الْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْمصدر مُشْتَقّ من الْفِعْل، وَلما كَانَ الْخلاف وَاقعا فِي اشتقاق احدهما من الآخر لزم من ذَلِك بَيَان شَيْئَيْنِ: احدهما: حد الِاشْتِقَاق، وَالثَّانِي: ان الْمُشْتَقّ فرع على الْمُشْتَقّ مِنْهُ.
[ ٧٣ ]
أما حد الِاشْتِقَاق فأقرب عبارَة فِيهِ مَا ذكره الرماني وَهُوَ قَوْله: (الِاشْتِقَاق (اقتطاع) فرع من اصل يَدُور فِي تصاريفه (على) الأَصْل) فقد تضمن هَذَا الْحَد معنى الِاشْتِقَاق، وَلزِمَ مِنْهُ التَّعَرُّض للفرع وَالْأَصْل.
وَأما الْفَرْع وَالْأَصْل فهما فِي هَذِه الصِّنَاعَة غَيرهمَا فِي صناعَة الاقيسة الْفِقْهِيَّة، والاصل هَا هُنَا يُرَاد بِهِ الْحُرُوف الْمَوْضُوعَة على الْمَعْنى وضعا اوليا، وَالْفرع لفظ يُوجد فِيهِ تِلْكَ الْحُرُوف مَعَ نوع تَغْيِير يَنْضَم إِلَيْهِ معنى زَائِد على الأَصْل، والمثال فِي ذَلِك (الضَّرْب) مثلا، فانه اسْم مَوْضُوع على الْحَرَكَة الْمَعْلُومَة الْمُسَمَّاة (ضربا) وَلَا يدل لفظ الضَّرْب على أَكثر من ذَلِك. فَأَما: ضرب، يضْرب، وضارب، ومضروب، فَفِيهَا حُرُوف الأَصْل، وَهِي الضَّاد وَالرَّاء وَالْبَاء، وزيادات لفظية لزم من مجموعها الدّلَالَة على معنى الضَّرْب، وَمعنى آخر.
[ ٧٤ ]
وَإِذا تقرر هَذَا الْمَعْنى جِئْنَا إِلَى مَسْأَلَة الْخلاف، وَقد نَص سِيبَوَيْهٍ على اشتقاق الْفِعْل من الْمصدر وَهُوَ قَوْله فِي الْبَاب (الأول): (أما الافعال فأمثلة أخذت من لفظ احداث الْأَسْمَاء، وبنيت لما مضى وَلما هُوَ كَائِن لم يَنْقَطِع، وَلما سَيكون) .
وَأخذت: بِمَعْنى اشْتقت، واحداث الْأَسْمَاء: مَا كَانَ مِنْهَا عبارَة عَن الْحَدث وَهُوَ الْمصدر.
وَالدَّلِيل على أَن الْفِعْل مُشْتَقّ من الْمصدر طرق، مِنْهَا وجود حد الِاشْتِقَاق فِي الْفِعْل. وَذَلِكَ ان الْفِعْل يدل على حدث وزمان مَخْصُوص، فَكَانَ مشتقا وفرعا على الْمصدر، كَلَفْظِ (ضَارب، ومضروب) .
وَتَحْقِيق هَذِه الطَّرِيقَة ان الِاشْتِقَاق يُرَاد لتكثير الْمعَانِي، وَهَذَا الْمَعْنى لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْفِعْل، وَذَلِكَ ان الْمصدر لَهُ معنى وَاحِد وَهُوَ دلَالَته على الْحَدث فَقَط، وَلَا يدل على الزَّمَان بِلَفْظِهِ، وَالْفِعْل يدل على الْحَدث وَالزَّمَان الْمَخْصُوص، فَهُوَ
[ ٧٥ ]
بِمَنْزِلَة اللَّفْظ الْمركب، فانه يدل على أَكثر مِمَّا يدل (عَلَيْهِ) الْمُفْرد، وَلَا تركيب الا بعد الافراد، كَمَا انه لَا دلَالَة على الْحَدث وَالزَّمَان الْمَخْصُوص الا بعد الدّلَالَة على الْحَدث وَحده. وَقد مثل ذَلِك بالنقرة من الْفضة. فانها كالمادة الْمُجَرَّدَة عَن الصُّورَة. فالفضة من حَيْثُ هِيَ فضَّة لَا صُورَة لَهَا. فَإِذا صِيغ مِنْهَا خَاتم أَو مرْآة أَو قَارُورَة كَانَت تِلْكَ الصُّورَة مَادَّة مَخْصُوصَة. فَهِيَ فرع عَن الْمَادَّة الْمُجَرَّدَة. كَذَلِك الْفِعْل. هُوَ دَلِيل الْحَدث وَغَيره. والمصدر دَلِيل الْحَدث وَحده. فَبِهَذَا يتَحَقَّق كَون الْفِعْل فرعا لهَذَا الاصل.
طَريقَة أُخْرَى:
هِيَ ان تَقول: الْفِعْل يشْتَمل لَفظه على حُرُوف زَائِدَة على حُرُوف الْمصدر. تدل تِلْكَ الزِّيَادَة على معَان زَائِدَة على معنى الْمصدر، فَكَانَ مشتقا من الْمصدر، كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالْمَكَان وَالزَّمَان، كضارب ومضروب. .
[ ٧٦ ]
وَبَيَانه انك تَقول فِي الْفِعْل: ضرب. فَتحَرك الرَّاء، فيختلف معنى الْمصدر. ثمَّ تَقول: سيضرب. فتدل هَذِه الصِّيغَة على معنى آخر. ثمَّ تَقول: اضْرِب، وتضرب، ونضرب، فتأتي بِهَذِهِ الزَّوَائِد على حُرُوف الاصل وَهِي: الضَّاد وَالرَّاء وَالْبَاء. مَعَ وجودهَا فِي تِلْكَ الامثلة، وَمَعْلُوم ان مَا لَا زِيَادَة فِيهِ أصل لما فِيهِ الزِّيَادَة. .
طَريقَة اخرى:
وَهِي ان الْمصدر لَو كَانَ مشتقا من الْفِعْل لادى ذَلِك إِلَى نقص الْمعَانِي الأول، وَذَلِكَ يخل بالأصول.
بَيَانه ان لفظ الْفِعْل يشْتَمل على حُرُوف زَائِدَة، وَمَعَان زَائِدَة، وَهِي دلَالَته على الزَّمَان الْمَخْصُوص وعَلى الْفَاعِل الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة والمؤنث والحاضر وَالْغَائِب. والمصدر يذهب ذَلِك كُله إِلَّا الدّلَالَة على الْحَدث، وَهَذَا نقض للأوضاع الأول.
الِاشْتِقَاق يَنْبَغِي أَن يُفِيد تشييد الاصول، وتوسعة الْمعَانِي وَهَذَا عكس اشتقاق الْمصدر من الْفِعْل.
وَاحْتج الْآخرُونَ من ثَلَاثَة أوجه:
[ ٧٧ ]
أَحدهَا: ان الْمصدر (مفعل) وبابه أَن يكون صادرا عَن غَيره، فَأَما أَن يصدر عَنهُ غَيره فَكَذَا.
وَالثَّانِي: أَن الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل، والاعتلال حكم تسبقه علته، فَإِذا كَانَ الاعتلال فِي الْفِعْل أَولا، وَجب أَن يكون أصلا، وَمِثَال ذَلِك قَوْلك: صَامَ صياما، وَقَامَ قيَاما، فالواو فِي (قَامَ) أصل، اعتلت فِي الْفِعْل فاعتلت فِي (الْقيام) . وَأَنت لَا تَقول: اعتل (قَامَ) لاعتلال (الْقيام) .
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْفِعْل يعْمل فِي الْمصدر كَقَوْلِك: ضَربته ضربا، ف (ضربا) مَنْصُوب بِضَرْب. وَالْعَامِل مُؤثر فِيهِ وَالْقُوَّة تجْعَل الْقوي اصلا لغيره.
وَالْجَوَاب:
أما الْوَجْه الأول: فَلَيْسَ بِشَيْء، وَذَلِكَ أَن الْمصدر مُشْتَقّ من: صدرت عَن الشَّيْء، إِذا وليته صدرك، وَجَعَلته وَرَاءَك، وَمن ذَلِك قَوْلهم: المورد والمصدر، يشار بِهِ إِلَى المَاء الَّذِي ترد عَلَيْهِ الْإِبِل، ثمَّ تصدر عَنهُ، وَلَا معنى لهَذَا إِلَّا أَن الْإِبِل تتولى عَن المَاء،
[ ٧٨ ]
وَتصرف عَنهُ صدورها، فَيُقَال: قد صدرت عَن المَاء، وَقد شاع فِي الْكَلَام قَول الْقَائِل: فلَان موفق فِيمَا يُورد ويصدر، وَفِي موارده ومصادره، وكل ذَلِك بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
وَبِهَذَا يتَحَقَّق كَون الْفِعْل مشتقا من الْمصدر لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْمَكَان الَّذِي يصدر عَنهُ.
أما الْوَجْه الثَّانِي: فَغير دَال على دَعوَاهُم، وَذَلِكَ ان الاعتلال شَيْء يُوجِبهُ التصريف، وَثقل الْحُرُوف، وَبَاب ذَلِك الافعال لَان صيغها تخْتَلف لاخْتِلَاف مَعَانِيهَا، ف (قَامَ) مثلا، اصله (قوم) فأبدلت الْوَاو ألفا لتحركها فَإِذا ذكرت الْمصدر (من ذَلِك) كَانَت الْعلَّة الْمُوجبَة للتغيير قَائِمَة فِي الْمصدر وَهُوَ الثّقل.
وَجَوَاب آخر وَهُوَ ان الْمصدر الْأَصْلِيّ هُوَ (قوم) كَقَوْلِك: صور ثمَّ اشتققت مِنْهُ فعلا، واعللته لما ذكرنَا، فعدلت عَن قوم إِلَى (قيَاما) لتناسب بَين اللَّفْظَيْنِ، للمعنيين المشتركين فِي الاصل.
يدل على ذَلِك ان الْمصدر قد يَأْتِي صَحِيحا غير معتل، وَالْفِعْل يجب فِيهِ الاعتلال، مثل: الصَّوْم. وَالْقَوْم، وَالْبيع، فَإِذا
[ ٧٩ ]
اشتققت مِنْهَا افعالا اعللتها، فَقلت: صَامَ، وَقَامَ، وَبَاعَ، فقد رَأَيْت كَيفَ جَاءَ الاعلال فِي الْفِعْل دون الْمصدر، فَاخْتلف الثِّقَة بِمَا علل بِهِ.
وَأما الْوَجْه الثَّالِث: فَهُوَ فِي غَايَة السُّقُوط، وَبَيَانه من أوجه ثَلَاثَة:
أَحدهَا: ان الْعَامِل والمعمول من قبيل الالفاظ، والاشتقاق من قبيل الْمعَانِي، وَلَا يدل احدهما على الآخر اشتقاقا.
وَالثَّانِي: ان الْمصدر قد يعْمل عمل الْفِعْل، كَقَوْلِك: يُعجبنِي ضرب زيد عمرا، فَلَا يدل ذَلِك على أَنه اصل.
وَالثَّالِث: ان الْحُرُوف تعْمل فِي الاسماء والافعال، وَلَا يدل ذَلِك على انها مُشْتَقَّة أصلا، فضلا عَن أَن تكون مُشْتَقَّة من الاسماء والافعال.
وَالله اعْلَم.
[ ٨٠ ]
(وَكَأَنَّهُم قد عطروك بِمَا يتزود الهلكي من الْعطر)
(وَكَأَنَّهُم قد قلبوك على ظهر السرير وظلمة الْقَبْر)
(يَا لَيْت شعري كَيفَ أَنْت على ظهر السرير وَأَنت لَا تَدْرِي)
(أَو لَيْت شعري كَيفَ أَنْت إِذا غسلت بالكافور والدر)
(أَو لَيْت شعري كَيفَ أَنْت إِذا وضع الْحساب صَبِيحَة الْحَشْر)
(مَا حجتي فِيمَا اتيت وَمَا قولي لرَبي بل وَمَا عُذْري)
(إِن اكن قد فقدت رشدي اَوْ اقبلت مَا اسْتَدْبَرت من امري)
(يَا سوأتا مِمَّا اكْتسبت وَيَا أسفي على مَا فَاتَ من عمري)
وَقَالَ أَيْضا:
(أيا من لَيْسَ لي مِنْهُ مجير بعفوك من عذابك استجير)
(أَنا العَبْد الْمقر بِكُل ذَنْب وانت السَّيِّد الْمولى الغفور)
(فَإِن عذبتني فبسوء فعلي وان تغْفر فَأَنت بِهِ جدير)
(أفر إِلَيْك مِنْك وَأَيْنَ إِلَّا إِلَيْك يفر مِنْك المستجير)
وَله أَيْضا:
(دب فِي الفناء سفلا وعلوا وَأرَانِي اموت عضوا فعضوا)
(ذهبت شرتي بجدة نَفسِي وتذكرت طَاعَة الله نضوا)
(لَيْسَ من سَاعَة مَضَت فِي إِلَّا نَقَصْتنِي بمرها بِي جزوا)
(لهف نَفسِي على لَيَال وَأَيَّام سلكتهن لعبا ولهوا)
(قد أسأنا كل الأساءة يارب فصفحا عني إلهي وعفوا)
[ ٨١ ]