ذهب أَكثر النَّحْوِيين إِلَى ان الْإِعْرَاب معنى يدل اللَّفْظ عَلَيْهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ لفظ دَال على الْفَاعِل وَالْمَفْعُول مثلا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي.
احْتج الاولون من أوجه:
أَحدهَا: أَن الْإِعْرَاب اخْتِلَاف آخر الْكَلِمَة لاخْتِلَاف الْعَامِل فِيهَا، وَالِاخْتِلَاف معنى لَا لفظ، كمخالفة الاحمر الابيض.
[ ١٠٧ ]
وَالثَّانِي: أَن الْإِعْرَاب يدل عَلَيْهِ مرّة الْحَرَكَة، وَتارَة الْحَرْف، كحروف الْمَدّ فِي الاسماء السِّتَّة، والتثنية، وَالْجمع، وَمَا هَذِه سَبيله لَا يكون معنى وَاحِدًا، بل هُوَ دَلِيل على الْمَعْنى، وَالدَّلِيل قد يَتَعَدَّد والمدلول عَلَيْهِ وَاحِد.
وَالثَّالِث: ان الحركات تُضَاف إِلَى الْإِعْرَاب، فَيُقَال: حركات الْإِعْرَاب، وَهِي ضمة إِعْرَاب، وَإِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه ممتنعة، وَكَذَلِكَ الحركات تُوجد فِي الْمثنى وَلَيْسَت إعرابا.
وَاحْتج الْآخرُونَ بِأَن الاصل فِي الْإِعْرَاب الْحَرَكَة، ونها ناشئة عَن الْعَامِل، كَقَوْلِك: قَامَ زيد، فالضمة حَادِثَة عَن الْفِعْل، وَالْفِعْل عَامل، وَالْعَمَل نتيجة الْعَامِل، وَالْعَمَل هُوَ الْحَرَكَة.
فَأَما كَون الِاسْم فَاعِلا أَو مَفْعُولا فَهُوَ معنى مُجَرّد عَن عَلامَة لفظية يجوز أَن تدْرك بِغَيْر لفظ، كَمَا يدْرك الْفرق بَين المبنيات بِالْمَعْنَى، مَعَ الحكم بِالْبِنَاءِ، كَقَوْلِك: ضرب هَذَا هَذَا. وَكَذَلِكَ فِي المعرب نَحْو: كلم مُوسَى عِيسَى. فَعلم أَن الْإِعْرَاب هُوَ الْحَرَكَة الْمَخْصُوصَة.
[ ١٠٨ ]
هَذَا هُوَ حجَّة هَؤُلَاءِ. وَالَّذِي أحرره هُنَا أَن أَقُول: إِن الْإِعْرَاب فَارق بَين الْمعَانِي الْعَارِضَة كالفاعلية والمفعولية والتعجب وَالنَّفْي والاستفهام، نَحْو: مَا أحسن زيدا. وَمَا أحسن زيد. وَمَا أحسن زيد. نفس الحركات هُنَا هُوَ الْفَارِق بَين الْمعَانِي، وَإِذا ثَبت أَن الْإِعْرَاب فَارق بَين الْمعَانِي فَالْفرق الْحَاصِل عَن الْفَارِق يعرف تَارَة بِالْعقلِ كمعرفة أَن الِاثْنَيْنِ اكثر من الْوَاحِد، وَأَقل من الثَّلَاثَة. هَذَا مَعْلُوم بِالْعقلِ من غير لفظ يدل عَلَيْهِ. وَتارَة يعرف بالحس، من السّمع وَالْبَصَر واللمس والذوق والشم، فَأَنت تفرق بَين زيد وَعَمْرو فِي التَّسْمِيَة بِمَا تسمعه من اللَّفْظَيْنِ، وتفرق بَين الْأَحْمَر والأبيض بحاسة الْبَصَر، وَبَين الْحَار والبارد والناعم والخشن باللمس، وَبَين الحلو والمر بالذوق. وَبَين الرّيح الطّيبَة والخبيثة بالشم، وَالْإِعْرَاب من قبيل مَا يعرف بحاسة السّمع، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت لإِنْسَان: افرق بَين الْفَاعِل وَالْمَفْعُول، والمضاف إِلَيْهِ (فِي)، نَحْو قَوْلك: ضرب زيد غُلَام عَمْرو. فانه إِذا ضم أَولا، وَفتح ثَانِيًا، وَكسر ثَالِثا حصل لَك الْفرق بألفاظه، لَا من طَرِيق الْمَعْنى، فانك أَنْت قد تدْرك هَذَا الْمَعْنى بِغَيْر لفظ، فَدلَّ أَن الْإِعْرَاب هُوَ لفظ الْحَرَكَة.
[ ١٠٩ ]
وَأما مَا أعرب بالحرف فَهُوَ حَاصِل من اللَّفْظ أَيْضا، لِأَن الْحَرْف لفظ، كَمَا أَن الْحَرَكَة لفظ.
وَأما كَون الْحَرَكَة (بِنَاء) فِي الْمَبْنِيّ فَلَا يمْنَع أَن تكون إعرابا فِي المعرب، وَيكون الْفرق بَينهمَا أَن حَرَكَة الْإِعْرَاب ناشئة عَن عَامل، فَهِيَ حَرَكَة مَخْصُوصَة، وحركة الْمَبْنِيّ لَيست مَخْصُوصَة بعامل.
وَأما إِضَافَة الْحَرَكَة إِلَى الْإِعْرَاب فَلَا تدل على أَنَّهُمَا غيران، بل هُوَ من قبيل إِضَافَة النَّوْع إِلَى الْجِنْس وَهَذَا كَمَا تَقول: رفع الْإِعْرَاب، ونصبه، وجره، فتضيف الرّفْع إِلَى الْإِعْرَاب، وَهُوَ نوع مِنْهُ، يدل على ذَلِك أَن الرّفْع إِعْرَاب بِلَا خلاف، وَكَذَلِكَ النصب والجر، وَمَعْلُوم أَن حَقِيقَة الرّفْع هُوَ الضمة الناشئة عَن الْعَامِل فَيلْزم أَن يكون الْإِعْرَاب لفظا.
وَالله أعلم.
[ ١١٠ ]