فعل الْأَمر مَبْنِيّ، نَحْو: قُم، وَاضْرِبْ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ مُعرب بِالْجَزْمِ.
لنا أَنه لفظ لَا يفرق باعرابه بَين معنى وَمعنى، فَلم يكن معربا كالحرف، وَالدَّلِيل على هَذِه الْجُمْلَة أَن الْإِعْرَاب معنى زَائِد على الْكَلِمَة، فَلَا يَنْبَغِي أَن يثبت إِلَّا إِذا دلّ على معنى، وَفعل الْأَمر لَا
[ ١١٩ ]
يحْتَمل مَعَاني يفرق الْإِعْرَاب بَينهَا، فَلم يحْتَج إِلَى الْإِعْرَاب.
وَقد ذكرنَا فِي إِعْرَاب الْفِعْل، هَل هُوَ اسْتِحْسَان أم اصل فِيمَا تقدم، وَالْإِعْرَاب إِمَّا أَن يثبت أصلا أَو اسْتِحْسَانًا، وَكِلَاهُمَا مَعْدُوم، أما الأَصْل فَلِأَنَّهُ لَا يحْتَمل مَعَاني يفرق الْإِعْرَاب بَينهَا، وَأما الِاسْتِحْسَان فَهُوَ أَن فعل الْأَمر لَا يشابه الِاسْم حَتَّى يحمل عَلَيْهِ فِي الْإِعْرَاب، بِخِلَاف الْمُضَارع فانه يشبه الِاسْم لوُجُود (حرف) المضارعة، وَلَيْسَ فِي لفظ الْأَمر هُنَا حرف مضارعة يشبه بِهِ الِاسْم، فَعِنْدَ ذَلِك يجب أَن يكون مَبْنِيا.
وَاحْتج الْكُوفِيُّونَ بِأَنَّهُ فعل أَمر، فَكَانَ معربا بِالْجَزْمِ، كَمَا لَو كَانَ فِيهِ حرف المضارعة، كَقَوْلِك: لتضرب يَا زيد، وليضرب عَمْرو، وَلَا إِشْكَال فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا أَمر، فَإِذا كَانَ أحد الامرين معربا كَانَ الآخر كَذَلِك.
قَالُوا: فان قيل هُنَاكَ حرف المضارعة وَهُوَ
[ ١٢٠ ]
الْمُقْتَضِي للشبه قيل: فعل الْأَمر إِن لم يكن فِيهِ حرف المضارعة لفظا فَهُوَ مُقَدّر مُرَاد، وَحذف لفظا للْعلم بِهِ، فالتقدير فِي قَوْلك: قُم، لتقم، وَيدل على ذَلِك أَن حذف لَام الْأَمر قد جَاءَ صَرِيحًا، كَقَوْل الشَّاعِر:
(مُحَمَّد تفد نَفسك كل نفس إِذا مَا خفت من أَمر تبالا)
أَي: لتفد. وَقَالَ الآخر:
(على مثل أَصْحَاب الْبَعُوضَة فاخمشي لَك الويل حر الْوَجْه أَو يبك من بَكَى)
أَي ليبك.
وَالْجَوَاب: ان هَذَا الْفِعْل لم يُوجد فِيهِ عِلّة الْإِعْرَاب، لِأَن عِلّة إعرابه إِمَّا أصل أَو شبه، وَكِلَاهُمَا لم يُوجد على مَا تقدم.
وَكَونه امرا لم يُوجب إعرابه، بل الْمُوجب (إِعْرَاب) الْفِعْل
[ ١٢١ ]
الشّبَه بِالِاسْمِ، والشبه بِالِاسْمِ كَانَ بِحرف المضارعة.
وَالْفِعْل بِنَفسِهِ هُنَاكَ لَيْسَ بِأَمْر، بل الْأَمر حَاصِل بِاللَّامِ، وَفِي (قُم) و(بِعْ) هُوَ أَمر بِنَفسِهِ.
وَالْحَاصِل أَنا منعنَا عِلّة الأَصْل، وَهُوَ أَن قَوْلك: ليضْرب زيد، لم يعرب لكَون الْفِعْل أمرا، وَفِي (خُذ) و(كل) الْفِعْل أَمر، فَلَا جَامع إِذا بَينهمَا.
قَوْلهم: إِن حرف المضارعة مَحْذُوف، كَلَام فِي غَايَة السُّقُوط وَذَلِكَ أَن الْحَذف لَا يُوجب تَغْيِير الصِّيغَة بل يحذف مَا يحذف وَيبقى مَا يبْقى على حَاله، كَقَوْلِك: ارْمِ، فان الأَصْل الْيَاء. وَلما حذفت بَقِي مَا كَانَ على مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ كَذَلِك هَا هُنَا. فانك إِذا قلت: يضْرب زيد، وحذفت الْيَاء، لم تقل: ضرب زيد، بل تَأتي بِصِيغَة أُخْرَى، وَهِي: اضْرِب.
[ ١٢٢ ]
وَلِأَن الْجَزْم هُنَاكَ بِاللَّامِ، وَإِذا حذف الْجَازِم لَا يبْقى عمله، كَمَا إِذا حذف الْجَار، لم يبْق الْجَرّ وَكَذَلِكَ هَا هُنَا، لَو حذفت اللَّام لم يبْق عَملهَا. هَذَا لَو كَانَ الْحَذف للام وَحدهَا فَكيف إِذا حذفت اللَّام وحرف المضارعة، وتغيرت الصِّيغَة.
وَأما الشّعْر فَهُوَ على الْخَبَر، لَا على الْأَمر، إِلَّا انه حذف الْيَاء من آخر الْفِعْل ضَرُورَة، وَالْأَصْل (تفدي) و(تبْكي) .
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَنه حذف اللَّام وَبَقِي حرف المضارعة وَلم تَتَغَيَّر صِيغَة الْفِعْل، بِخِلَاف مَسْأَلَتنَا.
وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب.
[ ١٢٣ ]
هَذَا آخر املاء الشَّيْخ أبي الْبَقَاء، وَصلى الله على سيدنَا وَآله وَصَحبه وَسلم.
[ ١٢٤ ]