المعرب بِحَق الأَصْل هُوَ الِاسْم، وَالْفِعْل الْمُضَارع مَحْمُول عَلَيْهِ، وَقَالَ بعض الْكُوفِيّين: الْمُضَارع أصل فِي الْإِعْرَاب أَيْضا.
وَحجَّة الْأَوَّلين أَن الْإِعْرَاب أُتِي بِهِ لِمَعْنى لَا يَصح إِلَّا فِي الِاسْم، فاختص بِالِاسْمِ، كالتصغير وَغَيره من خَواص الِاسْم، وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الأَصْل عدم الْإِعْرَاب، لِأَن الأَصْل دلَالَة الْكَلِمَة على الْمَعْنى اللَّازِم لَهَا، وَالزِّيَادَة على ذَلِك خَارِجَة عَن هَذِه الدّلَالَة. وَإِنَّمَا يُؤْتى بهَا لتدل على معنى عَارض يكون تَارَة. وَالْمعْنَى الَّذِي يدل عَلَيْهِ الْإِعْرَاب كَون الِاسْم فَاعِلا أَو مَفْعُولا أَو مُضَافا إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يفرق بَين هَذِه الْمعَانِي، وَهَذِه الْمعَانِي تصح فِي الْأَسْمَاء، وَلَا تصح فِي الْأَفْعَال، فَعلم أَنَّهَا لَيست أصلا، بل هِيَ
[ ٨٧ ]
فرع مَحْمُول على الاسماء فِي ذَلِك.
وَاحْتج الْآخرُونَ بِأَن الْإِعْرَاب فِي الْفِعْل يفرق بَين الْمعَانِي، فَكَانَ أصلا كاعراب الْأَسْمَاء وَبَيَانه قَوْلك: اريد أَن ازورك فيمنعني البواب. إِذا رفعت كَانَ لَهُ معنى وَإِذا نصبت كَانَ لَهُ معنى، وَكَذَلِكَ قَوْلك: لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك إِذا نصبت كَانَ لَهُ معنى، وَإِذا رفعت كَانَ لَهُ معنى آخر، وَكَذَلِكَ بَاب الْجَواب بِالْفَاءِ والواء، نَحْو: لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن. وَهُوَ فِي ذَلِك كالاسم، إِذا رفعت كَانَ لَهُ معنى وَإِذا نصبت أَو جررت كَانَ لَهُ معنى آخر.
وَالْجَوَاب:
أما إِعْرَاب الْفِعْل فَلَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ فهم الْمَعْنى، بل الْمَعْنى يدْرك بالقرائن المحققة بِهِ، والإشكال يحصل فِيهِ بالحركة الَّتِي لَا يقتضيها الْمَعْنى، لَا بِعَدَمِ الْحَرَكَة، أَلا ترى أَن قَوْله: أُرِيد أَن أزورك فيمنعني البواب، لَو سكنت الْعين لفهم الْمَعْنى، وَإِنَّمَا
[ ٨٨ ]
يشكل إِذا نصبتها، وَإِنَّمَا جَاءَ الْإِشْكَال من جِهَة الْعَطف لَا بِالنّظرِ إِلَى نفس الْفِعْل، إِذْ لَا فرق بَين قَوْلك: يضْرب زيد، فِي الضَّم وَالْفَتْح وَالْكَسْر والسكون، فانه فِي كل حَال يدل على الْحَدث وَالزَّمَان. وَكَذَلِكَ إِذا قلت: لم يضْرب، وَلنْ تضرب، فان الْفِعْل منفي، ضممت أَو فتحت أَو سكنت، وَكَذَلِكَ: لَا يسعني شَيْء ويعجز عَنْك. إِذا فتحت أردْت الْجَواب، وَإِذا ضممت عطفت، وَلَو أهملته لفهمت الْمَعْنى: وَكَذَلِكَ لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن.
وَالْحَاصِل من ذَلِك كُله أَمر عرض بالْعَطْف، وحرف الْعَطف يَقع على معَان، فَلَا بُد من تَخْلِيص بَعْضهَا من بعض، فبالحركة يفرق بَين مَعَاني حرف الْعَطف، وَلَا يفرق بَين معنى الْفِعْل وَمعنى لَهُ آخر.
وَالله أعلم.
[ ٨٩ ]
بَاب الاعراب
[ ٩١ ]