أي هذا باب الشيء الذي فُعِلَ من أجله شيء آخر، فالمفعول لأجله هو الذي فُعِلَ لأجله شيء آخر، والضمير في لأجله إما أن يعود على أل لأنها اسم موصول، وقيل على موصوف محذوف، أي الشيء الذي فُعِل لأجله شيء آخر، وهذا قبل جعل هذا التركيب عَلَمًا، وأما بعد جعله عَلَمًا، وصار علما مركَّبا منقولًا من اسم المفعول ومتعلِّقه، إلى العلمية وهو ما سيذكره الناظم.
[بَابُ المَفْعُولِ لأَجْلِهِ] ويقال له: المفعول من أجله، والمفعول له، هذه ثلاثة أسماء والمعنى واحد، والثالث هو المشهور قال: -
وَهْوَ الَّذِي جَاءَ بَيَانًا لِسَبَبْ كَيْنُونَةِ العَامِلِ فِيهِ وَانْتَصَبْ
والأولى أن يعرَّف بأنه المصدر المعلِّلُ لحدث شاركه وقتًا وفاعلًا. فكل قيد من هذه القيود هي مأخوذة في حدِّ المفعول له، إن وجدت مجتمعه حينئذٍ صحَّ تسميته مفعولًا لأجله، وإن فُقِدَ منها واحد ولو مع وجود البقية انتفى كونه مفعولًا لأجله. فيشترط فيه أن يكون مصدرًا، فإن لم يكن مصدرًا فلا يكون مفعولًا لأجله، ويُشترط فيه أن يكون مُعلِّلًا، يعني ذُكِرَ لعلة ولسبب، لذا قال: الذي جاء بيانا لسبب، فإن لم يكن كذلك انتفى كونه مفعولًا لأجله، لحدث مشارك له في الوقت والفاعل فلا بُدَّ من المشاركة، الاتحاد زمنًا وفاعلًا فإن لم يتحدا زمنًا
[ ٦٠٩ ]
انتفى كونه مفعولًا لأجله، ومثال المستجمع للشروط قوله تعالى: (يجعلون أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ (١٩») [البقرة:١٩] فحذرَ منصوبٌ على أنه مفعول لأجله، وهو مصْدر، ومُعَلِّل للحدث المشارك له وهو يجعلون. وضابط المفعول لأجله أنه يصح أن يقع جواب لِمَ، ذكره الحريري فقال:
وَغَالِبُ الأَحْوالِ أَنْ تَرَاه جَوَابَ لِمْ فَعَلْتَ مَا تَهَوَاهُ
لِمَ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق؟ جوابه: حذرَ الموت، إذًا صحَّ أن يقع جوابًا للِمَ، فحذرَ نقول: هذا مصدر وهو منصوب، ذُكِرَ علَّةً وسببًا لجعل الأصابع في الآذان، وقوله: أصابعهم، مجاز مرسل، المراد به أطراف الأصابع، ولا يجعلون الأصابع كلَّها، يسمى مجازًا مرسلًا لإطلاق الكل مرادًا به الجزء، وزمنه وزمن الجعْل واحد، وفاعلهما واحد وهم الكافرون إذًا وجدت الشروط، فإذًا حذرَ مصدر منصوب على المفعولية لأجله وهو معلل لحدث شاركه، وزمن الجعل واحد مع الحذر، والفاعل واحد، وهم الكافرون، وصحَّ وقوعه في جواب لِمَ؟.
فلو فقد المعلل شرطا من هذه الشروط انتفى كونه مفعولًا لأجله، ووجب جره بحرف دال على التعليل، والأكثر أن يكون اللام، مثال ما فَقَدَ المصدرية قوله تعالى: «هُوَالَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا (٢٩») [البقرة:٢٩] لكم الكاف حرف خطاب، والمخاطَبون هم علة الخلق، لِمَ خلق ما في الأرضِ؟ لكم أنتم أي للمخاطبين، لكنه ليس بمصدر، فالكاف ليس بمصدر بل هو لفظ جامد، فالضمائر كلها جوامد ليست من المشتقات، إذًا المخاطبون هم علة الخلق، وخُفِضَ ضميرهم باللام لأنه ليس مصدرًا، ولا يصحُّ أن
[ ٦١٠ ]
يقال: جئتك السمْن، يعني جئت من أجل أن آخذ السمن، اتفاقًا لا يصح وإنما يجب جره بلام دالة على التعليل، فتقول: جئتك للسمن، لأنَّ السمن ليس بمصدر. ومثال ما فَقَدَ اتحاد الزمن، قول الشاعر:
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَومٍ ثِيَابَهَا لَدَى السِّترِ إِلاَ لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ
فنوم مصدر، ونضَّت يعني خلعت لنوم، فالفاعل واحد، والنوم علة لخلع الملابس، وهل الزمن واحد؟ نقول: لا، لأنَّ الخلع سابق على النوم، فهي لا تخلع وتنام في وقتٍ واحدٍ، وإنما الخلع أوَّلا ثم النوم، إذًا أحدهما سابق على الآخر، ففقد اتحاد الزمن، لا بُدَّ أن يكون زمن الخلع وزمن المصدر وهو النوم واحدًا، وهنا الزمن مختلف، لأنَّ الخلع سابق على النوم. ومثله جئتك اليوم للإكرام غدًا، وجب جره باللام، فالمجيء وقع اليوم، والإكرام الذي هو علة المجيء سيقع غداَ إذًا افترقا.
ومثال ما فَقَدَ اتحاد الفاعل، نحو: جاء زيد لإكرام عمرٍو له، ففاعل الإكرام وفاعل المجيء مختلف، فالإكرام الذي هو علة للمجيء لم يصدر من فاعل واحد، وإنما صدر من فاعلين، فاعل المجيء ليس هو عينه فاعل الإكرام، ففاعل الإكرام عمرو، وفاعل المجيء المتكلم. وقال الشاعر:
وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلهُ القَطْرُ
[ ٦١١ ]
فإنَّ الذكرى هي علة عُروِّ الهزة، وزمنهما واحد، ولكن اختلف الفاعل، ففاعل العرو هو الهزة، وفاعل الذكرى هو المتكلم، لأنَّ المعنى لذكري إيَّاكِ، فلمَّا اختلف الفاعل خفض باللام.
هذه شروط أربعة لا بُدَّ من توفرها في المفعول لأجله، حينئذٍ يجوز نصبه على المفعولية، فهذه الشروط لجواز النصب على المفعولية لا لإيجابه.
وَهْوَ الَّذِي جَاءَ بَيَانًا لِسَبَبْ كَيْنُونَةِ العَامِلِ فِيهِ وَانْتَصَبْ
كَقُمْتُ إِجْلاَلًا لِهَذَا الحِبْرِ وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ
[وَهْوَ] أي المفعول لأجله عاد الضمير على المضاف إليه وهو جائز على الصحيح، [الَّذِي] اسم موصول يصدق على المصدر وهو اسم، فحينئذ لا يكون المفعول لأجله فعلًا ولا حرفًا إنما يختص بالأسماء، ولذلك من علامات الأسماء: كونها مفعولًا له، فكلُّ ما اختص من العناوين التي تمر بك من الابتداء أو الخبر أو التمييز أو الحال إذا قيل: هذا مختص بالاسم فحينئذٍ تجعل هذا العنوان من علامات الأسماء، لا يقع الفعل مفعولًا له، ولا يقع الحرف مفعولًا له، فإذا وقع اللفظ مفعولًا له تجعل هذا المحلَّ الذي هو مفعولٌ له من علامات الأسماء، فتقول مثلًا قوله تعالى: (حَذَرَ الْمَوْتِ) هذا اسم وعلامة اسميته مع كونه مضافا، كونه مفعولًا له، فتجعل من العلامات كونه مفعولًا له، لأن المفعول له لا يكون إلا اسمًا، إذًا [الَّذِي] هنا يصدق على الاسم، ويعيَّن بالمصدر حينئذٍ خرج
[ ٦١٢ ]
الفعل والحرف، [جَاءَ] أي أتى وثبت، [بَيَانًا لِسَبَبْ] يعني ذُكر علة، والسبب والعلة بمعنى على المشهور، قال في المراقي:
وَمَعَ عِلَّةٍ تَرَادَفَ السَّبَبْ وَالفَرْقُ بَعْضُهُمْ إِلِيْهِ قَدْ ذَهَبْ
[جَاءَ بَيَانًا لِسَبَبْ] أي المفعول له سبب حامل للفاعل على الفعل، نحو: قمتُ إجلالًا لك، فإجلالًا هذا سبب لحمل الفاعل على القيام، فحينئذ صار المفعول له سببًا للفاعل، من أجل أن يفعل الفعل الذي هو القيام، فإجلالًا من قولك: قمت إجلالًا لك مفعول له، وهو سبب وعلة حمَل الفاعل على إيجاد القيام، إذًا سبب وجود القيام إجلال الفاعل للمخاطب، [بَيَانًا لِسَبَبْ كَيْنُونَةِ العَامِلِ فِيهِ] يعني وقوع الفعل الواقع من الفاعل، والمراد بالفعل هنا الفعل اللغوي يعني لِمَ وَقع ووُجِد وكان هذا الحدث وهو القيام؟ نقول: علته وسببه هو المفعول لأجله. [وَانْتَصَبْ] هذا بيان لحكم المفعول له، لما ذكر لك حقيقته وهي حاصلة بالحد أو بالرسم حينئذٍ يسأل السائل: ما حكمه؟ ومعلوم مِن وضع هذا الباب في ضمن الأسماء المنصوبة أن حكمه النصب، [وَانْتَصَبْ] جوازًا لا وجوبًا إذا وجدت الشروط السابقة: كونه مصدرًا، ومعللًا لحدث شاركه وقتًا وفاعلًا، إذا وجدت هذه الشروط حينئذٍ نحكم عليه بأنه يجوز نصبه على أنه مفعول له وليس بواجب، ويجوز جره بحرفٍ دالٍّ على التعليل، فحينئذٍ جُعِل هذا الباب من المنصوبات لأن المنصوبات على قسمين:
[ ٦١٣ ]
ما يجب نصبه، وما يجوز نصبه - كما ذكرناه في المستثنى - أن بعضه يجب نصبه، وبعضه يجوز نصبه، جواز النصب راجحًا أو مرجوحًا، كذلك المفعول لأجله كلُّه جائز النصب وليس بواجب النصب، [وَانْتَصَبْ] جوازًا مع وجود الشروط السابقة، فالشروط إنما هي للجواز لا للوجوب، فإذا لم تنصبه فجُرَّه بحرف دالٍّ على التعليل، والأكثر أن يكون باللام، وليس مختصًّا باللام بل (مِنْ) و(الباء) و(في) قد تكون للتعليل أيضًا. [كَقُمْتُ إِجْلاَلًا لِهَذَا الحِبْرِ] أي كقولك أو مثلُ: قُمْتُ إِجْلاَلًا لِهذَا الحِبْرِ، الحِبْر، والحَبرْ يجوز فيه الوجهان، ولكن في النظم يُكسَر أولى من أجل قوله: (البِرِّ)، قمت فعل وفاعل، وإجلالًا مفعول له، مفعول لأجله، مفعول من أجله، جاء بيانًا لسبب وقوع القيام، ولو قيل لك لم قمتَ؟ تقول: إجلالًا لهذا الحِبْر، حينئذٍ وقع في جواب لِمَ؟ وهي إنما يسأل بها عن التعليل والسبب، فحينئذٍ وقع هذا المصدر إجلالًا لأنه مصدر أَجَلَّ يُجِلُّ إجْلالًا، مصدر وقع جواب لِمَ؟ حينئذٍ مع بقية الشروط وهي اتحاد الزمن واتحاد الفاعل نقول: جائزٌ نصبه، ويصح أن يقال: قمت لإجلالٍ، فاللام حرف جر، وإجلالٍ مجرور باللام وجره كسرة ظاهرة على آخره، إذًا انتقل من النصب إلى الجر مع وجود الشروط. والحِبْرِ هو العالم. [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] زرت فعل وفاعل، وأحمد مفعول به، ابتغاء البرِّ مفعول لأجله، ذُكر علة وسببًا للزيارة، لِمَ زرت أحمد؟ نقول: ابتغاء البر والفضل والإحسان، مع وجود الشروط وهي اتحاد الفاعل واتحاد الزمن وكونه مصدرًا وذُكر علة لوقوع الفعل
[ ٦١٤ ]
وهو الزيارة، فمع استيفاء هذه الشروط جاز نصبه على أنه مفعول لأجله، ويجوز جره باللام لابتغاءِ البرِّ فحينئذٍ يكون جارًا ومجرورًا متعلق بقوله: زرت.
قوله: [قُمْتُ إِجْلاَلًا] وقوله: [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] فيه إشارة إلى أنَّ الفعل إذا كان لازمًا فهو لا ينصب مفعولا به، وإذا لم ينصب مفعولًا به ليس معناه أنه لا ينصب حالا، ولا تمييزًا، ولا مفعولًا لأجله، ولا مفعولا معه، بل ينصب كلَّ ما ذُكر، وإنما الممنوع هو نصب المفعول به فقط، والدليل قوله: قمت إجلالًا، فإجلالًا مفعول لأجله، والعامل فيه قام، وهو فعل لازم، إذًا الفعل اللازم قد ينصب، نقول: هل الفعل اللازم لا ينصب مطلقًا؟ نقول: لا بل قد ينصب، ولكنه لا ينصب مفعولًا به، وإنما يجوز نصبه للحال أو التمييز أو المفعول لأجله، فقوله: [قُمْتُ إِجْلاَلًا] هذا مثال المفعول لأجله المنصوب بفعل لازم، وقوله: [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] زرت أحمدَ هذا متعدٍّ، وابتغاءَ البِرِّ منصوب بفعل متعدٍّ على أنه مفعول لأجله.
إذًا من المثالين تأخذ قاعدة: وهي أن الفعل اللازم لا ينصب مفعولًا به، ويجوز أن ينصب ما عدا المفعول به.
وأن قوله: إجلالًا، وابتغاء البر، فيه تنويع للمفعول لأجله، فقد يكون مجردًا غير محلى بأل، ولا مضافًا مثل إجلالًا فهو مجرد من أل ومن الإضافة، وهذا يجوز فيه النصب والجر باللام، النصب كقول الناظم: [قُمْتُ إِجْلاَلًا] وجره باللام نحو: قمت لإجلالٍ
[ ٦١٥ ]
لهذا الحبر، ولكن النصب أرجح من الجر. وقد يكون مضافًا كمثال الناظم [وَزُرْتُ أَحْمَدَ ابْتِغَاءَ البِرِّ] حينئذٍ يجوز فيه الوجهان: النصب، والخفض بلام التعليل، وليس أحدهما أرجح من الآخر، بل هما على السواء، إذًا يستوي أن يقال: زرتُ أحمدَ ابتغاءَ البرِّ بالنصب، مع قولك: زرتُ أحمدَ لابتغاء البِرِّ. وقد يكون المفعول لأجله محلى بأل نحو: ضربت ابني التأديب، فالتأديب مفعول لأجله وهو محلى بأل، وهذا يجوز فيه الوجهان، ولكن الخفض بالحرف أرجح، عكس الأول الذي هو المجرد من أل والإضافة، فقولك: ضربت ابني للتأديب، أرجحُ من قولك: ضربت ابني التأديبَ.
والحاصل أنَّ المفعول لأجله له أحوال ثلاثة:
الأولى: أن يكون مجردًا عن أل والإضافة هذا يجوز فيه الوجهان: النصب والخفض باللام، والنصب أرجح، ودليل الترجيح كثرة السماع.
الثانية: أن يكون مضافًا، وهذا يجوز فيه الوجهان على السواء، لا يترجح أحدهما على الآخر.
الثالثة: ولم يذكرها الناظم وهي أن يكون المفعول لأجله محلَّى بأل، وهذا يجوز فيه الوجهان: النصبُ، والجر بلام التعليل، والثاني أرجح.
[ ٦١٦ ]