اخْتلف النحويون فِي أصل (إِذَنْ)، هَل هِيَ حرفٌ أَو اسمٌ؟ وَهل هِيَ بسيطةٌ أَو مركبةٌ؟ ذهب الْجُمْهُور إِلَى أنّها حرفٌ، وَذهب بعض الْكُوفِيّين إِلَى أنّها اسمُ ظرفٍ، وَأَصلهَا "إِذا" الظَّرْفِيَّة لحقها التَّنْوِين عوضا من الْجُمْلَة المحذوفة، إِذْ الأَصْل فِي (إِذَنْ أكرمَك) أَن تَقول: (إِذا جئتني أكرمُك)، حُذف ماتضاف إِلَيْهِ "إِذا"، وعُوّض مِنْهُ التَّنْوِين كَمَا عَوّضوا فِي (حينئذٍ)، وحُذفت الْألف لالتقاء الساكنين، ونُقلت إِلَى الجزائية فبقى فِيهَا معنى الرَّبْط وَالسَّبَب.
وَذهب رضيّ الدّين إِلَى ماذهب إِلَيْهِ بعض الْكُوفِيّين، فَقَالَ: "الَّذِي يلوح لي فِي "إِذَنْ" ويغلب فِي ظنّي أنّ أَصله "إذْ" حذفت الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا، وعُوّض مِنْهَا التَّنْوِين لمّا قُصد جعله صَالحا لجَمِيع الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة بَعْدَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بالماضي، وَذَلِكَ أنّهم أَرَادوا الْإِشَارَة إِلَى زمَان فعلٍ مذكورٍ فقصدوا إِلَى لفظ "إذْ" الَّذِي هُوَ بِمَعْنى مُطلق الْوَقْت لخفة لَفظه، وجرّدوه عَن معنى الْمَاضِي وجعلوه صَالحا للأزمنة الثَّلَاثَة، وحذفوا مِنْهُ الْجُمْلَة الْمُضَاف هُوَ إِلَيْهَا، لأنّهم لمّا قصدُوا أَن يشيروا بِهِ إِلَى زمَان الْفِعْل الْمَذْكُور، دلّ ذَلِك الْفِعْل السَّابِق على الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا، كَمَا يَقُول لَك شخصّ مثلا: "أَنا أزورك"، فَتَقول: "إِذَنْ أكرمَك"، أَي: "إذْ تزورني أكرمك"، أَي: وَقت زيارتك لي أكرمك،
_________________
(١) ينظر نتائج الْفِكر ١٣٤، وَشرح التسهيل ٤/٢٠، وَشرح الكافية للرضي ٢/٢٣٥، ٢٣٨، ورصف المباني ١٥٧، والارتشاف ٤/١٦٥٠، والجنى الداني ٣٦٣، وتوضيح الْمَقَاصِد ٤/١٩٠، وجواهر الْأَدَب ٣٣٩، وَمُغْنِي اللبيب ١٥، والمساعد ٣/٧٤، وَالتَّصْرِيح ٢/٢٣٤، والهمع ٢/٦، والأشموني ٣/٢٩٠، والنحو الوافي ٤/٣٠٨.
[ ٤١٢ ]
وعُوّض التَّنْوِين من الْمُضَاف إِلَيْهِ؛ لأنّه وُضع فِي الأَصْل لَازم الْإِضَافَة، فَهُوَ كـ"كلٍّ وبعضٍ"، إلاّ أنّهما معربان و"إذْ" مبنيّ"١.
ويؤكد على اسميتها فِي أَكثر من موضعٍ بقوله: "وَإِذا جَازَ لَك إِضْمَار "أَنْ" بعد الْحُرُوف الَّتِي هِيَ: الْوَاو، وَالْفَاء، وأو، وَحَتَّى، فهلاّ جَازَ إضمارها بعد الِاسْم – يَعْنِي إِذَنْ - وإنّما لم يجز إِظْهَار "أَنْ" بعد "إِذَنْ" لاستبشاعهم للتلفظ بهَا بعْدهَا"٢.
وَقَالَ فِي موضعٍ آخر: "و"إِذَنْ" كنواصب الْفِعْل الَّتِي لَا يُفصل بَينهَا وَبَين الْفِعْل، إلاّ أنّ "إِذَنْ" لمّا كَانَ اسْما بِخِلَاف أخواته جَازَ أَن يُفصل بَينه وَبَين الْفِعْل" ٣.
بل إِنّه رجّح اسميتها بقوله: "وقَلْبُ نونها فِي الْوَقْف ألفا يُرجّح جَانب اسميّتها"٤.
وَاخْتلف النحويون أَيْضا فِي بساطتها وتركّبها، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أنّها بسيطة لامركبة من (إذْ وأنْ) أَو (إِذا وأنْ) .
وَذهب الْخَلِيل فِي أحد أَقْوَاله فِيمَا حكى عَنهُ غير سِيبَوَيْهٍ إِلَى أنّها حرفٌ مركبٌ من "إذْ" و"أَنْ"، وغَلب عَلَيْهَا حكم الحرفية، ونُقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الذّال، ثمّ حُذفت والتُزم هَذَا النَّقْل.
وَمِمَّنْ ذهب إِلَى هَذَا الرَّأْي بعض الْكُوفِيّين، وَابْن مَالك، فَقَالَ: "
_________________
(١) شرح الئكافية ٢/٢٣٥.
(٢) شرح الكافية ٢/٢٣٧.
(٣) شرح الكافية ٢/٢٣٧.
(٤) شرح الكافية ٢/٢٣٨.
[ ٤١٣ ]
وَلَيْسَ فِي هَذَا نصٌّ على أنّ انتصاب الْمُضَارع بعد "إِذَنْ" عِنْد الْخَلِيل بـ"أَنْ" مضمرة، لجَوَاز أَن تكون مركبة مَعَ "إذْ" الَّتِي للتَّعْلِيل، و"أَنْ" محذوفا همزتها
بعد النَّقْل، والقولُ بِهِ على ضعفه أقربُ من القَوْل بأنّ "إِذَنْ" غيرُ مركبة".
ويؤكّد ابْن مَالك تركّبها بقوله: "والقولُ بأنّ "إِذَنْ" مركبةٌ من "إذْ" و"أَنْ" أسهلُ مِنْهُ" ١.
وَذهب أَبُو عليّ الرُّنديّ تلميذ السهيليّ إِلَى أنّها مركبةٌ من "إِذا" و"أَنْ"، حُذفت همزَة "أَنْ"، ثمَّ حُذفت ألف "إِذا" لالتقاء الساكنين، ثمّ تُعطى مَا تُعطى كلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا، فتعطى الرّبط كـ (إِذا)، والنّصب كـ (أنْ) ٢.
وَقد ردّ المالقيّ على من زعم أنّ "إِذَنْ" مركبةٌ، بقوله: "وَهَذَا فاسدٌ من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أنّ الأَصْل فِي الْحُرُوف البساطة، وَلَا يُدّعى التَّرْكِيب إلاّ بدليلٍ قاطعٍ.
وَالثَّانِي: أنّها لَو كَانَت مركبة من "إذْ" و"أَنْ" لكَانَتْ ناصبةً على كلّ حالٍ، تقدّمت أَو تَأَخَّرت، وعدمُ الْعَمَل فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة قبلُ دليلٌ على عدم التَّرْكِيب" ٣.
[ ٤١٤ ]