قَالَ سِيبَوَيْهٍ: "وأمّا "إِذَنْ" فجوابٌ وجزاءٌ" ٤.
قَالَ أَبُو حيّان: "وتحرير معنى "إِذَنْ" صعبٌ، وَقد اضْطربَ النّاس فِي مَعْنَاهَا، وَقد نصَّ سِيبَوَيْهٍ على أنّ مَعْنَاهَا: "الجوَابُ والجزاءُ"، وَاخْتلف النحويون فِي فهم كَلَام سِيبَوَيْهٍ" ٥.
نعم اخْتلف النحويون فِي فهم مَعْنَاهَا، وَالَّذِي يظْهر من لَفظه أنّها حَيْثُمَا
_________________
(١) الْإِيضَاح ٣٢٠.
(٢) اشْترط هَذَا الشَّرْط الحيدرة اليمني فِي كشف الْمُشكل ١/٥٤٠، والأندلسيّ فِي شرح الْمفصل، ينظر الْأَشْبَاه والنظائر ٢/١٣٥.
(٣) ينظر الْكتاب ٤/٢٣٤، وَابْن يعِيش ٩/١٣، وَشرح الْجمل لِابْنِ عُصْفُور ٢/١٧٠، ١٧١، وَشرح الجزولية ٢/٤٧٧، وَشرح الكافية ٢/٢٣٦، والارتشاف ٤/١٦٥٤، ورصف المباني ١٥١، والجنى الداني ٣٦٤، وَالْمُغني ١٥، وَالتَّصْرِيح ٢/٢٣٤، والهمع ٢/٦، ودراسات لأسلوب الْقُرْآن ١/٦٤.
(٤) الْكتاب ٤/٢٣٤، وَينظر الصّاحبي ١٩٨.
(٥) الْبَحْر الْمُحِيط ١/٤٣٤.
[ ٤٢١ ]
تُوجد يكون مَعْنَاهَا الْجَواب وَالْجَزَاء مَعًا، وَهَذَا مَا فهمه الْأُسْتَاذ أَبُو عليّ الشلوبين١، حَيْثُ حمل كَلَام سِيبَوَيْهٍ على ظَاهره، وتكلّف فِي كلّ مَكَان وَقعت فِيهِ أنّها جوابٌ وجزاءٌ.
أمّا أَبُو عليّ الفارسيّ فإنّه فهم من كَلَام سِيبَوَيْهٍ أنّها قد تَرِدُ لَهما، وَهُوَ الْأَكْثَر، وَقد تتمحض للجواب فَقَط، نَحْو: أَن يَقُول لَك الْقَائِل: "أحبُّك"، فَتَقول: "إِذَنْ أَظُنُّكَ صَادِقا" فَلَا يتصوّر هُنَا الْجَزَاء٢.
قَالَ المالقيّ: "وَالصَّحِيح أنّها شَرط فِي موضعٍ، وَجَوَاب فِي موضعٍ، وَإِذا كَانَت شرطا فَلَا تكون إلاّ جَوَابا، وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُوم من كَلَام سِيبَوَيْهٍ، لأنّه لم ينصّ على أنّهما مَعًا فِي موضعٍ واحدٍ".
وَقد ردَّ ابْن عُصْفُور على شَيْخه الْأُسْتَاذ أبي عليّ الشلوبين فِي تكلّفه لِمَعْنى "إِذَنْ"، بقوله: "ففهم الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ الشلوبين هَذَا على أنّه شَرط وَجَوَاب، وَأخذ الْجَزَاء بِمَعْنى الشَّرْط، وَالْجَوَاب جَوَابه فَحَيْثُمَا جَاءَت قدرهَا بفعلي الشَّرْط وَالْجَزَاء؛ فَإِذا قلت لمن قَالَ لَك: "أَنا أزورُك"، "إِذَنْ أُكرمَك"، فَمَعْنَاه: إِنْ تَزُرْني أكرمْك.
فلمّا أَخذهَا هَذَا المأخذ اضْطر إِلَى هَذَا التَّقْدِير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ٣، فَلَمَّا قدّر: إِن كنتُ فعلتُها فَأَنا ضالٌّ، جَاءَهُ إِثْبَات الضلال لمُوسَى ﵇؛ قَالَ: وَلم يرد إِثْبَات الضلال لنَفسِهِ، فأثار إشْكَالًا
_________________
(١) شرح الجزولية ٢/٤٧٧.
(٢) التكملة ٥٦٣، وَينظر رصف المباني ١٥١.
(٣) سُورَة الشُّعَرَاء، آيَة "٢٠".
[ ٤٢٢ ]
على فهمه، فَكَانَ انْفِصَاله عَن هَذَا بأنْ قَالَ: معنى قَوْله: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ١، أَي: بأنعمي، فَقَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: إنْ كنتُ فعلتُها كَافِرًا بنعمتك فَأَنا من الضَّالّين، أَي: من الْجَاهِلين بأنّ الوكزة تقضي على القبطيّ".
ثمَّ قَالَ ابْن عُصْفُور: "وَكَلَامه معترَضٌ فِي هَذَا بيِّنُ الِاعْتِرَاض؛ لأنّه بنى الْأَمر على أنّ " إِذَنْ" شَرط وَجَوَاب، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إنّما هِيَ جوابٌ بِمَعْنى أنّها لاتقال مُبتَدأَة، ولابدّ أَن يتقدمها كَلَام، فَلَا تَقول أبدا: "إِذَنْ أزورَك" ابْتِدَاء، فَهِيَ جَوَاب وَتَكون جَزَاء، وَلَا يلْزم أَن يكون ذَلِك فِيهَا مجموعًا" ٢.
وَقد بيّن ابْن هِشَام الأنصاريّ مَتى تكون "إِذَنْ" جَوَابا؟ بقوله: "وَالْأَكْثَر أَن تكون جَوَابا لـ"إِنْ" أَو "لَو" ظاهرتين أَو مقدرتين" ٣.
وخلاصة القَوْل إنّ "إِذَنْ" تكون جَوَابا وَجَزَاء، فقد يجْتَمع فِيهَا هَذَانِ، وَقد ينْفَرد أَحدهمَا، فَإِذا قلت لمن قَالَ لَك: "أَنا أزورُك"، "إِذَنْ أُكرمَك"، فَهَذَا جوابٌ وجزاءٌ؛ وَإِذا قَالَ لَك: "أُحبُّك"، فَتَقول لَهُ: "إِذَنْ أظنُّك صَادِقا"، فَهَذَا جَوَاب لاجزاء مَعَه، فعلى هَذَا لاتخلو من الجوابِ، وَتَكون فِي بعض الْمَوَاضِع جَزَاء.
_________________
(١) سُورَة الشعرا، آيَة "١٩".
(٢) شرح الْجمل لِابْنِ عُصْفُور ٢/١٧٠، ١٧١.
(٣) الْمُغنِي ١٥، ١٦.
[ ٤٢٣ ]