[ ١٩٩ ]
مقالةٌ في أن عِلم العربية في نظر الشارع هو المقدَّم في الطلب
"إن كلَّ عِلم اقتضى الوقت والحال بالنسبة إلى طلب الشرع تقديمَه فهو المقدَّم، وما اقتضى تأخيره فهو المؤخَّر.
وتفصيل هذه الجملة لا يخفى على ذي معرفة بمراتب العلوم في نظر الشارع. نعم ما يُخاف اندراسه وذهابه، وهو من الأكيد في الجملة، فلا بُدَّ من القيام به لئلَّا تفوت المنفعة عند الحاجة إليه" (^١) و"علم العربية … الأحقُّ بالتقديم" (^٢).
_________________
(١) فتاوي الإمام الشاطبي، ص ١٦٧.
(٢) الموافقات ١/ ٢٨٦.
[ ٢٠١ ]
مقالةٌ في حُكم الاشتغال بالعربية، وأثر الأهلية والغرائز الفطرية في تقريره
"اتفَق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرًا عند الله يوم القيامة، ولا علينا أسامَحَنا بعض الفرق في تعيين العلوم الشرعية - أعني العلوم التي نبَّه الشارع على مزيتها وفضيلتها - أم لم نُسامِحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية وإثبات المزية.
وأيضًا فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلاء في ذلك -، كعِلم العربية بالنسبة إلى عِلم الفقه، فإنه كالوسيلة، فعِلم الفقه أعلى" (^١).
و"طلبُ الكفاية، يقول العلماء بالأصول: إنه متوجِّه على الجميع، لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.
وما قالوه صحيح من جهة كُليِّ الطلب، وأما من جهة جزئيه؛ ففيه تفصيل، وينقسم أقسامًا، وربما تشعَّب تشعُّبًا طويلًا، ولكن الضابط للجملة من ذلك؛ أن الطلب واردٌ على البعض، ولا على البعض كيف كان، ولكن على مَن فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب، لا على الجميع عمومًا.
والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النصوص الدالة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
_________________
(١) الاعتصام ٣/ ٣١١.
[ ٢٠٢ ]
لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية؛ فورد التحضيض على طائفة لا على الجميع.
وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، إلى آخرها.
وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة، ورَد الطلب فيها نصًّا على البعض لا على الجميع.
والثاني: ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى، فإنها إنما تتعيَّن على مَن فيه أوصافُها المرعيَّة لا على كلِّ الناس، وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يُطلب بها شرعًا باتفاق مَن كان أهلًا للقيام بها والغَناء فيها، وكذلك الجهاد - حيث يكون فرضَ كفاية - إنما يتعيَّن القيام به على مَن فيه نَجْدَة وشجاعة، وما أشبه ذلك من الخِطَط الشرعية؛ إذ لا يصحُّ أن يُطلَب بها من لا يُبدِئ فيها ولا يُعيد؛ فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلَّف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلَبة أو المفسدة المستدفَعة، وكلاهما باطل شرعًا.
والثالث ما وقع من فتاوي العلماء، وما وقع أيضًا في الشريعة من هذا المعنى؛ فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله ﷺ وقد قال لأبي ذَرٍّ: "يا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وإِنِّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لنَفْسِي، لا تأمَّرَنَّ على اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ" (^١)، وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنهما، فلو
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٢٦).
[ ٢٠٣ ]
فُرِض إهمال الناس لهما، لم يصحَّ أن يقال بدخول أبي ذَرٍّ في حَرَج الإهمال، ولا مَن كان مِثله …
وعلى هذا المهيع جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفايات؛ فقد جاء عن مالك أنه سُئل عن طلب العِلم: أفرضُ هو؟ فقال: "أمَّا على كلِّ الناس، فلا" (^١)، يعني به الزائدَ على الفرض العيني.
وقال أيضًا: "أما مَن كان فيه موضعٌ للإمامة، فالاجتهاد في طلب العِلم عليه واجبٌ، والأخذ في العناية بالعِلم على قدر النية فيه".
فقسَم - كما ترى -، فجعل مَن فيه قبولية للإمامة مما يتعيَّن عليه، ومَن لا، جعله مندوبًا إليه، وفي ذلك بيان أنه ليس على كلِّ الناس …
وبالجملة؛ فالأمر في هذا المعنى واضح، وباقي البحث في المسألة موكول إلى عِلم الأصول.
لكن قد يصحُّ أن يقال: إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامَّة؛ فهم مطلوبون بسَدِّها على الجملة؛ فبعضُهم هو قادر عليها مباشرةً، وذلك من كان أهلًا لها، والباقون - وإن لم يقدِروا عليها - قادرون على إقامة القادرين، فمَن كان قادرًا على الولاية؛ فهو مطلوب بإقامتها، ومَن لا يقدر عليها؛ مطلوب بأمر آخَر، وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها؛ فالقادر إذًا مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في: جامع بيان العلم ١/ ٥٣ (٣٢)؛ وذكره عياض في: ترتيب المدارك ٢/ ٦١.
[ ٢٠٤ ]
ذلك القادر؛ إذ لا يتوصَّل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب ما لا يتِمُّ الواجب إلا به، وبهذا الوجه يرتفع مناط الخلاف؛ فلا يبقى للمخالفة وجهٌ ظاهر (^١) …
ولا بُدَّ من بيان بعض تفاصيل هذه الجملة ليظهَر وجهُها، وتتبيَّن صحتُها بحَول الله.
وذلك أن الله ﷿ خلق الخلق غير عالِمين بوجوه مصالحهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ثم وضَع فيهم العِلم بذلك على التدريج والتربية؛ تارةً بالإلهام كما يُلهم الطِّفلَ التقامَ الثدي ومصَّه.
وتارةً بالتعليم؛ فطلَب الناس بالتعلُّم والتعليم لجميع ما يُستجلَب به المصالح وكافَّةِ ما تُدرَأ به المفاسد؛ إنهاضًا لما جبَل فيهم من تلك الغرائز الفطرية، والمطالب الإلهامية؛ لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح، كان ذلك من قبيل الأفعال، أو الأقوال، أو العلوم والاعتقادات، أو الآداب الشرعية أو العادية.
وفي أثناء العناية بذلك يقوى في كلِّ واحد من الخَلْق ما فُطِر عليه، وما أُلهم له من تفاصيل الأحوال والأعمال؛ فيظهر فيه وعليه، ويُبرَّز فيه على أقرانه ممن لم يُهيَّأ تلك التهيئة؛ فلا يأتي زمانُ التعقُّل إلا وقد نجَم على ظاهره ما فُطِر عليه في أوَّليته، فترى واحدًا قد تهيأ لطلب العِلم، وآخَر لطلب الرياسة، وآخَر
_________________
(١) نقل ابن الأزرق كلام الشاطبي هذا في: روضة الإعلام ١/ ٤٨٠، ٤٨١، وعلَّق عليه بقوله: "قلتُ: وعلى هذا التحقيق الذي لا شك في صواب القول به، فواجبٌ على الجميع في الجملة أن يقيموا من يشتغل بتعليم هذا العلم، وواجب على البعض الذين لهم القدرة على القيام به أن يجيبوا إلى ذلك في الجملة أو التفصيل إذا تعيَّن على واحد بعينه".
[ ٢٠٥ ]
للتصنُّع ببعض المهن المحتاج إليها، وآخَر للصراع والنِّطاح، إلى سائر الأمور.
هذا وإن كان كلُّ واحد قد غُرز فيه التصرُّف الكلي؛ فلا بُدَّ في غالب العادة من غلبة البعض عليه؛ فيرِدُ التكليف عليه مُعلَّمًا مؤدَّبًا في حالته التي هو عليها، فعند ذلك ينتهض الطلب على كلِّ مكلَّف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهضٌ فيه.
ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات؛ فيراعونهم بحسبها ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم، ويعينونهم على القيام بها، ويُحرِّضونهم على الدوام فيها؛ حتى يُبرِّز كلُّ واحد فيما غلَب عليه ومال إليه من تلك الخِطَط، ثم يُخلَّى بينهم وبين أهلها، فيُعاملونهم بما يليق بهم؛ ليكونوا من أهلها، إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية، والمدرَكات الضرورية؛ فعند ذلك يحصُل الانتفاعُ، وتظهر نتيجة تلك التربية.
فإذا فُرض - مثلًا - واحد من الصِّبيان ظهر عليه حُسن إدراك، وجودةُ فهم، ووفورُ حفظ لما يسمَع - وإن كان مشارِكًا في غير ذلك من الأوصاف - مِيلَ به نحو ذلك القصد، وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة؛ مراعاةً لما يُرجَى فيه من القيام بمصلحة التعليم؛ فطُلِب بالتعلُّم، وأُدِّب بالآداب المشتركة لجميع (^١) العلوم، ولا بُدَّ أن يُمال منها إلى بعض فيؤخذَ به، ويعانَ عليه، ولكن على الترتيب الذي نصَّ عليه ربَّانيُّو العلماء، فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعُه إليه على الخصوص، وأحبَّه أكثرَ من غيره؛ تُرِك وما أحبَّ، وخُصَّ
_________________
(١) في النشرة المعتمدة "بجميع"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٢/ ٣٩٦.
[ ٢٠٦ ]
بأهله، فوجب عليه إنهاضُه فيه حتى يأخذ منه ما قُدِّر له، من غير إهمال له ولا تركٍ لمراعاته.
ثم إن وقَف هنالك فحسنٌ، وإن طلب الأخذ في غيره أو طُلِب به؛ فُعِل معه فيه ما فُعِل فيما قبلَه، وهكذا إلى أن ينتهي.
كما لو بدأ بعِلم العربية مثلًا - فإنه الأحقُّ بالتقديم - فإنه يُصرَف إلى معلِّميها؛ فصار من رعيَّتهم، وصاروا هم رُعاة له، فوجب عليهم حفظُه فيما طلب بحسب ما يليق به وبهم، فإن انتهض عزمُه بعد إلى أن صار يحذِق القرآن؛ صار من رعيّتهم، وصاروا هم رُعاة له كذلك، ومِثلُه إن طلَب الحديث أو التفقُّه في الدِّين إلى سائر ما يتعلَّق بالشريعة من العلوم.
وهكذا الترتيب فيمَن ظهر عليه وصفُ الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور، فيُمال به نحو ذلك، ويُعلَّم آدابه المشتركة، ثم يُصار به إلى ما هو الأَولى فالأَولى من صنائع التدبير؛ كالعِرافة، أو النقابة، أو الجُندية، أو الهداية، أو الإمامة، أو غير ذلك مما يليق به، وما ظهر له فيه نَجابة ونهوض.
وبذلك يتربَّى لكلِّ فعل هو فرض كفاية قومٌ؛ لأنه سِيرَ أَوَّلًا في طريق مشترك، فحيث وقف السائر، وعجز عن السَّير، فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة، وإن كان به قوةٌ زاد في السَّير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية، وفي التي يندُر مَن يصل إليها، كالاجتهاد في الشريعة، والإمارة؛ فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة.
فأنت ترى أن الترقِّي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد، ولا هو على
[ ٢٠٧ ]
الكافَّة بإطلاق، ولا على البعض بإطلاق، ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل، ولا بالعكس، بل لا يصحُّ أن يُنظَر فيه نظرٌ واحد حتى يُفصَّل بنحوٍ من هذا التفصيل، ويُوزَّع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع، وإلا لم ينضبِط الأول فيه بوجه من الوجوه، والله أعلمُ وأحكمُ" (^١).
_________________
(١) الموافقات ١/ ٢٧٨ - ٢٨٧.
[ ٢٠٨ ]
مقالةٌ في النهي عن إضاعة العِلم بالكلام به مع غير أهله، وأن ليس كل عِلم يُبثُّ ويُنشَر بإطلاق
"ليس كلُّ عِلم يُبثُّ ويُنشَر وإن كان حقًّا، وقد أخبر مالكٌ عن نفسه أن عندَه أحاديث وعِلمًا ما تكلَّم فيها ولا حدَّث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحتَه عملٌ، وأخبر عمن تقدَّمه أنهم كانوا يكرهون ذلك (^١)، فتنبَّه لهذا المعنى.
وضابطُه أنك تعرض مسألتَك على الشريعة؛ فإن صحَّت في ميزانها، فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهلِه، فإن لم يؤدِّ ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول؛ فإن قبِلتها، فلك أن تتكلَّم فيها؛ إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوتُ عنها هو الجاري على وَفق المصلحة الشرعية والعقلية" (^٢).
_________________
(١) أخرجه عنه ابن عبد البر في: جامع بيان العلم ٢/ ٩٣٨ (١٧٨٦).
(٢) الموافقات ٥/ ١٧٢. وراجع: روضة الإعلام ٢/ ٥٨٧؛ أخبار الحمقى والمغفلين ١٣٢، ١٣٣.
[ ٢٠٩ ]
مقالةٌ في أن قطع الزمن الطويل في الانشغال بمُلَح العِلم خلافُ الأَولى
"إن صاحب العِلم الواحد من العلوم الوسائل وإن كان أقعدَ من صاحب العلوم الكثيرة، ربما أدَّاه الفراغ عن طلب علوم أُخَر محتاج إليها، إلى استنباط المُلَح والأغاليط في عِلمه والأحاجي والمعاياة وأشباه ذلك، وقطع بذلك زمانًا طويلًا كمعاياة أهل الفرائض وأهل العدد.
ومَن تأمَّل ما فرَّع ابن جني في كتاب "الخصائص" من ذلك "باب إمساس اللفظ أشباه المعانى" (^١)، وغيره من الأبواب التي تنحو نحوه، وكذلك في كتاب "سر الصناعة"؛ حيث تكلَّم في "إياك" وفرض فيها اشتقاقات وتصاريف، وهي من المبنيَّات التي يشهد لها هو وغيرُه أنها لا اشتقاق لها ولا تصريف فيها (^٢).
ولو صرَف عِلمه فيما هو آكد من ذلك لكان أَولى به" (^٣).
_________________
(١) الخصائص ٢/ ١٥٤.
(٢) راجع: سر صناعة الإعراب ٢/ ٦٥٥ - ٦٦٤.
(٣) روضة الإعلام ٢/ ٥٧٧، ٥٧٨.
[ ٢١٠ ]
مقالةٌ في ذِكر مَن هو المعتبَر في نَصْب النحوي وتصديره
"كلُّ ولاية فالأصلُ في النَّصب لها أهلُ الحَلِّ والعَقد فيها، وهم العارفون بمصلحتها؛ لأن غيرهم كثيرًا ما يُقدِّم من لا يجوز تقديمُه، ويترك مَن يجب عليه تقديمُه؛ إذ ليس بعارف بتلك المصلحة وما تقوم به، ولا بمن توفَّرت فيه أدواتُها.
فإذًا الفقهاء هم الذين يُنصِّبون الفقيه.
والنحاةُ هُم الذين يُنصِّبون النحويَّ.
والأصوليون هم المعتبَرون في نَصب الأصولي.
وكذلك غير هذا من أنواع العلوم" (^١).
وأما عند عدم وجود أهل الحَلِّ والعَقْد الذين يُنصِّبونه، ولا وجود لغيره يقوم بهذا الواجب الكفائي؛ فليُنصِّب هو نفسَه وجوبًا، "وشاهدُه النظرُ والأثرُ:
فالأثر: أن النبيَّ ﷺ بُعِث إلى أُمَّة جاهلية لا تعرف مصالح أُخراها ولا دُنياها، ولا تدري ما الوحي ولا النبوءة فيها، وقد أمرَه الله بالبشارة والنِّذارة، فقام فيها بأمر الله كما يجب، ولم يعتبر في ذلك إنكارَ منكِر، ولا إعراضَ مُعرِض.
فالعالِمُ بعِلم يعُمُّ الناسَ نفعُه - إذا لم يكن ثَمَّ غيرُه - مِثلُه في الحُكم؛ إذ كُلُّ حُكم تعلَّق برسول الله ﷺ يتعلَّق بأُمَّته مِثله من غير اختصاص إلا ما قام الدليل على اختصاصه.
_________________
(١) روضة الإعلام ٢/ ٥٢٢؛ فتاوي الإمام الشاطبي، ص ١٦٦.
[ ٢١١ ]
فأما النظرُ: فلأن العالِم إذا كان عِلمه عامَّ النفع، ولا سيما عِلم الشريعة وما يتعلَّق بها، ولم يكن هناك مَن يقوم به إلا هو، ولو ترك القيام به لفسدت الأحوال، وعاد الناس عن قريب إلى الجاهلية - كان من أوجب الواجبات عليه القيام به والتعرُّض للانتصاب فيه، ولا عُذر له في ذلك إن اعتذر بخوفِ إذايةٍ أو عدم قَبولٍ؛ فإنه ﵇ احتمَل في التبليغ الإذايات كلَّها، بل كانوا يترصَّدون قتلَه والفَتْكَ به، فكذلك هذا، فإن الله مُنجِز وعده، وناصِر عبده.
وذكر العلماء مسألةَ الولي إذا طُلِب بالتحدي بالكراهية ليُقبَل منه؛ هل له التعرُّض لذلك أو لا؟
فمنهم مَن سوَّغ ذلك تتميمًا لدعوته إلى الحقِّ، ومنهم مَن لم يُسوِّغه بِناءً على أن التحدي من خواصِّ النبوءة، فليس على الولي إلا الدعاء.
فهذا جارٍ في العالم، والجميعُ متفقون على أنه لا بُدَّ من الدعاء إلى الحقِّ، وإنما الخلاف في أمر زائد.
فهذا العالم إن كان من أهل الخوارق جرى فيه القولان، وإلا أعلَن بالدعوة، ووقَف عندها" (^١).
_________________
(١) روضة الإعلام ١/ ٤٨٣، ٤٨٤. قلتُ: علَّق ابن الأزرق على كلام الشاطبي هذا بقوله: "قلتُ: وإذا كانت العربية من جملة ما يتعلق من علوم الشريعة بأوثق سبب، وكان جميع ذلك يلزم القيام به إذا تعين، ولو على هذه الحالة المفروضة، فما ظنك بها عند نصب من بيده مقاليد النظر في أمور المسلمين، وأمن ما يتقي من محذور تلك الحالة، هناك لا محالة يتعين القبول، ويجب الانتصاب من غير عذر، ولا تخلف لوجود مانع، وحاله في ذلك كحال جميع أهل العلوم المعتبرة شرعًا؛ إذ الحكم من سبقه للقيام به، فيقع التعاون من الجميع".
[ ٢١٢ ]
مقالةٌ في أنه لا يُشترط في الدعاء عدم اللحن
"وقعت نازلةٌ بإمام مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس؛ من الدعاء للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام - وهو أيضًا معهود في أكثر البلاد، فإن الإمام إذا سلَّم من الصلاة يدعو للناس، ويؤمِّن الحاضرون -، وزعم التارك أن تركه بِناءً منه على أنه لم يكن من فِعل رسول الله ﷺ، ولا فِعل الأئمة بعدَه؛ حسبما نقله العلماء في دواوينهم عن السلف والفقهاء.
أمَّا أنه لم يكن من فِعل رسول الله ﷺ فظاهرٌ …
وأمَّا فِعل الأئمة بعدَه، فقد نقل الفقهاء من حديث أنس - في غير كتب الصحيح -: "صلَّيتُ خلفَ النبيِّ ﷺ، فكان إذا سلَّم يقوم، وصلَّيتُ خلفَ أبي بكر ﵁، فكان إذا سلَّم وثَب كأنه على رَضْفَةٍ" (^١)؛ يعني: الحَجَر المُحْمَى …
وقال مالك في "المدونة" (^٢): "إذا سلَّم فليقُم ولا يقعُد، إلا أن يكون في سَفَر أو في فنائه".
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في: المصنف (٣٢٣١)؛ وابن خزيمة في صحيحه (١٧١٧)؛ والطبراني في: الكبير (٧٢٧)؛ والحاكم في: المستدرك (٧٨٤)، وقال: "هذا حديث صحيح رواته ثقات غير عبد الله بن فرُّوخ فإنهما لم يخرجاه لا لجرح فيه، وهذه سُنة مستعمَلة لا أحفظ لها غير هذا الإسناد"؛ والبيهقي في السنن (٣٠٠١)، وقال: "تفرَّد به عبد الله بن فرُّوخ المصري، وله أفراد، والله أعلم، والمشهور عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا سلَّم قام كأنه جالس على الرّضْف"، ورُوينا عن عليٍّ أنه سلَّم ثم قام".
(٢) ١/ ٢٦٦.
[ ٢١٣ ]
وعدَّ الفقهاء إسراع القيام ساعةَ يسلّم من فضائل الصلاة، ووجَّهوا ذلك بأن جلوسه هنالك يدخل عليه فيه كِبر وترفُّع على الجماعة وانفراده بموضع عنهم يرى به الداخل أنه إمامُهم، وأما انفراده به حال الصلاة فضرورة.
قال بعض شيوخنا الذين استفدنا بهم: "وإذا كان هذا في انفراده في الموضع، فكيف بما انضاف إليه مِن تقدُّمه أمامَهم في التوسُّل به بالدعاء والرغبة، وتأمينُهم على دعائه جهرًا؟! قال: ولو كان هذا حَسَنًا لَفعَله النبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃، ولم ينقل ذلك أحدٌ من العلماء، مع تواطئهم على نقل جميع أموره، حتى: هل كان ينصرف من الصلاة عن اليمين أو عن الشمال؟
وقد نقل ابن بَطَّال عن علماء السلف إنكار ذلك والتشديد فيه على مَن فعَله بما فيه كفاية (^١).
فبلغت الكائنة بعضَ شيوخ العصر (^٢) فرَدَّ على ذلك الإمام ردًّا أقذَع فيه، على خلاف ما عليه الراسخون، وبلغ من الردِّ بزعمه إلى أقصى غاية ما قدر عليه، واستدلَّ بأمور إذا تأمَّلها الفَطِن عرف ما فيها …
قد علَّل المُنكِر هذا الموضع بعلل تقتضي المشروعية، وبنى على فرض أنه لم يأت ما يخالفِه، وأن الأصل الجواز في كلِّ مسكوت عنه، أما أن الأصل الجواز فيُمنَع …
وأيضًا فما يُعلِّل به لا يصحُّ التعليل به، وقد أتى الرادُّ بأوجُه منه:
_________________
(١) شرح صحيح البخاري، لابن بطال، ٢/ ٤٦١، ٤٦٢.
(٢) هو ابن لُب كما صرَّح بذلك ابن الأزرق في: روضة الإعلام ١/ ٣٤٠.
[ ٢١٤ ]
الخامس: أن عامَّة الناس لا عِلم لهم باللسان العربي، فربما لحن، فيكون اللحن سبب عدم الإجابة، وحُكي عن الأصمعي في ذلك حكاية شعرية (^١) لا فقهية، وهذا الاحتجاج إلى اللعب أقربُ منه إلى الجِدِّ، وأقربُ ما فيه أن أحدًا من العلماء لا يشترِط في الدعاء أن لا يُلحَّن كما يشترِط الإخلاصَ، وصِدقَ التوجُّه، وعَزْمَ المسألة، وغير ذلك من الشروط.
وتعلُّم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء - وإن كان الإمامُ أعرفَ به - هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه؛ فإن كان الدعاء مستحبًّا، فالقراءة واجبةٌ، والفقه في الصلاة كذلك" (^٢).
* * *
قلتُ: تعقَّب ابن الأزرق الشاطبي في كلامه هذا، وناقشه فيه، فقال: "أما الدعاء فحِفظه بالعربية مما يُفسِد اللحن معناه، ظاهرٌ …؛ ولذلك قال الأستاذ أبو سعيد بن لُب: "الدعاء عِلم لساني، وتعلُّق قلبي؛ هما مبناه، وعليهما يدور معناه"، ثم ذكر عن الخَطَّابي أن الرِّيَاشي قال: مرَّ الأصمعيُّ برجل يقول في دعائه: "يا ذو الجلال والإكرام"، فقال له: ما اسمُك؟ قال: ليثُ. فأنشأ يقول: [الوافر]
يُنادِي ربَّه باللحنِ لَيثٌ … لِذاكَ إِذا دَعَاهُ لا يُجِيبُ
_________________
(١) يقصد حكاية أن الأصمعي مرَّ برجل يقول في دعائه: "يا ذو الجلال والإكرام"، فقال له: ما اسمك؟ قال: ليتُ. فأنشأ يقول: ينادي ربّه باللحن ليثٌ … لذاك إذا دعاه لا يُجيب راجع: شأن الدعاء، للخطابي، ص ٢٠.
(٢) الاعتصام ٢/ ٢٦٠ - ٢٩١.
[ ٢١٥ ]
إلا أن الأستاذ أبا إسحاق الشاطبي ﵀ تعقَّب هذا "بأن الحكاية شعرية لا فقهية، والاحتجاج بها إلى اللعب أقربُ منها إلى الجِدِّ. قال: "وأقربُ ما فيه أن أحدًا من العلماء لا يشترِط في الدعاء أن لا يُلحَّن كما يشترِط الإخلاصَ، وصِدقَ التوجُّه، وعَزْمَ المسألة وغير ذلك من الشروط".
قلتُ [ابن الأزرق]: لم يأت الأستاذ [ابنُ لب] بالحكاية على أنها الحُجة على اشتراط سلامة الدعاء من اللحن من حيث هي شعرية، بل لجريانها على ما ينبغي في الجملة من السلامة عن ذلك، وحينئذٍ فلا يَرِد عليه ذلك التحامُل.
وقوله: "وأقرب ما فيه إلى آخره"، جوابُه: أن الإمام أبا سليمان الخَطَّابي الذي ذكر الأستاذ عنه الحكاية، وهو مَن عُلِم مقامُه في العلماء الجِلَّة، قد قال في صدر كتابه في شرح الأدعية ما نصُّه: "ومما يجب أن يُراعى في الأدعية الإعرابُ الذي هو عماد الكلام، وبه يستقيم المعنى، وبعدمه يختَلُّ ويفسُد، وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقده صاحبُه، كدعاء مَن دعا أو قراءة مَن قرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بتخفيف الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾، فإن "الإيَا" ضياءُ الشمس، فيصير كأنه يقول: شمسُك نعبُد. وهذا كفرٌ.
ثم قال عن أبي عثمان المازِني إنه قال لبعض تلاميذه: "عليك بالنحو، فإن بني إسرائيل كفرت بحرفٍ ثقيلٍ خفّفوه، قال الله ﷿ لعيسى ﵇: "إني ولَّدتُك". فقالوا: إنِّي ولَدتُك. فكفروا (^١).
وبإثر هذا ساق الحكاية عن الأصمعي، فمقتضى عطفه هذا الكلام على ما تقدَّم له من ذكر شروط الدعاء أن من جملتها سلامةَ الدعاء من اللحن. فقول
_________________
(١) شأن الدعاء، ص ١٩.
[ ٢١٦ ]
الأستاذ أبي إسحاق: "أن أحدًا من العلماء لم يشترِط ذلك" قد ظهر خلافُه، وعلى ذلك اعتمد الأستاذ أبو سعيد، لكنه اقتصر على جَلْب الحكاية، فظنَّ به أن لا مستنَدَ له غيرها.
والظنُّ بالأستاذ أبي إسحاق أنه - والله أعلم - لم يتذكَّر عنه هذا الكلام؛ قول الخطابي في المسألة، على أنه قال بعد ذكر ما تقدَّم عنه:
"وتعلُّم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه".
وهذا اعتراف منه بأن الدعاء يُحتاج فيه إلى السلامة من اللحن، فمن أين لزم عنده لغوُ ما قرَّره الأستاذ في ذلك؟!
وبالجملة فهذا الموضع مما يُشكِل من كلامه على ظهور ما اعتمد عليه الأستاذ [ابن لُب] في ذلك، والله أعلم، وبه التوفيق سبحانه.
وقد جرى الشيخ أبو عبد الله بن مرزوق ﵀ على هذا الذي ظهر من الخَطَّابي، فقال في كتابه "النُّصح الخالص" (^١) وقد تعقَّب بعض الأذكار لاشتمالها على أمور؛ منها اللحن، فقال: "واللحن في الأذكار لا ينبغي؛ لأن كثيرًا من الألفاظ بسببه توجد بصورة الكفر - والعياذ بالله -، وأمثلته لا تخفى". انتهى. والذِّكر والدعاء من باب واحد" (^٢).
_________________
(١) قال أحمد بابا في: "نيل الابتهاج"، ص ٤٩٩، في أثناء سرد كتب ابن مرزوق: "و" النصح الخالص في الرد على مدَّعي رتبة الكامل للناقص" في سبعة كراريس ألَّفه في الردِّ على عصريِّه وبلديِّه الإمام قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية في أشياء صوَّب العقباني صنيعهم فيها فخالَفه ابن مرزوق".
(٢) روضة الإعلام ١/ ٣٤٠ - ٣٤٢.
[ ٢١٧ ]
قلتُ: ما نقله ابن الأزرق عن الخَطَّابي وابن مرزوق وابن لُب ظاهرٌ - أو يكاد - في القدح في تعميم الشاطبي بأن أحدًا من العلماء لم يشترِط في الدعاء أن يكون غير ملحون.
لكن لا يؤخذ منه أن ما قرَّروه هو الصواب في المسألة، لا سيما أننا وجدنا جَمعًا من العلماء ينصُّون على ما نصَّ عليه الشاطبي، فهذا ابن الصلاح يقول: "الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء، ويُعذَر فيه" (^١)، وكذا قال غيرُه، وهو الأشبه بمقصد الشارع من التيسير ورفع المشقة عن المكلَّفين؛ لأننا إما أن نُلزِمهم بتعلُّم العربية، وإما أن يتوقَّفوا عن الدعاء إلا إذا لُقِّنوا، وكلاهما صعبٌ ثقيل فيه مشقة ظاهرة، وهذا - كما هو ظاهر - لا يمنع من تنبيه مَن وقع في دعائه لحنٌ يُوقِع في حرام من القول.
ولعلَّ اشتراط الخَطَّابي وابن لُب وابن مرزوق مُتوجِّهٌ إلى مَن يستطيع ذلك، فيكون كلام الشاطبي غير مخالف لهم، وهو الأليق.
أما قوله: "وهذا اعتراف منه بأن الدعاء يُحتاج فيه إلى السلامة من اللحن"، فهذا منه أخذٌ لكلامه على غير وجهه الذي أراد لأمرَين:
الأول: أنه لا يمنع هذا أصلًا، ولهذا ذكره، وإنما يمنع أن يكون ذلك واجبًا، وأن يكون تاركُه غير مقبول الدعاء؛ إذ المحتاج إليه في الشرع أعمُّ من أن يكون واجبًا.
الثاني: أن الأستاذ أبا إسحاق أراد من قوله: "وتعلُّم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه" إلزامَ المخالِف
_________________
(١) فتاوي ابن الصلاح، ص ١٩٨.
[ ٢١٨ ]
بأن يفعل في كلِّ ما يحتاج إليه الإنسان في أمر دينه فِعلَه في شأن الدعاء إثر الصلوات مما هو آكد منه وأَولى، ولهذا قال بعد كلامه هذا: "فإن كان تعليمُ الدعاء إثر الصلاة مطلوبًا، فتعليمُ فقه الصلاة آكدُ، فكان من حقِّه أن يجعل ذلك من وظائف آثار الصلوات" (^١).
وعلى هذا التقرير فليس كلام الشاطبي في هذا الموضع مما يُشكِل كما يقول ابن الأزرق.
* * *
_________________
(١) الاعتصام ٢/ ٢٩١.
[ ٢١٩ ]
مقالةٌ في أن الشارع قد يَمنع ممَّا تقتضي قواعد العربية جوازه
حكم ابن مالك على إيلاء لفظ "يَدَيْ" للفظ "لَبَّي" بالشذوذ (^١)، "ورُوي في بعض الأحاديث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا دَعَا أَحَدُكُم أَخَاهُ فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فلا يَقُولَنَّ: لَبَّى يَدَيْكَ، ولْيَقُلْ: أَجَابَكَ اللهُ بما تُحِبُّ" (^٢)، وهذا ممَّا يُشعِر بأن عادة العرب إذا دعت فأُجِيبت بـ "لبيك" أن تقول: لَبَّي يَديك. فنهى ﵇ عن هذا القول، وعوَّض منه كلامًا حسنًا …، فعلى هذا ليس بمختصٍّ بالشِّعر.
[فـ] إضافة يَدَي لـ "لَبَّى" شاذٌّ، فيُعطِي أنَّه لا يقاس عليه، وهذا يُشكِل من جهتين:
إحداهما: جعلُه إياه من الشاذ، والشاذُّ هو - عنده - ما اختصَّ بالشِّعر، أو جاء في كلام نادر لم يكثُر، ولم يشتهر في الاستعمال.
وهذا ليس كذلك؛ لما تقدَّم آنفًا من دلالة الحديث على أنه كان مستعمَلًا عند العرب معهودًا، ولذلك نهى عنه ﷺ، ولو لم يشتهر عندهم لم يَنهَهُم عنه، وهذه عادتُه ﵇ فيما اعتادُوه من الأقوال والأفعال المخالِفة للشرع.
وأيضًا فإن بيت "الكتاب" (^٣) يُشعِر بذلك، فليس من الشاذ النادر، بل هو من الكثير المستعمل، لكن مختصٌّ باليدين، فكان من حقِّه أن يجعله قياسًا في
_________________
(١) في قوله في نظمه: وَشَذَّ إيلاءُ "يَدَيْ" لـ "لَبَّى". راجع: الألفية، بيت رقم ٣٨٩، ص ١١٩.
(٢) أخرجه أبو داود في: المراسيل ٤٧٣.
(٣) يقصد قول الشاعر من شواهد الكتاب ١/ ٣٥٢: دَعَوتُ لَمَا نَابَنِي مِسْوَرًا … فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيْ مِسْوَرِ
[ ٢٢٠ ]
موضعه، ولا يمنع منه، وهذه هي الجهة الثانية من جهتَي الإشكال.
والجواب: أن الحديث لا نُسلِّم أنه يُشعر بكثرة ذلك، وإنما فيه دلالة على أنه سمِعه أو بلَغه عمن قاله فيمكن أن تكون كلمة قيلت على غير عادة، فيكون من النادر والشاذ، وإذا احتَمَل هذا لم يكن فيه دليل، وإن سُلِّم أن ذلك اعتيد في الاستعمال، فلا يلزم من ذلك خروجُه عن نِصاب الشاذِّ ودخولُه في القياس؛ لأن الشاذَّ عند النحويين على ثلاثة أقسام: شاذٌّ في الاستعمال دون القياس، وشاذٌّ على العكس، وشاذٌّ في القياس والاستعمال جميعًا؛ فيكون هذا من الشاذِّ في القياس دُون الاستعمال، كأنه لم يكثر كثرةً تُوجِب القياس عليه …
وإن سُلِّم أنه بلغ مبلَغ القياس عليه في كلام العرب، فقد يقال: إن الناظم لم يعتبره حيث كان الحديث قد نهى عن استعماله، فصار القياس على ما سُمِع ممنوعًا شرعًا؛ ألا تراه قال: "لا يَقُولَنَّ: لَبَّى يَدَيْك"، فهذا معنى المنع من القياس على ما قيل منه، وهذا من غرائب أحكام العربية أن يُمنَع من القياس لمانع شرعي، ولكن له نظائر، كالمنع من تثنية أسماء الله تعالى وجمعها وتصغيرها، وإن كان قياس العربية يقتضي تثنية الأسماء المُعرَبات على الجملة، وكذلك تصغير الأسماء التي سُمِّي بها نبيُّنا محمد ﷺ تسليمًا؛ فإنه أعظم الخَلْق عند الله تعالى، فلا يجوز تصغيرُ اسمه وإن كان لفظًا؛ لعِظَم المدلول ﵇، والألفاظُ تشرُف بشرف مدلولها شرعًا، وهذا الموضع مما منع الشرع من استعماله، وذلك يستلزم منعَ القياس عليه، فمنَعه الناظم، وسمَّى ما سُمِع منه مخالِفًا للمشروع شاذًّا؛ لمساواته للشاذِّ العربي الذي لا يُقاس عليه، والله أعلم" (^١).
_________________
(١) المقاصد الشافية ٤/ ٦٣ - ٦٥.
[ ٢٢١ ]