذٍ الفعل قال مثلا تقطع بأن الألف فيه ليست أصلًا بذاتها لأنه ثُلاثي، فلو حكمنا عليها بالزيادة لصار الفعل قال مُرَكَّبا من حرفين، حينئذٍ نقطع بأن هذه الألف منقلبة إما عن واو أو عن ياء، وأصل قال قَوَل تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت ألفا، وباع أصله بيَع تحركت الياء وفتح ما قبلها فقلبت ألفا. والذي يُبين ويميز لك أن الألف منقلبة عن واو أو ياء هو تصريف الكلمة، فتأتي بالفعل المضارع باع يبيع، فالعين هي الياء يَفْعِل يَبْيِع، وأيضا المصدر البيع. قال يَقُولُ أصلها يَقْوُل يَفْعُل فالعين واو في قال، حينئذٍ نحكم بأن الألف منقلبة عن واو. والحاصل أن قوله: الحال، هذه الألف منقلبة عن واو، بدليل جمعها
[ ٥٢٣ ]
على أحوال ويصغر على حويلة، ومعلوم أن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها، وكذلك سائر المشتقات، فالقول مصدر يدل على أن العين واو، كذلك البيع مصدر يدل على أن العين ياء.
والحال من جهة اللفظ يُذكر ويؤنث، يُقال: حالٌ وحالةٌ، قال الشاعر:
إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنِ امْرِئٍ فَدَعْهُ وَوَاكِلْ أَمْرَهُ وَالَّليَالِيَا
وقال:
عَلى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ فِي القَوْمِ حَاتِمًا عَلَى جُودِهِ ضَنَّتْ بِهِ نَفْسُ حَاتِمِ
وحالٌ يجوز فيه التذكير والتأنيث من جهة الوصف والضمير والإشارة، فيقالُ: حالٌ حسنٌ، وحال حسنة، ولذلك يقال في التصغير: حويلةٌ بالتاء لأنه مؤنث تأنيثًا معنويًا بدون تاء، هذا حالٌ حسن وهذه حالٌ حسنةٌ، وتحسنت حالُ المريض. والحال لغة: ما عليه الإنسان من خير أو شر. وأما في الاصطلاح فذكره الناظم هنا تبعًا للأصل بقوله:
الحَالُ لِلهَيْئَاتِ أَيْ لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا مُفَسِّرٌ وَنَصْبُهُ انْحَتَمْ
وقال في الأصل الاسم المنصوب المفسِّر لما انبهم من الهيئات. قوله: الاسم أخرج الفعل والحرف، فالحال لا تكون فعلًا ولا حرفًا. فحينئذٍ يرِدُ السؤال كيف نقول الحال لا تكون فعلًا وقد تقول: جاء زيدٌ يضحك، ويضحك الجملة في محل نصب حال؟ الجواب: أنَّ كلَّ ما جاء من الجمل في محل نصب حال فهو مؤولٌ
[ ٥٢٤ ]
بالمفرد. فجاء زيدٌ يضحكُ أي جاء زيدٌ ضاحكًا، تؤوله بالمفرد، فهو الأصل فيه كالخبر الأصل فيه أن يكون مفردًا، فإذا جاء جملةً فحينئذٍ لا بد من تأويله بمفرد، إذًا رجع إلى أصله وهو المفرد. كذلك الحال إذا جاءت جملةً سواء كانت جملة اسمية أو فعلية نقول نرده إلى الأصل وهو المفرد. قوله: المنصوبُ هذا بيان لحكمه، أدخله في الحد، ولكن عندهم القاعدة أنه لا يجوز في الحدود إدخال الأحكام، قال في السلم:
وَعِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ المَرْدُودِ أَنْ تَدْخُلَ الأَحْكَامُ فِي الحُدُودِ
فيقال الحال: هو الاسم المفسر لما انبهم من الهيئات، وحكمه النصب. ولا تقول: هو الاسم المنصوب فتدخل الحكم وهو النصب في الحد؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره وإنما يذكر الحد للكشف والإيضاح، يبيَّن أولًا حقيقة الحال، وتحكم على الكلمة بأنها حال، ثم بعد ذلك تحكم بأنه منصوب، إذًا الاسم المنصوب أخرج المرفوع فلا تكون الحال مرفوعةً أبدًا، وأخرج المجرور فلا تكون الحال مجرورة أبدًا، إلا في نحو: جاء زيدٌ مبكرًا، تقول: جاء زيدٌ بمبكرٍ قد يجوز دخول حرف الجر وهو الباء في مثل هذا التركيب على الحال، فحينئذٍ تكون الحركة مقدرة، ولا يكون مجرورا من جهة المعنى وإنما هو مجرور من جهة اللفظ فحسب، لأن حرف الجر الزائد لا يؤثر في المعنى لأنه ما جيء به من أجل إثبات معناه وإنما جيء به تأكيدًا فقط.
[ ٥٢٥ ]
حينئذ بمبكرٍ نقول: الباء حرف جر زائد، ومبكرٍ حالٌ منصوبة، ونصبهُ فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. كما قيل في قوله تعالى: (هَلْمِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (٣») [فاطر:٣] مِن حرف جر زائد، وخالقٍ مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
إذًا حرف الجر هنا لم يؤثر في المعنى، لأنه إنما جيء به للتأكيد فحسب، ولم يؤت به لإفادة معناه الذي وضع له في لغة العرب.
قوله: المفسِّر لما انبهم أي الموضِّح والكاشف لما انبهم من الانبهام وهو الخفاء والاستتار، من الهيئات جمع هيئة وهي الصفة. يعني مجيء الحال تأتي كاشفةً ومفسرةً وموضحةً ومبينةً لا لذاتِ موصوفها وإنما لهيئة موصوفها، فحينئذٍ يكونُ الموصوف الذي هو صاحب الحال معلوم الذات إلاَّ أنه مجهول الصفة، فيقال مثلًا: جاء زيدٌ، تعرف زيدًا، ولكنَّ المجيء يختلف وله أحوال وصفات، فزيدٌ أحدث المجيء، فقد علمت بأن زيدًا أوجد المجيء، لكن على أيِّ صفة؟ هل المجيء يكون بصفةٍ واحدة أم متعدد الصفات؟ لا شك أنه متعدد الصفات، فحينئذٍ قوله: جاء زيدٌ فيه إيضاح، وفيه خفاء، فالإيضاح من جهة إسناد المجيء إلى زيد، وكون الحدث هو مجيئه وهذا واضح مأخوذ من اللفظ، وكون الذي أحدث الحدث هو زيد وهو فاعل، وزيدٌ معلومٌ عندنا، فهذا كله واضح. لكن لو قيل
[ ٥٢٦ ]
لك كيف جاء زيد؟ هل جاء ماشيًا؟ هل جاء طائرًا؟ هل جاء راكبًا؟ هل جاء يحبو حبوًا؟ هذا كله محتمل، فحينئذٍ تأتي بالحالِ كاشفةً وموضحةً لا لذاتِ الفاعل وإنما للصفة التي اتصف بها الفاعل التي دل عليها عاملها، لأن العامل يتضمَّنُ صفة وهي المجيء، فهو صفة في المعنى، والمجيء متعدد وله صفات وهيئات حينئذٍ يرد الإشكال والخفاء والاستتار، كيف جاء زيد؟ تقول: راكبًا إذًا راكبًا هذا حال: اسم منصوبٌ مفسرٌ لما انبهم وخفي واستتر من هيئة وصفة مجيء زيد وأمَّا زيد فهو معلوم.
ولذلك كما سيأتي أن الحال قد تكشف وتُفسِرُ الفاعل، وقد تفسرُ المفعول به وقد تُفسرهما معًا.
وابن هشام ﵀ عرَّف الحال بقوله: وصفٌ فضلةٌ يقعُ في جواب كيف. قوله: وصفٌ، هذا أولى من أن يُقال الحال: الاسم، لأن الاسم قد يكون جامدًا وقد يكون مشتقًا، والحال الأصل فيها أن تكون مشتقة، فإذا قيل الحال: هي الاسم شمل الجامد والمشتق، وإذا قيل: وصفٌ فهو أخصُّ وأدق.
والمراد بالوصف هنا ما ذكرناه سابقًا في باب النعت وهو ما دل على ذاتٍ وحدث، فكل لفظٍ في لغة العرب دل على ذات موصوفةٍ بمعنىً فهي صفةٌ أو قل مشتقة، وهنا يراد به خمسة أشياء: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، وأمثلة المبالغة؛ لأن قوله مثلًا جاء زيدٌ راكبًا، فراكبًا اسم فاعل يدل على ذات زيدٍ وأنه متصف بالركوب، والركوب نوعٌ من أنواع المجيء
[ ٥٢٧ ]
لكنه أخص منه. فجاء فعل ماضٍ، وزيدٌ فاعل، وراكبًا يدل على زيدٍ لأنه اسم فاعل، واسم الفاعل يدل على ذاتٍ لكنها مبهمة، وزيدٌ يدل على ذاتٍ لكنها معلومة؛ لأنه علَمُ شخص، فحينئذٍ يكون في هذا التركيب قد كرر زيد مرتين، مرةً بالإفصاح باسمه، ومرةً بالكناية عنه، ولكن لماَّ كان المراد في راكبًا الوصف لم يراع فيه إبهام الذات يعني لم يلتفت إلى كون الذات مبهمة. وفي الأغلب كونُ الحالِ مشتقةً بأن تكون واحدًا من الأمور الخمسة التي ذكرناها. ومن غير الأغلب ألاَّ تكون الحال مشتقة كما سيأتي بيانه.
إذًا الحالُ وصفٌ يعني مشتقة دالةٌ على ذاتٍ وحدث. قوله: فضلةٌ خرج به الخبر نحو: زيدٌ ضاحكٌ، فضاحكٌ مشتق مبين للهيئة فهو عمدة لا فضلة، ولأن الحال منصوبة، والنصب للفضلات، والرفع للعمد، هكذا القسمة. الرفعُ يكون للعمد كالمبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل، والنصب يكون للفضلات، والمراد بالفضلة: قيل ما يُستغنى عنه، وأُورد على هذا الحدِّ بأن الحال فضلة، والفضلة ما يستغنى عنه فأُوردَ عليهم قوله تعالى «وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (٣٧») [الإسراء:٣٧] قالوا مرحًا هذا حال، ولا يمكن الاستغناء عنه، بخلاف جاء زيدٌ راكبًا، فراكبًا إذا لم يكن المقصود من الكلام هو راكبًا فحينئذٍ لا بأس من حذفه. لكن إذا علم مجيء زيد أولًا ثم كان المقصود من الكلام راكبًا وليس المقصود هو جاء زيد فحينئذٍ يتعين ذكر الفضلة هنا ولا يجوز حذفها.
[ ٥٢٨ ]
على كلٍّ أُورِدَ على كونها فضلة بأنه ما يستغنى عنه قوله تعالى: «وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا (٣٧») [الإسراء:٣٧] وقوله: «وَلَاتَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠») [البقرة:٦٠]»
قالوا: لو أسقط مرحًا - في غير القرآن - فسد الكلام من جهة المعنى، لأنه إذا قيل: (وَلَاتَمْشِ فِي الْأَرْضِ) صار النهي عامًّا فيقتضي عدم المشي في الأرض مطلقًا مع أن المقصود بمرحًا هو تقييد المنهي عنه، وهو بعض المشي لا كل المشي، فحينئذٍ لو قال: لا تمشِ، لا تأتِ راكبًا ثم حذفت راكبًا، فقلت: لا تأتِ، يعني لا تأتِ مطلقًا، ولو قلت: لا تأتِ راكبًا كان النهي مقيدًا بصفة معينة وما عداها فهو على الأصل. فإذا قيل الفضلة ما يستغنى عنه فبعض أنواع الحال لا يجوز الاستغناء عنها فيفسد المعنى بحذفها.
فحينئذٍ نقول الأصح أن يفسَّر الفضلة بأنه: ما ليس بعمدةٍ. فحينئذٍ خرج المبتدأ والخبر والفاعل ونائب الفاعل؛ لأن العُمَد محصورة في هذه الأربعة، وما عداها يعتبر من الزوائد، لكن ليس أن ما كان من الزوائد يستغنى عنه، ليس هذا المراد، بل المراد أن الكلام لابد فيه من إسناد، والإسناد يقتضي مسندًا ومسندًا إليه. والمسند والمسند إليه محصورٌ في أربعة لا خامس لها المبتدأ والخبر والفعل وفاعله أو نائبه.
والحاصل: أن المراد بالفضلة هنا وفي غيرها مطلقًا حتى في المجرورات والظروف، ما ليس بعمدةٍ ولا نُفسِّره بما يستغنى عنه،
[ ٥٢٩ ]
بل بحث بعضهم في المنصوبات والمجرورات هل هي داخلة في جزء الكلام أو لا؟ والصبان في حاشيته على الأشموني رجَّح أنه إذا توقفت الإفادة عليه كان جزءًا في الكلام؛ وإلا فلا. وهذا مخالف لما عليه جماهير النحاة أن الحكم على المخفوضات والمنصوبات بأنها من الفضلات مطلقًا ليست داخلة في أجزاء الكلام.
قوله: يقع في جواب كيف، لأن كيف يُسأل بها عن الحال كما قال الحريري في الملحة:
ثُمَّ يُرَى عِنْدَ اعْتِبَارِ مَنْ عَقَلْ جَوَابَ كَيْفَ فِي سُؤَالِ مَنْ سَأَلْ
كقوله: جاء زيدٌ،كيف جاء؟ تقول: راكبا إذًا صلُح أن يكون جوابًا لكيف.
فكل ما صلح من المنصوبات أن يقع جوابًا لكيف فهو حال.
إذًا الحالُ لابد أن تتوفر فيه ثلاثةُ أشياء:-
أولًا: أن يكون وصفًا أي مشتقًا وهذا هو الغالب فيه، فإذا جاء جامدًا حينئذٍ يؤول بالمشتق، نحو قولك: بِعْهُ مدًاّ أي بِعْهُ مُسَعَّرًا، ومسعَّرًا اسم مفعول، فمُدًّا حال وهو دال على السِّعْر، وهو جامد، ولذلك قالوا ويكثر الجمود في سِعْرٍ. فكل ما دل على سعر وانتصب على أنه حال نحكم عليه بأنه جامد ولا يتخلف شرطُ الوصفية لأن الجامد حينئذٍ يؤول بالمشتق.
ثانيا: أن يكون فضلة.
[ ٥٣٠ ]
ثالثا: أن يقع في جواب كيف.
هذه ثلاثة أمور كلها مطردة: وصفٌ فضلةٌ يقعُ في جواب كيف.
زاد الناظم هنا: مُفَسِّرٌ لما انبهم من الهيئات، هذا تزيده على ما ذكره ابن هشام. قال ﵀: [الحَالُ لِلهَيْئَاتِ أَيْ لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا مُفَسِّرٌ] أي الحال مفسِّرٌ للهيئات، فالحال مبتدأ ومفسرٌ خبره، وللهيئات جار ومجرور متعلق بقوله: مفسرٌ، وقوله: [لِلهَيْئَاتِ] جمعُ هيئةٍ، وهي الصورةُ المحسوسة أو غير المحسوسة مطلقًا يعني الصفة اللاحقة للذوات، قلنا: جاء زيدٌ، زيد متصف بالمجيء، فقد وصفته بالمجيء في المعنى، لأن كلَّ فعلٍ ماضيًا كان أو مضارعًا أو أمرًا هو في المعنى صفة، فإذا قلت: جاء زيد كأنك قلت: زيدٌ جاءٍ، وجاءٍ اسم فاعل، وضَرَبَ زيدٌ أي زيدٌ ضاربٌ، وقام عمروٌ أي عمروٌ قائمٌ وهكذا، فالأفعال كلها في المعنى صفات.
فحينئذٍ نقول: الحال للهيئات يعني تأتي مبيِّنة ومفسِّرة للصفات اللاحقة للذوات لا للذوات، ليتميز وينفصل الحال عن التمييز؛ لأن الحال يميز ويكشف ويفسِّر الهيئة والصفة وأما الذات فهي معلومة. والتمييز لكشف الذات، فالذات هي التي تكون مجهولة، ففرقٌ بينهما. [الحَالُ لِلهَيْئَاتِ] جمع هيئةٍ سواءً كانت صورة محسوسة أو غير محسوسة، كجاء زيدٌ راكبًا، فالركوب محسوس، وتكلم زيدٌ صادقًا، فالصدق غير محسوس، لأنه يتكلم فلا تدري صدقه من كذبه. ثم قال: [أَيْ لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا] أي تفسيرية، حرف تفسير مبني
[ ٥٣١ ]
على السكون لا محل له من الإعراب. [لِمَا انْبَهَمْ] ما بعد أَيْ يُعرب بدلًا مما قبلها على الأصح وهو مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين أنَّ أَيْ التفسيريةَ حرفُ عطف، تقول: اشتريت عسجدًا أي ذهبًا. فالعسجد قد يُشْكِل معناه على السامع فيحتاج إلى تفسير فيقول: أي ذهبًا فأي تفسيرية، وفي الغالب يفسر بها المفردات، وقلة تأتي لتفسير الجمل. وغالب أرباب الحواشي يأتون بأي في المفردات وبيعني إذا أرادوا كشف المعنى العام، فيقولون: يعني كذا إذا أراد أن يأتي بالمعنى العام.
وما بعد أي المشهور أنه بدل مما قبله، بدل كل من كل. فاشتريت عسجدا أي ذهبًا، والعسجد هو عينه الذهب، وعند الكوفيين أي مثل واو العطف، فحينئذٍ أي تكون عندهم حرف عطف أُريد بها التفسير، وعسجدًا معطوف على ذهبًا، والمعطوف على المنصوب منصوب. [لِمَا انْبَهَمْ مِنْهَا] أي لما خفي واستتر منها أي من الهيئات. [مُفَسِّرٌ] خبرٌ للمبتدأ، وهذا أحسن، ويحتمل النصب على أنه حال من المبتدأ والخبر محذوف. [وَنَصْبُهُ انْحَتَمْ] بعد أن عرَّف لك الحال، بيَّن لك حكمه، وانحتم نصبه أي تعيَّن نصبه. ولو قال، نصبُهُ حُتِم لكان أحسن، لأن باب انفعل لا يأتي في مثل هذا بل هو خاص بالعلاجيات الحسية، قال النيساري:
وَاخْتُصَّ بِالعِلاَجِ فَهْوَ انْصَرَمَا مِنْ أَجْلِ ذَاكَ خَطَّؤُوا مُنْعَدِمَا
[ ٥٣٢ ]
فلا يقال: انعدم ومنعدم، [وَنَصْبُهُ] أي نصب الحال بالفعل أو شِبهه؛ لأن العامل قد يكون فعلًا كجاء زيدٌ راكبًا، جاء فعلٌ ماض، وزيدٌ فاعل وهو صاحبُ الحال، وراكبًا حالٌ من زيد منصوب، والعامل فيه هو العامل في صاحب الحال وهو الفعل جاء، وصاحب الحال هو الذي جاءت الحال منه وهو الفاعل هنا. وقد يكون وصفا نحو: أنا ضاربٌ زيدًا مكتوفًا، فأنا ضاربٌ مبتدأ وخبر، وزيدًا مفعول به لضارب، ومكتوفًا حال، والعامل فيه الوصف ضارب. [انْحَتَمْ] يعني حُتِم، وهذا أمرٌ لازم، لأنه صفة لازمة للحال، الحال لا يكون إلا منصوبًا لأنه فضلة، والنصب إعراب الفضلات، ولا يخرج أبدًا عن النصب إلاَّ إذا جر بحرف جر زائد فحينئذٍ تكون الفتحة مقدره على آخره كما سبق بيانه، نحو: جئتُ بمبكرٍ. والأصل مبكرًا.
كَجَاءَ زَيدٌ ضَاحِكًا مُبْتَهِجَا وَبَاعَ عَمْرٌو الحِصَانَ مُسْرَجَا
وَإِنَّنِي لَقِيْتُ عَمْرًا رَائِدَا فَعِ المِثَالَ وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا
تجيء الحال من الفاعل وحده، وتجيء من المفعول به وحده، وقد تجيء محتملة لواحدٍ منهما، وقد تجيء لهما. تقول: جاء زيدٌ ضاحكًا، جاء فعل ماضٍ، وزيدٌ فاعل، وضاحكًا حالٌ من الفاعل، نصًا بمعنى أنه لا يحتمل غير الفاعل لأنه ليس عندنا إلاَّ الفاعل.
[ ٥٣٣ ]
وقد يأتي من المفعول به وحده، تقول: باع عمروٌ الحصان مسرَجَا، فمسرَجَا حالٌ من المفعول به نصا بمعنى أنه لا يحتمل غير المفعول به.
وضربتُ الِّلص مكتوفًا، ضربتُ فعل وفاعل، واللص مفعول به، ومكتوفا حال من المفعول به نصًا، لا يحتمل غير المفعول به لأنك إذا قلت يحتمل معناه أنك ضربته وأنت المكتوف، وهذا لا يتأتى وإنما اللص هو الذي يكون مكتوفًا. لأنه مضروب وأنت الضارب فلو كان محتملًا من الفاعل لكان المعنى ضربته وأنت مكتوف وهو مطلق اليدين. ويحتمل منهما كقولك: لقيتُ عمرًا راكبًا، لقيتُ فعل وفاعل، وعمرًا مفعول به، وراكبًا حال ويحتمل أن يكون حالًا من الفاعلِ وهو الضمير المتصل في لقيتُ أي وأنا الذي كنتُ راكبًا وهو ماشٍ، ويحتمل أن يكون حالًا من المفعول به لقيت عمرًا راكبًا هو الذي يكون راكبًا. إذًا هو محتملٌ لهما. ولو قال: لقيت عمرًا راكبين، صار نصاَّ فيهما.
والحاصل: الحال يأتي من الفاعل نصًّا لا يحتملُ غيره، ويأتي من المفعول به نصًّا لا يحتمل غيره، ويأتي محتملًا لكونه من الفاعل أو من المفعول، وتُرجِّح واحدًا منهما والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد. ونحو: لقيتُ عمرًا راكبين، ثنى بدلًا من أن يقال: راكبًا وراكبًا فتكرر الحال، فيقال: راكبين، حينئذٍ تكون نصًّا في الفاعل والمفعول به معًا.
[ ٥٣٤ ]
[كَجَاءَ زَيدٌ ضَاحِكًا مُبْتَهِجَا] ضاحكًا حال من الفاعل نصَّا، ومبتهجًا حالٌ بعد حال، وتَعَدُّدُ الحالِ جائزٌ، وهذه حالٌ بعد حال، ومبتهجًا أي فرحًا. [وَبَاعَ عَمْرٌو الحِصَانَ مُسْرَجَا] مسرجًا حال من المفعول به نصًا، وهو الحصان. [وَإِنَّنِي لَقِيْتُ عَمْرًا رَائِدَا] رائدًا حال محتملة لأن تكون من الفاعل أو من المفعول، يحتمل من الفاعل أي أنا الذي كنت أطلب الكلأ، ويحتمل أنه عمرو، والرائد كما قال في المختار هو من يُرْسَل في طلب الكلأ.
[فَعِ المِثَالَ وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا] فعِ فعل أمر من وعا يعي عِه بهاء السكت وقفًا، وقوله: فعِ المثال ليست في الوقف حتى نحتاج إلى هاء السكت، وهذا الفعل يُسَمَّى لفيفًا مفروقًا، إذا وقعت الفاء واللام حرفي علة سمي لفيفًا، وإذا فُرِق بينهما بحرف سُمِّي مفروقًا، وإذا اتصل حرفا العلة الفاء والعين سمي مقرونا، ووَعَى فعل ماض، ومضارعه يَعِي أصله يَوْعِي وقعت الواو بين عدوتيها فأسقطاها، فصار يعي، والأمر منه بإسقاط حرف المضارعة فصار عِي والأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه، فحذفت الياء للبناء، فصار عِ على حرف واحد عينٌ فقطْ مكسورةٌ وحينئذٍ في الوقف يجب الإتيان بهاء السكت، فيقال: عِهْ، وهنا قال: [فَعِ المِثَالَ] لأنه لما وُصِلتْ ولم يوقف عليها لم يحتج إلى هاء السكت. ووعى الحديث يعيه وعيًا حفظه، إذًا [فَعِ المِثَالَ] بمعنى احفظ المثال المذكور السابق فهو جزئيٌّ يُذكر لإيضاح القاعدة، والمثال يخالف الشاهد عند النحاة، فالشاهد هو جزئيٌّ يُذكر لإثبات القاعدة، والمثالُ هو جزئيٌّ
[ ٥٣٥ ]
يذكر لإيضاح القاعدة.
[وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا] أي اعلم وتعلَّم المقاصد جمع مَقْصَد، وقصد بمعنى إتيان الشيء، وبابه ضرب، ويقال: قصد له وإليه وقَصَدَ قَصْدَه أي نحا نحوه. إذًا [وَاعْرِفِ المَقَاصِدَا] اعرف ما تَنْحَى نحوَه، قال بعضهم:
إِنَّمَا النَّحْوُ قِيَاسٌ يُتَّبَعْ وَبِهِ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُنْتَفَعْ
إنما النحو قياس يتبع، لأن النحو من حفظ فيه مثالا في الإعراب مثلا قاس عليه كلَّ ما يأتيه، تحفظ مثالا في إعراب الحال أو الفعل الماضي أو المضارع المجزوم أو المضارع المنصوب بلن أو بأن وقس عليه ما يأتيك بعده. لكن الطلاب يستصعبون الإعراب، يظنون أنه يأتي بالفتوحات هكذا، بل لا بُدَّ أوَّلًا من الحفظ، فتحفظ مثالا جاء فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ثم تسأل لِمَ بُنيَ؟ وتجيب: لأن الأصل في الأفعال البناء، ولِمَ حُرِّك والأصل في المبني أن يُسكَّن؟ وتجيب: لأنه أشبه الاسم أو الفعل في وقوعه صفةً وصلةً وحالًا وخبرًا، ولِمَ كانت الحركة فتحة؟ وتجيب: للخفة، وما المراد بقولهم: لا محل له من الإعراب؟ وتجيب: يعني لا يقع مبتدأ ولا خبرًا ولا فاعلا ولا مفعولا ولا في محالٍّ غيرها. فكل فعل ماض تذكر فيه هذه المسائل. إذًا تحفظ مرة واحدة وتَقِيس عليه كل ما يأتيك. وكذلك الفاعل فتقول: زيدٌ فاعلٌ مرفوع بجاء ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وعمروٌ وخالدٌ وبكرٌ قِس عليه. ثم قال:
[ ٥٣٦ ]
وَكَونُهُ نَكِرَةً يَا صَاحِ وَفَضْلَةً يَجِيءُ بِاتِّضَاحِ
يُشترَط في الحال أن تكون نكرة، كما اشتُرِط فيها أن تكون وصفًا فضلة صالحةً للوقوع في جواب كيف. [وَكَونُهُ] أي الحال، ولم يقل وكونها؛ لأنه يجوز أن يراعى اللفظ فيذكر الضمير، وأن يراعى المعنى فيؤنث، فيصح الوجهان. وقوله: يا صاح مر ذكره. [نَكِرَةً] أي واشترط أن تكون الحال نكرة قيل: لأن الحال لو كانت معرفة لتُوهِمَ أنها نعت. والأصح أن يقال في التعليل اشتُرط تنكير الحال لكون النكرة هي الأصل، وإنما جيء بالحال للدلالة على هيئة صاحبها، فإذا حصلت الدلالة على الهيئة بالنكرة، فحينئذٍ صار العدول إلى المعرفة التي فيها زيادة على النكرة من باب الحشو والعبث؛ لأن المعرفة إنما تكون معرفة بزيادة على النكرة، فالمعرفة فرع النكرة، والنكرة هي الأصل، بدليل أنها لا تحتاج إلى علامة. والمعرفة هي الفرع بدليل أنها تحتاج إلى علامة، وما لا يحتاج أصلٌ لما يحتاج. فحينئذٍ قالوا: إذا أُدِّيَ المرادُ بالنكرة في كشف هيئة صاحب الحال، صار العدول إلى ما فيه زيادة من باب الحشو، فإذا حصل المراد وكشفت الصفة والهيئة بقولنا: جاء زيدٌ راكبًا. فقد أُدِّي المعنى ولا حاجة إلى أن نقول: جاء زيدٌ الراكب. فإذا صح بالأصل وهو راكبًا فلا يجوز العدول إلى الراكب، لأن الراكب فيه زيادة أل فلا بد أن يكون لهذه الزيادة أثر في كشف صاحب الحال من جهة الهيئة، ولكن ليس لها أثر فحينئذٍ لَمَّا انتفى أثرُ تلك الزيادة صار ذِكْرُها حَشْوًا.
[ ٥٣٧ ]
فإن جاءت الحال معرفةً حينئذٍ نقول: جاءت على خلاف الأصل، وما سُمِع من كلام العرب مجيء الحال معرفة وجب تأويله بنكرة. فيصح وقوع الحال معرفةً في اللفظ لا في المعنى، كما قال ابن مالك:
وَالحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنىً كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ
وحدك اجتهد أي اجتهد وحدَك، منصوب على الحال، والأصل في الحال أن يكون نكرة وقد جاء معرفة هنا فنقول: وحدك أي منفردًا فتُؤول وحدك وهو معرفة بالنكرة، فحينئذٍ كلُّ ما جاء من الحال وهو معرفة وجب تأويله بنكرة. ونحو: أرسلها العراكَ، والعراكَ حال وهو معرفة فتؤوله بنكرة أي معتركة، وهو اجتماع الإبل عند السقي ونحوه. ونحو: ادخلوا الأول فالأول، الأول حال ودخلت عليه أل فهو معرفة، فتؤوله بنكرة الأول فالأول أي مترتبين.
والحاصل أن القاعدة أن الحال نكرةٌ، فإذا جاء معرفة وجب تأويله بنكرة، ولذلك قال ابن مالك: والحال إن عُرِّف لفظًا لأنه في المعنى واجبُ التأويل، فاعتقد تنكيره معنى.
[وَفَضْلَةً يَجِيءُ بِاتِّضَاحِ] وفضلةً حال من فاعل يجيء متقدمة على عاملها أي ويجيء الحال فضلةً، والفضلة ما يقع بعد تمام الجملة. والمراد بتمام الجملة بعد استيفاء جزئي الجملة، وليست الحال أحد جزئي الجملة يعني ليست مسندًا ولا مسندًا إليه، وليس
[ ٥٣٨ ]
المراد أنه لا يتقدم على الجملة، بل قد يتقدم، نحو: راكبًا جاء زيدٌ. وكما قال ابن مالك: وحدك اجتهد. وكقول الناظم هنا وفضلة يجيء، فقُدِّم الحال على العامل. فحينئذٍ نقول: يجوز في بعض المواضع تقديم الحال على العامل، وإنما المراد أن الحال تأتي بعد تمام الجملة يعني بعد جزئيها.
وقوله: [بِاتِّضَاحِ] جار ومجرور متعلق بالفعل يجيء أي الحال باتضاح أي أمر واضح وبيِّن في لغة العرب.
وَلاَ يَكُونُ غَالِبًا ذُو الحَالِ إِلاَّ مُعَرَّفًا فِي الاسْتِعْمَالِ
عندنا ثلاثة أشياء: عامل الحال، وصاحب الحال، والحال.
عامل الحال: هو الذي يُؤَثِّر الرفع أو النصب أو الخفض في صاحب الحال، والنصب في الحال، فالعامل في صاحب الحال هو العامل في الحال. وصاحب الحال هو مَنْ كانت الحال وصفًا له في المعنى، ولذلك يقول الأصوليون: الحال وصفٌ لصاحبها قَيدٌ لعاملها، ومن هذه الحيثية جعلها الأصوليون من المخصصات المتصلة. قال تعالى: (وَمَنْيَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا (٩٣» [النساء:٩٣] متعمدًا حال، وصفٌ لصاحبها وهو فاعل يقتل وهو الضمير المستتر، قيدٌ لعاملها وهو الفعل المضارع يقتل فقيدته الحال لأن القتل قد يقع على جهة العمد، ويقع على جهة الخطأ، وقد يقع على جهة شبه العمد، والحكم هنا مُقيَّد بكونه عامدًا. إذًا وصفٌ لصاحبها بأن يكون القاتل متعمدا، قيدٌ لعاملها بنوع من أنواع القتل وهو العمد.
[ ٥٣٩ ]
فصاحب الحال: هو من تكون الحال وصفًا له في المعنى، نحو: جاء زيدٌ راكبًا فراكبًا حال وهو وصفٌ في المعنى لزيدٌ الفاعل. وضربتُ زيدًا مكتوفًا، فمكتوفًا حال وهو وصف في المعنى لزيدًا المفعول.
الحال شرطها التنكير، وصاحب الحال شرطه التعريف، هذا هو الأصل. أو أن يكون نكرة بمسوغٍ، لأنه في المعنى محكومٌ عليه. وإذا كان كذلك حينئذٍ صار حكمه حكم المبتدأ، والمبتدأ شرطه التعريف، ولا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِدْ. فحينئذٍ يتعينُ في المبتدأ أن يكون معرفة أو نكرة أفادت بمخصصٍ.
ولذلك صاحب الحال له أربعة أحوال:
الأول: التعريف: أن يكون صاحب الحال معرفة، نحو: جاء زيدٌ راكبًا، فراكبًا حالٌ وصاحبه زيد. قال تعالى: «خُشَّعًاأَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ (٧») [القمر:٧] خشًّعًا حال، وهي وصف، جمع خاشعٍ إذًا يكون وصفًا ولو جمعًا. ولذلك نقول: لقيت زيدًا راكبَين، فراكبَين حال مثنى لأنه تثنية راكب، فلم يخرج بكونه مثنى عن كونه وصفًا، كذلك لو جُمع اسمُ الفاعل لا يخرج بجمعه عن كونه وصفًا، إذًا خشعًا حالٌ، وصاحب الحال الواو في يخرجون وهي فاعل، أي يخرجون خشعًا أي حالة كونهم خاشعين.
الثاني: التخصيص: وهذا قد يكون بإضافةٍ أو بصفةٍ، نحو: (في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسائلين) [فصلت:١٠] فسواءً
[ ٥٤٠ ]
حال، وصاحب الحال هو لفظ أربعة، وهو نكرة، لكنها أفادت بإضافته إلى نكرة، والنكرة إذا أضيفت إلى نكرة اكتسبت التخصيص وهو تقليل الاشتراك. لأن الإضافة قد تفيد تخصيصًا وقد تفيدُ تعريفًا، والتعريف هو رفع الاشتراك بالكلية.
في أربعة أيامٍ فأربعة خُصِّص بقوله أيام، لأنها مبهمة في الأصل هل هي أربعة دنانير أو أربعة بيوت؟ يحتمل هذا وغيره، فلما قال: أربعة أيام حصل نوع تخصيص. وإن كانت هذه الأيام غير معيَّنة. وتقول: جاء رجلٌ طويلٌ مغضبًا، مغضبًا حال وصاحبها رجل، وهو نكرة، وصَحَّ مجيء الحال من النكرة لكونها موصوفة، فإذا وُصفت حصل التخصيص وهو تقليل الاشتراك، رجلٌ طويل خرج بالوصف جميع القصار لكن من هو الطويل؟ فهذا هو الذي وقع فيه الاشتراك. فتقليل الاشتراك باعتبار القصير، وبقي نوع اشتراك في نوعية الصفات.
رجلٌ كريمٌ عندنا مقيمًا، فرجلٌ مبتدأ، وكريمُ صفته، وعندنا ظرف متعلِّق بمحذوف خبر، ومقيمًا حال، وصاحب الحال رجل، وهو نكرة، وهذا على مذهب سيبويه من صحة مجيء الحال من المبتدأ والجمهور على المنع.
الثالث: التعميم أي الذي يُسوِّغ مجيء صاحب الحال نكرة التعميم، نحو: هل فتىً فيكم واقفًا؟ فواقفًا حال وصاحب الحال فتىً، وهو نكرة، لكن نكرة في سياق الاستفهام فَتَعُمُّ، وإذا عَمَّتْ
[ ٥٤١ ]
صارت من جهة المعنى معرفة. قال تعالى: «وَمَاأَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨») [الشعراء:٢٠٨] فما نافية، وأهلكنا فعل وفاعل، ومن حرف جر زائد، وقرية مفعول به، وإلا أداة استثناء ملغاة، ولها خبرٌ مقدم، ومنذرون مبتدأ مؤخر. والجملة من المبتدا والخبر في محل نصب حال، وصاحب الحال قرية، والذي سوَّغ مجيء الحال منها وهي نكرة كونها عامةً، لأنها نكرة في سياق النفي ودخلت عليها من الاستغراقية فهي نص في العموم.
الرابع: التأخير عن الحال، نحو: فيها قائمًا رجلٌ، هنا أُخِّر صاحب الحال عن الحال، فرجلٌ مبتدأ، وفيها خبر مقدَّم وقائمًا حال، فصاحب الحال نكرة تقدمت عليه الحال، وهذا التقديم هو الذي سوَّغ مجيء الحال من النكرة. قال الشاعر:
لِمَيةَ مُوحِشًا طَلَلُ يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
طلل مبتدأ مؤخر، وموحشًا حالٌ من طلل وهو نكرة، والذي سوَّغَ مجيء الحال منه كونُه مؤخرًا.
[وَلاَ يَكُونُ غَالِبًا ذُو الحَالِ] أي صاحب الحال وهو مَن الحال وصفٌ له في المعنى [إِلاَّ مُعَرَّفًا] أي معرفة أو نكرةً معها مُسوغ، لأنه محكوم عليه فلا يكون نكرة إلا بمسوغ كما أن المبتدأ محكوم عليه فلا يكون نكرة إلا بمسوغ، لذلك قال غالبًا لإدخال النكرة التي وُجد معها مسوغ. فاحترز بقوله: غالبًا من بعض النكرات التي يوجد معها مسوِّغ فحينئذٍ يصح مجيء الحال منها، [فِي الاسْتِعْمَالِ] والاستعمال المراد به إطلاق اللفظ وإرادة المعنى.
[ ٥٤٢ ]