﷽
وبه تعالي نستعين
الحمد لله الذي حفظ شريعته من عبث العابثين، وأهواءِ أصحاب الشهوات المُرتابين، والدُّخلاء الجاهلين، وصلَّى الله على سيدنا وإمامنا محمد رسول الله الذي بلَّغ ما أُنزِل إليه من ربِّ العالمين، وعلى أصحابه الذين تحمَّلوا همَّ هذا الدِّين، وبذلوا من أجله كلَّ غالٍ وثمين، وعلى تابعيهم ومَن جاء بعدَهم من العلماء الجِلَّة الذين بيَّنوا هذه الشريعة أحسن تبيين.
أما بعدُ؛
فإن شريعتنا نحن المسلمين شريعة عربية؛ فأصلُها وأسُّها القرآنُ الكريم وقد نزل باللسان العربي وعلى معهوده، وكذا السُّنة النبوية المشرَّفة عربية اللسان، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
فمن جهة هذا اللسان يُفهَمان، لا سبيل إلى فهمهما بغيره.
وبهذا القيد أُغلق باب التكلُّم فيهما أمام وجه غير المتحقِّق بعلوم هذا اللسان فاقد الرسوخ فيها؛ فكانت العربية لذلك من أهمِّ دُرُوع وقاية الشريعة من
[ ١٧ ]
الجاهلين بها والمرتابين فيها والجاحدين لها.
ومن هنا كثُر تنبيه العلماء على اختلاف فنونهم وعلومهم على أهمية العربية بالنسبة للشريعة وعلومها؛ هكذا تجد الفقهاء والأصوليين والمفسرين والبيانيين وأهل الأدب وعلماء الكلام.
ولما كانت العربية بهذه المرتبة والأهمية أفرد جَمْعٌ من العلماء بيان أهميتها هذه بالتصنيف والتأليف، وأوَّل هذه المصنَّفات المطبوعة في حدود اطلاعنا كتاب "تنبيه الألباب على فضائل الإعراب" لأبي بكر الشَّنتَريني (ت ٥٤٩ هـ)، وهو كتاب صغير الحجم (^١)، وهو أشبه بالإشارات والتنبيهات، لكنه نفيس من جهة تقدُّمه في الزمن، ومن جهة اشتماله على بعض النصوص المهمة.
ويليه كتاب النجم الطُّوفي (ت ٧١٦ هـ) المسمَّى "الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية"، وقد استوعب فيه الطُّوفي جهات أهمية العربية بشيء من البسط والبيان مع ما فيه من النكات والإشارات المهمة كما هي عادة الطُّوفي في كتبه.
وآخرُها وأكثرها بسطًا كتاب "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق الأندلسي (ت ٨٩٦ هـ)، ويكاد ابن الأزرق أن يكون قد جمع فيه كلَّ ما يتعلَّق بهذا الموضوع، هذا مع كثرة النقول النادرة النفيسة والفوائد العزيزة.
_________________
(١) نُشِر عدة نشرات آخرُها وأفضلُها النشرة التي حقَّقها مكتب إحياء التراث الإسلامي بمشيخة الأزهر الشريف، وصدرت كهدية مع مجلة الأزهر، عدد جمادى الأولى ١٤٤٢ هـ، وفي مقدِّمة تحقيقهم تكلَّموا عن النشرات السابقة للكتاب.
[ ١٨ ]
وكلُّ هذه التصانيف قد أُقيمت في بيانها أهميةَ العربية على ثلاثة محاور (^١):
الأول: كون النحو أداة لفهم نصوص الشرع من الكتاب والسُّنة، والسبيلَ الأول لتقرير المعاني واستنباطها منهما.
الثاني: الحاجة إلى النحو في سائر العلوم، فالنحو يُرشِّح صاحبَه إلى الخوض فيها؛ لأن سائر العلوم مفتقرة إلى النحو، ومن لم يُحصِّل النحو على الوجه اللائق فلا ثقة فيما حصَّله من هذه العلوم.
الثالث: قُبح اللحن وضرره؛ لما يترتب عليه من الخطأ في قراءة القرآن والحديث، وغير ذلك من أضرار اللحن.
ومما يدخل ضمن المصنَّفات المبيِّنة لأهمية العربية الكتبُ التي أُفرِدت لتخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية ككتاب الإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) المسمَّى "الكوكب الدُّري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية"، وكتاب ابن المِبرَد الحنبلي (ت ٩٠٩ هـ) المسمَّى "زينة العرائس من الطُّرف والنفائس في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية"، وكتاب ابن طولون الحنفي (ت ٩٥٣ هـ) المسمَّى "قمر الصحو في تنزيل الفقه على النحو"، وغيرها مما صُنِّف في هذا الشأن.
وهذا النوع من الكتب يُفصِّل في جانب مما يذكره بعدم تفصيل وإسهاب أصحابُ الكتب المفردة في فضائل العربية وأهميتها، وهذا الجانب داخلٌ في المحور الأول من المحاور الثلاث السابقة الذِّكر.
_________________
(١) راجع: مقدمة تحقيق تنبيه الألباب ٢٧، ٢٨.
[ ١٩ ]
وهذا الاعتناء من العلماء ببيان أهمية العربية وتأكيد التنبيه عليها في ثنايا كتبهم على تنوُّعها، كلُّ أهل فنٍّ لا تكاد كتبهم تخلو من هذا إما نصًّا وإما إشارةً وإما إيماءً، ثم إفرادهم التصانيف والتواليف في بيان هذه الأهمية - إنما كان ذلك منهم لمعرفتهم عِظَم خطرها واشتداد مسيس الحاجة إليها في الشريعة؛ فإن قاعدة الشرع أن الشيء إذا عَظُم قدره شُدِّد فيه، وكثُر التنبيه عليه، وبُسِط الكلام فيه (^١).
ومن تأمَّل حال علماء الشريعة وجَد أن الواحد منهم كلما زاد عِلمه ورسوخُه في العربية زاد فَهمُه لكلام الشارع وبصرُه بمراميه ومقاصده، وما علَت رتبة الشافعي على غيره من الأئمة إلا بالعربية، وهو أول من صنَّف في الأصول في "الرسالة" المشهورة، وقد نبَّه فيها على منزلة العربية من الشريعة وعظيم مكانها منها (^٢)؛ ولهذا فإن كلَّ أتباع مذهب إمام من الأئمة المتبوعين كانوا حريصين - وهو حقٌّ، أعني أصل التنبيه - على بيان تقدُّم إمامهم في العربية والذَّبِّ عنه فيما يُوهِم بخلاف ذلك (^٣).
_________________
(١) راجع الفروق، للقرافي ٣/ ٢٥٣.
(٢) راجع: الرسالة ٤٠ - ٥٣.
(٣) راجع: أحكام القرآن، لأبي بكر بن العربي ١/ ٤١٠، ٤١١؛ مناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي، ص ٦٦٨. وأما ما يقال بشأن الإمام أبي حنيفة في هذا فهو كلام ساقط جملةً وتفصيلًا كما بيَّنتُه بالتفصيل في كتاب: "مَن نُسب إلى الضَّعف في العربية أو التقصير من الأعلام والمشاهير"، يسَّر الله نشره، ولولا أن ما نُسب إلى الإمام مسطور في بعض الكتب، وأن بعض الجهلة المبتدعة قد أطلقوا لسانهم في الإمام في أيامنا هذه، وأن كلامنا فيه بعض الفوائد والتنبيهات المهمة = ما كان ينبغي عند أهل العقل والعِلم النظر في هذا الذي قيل في الإمام بَلْهَ أن يُفرَد بالردِّ والمناقشة.
[ ٢٠ ]
ومن الذين كانت لهم قَدَمٌ راسخة في الشريعة، وكان أحد الأسباب في رسوخه هذا وأهمُّها هو تحقُّقه بالعربية وأخذُه بناصية علومها - الإمام النَّظَّار الشهير أبو إسحاق الشاطبي، ومن طالع كتبه وتأمَّلها حقَّ التأمُّل يجِد أن أحد أركان مشروعه الذي انشغل ببيانه وتقريره في هذه الكتب - هو عِلم العربية؛ فهو عنده المدخل إلى الشريعة، وهو العِلم أكيد الاشتراط في رتبة الاجتهاد؛ فلا يكفي فيها اليسير منه في حقِّ مَن أراد تحصيل هذه الرتبة، بل لا بُدَّ له من تحصيله على كماله حتى يكون من أهله، وهو العِلم الذي بسبب إهماله رفَعت البِدَعُ رءوسها، واتسع الخرق في الأزمنة الأخيرة على الراقع؛ فكثُرت الدعاوي على الشريعة.
وقد كنتُ في أثناء إعداد رسالة الماجستير الموسومة "أصول العربية بين متقدِّمي النحاة ومتأخِّريهم؛ دراسة في فكر أبي إسحاق الشاطبي" أتنبَّه إلى هذا المأخذ عنده، وكثرة كلامه ونصوصه فيه، فكنتُ أجمع تلك النصوص في قُصاصات، ثم انشغلتُ عن ذلك بالعمل في الدكتوراة وبعض الأعمال العلمية.
ثم بعد أن انتهيتُ مما كنتُ مشغولًا به عُدتُ إلى النظر في هذه القصاصات، فوجدتُها مادة نافعة ثريَّة، فيها من التحقيق والتحرير ما فيها كما هي عادة الشاطبي فيما يكتب، فرأيتُ أنها تستحقُّ أن تُفرَد بالتصنيف؛ فاستشرتُ في هذا بعض النُّبهاء من الأصدقاء والزملاء؛ فأجابوني بالموافقة وبأنها فكرة موفَّقة؛ فاستعنتُ بالله تعالى وجردتُ مصادر هذه المادة مرة أخرى؛ خوفًا من أن يكون قد فاتني شيء منها لم أنتبه إليه في جردي لها في المرة الأولى.
[ ٢١ ]
وقد رأيتُ بعد التفكير ومشاورة من هو بهذا الأمر خبير وَسْمَ عملي هذا بـ "نَحْوِ الفقهاء؛ مُجَرَّد مقالات أبي إسحاق الشاطبي في منزلة العربية من الشريعة".
والمراد بـ "نحو الفقهاء" هو النحو كأداة وآلة لفَهم كلام الشارع وتقرير الأحكام الشرعية والفروع الفقهية، والذي يدلُّ على هذا رسالةُ ابن طولون الحنفي المسمَّاة "إتحاف النبهاء بنحو الفقهاء" (^١)، ولعلَّ الميداني (ت ٥١٨ هـ) في كتابه المسمَّى "نحو الفقهاء" قد أراد تقرير هذا المعنى.
ومما يدلُّ على هذا أيضًا صنيع القاضي ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في كتابه المسمَّى "ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين واللغويين" (^٢).
_________________
(١) حُقِّقت ونُشرت أكثر من مرة.
(٢) وهو من كتبه المفقودة إلى الآن، لكنه أحال إليه كثيرًا في كتبه التي وصلت إلينا، وهذه الإحالات مُبِينة بوضوح عن طبيعة الكتاب ومادته، والتي تؤيِّد المعنى الذي قرَّرتُه لعبارة "نحو الفقهاء"، وقد جمع مسائل هذا الكتاب من خلال هذه الإحالات، ودرَسها: الدكتور فريد بن عبد العزيز الزامل، في بحثه: "مسائل ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين واللغويين النحوية، لأبي بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ) جمعًا ودراسة"، ونشره في مجلة "الدراسات اللغوية"، المجلد ١٨، العدد ٤، شوال - ذو الحجة ١٤٣٧ هـ / يوليو - سبتمبر ٢٠١٦ م. ثم خرج هذا البحث في كتاب عن دار الحديث الكتانية، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م. وقد كنتُ جمعتُ مسائل كتاب "ملجئة المتفقهين" ووضعتُ لها خطة عمل قبل صدور عمل الدكتور فريد بزمن، لكن على غير نهج الدكتور، وهي أنني أجعل متن الكتاب خالصًا لكلام ابن العربي بمنهج معيَّن، فهذا في نظري أقرب إلى تقريب الكتاب وإبراز أهميته وإظهار صنيع أبي بكر فيه، أما ما فعله الدكتور فهو - في رأيي - إشغال شديد للقارئ عن تأمُّل كلام ابن العربي وصنيعه ونهجه. وقد راودتني فكرة إخراج هذه المسائل على النحو الذي أردتُ، لكن صدَّني عنها أنني لا أُحب الولوج في شيء ولَجه غيري، إلا بشروط شديدة، ولعلَّ الله يُحدِث بعد ذلك أمرًا.
[ ٢٢ ]
أما قول أبي حيان الأندلسي عن مقدِّمة ابن الحاجب في النحو بأنها "نحو الفقهاء" (^١)، وقد أراد الانتقاص منها، فهو مع مراده هذا لا يطعن في هذا المعنى الذي قرَّرناه؛ إذ أراد أن ابن الحاجب تعرَّض لمسائل في العربية هي أليق بكتابات الأصوليين والفقهاء، وهي هذه المسائل المحتاج إليها في تقرير معاني كلام الشارع (^٢)، فكأنه يرميه بأنه أَدخل فنًّا في فنٍّ آخَر.
وفي هذا الذي قرَّرناه من خلال إشارات العلماء من المراد بـ "نحو الفقهاء" تنبيهٌ من طَرْف خفي على أن مِن مسائل الصناعة النحوية ومباحثها ما لا يُساعِد بالنظر الأصلي والقصد الأوَّل على أخذ المعاني وتقريرها من نصوص الشارع، وهو ما مثَّل له الشاطبي وذكرناه ضمن مقالاته هنا.
ولهذا كلِّه وضعتُ عبارة: "نحو الفقهاء" في عنوان الكتاب.
أهمية هذا العمل:
وأنا أُرجِع أهمية هذا العمل وكونَه محتاجًا إليه إلى عدة أوجه:
الأول: أن كلام الشاطبي في هذا الشأن كامل الأركان والمباحث والمسائل؛ فكلامه فيه من هذه الجهة كأنه مصنَّف مستقل قد قصد إليه الشاطبيُّ قصدًا، إلا أن كلام الشاطبي على الصورة التي قرَّرتُها في عملي هذا لم يكن مني على طَرَف الثُّمام؛ إذ كلامه الذي يخصُّ موضوع كتابنا كان متناثرًا في كتبه تحت مباحث أفردها لغير هذا الموضوع بالخصوص وإن كانت دالَّةً عليه ولا بُدَّ،
_________________
(١) نقل عن أبي حيان قوله هذا تلميذُه الصفدي، راجع: الوافي بالوفيات ٥/ ١٧٥.
(٢) راجع: التداخل والتمايز المعرفي بين النحويين والفقهاء والأصوليين، ص ٤٥٤.
[ ٢٣ ]
وما كان هذا شأنه - لا سيما أنه لِعَلَم كالشاطبي - فهو حقيق على أن يُفرَد بمؤلَّف.
الثاني: أن ما سطره الشاطبي في هذا الموضوع يزيد على الكتب المصنَّفة فيه السابقة الذكر من ثلاث جهات:
١ - عدد المباحث والمسائل؛ فقد زاد الشاطبي فيها عما سطره غيره، يُدرَك ذلك بأدنى اطلاع عما في هذه الكتب وما في كتابنا هنا.
٢ - التفصيل والبسط في بعض المباحث والمسائل التي اشترك في تناوُلها مع أصحاب هذه الكتب.
٣ - نُزُوعه إلى ذكر الأصول والكليات الحاكمة لما يذكره، والتعليل لما يُقرِّره، والإجابة عما يُورَد عليه، وهذا شأنُه في سائر مصنَّفاته (^١).
الثالث: هو أن ما أودعه الشاطبي في كتبه الكبار: "الموافقات"، و"الاعتصام"، و"المقاصد الشافية" من صُلب فكره ومشروعه الإصلاحي الذي رآه - قد أقامه على ضرورة الرجوع إلى ما كان عليه السلف وأهل العلم الأوائل من جهة:
- الإحاطة بمقاصد الشريعة.
- التحقُّق بلسان الشريعة ولغتها، وهو اللسان العربي الذي نزل به القرآن.
فأما كلامه في مقاصد الشريعة فقد أفرده كثيرون بالتصنيف والدرس والشرح والتحليل والاستدراك، أما كلامه في الجهة الثانية، وهو الكلام عن اللسان العربي على الوجه الذي يُبيِّن منزلة العربية من الشريعة، فلم أرَ مَن أفرده بالتصنيف على الوجه الذي فعلتُ في هذا العمل؛ ففيما قمتُ به فيه يُعَدُّ من باب إلقاء
_________________
(١) راجع: الإمام الشاطبي والخصائص العامة لفكرة (١)، ص ٢٣٥ - ٢٤٩.
[ ٢٤ ]
الضوء على هذا الركن الذي أقام عليه الشاطبي مشروعَه الفكري مع الركن الثاني مقاصد الشريعة.
الرابع: أن هذا العمل فيه تذكير وتنبيه لأهل الزمان على وجوب تحصيل علوم العربية لمن أراد أن يرتقي في علوم الشريعة وفَهم الكتاب والسُّنة على الوجه الذي أراده الشارع؛ إذ قد رأينا كثيرين ممن ينسُبون أنفسهم إلى الاشتغال بالعِلم قليلي الاعتناء بعلوم العربية، والمجتهد فيهم هو الذي يقنع فيها برتبة لا تؤهِّله إلى أن يكون مستقلَّ النظر في كلام الشارع، ولا أن يكون مؤهَّلًا لمجاراة العلماء في الحِجاج والنقاش، وهذا من علامات غلبة هوى النفس عليهم؛ فكلما قلَّ دين المرء وورعه وفَهْمه قلَّ صبرُه على تحصيل العِلم - لا سيما علوم الآلة؛ لأنها ليست كعلوم المقاصد التي ينال بها المرء حظَّه من الشهرة والتعظيم بين العامَّة - مع ازدياد جرأته على الكلام فيه.
ولو فرض أن ثمَّة طائفة عدمُ الاعتناء بعلوم العربية طريقٌ مَهْيَعٌ لأصحابها، فهي بهذا داخلة في الفرق المبتدعة ولا بُدَّ؛ إذ خالَفت في أصلٍ كليٍّ من أصول الشريعة اتفق عليه في الجملة كلُّ العلماء، بل هم بهذه الحال في الحقيقة أقرب إلى جهلة العوام المتكلِّمين في أمور الشرع، فالأولى في حقِّهم هو الحُكم عليهم بحُكم من يتكلَّم في الشريعة وهو جاهل بها، وهذا التقرير يدلُّ عليه كلامُ الشاطبي كما سيأتي ذكره في ثنايا المقالات.
الخامس: أن في هذه المقالات على هذه الهيئة تنبيهات على آفاق معرفية وموضوعات بحثية فيما يتعلَّق بهذا الحقل المعرفي؛ اللغوي الشرعي.
[ ٢٥ ]
ومما يمكن أن يوضع ضمن أوجه أهمية هذا العمل أن عبارة الشاطبي فيما يكتبه في الغالب عالية سِلسة، وألفاظه رشيقة عذبة، حتى إنه في بعض المواضع ينتشي منها قارئُها.
[ ٢٦ ]
ترجمة أبي إسحاق الشاطبي (*)
الشاطبي عَلَمٌ شهير ترجم له جماعةٌ، وتعرَّض آخرون لذكر شذرات عنه في ثنايا كتبهم دُون أن يُفردوا ترجمته بموضع فيها، ثم كثُرت الترجمات له لدى الدارسين المعاصرين في مقدِّمات ما كتبوه عنه من دراسات. وعلى كلٍّ فقد أصبح الشاطبي في عصرنا هذا ممن لا تخفى مكانته ومنزلتُه، فهو فيه من الأعلام ذائعي الصيت شأنه كشأن غيره من العلماء في هذا الأمر كابن تيمية والتقي السبكي والذهبي وغيرهم، كلُّ هذا جعلني أُفكِّر في عدم إفراد ترجمة له هنا في عملي هذا.
لكن رأيتُ أن ليس من الحكمة أن يكون هذا مني في كتاب أُفرِد لمقالات له، فاستقرَّ رأيي على أن أذكر له ترجمة جامعة تكون مختصرة أو تكاد، فوقع اختياري على ترجمة أحمد بابا التُّنبُكتي له في كتابه الماتع "نيل الابتهاج"، حيث قال فيه:
"إبراهيم بن موسى بن محمد اللَّخمي الغَرْناطي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي.
_________________
(١) (*) راجع ترجمته في: برنامج المجاري ١١٦ - ١٢٢؛ درة الحجال ١/ ١٨٢؛ نيل الابتهاج ٤٨ - ٥٢؛ نفح الطيب ٥/ ١٩٣، ١٩٤، ٢٦٥، ٣٤١، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٧٨ - ٣٨٢، ٥١٣، ٧،٥١٤/ ٢٧٩؛ أزهار الرياض ٢/ ٧، ٢٩٧؛ فهرس الفهارس ١/ ١٩١؛ شجرة النور الزكية ١/ ٣٣٢، ٣٣٣؛ مقدِّمة الإفادات والإنشادات؛ ١١ - ٥٣؛ مقدِّمة فتاوي الإمام الشاطبي ٢٩ - ٣٢؛ أصول العربية ٤٩ - ٦٠.
[ ٢٧ ]
الإمام العلَّامة المحقِّق القُدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًّا مفسِّرًا فقيهًا، محدِّثًا لُغويًّا بيانيًّا نَظَّارًا، ثبتًا ورِعًا صالحًا زاهدًا سُنيًّا، إمامًا مطلَقًا، بحَّاثًا مدقِّقًا جَدَليًّا، بارعًا في العلوم، مِن أفراد العلماء المحقِّقين الأثبات وأكابر الأئمة المتفنِّنين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربيةً وغيرها، مع التحرِّي والتحقيق.
له استنباطات جليلة، ودقائق مُنِيفَة، وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محرَّرة محقَّقة، على قَدَم راسخ من الصلاح والعِفَّة والتحرِّي والوَرَع، حريصًا على اتباع السُّنة، مجانبًا للبدع والشُّبهة، ساعيًا في ذلك مع تثبُّت تامٍّ، منحرف عن كلِّ ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة من شيوخه وغيرهم في مسائل، وله تآليف جليلة مشتملة على أبحاث نفيسة وانتقادات وتحقيقات شريفة.
قال الإمام الحفيد ابن مرزوق في حقِّه: "إنه الشيخ الأستاذ الفقيه الإمام المحقِّق العلَّامة الصالح أبو إسحاق". انتهى. وناهيك بهذه التحلية من مِثل هذا الإمام، وإنما يعرف الفضلَ لأهله أهلُه.
أخذ العربية وغيرها عن أئمة منهم:
الإمام المفتوح عليه في فَنِّها ما لا مَطمَع فيه لسواه بحثًا وحفظًا وتوجيهًا ابن الفَخَّار البِيريُّ، لازَمه إلى أن مات.
والإمامُ الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم السَّبْتي شارح مَقصُورة حازم.
والإمامُ المحقِّق أعلمُ أهل وقته الشريف أبو عبد الله التِّلِمْساني.
[ ٢٨ ]
والإمامُ علَّامة وقته بإجماع أبو عبد الله المَقَّري.
وقطب الدائرة شيخ الشيوخ الجِلَّة الإمام الشهير أبو سعيد بن لُب.
والإمامُ الجليل الرُّحلة الخطيب أبو جعفر الشَّقُوري.
وممن اجتمع معه واستفاد منه العالم الحافظ الفقيه أبو العباس القَبَّاب، والمُفتي المحدِّث أبو عبد الله الحَفَّار وغيرهم.
اجتهد وبرع وفاق الأكابر والتحق بكبار الأئمة في العلوم، وبالغ في التحقيق، وتكلَّم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل؛ من شيوخه وغيرهم كالقبَّاب وقاضي الجماعة الفشْتالي، والإمام ابن عَرَفة، والولي الكبير أبي عبد الله بن عباد.
وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته؛ منها: مسألة مراعاة الخلاف في المذهب. له فيها بحث عظيم مع الإمامين القَبَّاب وابن عَرَفة، وله أبحاث جليلة في التصوف وغيره.
وبالجملة فقَدْرُه في العلوم فوقَ ما يذكر، وتحليتُه في التحقيق فوقَ ما يُشهَر.
ألَّف تآليف نفيسة اشتملت على تحريرات للقواعد وتحقيقات لمهمات الفوائد؛ منها:
- شرحُه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلَّف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا فيما أعلم.
- وكتاب "الموافقات" في أصول الفقه كتاب جليل القدر لا نظير له، يدلُّ على إمامته وبُعد شأوه في العلوم سيما عِلم الأصول، قال الإمام الحفيد ابن
[ ٢٩ ]
مرزوق: "كتاب "الموافقات" المذكور من أنبل (^١) الكتب". وهو في سفرين.
- وتأليفٌ نفيس في الحوادث والبدع في سِفر في غاية الإجادة.
- وكتابُ "المجالس" شرح فيه كتاب البيوع من "صحيح البخاري"، فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله.
- وكتابُ "الإفادات والإنشادات" في كرَّاسين، فيه طُرَف وتُحَف ومُلَح أدبيات وإنشادات.
- وله أيضًا كتاب "عنوان الاتفاق في عِلم الاشتقاق"، وكتاب "أصول النحو"، وقد ذكرهما معًا في شرح الألفية، ورأيتُ في موضع آخَر أنه أتلف الأول في حياته، وأن الثاني أُتلف أيضًا.
وله غيرُها وفتاوي كثيرة.
ومن شِعره لما ابتُلي بالبدع: [البسيط]
بُليتُ يا قوم والبلوى منوَّعةٌ … بمَن أُداريه حتى كاد يُردِيني
دفعُ المَضرَّة لا جلبٌ لمصلحة … فحسبي الله في عقلي وفي دِيني
أنشدهما تلميذَه الإمام يحيى بن عاصم له مشافهةً …
أخذ عنه جماعةٌ من الأئمة كالإمامين العلَّامتين: أبي يحيى بن عاصم الشَّهير، وأخيه القاضي المؤلِّف أبي بكر بن عاصم، والشيخ أبي عبد الله البياني وغيرهم.
_________________
(١) في مطبوعة "نيل الابتهاج": "أقبل"، والظاهر أنه تحريف، والصواب: "أنبل" كما جاء في كتابين لأحمد بابا نقل فيهما هذا القول عن ابن مرزوق؛ كفاية المحتاج؛ ١/ ١٥٥؛ أسئلة موجهة إلى علماء مصر (ق ٦٧ و).
[ ٣٠ ]
توفي يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة تسعين وسبعمئة، ولم أقِف على مولده ﵀" (^١).
_________________
(١) نيل الابتهاج ٤٨ - ٥٠.
[ ٣١ ]
خطوات العمل والمنهج المتبَع فيه
أولًا: مادة المجرَّد ومواردها:
مادةُ المقالات هي كلُّ كلام للشاطبي يُبِين عن منزلة العربية من الشريعة أو يساعد على ذلك، وقد كان هذا من جهات عِدَّة كما سيأتي بيانها عند الكلام عن تقسيم مادة الكتاب.
وقد جمعتُ مادة المجرَّد من كتب الشاطبي بالأصالة وممن نقل عنه وليس موجودًا في هذه الكتب، وهي جميعًا كالتالي:
• "الموافقات" (^١).
• "المقاصد الشافية".
• "الاعتصام" (^٢).
• "الإفادات والإنشادات".
_________________
(١) وقد اعتمدتُ في جمع المادة منه على نشرة دار ابن عفان بتحقيق: مشهور آل سلمان؛ لأنها الأكثر شهرةً وتداولًا، بخلاف النشرة الأحدث منها، وهي نشرة منشورات البشير بن عطية بتحقيق الدكتور: الحسين أيت سعيد، فهي لما تنتشر وتُتداوَل بعدُ. لكن لما كانت نشرة الدكتور أيت أتقن من جهة صحة النص، فكنتُ في مواضع أُثبتُ ما أثبته الدكتور أيت في نشرته عندما أرى صحته أو وجاهته.
(٢) اعتمدتُ على النشرة الصادرة عن دار ابن الجوزي الرياض. وإن كنتُ قد خالفتُ في بعض ما أثبتَه المحقِّقون بالرجوع إلى النسخ الخطية التي رجعوا إليها وأثبتوا قراءتها في هامش التحقيق، فقد يكون ما وضعوه في الهامش أوجه في نظري مما أثبتوه في المتن.
[ ٣٢ ]
• "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، لابن الأزرق الأندلسي.
• "فتاوي الإمام الشاطبي" (^١) جمعها: الدكتور محمد أبو الأجفان.
ثانيًا: منهج العمل المتبع:
١ - جمعتُ مادة المقالات من المصادر السابق ذكرها.
٢ - جمعتُ كلَّ كلام تحت فكرته ومبحثه، وصُغتُه كأن الشاطبي هو الذي نظمه على هذه الصورة، فلم أتدخل بكلام لي إلا بأن ألَّفتُ بين كلامه في هذا السياق الجديد بعد أخذه من سياقه الأصلي.
وقد كنتُ منتبِهًا إلى أن إعادة صوغ كلامه في سياق جديد قد يحصُل معه إخلال بمراده أو نسبة أمر إليه لم يقُل هو به، وقد ساعدني على تحامي هذا أنني على دربة بكلامه الذي يتعلَّق بمباحث هذا العمل؛ لعكوفي على كتبه زمنًا طويلًا في أثناء إعداد رسالة الماجستير وبعد الانتهاء منها، إلا ما يعتري البشر من الغلط والسهو والنسيان.
٣ - اعتنيتُ بكلام كلِّ مَن اشتبك مع الشاطبي فيما يتعلَّق بمادة المقالات، وكنتُ أقرِّر هذا بعد الانتهاء من تقرير كلامه وسبكه؛ بأن أفصِل بين تقريري وبين كلامه بفاصل أقول بعده: قلتُ بخطٍّ غليظ، ثم أذكر ما أريد بيانه وتقريره.
وقد يكون الذي أذكره هو تنبيه مني على شيء في كلامه أو توضيح أو استدراك.
٤ - كلُّ نصٍّ أنقله عن الشاطبي أضعه بين علامتي تنصيص ""، مع عزوه في الهامش إلى الكتاب المنقول منه، وأيُّ كلام له ليس بلفظه لا أضعه بين
_________________
(١) اعتمدتُ على نشرة مكتبة العبيكان، الرياض.
[ ٣٣ ]
علامتي التنصيص؛ سواءٌ كان بالمعنى أو كان لي مستمدًّا من فحوى كلامه وهذا قليل، ومُعظَم الكلام له بلفظه.
٥ - خرَّجتُ كل الوارد في كلامه من القراءات والأحاديث والآثار والأشعار.
٦ - ترجمتُ لغير المشاهير من الأعلام.
تقسيم المجرَّد وخطته:
اقتضت طبيعة مادة المجرَّد أن أقسِّمه إلى:
- مقدِّمات. وتحتهاست مقالات.
- وستة فصول.
تحت كلِّ فصل عِدَّة مقالات، وقد اعتنيتُ أن يكون ترتيب المقالات داخل الفصول ترتيبًا منطقيًّا؛ بأن تُسلِم كل مقالة إلى ما بعدها أو يكون بينهما علاقة تناسُب:
أما الفصل الأول فبعنوان: بيان وجه الاحتياج إلى عِلم العربية في الشريعة. وتحته خمس مقالات.
وأما الفصل الثاني فبعنوان: من ضوابط فَهم كلام الشارع وَفق العربية. وتحته ست مقالات.
وأما الفصل الثالث فبعنوان: بيان تأثير العربية في القرآن والسُّنة والفروع الفقهية. وتحته خمس مقالات.
وأما الفصل الرابع فبعنوان: من مباحث الأصوليين المتعلِّقة بالعربية. وتحته مقالتان.
[ ٣٤ ]
وأما الفصل الخامس فبعنوان: من الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالعربية. وتحته سبع مقالات.
وأما الفصل السادس فبعنوان: ما جاء مما قد يُوهِم خلاف ما تقدَّم من منزلة العربية من الشريعة. وتحته أربع مقالات.
- وخاتمة. وهي في بعض الآداب والنصائح للمشتغل بالعربية عالِمًا كان أو متعلِّمًا، وتحتها أربع مقالات.
ثم الكشافات العلمية؛ وهي كشاف الآيات القرآنية، وكشاف الأحاديث النبوية، وكشاف الآثار السلفية، وكشاف الأشعار، وكشاف الأعلام، وكشاف أسماء الكتب الواردة في المتن. ثم يأتي ثَبَت المصادر والمراجع.
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين، وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
[ ٣٥ ]