قَالَ ابْن هِشَام: "وَيَنْبَنِي على الْخلاف فِي الْوَقْف عَلَيْهَا خلافٌ فِي كتَابَتهَا"٤.
لذَلِك اخْتلف النحويون فِي كتَابَتهَا على ثَلَاثَة مَذَاهِب:
الأول: ذهب الْجُمْهُور إِلَى أنّها تُكتب بِالْألف، وَكَذَلِكَ رُسمت فِي الْمُصحف، ونُسب هَذَا القَوْل إِلَى المازنيّ، قَالَ المراديّ: "وَفِيه نظرٌ؛ لأنّه إِذا كَانَ يرى الْوَقْف
_________________
(١) ينظر شرح الكافية ٢/٢٣٨، وَشرح الْجمل لِابْنِ عُصْفُور ٢/١٧٠، والجنى الداني ٣٦٦، ورصف المباني ١٥٥، ١٥٦، وَالْمُغني ١٦، وَالْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ٥/١٦٢، وَالْكَوَاكِب الدريّة ٤٦٧، والنحو الوافي ٤/٣١٢.
(٢) الْمُغنِي ١٦.
[ ٤٣٦ ]
عَلَيْهَا بالنُّون كَمَا نُقل عَنهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَن يَكْتُبهَا بِالْألف" ١.
قَالَ المالقيّ: "وعلّةُ من كتبهَا بِالْألف فِي الْحَالَتَيْنِ – أَي من الْوَصْل وَالْوَقْف – شَبَهُها بالأسماء المنقوصة، لكَونهَا على ثَلَاثَة أحرف بهَا، فَصَارَت كالتنوين فِي مثل "دَمًا ويدًا" فِي حَال النصب" ٢.
الثَّانِي: ذهب المازنيّ والمبرد وَأكْثر النَّحْوِيين إِلَى أنّها تكْتب بالنُّون، وَقد رُوي عَن الْمبرد أنّه قَالَ: "أشتهي أنْ أكويَ يدَ مَنْ يكْتب "إِذَنْ" بِالْألف، إنّها مِثْلُ "لَنْ وأَنْ"، وَلَا يدْخل التَّنْوِين فِي الْحُرُوف" ٣.
قَالَ المالقيّ: "فعلّةُ من كتبهَا بالنُّون فِي الْحَالَتَيْنِ - من الْوَصْل وَالْوَقْف - أنّها حرف، ونونها أصليّة، فَهِيَ كـ"أنْ، وعَنْ، ولَنْ" "٤.
الثَّالِث: ذهب الْفراء إِلَى التَّفْصِيل، وَهُوَ أنّها إِنْ كَانَت مُلغاةً كُتبت بِالْألف؛ لأنّها قد ضَعُفت، وَإِن كَانَت عاملةً كُتبت بالنُّون؛ لأنّها قد قويت.
وَقد نَسب لَهُ رضيّ الدّين وَابْن هِشَام الأنصاريّ عكس ماذُكر٥.
قَالَ المالقيّ: "وعلّةُ من فرّق بَين كَونهَا عاملةً فتُكتب بالنُّون تَشْبِيها بـ"عَنْ" و"أَنْ"، وَكَونهَا غيرَ عاملة فتُكتب بِالْألف تَشْبِيها بالأسماء الْمَذْكُورَة كـ"دَمًا" و"يدا" "٦. ورجَّح ابْن عُصْفُور كتَابَتهَا بالنُّون، فَقَالَ: "وَالصَّحِيح أنّها
_________________
(١) الجنى الداني ٣٦٦.
(٢) رصف المباني ١٥٦.
(٣) ينظر الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ٥/١٦٢، والجنى الداني ٣٦٦.
(٤) رصف المباني ١٥٥.
(٥) ينظر تَفْصِيل الرأيين فِي شرح الْجمل لِابْنِ عُصْفُور ٢/١٧٠، وَشرح الكافية ٢/٢٣٨، ورصف المباني ١٥٥، والجنى الداني ٣٦٦، وَالْمُغني ١٦.
(٦) رصف المباني ١٥٦.
[ ٤٣٧ ]
تكْتب بالنُّون لأمرين:
أَحدهمَا: أنَّ كلَّ نون يُوقف عَلَيْهَا بِالْألف تُكتب بِالْألف، وَمَا يُوقف عَلَيْهِ من غير تغييرٍ يُكتب على صورته، وَهَذِه يُوقف عَلَيْهَا من غير تَغْيِير، فَيَنْبَغِي أَن تُكتب على صورتهَا بالنُّون.
وَأَيْضًا: فإنّها يَنْبَغِي أَنْ تُكتبَ بالنُّون فرقا بَينهَا وَبَين "إِذا" "١.
أمّا المالقيّ فقد بيّن وجهة نظره فِي كتَابَتهَا بالنُّون تَارَة، وبالألف تَارَة، بقوله: "وَالَّذِي عِنْدِي فِيهَا: الِاخْتِيَار أَن ينظر: فَإِن وُصلت فِي الْكَلَام كُتبت بالنُّون، عملت أَو لم تعْمل، كَمَا يُفعل بأمثالها من الْحُرُوف؛ لأنّ ذَلِك لَفظهَا مَعَ كَونهَا حرفا لااشتقاق لَهَا، وَإِذا وُقف عَلَيْهَا كُتبت بِالْألف؛ لأنّها إذْ ذَاك مشبَّهةٌ بالأسماء المنقوصة الْمَذْكُورَة فِي عدد حروفها، وأنّ النُّون فِيهَا كالتنوين، وأنّها لاتعمل مَعَ الْوَقْف مثل الْأَسْمَاء مُطلقًا" ٢.
وَالله الْمُوفق للصّواب، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب، وَالله أسأَل - ﷾ - أَن يجعلنا مِمَّن إِذا دُعِيَ فَأجَاب، وَإِذا كتب أَو تحدث فَأصَاب، وَأَن يرزقنا فَهْمَ الْحِكْمَة وفَصْلَ الْخطاب، وَأَن يُصَلِّي على سيدنَا وقدوتنا محمدٍ ﷺ، وعَلى آله وَالْأَصْحَاب، وتابعيهم إِلَى يَوْم المآب، وآخِرُ دعوانا أَنِ الْحَمد لله رب الْعَالمين، آمين.
_________________
(١) شرح الْجمل ٢/١٧٠.
(٢) رصف المباني ١٥٦.
[ ٤٣٨ ]