مدخل
الباب الخامس:
ذكر جهات يدخل على المعرب الاعتراض من جهتها، ومنها: الجهة الخامسة١: أن يترك بعض ما يحتمله اللفظ من الأوجه الظاهرة، وذكر لذلك أمثلة مرتبة على الأبواب.
كافة: ملتزم فيها شيئان:
أولا: استعماله لمن يعقل.
والثاني: نصبه على الحال.
اشترط النحويون في بعض الجمل أن تكون خبرية وفي بعضها أن تكون إنشائية، فمن الأول؛ الصلة والصفة والحال وخبر "كان" وخبر "إن" وخبر ضمير الشأن، قيل وخبر المبتدأ وجواب القسم غير الاستعطافي، أما الاستعطافي فيكون إنشاء كقوله:
_________________
(١) ١ انظر: المغني ص٧٢٢.
[ ١٤٩ ]
٧٦- بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة أبى غير ما يرضيك في السر والجهر١
_________________
(١) ١ هذا بيت من الطويل، انظر: الهمع ٢/٤١، والدرر ٤/٢٢١، ومعجم شواهد العربية ١/١٧٥، الشاهد فيه: بعيشك ارحمي فإن جملة جواب القسم الاستعطافي ارحمي إنشائية.
[ ١٥٠ ]
شروط الحذف١:
شروط الحذف ثمانية:
الأول: وجود دليل إن كان المحذوف عمدة، أما إن كان فضلة فالشرط أن لا يكون في حذفه ضرر.
الثاني: ألا يكون ما يحذف كالجزء، فلا يحذف الفاعل ولا نائبه ولا ما يشبهه.
الثالث: أن لا يكون مؤكدا، فلا يحذف العائد في نحو قولك: الذي رأيته نفسه زيد.
الرابع: أن لا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر، فلا يحذف اسم الفعل دون معموله.
الخامس: أن لا يكون عاملا ضعيفا، فلا يحذف الجار والجازم والناصب للفعل إلا في مواضع قويت فيها الدلالة وكثر استعمالها ولا يمكن القياس عليها.
_________________
(١) ١ انظر: المغني ص٧٨٦.
[ ١٥٠ ]
السادس: أن لا يكون عوضا عن الشيء فلا تحذف ما في أما أنت منطلقا ولا التاء من نحو: "عدة وزنة".
السابع: أن لا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، فلا يحذف المفعول -وهو الهاء- من ضربني وضربته زيد، لئلا يتسلط على زيد ثم يقطع عنه برفعه للفعل الأول.
الثامن: أن لا يؤدي حذفه إلى إعمال العامل الضعيف مع إمكان إعمال العامل القوي، فلا يحذف الضمير في: زيد ضربته، لأنه يؤدي إلى إعمال المبتدأ وإهمال الفعل مع أنه أقوى.
المحذوف المقدر ينبغي تقليله ما أمكن، ولذلك كان تقدير الأخفش في قولهم: "ضربي زيدا قائما": ضربي زيدا ضربه قائما أولى من تقدير باقي البصريين: حاصل إذا كان أو إذ كان قائما، لأنه لم يقدر إلا اثنين وهم قدروا خمسة.
إذا دار الأمر بين أن يكون المحذوف المبتدأ أو الخبر، فقيل يكون المبتدأ وقيل يكون الخبر، مثاله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ١ هل يقدر فصبري صبر جميل أو يقدر فصبر جميل أمثل من ضده.
_________________
(١) ١ سورة يوسف. الآيتان: ١٨، ٨٣.
[ ١٥١ ]
أذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا؛ فكونه ثانيا أولى، مثاله: نون الوقاية في قوله: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ ١ بتخفيف النون، ومثل: مقول ومبيع المحذوف منهما واو مفعول، ومثل: إقامة المحذوف منها ألف إفعال، ومثل: زيد وعمرو قائم، فقائم خبر للأول، وقيل للثاني، وقيل لهما، ومثل ذلك ما لم يوجد مانع من صحة الحذف من الأول أو الثاني فيمتنع.
وقد استطرد المؤلف ﵀ لما يحذف من الجمل أو الكلمات في مواضع كثيرة، ثم قال: الحذف الذي يلزم النحوي النظر فيه هو ما اقتضته الصناعة، وذلك بأن يجد خبرا بدون مبتدأ، أو شرطا بدون جزاء، أو معطوفا بدون معطوف عليه، أو معمولا بدون عامل، ونحو ذلك، وأما غير ذلك مثل المحذوف في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ٢ أي والبرد فهذا للمفسر لا للنحوي وبحثه في علم النحو فضول.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام. الآية: ٨٠، قرأ بتخفيف النون نافع وابن ذكوان وهشام بخلاف عنه، والباقون بتخفيف النون. انظر: الدر المصون ٥/١٥. ٢ سورة النحل. الآية: ٨١.
[ ١٥٢ ]