مدرسة البصرة
الطبقة الأولى من البصريين
المدرستان الأوليان:
١- مدرسة البصرة:
أول من ذكر من أعلامها أبو الأسود الدؤلي، وتلاميذه هم الذين نشروا النحو في البصرة، وتخرج على أيديهم وأيدي تلاميذهم طبقات من أعلام النحو رفعوا بناء المذهب البصري على أسس متينة وقواعد محكمة.
وإليك شيئا عن هذه الطبقات، مرجئا الكلام على بيئة البصرة وبيئة الكوفة، وطبيعة عربهما وأعرابهما إلى حين الكلام على الفروق بين المذهبين؛ لتقابل البيئتين وأهليهما بعضا ببعض.
الطبقة الأولى من البصريين:
فأما عنبسة فقد "تعلم النحو وروى الشعر وظرف١ حتى صار -على ما يروى عن الخليل- أبرع أصحاب أبي الأسود"٢، وأما ميمون فرأس الناس بعد عنبسة ويروون عن أبي عبيدة قوله: "أول من وضع العربية أبو الأسود، ثم ميمون الأقرن، ثم عنبسة الفيل، ثم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي"٣.
وأما نصر بن عاصم الليثي فكان أحد القراء والفصحاء، وأخذ عنه
_________________
(١) ١ أخبار النحويين البصريين ص٢٤. ٢ المزهر ٢/ ٣٩٨. ٣ أخبار النحويين البصريين ص٢٥.
[ ٣٤ ]
أبو عمرو بن العلاء والناس". قال عنه الزهري: "إنه ليفلق بالعربية تفليقا"، بل منهم من ذهب إلى أنه أول من وضع العربية١.
وأما يحيى بن يعمر فقد عرفت علمه وفصاحته، وعرفت شأنه مع الحجاج، ووصفوه بالعلم والأمانة، وقد روى عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما٢.
والذي يجب التنبيه إليه قبل الانتقال إلى الطبقة الثانية أن تلميذي أبي الأسود: نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر خطوا الخطوة الكبرى التي تلت خطوة أبي الأسود في ضبط الكتابة العربية، إذ ابتكرا نقط الحروف أفرادا وأزواجا لتمييز الحروف المتشابهة كالباء والياء والنون، فعلا ذلك بإشارة الحجاج على ما ذكروا، وبعد تردد منهما في أن يزيدا شيئا على رسم مصحف عثمان، ثم بان لهما صواب الإصلاح بعد روية، فأقدما عليه.
بل إن ليحيى هذا أولية في التأليف، فقد ذكروا أنه اتفق هو وعطاء بن أبي الأسود بعد موت أبيه "على بسط النحو وتعيين أبوابه وبعج مقاييسه، ولما استوفيا جزءا متوفرا من أبواب النحو نسب بعض الرواة إليهما أنهما أول من وضع هذا النوع"٣.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص٢١، ٢٠، والفهرست لابن النديم ص٥٩. ٢ ص٩ من هذا الكتاب، وص٥٢ من الفهرست، وص٢٢ من أخبار النحويين البصريين. ٣ إنباه الرواة ٢/ ٣٨٠.
[ ٣٥ ]
ولكن المشهور أن نصرا هو الذي ميز بين الحروف المتشابهة بالنقط المتداول حتى اليوم، وغيّر ترتيب "الأبجدية" إلى الترتيب المعروف، ثم ألغى نقط أبي الأسود مستبدلا به "الشكل الحالي" الذي هو أبعاض الحروف "اوي". فنقط أبي الأسود "إعراب" لإبانته عن حركة آخر الكلمة، ونقط نصر "إعجام" لإزالته العجمة عن الحروف وكان يلتبس بعضها ببعض١.
_________________
(١) ١ جاءت امرأة إلى الفرزدق تستنجد به قائلة: "إن ابني مع تميم بن زيد القيني بالسند، وقد اشتقت إليه، فإن رأيت أن تكتب إليه في أن يقفله إلي" فكتب إلى تميم: تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يخفى علي جوابها أتتني فعاذت يا تميم بغالب وبالحفرة السافي عليه ترابها فهب لي "خنيسا" واتخذ فيه منة أهبه لأم لا يسوغ شرابها فلما ورد الشعر على تميم، أشكل عليه الاسم "لفقدان النقط على الحروف" فقال: "أقفلوا كل من اسمه خنيس أو حبيش أو حنيش أو حشيش أو خشيش" فعدوا فكانوا ثمانين رجلا. الأضداد لابن الأنباري ص٢٥٦ "لا تكونن حاجتي بظهر: لا تطرحها".
[ ٣٦ ]
الطبقة الثانية من البصريين:
وفيها أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. فأما الأول فمن أشراف مازن وأحد الأعلام في القرآن واللغة والنحو، وهو أحد القراء السبعة، قال فيه أبو عبيدة: "أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملء بيته إلى السقف" كان مرجع الناس في عصره، وخير ما يعبر عن مكانته في عيون معاصريه حديث سفيان بن
[ ٣٦ ]
عيينة، قال: "رأيت النبي -ﷺ- في النوم فقلت: يا رسول الله لقد اختلفت علي القراءات، فبقراءة من تأمرني؟ فقال: "بقراءة أبي عمرو بن العلاء" ١، وأخذ عن نصر بن عاصم المتقدم ذكره، وعن يحيى بن يعمر، وعن قارئ مكة عبد الله بن كثير. وأقام بين البدو أربعين سنة كما قرر اليزيدي "ص١٧١ مجالس العلماء للزجاجي".
"وأخذ عنه عيسى بن عمر ويونس بن حبيب وأبو الخطاب الأخفش، فكان هؤلاء الثلاثة أعلم الناس وأفصحهم"٢ وأما عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي فقد كان يلحن الفرزدق، وهو في زمن أبي عمرو والناس يفاضلون بينهما، فيقدمون أبا عمرو في اللغة ويقدمون ابن أبي إسحاق في النحو، وهو "أعلم أهل البصرة وأعقلهم، فرع النحو وقاسه، وتكلم في الهمز حتى عُمل فيه كتاب مما أملاه٣، ويذكرون أنه أول من علل النحو".
ويمكن أن يلحق بهذه الطبقة عيسى بن عمر الثقفي مولى خالد
_________________
(١) ١ بغية الوعاة. ٢ مراتب النحويين ص٢٣. ٣ عن مراتب النحويين ص٢٨ والمزهر ٢/ ٣٩٨، وشهادة يونس بن حبيب فيه: أنه "لو كان في الناس اليوم من له ذهنه، ونفاذه كان أعلم الناس" طبقات فحول الشعراء ص١٤. وهذا وللزبيدي كلام يشير إلى نصيب عيسى بن عمر في تدريج النحو يقول فيه: وضع أبو الأسود باب الفاعل والمفعول لم يزد عليه فزاد رجل من بني ليث أبوابا، ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه، فلما كان عيسى بن عمر قال: "أرى أن أضع الكتاب على الأكثر وأسمي الأخرى لغات، فهو أول من بلغ غايته في كتاب النحو وضع كتابين سمى أحدهما الجامع، والآخر المكمل" طبقات النحويين واللغويين ص١٥.
[ ٣٧ ]
ابن الوليد، أخذ العلم عن أبي عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وعد في القراء البصريين وهو إمام في العربية والنحو، ولعله أول من ألف فيهما كتابا جامعا، وقد اشتهر اسم كتابيه دون أن يصل إلينا منهما خبر أو أثر، والغريب أن تلميذه الخليل بن أحمد قرأهما ووعاهما، وأعجباه حتى جعل مؤلفهما مجدد هذا الفن، والمعفي على آثار من سبقه قال:
ذهب النحو جميعا كله غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع فهما للناس شمس وقمر
ثم "فقد الناس هذين الكتابين منذ المدة الطويلة ولم يقعا إلى أحد علمناه، ولا خبر أحد أنه رآهما"، وهذا السيرافي وليس بينه وبين زمن المؤلف إلا مائتان من السنين يقول: "لم يقعا إلينا ولا رأينا أحدا ذكر أنه رآهما"١ فإن تكن نسبة البيتين إلى الخليل صحيحة، يكن اختفاء هذين الكتابين من أعجب الأمور في تاريخ النحو.
إذا نحن انتقلنا إلى الطبقة التي تلي هذه كنا إزاء ما سموه
_________________
(١) ١ انظر الفهرست لابن النديم ص٦٢ وبغية الوعاة. أما ابن الأنباري في نزهة الألباء فقد نقل عن المبرد أنه قال: قرأت أوراقا من أحد كتابي عيسى بن عمر، وكان كالإشارة إلى الأصول" وبين هذه الكلمة الدالة على أنه خطوة ابتدائية، وتقريظ الخليل بون كما ترى. هذا ويذكرون أنه كان فصيحا ويتقعر أحيانا، أمر والي العراق بحمله إليه ودعا بالحداد فأمر بتقييده، فقيل له: "لا بأس عليك، إنما أرادك الأمير لتؤدب ولده" قال: "فما بال القيد إذًا؟ " فذهبت بالبصرة مثلا. وله الجملة المأثورة في كتب البلاغة حين سقط عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: "ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا عني" انظر بغية الوعاة، وأخبار النحويين البصريين ص٣٢.
[ ٣٨ ]
بالمذهب الكوفي، فقد تتلمذ على عيسى بن عمر هذا: الخليل وسيبويه وأبو زيد الأنصاري أئمة البصريين الأعلام، وأبو جعفر الرؤاسي الذي صار فيما بعد رأس الكوفيين، وخلفه في ذلك تلميذاه الكسائي والفراء.
ولسنا نفيض في الكلام عليهم فكلهم مشهور، ولكننا نذكر بالنواحي التي تعنينا منهم بكلمات:
فأما الخليل "فقد كان الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه، هو أول من استخرج العروض وحصر أشعار العرب بها، وعمل أول "كتاب العين" المعروف المشهور الذي به تهيأ ضبط اللغة"١، إلى نواحٍ أخرى له مجيدة مشرفة ليس من غرضنا هنا الإشارة إليها، وقد اشتهر نمط من آرائه في باب القياس. "وهو أستاذ سيبويه، وعامة الحكاية في كتابه عنه. وكلما قال سيبويه: سألته، أو قال: "قال" من غير أن يذكر قائله فهو الخليل"٢. ونفع الله به الناس، وعاش من قناعته وعفته وترفعه في عزة دونها عزة الملوك، وصدق النضر بن شميل في قوله: أقام الخليل في خص بالبصرة لا يقدر علي فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال٢.
وأما أبو زيد الأنصاري فقد كان ثقة صدوقا راوية، وهو -وإن قدم في النحو على الأصمعي وأبي عبيدة -غلبت عليه
_________________
(١) ١ أخبار النحويين البصريين ص ٣٨. ٢ بغية الوعاة.
[ ٣٩ ]
اللغة والنوادر والغريب، وحولها يدور أكثر مصنفاته١.
وندع سيبويه -لشهرة أمره وكتابه وشيوخه وتلاميذه- إلى أبي جعفر الرؤاسي رأس الكوفيين.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة.
[ ٤٠ ]
مدرسة الكوفة:
أبو جعفر الرؤاسي:
طلب العلم في البصرة على أئمتها، قرأ على أبي عمرو بن العلاء، وعلى عيسى بن عمر الثقفي، لكنه لم يقارب أحدا من تلامذتهم فلم ينبه، وعاش بالبصرة غير معروف١، وكان أول كوفي ألف في العربية، وكتابه "الفيصل" عرضه -فيما ذكروا- على أصحاب النحو بالبصرة فلم يلتفتوا إليه، ولا جسر على إظهاره لما سمع كلامهم، أما هو فيزعم أن الخليل طلب الكتاب فأطلعه عليه، "فكل ما في كتاب سيبويه: قال الكوفي كذا، فإنما عنى الرؤاسي هذا"٢. وزعم جماعة من البصريين أن الكوفي الذي يذكره الأخفش في آخر المسائل، ويرد عليه الرؤاسي٢.
_________________
(١) ١ انظر معجم البلدان ١٨/ ١٢٣، وأخذ عن زهير الفرقبي "١٥٥" الذي تتلمذ على ميمون الأقرن أحد أصحاب أبي الأسود، إنباه الرواة ٣/ ١٨، ١٩. ٢ بغية الوعاة، وذكره أبو الطيب اللغوي في عداد من أخذ عن أبي عمرو فقال: "عالم أهل الكوفة، وليس بنظير لهؤلاء الذين ذكرنا ولا قريب منهم أخبرنا أبو حاتم قال: كان بالكوفة نحوي يقال له: أبو جعفر الرؤاسي، وهو مطروح العلم ليس بشيء" مراتب التحويين ص٢٤.
[ ٤١ ]
ويعد من قراء الكوفيين، وسترى من أسماء كتبه الموضوعات التي عني بها:
كتاب التصغير، الإفراد والجمع، الوقف والابتداء، معاني القرآن.
ولما رجع إلى الكوفة وجد فيها عمه معاذ بن مسلم الهراء "١٨٧" مرجع الناس في العربية، وعني بالصرف ومسائله خاصة، وتبعه في هذه العناية من قرأ عليه من الكوفيين، حتى قيل: إنهم فاقوا البصريين فيها، ومن هنا عدهم بعض العلماء واضعي علم الصرف.
وتخرج بالرؤاسي تلميذاه المشهوران: الكسائي والفراء.
أما الكسائي فأنت تعرف أنه أعجمي الأصل وأحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في العربية، أخذ عن يونس أحد أئمة البصرة وجلس في حلقة الخليل، ثم خرج إلى بوادي نجد والحجاز وتهامة يأخذ عن الأعراب "فأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ، فقدم البصرة فوجد الخليل قد مات وفي موضعه يونس، فجرت بينهما مسائل أقر له فيها يونس وصدره في موضعه"١.
ثم انتقل إلى بغداد، فعاش في قصر الرشيد مؤدبا للأمين والمأمون، ونال الحظوة وأقبلت عليه الدنيا: يخدمه وليا العهد، ويعنى به ويعوده الرشيد نفسه. ولما خرج الرشيد إلى الري
_________________
(١) ١ بغية الوعاة.
[ ٤٢ ]
اصطحب معه الكسائي ومحمد بن الحسن الشيباني، فاتفق أن ماتا سنة ١٨٩ في يوم واحد، فقال الرشيد: "دفنت الفقه والنحو في يوم واحد"١.
وأما الفراء فقد قرأ بالبصرة على يونس بن حبيب ثم قرأ على الرؤاسي، ثم لازم الكسائي في بغداد، والذي حثه على الخروج إلى بغداد شيخه الرؤاسي.
ولندع الفراء نفسه يحدثنا بأول أمره ببغداد قال:
قال لي الرؤاسي: "قد خرج الكسائي "إلى بغداد" وأنت أسن منه" فجئت إلى بغداد فرأيت الكسائي فسألته عن مسائل من مسائل الرؤاسي، فأجابني بخلاف ما عندي، فغمزت قوما من علماء الكوفيين كانوا معي، فقال: "ما لك قد أنكرت؟ لعلك من أهل الكوفة؟ " فقلت: "نعم" فقال: "الرؤاسي يقول كذا وكذا وليس صوابا، وسمعت العرب تقول كذا وكذا، حتى أتى على مسائلي فلزمته" ا. هـ١.
والطريف تشاد البصريين والكوفيين في قراءة الفراء على يونس بن حبيب البصري أستاذ سيبويه تشادا على غير المنتظر، فالكوفيون يزعمون أنه استكثر عنه والبصريون يدفعون ذلك. ثم كان الفراء "زائد العصبية على سيبويه وكتابه تحت رأسه".
صنف "معاني القرآن" الذي قال فيه مادحه: "لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه"٢.
_________________
(١) ١ بغية الوعاة. ٢ الفهرست ص٩٦.
[ ٤٣ ]
وكتبه التي تركها تدور حول مسائل من اللغة والنوادر والصرف والنحو والقرآن. أما كتابه الكبير في النحو المسمى بـ "الحدود" فقد ذكروا أنه يشتمل على ستة وأربعين حدا في الإعراب. ويعنينا منه هنا قصته فهي تدل على بدع عجيب عرف به بعض النحاة وأثر في سير هذا العلم أثرا سيئا، ذلك هو الإغراب والتعقيد، قالوا:
كان السبب في إملائه الحدود أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه وسألوه أن يملي عليهم أبيات النحو ففعل، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض: "إن دام هذا على هذا، علم النحو الصبيان! والوجه أن يُقعد عنه" فقعدوا فغضب وقال: "سألوني القعود فلما قعدت تأخروا، والله لأملين النحو ما اجتمع اثنان" فأملى ذلك ست عشرة سنة١.
وأنا حائر في التوفيق بين نزعة التسهيل والتبسيط هذه التي في القصة، وقولهم في ترجمته: "كان يتفلسف في تأليفاته ومصنفاته، يعني: يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة"١.
وتكفينا هذه الإلماعة عن رجال المدرستين٢، محاولين تتبع الخلاف ومعرفة طبيعته.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص٩٩. ٢ نشر "مراتب النحويين" لأبي الطيب اللغوي المتوفى سنة ٣٥١، وجاء فيه -بعد أن سرد تراجم أعيان البصريين ثم الكوفيين- قوله: "والذين ذكرنا من الكوفيين فهم أئمتهم في وقتهم، وقد بينا منزلتهم عند أهل البصرة، فأما الذين ذكرنا من علماء البصرة فرؤساء علماء معظمون غير مدافعين في المصرين جميعا، ولم يكن بالكوفة ولا في مصر من الأمصار مثل أصغرهم في العلم بالعربية، ولو كان لافتخروا به، وباهوا بمكانه أهل البلدان، وأفرطوا في إعظامه كما فعلوا بحمزة الزيات، يتخذونه إماما معظما مقدما وليس يحكى عنه شيء من العربية ولا النحو، وإنما هو صاحب قراءة، وأما عند البصريين فلا قدر له" ص٢٦.
[ ٤٤ ]
نشأة الخلاف واحتكاك المدرستين
مدخل
٢- نشأة الخلاف واحتكاك المدرستين:
أول ما يعرف من الخلاف بين البصريين والكوفيين ما أثبته سيبويه في "الكتاب" من حكاية أقوال "الكوفي" أبي جعفر الرؤاسي على ما علمت آنفا. والظاهر أن مرافقة الرؤاسي للخليل في القراءة على عيسى بن عمر جعلت بينهما نوعا من الأنس سمح للخليل أن يطلب من الرؤاسي كتابه، فروى منه بعض أقوال لتلميذه سيبويه، فأثبتها هذا في كتابه.
ولم يكن في هذا الخلاف ولا في غيره مما حدث بين البصريين أنفسهم يومئذ، أكثر من المذاكرة وحكاية الأقوال المخالفة والرد عليها أحيانا. فأنت كثيرا ما تجد سيبويه يورد لشيخيه يونس والخليل أقوالا يخالفها فيقول: "وزعم الحليل"، "وزعم يونس".
ولم تدخل الدنيا بين المشهورين من رجال هذه الطبقة، فالخليل والرؤاسي مثلا كلاهما صالح عفيف، ومتى خلت المناقشات العلمية مما يؤرثها من حوافز المادة أو الجاه بقيت هادئة جميلة صافية.
فلما قرّب العباسيون الكسائي وتلاميذه وخصوهم بتربية أولادهم، وبالإغداق عليهم إذ كان أهل الكوفة بالجملة أخلص لهم
[ ٤٥ ]
وأحسن سابقة معهم على عكس أهل البصرة، اجتهد المقربون في التمسك بدنياهم التي نالوها، ووقفوا بالمرصاد للبصريين الذين يفوقونهم علما، فحالوا بينهم وبين النجاح المادي أو المعنوي بكل ما يستطيعون من قوة؛ وإذا كان لبصري كالأصمعي مثلا حظوة عند خليفة ولم يقدروا على إبعاده ماديا، اجتهدوا في الغض من علمه.
وأنا أعرض أنماطا من خلافهم في المجالس الرسمية تفصح عن العصبية والحدة وحب النيل من المنافس، أعرض ذلك ليكون مدخلا للكلام على المذهبين بعد أن عرفنا رجالهما الأولين. ولا تستغربن أن تكون الحدة والعصبية أظهر على الكوفيين، وحب الغلبة عندهم أشد، فهم عن دنياهم وجاههم يدافعون، إذ علموا علم اليقين أن علمهم إزاء علم البصريين قليل١؛ ولذا كان الخطر من هؤلاء ماثلا أمام الكوفيين، ولعين الكسائي منهم خاصة، ولم يرو عن كوفي عنف مثل عنف الكسائي هذا، ولا حرص على الإجهاز على الخصم المنافس كما روي عنه، وإليك الشواهد:
_________________
(١) ١ قال أبو حاتم: "لم يكن لجميع الكوفيين علم بالقرآن ولا كلام العرب، ولولا أن الكسائي دنا من الخلفاء فرفعوا ذكره لم يكن شيئا، وعلمه مختلط بلا حجج ولا علل إلا حكايات عن الأعراب مطروحة؛ لأنه كان يلقنهم ما يريد، وهو على ذلك أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن، وهو قدوتهم وإليه يرجعون" مراتب النحويين ص٨٤. هذا، وقد علمت آنفا أن الرؤاسي شيخ الكسائي أقام بالبصرة فلم يرتفع له فيها ذكر، ولا عد علمه شيئا إزاء علم البصريين. ومهما جعلت للمبالغة نصيبا في قول أبي حاتم، فأنت مطمئن إلى ستر الكوفيين قصورهم عن منافسيهم بالشعب، والسلطان الذي كان لهم.
[ ٤٦ ]
بين الكسائي والأصمعي:
حدث أحمد بن يحيى ثعلب أحد أئمة الكوفيين قال:
كان الكسائي والأصمعي بحضرة الرشيد، وكانا ملازمين له يقيمان بإقامته ويظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي:
أنَّى جزوا عامرا سوءى بفعلهم أم كيف يجزونني السوءى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوقُ به رئمان أنف إذا ما ضن باللبن
فقال الأصمعي: "إنما هو رئمان أنف، بالنصب" فقال له الكسائي: "اسكت ما أنت وذاك؟ يجوز بالرفع والنصب والخفض: أما الرفع فعلى الرد على "ما" لأنها في موضع رفع بـ "ينفع" فيصير التقدير: "أم كيف ينفع رئمان أنف"، والنصب بـ "تعطي"، والخفص على الرد على الهاء التي في "به"". فسكت الأصمعي ولم يكن له علم بالعربية، وكان صاحب لغة، لم يكن صاحب إعراب١.
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ١٣/ ١٨٣، وأمالي الزجاجي ص٣٤ "المطبعة المحمودية التجارية بالأزهر بمصر". والبيتان لأفنون التغلبي "انظر المفضليات للضبي ٢/ ٦٣ طبعة دار المعارف بالقاهرة". العلوق: الناقة تفقد ولدها بنحر أو موت، فيسلخ جلده ويحشى تبنا ويقدم إليها لترأمه "أي: تعطف عليه" ويدر لبنها فينتفعوا به، فهي تشمه وينكره قلبها فتعطف عليه ولا ترسل اللبن، فشبه ذلك بهذا. والبيت مثل يضرب لمن يعدك بلسانه كل جميل ولم يفعل منه شيئا؛ لأن قلبه منطو على ضده، كأنه قيل له: كيف ينفعني قولك الجميل إذا كنت لا تفي به. ا. هـ عن المصدر الأول بتصرف يسير. هذا وقد علق ابن الشجري حين عرض هذه القضية بقوله: "ولنحاة الكوفيين في أكثر كلامهم تهاويل فارغة من حقيقة" ١/ ٣٢.
[ ٤٧ ]
عدوا الكسائي فائزا في هذه المناظرة، ولعل المجلس تقوّض على ذلك، ولكننا الآن لا نعده كذلك. فالأصمعي راوية ثبت صدوق وهو في الرواية والأخبار أقوى من الكسائي، والكسائي أورد وجوه الإعراب المحتملة، أما الأصمعي فإنما يرد صاحبه إلى الرواية١ وشتان ما بين الأمرين.
وللأصمعي مجلس آخر مع الكسائي أمام الرشيد كال له فيه الصاع صاعين، وحكم له الرشيد حكما لزم الكسائي عاره:
قال له الأصمعي وهما عند الرشيد: "ما معنى قول الراعي:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مخذولا؟
قال الكسائي: "كان محرما بالحج" قال الأصمعي: "فقوله:
قتلوا كسرى بليل محرما فتولى لم يمتع بكفن
هل كان محرما بالحج"؟؟؟
فقال هارون للكسائي: "يا علي، إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي"٢.
_________________
(١) ١ بل إن المعني لينصر رواية الأصمعي ويرفض رواية الرفع "وصوب ابن الشجري إنكار الأصمعي فقال: لأن رئمانها للبو بأنفها هو عطيتها إياه لا عطية لها غيره، فإذا رفع لم يبق لها عطية في البيت؛ لأن في رفعه إخلاء "تعطي" من مفعوله لفظا وتقديرا، والجر أقرب إلى الصواب قليلا؛ وإنما حق المعني والإعراب النصب". انظر مغني اللبيب بحث "أم". وللكسائي مثل هذا التخبط مع عيسى بن عمر؛ ألقى عيسى مسألة فذهب يوجه احتمالاتها، فقال عيسى: "عافاك الله، إنما أريد كلام العرب، وليس هذا الذي تأتي به بكلامها". إنباه الرواة ٢/ ٣٧٧. ٢ أخبار النحويين البصريين ص٥٩، محرم أي: لم يحل من نفسه شيئا يوجب القتل، وقوله "محرما" في كسري يعني حرمة العهد الذي له في أعناق أصحابه. هذا وقد سجلوا للكسائي طلبه الهدنة من الأصمعي، قال الأصمعي: أرسل إلي الكسائي بأبي نصر وقال: "لست أعرض لك في الشعر والغريب والمعاني، فدعني والنحو" فوجهت إليه: "ما كلمتك قط في النحو إلا بحجة أصحابي، وقد تركت ذلك لك" إنباه الرواة ٢/ ٢٧٢.
[ ٤٨ ]
٢- بين الكسائي وسيبويه:
قال الفراء: "قدم سيبويه على البرامكة فعزم يحيى بن خالد أن يجمع بينه وبين الكسائي وجعل لذلك يوما، فلما حضر تقدمت وابن الأحمر١ فدخل فإذا بمثال في صدر المجلس فقعد عليه يحيى، وقعد إلى جانب المثال جعفر والفضل ومن حضر بحضورهم، وحضر سيبويه فأقبل عليه الأحمر فسأله عن مسألة فأجابه فيها سيبويه فقال له: "أخطأت"، ثم سأله عن ثانية وثالثة كل ذلك يقول له: "أخطأت" فقال سيبويه:" هذا سوء أدب".
فأقبلت عليه فقلت: إن في هذا الرجل حدة وعجلة، ولكن ما تقول فيمن قال: "هؤلاء أبون، ومررت بأبين" كيف تقول على مثال ذلك من "وأيت" أو "أويت"؟ فأجاب فأخطأ فقلت له: "أعد النظر ثلاث مرات تجيب ولا تصيب٢، فلما كثر عليه ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره".
فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: "أتسألني أم أسألك؟ " فقال: "بل سلني أنت". فقال له الكسائي: "كيف تقول: قد
_________________
(١) ١ هو علي بن الحسن الأحمر تلميذ الكسائي وخليفته على تعليم أولاد الرشيد كما سيأتي. وفي المغني وحاشية الدسوقي عليه "١/ ١٢٩" أنه خلف الأحمر وهذا سهو منهما رحمهما الله، إذ إن خلفا بصري ولا تعرف له تلمذة على الكسائي، بل أين هذا من هذا؟ ٢ قال ابن هشام الأنصاري بعد شرحه هذه المسألة: وليس هذا مما يخفى على سيبويه ولا على أصاغر الطلبة، ولكنه كما قال أبو عثمان المازني: "دخلت بغداد فألقيت علي مسائل، فكنت أجيب فيها على مذهبي ويخطئونني على مذاهبهم" وهكذا اتفق لسيبويه ﵀. مغني اللبيب "مادة إذا".
[ ٤٩ ]
كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي، أو "فإذا هو إياها"؟ " فقال سيبويه: "فإذا هو هي، ولا يجوز النصب" فقال له الكسائي: "لحنت".
ثم سأله عن مسائل من هذا النوع: "خرجت فإذا عبد الله القائمُ" أو "القائمَ"؟ فقال سيبويه في ذلك كله بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: "ليس هذا من كلام العرب، العرب ترفع في ذلك كله وتنصب" فدفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: "قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن ذا يحكم بينكما؟ " فقال له الكسائي: "هذه العرب في بابك قد جمعتهم من كل أوب، ووفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين، وسمع أهل الكوفة وأهل البصرة منهم، فيحضرون ويسألون" فقال يحيى وجعفر: "قد أنصفت" فأمر بإحضارهم فدخلوا، فهم: أبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وأبو ثروان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه فتابعوا الكسائي وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: "قد تسمع أيها الرجل" فاستكان سيبويه١.
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ١٣/ ١٨٥-١٨٨، ومغني اللبيب في بحث إذا. وأقبل الكسائي على يحيى فقال: "أصلح الله الوزير، إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت ألا ترده خائبا" فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه نحو فارس، فأقام هناك حتى مات ولم يعد إلى البصرة. ا. هـ. فيقال: إن هؤلاء الأعراب رشوا فوافقوا الكسائي، وقيل: تملقوه إرضاء للوزير، ولم ينطقوا بالنصب وإنما قالوا: القول قول الكسائي. وقد ختم ابن الشجري هذا المجلس بأن الكسائي "إنما قصد سؤاله عما علم أنه لا وجه له في العربية، واتفق هو والفراء على ذلك؛ ليخالفه سيبويه فيكون الرجوع إلى السماع، فيقطع المجلس عن النظر والقياس" أمالي ابن الشجري ١/ ٢٠٦.
[ ٥٠ ]
ولم يختلف البصريون حتى اليوم في أن القول ما قال سيبويه، وأن الموضع ليس بموضع نصب، وأن هؤلاء الأعراب أعراب الحطمية الذين كان الكسائي يقوم بهم ويأخذ عنهم. ثم جاء ثعلب فاحتال وجها للنصب فقال: "وإنما أدخل الفاء في قوله: "فإذا هو إياها" لأن "فإذا" مفاجأة أي: فوجدته ورأيته، فـ "وجدت ورأيت" ينصب شيئين ويكون معه خبر؛ فلذلك نصبت العرب".
قلت: وهو وجه غير صحيح، ولو صح أن "فإذا=وجدت" لوجب أن يقال: "فإذا إياه إياها"، ولم يدَّعِ ذلك حتى الكوفيون.
[ ٥١ ]
بين الكسائي والبريدي
٣- بين الكسائي واليزيدي:
لقد سلط الله على الكسائي من يثأر منه للأصمعي وسيبويه، فأذاقه على يد يحيى بن المبارك اليزيدي ما كان كفاء لعصبيته على البصريين. ويحيى هذا بصري قرأ على أبي عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد، واتصل بخال المهدي يزيد بن منصور الحميري فأدب أولاده، وإليه نسب فقيل "اليزيدي". ولم يستطع الكسائي أن يغلبه بجاهه، فعاش حياته تنزل عليه منه الضربات في المناظرة والهجاء بالأشعار. ثم كان مؤدب المأمون كما كان الكسائي مؤدب الأمين، وإليك مجلسين من مجالسهما أولهما قبل مناظرة سيبويه وثانيهما بعدها:
[ ٥١ ]
١- قال اليزيدي:
"كنا في بلد مع المهدي في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر، فتذاكروا عنده النحو والعربية، وكنت متصلا بخاله يزيد بن منصور والكسائي مع ولد الحسن الحاجب، فبعث إلي وإلى الكسائي، فصرت إلى الدار فإذا الكسائي بالباب قد سبقني فقال لي: "أعوذ بالله من شرك يا أبا محمد" فقلت: "والله لا تؤتى من قبلي، أو أوتى من قبلك".
فلما دخلنا على المهدي أقبل علي فقال: كيف نسبوا إلى البحرين فقالوا: "بحراني" وإلى الحصنين فقالوا: "حصني"؟ هلا قالوا: حصناني كما قالوا بحراني؟ فقلت: "أيها الأمير، لو قالوا في النسب إلى البحرين "بحري" لالتبس فلم يدر: آلنسبة إلى "البحرين" وقعت أم إلى البحر؟ فزادوا ألفا للفرق بينهما كما قالوا في النسب إلى الروح: روحاني؛ ولم يكن لـ "حصنين" شيء يلتبس به فقالوا: "حصني" على القياس".
فسمعت الكسائي يقول لعمرو بن بزيغ: "لو سألني الأمير عنهما لأجبته بأحسن من هذه العلة". فقلت: "أصلح الله الأمير، إن هذا يزعم أنك لو سألته أجاب بأحسن من جوابي" قال: "فقد سألته" قال: "كرهوا أن يقولوا "حصناني" فيجمعوا بين نونين، ولم يكن في البحرين إلا نون واحدة فقالوا "بحراني" لذلك".
قلت: "كيف تنسب إلى رجل من "بني جنّان"؟ إن لزمت
[ ٥٢ ]
قياسك فقلت: "جني" جمعت بينه وبين المنسوب إلى الجن، وإن قلت: "جناني" رجعت عن قياسك وجمعت بين ثلاث نونات".
ثم تفاوضنا إلى أن قلت له: "كيف تقول: إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيد؟ " فأطرق مفكرا وأطال الفكرة فقلت: "أصلح الله الأمير، لأن يجيب فيخطئ فيتعلم أحسن من هذه الاطالة". فقال: "إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيدا" فقلت: "أخطأ أيها الأمير" قال: "وكيف؟ " قلت: "لرفعه قبل أن يأتي باسم إن، ونصبه بعد الرفع، وهذا لا يجيزه أحد".
فقال شيبة بن الوليد عم ذفافة متعصبا له: "أراد بـ "أو": بل" فقلت: "هذا لعمري معنى"، فلقنه الكسائي فقال: "ما أردت غيره". فقلت: "أخطأتما جميعا؛ لأنه غير جائز أن يقال: إن من خير القوم وأفضلهم، بل خيرهم زيدا" فقال المهدي: "يا كسائي، ما مر بك مثل اليوم". قال: "فكيف الصواب عندك؟ " فقلت: "إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرَهم بتة زيد، على معنى تكرير إن". فقال المهدي: "قد اختلفتما وأنتما عالمان، فمن يفصل بينكما؟ " قلت: "فصحاء العرب المطبوعون" فبعث إلى أبي المطوق، فعملت أبياتا إلى أن يجيء، وكان المهدي يميل إلى أخواله من اليمن "وابن منصور الحميري حاضر" فقلت:
يا أيها السائلي لأخبره عمن بصنعاء من ذوي الحسب
حمير ساداتها تقر لها بالفضل طرا جحاجح العرب
فإن من خيرهم وأفضلهم أو خيرهم بتة أبو كرب
[ ٥٣ ]
فلما جاء أبو المطوق أنشدته الأبيات، وسألته عن المسألة فوافقني١.
٢- في حضرة الرشيد:
سأل الرشيد اليزيدي والكسائي عن قصر "الشراء" ومده فقال الكسائي: "مقصور لا غير" وقال اليزيدي: "يقصر ويمد" فقال الكسائي: "من أين لك؟ " فقال اليزيدي: "من المثل السائر: لا يغتر بالحرة عام هدائها ولا بالأمة عام شرائها". فقال الكسائي: "ما ظننت أن أحدا يجهل مثل هذا" فقال اليزيدي: "ما ظننت أن
_________________
(١) ١ أمالي الزجاجي ص٤٠ ثم قال الزجاجي: المسألة مبنية على الفساد للمغالطة، فأما جواب الكسائي فغير مرضٍ عند أحد، وجواب اليزيدي غير جائز عندنا؛ لأنه أضمر "إن" وأعملها وليس من قوتها أن تضمر فتعمل، والصواب عندنا في المسألة أن يقال: "إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم البتة زيد" فتضمر اسم إن فيها وتستأنف بعدها. ا. هـ. قلت: يريد أن اسمها ضمير شأن محذوف. هذا والقصة في الأغاني "١٨/ ٧٦" وفيها ثمة اختلاف يسير وبعض نقص وإخلال، أما الزيادة فيها فطريفة لدلالتها على أن العصبية في النحو لم تقتصر على النحاة، بل تناولت كبار رجال الدولة وأغرتهم بالتحيز، ولم ينج شيبة بن الوليد هذا وهو أحد قواد المهدي من شرها، وإليك تتمة الخبر برواية الأغاني على لسان أبي محمد نفسه: "فقال لي المهدي: كيف تنشده أنت؟ " فقلت: "أو خيرَهم بتة أبو كرب" على إعادة "إن" كأنه قال: "أو إن خيرهم بتة أبو كرب"" فقال الكسائي: "هو والله قالها الساعة" فتبسم المهدي وقال: "إنك لتشهد له وما تدري" ثم طلع الأعرابي الذي بعث إليه فألقيت عليه المسائل، فأجاب فيها كلها بقولي فاستفزني السرور حتى ضربوا بقلنسيتي الأرض وقلت: "أنا أبو محمد" فقال لي شيبة: "أتتكنى باسم الأمير؟ " فقال المهدي: "والله ما أراد بذلك مكروها، ولكنه فعل ما فعل للظفر، وقد لعمري ظفر" فقلت: "إن الله ﷿ أنطقك أيها الأمير بما أنت أهله وأنطق غيرك بما هو أهله" فلما خرجنا قال لي شيبة: "أتخطئني بين يدي الأمير؟ أما لتعلمن؟ " قلت: "قد سمعت ما قلت، وأرجو أن تجد غبها" ثم لم أصبح حتى كتبت رقاعا عدة، فلم أدع ديوانا إلا دسست إليه رقعة فيها أبيات قلتها فيه، فأصبح الناس يتناشدونها وهي: عش بجد ولا يضرك نوك إنما عيش من ترى بالجدود عش بجد وكن هبنقة القيـ ـسي نوكا أو شيبة بن الوليد
[ ٥٤ ]
أحدا يفتري بين يدي أمير المؤمنين مثل هذا"١.
٣- في حضرة الرشيد أيضا:
سأل اليزيدي الكسائي بحضرة الرشيد قال: "انظر، في هذا الشعر عيب؟ " وأنشده:
ما رأينا خربا نـ ـقر عنه البيض صقر٢
لا يكون العير مهرا لا يكون، المهر مهر
فقال الكسائي: "قد أقوى الشاعر" فقال اليزيدي: "انظر فيه" فقال: "أقوى، لا بد أن ينصب المهر الثاني على أنه خبر كان".
فضرب اليزيدي بقلنسوته الأرض وقال: "أنا أبو محمد، الشعر صواب، وإنما ابتدأ فقال: المهر مهر".
فقال له يحيى بن خالد: "أتكتني بحضرة أمير المؤمنين وتكشف رأسك؟ والله لخطأ الكسائي مع أدبه أحب إلينا من صوابك مع سوء فعلك".
فقال: "لذة الغلبة أنستني من هذا ما أحسن"٣.
_________________
(١) ١ قوله "مثل هذا" ساقط "من المصباح المنير" وعنه روينا الخبر وهو موجود في التاج نقلا عن المصباح، فلعل الكلمة سقطت من مطبوعة المصباح الأميرية. ٢ إرشاد الأريب ١٣/ ١٧٨. الخرب: ذكر الحبارى، والمعنى: لا يحاول الصقر استخراج صقر من بيضة الحبارى، و"يكون" الثانية التي في البيت الثاني توكيد لفظي للأولى وأراد الكسائي بـ "أقوى" التي بعد البيتين: لحن. ٣ المصدر السابق، هذا ولليزيدي كلمة في المقابلة بين أبي عمرو بن العلاء والكسائي لا يحسن إغفالها، فقد جمع الفضل بن الربيع بينه وبين علي الأحمر الكوفي وسألهما: "من كان أعلم بالنحو: الكسائي أو أبو عمرو بن العلاء؟ " فكان مما قال اليزيدي وكان تلميذ أبي عمرو: "لم يكن أحد بالنحو أعلم من أبي عمرو؛ لأنه جاور البدو أربعين سنة ولم يقم الكسائي بالبدو أربعين يوما!! " مجالس العلماء للزجاجي ص١٧١ طبعة حكومة الكويت.
[ ٥٥ ]
٤- بين المازني ونحاة كوفيين:
حضر المازني ونحاة كوفيون مجلس الواثق يوما فقال الواثق -وهذه رواية المازني نفسه:
"يا مازني هات مسألة" قلت: "ما تقولون في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] لم لم يقل: "بغية" وهي صفة لمؤنت؟ " فأجابوا بجوابات غير مرضية، فقال لي: "هات". قلت: "لو كان بغي" على تقدير "فعيل" بمعنى "فاعلة" للحقتها الهاء مثل كريمة وظريفة، وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة في نحو: "امرأة قتيل، وكف خضيب"؛ و"بغي" ههنا ليس بفعيل إنما هو "فعول" لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث نحو: "امرأة شكور وبئر شطون إذا كانت بعيدة الرشاء"، وتقدير "بغي": "بغُوي" قلبت الواو ياء، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ياء ثقيلة نحو "سيد وميت" فاستحسن الجواب١.
٥- بين المازني وابن السكيت:
قال المازني:
حضرت يوما مجلس المتوكل وحضر يعقوب بن السكيت، فقال المتوكل: "تكلما في مسألة نحوية" فقلت له: "اسأل" فقال: "اسأل أنت" فقلت له:
_________________
(١) ١ طبقات النحويين واللغويين ص٩٥.
[ ٥٦ ]
ما وزن ﴿نَكْتَلْ﴾ اللفظة الواردة في الآية المذكورة فيها قصة إخوة يوسف؟
فتسرع وقال: وزنها "نفعل".
فقلت له: "اتئد وانظر". فأفكر ثم قال:
وزنها "نفتعل".
فقلت: "نكتل" أربعة أحرف و"نفتعل" خمسة أحرف، فكيف تقدر الرباعي بالخماسي؟ فبهت ولم يحر جوابا.
فقال المتوكل: فما تقول أنت يا مازني؟
قلت: وزنها في الأصل "نفتعل" لأنها "نكتيل" فلما تحرك حرف العلة وهو الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصارت "نكتال" ولما دخل الجازم صارت "نكتل" "ووزنها نفتل".
فقال المتوكل: هذا هو الحق وانخذل ابن السكيت ووجم، وظهر ذلك عليه.
فلما خرجنا قال ابن السكيت في الطريق: "بالغت اليوم في ذاي" فقلت له: "لم أقصدك بشيء مما جرى، وإنما مسألة كانت قريبة من خاطري، فذكرتها"١.
٦- بين المبرد والثعلب:
"حكي أن بعض الأكابر من بني طاهر سأل أبا العباس ثعلبا أن يكتب له مصحفا على مذهب أهل التحقيق، فكتب ﴿وَالضُّحَى﴾ بالياء، ومذهب الكوفيين أنه إذا كان كلمة من هذا النحو
_________________
(١) ١ إنباه الرواة ١/ ٢٥٠، وطبقات النحويين واللغويين ص٩٤.
[ ٥٧ ]
أولها ضمة أو كسرة كتبت بالياء وإن كانت من ذوات الواو، والبصريون يكتبون بالألف. فنظر المبرد في ذلك المصحف فقال: ينبغي أن يكتب "والضحا" بالألف؛ لأنه من ذوات الواو، فجمع ابن طاهر بينهما:
فقال المبرد لثعلب: "لم كتبت ﴿وَالضُّحَى﴾ بالياء؟ " فقال: "لضمة أوله" فقال له: "ولم إذا ضم أوله وهو من ذوات الواو تكتبه بالياء؟ ".
فقال: لأن الضمة تشبه الواو، وما أوله واو يكون آخره ياء، فتوهموا أن أوله واو، فقال المبرد: "أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة؟!! "١.
وفي كتاب "مجالس العلماء" للزجاجي عدد من المجالس بين المبرد وثعلب تظهر الفارق الكبير بين سداد المبرد وملكته وعلمه، وتخبط ثعلب في نقله وقياسه، ويفيد الاطلاع على هذا
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ١٩/ ١١٨. هذا، وقد تمثلت في الخصومة بينهما الخصومة بين البصريين والكوفيين عامة، واشترك فيها الشعر على هوى قائليه: فمحب للوفاق يقول: أيا طالب العلم لا تجهلن وعذ بالمبرد أو ثعلب وبصري يقول: رأيت محمد بن يزيد يسمو إلى الخيرات في جاه وقدر وكان الشعر قد أودى فأحيا أبو العباس داثر كل شعر وقالوا ثعلب رجل عليم وأين النجم من شمس وبدر وقالوا ثعلب يفتي ويملي وأين الثعلبان من الهزبر .. إلخ. والظاهر أن حيوية هذه الخصومة جلبت إليها الوقود الكافي من المتعصبين حتى ذهبت مثلا في الأدب، فقال أحد المحبين يحن ويتشوق: فأبداننا في بلدة والتقاؤنا عسير كأنا ثعلب والمبرد انظر بغية الوعاة ص١١٦.
[ ٥٨ ]
الكتاب جملة، وبين ص١١٩ و١٢٦ شيء من هذه المجالس بينهما "طبعة حكومة الكويت سنة ١٩٦٢".
٦- بين ثعلب والزجاج:
قال الزجاج:
دخلت على أبي العباس ثعلب في أيام المبرد وقد أملى شيئا من "المقتضب" فسلمت عليه وعنده أبو موسى الحامض وكان يحسدني شديدا ويجاهرني بالعداوة، وكنت ألين له وأحتمله لموضع الشيخوخة.
فقال لي ثعلب: "قد حمل إلي بعض ما أملاه هذا الخلدي "يعني المبرد" فرأيته لا يطوع لسانه بعبارة" فقلت له: "إنه لا يشك في حسن عبارته اثنان، ولكن سوء رأيك فيه يعيبه عندك" فقال: "ما رأيته إلا ألكن متغلقا".
فقال أبو موسى: "والله إن صاحبكم "يعني سيبويه" ألكن" فأحفظني ذلك ثم قال:
بلغني عن الفراء أنه قال: "دخلت البصرة فلقيت يونس وأصحابه فسمعتهم يذكرون سيبويه بالحفظ والدراية وحسن الفطنة، فأتيته فإذا هو أعجم لا يفصح، سمعته يقول لجارية: "هات ذيك الماء من ذاك الجرة" فخرجت من عنده ولم أعد إليه" فقلت له: هذا لا يصح عن الفراء، وأنت غير مأمون في هذه الحكاية، ولا يعرف أصحاب سيبويه من هذا شيئا، وكيف تقول هذا لمن يقول في أول كتابه: "هذا باب علم ما الكلم من
[ ٥٩ ]
العربية"؟ وهذا يعجز عن إدراك فهمه كثير من الفصحاء فضلا عن النطق به، فقال ثعلب: "قد وجدت في كتابه نحوا من هذا: يقول: "حاشا" حرف يخفض ما بعده كما تخفض "حتى" وفيها معنى الاستثناء".
فقلت: "هذا كذا في كتابه، وهو صحيح؛ ذهب في التذكير إلى الحرف، وفي التأنيث إلى الكلمة".
قال: "والأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد".
قلت: "كل جيد، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا ﴾ ١ وقرئ: "ويعمل صالحا"، وقال ﷿: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٢ ذهب إلى المعنى ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ٣ ذهب إلى اللفظ، وليس لقائل أن يقول: لو حمل الكلام على وجه واحد في الآيتين كان أجود؛ لأن كلا جيد.
فأما نحن "يريد البصريين" فلا نذكر حدود الفراء؛ لأن صوابه فيه أكثر من أن يعد، ولكن هذا أنت يا ثعلب عملت كتاب "الفصيح" للمبتدئ المتعلم، وهو عشرون ورقة أخطأت في عشرة مواضع منه إلخ.
وفصل الزجاج هذه المواضيع مستشهدا بكلام العرب، فانظرها في مظنتها.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب ٣٣ الآية ٣١. ٢ سورة يونس ١٠ الآية ٤٢. ٣ الآية التالية ١٠/ ٤٣.
[ ٦٠ ]
ثم قال الزجاج: "فما قرئ عليه كتاب الفصيح بعد ذلك علمي، ثم بلغني أنه سئم ذلك، فأنكر كتاب الفصيح أن يكون له"١.
وهم يصفون ثعلبا بغزارة الحفظ، لكنه "لم يكن مع ذلك موصوفا بالبلاغة، فإذا كتب كتابا إلى بعض أصحاب السلطان ما خرج عن طبع العامة"٢.
في أكثر هذه الأخبار مجال لمن شك فيها أو توقف، فما فاز فيه الكسائي على خصمه عرفناه من رواية أنصاره الكوفيين، فراوي خبر الأصمعي والكسائي ثعلب وهو من أئمتهم، وراوي خبر سيبويه والكسائي هو الفراء تلميذ الكسائي، وراوي خبر اليزيدي هو اليزيدي نفسه، ولم نسمع رواية الطرف الآخر ممن شاهد الوقائع. ومع هذا نستطيع اعتبارها واقعة كما رووها لنا ونمضي في بحثنا جاعلين عدم نقض البصريين لهذه الرواية -فيما علمنا- إقرارا منهم بمضمونها. ونلاحظ بعد ذلك الأمرين الآتيين:
١- لا يحتاج القارئ إلى كثير روية حتى يطمئن إلى أن الحق في كل هذه المناظرات كان بجانب البصريين: الأصمعي، وسيبويه، واليزيدي، والمبرد؛ وأن حجج الكوفيين في هذه المسائل واهية.
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ١/ ١٣٧-١٤٣ وانظر إنباه الرواة ٣/ ١٤١. ٢ طبقات النحويين واللغويين للزبيدي ص١٥٧.
[ ٦١ ]
٢- لم تكن أكثر هذه المجالس عادلة، فميل السلطان إلى أحد الخصمين وتقريبه له ومكانته عنده، كل ذلك قوى نفسه فاستطال على خصمه بدالته ولسانه وجاهه في القصر وعند الشهود، وتحدثت هذه المجالس بغلبته، إلى أن مضت الأيام وانقضت تلك الاعتبارات، وحكم التاريخ فرد الحق إلى أهله.
وبعد، فقد بلغ هذا الخلاف أجله، ودرج العلماء والمؤرخون على أن هناك مذهبا بصريا وآخر كوفيا، فما معالم كل من المذهبين. وما أهم الميزات لهذا وذاك؟
أبادر قبل بسط هذه المعالم إلى تسجيل أمرين لا بد منهما إذا أردنا الدقة في البحث والاحتياط في الأحكام:
١- نحن اليوم نملك من كتب البصريين عددا صالحا يساعدنا في إرسال الأحكام بشيء من الاطمئنان، فقد راجت في الأقطار منذ تأليفها حتى اليوم، وشرح منها الشيء الكثير، وتداولته الطلبة على مر السنين. ثم كان الذين ألفوا في طبقات النحويين وأخبارهم ممن طبعت كتبهم ينصر أكثرهم المذهب البصري، وكان النحو في الشام ومصر والمغرب والأندلس بصري الطابع في أكثر مسائله أغلب الأزمان، وهذا كله قد خدم كتب البصريين ونحوهم خدمة لم يحظ ببعضها المذهب الآخر.
أما الكوفيون، فلم يطبع من كتبهم النحوية حتى الآن شيء فيما
[ ٦٢ ]
أعلم١، وإنما اطلعنا على أقوالهم في كتب المتأخرين منثورة على المسائل، أي: إن آراءهم وردت في كتب خصومهم -مع شيء من التجوز٢- للرد عليها، فإن نحن اعتمدنا على ذلك في إصدار الأحكام، لم نكن إلى العدل في شيء. والحق يقضي ألا نرسل حكما بين فريقين إلا بعد الاستماع إلى حجج كل من فيه، وهذا مع الأسف ليس ميسورا الآن.
٢- هذه الميزات والمعالم الآتية بعد، ليست جامعة مانعة؛ فليست هناك قاعدة أجمع عليها نحاة البصرة وتوارد على معارضتها نحاة الكوفة، أو قال بها الآخرون جميعا وعارضها الأولون جميعا. بل كثيرا ما نجد العالم الواحد من أهل الكوفة مثلا يذهب إلى أحكام يوافق فيها مذهب خصومه ويخالف أهل مصره.
وطالما تجد هذه الظاهرة في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف
_________________
(١) ١ بل إني سردت تراجم النحاة في "بغية الوعاة للسيوطي" فلا أذكر أنه مر بي كتاب في النحو لكوفي بعد أئمته الأولين غير ما جاء في ترجمة أبي جعفر التنوخي المتوفى سنة ٣١٨هـ من أن له مؤلفا في النحو على مذهب الكوفيين، إلا أن يكون مر شيء وغفلت عنه. ٢ وقفني قول الزجاجي وهو ممن خلط المذهبين -في كتاب الإيضاح "ص٨٠": "أكثر ما أذكر من احتجاجات الكوفيين إنما أعبر عنه بألفاظ البصريين"؛ حتى إذا مضيت في مطالعة الكتاب وجدت علة ذلك في ص"١٣١" في قوله: "إذ لو تكلفنا حكاية ألفاظ الكوفيين بأعيانها لكان في نقل ذلك مشقة علينا من غير زيادة في الفائدة، بل لعل أكثر ألفاظهم لا يفهمها من لم ينظر في كتبهم، وكثير منها قد هذبها من نحكي عنه مذهب الكوفيين مثل ابن كيسان وابن شقير وابن الخياط وابن الأنباري" ا. هـ. قلت: وهذا فارق هام بين المدرستين حين لا يتضح مراد الواحدة إلا باستعارة عبارات الأخرى.
[ ٦٣ ]
لابن الأنباري"١ وفي كتب النحو الأخرى٢. وما أكثر ما نقرأ فيها: "قال البصريون إلا فلانا وفلانا كذا، وذهب الكوفيون إلا فلانا إلى كذا".
ولم يطرد الصواب في أحد المذهبين اطرادا، بل تجده تارة مع هؤلاء وتارة مع أولئك، وحينا وسطا بينهما.
٣- الفروق بين المذهبين البصري والكوفي:
بعد الاحتياط المتقدم نحصر الكلام على المذهبين في ناحيتين اثنتين إليهما مرد الأمر كله، وهما: السماع والقياس.
أمر السماع:
تقع البصرة على سيف البادية، وأكثر عربها من قيس وتميم، وقد عرفت شأنهما في الاحتجاج، وتحف بها قبائل عربية سليمة السليقة لم تفسد لغتها بمخالطة الأعاجم، فكانت هذه القبائل ترد سوق البصرة المشهورة "المربد"، وأنت تعلم أن المربد كانت عكاظ الإسلام، ففيها تناشد وتفاخر كما فيها تجارة وبيع٣،
_________________
(١) ١ انظر مثلا المسألة الثالثة "١/ ١٩" في خلافهم حول الألف والواو والياء في التثنية والجمع: هل هي إعراب كالفتحة والضمة والكسرة أو هي حروف إعراب؟ فتجد الكوفيين قالوا بالأول، والبصريين بالثاني، ووافق قطرب "البصري" مذهب الكوفيين. وانشق المازني والمبرد والأخفش عن البصريين برأي ثالث. ٢ انظر مثلا مغني اللبيب: مادة "كلا" فقد اختلف في معناها الكسائي والفراء وكلاهما كوفي؛ قال الأول: هي بمعني حقا، وقال الثاني: هي بمعني "ألا" الاستفتاحية. ٣ انظر بسط ذلك في كتابنا "أسواق العرب في الجاهلية والإسلام".
[ ٦٤ ]
وذلك له أثره في فصاحة أهل البصرة وسلامة لغتهم. ثم كانت هناك رحلات متبادلة، فعلماء البصرة دائمو الترحال إلى البادية والجزيرة يتلقون عن أعرابها، والأعراب دائمو الورود إلى البصرة لشئون معايشهم، فقد ضرب في بوادي الجزيرة الأصمعي وأبو عبيدة ويونس وأبو زيد والخليل وغيرهم، ثم كانوا يتحرون في الأخذ: أما العربي فيتحرون فيه سلامة لغته وسليقته١، وأما الراوي فالصدق والضبط، ثم كانوا لا يعتدون بالشاهد إذا لم يعرف قائله أو لم يروه عربي يوثق بلغته٢، ومن هنا عجت بلدهم بفصحاء الأعراب المعروفين في كتب الأدب الذين كانوا من مفاخر البصرة التي يعتدها البصريون.
أما الكوفة فهي أدخل في العراق وأقرب إلى الاختلاط بالأعاجم، ولغة أعرابها ليست لها سلامة لغة أعراب البصرة، فأكثرهم يمن وبها قليل من قبائل أخرى، واليمن -كما رأيت في الكلام على الاحتجاج- لا يحتج بلغتها لتغيرها بالاختلاط بالفرس والأحباش، ثم بين الكوفة وجزيرة العرب صحراء السماوة الشاسعة؛ فلذا لم تكن رحلات علمائها إلى الجزيرة كرحلات علماء البصرة، والكسائي الذي ارتحل لم يرتحل إلا لما تتلمذ على الخليل وسأله، فأرشده إلى الرحلة، وقد مر بك أن أبا
_________________
(١) ١ استضعف أبو عمرو بن العلاء فصاحة أبي خيرة الأعرابي لما سأله: كيف تقول: "استأصل الله عرقاتهم! " ففتح أبو خيرة التاء، فقال له أبو عمرو: "هيهات أبا خيرة، لان جلدك" الخصائص ٢/ ١٣. ٢ في كتاب سيبويه "١٠٥٠" شاهدا، خمسون منها لم يعرف قائلوها، فاعتذروا بأن سيبويه وثق برواتها. ومع هذا كان بين هذه الخمسين ما وضع وضعا، وهو نزر يسير لا يعتد به.
[ ٦٥ ]
عمرو بن العلاء جاور البدو أربعين سنة، ولم يقم الكسائي بالبدو غير أربعين يوما١! بل نقلوا أن الكسائي "حمل إلى الأخفش البصري خمسين دينارا، وقرأ عليه كتاب سيبويه سرا"٢.
نعم كان للكوفة سوق أرادوا بها أن تحاكي مربد البصرة وهي "سوق كناسة"، لكن لم يكن لها ذلك الشأن، وهي إلى أن تكون داعية إفساد اللغة أقرب منها إلى أن تكون عاملا في صيانتها؛ لأن الأعراب الذين يؤمونها غير سليمي السلائق.
كل هذه العوامل صرفت الكوفيين إلى رواية الشعر، فذلك هو الميسور لهم، وزعموا أن سبب علمهم بالشعر وسبقهم فيه أهل البصرة: أن المختار بن أبي عبيد لما خرج بالكوفة قيل له: "إن تحت القصر الأبيض الذي كان للنعمان كنزا"، فاحتفر فوجد الطنوج التي كان النعمان أمر أن ينسج فيها أشعار العرب، فأخرجها. قالوا: فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالشعر، هذه رواية حماد الراوية الكوفي٣.
هذا حال من ينقلون عنه من حيث السليقة وسلامة اللغة، وأما الجهة الثانية وهي صدق الراوي وضبطه فلم يعنوا بها؛ ولذا كثر الموضوع المصنوع في أكثر رواياتهم، قال أبو الطيب اللغوي: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن
_________________
(١) ١ مجلس العلماء للزجاجي ص١٧١ طبعة حكومة الكويت. ٢ انظر مثلا مراتب النحويين ص٧٤. ٣ انظر الخصائص ١/ ٣٨٧. الطنوج: الكراريس، والخبر كله أسطورة من الصعب تصديقها، ولعله وضع كما توضع أشباهه من الأخبار النافخة في العصبية للبلدان.
[ ٦٦ ]
أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم"١ وأبعد من ذلك في الدلالة قصة خلف الأحمر راويتهم الكبير فقد قال:
"أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح. ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم، أنا تائب إلى الله تعالى؛ هذا الشعر لي". فلم يقبلوا مني وبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب٢.
أما راويتهم الأكبر "حماد" فهو الشمس شهرة في كذبه ووضعه، و"قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل من الأقدمين ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك"٣.
ولا تنس استشهاده باللحن أيضا حتى امتنع الكميت الشاعر عن إملاء شعره عليه، وقد طلب ذلك منه، وقال له: "أنت لحان، ولا أكتبك شعري"٤.
وقد عجب يونس "كيف يأخذ الناس عن حماد وهو يلحن
_________________
(١) ١ عن مراتب النحويين ص٧٤. ٢ وفيات الأعيان ١/ ٣٩٣. ٣ كلمة المفضل الضبي، إرشاد الأريب ١٠/ ٢٦٥. وعلى أن المفضل الضبي هذا "أعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة" بتعبير ابن سلام "طبقات الشعراء ص٢١" فقد وقع هو نفسه فيما خاف منه، فذكر ابن سلام في كلامه على عدي بن زيد أنه "حمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد واضطرب فيه خلف وخلط فيه المفضل فأكثر" ص١١٧. ٤ الموشح للمرزباني ص١٩٥.
[ ٦٧ ]
أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم"١ وأبعد من ذلك في الدلالة قصة خلف الأحمر راويتهم الكبير فقد قال:
"أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وآخذ الصحيح. ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم، أنا تائب إلى الله تعالى؛ هذا الشعر لي". فلم يقبلوا مني وبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب٢.
أما راويتهم الأكبر "حماد" فهو الشمس شهرة في كذبه ووضعه، و"قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل من الأقدمين ويدخله في شعره، ويحمل عنه ذلك في الآفاق فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك"٣.
ولا تنس استشهاده باللحن أيضا حتى امتنع الكميت الشاعر عن إملاء شعره عليه، وقد طلب ذلك منه، وقال له: "أنت لحان، ولا أكتبك شعري"٤.
وقد عجب يونس "كيف يأخذ الناس عن حماد وهو يلحن
_________________
(١) ١ عن مراتب النحويين ص٧٤. ٢ وفيات الأعيان ١/ ٣٩٣. ٣ كلمة المفضل الضبي، إرشاد الأريب ١٠/ ٢٦٥. وعلى أن المفضل الضبي هذا "أعلم من ورد علينا من غير أهل البصرة" بتعبير ابن سلام "طبقات الشعراء ص٢١" فقد وقع هو نفسه فيما خاف منه، فذكر ابن سلام في كلامه على عدي بن زيد أنه "حمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد واضطرب فيه خلف وخلط فيه المفضل فأكثر" ص١١٧. ٤ الموشح للمرزباني ص١٩٥.
[ ٦٧ ]
ويكسر الشعر ويكذب ويصحف"١ ولا تنس أنه ديلمي من السبي.
وحتى كانوا إذا بالغوا في الثناء على علم كوفي شبهوا روايته برواية أهل البصرة، فقالوا في ترجمة ابن الأعرابي تلميذ المفضل الضبي: "ولم يكن أحد من الكوفيين أشبه رواية برواية البصريين منه"٢.
كان من الطبيعي إذًا أن يطرح الثقات روايات أهل الكوفة وقد ملأها حماد وخلف وغيرهما بالمصنوع، وصار ذلك مما يميز مدرسة الكوفة من مدرسة البصرة، وعرف ذلك الخاص والعام، حتى أتى من ألف في طبقات النحويين فسجل الظاهرة الآتية:
"لا يعلم أحد من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة إلا أبا زيد الأنصاري البصري، فقد روى عن المفضل الضبي الكوفي"٣.
أما أهل الكوفة فيروون عن أهل البصرة إذ كانوا أساتذتهم،
_________________
(١) ١ مراتب النحويين ص٧٣. ٢ نزهة الألباء لابن الأنباري ص١٧٥. ٣ بغية الوعاة ص٤٢.
[ ٦٨ ]
حتى الكسائي الذي قرأ على الخليل ويونس وعيسى بن عمر، ورأى تحريهم فيما ينقلون وفيمن يشافهون؛ زايل التحري حين انتقل إلى بغداد وكان أمره كما قال أبو زيد الأنصاري: "قدم علينا الكسائي البصرة فلقي عيسى والخليل وغيرهما، وأخذ منهم نحوا كثيرا، ثم صار إلى بغداد فلقي أعراب الحطمية فأخذ عنهم الفساد من الخطأ واللحن، فأفسد بذلك ما كان أخذه بالبصرة كله"١.
كل ما تقدم مشهور متعارف عند أهل العلم قديما، حتى إن ابن سلام لما نقل قوله المفضل الضبي: "للأسود بن يعفر ثلاثون ومائة قصيدة" عقب عليه بقوله: "ونحن لا نعرف له ذلك ولا قريبا منه، وقد علمت أن أهل الكوفة يروون له أكثر مما نروي، ويتجوزون في ذلك بأكثر مما تجوزنا"٢.
ولا تظنن هذا الطابع طبع مدرسة الكوفة في علوم العربية فحسب، بل هو سمتهم في كل ما يعتمد السماع، وإليك حكم الخطيب البغدادي على المدرسة الكوفية ومدرسة البصرة في الحديث قال: "ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم. والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل، قليلة السلامة من العلل"٣.
هذا فرق ما بين المدرستين في أمر السماع وصحته والتحري فيه.
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ١٣/ ١٨٢. الحطمية: قرية على فرسخ من شرقي بغداد، وذكر الأصمعي "أن الكسائي يأخذ اللغة عن أعراب الحطمية، ينزلون بقطربل "قرية بين بغداد وعكبرا" وغيرها من قرى سواد بغداد، فلما ناظر سيبويه استشهد بكلامهم، واحتج بهم وبلغتهم على سيبويه" ١٣/ ١٨١. ٢ طبقات الشعراء ص١٢٣. ٣ نقله المرحوم جمال الدين القاسمي في كتابه قواعد التحديث ص٥٨.
[ ٦٩ ]
الفروق بين المذهبين البصري والكوفي
أمر السماع
٣- الفروق بين المذهبين البصري والكوفي:
بعد الاحتياط المتقدم نحصر الكلام على المذهبين في ناحيتين اثنتين إليهما مرد الأمر كله، وهما: السماع والقياس.
أمر السماع:
تقع البصرة على سيف البادية، وأكثر عربها من قيس وتميم، وقد عرفت شأنهما في الاحتجاج، وتحف بها قبائل عربية سليمة السليقة لم تفسد لغتها بمخالطة الأعاجم، فكانت هذه القبائل ترد سوق البصرة المشهورة "المربد"، وأنت تعلم أن المربد كانت عكاظ الإسلام، ففيها تناشد وتفاخر كما فيها تجارة وبيع١،
_________________
(١) ١ انظر بسط ذلك في كتابنا "أسواق العرب في الجاهلية والإسلام".
[ ٦٤ ]
وذلك له أثره في فصاحة أهل البصرة وسلامة لغتهم. ثم كانت هناك رحلات متبادلة، فعلماء البصرة دائمو الترحال إلى البادية والجزيرة يتلقون عن أعرابها، والأعراب دائمو الورود إلى البصرة لشئون معايشهم، فقد ضرب في بوادي الجزيرة الأصمعي وأبو عبيدة ويونس وأبو زيد والخليل وغيرهم، ثم كانوا يتحرون في الأخذ: أما العربي فيتحرون فيه سلامة لغته وسليقته١، وأما الراوي فالصدق والضبط، ثم كانوا لا يعتدون بالشاهد إذا لم يعرف قائله أو لم يروه عربي يوثق بلغته٢، ومن هنا عجت بلدهم بفصحاء الأعراب المعروفين في كتب الأدب الذين كانوا من مفاخر البصرة التي يعتدها البصريون.
أما الكوفة فهي أدخل في العراق وأقرب إلى الاختلاط بالأعاجم، ولغة أعرابها ليست لها سلامة لغة أعراب البصرة، فأكثرهم يمن وبها قليل من قبائل أخرى، واليمن -كما رأيت في الكلام على الاحتجاج- لا يحتج بلغتها لتغيرها بالاختلاط بالفرس والأحباش، ثم بين الكوفة وجزيرة العرب صحراء السماوة الشاسعة؛ فلذا لم تكن رحلات علمائها إلى الجزيرة كرحلات علماء البصرة، والكسائي الذي ارتحل لم يرتحل إلا لما تتلمذ على الخليل وسأله، فأرشده إلى الرحلة، وقد مر بك أن أبا
_________________
(١) ١ استضعف أبو عمرو بن العلاء فصاحة أبي خيرة الأعرابي لما سأله: كيف تقول: "استأصل الله عرقاتهم! " ففتح أبو خيرة التاء، فقال له أبو عمرو: "هيهات أبا خيرة، لان جلدك" الخصائص ٢/ ١٣. ٢ في كتاب سيبويه "١٠٥٠" شاهدا، خمسون منها لم يعرف قائلوها، فاعتذروا بأن سيبويه وثق برواتها. ومع هذا كان بين هذه الخمسين ما وضع وضعا، وهو نزر يسير لا يعتد به.
[ ٦٥ ]
عمرو بن العلاء جاور البدو أربعين سنة، ولم يقم الكسائي بالبدو غير أربعين يوما١! بل نقلوا أن الكسائي "حمل إلى الأخفش البصري خمسين دينارا، وقرأ عليه كتاب سيبويه سرا"٢.
نعم كان للكوفة سوق أرادوا بها أن تحاكي مربد البصرة وهي "سوق كناسة"، لكن لم يكن لها ذلك الشأن، وهي إلى أن تكون داعية إفساد اللغة أقرب منها إلى أن تكون عاملا في صيانتها؛ لأن الأعراب الذين يؤمونها غير سليمي السلائق.
كل هذه العوامل صرفت الكوفيين إلى رواية الشعر، فذلك هو الميسور لهم، وزعموا أن سبب علمهم بالشعر وسبقهم فيه أهل البصرة: أن المختار بن أبي عبيد لما خرج بالكوفة قيل له: "إن تحت القصر الأبيض الذي كان للنعمان كنزا"، فاحتفر فوجد الطنوج التي كان النعمان أمر أن ينسج فيها أشعار العرب، فأخرجها. قالوا: فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالشعر، هذه رواية حماد الراوية الكوفي٣.
هذا حال من ينقلون عنه من حيث السليقة وسلامة اللغة، وأما الجهة الثانية وهي صدق الراوي وضبطه فلم يعنوا بها؛ ولذا كثر الموضوع المصنوع في أكثر رواياتهم، قال أبو الطيب اللغوي: "الشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن
_________________
(١) ١ مجلس العلماء للزجاجي ص١٧١ طبعة حكومة الكويت. ٢ انظر مثلا مراتب النحويين ص٧٤. ٣ انظر الخصائص ١/ ٣٨٧. الطنوج: الكراريس، والخبر كله أسطورة من الصعب تصديقها، ولعله وضع كما توضع أشباهه من الأخبار النافخة في العصبية للبلدان.
[ ٦٦ ]
أمر القياس:
رسم البصريون خطتهم في النحو بعد أن جعلوا نصب أعينهم الهدف الذي إليه يرمون، وهو عصمة اللسان من الخطأ، وتيسير العربية على من يتعلمها من الأعاجم؛ ولذا تحروا ما نقلوا عن العرب ثم استقروا أحواله فوضعوا قواعدهم على الأعم الأغلب من هذه الأحوال، فإن تناثر هنا وهناك نصوص قليلة لا تشملها قواعدهم سلكوا بها -بعد التحري من صحة نقلها عن العرب المحتج بكلامهم- إحدي طريقتين: إما أن يتأولوها حتى تنطبق عليها القاعدة، وإما أن يهملوا أمرها لقلتها فيحفظوها ولا يقيسوا عليها، جاعليها من الصنف الذي سموه مطردا في السماع شاذا في القياس، وذلك مثل "استحوذ واستصوب" والقياس فيها الإعلال مثل: "استقال، استجاد، استطال إلخ" فقالوا: تحفظ الكلمات النادرة التي وردت عن العرب في هذا الباب ولا يقاس عليها، بل منهم من ذهب إلى أن اتخاذ القياس فيها "استحاذ، استصاب" غير خطأ.
وهم الذين أمعنوا في أحوال الكلام العربي، واستنبطوا علله، وحكموا فيها المنطق والعقل حتى جاءت قواعدهم في القياس والنحو الذي بني عليها متماسكة متناسقة في الجملة، ولا بد في كل تنسيق من تشذيب يخرج بعض النتوء من الهيكل المشذب. ولم يكن إلى الصواب من عاب عليهم من المحدثين
[ ٧٠ ]
أنهم بتعميم هذه القواعد قد أهدروا شيئا من اللغة، فهم حين يختارون بين اللغتين أشيعهما وأقربهما إلى القياس، قد قاموا بخير ما يمكن أن يقوم به من يريد حفظ اللغة، ومع أن الكوفيين جمعوا ما هب ودب ولم يفرطوا شيئا مما وصل إليهم، لم يدعوا ولم يدع لهم أحد أنهم لموا اللغة من أطرافها وأحصوها، وإنا نجد عندهم كل لغات العرب بلهجات قبائلها؛ بل نحن أحرى أن نجد عند البصريين المنظمين المنسقين ما لا نجده عند غيرهم، فالنظام يحفظ في نسق ما لا يستطيع غيره أن يحفظه.
أما الكوفيون فلم يكن لهم أصول يبنون عليها غير ما أخذوه عن أساتذتهم البصريين ولم يحسنوه، ثم جعلوا من عدم المنهج في سماعهم منهجا خاصا لهم، فسمعوا الشاذ واللحن والخطأ، وأخذوا عمن فسدت لغته من الأعراب وأهل الحضر؛ فلما اقتضتهم المنافسة أن يكون لهم قياس كما لأولئك بنوه على ما عندهم مما يتنزه عن روايته البصري، ثم جعلوا كل شاذ ونادر قاعدة لنفسه، فانتشرت عليهم قواعدهم ولم يعد لها ما يمسكها من نظام أو منطق، وضاعت الغاية من وضع النحو فلم يعد -في أيديهم- أداة تيسير لتعلم العربية، بعد أن أصبحت له قواعد بعدد ما جمعوا من شواهد، وهذا شيخهم وكبيرهم الكسائي: "كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز من الخطأ واللحن وشعر غير أهل الفصاحة، والضرورات، فيجعل ذلك أصلا ويقيس عليه حتى أفسد النحو"١ وحتى ضاق به وبقياسه
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ١٣/ ١٨٣. ويقول ابن درستويه: "كان الكسائي يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة، فيجعله أصلا ويقيس عليه؛ فأفسد النحو بذلك" بغية الوعاة ص٢٣٦.
[ ٧١ ]
وبسماعه اليزيدي فقال:
كنا نقيس النحو فيما مضى على لسان العرب الأول
فجاءنا قوم يقيسونه على لغى أشياخ قطر بل
فكلهم يعمل في نقض ما به يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأشياعه يرقون بالنحو إلى أسفل١
وغلب هذا الانحراف على الكوفيين حتى قال الأندلسي شارح المفصل: "الكوفيون لو سمعوا بيتا واحدا فيه جواز شيء مخالف للأصول، جعلوه أصلا وبوبوا عليه"٢.
أما قياسهم نفسه ومقدار جودته، فقد مر بك في المناظرات نمط منه، وعرفت وهيه حين يعللون بالتوهم مرة في رسم ﴿وَالضُّحَى﴾، وبتسليط فعل مقدر على أحد المتعاطفين دون الثاني في قضية "فإذا هو إياها".
اتجه بعض الباحثين المحدثين إلى عد المذهب الكوفي مذهب سماع، على حين عدوا المذهب البصري مذهب قياس، فذهب الأستاذ أحمد أمين إلى أنهم "يحترمون كل ما جاء عن العرب، ويجيزون للناس أن يستعملوا استعمالهم"٣، وبالغ المرحوم طه الراوي فقال: "أما مذهب الكوفيين فلواؤه بيد السماع، لا يخفر له ذمة ولا ينقض له عهدا، ويهون على الكوفي نقض أصل من أصوله أو نسف قاعدة من قواعده ولا يهون عليه
_________________
(١) ١ أخبار النحويين البصريين ص٤٤، وبغية الوعاة ص٣٣٦، وإرشاد الأريب ٢٠/ ٣١. ٢ الاقتراح ١٠٠. ٣ ضحى الإسلام ٢/ ٢٩٥.
[ ٧٢ ]
عليه إطراح المسموع على الأكثر"١.
وأود هنا -بعد ما مر بك- أن أحرر هذا الأمر فأفرق بين القياس ذي الأصول المقررة والقياس المشوش الذي لا ضبط له. فالصحيح أن الفريقين كانا يقيسان، وربما كان الكوفيون أكثر قياسا إذا راعينا "الكم" فهم يقيسون على القليل والكثير والنادر والشاذ، ولم نعلم لهم مناهج محررة في القياس. أما البصريون فهم أقيس إذا راعينا "الكيف" -والحق مراعاته- فهم لا يقيسون إلا على الأعم الأغلب، ولهم في القياس أصول عامة يراعونها. والزمن حكم لعلمهم بالبقاء؛ إذ كان الأنسب والأضبط، فكان نحو الناس حتى هذا اليوم بصريا في أغلبه.
تصرفت الحياة في هذا الأمر بما لا يشعر به البصريون ولا الكوفيون، إذ إن لها اختيارها الخاص الملائم: تقبل ما يروقها وتحييه غير آبهة لما يقول هؤلاء ولا ما يقول أولئك، وإنما السليقة اللغوية الخفية في نفوس المتكلمين هي التي احتفظت بما كان أقرب لروح العربية الأولى، فمات بل لم يولد ما جانف هذه السليقة، فما أحد قال ولا يقول اليوم: "الرجال قام" وإن قال المذهب الكوفي بتقديم الفاعل على الفعل.
أما السماع فهل كان الكوفيون "يحترمونه" حقا كما قال الأستاذ أحمد أمين؟ "وهل كان لواؤه بيدهم لا يخفرون له ذمة" كما قال المرحوم الأستاذ طه الراوي؟ لعلك بعد ما سبق لك موقن معي أن السماعيين هم البصريون لا الكوفيون؛ فمن
_________________
(١) ١ نظرة في النحو: مجلة المجمع العلمي العربي ١٤/ ٣١٩.
[ ٧٣ ]
احترام السماع صيانته وحفظه من كل موضوع، ومن احترامه تحري حال المسموع منه، فلا يدس فيه كلام الذين فسدت لغتهم من أعراب الحطمية وأشياخ قطربل، ومن احترامه ألا نساوي بين القليل النادر والأكثر الشائع فنغمط حق هذا الأخير، وإن حشرنا فيه الضعيف والشاذ والخطأ مما يقع فيه أعراب السواد، والشعر المصنوع مما دسه حماد وخلف الكوفيان؛ خفر لذمته ونقض لعهده١.
الحق أن البصريين عنوا بالسماع فحرروه وضبطوه "واحترموه"، على حين زيفه الكوفيون وبلبلوه، والأمر في القياس على هذه الوتيرة، نظمه وحرر قواعده وأحسن تطبيقه البصريون، على حين هو في يد الكوفيين مشوش غير واضح المعالم ولا منسجم في أجزائه، ولا مطرد. بل نجد فيه ظاهرة غريبة جدا، وهي إطلاقهم -وهم المتقيدون بالسماع- الاشتقاق فيما لم يسمع عن العرب، فقد ذهبوا إلى قياس مفعل وفعال على نحو مثنى وثلاث من خمسة إلى تسعة على حين لم يسمع عن العرب ذلك إلا من واحد إلى أربعة، والبصريون أنفسهم -وهم القياسيون- منعوه "إلا المبرد منهم" لعدم السماع، ولأن يكون ذلك من البصريين أحرى إذ هو بمذهبهم أشبه وعن مذهب الكوفيين أبعد. وهذا يؤكد لك ما ذهبت إليه من أنه مذهب غير منسجم الأجزاء.
أميل إذًا إلى أن المذهب الكوفي لا هو مذهب سماع صحيح، ولا
_________________
(١) ١ كان يونس بن حبيب يقول: إن لم يكن بزرج النحوي "الكوفي" أروى الناس فهو "أكذب الناس" كان كذابا، وكثيرا ما يحدث بالشيء عن رجل ثم عن غيره. انظر ترجمته في الفهرست وفي إنباه الرواة.
[ ٧٤ ]
مذهب قياس منظم، لكن التاريخ يؤيد وجود المذهبين: مذهب السماع ومذهب القياس، وهما حقا وجدا، ولكن في البصرة لا في الكوفة. أما القياس فليست بصريته موضع خلاف، وأما السماع الصحيح فإني أوثر أن أنقل فيه كلام الأستاذ أحمد أمين نفسه في أن هذه المدرسة مدرسة بصرية، قال:
"كانت هاتان النزعتان في البصرة في أيامها الأولى، فهم يقولون: إن ابن أبي إسحاق الحضرمي وتلميذه عيسى بن عمر كانا أشد ميلا للقياس، وكانا لا يأبهان بالشواذ ولا يتحرجان من تخطئة العرب؛ وكان أبو عمرو بن العلاء وتلميذه يونس بن حبيب البصريان أيضا على عكسهما: يعظمان قول العرب ويتحرجان من تخطئتهم، فغلبت النزعة الأولى على من أتى بعد من البصريين، وغلبت النزعة الثانية على من أتى بعد من الكوفيين، ولا سيما الكسائي الكوفي".
وهذا حق مع استدراك واحد، هو أن أبا عمرو ويونس يعظمان قول العرب بعد التحري والتثبت من أنه كلام العرب المحتج بهم، أما الكوفيون فلا يتحرون، ولو قال الأستاذ: "فغلبت النزعة الثانية مشوهة إلخ" لطبق المفصل، وجميل ما حكم به بعد ذلك بين المذهبين:
"ونرى في هاتين النزعتين أن البصريين كانوا أكثر حرية وأقوى عقلا، وأن طريقتهم أكثر تنظيما وأقوى سلطانا على اللغة، وأن الكوفيين أقل حرية وأشد احتراما لما ورد عن العرب، ولو موضوعا "كذا"، فالبصريون يريدون أن ينشئوا لغة
[ ٧٥ ]
يسودها النظام والمنطق، ويميتوا كل أسباب الفوضى من رواية ضعيفة أو موضوعة أو قول لا يتمشى مع المنطق، والكوفيون يريدون أن يضعوا قواعد للموجود حتى الشاذ، من غير أن يهملوا شيئا حتى الموضوع"١.
وبهذا لا يكون من الدقة -في رأيي- إطلاق النزعة السماعية على المذهب الكوفي، والنزعة القياسية على المذهب البصري. والدقة التي يؤيدها التاريخ والإمعان فيه وفي أقوال الكوفيين والبصريين ألا يكون مذهب بصري يقابله مذهب كوفي، بل نزعة سماعية يقابلها نزعة قياسية يختلف حظ كل منهما صحة وحالا ومقدارا بين البلدين، بل بين نحاة كل بلد على حدة. على ذلك الأساس يصح أن نعيد النظر في النحو وتاريخه ورجاله بهذا التصنيف الجديد، بعد أن علمنا أن النزعتين تتمثلان على حقهما بالبصرة لا بالكوفة.
وبعد، فهذه أحكام تقريبية لا مطردة، إذ إن في المذهب الكوفي مسائل جيدات تختار على مثيلاتها في المذهب البصري، كإعمالهم مثلا اسم المصدر عمل المصدر، فحكمهم في ذلك صحيح واضح تؤيده روح القواعد والمنطق، وشاهداهم عليه صحيحان قويان٢
_________________
(١) ١ ضحى الإسلام ٢/ ٢٩٦. هذا وللقاضي الجرجاني في كتابه "الوساطة" الذي ألفه للدفاع عن المتنبي الكوفي والحكم بينه وبين خصومه، حكم يسرني إثباته له؛ لما فيه من توضيح الأمر هنا على رغم سوقه مساق الدفاع عن الكوفيين، قال: ولأهل الكوفة رخص لا تكاد توجد لغيرهم من النحويين، غير أنهم لا يبلغون بها مرتبة "الإهمال" للقواعد العامة. انظر الوساطة ص٤٦٦. ٢ قول القطامي يمدح زفر بن الحارث الكلابي: أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا والحديث الشريف: "من قبلة الرجل امرأته الوضوء". ففزع البصريون في رد القاعدة إلى أن الحديث مروي بالمعنى، وإلى أن البيت فيه ضرورة. لكن الزمن حكم للكوفيين فصحت قاعدتهم وسار عليها الناس، وقبلها النحاة حتى يومنا هذا. ونحو من هذا: القاعدة التي وضعها البصريون في وجوب إعادة الجار قبل المعطوف على المجرور ولم يلتزم العرب ذلك.
[ ٧٦ ]
وما اتجهوا إليه في إعراب "نعم وبئس"١ أيسر وأقرب إلى الفطرة اللغوية من مذهب إخوانهم البصريين، وكذهاب بعضهم في قضية "أشياء" وأنها جمع لشيء، منعت من الصرف لشبه ألفها بألف التأنيث٢، ولهم أشباه هذه المسائل.
وبذلك تدرك صواب الظاهرة التي قدمت بها هذا الكلام من أن الحق يصيبه هؤلاء تارة، وهؤلاء تارة.
ونختتم هذه الفقرة بمثل صغير من الخلاف بين المدرستين ننتزعه من كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري" نموذجا لقضايا جاوزت المائة في هذا الكتاب، يبسط في كل منها رأي الكوفيين وحججهم، ثم رأي البصريين وحججهم مع ردودهم على حجج الكوفيين غالبا.
_________________
(١) ١ انظرها في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص٦٦. ٢ المصدر السابق ص٤٨٢، فقد ركب البصريون في هذه المسألة متن عمياء واضطروا إلى الاستغاثة بأوهى العلل حتى بانحراف اللسان، وكان من حججهم قول بعض العرب: "ما أيطبه" بدل "ما أطيبه"!.
[ ٧٧ ]
نموذج من الخلاف بين المذهبين:
٩٢- مسألة سوف:
ذهب الكوفيون إلى أن السين التي تدخل على الفعل المستقبل نحو "سأفعل" أصلها "سوف"، وذهب البصريون إلى أنها أصل بنفسها.
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك؛ لأن سوف كثر
[ ٧٧ ]
استعمالها في كلامهم وجريها على ألسنتهم، وهم أبدا يحذفون لكثرة الاستعمال كقولهم: "لا أدر، ولم أبل، ولم يك، وخذ، وكل" وأشباه ذلك، والأصل:
"لا أدري، ولم أبال، ولم يكن، واأخذ، واأكل" فحذفوا في هذه المواضع وما أشبهها لكثرة الاستعمال، فكذلك ههنا: لما كثر استعمال "سوف" في كلامهم حذفوا منها الواو والفاء تخفيفا.
والذي يدل على ذلك أنه قد صح عن العرب أنهم قالوا في "سوف أفعل": "سو أفعل" فحذفوا الفاء، ومنهم من قال: "سف أفعل" فحذف الواو، وإذا جاز أن يحذف الواو تارة والفاء أخرى لكثرة الاستعمال جاز أن يجمع بينهما في الحذف مع تطرق الحذف إليهما في اللغتين لكثرة الاستعمال. والذي يدل على ذلك أن السين تدل على ما تدل عليه سوف من الاستقبال، فلما شابهتها في اللفظ والمعنى دل على أنها مأخوذة منها، وفرع عليها.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل في كل حرف يدل على معنى ألا يدخله الحذف وأن يكون أصلا في نفسه، والسين حرف يدل على معنى، فينبغي أن يكون أصلا في نفسه لا مأخوذا من غيره.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما قولهم: إن "سوف" لما كثر استعمالها في كلامهم حذفوا الواو والفاء لكثرة الاستعمال قلنا: هذا فاسد؛ فإن الحذف لكثرة الاستعمال ليس بقياس ليجعل أصلا لمحل الخلاف، على أن الحذف ولو وجد كثيرا
[ ٧٨ ]
في غير الحرف من الاسم والفعل فقلما يوجد في الحرف، وإن وجد الحذف في الحرف في بعض المواضع فهو على خلاف القياس، فلا يجعل أصلا يقاس عليه.
وأما ما رووه عن العرب من قولهم في "سوف أفعل": "سو أفعل" و"سف أفعل" فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إن هذه رواية تفرد بها بعض الكوفيين؛ فلا يكون فيها حجة.
والوجة الثاني: إن صحت الرواية عن العرب، فهو من الشاذ الذي لا يعبأ به لقلته.
والثالث: أن حذف الفاء والواو على خلاف القياس؛ فلا ينبغي أن يجمع بينهما في الحذف؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له في كلامهم؛ فإنه ليس في كلامهم حرف حذف جميع حروفه طلبا للخفة على خلاف القياس، حتى لم يبق منه إلا حرف واحد، والمصير إلى ما لا نظير له في كلامهم مردود.
وأما قولهم: "إن السين تدل على الاستقبال كما أن "سوف" تدل على الاستقبال" قلنا: هذا باطل؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن يستويا في الدلالة على الاستقبال على حد واحد، ولا شك أن "سوف" أشد تراخيا في الاستقبال من السين، فلما اختلفا في الدلالة دل على أن كل واحد منهما حرف مستقل بنفسه غير مأخوذ من صاحبه، والله أعلم"١.
_________________
(١) ١ الإنصاف في مسائل الخلاف لابن الأنباري ص٣٧٩ "مطبعة الاستقامة في القاهرة".
[ ٧٩ ]
جرى بعض الباحثين قديما وحديثا على رد الخلاف النحوي بين هذين المصرين العربيين إلى السياسة، وهو رأي سطحي لا يثبت عند التدقيق؛ فأهل النظر في كل فن تتباين أنظارهم كثيرا دون أن يكون للسياسة أو غيرها في ذلك أثر، وإنما هو الاجتهاد المحض، وهؤلاء أئمة البصريين يختلفون -فيما بينهم- اتجاها واجتهادا في مسائل كثيرة. نعم ربما كان للسياسة أثر ما في ميل الأمراء العباسيين إلى الكوفيين، لكن هذا شيء وتوجيه الفن إلى اتجاه خاص شيء آخر.
[ ٨٠ ]
أثر العصبية في الخلاف:
أما هذه الأحداث التي كانت تكون بين كوفي وبصري في قصور الحكام فنوع من الدفاع عن القوت أولا، وميل إلى العصبية البلدية١ آخرا. ولا تظن أن ما مر بك من مشاحنات بينهم كان يصرف بعضهم عن الانتفاع بعلم بعض، وحسبك أن تعلم أن الفراء مات "وتحت رأسه كتاب سيبويه" وأن الكسائي وهب للأخفش خمسين دينارا لقراءته كتاب سيبويه عليه، وأنه "سلخ كتابه في معاني القرآن من كتاب الأخفش"٢ وأن
_________________
(١) ١ لما نعي الأحمر إلى الفراء وكلاهما كوفي "وكانت بينهما وحشة"، ذكره بخير وأثنى عليه، فقال أهل زمانه: "لم يذكره لمحبة له، وإنما ذكره ليكاثر أهل البصرة بأهل الكوفة" إنباه الرواة ٢/ ٣١٧. ٢ بغية الوعاة ص٣٥٨ وانظر إنباه الرواة ٢/ ٣٧ حيث قول الأخفش: سألني الكسائي أن أؤلف له كتابا في معاني القرآن، فألفت كتابي في المعاني فجعله إماما، وعمل عليه كتابا في المعاني، وعمل الفراء كتابه في المعاني عليهما. هذا وذكروا أن "معاني الكسائي" لو قرئ عشر مرات لاحتاج من يقرؤه أن يقرأه. إنباه الرواة ٢/ ٢٦٥.
[ ٨٠ ]
الجاحظ لما عدد مفاخر البصرة على الكوفة قال: "وهؤلاء يأتونكم بفلان وفلان وبسيبويه الذي اعتمدتم على كتبه وجحدتم فضله". ولما اشترى الجاحظ كتاب سيبويه من ميراث الفراء رآه أثمن ما يهدى إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلما دخل عليه وقد افتصد سأله: "ما أهديت لي يا أبا عثمان؟ " قال: "أطرف شيء: كتاب سيبويه بخط الكسائي وعرض الفراء! ". إلى غير ذلك من الأخبار التي إن صدقتها، فدلالتها على العصبية البلدية ظاهرة، وإن ذهبت إلى وضعها أو التزيد فيها فالدلالة أظهر.
لم يختلف نحاة المصرين تبعا لاختلاف سياسة بلديهما، فليس للسياسة تأثير مباشر في ذلك، وإنما كان التكتل استجابة للعصبية ليس غير:
أنشئت البصرة والكوفة على عهد عمر بن الخطاب؛ وانقضت سنون من عهد عثمان والمصران كالبلد الواحد ولبعض القبائل جماعات في كل منهما، فلما كان الشغب أيام عثمان أسهم العراقيون فيه؛ وآلت الأمور إلى قتل الخليفة والفتن المتلاحقة بعد أن انضم البصريون في وقعة الجمل إلى عائشة وطلحة والزبير وانضم الكوفيون إلى علي، وكانت الملحمة بينهما، واستحرَّ القتل، وكان لكل فريق مجزرة هائلة في الفريق الآخر.
فمن ثم العداوة والتخاصم والتنافس بين البلدين. فلما انقضى عهد القلاقل خلف في أذهان الفريقين قصصا وأدبا وشعرا
[ ٨١ ]
ووقائع تذكر بالفخر تارة، وبالوجيعة تارة أخرى١.
فهذا ما ولدت العصبية والتنافس بين وفود الفريقين ورجالاتهم في الأسمار ومجالس الأمراء.
ولئن كانت أحداث سياسية خاصة هي المفرقة قديما، فإنها تطورت مع الزمن وتحول اتجاهها، حتى تبلورت في عصبية للبلد٢ وثبتت عليه كما نجد أنماطا من ذلك في مثل كتاب البلدان للهمداني، بل إن بعضهم كان يؤلف في مفاخر بلده كما فعل الهيثم بن عدي الكوفي "٢٠٩"، فألف كتابه "فخر أهل الكوفة على أهل البصرة" ٣.
_________________
(١) ١ انظر أخبارها في معجم البلدان لياقوت، وفي كتاب البلدان للهمداني، ففيهما طرائف، وانظر على سبيل التمثيل أبيات أعشى همدان ينتصر للكوفة على البصرة: اكسع البصري إن لاقيته إنما يكسع من قل وذل واجعل الكوفي في الخيل ولا تجعل البصري إلا في النفل وإذا فاخرتمونا فاذكروا ما صنعنا بكم يوم الجمل بين شيخ خاضب عثنونه وفتى أبيض وضاح رفل جاءنا يخطر في سابغة فذبحناه ضحى ذبح الجمل وعفونا فنسيتم عفونا وكفرتم نعمة الله الأجلّ كسعه: ضربه بصدر قدمه على مؤخره، الرفل: المتبختر الكثير اللحم، السابغة: الدرع الطويلة. وانظر في ذلك كتابنا "عائشة والسياسة". ٢ قال الجاحظ في كتاب "البلدان" وقد ذكر فضل البصرة ورجالها: وفينا اليوم ثلاثة رجال لغويون ليس في الأرض مثلهم، ولا يدرك مثلهم -يعني في الاعتلال والاحتجاج والتقريب- أبو عثمان المازني، والثاني العباس بن الفرج الرياشي، والثالث أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الزيادي، وهؤلاء لا يصاب مثلهم في شيء من الأمصار". وكتب كتابه هذا في شهر ربيع الأول سنة ٢٤٨هـ، من إنباه الرواة ١/ ٢٤٨. ٣ إرشاد الأريب ١٩/ ٣١٠.
[ ٨٢ ]
المدافعة عن أسباب العيش أولا وقبل كل شيء، ثم العصبية للبلد لا للسياسة "عاملا ثانويا" هما اللذان لوّنا الخلاف النحوي ولم يوجداه، لوناه بشيء من العنف. رأيت أنماطا منه في المناظرات التي مرت بك؛ وفي مثل قول اليزيدي يمدح نحويي البصرة ويهجو الكسائي وأصحابه:
يا طالب النحو ألا فابكه بعد أبي عمرو وحماد
وابن أبي إسحاق في علمه والزين في المشهد والنادي
عيسى وأشباه لعيسى، وهل يأتي لهم دهر بأنداد
هيهات، إلا قائلا عنهم أرسوا له الأصل بأوتاد
فهو لمنهاجهم سالك لفضلهم ليس بجحاد
ويونس النحوي لا تنسه ولا خليلا حية الوادي
وقل لمن يطلب علما: ألا ناد بأعلى شرف ناد
يا ضيعة النحو به مغرب عنقاء أودت ذات إصعاد
أفسده قوم وأزروا به من بين أغتام وأوغاد
ذوي مراء وذوي لكنة لئام آباء وأجداد
لهم قياس أحدثوه همُ قياس سوء غير منقاد
فهم من النحو -ولو عمروا أعمار عاد- في أبي جاد
أما الكسائي فذاك امرؤ في النحو حار غير مرتاد
وهو لمن يأتيه جهلا به مثل سراب البيد للصادي١
وهجا المبرد البصري ثعلبا الكوفي بقوله:
_________________
(١) ١ أخبار النحويين البصريين ص٤، رجل أغتم من قوم أغتام: لا يفصح. الحار: الحائر. "أبي جاد: أبجد، هوز إلخ" يريد أنهم لا يتجاوزون أول العلم؛ لضعف استعدادهم كما أن الصبي في الكتاب أول ما يتعلمه حروف "أبجد هوز".
[ ٨٣ ]
أقسم بالمبتسَم العذب ومشتكى الصب إلى الصب
لو أخذ النحو عن الرب ما زاده إلا عمى القلب
فتمثل ثعلب:
يشتمني عبد بني مسمع فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له من ذا يعض الكلب إن عضا١
وأراد ثعلب هذا أن يقرأ على المبرد البصري، فأنكر عليه أصحابه الكوفيون وقالوا: مثلك لا يصلح أن يمضي إلى بصري فيقال غدا: إنه تلميذه٢، فاستجاب لهم عصبية وحرم نفسه الخير.
لكن ختنه "زوج ابنته" أحمد بن جعفر الدينوري لم يبال ذلك، فكان يخرج من منزل ثعلب وهو جالس على باب داره، فيتخطاه ويتخطى أصحابه، ويتوجه إلى المبرد ومعه محبرته ودفتره ليقرأ عليه كتاب "سيبويه"، وكان ثعلب يعاتبه في ذلك ويقول: "إذا رآك الناس تمضي إلى هذا الرجل وتقرأ عليه، يقولون ماذا؟ " فلم يكن يلتفت إلى قوله٣.
وما بلغت العصبية والنضال عن أسباب الرزق بين الفريقين مدى سافرا هذا السفور الذي تراه في الخبر الآتي:
"لما أصاب الكسائي الوضح "البرص" كره الرشيد ملازمته أولاده، فأمره أن يختار لهم من ينوب عنه ممن يرضاه، وقال:
_________________
(١) ١ ترجمة ثعلب في بغية الوعاة ص١٧٣. ٢ إرشاد الأريب ٥/ ١١٥، ثم ذكر ياقوت أن ابن الأنباري أورد هذه القصة ليرفع من ثعلب والكوفيين عصبية، فوضع منهم. ٣ انظر ترجمته في إنباه الرواة للقفطي "١/ ٣٣" وبغية الوعاة للسيوطي.
[ ٨٤ ]
"إنك كبرت، ولسنا نقطع راتبك" فدافعهم خوفا أن يأتيهم برجل يغلب على موضعه، إلى أن ضيق الأمر عليه وشدد، وقيل له: "إن لم تأت برجل من أصحابك اخترنا لهم من يصلح"، وكان بلغه أن سيبويه يريد الشخوص إلى بغداد والأخفش، فقلق لذلك، وعزم على أن يدخل عليهم من لا يخشى غائلته، فقال لعلي الأحمر: "هل فيك خير؟ " قال: "نعم" قال: "قد عزمت على أن أستخلفك على أولاد الرشيد" فقال الأحمر: "لعلي لا أفي بما يحتاجون إليه! " فقال الكسائي: "إنما يحتاجون كل يوم إلى مسألتين في النحو، وثنتين من معاني الشعر وأحرف من اللغة، وأنا ألقنك "ذلك" كل يوم قبل أن تأتيهم فتحفظه وتعلمهم" وكذلك كان١.
هذا، ومن الخير ألا نغفل هنا خبرا يرد الأمور إلى نصابها فيما عرف عن بعض الكوفيين من أعمال علمية، فقد قال سعيد بن مسعدة الأخفش: "سألني الكسائي أن أؤلف له كتابا في "معاني القرآن" فألفت كتابي في المعاني، فجعله إماما لنفسه، وعمل عليه كتابا في المعاني، وعمل الفراء كتابه في المعاني عليهما! "٢ وقد مر بك الخبر آنفا. وتحفظ كتب الأخبار حادثا صريحا في استغلال نفوذ الحكم لنصرة الكوفة على البصرة يرويه أبو حاتم، قال:
_________________
(١) ١ بغية الوعاة ص٣٣٤ عن إرشاد الأريب. وقد اعترض أصحاب الرشيد وقالوا: "إنما اخترت رجلا من أهل النوبة "الجند" وليس متقدما في العلم"، فدافعهم وشهد له. ولم يزل الأحمر يتعلم من الكسائي ويعلم أبناء الرشيد حتى صار مع طول الأيام نحويا، وقد أتحفنا هذا الخبر بنموذج من برامج التعليم الخاص يومئذ. ٢ طبقات النحويين واللغويين ص٧١.
[ ٨٥ ]
قدم علينا "بالبصرة" محمد بن مسلم الكوفي عاملا على الخراج والصدقات، فصرت إليه مسلما فقال لي: "من علماؤكم بالبصرة؟ " فقلت:
"المازني من أعلمهم بالنحو، والرياشي من أعلمهم باللغة، وهلال الرأي من أفقههم، وابن الشاذكوني من أعلمهم بالحديث، وابن الكلبي من أعلمهم بالشروط، وأنا أنسب إلى علم القرآن" فقال لكاتبه: "اجمعهم في غد".
فلما اجتمعنا قال: "أيكم المازني؟ " فقال أبو عثمان: "هأنذاك أصلحك الله" فقال: "ما تقول في كفارة الظهار: أيجوز فيه عتق غلام أعور؟ " فقال له: "أصلحك الله، وما علمى بهذا؟ "هذا" يحسنه هلال الرأي" فالتفت إلى هلال الرأي فقال: "أرأيت قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ١، بم انتصب هذا الحرف؟ " فقال: "أعزك الله، أنا لا أحسن هذا، إنما يحسنه الرياشي".
فقال: "يا رياشي، كم حديثا روى ابن عون عن الحسن؟ ".
فقال: "أصلحك الله، هذا يحسنه ابن الشاذكوني".
فالتفت إلى ابن الشاذكوني فقال: "كيف تكتب كتابا بين رجل وامرأة أرادت مخالعته على إبرائه من صداقها؟ " فقال: "أعزك الله، هذا يحسنه ابن الكلبي".
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ١٠٥.
[ ٨٦ ]
فقال لابن الكلبي: من قرأ "ألا إنهم تثنوْني صدورهم"؟ ١.
فقال: "أعزك الله، هذا يحسنه أبو حاتم".
فقال لأبي حاتم: "كيف تكتب كتابا إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة، وما جرى عليهم العام في ثمارهم؟ " فقلت له: "أعزك الله، لست صاحب بلاغة وكتب، إنما أنسب إلى علم القرآن".
فقال: "انظر إليهم، قد أفنى كل واحد منهم ستين سنة في فن واحد من العلم، حتى لو سُئل عن غيره لساوى فيه الجهال؛ لكن عالمنا بالكوفة لو سُئل عن هذا كله أصاب" يعني الكسائي ا. هـ. المصون للعسكري ص١٣٢.
أثرت العصبية ما رأيت فيما كان بينهم، أما النحو نفسه فلم يتأثر بشيء من ذلك، وإنما حمل طابع العلماء أنفسهم في التفكير والتنسيق سعة وضيقا ونظاما وبلبلة.
ولما تقدم الزمن، واستوى عند الحكام نحويو البصرة ونحويو الكوفة، غاب السبب الأول، وبقيت العصبية للبلد تخالط بعض النفوس حتى صرت ترى العالم الذي ينبغي أن يتنزه عن العصبية في العلم -ولو بعد ذهاب أسبابها المادية على الأقل- تداعبه هذه النزعة، فيجمع بين شيئين متنافرين لا لسبب إلا أنهما نبتا في بلد يعزه. وأنا أقدم لك نموذجا لهذه الظاهرة:
_________________
(١) ١ سورة هود الآية ٥. وهذه هي قراءة ابن عباس وعلي بن الحسين وولديه زيد ومحمد، ومجاهد وابن يعمر، ونصر بن عاصم، والجحدري، وابن أبي إسحاق، وغيرهم. والكلمة مضارع اثنونى على وزن "افعوعل"، وقراءة الأمصار اليوم: ﴿يَثْنُونَ﴾ .
[ ٨٧ ]
الخليل بن أحمد السجزي القاضي المتوفى سنة "٣٧٨هـ" فقد كان حنفيا في الفقه وكوفيا في النحو، وفاخر بذلك يقول:
سأجعل لي النعمان في الفقه قدوة وسفيان في نقل الأحاديث سيدا
وأجعل في النحو الكسائي قدوة ومن بعده الفراء ما عشت سرمدا
وإن عدت للحج المبارك مرة جعلت لنفسي كوفة الخير مشهدا١
ومن كان حنفيا، فأشبه مذاهب النحو بالمذهب الحنفي مذهب البصرة لإحكام القياس فيه، ولكنه الميل النفسي الشديد إلى الكوفة، والولوع بكل ما أنتجت حَدَوَا القاضي على أن يكون كوفيا في النحو والفقه والحديث مهما تنافرت أصول هذه الفنون في الكوفة.
وقد كان لهذه العصبية شيء من "رد الفعل" عند العلماء جعلهم يشكون في كل ما ينقل من علم كوفي: هذا أبو حاتم السجستاني يسمع تغالي الكوفيين في حمزة الزيات -أحد قراء الكوفة- فيسأل عنه أبا زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي وغيرهم من العلماء، فيجمعون على أنه لم يكن شيئا "ولم يكن يعرف كلام العرب ولا النحو ولا كان يدعى ذلك" قال أبو حاتم: "وإنما أهل الكوفة يكابرون فيه ويباهتون، فقد صيّره الجهال من الناس شيئا عظيما بالمكابرة والبهت،
_________________
(١) ١ تهذيب تاريخ ابن عساكر "مطبعة روضة الشام" ٥/ ١٧٣.
[ ٨٨ ]
وقول ذوي اللحى العظام منهم: "كانت الجن تقرأ على حمزة" وكيف يكون رئيسا وهو لا يعرف الساكن من المتحرك، ولا مواضع الوقف والاستئناف، ولا مواضع القطع والوصل والهمز؟! وإنما يحسن هذا أهل البصرة؛ لأنهم علماء بالعربية، قراء، رؤساء١.
وكان يكفي أن يشوب علم العالم أو تأليف الكتاب أخذ عن الكوفيين حتى ينبز بذلك عند النقاد٢.
والظاهر أنه كان بين أهل البلدين فيما بعد، تنكيت وإرسال قصص وأخبار يحمل فيها أهل البلد على أهل البلد الآخر، وراجت هذه النكات -على نحو ما نرى اليوم بين بلدتين متجاورتين كحمص وحماة في الشام- وزاد هذا الأمر حتى استحق أن تؤلف فيه المؤلفات؛ فهذا ابن حبان البستي "٣٥٤" على جلالة قدره يؤلف كتابا في عشرة أجزاء في "ما أغرب الكوفيون عن البصريين"، وكتابا في ثمانية أجزاء في "ما أغرب البصريون عن الكوفيين"٣.
تستطيع بعد هذا البيان أن تطمئن إلى شيئين:
_________________
(١) ١ مراتب النحويين ص٢٧. ٢ انظر كلامهم على أبي عبيد القاسم بن سلام، وعلى كتابه المشهور "الغريب المصنف" مراتب النحويين ص٩٣. ٣ معجم البلدان: "مادة بست" ولم أطمئن إلى كون هذين الكتابين في الخلاف النحوي، إذ لم ينقل عن ابن حبان تأليف في النحو ولا تصدر لتدريسه، أما الأخبار فله بها ولوع وله فيها تأليف.
[ ٨٩ ]
١- ليست السياسة عاملا في تكوين النحو الكوفي على ما كان عليه.
٢- إن الصورة التي في نفوس الناس قديما وحديثا عن حدة التجاذب والتدافع بين النحو الكوفي، والنحو البصري مبالغ فيها.
[ ٩٠ ]
كتب الخلاف بين المذهبين
كتب الخلاف:
عرفت أن النحاة -والبصريين منهم خاصة- قد انتزعوا علل النحو من كتب محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة بالملاطفة والرفق "ص١٠٠". فاعلم الآن أن منهم من ألف في الخلاف بين النحاة، على نمط ما صنع الفقهاء في كتبهم التي ألفوها في الخلاف بين الحنفية والشافعية، وهذا ابن الأنباري يقول في مقدمة كتابه "الإنصاف في مسائل الخلاف" بصراحة:
"سألوني أن ألخص لهم كتابا لطيفا يشتمل على مشاهير المسائل الخلافية بين نحويي البصرة والكوفة، على ترتيب المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة؛ ليكون أول كتاب صنف في علم العربية على هذا الترتيب، وألف على هذا الأسلوب؛ لأنه ترتيب لم يصنف عليه أحد من السلف، ولا ألف عليه أحد من الخلف، واعتمدت في النصرة على ما أذهب إليه من مذهب أهل الكوفة أو البصرة، على سبيل الإنصاف لا التعصب والإسراف".
وهكذا تجد تأثير العلوم الدينية واضحا بارزا في علوم اللغة
[ ٩٠ ]
كلها مادتها ومنهجها. وإذا رجعت إلى كتاب الاقتراح للسيوطي وجدتهم يصرحون تصريحا سافرا أيضا بأنهم وضعوا للخلاف في النحو ولمناقشات مسائله أصولا كأصول الخلاف بين الشافعية والحنفية.
أقدم من ألف في الخلاف، فيما علمت، أحمد بن يحيى ثعلب الكوفي "٢٩١هـ"، ولم نعرف هل أداره على أصول الخلاف الفقهي أو لا، وأي كان فإليك ما عثرت عليه من الكتب التي ألفت في الخلاف، مرتبة على وفيات أصحابها:
١- اختلاف النحويين، لثعلب "٢٩١".
٢- المسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون١، لابن كيسان "٣٢٠" وقد رد فيه على ثعلب.
٣- المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين، لأبي جعفر النحاس "٣٣٨"٢. وقد رد فيه على ثعلب.
٤- الرد على ثعلب في "اختلاف النحويين" لابن درستويه "٣٤٧".
٥- كتاب الاختلاف لعبيد الله الأزدي "٣٤٨".
٦، ٧- الخلاف بين النحويين للرماني "٣٨٤". وله كتاب آخر أخص هو "الخلاف بين سيبويه والمبرد".
٨- كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين لابن فارس
_________________
(١) ١ في بغية الوعاة: "ما اختلف فيه البصريون والكوفيون" فأثبتنا الاسم كاملا من الفهرست لابن النديم. ٢ بغية الوعاة وإرشاد الأريب ٤/ ٢٢٨، وفي بغية الوعاة: "المبتهج في اختلاف البصريين والكوفيين".
[ ٩١ ]
"٣٩٥"١.
٩، ١٠- الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين لأبي البركات الأنباري "٥٧٧" وقد طبع. وله كتاب آخر في الخلاف اسمه: "الواسط"، ذكره ابن الشجري في أماليه ونقل منه. "انظر ٢: ١٢٠، ١٤٨، ١٥٤" من الأمالي لابن الشجري.
وقد استدرك ابن إياز على ابن الأنباري مسائل خلافية كثيرة فاتته في كتابه "الإسعاف" الآتي ذكره قريبا.
١١- التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين٢ لأبي البقاء العكبري "٦١٦".
١٢- الإسعاف في مسائل الخلاف لابن إياز "٦٨١"٣.
والظاهر أن هناك كتبا كثيرة في الخلاف، وأنه كانت له ضجة في المجالس والبيئات العلمية، وكان التعصب على أحد الفريقين باديا في بعض هذه الكتب؛ ولذا استدرك صاحب "الإنصاف" الذي قدمت لك فقرة من مقدمته محترسا بقوله: "على سبيل الإنصاف، لا التعصب والإسراف".
_________________
(١) ١ إرشاد الأريب ٤/ ٨٤، وذكر في بغية الوعاة باسم "اختلاف النحاة". ٢ في بغية الوعاة "التعليق في الخلاف" وقد رأيت هذا الكتاب مخطوطا في دار الكتب المصرية، وهو رسالة صغيرة في ١٨ ورقة ضمن مجموع رقمه "نحو ش٢٨" أوله: هذا كتاب مسائل خلافية في النحو، تكلم فيها باختصار على ١٤ مسألة. ٣ وممن تكلم على الخلاف ولم يخصص له كتابا مستقلا أحمد بن جعفر الدينوري "٢٨٩هـ" ختن ثعلب، وقد مر ذكره ص٨٤ فذكروا أنه ألف كتابا في النحو سماه "المهذب" وذكر في صدره اختلاف الكوفيين والبصريين، وعزا كل مسألة إلى صاحبها، ولم يعتل لواحد منهم ولا احتج لمقالته، فلما أمعن في الكتاب ترك الاختلاف ونقل مذهب البصريين، إنباه الرواة ١/ ٣٤ وبذلك يكون أول الخائضين في هذا الموضوع وفاة ممن ذكرناهم.
[ ٩٢ ]