[ ٢٢٣ ]
مقالةٌ في دفع ما قد يُظَنُّ من أن عِلم النحو عِلم مبتدع لم يكن في الزمن الأوَّل
"البدعة … عبارة عن: "طريقة في الدِّين مخترعة، تُضاهي الشرعية، يُقصَد بالسلوك عليها المُبالَغة في التعبُّد لله سبحانه" …
ولما كانت الطرائق في الدِّين تنقسم؛ فمنها: ما له أصلٌ في الشريعة، ومنها: ما ليس له أصلٌ فيها - خُصَّ منها ما هو المقصود بالحدِّ، وهو القسم المخترَع، أي: ابتُدعت على غير مثال تقدَّمها من الشارع؛ إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع.
وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترَع مما هو متعلِّق بالدِّين، كعِلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدِّين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة؛ فإنها وإن لم تُوجَد في الزمان الأول، فأصولُها موجودة في الشرع:
- إذ الأمرُ بإعراب القرآن منقولٌ.
- وعلومُ اللسان هادية للصواب في الكتاب والسُّنة، فحقيقتُها إذًا أنها فقهُ التعبُّد بالألفاظ الشرعية الدالَّة على معانيها؛ كيف تؤخذ وتؤدَّى.
- وأصولُ الفقه إنما معناها استقراءُ كليات الأدلة، حتى تكون عند المجتهد نُصْب عين، وعند الطالب سهلة الملتمَس.
[ ٢٢٥ ]
- وكذلك أصول الدِّين، وهو عِلم الكلام، إنما حاصلُه تقرير لأدلة القرآن والسُّنة، أو ما ينشأ عنها؛ في التوحيد وما يتعلَّق به، كما كان الفقه تقريرًا لأدلتها في الفروع العملية.
فإن قيل: فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترَع.
فالجواب: أن له أصلًا في الشرع؛ ففي الحديث ما يدلُّ عليه (^١)، ولو سُلِّم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرعُ بجملته يدلُّ على اعتباره، وهو مستمَدٌّ من قاعدة المصالح المرسلة …
فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًّا لا إشكال في أن كلَّ عِلم خادم للشريعة داخلٌ تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزئيٍّ واحد، فليس ببدعة البتةَ.
وعلى القول بنفيها لا بُدَّ أن تكون تلك العلوم مبتدَعات، وإذا دخلت في قسم البدع كانت قبيحة؛ لأن كلَّ بدعة ضلالة من غير استثناء …
ويلزم من ذلك أن يكون كَتْب المصحف، وجمعُ القرآن قبيحًا، وهو باطلٌ بالإجماع، فليس إذًا ببدعة.
ويلزم أيضًا أن يكون له دليل شرعيٌّ، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة.
_________________
(١) علَّق محقِّق الاعتصام ١/ ٤٩، هامش (٢)، على هذا الموضع بقوله: "يريد قوله ﷺ: "عَلَيْكُم بسُنَّتَي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّين"، فإذا ثبت عن عمر أو علي ﵄ الأمرُ بوضع قواعد النحو، فهو من سُنة الخلفاء الراشدين المأمور بها، وليس من البدع، وقد اعتمد المؤلِّف على الحديث في الإجابة على مثل هذا، وكذلك استدلَّ بكتابة الحديث في زمنه ﷺ. [الاعتصام] ١/ ٣٤٧، ٣٤٨".
[ ٢٢٦ ]
وإذا ثبت جزئيٌّ في المصالح المرسلة، ثبت مُطلَق المصالح المرسلة.
فعلى هذا لا ينبغي أن يُسمَّى عِلم النحو، أو غيرُه من علوم اللسان، أو عِلم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعةً أصلا.
ومَن سمَّاه بدعةً؛ فإما على المجاز كما سمَّى عمر بن الخطاب ﵁ قيامَ الناس في المسجد في ليالي رمضان بدعةً (^١)، وإما جهلًا بمواقع السُّنة والبدعة، فلا يكون قولُ مَن قال ذلك معتدًّا به، ولا معتمَدًا عليه" (^٢).
* * *
قلتُ: قال ابن الأزرق على كلام الشاطبي السابق: "وللأستاذ أبي إسحاق الشاطبي ﵀ في تخليص هذا الأصل من شوائب ما يُكدِّر صفوَه اليدُ الطُّولى والسعي الذي لا يؤدِّي شكرَه إلا مَن عرف قَدْرَ ما يسَّر الله من ذلك على يديه، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا" (^٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠١٠).
(٢) الاعتصام ١/ ٤٧ - ٥٠.
(٣) روضة الإعلام ١/ ٤٧٢.
[ ٢٢٧ ]
مقالةٌ في دفع ما جاء عن بعض السَّلَف ظاهرُه ذمُّ العربية
"نُقِل عن القاسم بن مُخَيْمِرَة (^١) أنه ذُكِرت عندَه العربيةُ، فقال: "أَوَّلُها كِبْرٌ، وآخِرُها بَغْيٌ" (^٢).
وحُكي أن بعض السلف قال: "النحوُ يُذهِب الخُشوع من القلب، ومَن أراد أن يزدَري الناس كلَّهم فليَنظُر في النحو " (^٣)، ونُقِل نحوٌ (^٤) من هذا (^٥).
وهذه كلُّها لا دليل فيها على الذَّمِّ؛ لأنه لم يذُمَّ النحو من حيث هو بدعة، بل من حيث ما يُكتسَب به أمرٌ زائد، كما يُذَمُّ سائرُ علماء السوء، لا لأجل علومهم، بل لأجل ما يحدث لهم بالعَرَض من الكِبْر به والعُجْب وغيرهما، ولا يلزم من ذلك كونُ العِلم بدعة، فتسميةُ العلوم التي يُكتسَب بها أمرٌ مذمومٌ
_________________
(١) الهمداني الإمام الحافظ القدوة، نزيل الكوفة، حدَّث عن جمع من الصحابة، حدَّث عنه كُثُر من الأكابر منهم الأوزاعي، توفي سنة مئة أو إحدى ومئة. راجع: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٠١ - ٢٠٤.
(٢) أخرجه الخطيب في: اقتضاء العلم العمل، ص ٩١ (١٥٠)، بلفظ: "تعلُّم النحو أوَّله شُغل وآخره بغي"، والنص الذي ذكره الشاطبي ذكره أبو طالب المكي في: قوت القلوب ١/ ٢٨٢، وعنه نقله الشاطبي هنا وكذا ما نقله بعدَه من أقوال في هذا الأمر. وللشاطبي عناية بكتاب "قوت القلوب" يظهر ذلك من استفادته منه في كتبه، ومن خلال ما نقله عنه ابن الأزرق في: روضة الإعلام ١/ ١٢٧، من تحذيره من مطالعة العوام له.
(٣) ذكره في: قوت القلوب ١/ ٢٨٢، باللفظ الذي ذكره الشاطبي.
(٤) أثبت محقِّق الاعتصام هذه اللفظة بالنصب، وذكر في الحاشية أنها في ثلاث نسخ بالرفع كما أثبتُّه، وهو الأليق بسياق الكلام.
(٥) راجع: قوت القلوب ١/ ٢٨٢.
[ ٢٢٨ ]
بدعًا؛ إما على المجاز المحض؛ من حيث لم يُحتَج إليها أوَّلًا، ثم احتيج إليها بعدُ، أو من عدم المعرفة بموضوع البدعة؛ إذ من العلوم الشرعية ما يُداخِل صاحبها الكِبْر والزَّهْو وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذمٍّ.
ومما حكى هذا المتصوِّفُ (^١) عن بعض علماء الخَلَف، قال: "العلوم تسعة؛ أربعة منها سُنَّة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسةٌ محدَثة لم تكن تُعرَف فيما سلف". قال: "فأما الأربعة المعروفة: فعِلم الإيمان وعِلم القرآن وعِلم الآثار، والفتاوي، وأما الخمسة المحدَثة: فالنحو، والعَرُوض، وعِلم المقاييس، والجَدَل في الفقه، وعِلم المعقول بالنظر" (^٢). انتهى.
وهذا إن صحَّ نقلُه فليس أوَّلًا كما قال؛ فإنَّ أهل العربية يحكون عن أبي الأسود الدؤلي أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو، حين سمِع الأعرابيُّ قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] بالجرِّ، فقال: برئتُ مما برئ الله منه. فبلغت عليًّا ﵁، فأشار على أبي الأسود، فوضع النحوَ (^٣).
وقد رُوي عن ابن أبي مُلَيْكَة: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أن لا يُقرئ القرآن إلَّا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود، فوضع النحوَ (^٤).
والعَرُوض من جنس النحو، وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين صار النحو والنظر في الكلام العربي من سُنَّة الخلفاء الراشدين، وإن سُلِّم أنه
_________________
(١) الذي أثبتَه محقِّق الاعتصام: "المتصوفة"، وذكر أنه في ثلاث نسخ: "المتصوف"، وهو الذي أثبتُّه؛ لأنه الموافق لقوله بعد ذلك: "قال … "، ولأن القائل هو أبو طالب المكي.
(٢) قوت القلوب ١/ ٢٨٣.
(٣) تقدَّم تخريجه.
(٤) تقدَّم تخريجه أيضًا.
[ ٢٢٩ ]
ليس كذلك، فقاعدةُ المصالح تعُمُّ علوم العربية، أي: تكون من قَبِيل المشروع؛ فهي من جنس كَتْب المصحف، وتدوين الشرائع.
وما ذُكِر عن القاسم بن مُخَيْمِرَة قد رجع عنه؛ فإن أحمد بن يحيى ثعلبًا قال: "كان أحد الأئمة في الدِّين يعيب النحو، ويقول: "أَوَّلُ تعلُّمه شُغل، وآخِره بغي، يزدري العالمُ به الناسَ"، فقرأ يومًا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] برفع ﴿الله﴾، ونصبِ ﴿الْعُلَمَاءُ﴾، فقيل له: كَفَرتَ من حيث لم تعلم؛ تجعلُ الله يخشَى العلماء؟! فقال: لا طعَنتُ على عِلم يئول بي إلى معرفة هذا أبدًا".
قال عثمان بن سعيد الدَّاني (^١): "الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هو القاسم بن مُخَيْمِرَة". قال: وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين كلامٌ، وكان ابن سيرين ينتقِص النحويين، فاجتمعا في جَنَازة فقرأ ابن سيرين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع اسم الله، فقال له ابن أبي إسحاق: كفَرتَ يا أبا بكر، تعِيب على هؤلاء الذين يُقِيمون كتاب الله؟ فقال ابن سيرين: إن كنتُ أخطأت فأستغفر الله" (^٢) " (^٣).
* * *
_________________
(١) قال محقِّق الاعتصام (مشهور) ١/ ٣٣٥، هامش (١): "كلام أبي عمرو الداني هذا … وما يليه في "طبقات القراء"، وصرّح باسمه [أي الشاطبي] والنقل منه في: كتابه الموافقات ٢/ ٩١".
(٢) ذكر هذه الحكاية القفطي في: إنباه الرواة ٢/ ١٠٧.
(٣) الاعتصام ١/ ٣٣٧ - ٣٤٠.
[ ٢٣٠ ]
مقالةٌ في دفع ما جاء في ذمِّ النحاة بسبب وصفهم بعض آي القرآن بالشذوذ
"ربما يظُنُّ مَن لم يطَّلع على مقاصد النحويين أن قولهم: شاذٌّ، أو: لا يُقاس عليه، أو بعيدٌ في النظر القياسي، أو ما أشبه ذلك - ضعيفٌ في نفسه وغيرُ فصيح، وقد يقع مثل ذلك في القرآن فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك، وهم أولى لَعَمْرُ الله أن يُشنَّع عليهم، ويُمال نحوَهم بالتجهيل والتقبيح؛ فإن النحويين إنما قالوا ذلك لأنهم لما استَقْرَوا كلام العرب ليُقِيموا منه قوانين يُحذَى حذوها وَجَدُوه على قِسمَين:
قسم سهُل عليهم فيه وجهُ القياس، ولم يعارِضه مُعارِض لشياعه في الاستعمال وكثرة النظائر فيه؛ فأعملوه بإطلاق، عِلمًا بأن العرب كذلك كانت تفعل في قياسه.
وقسم لم يظهر لهم فيه وجهُ القياس أو عارَضه معارِض لقلته وكثرةِ ما خالَفه. فهنا قالوا: إنه شاذٌّ، أو موقوفٌ على السماع، أو نحو ذلك، بمعنى أننا نتَّبع العربَ فيما تكلَّموا به من ذلك، ولا نقِيس غيرَه عليه، لا لأنه غير فصيح، بل لأنا نعلَم أنها لم تقصِد في ذلك القليل أن يُقاس عليه، أو يغلب على الظنِّ ذلك، وترى المعارِض له أقوى وأشهرَ وأكثر في الاستعمال، هذا الذي يعنُون، لا أنهم يرمُون الكلام العربيَّ بالتضعيف والتهجين حاشَ للَّه، وهم الذين قاموا بفَرْض الذَّبِّ عن ألفاظ الكتاب، وعبارات الشريعة، وكلامِ نبيِّنا محمد ﷺ! فهم أشدُّ
[ ٢٣١ ]
توقيرًا لكلام العرب وأشدُّ احتياطًا عليه ممن يغمِز عليهم بما هم منه بُرَآء.
اللهم إلا أن يكون في العرب مَن بعُد عن جمهرتهم، وبايَن بَحْبُوحَة أوطانهم، وقارَب مساكن العَجَم، أو ما أشبه ذلك ممن يُخالفِ العرب في بعض كلامها وأنحاءِ عباراتها، فيقولون: هذه لُغة ضعيفة، أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالَّة على مرتبة تلك اللغة في اللغات؛ فهذا واجبٌ أن يُعرَّف به، وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها، وإذا كان هذا قصدَهم، وعليه مدارُهم، فهم أحقُّ أن يُنسَب إليهم المعرفةُ بكلام العرب ومراتبه في الفصاحة، وما من ذلك الفصيح قياسٌ، وما ليس بقياس، ولا تضُرُّ العبارات إذا عُرِف الاصطلاح فيها" (^١).
ومما يدخل تحت هذا الأصل، ويحسُن التنبيه عليه هو أن "ابن مالك في العربية ينحو نحوَ الظاهرية، ولا يُحكِّم القياس تحكيمَ غيره، فهذه طريقتُه" (^٢)،
_________________
(١) المقاصد الشافية ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٨. تنبيه وفائدة: وصف الشيخ محمد الخضر حسين، في: دراسات في العربية وتاريخها، ص ٣٣، ما ذهب إليه الشاطبي في كلامه هذا من أنه لا يُقاس على ما جاء في القرآن إذا خالَف غيرَه من كلام العرب الأكثر والأشهر - بأنه تقرير أوهى من بيت العنكبوت. ثم استدلَّ الشيخ على قوله هذا، وفي هذا الذي استدلَّ به نظر شديد؛ من جهة أن الذي قرَّره الشاطبي هو الموافق لأصول النظر في الصناعة النحوية، وأن ما استدلَّ به الشيخ من أن القياس على ما جاء في القرآن مطلقًا فيه مصلحة اللغة؛ لأن به تكثير أساليب القول الفصيحة التي تزيد بها طُرق بيان اللغة سعةً - قد يصح الأخذ به بعد استقرار قوانين العربية وتقنين اللغة، أما في مرحلة تأسيس الصناعة، فلا. وراجع في مناقشة الشيخ في هذا وغيره مما استدلَّ به في ردِّه على الشاطبي: أصول العربية، ص ٢٦٢ - ٢٧٠، وانظر في بيان عدم استقامة الأخذ بما ذهب إليه في مرحلة تأسيس الصناعة: التداخل والتمايز المعرفي، ص ٣٠٥.
(٢) المقاصد الشافية ٢/ ١٧١.
[ ٢٣٢ ]
لا سيما إذا تعلَّق الأمر بالقرآن؛ إذ "من عادة ابن مالك التعويل على اللفظة الواحدة تأتي في القرآن ظاهرُها جوازُ ما يمنعه النحويون، فيُعوِّل عليها في الجواز ومخالَفة الأئمة، وربما رشَّح ذلك بأبيات مشهورة أو غير مشهورة، ومثل ذلك ليس بإنصاف؛ فإن القرآن الكريم قد يأتي بما لا يقاس مِثله وإن كان فصيحًا وموجَّهًا في القياس لقِلَّته" (^١).
هذه طريقة ابن مالك؛ أن "ما قُرئ به لا بُدَّ أن يستنبِط له قياسًا جاريًا في أمثاله، وإن كان قليلًا أجرى القياس فيه على قِلَّته ولم يجعله مسموعًا نادرًا، وقد جعل في "التسهيل" (^٢) تحقيق الهمزتين مع الاتصال لغةً، ولم ينقُلها أحدٌ لغةً، وإنما نُقِل من ذلك ألفاظ شاذَّة، نَعَم جاء في القرآن ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين قراءة عن الكوفيين وابن ذَكْوَان (^٣)، قال شيخنا القاضي (^٤) ﵀: جعل ذلك لغةً للقرآن أدبًا مع القرآن أن يجعَل ما نُقِل فيه قراءةً شاذةً أو مخالِفة لكلام العرب" (^٥)، هذه "عادة ابن مالك؛ التأدُّبُ مع القرآن، والاعتمادُ على ما جاء فيه فيقيسه وإن لم يُجِز غيرُه ذلك على الإطلاق" (^٦)، "وهي قاعدة من قواعده التي استبَدَّ بها دون غيره" (^٧).
_________________
(١) المقاصد الشافية ٣/ ٤٥٦.
(٢) التسهيل، ص ٣٠٢.
(٣) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وروح. راجع: الإقناع ١/ ٣٧٠؛ النشر ١/ ٣٧٨.
(٤) أبو القاسم الحسني، تقدَّمت ترجمته.
(٥) المقاصد الشافية ٨/ ١١٩، ١٢٠.
(٦) السابق، ٤/ ٤٢٧.
(٧) المقاصد الشافية ١/ ٥٢٢.
[ ٢٣٣ ]
فـ "لا يلزَم من عدم القول بالقياس في هذه الأشياء الواقعة في القرآن الكريم أن يكون عَدَمَ مراعاة للفظ القرآن أو إخراجًا له عن الفصاحة أو نحو ذلك، كما يظُنُّ مَن لا تحقيق له! بل هو في أعلى الدرجاتِ في الفصاحة، لكنه لم يكثُر مِثلُه فيقاس عليه. وعلى هذا بنى سيبويه والمحقِّقُون، وهو الصواب، ولكن ابن مالك ربما أهمل هذه القاعدة" (^١).
"فإن القياس إنما يُجرى إذا فهمنا من العرب إجراء القياس، وذلك يكون بوجوده مسموعًا كثيرًا جدًّا في النثر والنظم، أو بمجرَّد سماعه من غير وجود معارِض له …، ولم يعتبِر الكوفيون هذا، وهو حقيقٌ بالاعتبار، فإن القياس لا ينبغي أن يُعمَل جُزافًا وكيف اتَّفَق، بل يُنظَر في كلام العرب بالاستقراء الصحيح والتتبُّع الحَسَن، فما وُجِد مشهورًا عندهم لا يُتحاشى من استعماله في النثر والنَّظْم، ساغ القياس عليه كان له معارِض أو لا، لكن إن كان المعارِض نادرًا اطُّرِح ذلك المعارِض، وأُعمِل القياس فيما اشتهر، وإن كان مشتهِرًا مثِله أُعمِلا معًا.
وما وُجد عندهم غير مشهور بل كان نادرًا؛ فإن كان لمعارِض أشهر تُرِك الأندر للأشهر.
وإن لم يكن له معارِض أصلًا أُعمِل.
وإن كان إنما سُمِع في الشعر؛ إذ لم يقُم دليلٌ على أنه مما اختَصَّ بالشِّعر، فيُحمَل على أنه من مطلَق كلامها، حتى يوجد ما يعارِضه، ويدلُّ على أنه مما اختَصَّ بالشِّعر، قاله الشَّلَوبِين …
_________________
(١) المقاصد الشافية ٤/ ١٨٢.
[ ٢٣٤ ]
[و] الكوفيون لم يعتبِروا هذا الأصل، بل تلقَّوا كلَّ ما جاء في كلام أو شِعر نادرًا أو شهيرًا، فقاسوا عليه وُجِد له معارِض أولم يوجد، فلم يلتفتوا إلى المعارِض، وبسبب ذلك اتسع عندهم نطاق القياس، وانخرَمت عليهم أشياء من الضوابط الاستقرائية.
ولما رأى أهل التحقيق البناء على مثل هذه الأصول المحقَّقة الاستقرائية مطَّردًا عند الخليل وسيبويه، وغير مطَّرد عند الكوفيين - اعتمدوا على قياسهما، واعتمدوا على نقلهما وتحقيقهما، ونِعمَّا فعلوا" (^١).
ومما يُقال في وجه القول بأن وصفَ بعض ما جاء في القرآن بالشذوذ وعدمِ القياس لا يعني عدم المراعاة للفظ القرآن أو الإخراج له عن الفصاحة - هو أنه "قد تكون للمعنى عبارتان أو أكثرُ منهما؛ واحدةٌ يلزَم فيها ضرورة، إلا أنها مطابِقة لمقتضى الحال ومُفصِحة عنه على أو في ما يكون، والتي صحَّ قياسُها ليست بأبلَغَ في ذلك من الأخرى، ولا مِرية في أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة؛ إذ كان اعتناؤهم بالمعاني أشدَّ من اعتنائهم بالألفاظ، وقد بوَّب ابن جني على هذا (^٢).
وإذا ظهر لنا نحن في موضع أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمِن أين يُعلَم أنه مطابق لمقتضى الحال، أو أنه أبلغُ فيما قصد من المبالغة في البيان والإفصاح؟ لا سبيلَ إلى معرفة ذلك في أكثر المواضع، والحاضرُ أبصرُ من الغائب، فلا تجويز لما لا تُعلَم حقيقتُه.
_________________
(١) المقاصد الشافية ٥/ ٢٩٣، ٢٩٤.
(٢) في: الخصائص ١/ ٢١٦.
[ ٢٣٥ ]
وأيضًا قد يُظَنُّ بالعبارتين أنهما مترادفتان، وليستا في الحقيقة كذلك؛ إما لوجود فَرْق لفظي، وإما لوجود أمر معنوي؛ إما ضروري أو تكميلي، ويتبيَّن مثلُ هذا للناظر في فصاحة القرآن، ومثله يتفق في الشِّعر؛ بحيث لا ينبغي أن يؤتى إلا بعبارة الاضطرار دون الجارية على القياس" (^١).
* * *
_________________
(١) المقاصد الشافية ١/ ٤٩٥، ٤٩٦.
[ ٢٣٦ ]
مقالةٌ في دفع ما جاء عن بعضهم من ذمِّ صنيع النحاة من نسبتهم العمل إلى الألفاظ
النحويون "ينسُبون العمل للألفاظ لتحقيق … الاصطلاح …، وهو اصطلاح عامٌّ في كلام أهل هذه الصناعة لضبط القوانين، لا أنهم مدَّعُون لذلك حقيقةً؛ لأن الألفاظ لا ترفَع، ولا تنصِب، ولا تجُرُّ، وعلى هذا نبَّه ابن جني في "الخصائص" حين بيَّن أن مقاييس العربية معنوية في الغالب، ومثَّل ذلك بموانع الصَّرف، ثم قال: "ومِثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به بأن تقول: رفعتُ هذا بأنه فاعل، ونصبتُ هذا بأنه مفعول. فهذا اعتبارٌ معنويّ لا لفظيّ". قال: "ولأجله ما (^١) كانت العوامل اللفظية راجعةً في الحقيقة إلى أنها معنوية؛ ألا تراك إذا قلتَ: ضرَب سعيدٌ جعفرًا؛ فإن "ضرب" لم تعمل في الحقيقة شيئًا، وهل تحصُل من قولك: "ضرب" إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فِعل، وهذا هو الصوت، والصوتُ مما لا يجوز أن يكون منسوبًا إليه الفعل.
وإنما قال النحويون: عاملٌ لفظيٌّ، وعاملٌّ معنويُّ؛ ليُرُوك أن بعض العمل يأتي مسبَّبًا عن لفظ يصحَبه، كـ: مررتُ بزيد و: ليتَ عمرًا قائمٌ. وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلَّق به، كـ: رفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل بوقوعه موقعَ الاسم. هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول.
_________________
(١) قال الشيخ محمد على النجار في هامش التحقيق: ""ما" هنا زائدة".
[ ٢٣٧ ]
فأما في الحقيقة ومحصول الحديث (^١)، فالعملُ من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو المتكلِّم نفسُه لا لشيء غيره".
قال: "وإنما قالوا: لفظيٌّ، ومعنويٌّ لما ظهرت آثارُ فِعل المتكلِّم بمُضَامَّة اللفظ للَّفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ، وهذا واضح" (^٢).
هذا ما قال …، ومما يؤنسك بهذا وأنهم جعلوا اللفظ والمعنى كالسبب في اختلاف وجوه الرفع والنصب والجرِّ والجزم ما حكاه ابن جني في "الخصائص" قال: "سألتُ الشجريَّ يومًا فقلتُ له: يا أبا عبد الله: كيف تقول: ضربتُ أخاك؟ فقال: كذلك. قلتُ: أفتقول: ضربتُ أخوك؟ فقال: لا أقول: أخوك أبدًا. قلتُ: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ قال: كذلك. فقلت: ألستَ زعمتَ أنك لا تقول: أخوك أبدًا؟ فقال: أَيْشٍ ذا! اختلفت جِهَتا الكلام، فهذا في قوة أن لو قال: صار المفعول فاعلًا أو زال اللفظ الذي يقتضي الرفع، وخلَفه لفظ آخَر يقتضي النصب" (^٣).
فهذا الاصطلاح في النحو قد تبيَّن معناه ، [و] ابن مَضَاء ممن يُنسَب إلى النحو قد شنَّع على النحويين في هذا المعنى أخذًا بظاهر اللفظ من غير تحقيق مرادهم؛ فنسَبهم إلى التقوُّل على العرب وإلى الكذب في نسبة العمل إلى الألفاظ، بل نسَبهم إلى مذهب الاعتزال والخروج عن السُّنة، وظلمهم - عفا الله عنه - إذ لم يعرف ما قصدوه.
_________________
(١) بعده في: المقاصد الشافية: "ما يعمل فيهما". والمثبت هو الموافق لما في الخصائص.
(٢) الخصائص ١/ ١١٠، ١١١.
(٣) السابق، ١/ ٢٥١.
[ ٢٣٨ ]
وقد صنَّف في الردِّ عليه وفي بيان مقاصد النحويين في هذه الأشياء ابن خَرُوف جزءًا سمَّاه: "تنزيه أئمة النَّحْو ممَّا يُنسَب إليهم من الغلط والسَّهْو" (^١)، فإن أردتَ كمال القول في ذلك فعليك به، وبالله التوفيق" (^٢).
* * *
قلتُ: هنا فائدة: نقل ابن الأزرق كلامًا لابن خَرُوف في الردِّ على ابن مَضَاء في كلامه السابق من خلال كتابه المفقود "تنزيه أئمة النَّحْو "الذي أشار إليه الشاطبي، فقال ابن الأزرق:
"قال ابن خَرُوف: حمل عليهم في ذلك الحمل، وتأوَّل عليهم ما لا يعتقدون ، وكيف يعتقد في أئمةٍ زيَّن الله بهم الدِّين، وجعَلهم حَفَظَةً لكتابه المُبين أنهم يعتقدون أن الألفاظ يعمَل بعضُها في بعض؛ يريد على وجه الحقيقة، وليُشنِّع عليهم بذلك، وإذا كانت العرب قاطبةً تتسع فتنسُب الأشياء إلى غير فاعليها، فتقول: وُلِد له ستون عامًا. و: صِيد عليه يومان. و: اجتمعت اليمامة (^٣) فأئمةُ
_________________
(١) هذا الكتاب لابن خروف من كتبه المفقودة إلى الآن، وقد نقل عنه الشاطبي في موضع من المقاصد الشافية ٣/ ١٧٠، وآخِرُ مَن نقل عنه - وقد نقل منه نصوصًا كثيرة - ابن الأزرق الأندلسي في "روضة الإعلام"، والظاهر من هذه النقول أنه كتابٌ محرَّر فيه مباحث نادرة نفيسة، وتدلُّ هذه المباحث عنده على أمرين: الأول: أن أئمة النحويين كانت لهم مشاركة حسنة في شتى العلوم الشرعيات. الثاني: أن ليس عِلم في الغالب إلا ويحتاج إلى عِلم آخَر أو علوم حتى تُنوَّر مُظلِماتُه، وتتحقَّق غوامضُه وخفيَّاتُه، كما نصَّ عليه القرافي في: كتاب الخصائص، ص ٢٠٩.
(٢) المقاصد الشافية ١/ ٦١٧ - ٦٢٠.
(٣) هذه الأقوال الثلاثة حكاها سيبويه عن العرب. راجع: الكتاب ١/ ٥٣، ١٧٦.
[ ٢٣٩ ]
النحويين ﵃ ائتموا بهم، وركبوا طريقَهم حين رأوهم اتسعوا هذا الاتساع البديع، فأكثروا منه، فلا قَبَاحة عليهم فيما عبَّروا به عن مرادهم، بل أَفهَموا بذلك وأحسنوا" (^١).
* * *
_________________
(١) روضة الإعلام ١/ ١٤٢، ١٤٣.
[ ٢٤٠ ]
الخاتمة في بعض الآداب والنصائح للمشتغل بالعربية عالِمًا كان أو متعلِّمًا
[ ٢٤١ ]
توطئة في أن طلب العِلم إنما يكون للآخرة، وللعمل بمقتضاه بالقصد الأصلي
"طلبُ العِلم عبادة" (^١)، و"كلُّ عِلم شرعي فطلبُ الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبُّد به الله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى؛ فبالتبَع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول …
وأيضًا فإن في العِلم بالأشياء لذَّة لا توازيها لذة؛ إذ هو نوعٌ من الاستيلاء على المعلوم والحَوزِ له، ومحبةُ الاستيلاء قد جُبِلت عليها النفوس ومِيلَت إليها القلوب، وهو مطلبٌ خاصٌّ برهانُه التجربة التامَّة والاستقراء العامُّ؛ فقد يُطلَب العِلم للتفكُّه به، والتلذُّذِ بمحادثته، ولا سيما العلوم التي للعقول فيها مجال، وللنظرِ في أطرافها متسَع، ولاستنباطِ المجهول من المعلوم فيها طريق مَهْيَع (^٢).
ولكن كلُّ تابع من هذه التوابع؛ إما أن يكون خادمًا للقصد الأصلي، أو لا.
فإن كان خادمًا له؛ فالقصد إليه ابتداء صحيحٌ، وقد قال تعالى في مَعرِض المدح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].
وجاء عن بعض السلف الصالح: "اللَّهم اجعلني من أئمة المتقين".
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٣٦١.
(٢) في النشرة المعتمدة: "متبع"، والمثبت من نشرة (أيت)، ٢/ ١١٩.
[ ٢٤٣ ]
وقال عمر لابنه حين وقَع في نفسه أن الشجرة التي هي مَثَلُ المؤمن النخلةُ: "لأَن تكون قلتَها أحبُّ إلي من كذا وكذا" (^١).
وفي القرآن عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]، فكذلك إذا طلَبه لما فيه من الثواب الجزيل في الآخرة، وأشباه ذلك.
وإن كان غير خادم له؛ فالقصد إليه ابتداء غيرُ صحيح، كتعلُّمه رياءً، أو ليُماري به السفهاء، أو يُباهي به العلماء، أو يستميل به قلوبَ العباد، أو لينال من دنياهم، أو ما أشبه ذلك؛ فإن مثل هذا إذا لاح له شيءٌ مما طلَب زهِد في التعلُّم، ورغب في التقدُّم، وصعُب عليه إحكام ما ابتدأ فيه، وأنِف من الاعتراف بالتقصير؛ فرضي بحاكم عقله، وقاس بجهله؛ فصار ممن سئل فأفتى بغير عِلم؛ فضلَّ وأضلَّ، أعاذنا الله من ذلك بفضله.
وفي الحديث: "لا تَعَلَّموا العِلمَ لِتُبَاهُوا به العُلَمَاءَ، ولا لِتُمارُوا به السُّفَهَاءَ، ولا لتَحتازُوا به المجالسَ، فمَن فعل ذلك؛ فالنَّارُ النَّارُ" (^٢).
وقال: "مَن تَعَلَّم عِلمًا ممَّا يُبَتَغَى به وجهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمه إلَّا لِيُصِيبَ به عَرَضًا من الدُّنيا، لم يجِد عَرْفَ الجَنَّةِ يوم القيامةِ" (^٣) …
وفي القرآن العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣١)، (٤٦٩٨)؛ ومسلم (٦٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه في: مقدمة السنن (٢٥٤)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١/ ٣٧: "هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم".
(٣) أخرجه أبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه في: مقدمة السنن (٢٥٢).
[ ٢٤٤ ]
والأدلةُ في المعنى كثيرة (^١).
و"علماء السوء هم الذين لا يعمَلون بما يعلَمون، وإذا لم يكونوا كذلك، فليسوا في الحقيقة من الراسخين في العِلم، وإنما هم رُواة - والفقهُ فيما رَوَوا أمرٌ آخَر - أو ممن غلب عليهم هوًى غطَّى على القلوب والعياذ باللَّه.
على أن المثابرة على طلب العِلم، والتفقُّه فيه، وعدم الاجتزاء باليسير منه؛ يجُرُّ إلى العمل به ويُلجئ إليه ، وهو معنى قول الحسن: "كنَّا نطلُب العِلم للدنيا؛ فجرَّنا إلى الآخرة" (^٢) " (^٣).
لكن لا بُدَّ أيضًا من التنبُّه إلى "أن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عملِه الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفُهُوم، وانفتاح مغاليق العلوم، وربما أُكرِم ببعض الكرامات، أو وُضِع له القبول في الأرض، فانحاش الناسُ إليه، وحلَّقوا عليه، وانتفعوا به، وأمُّوه لأغراضهم المتعلِّقة بدنياهم وأُخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طُرَقَ الأعمال الصالحة؛ من الصلاة، والصوم، وطلب العِلم، والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطُرُق الخير، فإذا دخل عليه ذلك، كان للنفس به بهجةٌ وأُنسٌ وغنًى ولذَّة ونعيمٌ؛ بحيث تصغُر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظةٍ من ذلك، كما قال بعضهم: "لو علِم الملوكُ ما نحن عليه لقاتَلُونا عليه بالسيوف"، أو كما قال، وإذا كان كذلك، فلعلَّ النفس تنزِع إلى مقدِّمات تلك النتائج، فتكون سابقة للأعمال، وهو
_________________
(١) الموافقات ١/ ٧٣ - ٨٨.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في: جامع بيان العلم ١/ ٧٤٧ (١٣٧٥).
(٣) الموافقات ١/ ١٠٣، ١٠٤.
[ ٢٤٥ ]
باب السقوط عن تلك الرتبة والعياذ باللَّه، هذا وإن كان الهوى في المحمود ليس بمذموم على الجملة؛ فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق، ودليل هذا المعنى مأخوذ من استقراء أحوال السالكين وأخبار الفضلاء والصالحين" (^١).
* * *
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٢٩٨، ٢٩٩.
[ ٢٤٦ ]
مقالةٌ فيمَن يؤخَذ عنه العِلم
"مِن أنفع طُرق العِلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذُه عن أهله المتحقِّقين به على الكمال والتمام ، وهذا … واضح في نفسه، وهو … متفَقٌ عليه بين العقلاء؛ إذ من شروطهم في العالم بأيِّ عِلم اتفَق؛ أن يكون عارفًا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العِلم، قادرًا على التعبير عن مقصوده فيه، عارفًا بما يلزَم عنه، قائمًا على دفعِ الشُّبَه الواردة عليه فيه …
وللعالم المتحقِّق بالعِلم أمارات وعلامات …، وهي ثلاث:
إحداها: العملُ بما عُلِم؛ حتى يكون قولُه مطابقًا لفعله، فإن كان مخالِفًا له؛ فليس بأهلٍ لأن يؤخذ عنه، ولا أن يُقتدى به في علم …
والثانية: أن يكون ممن ربَّاه الشيوخُ في ذلك العِلم؛ لأخَذه عنهم، وملازمته لهم؛ فهو الجدير بأن يتصف بما اتصَفُوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح.
فأوَّلُ ذلك ملازمة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ وأخذُهم بأقواله وأفعاله، واعتمادُهم على ما يَرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أيِّ وجهٍ صدر، فهُم فهموا مغزى ما أراد به أوَّلًا حتى علِموا وتيقَّنُوا أنه الحقُّ الذي لا يُعارَض، والحكمةُ التي لا ينكسر قانونُها، ولا يحُوم النقصُّ حول حمى كمالها، وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المثابرة.
[ ٢٤٧ ]
وتأمَّل قصة عمر بن الخطاب في صُلح الحديبية؛ حيث قال: يا رسول اللَّه! ألسنا على حقٍّ، وهم على باطل؟
قال: "بلي".
قال: أليس قَتْلانا في الجَنَّةَ وقَتْلاهم في النَّار؟
قال: "بلى".
قال:: ففِيمَ نُعطي الدَّنِية في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكمِ الله بيننا وبينهم؟
قال: "يا ابن الخَطَّاب! إِنِّي رَسُولُ الله، ولن يُضيِّعَني اللَّهُ أَبَدًا".
فانطلَق عمرُ ولم يصبر، متغيِّظًا، فأتى أبا بكر؛ فقال له مثل ذلك.
فقال أبو بكر: إنَّه رسول الله، ولن يُضيِّعه الله أبدًا.
قال: فنزَل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسلَ إلى عمر، فأقرأه إيَّاه، فقال: يا رسول الله! أَوَ فَتْحٌ هو؟ قال: "نَعَم". فطابت نفسُه، ورجع (^١).
فهذا من فوائد الملازمة، والانقيادِ للعلماء، والصبر عليهم في مواطن الإشكال؛ حتى لاح البرهان للعيان.
وفيه قال سَهْل بن حُنَيف يومَ صِفِّين: "أيها الناس! اتهِمُوا رأيَكم، والله لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَل (^٢)، ولو أنِّي أستطيع أن أرُدَّ أمرَ رسول الله ﷺ لرددتُه" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣١٨٢)؛ ومسلم (١٧٨٥).
(٢) سُمي يوم الحديبية يوم أبي جندل؛ لشدة وَقع قصة أبي جندل على المسلمين يومَها؛ إذ أرجعه النبي ﷺ إلى أبيه سُهيل بعدما عاد فارًّا من المشركين، وذلك وَفق الشرط الذي اتفق عليه النبي ﷺ مع المشركين.
(٣) أخرجه البخاري (٣١٨١)، (٧٣٠٨)؛ ومسلم (١٧٨٥).
[ ٢٤٨ ]
وإنما قال ذلك لِمَا عرض لهم فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الفتح بعدَ ما خالَطهم الحُزن والكآبة؛ لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر، ولكنهم سلَّموا وتركوا رأيَهم حتى نزل القرآن؛ فزال الإشكال والالتباس.
وصار مِثلُ ذلك أصلًا لمَن بعدَهم؛ فالتزم التابعون في الصحابة سيرتَهم مع النبي ﷺ حتى فقهوا، ونالوا ذِروة الكمال في العلوم الشرعية.
وحسبُك من صحة هذه القاعدة أنَّك لا تجِد عالمًا اشتهر في الناس الأخذُ عنه إلا وله قُدوة، واشتهر في قَرنِه بمِثل ذلك، وقلَّما وُجِدت فرقة زائغة، ولا أحدٌ مخالِف للسُّنة إلا وهو مُفارِق لهذا الوصف، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازِم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدَّب بآدابهم، وبضدِّ ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم.
والثالثة: الاقتداء بمَن أخذ عنه، والتأدُّب بأدبه، كما علِمتَ من اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كلِّ قرن، وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه - أعني بشدة الاتصاف به - وإلا فالجميع ممن يُهتدَى به في الدِّين، كذلك كانوا، ولكن مالكًا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى، فلما تُرِك هذا الوصف، رفَعت البدع رءوسها؛ لأن تركَ الاقتداء دليل على أمرٍ حدث عند التارك أصلُه اتباع الهوى" (^١).
* * *
_________________
(١) الموافقات ١/ ١٣٩ - ١٤٥.
[ ٢٤٩ ]
مقالةٌ في اشتراط تحرِّي الطالب كتبَ المتقدِّمين بعد أن يتأهَّل لها
"إذا ثبت أنه لا بُدَّ من أخذ العِلم عن أهله؛ فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمُهما …
الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنِّفين ومُدوِّني الدواوين، وهو أيضًا نافع في بابه؛ بشرطين:
الأول: أن يحصُل له من فهم مقاصد ذلك العِلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله؛ ما يتِمُّ له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول، ومن مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال: "كان العِلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحُه بأيدي الرجال"، والكتبُ وحدَها لا تُفيد الطالب منها شيئًا دون فتح العلماء، وهو مشاهَد مُعتاد.
والشرط الآخَر: أن يتحرَّى كتب المتقدِّمين من أهل العِلم المراد؛ فإنهم أقعدُ به من غيرهم من المتأخِّرين، وأصلُ ذلك التجربة والخَبَرُ.
أما التجربة؛ فهو أمرٌ مشاهَد في أيِّ عِلم كان، فالمتأخِّر لا يبلغ من الرسوخ في عِلم ما يبلُغه المتقدِّم، وحسبُك من ذلك أهل كلِّ عِلم عملي أو نظري؛ فأعمالُ المتقدِّمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخِّرين، وعلومُهم في التحقيق أقعدُ، فتحقُّقُ الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقُّق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومَن طالَع سِيَرَهم وأقوالَهم
[ ٢٥٠ ]
وحكاياتِهم، أبصَرَ العَجَبَ في هذا المعنى.
وأما الخبر؛ ففي الحديث: "خيرُ القُرُون قَرْنِي، ثُمَّ الذين يلُونَهم، ثُمَّ الذين يلُونُهم" (^١)، وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ قرن مع ما بعده كذلك.
ورُوي عن النبي ﷺ: "أَوَّلُ دِينَكُم نبوة ورحمة، ثُمَّ مُلك ورحمة، ثُمَّ مُلك وجبرية، ثُمَّ مُلك عضوضٌ" (^٢)، ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشرِّ شيئًا بعد شيء، ويندرِج ما نحن فيه تحت الإطلاق.
وعن ابن مسعود أنه قال: "ليس عامٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، لا أقول عامٌ أمطرُ من عامٍ، ولا عامٌ أخصبُ من عامٍ، ولا أميرٌ خيرٌ من أميرٍ، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم؛ فيُهدَم الإسلام ويُثْلَم" (^٣). ومعناه موجود في "الصحيح" في قوله: "ولكن ينتزِعُه مع قَبضِ العلماءِ بِعِلمِهم؛ فيَبَقَى ناسٌ جهَّالٌ يستفتُونَ فيُفتُونَ برأيهم، فيَضِلُّونَ ويُضِلُّونَ" (^٤).
والأخبارُ هنا كثيرة، وهي تدلُّ على نقص الدِّين والدنيا، وأعظمُ ذلك العِلم؛ فهو إذًا في نقصٍ بلا شكٍّ؛ فلذلك صارت كتب المتقدِّمين وكلامُهم وسِيَرُهم، أنفعَ لمَن أراد الأخذ بالاحتياط في العِلم، على أيِّ نوع كان، وخصوصًا عِلم الشريعة، الذي هو العُروة الوثقى والوَزَر الأحمى" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٥١)؛ ومسلم (٢٥٣٣).
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٢٢٥)؛ والدارمي في سننه (٢١٤٦).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن وضاح في: البدع والنهي عنها ص ١٥٨ (٢٣٢)؛ وابن عبد البر في: جامع بيان العلم ٢/ ١٠٤٣ (٢٠٠٨، ٢٠٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (٧٣٠٧).
(٥) الموافقات ١/ ١٤٥ - ١٥٤.
[ ٢٥١ ]
فـ "عدم اعتمادي على التآليف المتأخِّرة، لم يكن منى بحمد الله محض رأيي، ولكن اعتمدتُه بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدِّمين مع كتب المتأخِّرين ؛ ولأن بعض مَن لقيتُه من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخِّرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع، لكنها محض النصيحة
[فـ] شأني أن لا أعتمد على هذه التقييدات المتأخِّرة البتةَ؛ تارةً للجهل بمؤلِّفيها، وتارةً لتأخُّر زمان أهلها جدًّا، أو للأمرين معًا؛ فلذلك لا أعرف كثيرًا منها، ولا أقتنيه، وإنما المعتمد عندي كتب الأقدمين المشاهير" (^١).
* * *
قلتُ: علَّق ابن الأزرق على كلام الشاطبي وكلامِ غيره في اشتراط اعتماد كتب المتقدِّمين دون كتب المتأخِّرين بقوله:
"قلتُ: وقد جرت العادة منذ زمان بقراءة كتب النحاة المتأخِّرين لا سيما في البداية، فلا بُدَّ من مطالعة شُرَّاحها، والنظرِ في كلام مَن قيَّد عليها، لكن ينبغي أن يؤثر من ذلك ما هو أقرب إلى التحقيق وأجرى على مناهج المتقدِّمين، وعند الانتهاض لطلب المعرفة بالصناعة على ما ينبغي، فلا غِنًى عن قراءة "كتاب سيبويه"، والكتب الموضوعة عليه، لا يخفى على المشتغِل به ما يؤثِر منها ويُكثِر من مطالعته" (^٢).
قلتُ: إن كان ابن الأزرق قد ذكَر هذا لمطلَق التنبيه، فلا بأس، وإن كان يريد به الاستدراك، فليس كذلك؛ لأن ما قرَّره أمرٌ بدهيٌّ، وهو عينُ ما أراده الشاطبي؛
_________________
(١) فتاوي الإمام الشاطبي ١٦٣، ١٦٤.
(٢) روضة الإعلام ٢/ ٨٢٠، ٨٢١.
[ ٢٥٢ ]
إذ كتب المتقدِّمين لا تصلح للمبتدئين، بل ولا لمَن شدا شيئًا في عِلم العربية، والدليل على ذلك احتفاء الشاطبي بـ "خلاصة ابن مالك" وشرحُه لها، وبسائر كتبه، وبغيرها من كتب أئمة الصناعة من المتأخِّرين المتحقِّقين بالعربية السائرين فيها على خُطَا المتقدِّمين؛ يظهر هذا لمَن طالَع شرحَه على "الألفية" المسمَّى بـ "المقاصد الشافية".
* * *
[ ٢٥٣ ]
مقالةٌ في وجوب احترام القراءات القرآنية، والمنع من وصفها باللَّحن، وعدم جواز نسبةِ ناقِليها إلى إعمال الرأي في أخذها وتلقِّيها
تقدَّم في "الفصل الأول" تقرير أن المتَّبَع في صناعة العربية هو السماع، وأفصحُ السماع باتفاق هو القرآن الكريم وما نُقِل فيه من القراءات وأوثقُه من جهة الثبوت، ولهذا اعتمد النحويون "على ما نقل أهلُ القراءات من الروايات في ألفاظ القرآن، فبنَوا عليها لمَّا كان اعتناؤهم بنقل الألفاظ" (^١).
وقد كان هناك قومٌ من النحويين يُسيئون الظنَّ بالقَرَأة، وهو لا يجوز، ولذلك "لا يُسمع قول مَن قال بتخطئة ابن عامر (^٢) والغضِّ منه؛ بأنه اتَّبَع رأيه وخَطَّ المصحف، وترك الرواية، وأن تلك القراءة لحنٌ وغير جارية على أصول كلام العرب (^٣)، فإن هذا القول تخرُّص عليه وعدم توفية لحقِّ الإمامة، والتقدُّمِ والعدالة، ولقاءِ الصحابة والأخذ عنهم؛ إذ كان من شيوخه الذين عوَّل عليهم عثمان بن عفان (^٤) ﵃ أجمعين. وأيضًا فهو ممن اتَّفَق الجمُّ الغفير
_________________
(١) المقاصد الشافية ٣/ ٤٠٢.
(٢) في قراءته: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ أولادهم شركائهم). راجع: جامع البيان ٣/ ١٠٦٥؛ النشر ٢/ ٢٦٣.
(٣) راجع: معاني القرآن، للفراء، ١/ ٣٥٧؛ الكشاف ٢/ ١٢٧؛ شرح الكافية، للرضي، ٢/ ٣٣٠.
(٤) قال الذهبي في: السير ٥/ ٢٩٢، في ترجمة ابن عامر عنه: "روي أنه سمع قراءة عثمان بن عفان، فلعل والده حجَّ به، فتهيأ له ذلك. وقيل: قرأ عليه نصف القرآن، ولم يصحَّ. وجاء أيضًا: أنه قرأ على قاضي دمشق فضالة بن عُبيد الصحابي. والمشهور أنه تلا على المغيرة بن =
[ ٢٥٤ ]
على اتِّباعه الأثر وعدمِ أخذه بالرأي، كسائر السبعة وغيرهم ممن اشتَهَر بنبذ الرأي واتِّباع السند في القراءة.
ولا أعني بهذا الكلام مَن زعم أن مثل هذا مختصٌّ بالشعر، وأنه شاذٌ غير مَقِيس؛ فإن قائل ذلك مُقِرٌّ بأنه لم يُحفَظ مِثله في كلام العرب، أو لم يَكثُر كثرةً تُعتَبر في القياس، أولم يُدرِك وجه القياس فيه، أو أدركه لكن رآه ضعيفًا؛ فمِثل هذا لا كلام معه ولا عَتْب عليه، وإنما المراد مَن زعم أن هذه القراءة خطأ" (^١).
فكونُ الشيء قد "جاء في فصيح الكلام لا يُخرِجه عن كونه قليلًا، فكم في القرآن والكلامِ الفصيح من الأمور التي تدخُل في هذا النِّصاب" (^٢)، وقد تقدَّم في "الفصل الخامس" الكلامُ على وصف بعض ما جاء في القرآن بالقلة والشذوذ وعدم القياس، وما أشبه تلك العبارات.
* * *
_________________
(١) = أبي شهاب المخزومي صاحب عثمان".
(٢) المقاصد الشافية ٤/ ١٧٨ - ١٨٠.
(٣) السابق، ٣/ ٤٥٠.
[ ٢٥٥ ]
مقالةٌ في بعض الآداب التي يتخلَّق بها المشتغل بالعربية مع علمائها وأئمَّتها
الأدب الأول: لا يجوز بحال نسبتهم إلى الكذب أو ما يخدِش عدالتهم:
"ردُّ [الـ] روايات وتكذيب ناقليها فيها …، ليس هذا شأنُ العلماء" (^١)؛ إذ "لا يسُوغ نسبة الناقل إذا كان عدلًا إلى الكذب أو الوهم إلا ببرهان واضح، وإلا فالظاهر الصدق … اللهم إلا أن يُقدَح في الشاهد من جهة الدلالة؛ باحتمال غير ما قال الخصم، فهناك يُسلَّم إن كان ظاهرًا أو غير مرجوح بالنسبة إلى الدعوى" (^٢).
هذا في كلِّ ما يُخبِرون به؛ فمثلًا علماء عربية "لم يدَّعُوا في "ما أَفَقَرَهُ" وأخواته أنه شاذٌّ إلا بعد أن عرفوا بالاستقراء التامِّ أن قائله لا يتكلم بـ "فَقُرَ" ونحوه، وإن تكلَّم به؛ ففي شِعر أو نادر كلام وما لا ينبَني عليه القياس، وإلا لكان نفيُهم لذلك نفيًا لما لا عِلم لهم بنفيه ولا إثباته، وهذا لا يصحُّ أن يُنسب إلى عدل منهم على حال، كما لا يُنسَب مِثلُ ذلك إلى فقيه أو أصولى أو غيرهما …
ومن هنا قال بعضُ المحقِّقين في مسألة من مسائل التعجب: "إثباتُ أنهم تعجَّبوا من فعل ما بأن يُسمَع التعجُّب منه هيِّنٌ سهلٌ، وأما نفيُ أنهم لا يتعجَّبون منه بأن لم يُسمَع صعبٌ عَسِرٌ شاقٌّ، إلا على إمام موثوق به قد فهم من قرائن
_________________
(١) المقاصد الشافية ٥/ ٦٩٩.
(٢) السابق، ٥/ ٧٠٠.
[ ٢٥٦ ]
ومجموعِ أحوالٍ وظواهرَ تعمُّدَهم لترك ذلك، وما أَعزَّ ذلك وأَقلَّه". هذا ما قال، وهو واضح.
فمَن كان مِثلَهم فواجبٌ أن يُقبَل قولُه نفيًا وإثباتًا، وهم قد قالوا: إن "ما أَفْقَرَه" وأخواته شاذٌّ، لعدم جريانه على الثلاثي، فلم يقولوا ذلك إلا بعد فهمه من العرب كذلك، فإذا سُمِع بعد ذلك الثلاثي فالواجبُ على المتأخِّر التوقُّف حتى يدخل من حيث دخل المتقدِّم، فإن وجد الأمر مُستتِبًّا مطَّردًا على خلاف ما قال الأَوَّل لم يسَعه إلا مخالَفتُه، وإن لم يجِده كذلك فلْيتوقَّف، فإن اجتمع على ما قال الأَوَّل أئمةٌ مِثلُه فينبغي تقليدُهم؛ لأنهم عن السماع يُخبِرون، لا عن آرائهم.
وإلا لم يقطع في المسألة بنفيٍ ولا إثبات إن حصل له في الاستقراء شكٌّ يستنِد إلى سبب، وإن لم يكن له سببٌ في الشكِّ يستنِد إليه فالأَولى الوقوفُ مع ما قال الأَوَّل؛ لأنه إنما حكم عن بصيرة، وهذا ليست له في المسألة بصيرةٌ يستنِد إليها، والكلام هنا واسع، ومَحلُّ بَسطِه "الأصول" …
ولذلك نرى الحُذَّاق يعتنون بقواعد المتقدِّمين، ويتحامون الاعتراض عليهم، بل يُقلِّدون نقلَهم وقياسهم، ويحتجُّون لهم ما استطاعوا مراعاةً لهذه القاعدة، فيظُنُّ الشادي في النحو أن ذلك من باب التعصب للمذهب، وليس كذلك فاعلم" (^١)، "ولو رأيتَ اجتهادهم في الأخذ عن العرب وكيفيةَ التلقي منهم؛ لقضَيتَ العَجَب" (^٢).
_________________
(١) المقاصد الشافية ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٥.
(٢) السابق، ٣/ ٤٠٢.
[ ٢٥٧ ]
"إن العالِم المعلوم بالأمانة والصِّدق والجري على سَنَن أهل الفضل والدِّين والوَرَع إِذا سُئل عن نازلة فأجاب - أو عرَضتْ له حالةٌ يبعُد العهدُ بمثلها، أو لا تقع من فهم السامع موقعها - أن لا يُواجَه بالاعتراض والنقد، فإن عرَض إشكالٌ؛ فالتوقُّف أَولى بالنجاح، وأحرى بإدراك البغية إن شاء الله تعالى" (^١)، و"لما توفي شيخُنا الأستاذ الكبير العَلَم الخطير أبو عبد الله محمد بن الفَخَّار، سألتُ الله ﷿ أن يُرِينيَه في النوم فيوصيني بوصية أنتفِع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العِلم، فلما نمتُ تلك الليلة رأيتُ كأني داخلٌ عليه في داره التي كان يسكن بها، فقلتُ له: يا سيدي أوصني. فقال لي: لا تعترض على أحد" (^٢).
الأدب الثاني: لا يُحمَل كلامهم إلا على أحسن المحامل:
"لا يُلتمَس للأئمة الأعلام والعلماء المهتدى بهم والمقتدى بكلامهم إلا أحسنُ المخارج، ولا يُظنُّ بهم إلا أحسنُ المذاهب، وهو الحقُّ والإنصاف والدِّين والأمانة في الاعتقاد في كُبَرائنا في أيِّ عِلم من العلوم الشرعيات" (^٣).
الأدب الثالث: حمل كلامهم على مقاصدهم ومرادهم منه وما ارتضَوه في تقريره:
"ابنُ مالك نصَب نفسه في هذه الصناعة لتحرير العبارات واختصارها ووضعها على الأساليب الحسنة والمَنازِع المستقرَبة؛ فيُشاحُّ في مثل هذا بخلاف غيره ممن لم يلزَم إلا الإتيان بالمعنى كيف كان وعلى أيِّ وجه أمكنت العبارة
_________________
(١) الموافقات ٥/ ٤٠٠.
(٢) الإفادات والإنشادات، ص ٩٨.
(٣) المقاصد الشافية ٩/ ٤٨٤، ٤٨٥.
[ ٢٥٨ ]
فيه وعلى غير تحرُّز من حشو ولا غيره؛ فمثل هؤلاء لا كلامَ معهم في هذه الأشياء للمعرفة بمقاصدهم، كما أنا إذا نظرنا في كتب المتقدِّمين لا نُشاقِّهم في عباراتهم، ولا نتتبَّع ألفاظهم هذا التتبُّع؛ فإنا إن فعلنا ذلك كنا مخطئين في أخذ كلامهم متعسِّفين في تقصيدهم ما لم يقصدوا.
وابنُ مالك ومَن تبع مثل ما تبع معلومٌ منهم القصدُ إلى إغماض المعاني في العبارات، وإدراجِ الكثير منها في اللفظ اليسير، وتركِ اللفظ لإيهام يكون فيه، واختيارِ ما يعطي أصل المعنى من غير تطويل، وما أشبه هذا؛ فنحن نعامِل ابنَ مالك بما نصَب له نفسَه" (^١).
فمثلًا "سيبويه وغيرُه عادتُهم التجوُّز في تعريف القانون بالمثال؛ قال سيبويه: "وأما السين فتُزاد في "استفعل"" (^٢)، ولم يزِد على هذا، لكن قد يُسمَح لسيبويه ولمَن كان مِثلَه في مثل هذا؛ إذ مقصودُه حاصل على الجملة، وأما الناظم فلم يَبنِ في عبارته على سَذَاجة أولئك، وإنما بنى على التحذُّق في العبارات، وضمِّ أطراف الألفاظ، وإيرادها من تحت النظر والامتحان؛ فهو جديرٌ بأن لا يُسامَح في هذا وأشباهه" (^٣).
الأدب الرابع: الإقرار بفضل المتقدِّم والاعتراف له بسَبْقه:
"إن السابق له فضيلة ظاهرة على غيره من اللاحقين؛ إذ كان اللاحق مهتديًا بناره مقتديًا بفعله، فكانا كالإمام والمأموم.
_________________
(١) المقاصد الشافية ٨/ ٣٦٧.
(٢) الكتاب ٤/ ٢٣٧.
(٣) المقاصد الشافية ٨/ ٤٤٣.
[ ٢٥٩ ]
رُوي أن إسحاق بن إبراهيم (^١) لما صنع كتابه في "النَّعْم واللُّحون" عرَضه على إبراهيم بن المهدي (^٢)، فقال: لقد أحسنتَ يا أبا محمد، وكثيرًا ما تُحسِن. فقال إسحاق: بل أحسنَ الخليلُ؛ لأنه جعل السبيلَ إلى الإحسان - يعني بعِلم العَرُوض -. فقال إبراهيم: ما أحسنَ هذا الكلام! فممَّن أخذتَه؟ قال: من ابن مُقبِل (^٣)؛ إذ سمع حَمَامةً من المُطوَّقات فاهتاج لمَن يحب فقال (^٤): [الطويل]
فلو قَبْلَ مَبْكَاهَا بكَيتُ صَبَابَةً … بِلَيْلَى شَفَيْتُ النَّفْسَ قَبْلَ التندُّمِ
ولكن بَكَت قَبْلِي فَهَاجَ (^٥) ليَ البُكَا … بُكَاهَا فَقُلتُ الفَضْلُ للمُتقدِّمِ
وهو فضلٌ عند الكافَّة مَرعيٌّ، وينضاف هاهنا إلى فضلٍ شرعيٍّ نبَّه عليه قوله ﷺ: "مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كان له أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيَامَةِ" (^٦) " (^٧).
_________________
(١) أبو محمد، إسحاق بن إبراهيم بن ميمون المعروف والده بالموصلي، كتب الحديث عن سفيان بن عُيينة وطبقته، وأخذ الأدب عن الأصمعي وأبي عبيدة ونحوهما، برع في عِلم الغناء وغلَب عليه؛ فعُرِف به، ونُسب إليه، توفي سنة ٢٣٥ هـ. راجع: تاريخ بغداد ٧/ ٣٤٥.
(٢) هو الأمير أبو إسحاق، إبراهيم بن أمير المؤمنين محمد المهدي بن عبد الله المنصور، ولي إمارة دمشق، كان فصيحًا أديبًا عالمًا رأسًا في فن الموسيقى، توفي سنة ٢٢٤ هـ. راجع: سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٥٧.
(٣) تميم بن أُبَي بن مقبل، من بنى العجلان، شاعر جاهلي أدرك الإسلام. راجع: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٥٠؛ خزانة الأدب ١/ ٢٣١.
(٤) لم أجدهما لابن مقبل إلا في: المزهر ١/ ٦٥، وقد أورد فيه السيوطي الحكاية كاملة كما أوردها الشاطبي. والأكثر أن يُنسب لنصيب بن رباح، أو لعدي بن الرقاع. راجع: الحيوان ٣/ ٢٠٦؛ الكامل في اللغة والأدب ٢/ ١٠٢٩؛ الحماسة البصرية ٢/ ١٤٢.
(٥) في مصادر التخريج: "فهيَّج".
(٦) أخرجه مسلم (١٠١٧) بنحوه.
(٧) المقاصد الشافية ١/ ٢٨، ٢٩.
[ ٢٦٠ ]
ولهذا كان "شأن العلماء والفضلاء أن يأتوا بالفائدة مجرَّدة من التنكيت والاستصغار لِمَا جاء به غيرُهم وإن كان ما يأتون به أتمَّ وأَكملَ" (^١).
الأدب الخامس: الاقتصار في الإقراء على ما قُرئ على الشيوخ:
"مسألة أبي القاسم في "الجُمَل" (^٢): "أُعطِيَ بالمُعطَى به ديناران ثلاثون دينارًا". قد صوَّر الناس فيها نيِّفًا وستين مسألة، وبعضُهم نيِّفًا وتسعين، وصوَّر فيها شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفَخَّار ﵀ ما يقرُب من مئة وثمانين مسألة من غير استقصاء لِمَا يُتصوَّر فيها، بل إنما ذكر ما يشتهر في اللسان وعند النحويين، وأفرد ذلك في مسألة خارجة عن شرحه للجُمَل، وحدَّثنا فيها حكايةً قال: كنتُ أسمع بسَبْتَة زمانَ قراءتي بها أن الشيخ أبا الحسن بن الحَصَّار كان إذا وصل الطلبة بقراءة "الجُمَل" عليه إلى مسألة: "أُعطِيَ المُعطَى" حضَّهم على القراءة على غيره من النحاة، فقيل له في ذلك، فقال: لما وصلتُ إلى هذه المسألة على شيخنا فلانٍ، وصوَّر لي ما قرُب من وجوهها لم يُفتَح لي في تصوُّرها، ولم أطمع في ذلك، فذهبتُ هاربًا، ثم ندمتُ. قال: ولم يكن ابن الحَصَّار ممن بقِيَت عليه هذه المسألة غير مفهومة؛ لأنه كان إمام نحويي زمانه، ولكنه استعمَل أدب المتقدِّمين في الاقتصار على إقراء ما قرأوه على الشيوخ" (^٣).
* * *
_________________
(١) المقاصد الشافية ١/ ٢٤.
(٢) الجمل في النحو ٨١، ٨٢.
(٣) المقاصد الشافية ٣/ ٤٦، ٤٧.
[ ٢٦١ ]
إلى هنا انتهى ما قصدتُ جمعَه من مقالات الإمام النَّظَّار أبي إسحاق الشاطبي ﵀ ورضي عنه في منزلة العربية من الشريعة؛ راجيًا أن أكون قد وفَّيتُ بالمفترَض، لكن السهو والغلط والنسيان كالصفات الذاتية للإنسان، وحسبي أني لم آلُ جهدًا في تحبيره وإتقانه، والعَونُ منه تعالى بفضله وإنعامه.
واللهَ أسأل الأجر والقبول، وأن يجعلني ممن لا يخوضون إلا فيما هو داخلٌ تحت ما يعلمون ويفهمون، وأن يُعرِّفنا قَدْرنا؛ فلا نتعدَّاه، وأن يغفر لنا ويسترنا، ويعفو عنا، ويجعلنا ممن تجاوَز عنهم في الآخرة؛ إنه سميع مجيب.
وصلى الله على سيدنا محمد الداعي إلى كلِّ خيرٍ المُحذِّر من كل شرٍّ، وعلى أصحابه حَمَلة الشرع الشريف إلينا وناقليه، والتابعين لهم بإحسان، وأئمَّتنا من العلماء من كل الطوائف الذين سهَّل الله لنا على أيديهم الفهم عنه تعالى في كتابه وعن رسوله ﷺ في خطابه.
والحمد للَّه ربِّ العالمين
[ ٢٦٢ ]