١ - الْكتاب الثَّانِي فِي الفضلات
الْمَفْعُول بِهِ التحذير الإغراء الِاخْتِصَاص المنادى الْمَنْدُوب الاستغاثة التَّرْخِيم الْمَفْعُول الْمُطلق الْمَفْعُول لَهُ الْمَفْعُول فِيهِ الْمَفْعُول مَعَه الْمُسْتَثْنى الْحَال التَّمْيِيز نواصب الْمُضَارع
[ ٢ / ٤ ]
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
١ - الْكتاب الثَّانِي فِي الفضلات
الْمَفْعُول بِهِ
(ص) الْكتاب الثَّانِي فِي الفضلات الْمَفْعُول بِهِ اخْتلف فِي ناصبه فالبصرية عَامل الْفَاعِل وَقيل الْفَاعِل وَقيل هما وَقيل كَونه مَفْعُولا وَقيل ينصب الْكل تَشْبِيها بِهِ وَسمع رَفعه وَنصب الْفَاعِل ورفعهما ونصبهما وَهُوَ الْوَاقِع عَلَيْهِ الْفِعْل (ش) بدأت من الفضلات بالمفعول بِهِ وَقد حَده صَاحب الْمفصل وَغَيره بِأَنَّهُ مَا وَقع عَلَيْهِ فعل الْفَاعِل وَالْمرَاد بالوقوع التَّعَلُّق ليدْخل نَحْو أوجدت ضربا وأحدثت قتلا وَمَا ضربت زيدا وَقد اخْتلف فِي ناصب الْمَفْعُول بِهِ فالبصريون على أَنه عَامل الْفَاعِل الْفِعْل أَو شبهه وَقَالَ هِشَام من الْكُوفِيّين هُوَ الْفَاعِل وَقَالَ الْفراء هُوَ الْفِعْل وَالْفَاعِل
[ ٢ / ٥ ]
مَعًا وَقَالَ خلف معنى المفعولية أَي كَونه مَفْعُولا كَمَا قَالَ فِي الْفَاعِل إِن عَامله كَونه فَاعِلا وَقَوْلِي وَقيل ينصب الْكل تَشْبِيها بِهِ أَشرت إِلَى مَا ذكره أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل أَن انقسام الْمَفْعُول إِلَيّ مفعول مُطلق ومفعول بِهِ وَله وَفِيه وَمَعَهُ هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَأما الْكُوفِيُّونَ فزعموا أَن الْفِعْل إِنَّمَا لَهُ مفعول وَاحِد وَهُوَ الْمَفْعُول بِهِ وباقيها عِنْدهم لَيْسَ شَيْء مِنْهَا مَفْعُولا وَإِنَّمَا مشبه بالمفعول وَسمع رفع الْمَفْعُول بِهِ وَنصب الْفَاعِل حكوا خرق الثَّوْب المسمار وَكسر الزّجاج الْحجر وَقَالَ الشَّاعِر ٦٤١ -
(مثلُ القنافذِ هَدَّاجوان قد بَلَغَت نَجْران أَو بَلَغَتْ سوآتهم هَجَرُ)
والسوءات هِيَ الْبَالِغَة وَسمع أَيْضا رفعهما قَالَ
[ ٢ / ٦ ]
٦٤٢ -
(كَيْف مَن صَادَ عَقْعَقَان وبُومُ )
ونصبهما قَالَ ٦٤٣ -
(قد سالَمَ الحيّاتِ مِنْهُ القَدَما )
والمبيح لذَلِك كُله فهم الْمَعْنى وَعدم الإلباس وَلَا يُقَاس على شَيْء من ذَلِك (ص) وَيجب تَقْدِيمه إِن تضمن شرطا أَو استفهاما خلافًا للكوفية فِيمَا قصد بِهِ استثبات أَو أضيف إِلَيْهِمَا أَو نَصبه فاصلا جَوَاب أما أَو أَمر فِيهِ الْفَاء أَو كَانَ مَعْمُول مُفَسّر الْجَواب أَو كم الخبرية إِلَّا فِي لغية وتأخيره إِن كَانَ أنّ أَو أَن أَو مَعَ فعل تعجبي وموصول بِحرف أَو جازم لَا إِن قدم عَلَيْهِ وَلَام الِابْتِدَاء أَو قسم أَو قد أَو سَوف أَو قَلما أَو رُبمَا وَنَحْو مَا زيد عمرا إِلَّا يضْرب
[ ٢ / ٧ ]
قَالَ الرندي وَضرب الْقَوْم بَعضهم بَعْضًا (وَقوم) مفعول الْأَمر وَالنَّهْي وَيجوز فِيمَا عدا ذَلِك وَإِذا قدم أَفَادَ الِاخْتِصَاص خلافًا لِابْنِ الْحَاجِب مَا لم يكن مُسْتَحقّا وَالْمُخْتَار أَنه غير الْحصْر وفَاقا للسبكي (ش) الأَصْل فِي الْمَفْعُول بِهِ التَّأَخُّر عَن الْفِعْل وَالْفَاعِل وَقد يقدم على الْفَاعِل جَوَازًا ووجوبا كَمَا تقدم فِي بَابه وَقد يقدم على الْفِعْل جَوَازًا نَحْو ﴿فريقا هدى وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة﴾ [الْأَعْرَاف: ٣٠] ﴿ففريقا كَذبْتُمْ وفريقا تقتلون﴾ [الْبَقَرَة: ٨٧]
أوجه وجوب تَقْدِيم الْمَفْعُول بِهِ على الْفِعْل
وَقد يجب تَقْدِيمه عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي صور أَحدهَا إِذا تضمن شرطا نَحْو من تكرم أكْرمه وأيهم تضرب أضربه ثَانِيهَا إِذا أضيف إِلَى شَرط نَحْو غُلَام من تضرب أضْرب ثَالِثهَا إِذا تضمن استفهاما نَحْو من رَأَيْت وأيهم لقِيت وَمَتى قدمت وَأَيْنَ أَقمت سَوَاء كَانَ فِي ابْتِدَاء الِاسْتِفْهَام أم قصد بِهِ الاستثبات هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين
[ ٢ / ٨ ]
وَوَافَقَهُمْ الْكُوفِيُّونَ فِي الأول وجوزوا فِي الثَّانِي أَلا يلْزم الصَّدْر لما حكوا من قَوْلهم (ضرب من منا) و(تفعل مَاذَا) و(تصنع مَاذَا) و(إِن أَيْن المَاء والعشب) جوبا لمن قَالَ إِن فِي مَوضِع كَذَا مَاء وعشبا والبصريون حكمُوا بشذوذ ذَلِك رَابِعهَا إِذا أضيف إِلَى اسْتِفْهَام نَحْو غُلَام من رَأَيْت خَامِسهَا إِذا نَصبه جَوَاب (أما) نَحْو ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ [الضُّحَى: ٩] سادسها إِذا نَصبه فعل أَمر دخلت عَلَيْهِ الْفَاء نَحْو زيدا فَاضْرب سابعها إِذا كَانَ مَعْمُول (كم) الخبرية نَحْو كم غُلَام ملكت أَي كثيرا من الغلمان ملكت وَحكى الْأَخْفَش أَنه يجوز تَأْخِيره عَن الْفَاعِل فِي لُغَة رَدِيئَة نَحْو ملكت كم غُلَام
أوجه وجوب تَأْخِير الْمَفْعُول بِهِ عَن الْفِعْل
وَقد يمْنَع تَقْدِيمه عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي صور أَحدهَا أَن يكون أَن الْمُشَدّدَة أَو المخففة نَحْو عرفت أَنَّك أَو أَنَّك منطلق قَالَ أَبُو حَيَّان وَقِيَاس مَا أجَازه الْفراء من الِابْتِدَاء ب (أَن) الْمُشَدّدَة وَمَا أجَازه هِشَام من أَن أَن زيدا قَائِم حَقه جَوَاز التَّقْدِيم
[ ٢ / ٩ ]
ثَانِيهَا أَن يكون مَعَ فعل تعجبي نَحْو مَا أحسن زيدا ثَالِثهَا أَن يكون مَعَ فعل مَوْصُول بِحرف نَحْو من الْبر أَن تكف لسَانك رَابِعهَا أَن يكون مَعَ فعل مَوْصُول بجازم نَحْو لم أضْرب زيدا فَلَا يقدم على الْفِعْل فاصلا بَينه وَبَين الْجَازِم فَإِن قدم على الْجَازِم جَازَ خَامِسهَا إِلَى ثامنها أَن يكون مَعَ فعل مَوْصُول بلام الِابْتِدَاء أَو لَام الْقسم أَو قد أَو سَوف نَحْو ليضْرب زيد عمرا وَالله لَأَضرِبَن زيدا وَالله قد ضربت زيدا سَوف أضْرب زيدا تاسعها أَن يكون مَعَ فعل مُؤَكد بالنُّون فَلَا يُقَال زيدا أضربن قَالَ الرضي وَلَعَلَّ ذَلِك لكَون تقدم الْمَنْصُوب على الْفِعْل دَلِيلا على أَن الْفِعْل غير مُهِمّ وَإِلَّا لم يُؤَخِّرهُ من مرتبته وتوكيد الْفِعْل يُؤذن بِكَوْنِهِ مهام فيتنافران فِي الظَّاهِر وَإِذا قدم الْمَفْعُول أَفَادَ الِاخْتِصَاص عِنْد الْجُمْهُور نَحْو ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الْفَاتِحَة: ٥] أَي لَا غَيْرك ﴿بل الله فاعبد﴾ [الزمر: ٦٦] أَي لَا غَيره وَخَالف فِي ذَلِك ابْن الْحَاجِب وَوَافَقَهُ أَبُو حَيَّان فَقَالَا الِاخْتِصَاص الَّذِي يتوهمه كثير من النَّاس من تقدم الْمَفْعُول وهم وعَلى الأول شَرطه أَن يكون التَّقْدِيم مُسْتَحقّا كالصور المبدوء بهَا وَالْمَشْهُور أَن الِاخْتِصَاص والحصر مُتَرَادِفَانِ وَاخْتَارَ السُّبْكِيّ التَّفْرِقَة بَينهمَا وَأَن الْحصْر نفي غير الْمَذْكُور وَإِثْبَات الْمَذْكُور والاختصاص قصر الْخَاص من جِهَة خصوصه من غير تعرض لنفي وَغَيره
[ ٢ / ١٠ ]
وَهَاتَانِ المسألتان من علم الْبَيَان لَا النَّحْو فليطلب بسط الْكَلَام فيهمَا من كتَابنَا شرح ألفية الْمعَانِي وَكتاب الإتقان
حذف الْمَفْعُول بِهِ
(ص) ويحذف الْمَفْعُول لَا نَائِب ومتعجب مِنْهُ وَجَوَاب ومحصور ومحذوف عَامله حتما وَكَذَا نَحْو زيد ضَربته خلافًا للكوفية وينوى إِلَّا لتضمين الْفِعْل اللُّزُوم أَو الإيذان بالتعميم أَو غَرَض حذف الْفَاعِل وَمَتى حذف بعد لَو فَهُوَ جوابها غَالِبا ويجر بِالْبَاء الزَّائِدَة كثيرا مفعول عرفت وَنَحْوه نَحْو ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٥] وقليلا فِي ذِي اثْنَيْنِ وَنَحْو كفي بِالْمَرْءِ كذبا أَن يحدث بِكُل مَا سمع (ش) فِيهِ مسَائِل الأولى الأَصْل جَوَاز حذف الْمَفْعُول بِهِ لِأَنَّهُ فضلَة وَيمْنَع فِي صور أَحدهَا أَن يكون نَائِبا عَن الْفَاعِل لِأَنَّهُ صَار عُمْدَة كالفاعل
[ ٢ / ١١ ]
ثَانِيهَا أَن يكون مُتَعَجِّبا مِنْهُ نَحْو مَا أحسن زيدا ثَالِثهَا أَن يكون مجابا بِهِ ك (زيدا) لمن قَالَ من رَأَيْت إِذْ لَو حذف لم يحصل جَوَاب رَابِعهَا أَن يكون محصورا نَحْو مَا ضربت إِلَّا زيدا إِذْ لَو حذف لأفهم نفي الضَّرْب مُطلقًا وَالْمَقْصُود نَفْيه مُقَيّدا خَامِسهَا أَن يكون عَامله حذف نَحْو خيرا لنا وشرا لعدونا لِئَلَّا يلْزم الإجحاف سادسها إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ غير (كل) والعائد الْمَفْعُول نَحْو زيد ضَربته فَلَا يُقَال اخْتِيَارا زيد ضربت بِحَذْف الْعَائِد وَرفع زيد بل يجب عِنْد الْحَذف نصب زيد قَالَ الصفار وَأَجَازَ سِيبَوَيْهٍ فِي الشّعْر (زيد ضربت) وَمنع ذَلِك الْكسَائي وَالْفراء وَأَصْحَاب سِيبَوَيْهٍ حُكيَ عَن أبي الْعَبَّاس أَنه قَالَ لَا يضْطَر شَاعِر إِلَى هَذَا لِأَن وزن الْمَرْفُوع والمنصوب وَاحِد
[ ٢ / ١٢ ]
وَنقل عَن هِشَام أَنه أجَاز زيد ضربت فِي الِاخْتِيَار هَكَذَا نقل أَبُو حَيَّان وَنقل ابْن مَالك عَن الْبَصرِيين الْجَوَاز فِي الِاخْتِيَار وَعَن الْكُوفِيّين الْمَنْع إِلَّا فِي الشّعْر وَالله أعلم الثَّانِيَة إِذا حذف الْمَفْعُول نوي لدَلِيل عَلَيْهِ نَحْو ﴿فَعَالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] أَي لما يُريدهُ وَقد لَا يَنْوِي إِمَّا لتضمين الْفِعْل الْمُتَعَدِّي معنى يَقْتَضِي اللُّزُوم كَمَا يضمن اللَّازِم معنى يَقْتَضِي التَّعْدِيَة كتضمن (أصلح) معني (الطف) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأصْلح لي فِي ذريتي﴾ [الْأَحْقَاف: ١٥] أَي ألطف بِي فيهم وَإِمَّا للإيذان بالتعميم نَحْو ﴿يُحيِ وَيُمِيتُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٨] يُعْطي وَيمْنَع ويصل وَيقطع وَإِمَّا لبَعض الْأَغْرَاض السَّابِقَة فِي حذف الْفَاعِل كالإيجاز فِي ﴿واسمعوا وَأَطيعُوا﴾ [التغابن: ١٦] والمشاكلة فِي ﴿وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى وَأَنه هُوَ أضْحك وأبكى﴾ [النَّجْم: ٤٢، ٤٣] وَالْعلم فِي ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤] وَالْجهل فِي قَوْلك ولدت فُلَانَة وَأَنت لَا تَدْرِي مَا ولدت وَعدم قصد التَّعْيِين فِي ﴿وَمن يظلم مِنْكُم نذقه عذَابا﴾ [الْفرْقَان: ١٩] والتعظيم فِي ﴿كتب الله لأغلبن أَنا ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] وَالْخَوْف فِي أبغضت فِي الله وَلَا تذكر المبغوض خوفًا مِنْهُ الثَّالِثَة إِذا حذف الْمَفْعُول بعد (لَو) فَهُوَ الْمَذْكُور فِي جوابها غَالِبا نَحْو ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض﴾ [يُونُس: ٩٩] أَي وَلَو شَاءَ إِيمَان من فِي الأَرْض ﴿لَو يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرَّعْد: ٣١] أَي لَو يَشَاء هدى النَّاس وَقد لَا يكون كَذَلِك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿قَالُوا لَو شَاءَ رَبنَا لأنزل مَلَائِكَة﴾ [فصلت: ١٤] فَإِن الْمَعْنى لَو شَاءَ رَبنَا إرْسَال الرُّسُل لأنزل مَلَائِكَة بِقَرِينَة السِّيَاق الرَّابِعَة تزاد الْبَاء كثيرا فِي مفعول عرفت وَنَحْوه وَمِمَّا زيدت فِيهِ الْبَاء فِي الْمَفْعُول نَحْو ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٥] ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة﴾ [مَرْيَم: ٢٥] ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الْحَج: ١٥]
[ ٢ / ١٣ ]
﴿وَمن يرد فِيهِ بإلحاد﴾ [الْحَج: ٢٥] أَي أَيْدِيكُم وجذع النَّخْلَة وسببا وإلحادا وقلّت زيادتها فِي مفعول مَا يتَعَدَّى لاثْنَيْنِ كَقَوْلِه ٦٤٤ -
(تَسْقى الضَّجيع بباردٍ بسّام )
وَقد زيدت فِي مفعول كفى المتعدية لوَاحِد وَمِنْه الحَدِيث
(كفى بِالْمَرْءِ كذبا أَن يحدث بِكُل مَا سمع) وَقَوله ٦٤٥ -
(فَكفى بِنَا فَضْلًا على مَن غَيرنا حب النّبيِّ محمّدٍ إيّانا)
تعدد الْمَفْعُول بِهِ
(ص) مَسْأَلَة إِذا تعدد مفعول فِي غير ظن فَالْأَصْل تَقْدِيم فَاعل معنى وَمَا لَا يتَعَدَّى بِحرف وَمن ثمَّ جَازَ خلافًا لهشام أَعْطَيْت درهمه زيدا ودرهمه أَعْطَيْت زيدا وَثَالِثهَا يمْنَع الأول دون الثَّانِي وَامْتنع خلافًا للكوفية أَعْطَيْت مَالِكه الْغُلَام وَيجب وَيمْنَع لما مر
[ ٢ / ١٤ ]
(ش) إِذا تعدد الْمَفْعُول فَإِن كَانَ فِي بَاب ظن وَأعلم فمعلوم أَن الْمُبْتَدَأ فيهمَا مقدم على الْخَبَر وَالْفَاعِل فِي بَاب أعلم مقدم على الِاثْنَيْنِ وَإِن كَانَ فِي غَيره كباب أعْطى وَاخْتَارَ فَالْأَصْل تَقْدِيم مَا هُوَ فَاعل معنى فِي الأول وَمَا يتَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْل بِنَفسِهِ فِي الثَّانِي على مَا لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ أقوى فَالْأَصْل فِي أَعْطَيْت زيدا درهما واخترت زيدا الرِّجَال تَقْدِيم زيد لِأَنَّهُ آخذ الدِّرْهَم ومختار من الرِّجَال وَيتَفَرَّع على ذَلِك جَوَاز تَقْدِيم الْمَفْعُول الثَّانِي إِذا اتَّصل بِهِ ضمير يعود على الأول إِمَّا عَلَيْهِ فَقَط نَحْو أَعْطَيْت درهمه زيدا أَو على الْعَامِل أَيْضا نَحْو درهمه أَعْطَيْت زيدا لعود الضَّمِير على مُتَقَدم فِي الرُّتْبَة وَإِن تَأَخّر فِي اللَّفْظ فَهُوَ نَظِير ضرب غُلَامه زيد وَالْجَوَاز فِي الصُّورَتَيْنِ مَذْهَب أَكثر الْبَصرِيين خلافًا لهشام فِي مَنعه لَهما ولبعض الْبَصرِيين فِي مَنعه الأولي دون الثَّانِيَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَبنى مَنعه على أَن المفعولين فِي رُتْبَة وَاحِدَة بعد الْفَاعِل فَأَيّهمَا تقدم فَذَلِك مَكَانَهُ بِخِلَاف مَا إِذا قدم على الْفِعْل فَإِن النِّيَّة بِهِ التَّأْخِير وَحِينَئِذٍ ينوى تَقْدِيره بعد الْمَفْعُول الَّذِي يعود عَلَيْهِ الضَّمِير وَمِمَّا يفرع على الأَصْل أَيْضا امْتنَاع أَعْطَيْت مَالِكه الْغُلَام لعود الضَّمِير على مُؤخر لفظا ورتبة لِأَن الْمَالِك هُوَ الْآخِذ فَهُوَ نَظِير ضرب غُلَامه زيد والكوفيون جوزوا ذَلِك على تَقْدِير تنَاول الْفِعْل الْغُلَام أَولا فَالْأول عِنْدهم هُوَ الَّذِي يقدر الْفِعْل آخِذا لَهُ قبل صَاحبه وَقد يخرج عَن هَذَا الأَصْل فَيُقَال أَعْطَيْت درهما زيدا واخترت الرِّجَال زيدا بِتَأْخِير مَا حَقه التَّقْدِيم وَقد يجب الْتِزَام الأَصْل فِي نَحْو أَعْطَيْت زيدا عمرا لِأَنَّهُ لَو قدم لم يدر أَزِيد آخذ أم مَأْخُوذ وَقد يجب الْخُرُوج عَنهُ فِي نَحْو أَعْطَيْت الْغُلَام مَالِكه ليعود الضَّمِير على مُتَقَدم وَيُؤَخر المحصور مِنْهُمَا نَحْو مَا أَعْطَيْت زيدا إِلَّا درهما وَمَا أَعْطَيْت درهما إِلَّا زيدا
[ ٢ / ١٥ ]
أوجه حذف ناصب الْمَفْعُول بِهِ جَوَازًا ووجوبا
(ص) مَسْأَلَة يحذف عَامله قِيَاسا لقَرِينَة وَيجب سَمَاعا فِي مثل وَشبهه لَا إِن لم يكثر اسْتِعْمَاله خلافًا للزمخشريي ك (الْكلاب على الْبَقر) ﴿انْتَهوا خيرا﴾ [النِّسَاء: ١٧١] (أحشفا وَسُوء كيلة) (من أَنْت زيدا) (كل شَيْء وَلَا هَذَا) (هَذَا وَلَا زعماتك) إِن تأتني فَأهل اللَّيْل وَأهل النَّهَار ديار الأحباب، عذيرك وَكَذَا (مرْحَبًا) وَأهلا وسهلا خَبرا لَا دُعَاء فَمن بَاب الْمصدر وَقيل مصدر مُطلقًا وَقيل يَجْعَل الْمَنْصُوب مُبْتَدأ أَو خَبرا فَيلْزم حذف متمه وَالأَصَح أَن مِنْهُ (سبوحا) و(قدوسا) على النصب
[ ٢ / ١٦ ]
(ش) يجوز حذف ناصب الْمَفْعُول بِهِ قِيَاسا لقَرِينَة لفظية أَو معنوية نَحْو (زيدا) لمن قَالَ من ضربت أَي ضربت وَلمن شرع فِي إِعْطَاء أَي أعْط و(خيرا) لمن ذكر رُؤْيا أَي رَأَيْت و(حَدِيثك) لمن قطع حَدِيثه أَي تمم و(مَكَّة) لمن تأهب لِلْحَجِّ أَي تُرِيدُ أَو أَرَادَ و(القرطاس) لمن سد سَهْما أَي تصيب وَمعنى كَونه قِيَاسا أَنَّهَا لَا يقْتَصر فِيهِ على مورد السماع وَمِنْه فِي الْقُرْآن ﴿مَاذَا أَنَزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا﴾ [النَّحْل: ٣٠] أَي أنزل ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٥] أَي نتبع وَيجب الْحَذف سَمَاعا فِي الْأَمْثَال الَّتِي جرت كَذَلِك فَلَا تغير كَقَوْلِهِم (كل شَيْء وَلَا شتيمة حر) أَي ائْتِ وَلَا ترتكب و(هَذَا وَلَا زعماتك) أَي هَذَا هُوَ الْحق وَلَا أتوهم وَقيل التَّقْدِير وَلَا أزعم وَكَذَا مَا أشبه الْمثل فِي كثر الِاسْتِعْمَال نَحْو ﴿انتَهُوا خَيرًا لَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٧١] أَي وَأتوا بِخِلَاف مَا لم يكثر اسْتِعْمَاله نَحْو انته أمرا قَاصِدا أَي وأت فَإِنَّهُ لَا يجب إِضْمَار فعل قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد غفل الزَّمَخْشَرِيّ عَن هَذَا فَجعل (انْتَهوا خيرا) مِنْهُ وانته أمرا قَاصِدا سَوَاء فِي جَوَاب إِضْمَار الْفِعْل وَقد نَص سِيبَوَيْهٍ على أَنه لَا يجب إِضْمَار الْفِعْل فِي (انته أمرا قَاصِدا) وَعلل ذَلِك بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَثْرَة الِاسْتِعْمَال مثل انته خيرا لَك وَقَوْلهمْ (الْكلاب على الْبَقر) بإضمار (أرسل) وَمَعْنَاهُ خل بَين النَّاس جَمِيعًا خَيرهمْ وشرهم واغتنم أَنْت طَرِيق السَّلامَة فاسلكها
[ ٢ / ١٧ ]
وَقَوْلهمْ (أحشفا وَسُوء كيلة) مثل لمن يظلم النَّاس من وَجْهَيْن وَمَعْنَاهُ تُعْطِينِي حشفا وتسيء الْكَيْل وَأما (من أَنْت زيدا) فأصله أَن رجلا غير مَعْرُوف بِفضل تسمى بزيد وَكَانَ زيد مَشْهُورا بِالْفَضْلِ والشجاعة فَلَمَّا تسمى الرجل الْمَجْهُول باسم ذِي الْفضل دفع عَن ذَلِك وَقيل لَهُ من أَنْت زيدا على جِهَة الْإِنْكَار عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ من أَنْت تذكر زيدا أَو ذَاكِرًا زيدا وَفِي قَوْلهم من أَنْت تحقير للمخاطب وَقد يُقَال لمن لَيْسَ اسْمه زيدا (من أَنْت) زيدا على الْمثل الْجَارِي وَأما (كل شَيْء وَلَا هَذَا) فَمَعْنَاه ائْتِ كل شَيْء وَلَا تأت هَذَا أَو اقْربْ كل شَيْء وَلَا تقرب هَذَا وَأما (هَذَا وَلَا زعماتك) فَمَعْنَاه أَن الْمُخَاطب كَانَ يزْعم زعمات فَلَمَّا ظهر خلاف قَوْله قيل لَهُ (هَذَا) الْكَلَام وَهَذَا مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي هَذَا الْحق وَلَا يخْتَص بِهَذَا اللَّفْظ بل تَقول أَقُول كَذَا وَلَا زعماتك وَأعلم كَذَا وَلَا زعماتك وَأما (إِن تأتني فَأهل اللَّيْل وَأهل النَّهَار) فَالْمَعْنى تَجِد من يقوم لَك مقَام أهلك فِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَهُوَ مِمَّا يجرى مجْرى الْمثل فِي كَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَأما (ديار الأحباب) فَمَعْنَاه اذكر قَالَ أَبُو حَيَّان إِن أَرَادَ ابْن مَالك هَذَا اللَّفْظ بِخُصُوصِهِ فَيحْتَاج إِلَى سَماع وَلم نقف عَلَيْهِ وَإِن أَرَادَ لفظ (ديار) مُضَافا إِلَى اسْم المحبوبة فكثير قَالَ ذُو الرمة ٦٤٦ -
(ديارَ ميّةَ إذْ مَيٌّ تُساعِفُنا )
[ ٢ / ١٨ ]
وَقَالَ طرفَة ٦٤٧ -
(ديارَ سُلَيْمَى إذْ تصيدُكَ بالمُنى )
وَفِي الْبَسِيط مَا نَصه وَمِنْهَا ذكر الدَّار فَإِنَّهُ كثر عِنْدهم فاستعملوه بِحَذْف الْفَاعِل كَقَوْلِه (ديار مية) أَي اذكر وَمثله ذكر الْأَيَّام والمعاهد والدمن لِأَنَّهُ يسْتَعْمل عِنْدهم كثيرا وَأما عذيرك فَمَعْنَاه أحضر عاذرك قَالَ ٦٤٨ -
(أُرِيد حياتَهُ وَيُرِيد قَتْلَى عَذِيرك مِنْ خَليلٍ مِنْ مُرادٍ)
وَأما مرْحَبًا وَأهلا وسهلا فَالْمَعْنى صادفت رحبا وسعة وَمن يقوم لَك مقَام الْأَهْل وسهلا أَي لينًا وخفضا لَا حزنا وَهَذَا يسْتَعْمل خَبرا لمن قصدك وَدُعَاء
[ ٢ / ١٩ ]
للْمُسَافِر وَالْأول هُوَ المُرَاد هُنَا وَأما الثَّانِي فتقديره لقاك الله ذَلِك وَقدره سِيبَوَيْهٍ رَحبَتْ بلادك وأهلت قَالَ أَبُو حَيَّان وَإِنَّمَا قدره بِفعل لِأَن الدُّعَاء إِنَّمَا يكون بِالْفِعْلِ فقدره بِفعل من لفظ الشَّيْء الْمَدْعُو بِهِ فعلى تَقْدِير سِيبَوَيْهٍ يكون انتصاب (مرْحَبًا) على الْمصدر لَا على الْمَفْعُول بِهِ وَكَذَلِكَ (أَهلا) قَالَ وَهَذَا الَّذِي قدره سِيبَوَيْهٍ إِنَّمَا هُوَ إِذا اسْتعْمل دُعَاء أما إِذا اسْتعْمل خَبرا على تَقْدِير صادفت وأصبت فَيكون مَفْعُولا بِهِ لَا مصدرا قَالَ وَوهم القواس فنسب لسيبويه أَن (مرْحَبًا) مفعول بِهِ أَي صادفت رحبا لَا ضيقا وَأَن مَذْهَب غَيره أَنه مصدر بدل عَن اللَّفْظ بِفِعْلِهِ وَمن الْعَرَب من يرفع الْمَنْصُوب فِي هَذِه الْأَمْثِلَة وَنَحْوهَا على الِابْتِدَاء أَو الْخَبَر فَيلْزم حذف الْجُزْء الآخر كَمَا لزمَه إِضْمَار الناصب نَحْو كل شَيْء أَي أُمَم بِمَعْنى قصد وديار الأحباب أَي تِلْكَ و(كِلَاهُمَا وَتَمْرًا) أَي لي وزدني وَمن أَنْت وَزيد أَي ذكرك أَو كلامك وَكَذَا الْبَوَاقِي قَالَ ٦٤٩ -
(أَلا مَرْحبٌ واديكَ غَيرُ مضيّقٍ )
د أَي لَا هَذَا مرحب أَو لَك مرحب وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
[ ٢ / ٢٠ ]
٦٥٠ -
(وبالسّهْبِ ميمونُ النّقيبة قولهُ لِمُلْتَمِس الْمَعْرُوف أهلٌ ومرحبُ)
وَأما سبوح قدوس فيقالان بِالرَّفْع عِنْد سَماع من يذكر الله على إِضْمَار (مذكورك) فليسا بمصدرين وَبِالنَّصبِ على إِضْمَار ذكرت سبوحا قدوسا أَي أهل ذَلِك فَاخْتلف على هَذَا الْفِعْل الناصب وَاجِب الْإِضْمَار أَو جائزه فَقَالَ الشلوبين وَجَمَاعَة بِالْأولِ وَآخَرُونَ بِالثَّانِي
[ ٢ / ٢١ ]
التحذير
(ص) وَمِنْه مَا نصب تحذيرا إِن كَانَ (إيا) أَو مكررا أَو متعاطفا وَإِلَّا فَيجوز إِظْهَاره وَأَجَازَهُ قوم من المكرر وَلَا يحذف عاطف بعد (إيا) إِلَّا بِنصب الْمَحْذُوف بإضمار آخر أَو جَرّه بِمن وَيَكْفِي تَقْدِيره فِي أَن تفعل ويعطف الْمَحْذُور على إيَّايَ وإيانا وعَلى إياك وَإِخْوَته ونفسك شبهه من الْمُخَاطب ويضمر مَا يَلِيق ك (نح) وأتق وَقيل لكل ناصب وَلَا يحذر من ظَاهر وَضمير غَائِب إِلَّا مَعْطُوفًا وَالضَّمِير هُنَا مؤكدا ومعطوفا عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ (ش) من الْمَنْصُوب على الْمَفْعُول بِهِ بإضمار فعل لَا يظْهر بَاب التحذير وَهُوَ إِلْزَام الْمُخَاطب الِاحْتِرَاز من مَكْرُوه ب (إيا) أَو مَا جري مجْرَاه وَإِنَّمَا يلْزم إضماره مَعَ (إيا) مُطلقًا نَحْو إياك وَالشَّر فالناصب ل (إيا) فعل مُضْمر لَا يجوز إِظْهَاره وَمَعَ المكرر نَحْو الْأسد الْأسد لِأَن أحد الاسمين قَامَ مقَام الْفَاعِل وَمَعَ العاطف نَحْو ﴿نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَهَا﴾ [الشَّمْس: ١٣] اسْتغْنَاء بِذكر المحذر مِنْهُ عَن ذكر المحذر وَمَا عدا هَذِه الصُّور الثَّلَاث يجوز فِيهِ الْإِظْهَار وَجوز بَعضهم إِظْهَار الْعَامِل مَعَ المكرر حَكَاهُ فِي الْبَسِيط وَقَالَ الْجُزُولِيّ يقبح فِيهِ الْإِظْهَار وَلَا يتمنع وَيمْتَنع عِنْد قوم والشائع فِي التحذير أَن يُرَاد بِهِ الْمُخَاطب فَإِذا حذر ب (إيا) اتَّصل بضميره وَعطف عَلَيْهِ الْمَحْذُور نَحْو إياكَ أَو إياكِ أَو إياكما أَو إيَّاكُمْ أَو إياكن وَالشَّر ويضمر فعل أَمر يَلِيق بِالْحَال نَحْو اتَّقِ وباعد ونح وخل ودع وَمَا أشبه ذَلِك
[ ٢ / ٢٢ ]
وتحذر نَفسك وَشبهه من الْمُضَاف إِلَى الْمُخَاطب مَعْطُوفًا عَلَيْهِ الْمَحْذُور أَيْضا بإضمار مَا ذكر نَحْو رَأسك والحائط ورجلك وَالْحجر وعينك وَالنَّظَر إِلَى مَا لَا يحل وفمك وَالْحرَام وَكَونه مَعْطُوفًا مَذْهَب السيرافي وَجَمَاعَة وَأَجَازَهُ ابْن عُصْفُور وَابْن مَالك وَذهب ابْن طَاهِر وَابْن خروف إِلَى أَن الثَّانِي مَنْصُوب بِفعل آخر مُضْمر وَالتَّقْدِير إياك باعد من الشَّرّ وَاحْذَرْ الشَّرّ فَيكون الْكَلَام جملتين وعَلى الأول يكون جملَة وَاحِدَة وَالتَّقْدِير إياك باعد من الشَّرّ وَالشَّر مِنْك فَكل مِنْهُمَا مباعد عَن الآخر وَلَا يحذف العاطف بعد (إيا) إِلَّا والمحذور مَنْصُوب بناصب آخر مُضْمر أَو مجرور ب (من) نَحْو إياك الشَّرّ فَلَا يجوز أَن يكون الشَّرّ مَنْصُوبًا بِمَا انتصب بِهِ (إياك) بل بِفعل آخر تَقْدِيره دع الشَّرّ وَإِيَّاك (من) الشَّرّ وَيجوز تَقْدِير من مَعَ أَن تفعل لاطراد حذف الْجَرّ مَعَ أَن إِذا أَمن اللّبْس نَحْو إياك أَن تفعل أَي من أَن تفعل وَقد يكون التحذير للمتكلم سمع (إيَّايَ وَأَن يحذف أحدكُم الأرنب) أَي إيَّايَ نح عَن حذف الأرنب ونح حذف الأرنب عَن حضرتي
[ ٢ / ٢٣ ]
وَلَا يكون الْمَحْذُور ظَاهرا وَلَا ضمير غَائِب إِلَّا وَهُوَ مَعْطُوف نَحْو إياك وَالشَّر وماز رَأسك وَالسيف وَقَوله ٦٥١ -
(فَلَا تصْحَب أَخا الجَهْل وإيّاك وإيّاهُ)
أَي باعد مِنْهُ وباعده مِنْك وَأما قَوْلهم (أَعور عَيْنك الْحجر) فعلى حذف العاطف أَي وَالْحجر وَقَوْلهمْ فإياه وإيا الشواب شَاذ أَي ليتباعد من النِّسَاء الشواب ويباعدهن مِنْهُ
[ ٢ / ٢٤ ]
وَحكم الضَّمِير فِي هَذَا الْبَاب مؤكدا ومعطوفا عَلَيْهِ حكمه فِي غَيره وَهنا ضميران أَحدهمَا لفظ إياك وَالْآخر مَا تضمنه (إياك) من الضَّمِير الْمُنْتَقل إِلَيْهِ من الْفِعْل الناصب لَهُ فَإِذا أكدت قلت إياك نَفسك أَن تفعل أَو أياك نَفسك وَالشَّر وَأَنت بِالْخِيَارِ فِي تأكيده ب (أَنْت) قبل النَّفس وَتَركه وَإِذا أكدت الضَّمِير المستكن فِي إياك قلت (إياك) أَنْت نَفسك أَن تفعل أَو إياك أَنْت نَفسك وَالشَّر وَإِذا عطفت على (إياك) قلت إياك وزيدا والأسد وَكَذَا رَأسك ورجليك وَالضَّرْب وَأَنت بِالْخِيَارِ فِي تأكيده ب (أَنْت) وَإِذا عطفت على الضَّمِير المستكن فَقلت (إياك وزيدا أَن تفعل) كَانَ قبيحا حَتَّى تؤكده ب (أَنْت) ثمَّ الْفِعْل الْمُضمر فِي هَذَا الْبَاب يجب تَقْدِيره بعد (إيا) وَلَا يجوز تَقْدِيره قبلهَا وَأَن الأَصْل باعدك مثلا فَلَمَّا حذف انْفَصل الضَّمِير لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ تعدِي الْفِعْل الرافع لضمير الْفَاعِل إِلَى ضَمِيره الْمُتَّصِل وَذَلِكَ لَا يجوز إِلَّا فِي أَفعَال الْقُلُوب وَمَا حمل عَلَيْهِ إِلَّا فِي (إيَّايَ) إِذا قدر ناصبه فعل أَمر فَإِنَّهُ يجوز لانْتِفَاء هَذَا الْمَحْذُور
[ ٢ / ٢٥ ]
الإغراء
(ص) وَمِنْه مَا نصب إغراء بإضمار الزم إِن عطف أَو كرر وَيجوز إِظْهَاره دونهمَا وَلَا يكون ضميرا وَقد يرفع مكررا وَإِنَّمَا يعْطف فيهمَا بِالْوَاو وَيجوز كَون تَالِيهَا مَفْعُولا مَعَه (ش) من الْمَنْصُوب مَفْعُولا بِهِ بإضمار فعل وَاجِب الْإِضْمَار بَاب الإغراء وَهُوَ إِلْزَام الْمُخَاطب العكوف على مَا يحمد عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يجب الْإِضْمَار فِي صُورَتَيْنِ إِذا عطف أَو كرر كَقَوْلِك الْأَهْل وَالْولد وقولك العهْدَ العَهْدَ وتضمر الزم أَو شبهه قَالَ ٦٥٢ -
(أَخَاك أَخَاك إنَّ من لَا أَخا لَهُ )
وَيجوز الْإِظْهَار فِيمَا عداهما نَحْو الْعَهْد فَيجوز أَن تَقول الزم الْعَهْد واحفظ الْعَهْد
[ ٢ / ٢٦ ]
وَلَا يكن المغري بِهِ إِلَّا ظَاهرا فَلَا يجوز أَن يكون ضميرا وَقد يرفع المكرر قَالَ ٦٥٣ -
(لجديرون بالوفَاء إِذا قَالَ أَخُو النجدة السّلاحُ السّلاحُ)
وَلَا يعْطف فِي هَذَا الْبَاب وَبَاب التحذير إِلَّا بِالْوَاو لدلالتها على الْجمع وَهِي للمقارنة هُنَا فِي الزَّمَان بِخِلَاف الْفَاء و(ثمَّ) لدلالتهما على التَّرَاخِي وَلِأَن الْمَعْطُوف هُنَا شَبيه بالتأكيد اللَّفْظِيّ لِأَن إياك وَالشَّر مَعْنَاهُ إياك أبعد من الشَّرّ وَالشَّر مِنْك والتوكيد اللَّفْظِيّ إِذا اخْتلف اللَّفْظ لَا يكون إِلَّا بِالْوَاو وَيجوز كَون مَا بعد الْوَاو فِي الْبَابَيْنِ مَفْعُولا مَعَه لِأَنَّهُمَا لما كَانَت للمقارنة فِي الزَّمَان جَازَ أَن يلحظ فِيهَا معنى الْمَعِيَّة
[ ٢ / ٢٧ ]
الِاخْتِصَاص
(ص) وَمِنْه مَا نصب على الِاخْتِصَاص قَالَ سيوبيه بِتَقْدِير (أَعنِي) وَهُوَ (أَي) بعد ضمير مُتَكَلم وَقل بعد مُخَاطب وغائب فِي تَأْوِيله خلافًا للصفار وَحكمهَا كالنداء إِلَّا حرفه ووصفها بِإِشَارَة وَقَالَ السيرافي معربة مُبْتَدأ أَو خَبرا والأخفش منادى ومتبوعها مَرْفُوع وَلَا يُزَاد عَلَيْهِ وَيقوم مقَامهَا مَنْصُوب معرف ب (أل) أَو إِضَافَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ فالأكثر بَنو و(معشر) و(أهل) و(آل) وَأَبُو عَمْرو لَا ينصب غَيرهَا وَقل علما وَلَا يقدم مَنْصُوبًا على الضَّمِير (ش) من الْمَنْصُوب مَفْعُولا بِهِ بِفعل وَاجِب الْإِضْمَار بَاب الِاخْتِصَاص وَقدره سِيبَوَيْهٍ ب (أَعنِي) وَيخْتَص ب (أَي) الْوَاقِعَة بعد ضمير الْمُتَكَلّم نَحْو أَنا أفعل كَذَا أَيهَا الرجل و(اللَّهُمَّ اغْفِر لنا أيتها الْعِصَابَة) وَقَوله ٦٥٤ -
(جُد بِعَفْو فإنني أيُّها العَبْدُ إِلَى الْعَفو يَا إلهي فَقيرُ)
وَإِنَّمَا اخْتصَّ بهَا لِأَنَّهُ لما جرى مجْرى النداء لم يكن فِي المناديات مَا لزم النداء على صِيغَة خَاصَّة إِلَّا أَيهَا الرجل فلازمه معنى الخطابية الَّذِي فِي النداء فَنَاسَبَ أَن يكون وَحده مُفَسرًا فَلَا يُقَال مثلا إِنِّي أفعل زيد تُرِيدُ نَفسك وَحكم (أَي) فِي هَذَا الْبَاب حكمهَا فِي بَاب النداء من بنائها على الضَّم مَحْكُومًا على موضعهَا بِالنّصب ووصفها باسم الْجِنْس مُلْتَزما فِيهِ الرّفْع
[ ٢ / ٢٨ ]
وَاسْتثنى ابْن مَالك فِي التسهيل دُخُول حرف النداء فَإِنَّهُ لَا يدْخل عَلَيْهَا هُنَا لِأَن المُرَاد بهَا الْمُتَكَلّم والمتكلم لَا يُنَادي نَفسه وَزَاد أَبُو حَيَّان وصفهَا باسم الْإِشَارَة فَإِنَّهُ مُمْتَنع هُنَا لَا يُقَال عَليّ أَيهَا ذَا الْفَقِير تصدق سَوَاء قصد بِهِ التَّعْيِين أم صرف إِلَى اسْم الْجِنْس وَزعم السيرافي أَن (أيا) هُنَا معرفَة وَضمّهَا حَرَكَة إِعْرَاب لَا بِنَاء على أَنه خبر تَقْدِيره أَنا أفعل كَذَا هُوَ أَيهَا الرجل أَي الْمَخْصُوص بِهِ أَو مُبْتَدأ تَقْدِيره الرجل الْمَخْصُوص أَنا الْمَذْكُور وَزعم الْأَخْفَش أَنَّهَا منادى لِأَنَّهَا فِي غير الشَّرْط والاستفهام لَا تكون إِلَّا على النداء قَالَ وَلَا يُنكر أَن يُنَادي الْإِنْسَان نَفسه أَلا ترى أَن عمر قَالَ (كل النَّاس أفقه مِنْك يَا عمر) قَالَ وَهَذَا أولى من أَن تخرج (أَي) عَن بَابهَا ورد بِأَن بَقِيَّة الْبَاب لَا يُمكن فِيهِ تَقْدِير الْحَرْف نَحْو (نَحن الْعَرَب)، و(بك الله) وَيقوم مقَام (أَي) فِي الِاخْتِصَاص مُصَرحًا بنصبه اسْم دلّ على مَفْهُوم الضَّمِير معرف بِاللَّامِ نَحْو (نَحن الْعَرَب أقرى النَّاس للضيف) أَو الْإِضَافَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْأَسْمَاء المضافة دُخُولا فِي هَذَا الْبَاب (بَنو فلَان) و(معشر) مُضَافَة و(أهل الْبَيْت) و(آل فلَان) وَقَالَ أَبُو عَمْرو الْعَرَب تنصب فِي الِاخْتِصَاص هَذِه الْأَرْبَعَة وَلَا ينصبون غَيرهَا قَالَ ٦٥٥ -
(نحنُ بني ضَبّة أصحابُ الجَمَلْ )
[ ٢ / ٢٩ ]
وَقَالَ ٦٥٦ -
(إنّا بنى مِنْقَر قومٌ ذَوو حَسَبٍ )
وَقَالَ ٦٥٧ -
(نَحنُ بناتِ طارقْ نَمْشي على النّمارقْ)
وَقَالَ ٦٥٨ -
(لنا مَعشرَ الْأَنْصَار مَجْد مؤثّل بإرضائنا خيرَ البريّة أحْمَدا)
[ ٢ / ٣٠ ]
وَفِي الحَدِيث
(نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث) وَقل كَونه علما كَقَوْل رؤبة ٦٥٩ -
(بِنَا تميمًا يُكشفُ الضَّبَابْ )
وَلَا يكون اسْم إِشَارَة وَلَا غَيره وَلَا نكرَة الْبَتَّةَ وَلَا يجوز تَقْدِيم اسْم الِاخْتِصَاص على الضَّمِير وَإِنَّمَا يكون بعده حَشْوًا بَينه وَبَين مَا نسب إِلَيْهِ أَو آخرا وَقل وُقُوع الِاخْتِصَاص بعد ضمير الْمُخَاطب نَحْو بك الله نرجو الْفضل وسبحانك الله الْعَظِيم وَبعد لفظ غَائِب فِي تَأْوِيل الْمُتَكَلّم أَو الْمُخَاطب نَحْو على الْمضَارب الوضيعة أَيهَا البَائِع فالمضارب لفظ غيبَة لِأَنَّهُ ظَاهر لكنه فِي معنى عَليّ أَو عَلَيْك وَمنع الصفار ذَلِك الْبَتَّةَ لِأَن الِاخْتِصَاص مشبة بالنداء فَكَمَا لَا يُنَادي الْغَائِب فَكَذَلِك لَا يكون فِيهِ الِاخْتِصَاص
[ ٢ / ٣١ ]
المنادى
(ص) وَمِنْه المنادى وَيقدر (أَدْعُو) و(أنادي) إنْشَاء وَقيل ناصبه الْقَصْد وَقيل الْحَرْف نِيَابَة وَقيل اسْم فعل وَقيل فعل وَهُوَ همزَة لقريب و(أَي) لَهُ أَو لبعيد أَو متوسط أَقْوَال وَيَا وأيا وهيا وآي و(آ) للبعيد حَقِيقَة أَو حكما وَقد يُنَادى ب (يَا) الْقَرِيب وَقيل مُشْتَركَة بَينهمَا قيل: والمتوسط وَزعم الْجَوْهَرِي أيا مُشْتَركَة وَبَعْضهمْ الْهمزَة للمتوسط و(يَا) للقريب وَابْن السّكيت (هَا) (هيا) بَدَلا وَالْجُمْهُور تخْتَص (وَا) بالندبة (ش) من الْمَنْصُوب مَفْعُولا بِهِ بِفعل لَازم الْإِضْمَار بَاب المنادى وللزوم إضماره أَسبَاب الِاسْتِغْنَاء بِظُهُور مَعْنَاهُ وَقصد الْإِنْشَاء وَإِظْهَار الْفِعْل يُوهم الْإِخْبَار وَكَثْرَة الِاسْتِعْمَال والتعويض مِنْهُ بِحرف النداء وَيقدر بأنادي أَو أَدْعُو إنْشَاء هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الناصب لَهُ معنوي وَهُوَ الْقَصْد ورد بِأَنَّهُ لم يعْهَد فِي عوامل النصب وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الناصب لَهُ حرف النداء ثمَّ اخْتلفُوا فَقيل على سَبِيل النِّيَابَة والعوض عَن الْفِعْل فَهُوَ على هَذَا مشبه بالمفعول بِهِ لَا مفعول بِهِ وَعَلِيهِ الْفَارِسِي
[ ٢ / ٣٢ ]
ورد بِجَوَاز حذف الْحَرْف وَالْعرب لَا تجمع بَين الْعِوَض والمعوض مِنْهُ فِي الذّكر وَلَا فِي الْحَذف وَقيل على أَن حُرُوف النداء أَسمَاء أَفعَال بِمَعْنى أَدْعُو ك (أُفٍّ) بِمَعْنى أتضجر وَلَيْسَ ثمَّ فعل مُقَدّر ورد بِأَنَّهَا لَو كَانَت كَذَلِك لتحملت الضَّمِير وَكَانَ يجوز إتباعه كَمَا سمع فِي سَائِر أَسمَاء الْأَفْعَال ولاكتفي بهَا دون الْمَنْصُوب لِأَنَّهُ فضلَة وَلَا قَائِل بِأَنَّهَا تستقل كلَاما وَقيل على أَنَّهَا أَفعَال ورد بِأَنَّهُ كَانَ يلْزم اتِّصَال الضَّمِير مَعهَا كَمَا يتَّصل بِسَائِر العوامل وَقد قَالُوا أيا إياك مُنْفَصِلا وَلم يَقُولُوا إياك فَدلَّ على أَن الْعَامِل مَحْذُوف وَذهب بَعضهم إِلَى أَن النداء مِنْهُ مَا هُوَ خبر لَا إنْشَاء وَهُوَ النداء بِصفة نَحْو يَا فَاسق وَيَا فَاضل لاحْتِمَال الصدْق وَالْكذب فِي تِلْكَ الصّفة وَمِنْه مَا هُوَ إنْشَاء وَهُوَ النداء بِغَيْر صفة وحروف النداء ثَمَانِيَة أَحدهَا الْهمزَة وَالْجُمْهُور أَنَّهَا للقريب نَحْو ٦٦٠ -
(أفاطمُ مهلا بَعْضَ هَذَا التّدَلُّل )
وَزعم شيخ ابْن الخباز أَنَّهَا للمتوسط قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَهُوَ خرق لإجماعهم
[ ٢ / ٣٣ ]
وَذكر فِي شرح التسهيل أَن النداء بهَا قَلِيل فِي كَلَام الْعَرَب وَتَبعهُ ابْن الصَّائِغ فِي حَوَاشِي الْمُغنِي وَمَا قَالَاه مَرْدُود فقد وقفت لذَلِك على أَكثر من ثَلَاثمِائَة شَاهد وأفردتها بتأليف الثَّانِي (أَي) بِالْفَتْح وَالْقصر والسكون قَالَ ٦٦١ -
(ألم تسمعي أيْ عَبْدَ فِي رَوْنق الضُّحَى )
وَفِي مَعْنَاهَا أَقْوَال قيل للقريب كالهمزة وَعَلِيهِ الْمبرد والجزولي وَقيل للبعيد ك (يَا) وَعَلِيهِ ابْن مَالك وَقيل للمتوسط الثَّالِث (يَا) وَهِي أم الْبَاب وَمن ثمَّ قَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّهَا أَعم الْحُرُوف وَإِنَّهَا تسْتَعْمل للقريب والبعيد مُطلقًا وَإنَّهُ الَّذِي يظْهر من استقراء كَلَام الْعَرَب وَقَالَ ابْن مَالك هِيَ للبعيد حَقِيقَة أَو حكما كالنائم والساهي وَفِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام (يَا) حرف لنداء الْبعيد حَقِيقَة أَو حكما وَقد يُنَادي بهَا الْقَرِيب توكيدا وَقيل هِيَ مُشْتَركَة بَين الْبعيد والقريب وَقيل بَينهمَا وَبَين الْمُتَوَسّط وَذكر ابْن الخباز عَن شَيْخه أَن (يَا) للقريب وَهُوَ خرق لإجماعهم الرَّابِع (أيا) وَهِي للبعيد قَالَ فِي الْمُغنِي وَلَيْسَ كَذَلِك قَالَ: ٦٦٢ -
(أيا ظَبية الوَعْسَاءِ بَين جُلاجلٍ وَبَين النّقا آأنت أمْ أمُّ سَالم)
[ ٢ / ٣٤ ]
الْخَامِس هيا للبعيد قَالَ: ٦٦٣ -
(هيا أمّ عَمْرو هَل ليَ الْيَوْم عِنْدَكُم )
وهاؤه أصل وَقيل بدل من همزَة أيا وَعَلِيهِ ابْن السّكيت وَجزم بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي السَّادِس (آي) بِالْمدِّ والسكون السَّابِع (آ) بِالْمدِّ وهما للبعيد وَقد حَكَاهُمَا الْكُوفِيُّونَ عَن الْعَرَب الَّذين يثقون بعربيتهم وَذكر الْأَخْفَش فِي كِتَابه الْكَبِير (آ) وَجعلهَا ابْن عُصْفُور فِي (المقرب) للقريب كالهمزة الثَّامِن (وَا) ذكرهَا ابْن عُصْفُور نَحْو ٦٦٤ -
(وافَقْعَسًا وَأَيْنَ منّى فَقْعَسُ )
[ ٢ / ٣٥ ]
وَالْجُمْهُور أَنَّهَا مُخْتَصَّة بالندبة لَا تسْتَعْمل فِي غَيرهَا وَحكى بَعضهم أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي غير الندبة قَلِيلا كَقَوْل عمر بن الْخطاب لعَمْرو بن الْعَاصِ (وَاعجَبا لَك يَا بن الْعَاصِ)
نصب المنادى وبناؤه
(ص) وَإِنَّمَا يظْهر نصب مُضَاف وَشبهه ونكرة لم تقصد ويبنى على مَا يرفع بِهِ لفظا أَو تَقْديرا علم مُفْرد ونكرة مَقْصُودَة وَزعم الرياشي إعرابهما فَإِن وصفت فَشبه الْمُضَاف وَقيل يجوز الْبناء وَالنّصب وَقيل إِن كَانَ فِيهِ ضمير غيبَة وَجب النصب أَو خطاب فالرفع وَجوز ثَعْلَب ضم حسن الْوَجْه والكوفية نصب اثْنَي عشر وَبَعْضهمْ كل مثنى وَجمع وَمنع الْأَصْمَعِي نِدَاء النكرَة مُطلقًا والمازني بِلَا قصد والكوفية إِن لم تكن خلف مَوْصُوف وَلَا يفصل بَين الْمُضَاف بِاللَّامِ وَقد يعْمل عَامله فِي مصدر وظرف ويحذف تَنْوِين مَنْقُوص لَا ياؤه خلافًا ليونس فَإِن كَانَ ذَا أصل وَاحِد فوفاقا (ش) لكَون المنادى مَفْعُولا بِهِ كَانَ مَنْصُوبًا لَكِن إِنَّمَا يظْهر نَصبه إِذا كَانَ مُضَافا نَحْو يَا عبد الله يَا رجل سوء وشبيها بِهِ نَحْو (يَا خيرا من زيد) وَقَوله: ٦٦٥ -
(أيا مُوقِدًا نَارا لِغَيرك ضوءها )
أَو نكرَة غير مَقْصُودَة كَقَوْل الْأَعْمَى يَا رجلا خُذ بيَدي ويبنى الْعلم الْمُفْرد أَعنِي غير الْمُضَاف وَشبهه والنكرة الْمَقْصُودَة على مَا يرفع بِهِ لفظا وَهُوَ الضمة فِي الْمُفْرد وَالْجمع المكسر وَجمع الْمُؤَنَّث السَّالِم نَحْو يَا زيد يَا رجل يَا رجال يَا هندات وَالْألف فِي الْمثنى نَحْو يَا زَيْدَانَ
[ ٢ / ٣٦ ]
وَالْوَاو فِي الْجمع السَّالِم نَحْو يَا زيدون أَو تَقْديرا فِي الْمَقْصُور نَحْو يَا مُوسَى والمنقوص نَحْو يَا قَاضِي وَمَا كَانَ مَبْنِيا قبل النداء نَحْو يَا سِيبَوَيْهٍ وَيَا حذام وَيَا خَمْسَة عشر وَيَا برق نَحره هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَعلة الْبناء الْوُقُوع موقع كَاف الْخطاب وَقيل شبهه بالضمير وَخص بِالضَّمِّ لِئَلَّا يلتبس بِغَيْر المنصرف لَو فتح وبالمضاف للياء لَو كسر وَزعم الرياشي أَنَّهُمَا معربان وَأَن الضمة إِعْرَاب لَا بِنَاء وَنَقله ابْن الْأَنْبَارِي عَن الْكُوفِيّين وَذهب بعض الْكُوفِيّين إِلَى جعل الْمثنى وَالْجمع بِالْيَاءِ حملا على الْمُضَاف وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن اثْنَي عشر إِذا نُودي أجري على أَصله من الْإِضَافَة فيعرب نصبا بِالْيَاءِ والبصريون يبقونه على التَّرْكِيب مَبْنِيا بِالْألف لِأَنَّهُ إِضَافَته غير حَقِيقِيَّة وَذهب ثَعْلَب إِلَى جَوَاز بِنَاء نَحْو (حسن الْوَجْه) على الضَّم لِأَن إِضَافَته فِي نِيَّة الِانْفِصَال ورد بِأَن الْبناء نَاشِئ عَن شبه الضَّمِير والمضاف عادم لَهُ وَذهب الْأَصْمَعِي إِلَى منع نِدَاء النكرَة مُطلقًا وَذهب الْمَازِني إِلَى أَنه لَا يتَصَوَّر أَن يُوجد فِي النداء نكرَة غير مقبل عَلَيْهَا وَأَن مَا جَاءَ منونا فَإِنَّمَا لحقه التَّنْوِين ضَرُورَة وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز ندائها إِن كَانَت خلفا من مَوْصُوف بِأَن كَانَت صفة فِي الأَصْل حذف موصوفها وخلفته نَحْو يَا ذَاهِبًا وَالْأَصْل يَا رجلا ذَاهِبًا وَالْمَنْع إِن لم تكن كَذَلِك فَهَذِهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب فِي النكرَة غير الموصوفة أما الموصوفة بمفرد أَو جملَة أَو ظرف فَيجوز نداؤها وفَاقا وَهِي من شبه الْمُضَاف فتنصب نَحْو يَا رجلا كَرِيمًا وَيَا عَظِيما يُرْجَى لكل عَظِيم وَقَوله: ٦٦٦ -
(أَلا يَا نَخْلَة من ذاتِ عرْق )
[ ٢ / ٣٧ ]
وَقيل يجوز الْبناء وَالنّصب قَالَه الْكسَائي وَفصل الْفراء فَأوجب النصب إِذا كَانَ الْعَائِد فِيهَا ضمير غيبَة نَحْو يَا رجلا ضرب زيدا وَالرَّفْع إِذا كَانَ ضمير خطاب نَحْو يَا رجل ضربت زيدا وَلَا يجوز فصل الْمُضَاف المنادى بِاللَّامِ إِلَّا فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: ٦٦٧ -
(يَا بُؤسَ للحرب ضَرّارًا لأقْوام )
وَقد يعْمل عَامل المنادى فِي الْمصدر كَقَوْلِه: ٦٦٨ -
(يَا هندُ دَعوة صبّ هائم دَنِفٍ )
[ ٢ / ٣٨ ]
وَفِي الظّرْف كَقَوْلِه: ٦٦٩ -
(يَا دارُ بَين النّقا والحَزْن مَا ضعت يدُ النّوي بالألي كَانُوا أهاليكِ)
ويحذف تَنْوِين المنقوص الْمعِين بالنداء نَحْو يَا قَاضِي لحدوث الْبناء وَتثبت ياؤه عِنْد الْخَلِيل إِذْ لَا مُوجب لحذفها وَقَالَ يُونُس تحذف لِأَن النداء دخل على اسْم مُعرب منون مَحْذُوف الْيَاء فَذهب التَّنْوِين من الْمَحْذُوف الْيَاء فَبَقيَ حذف الْيَاء بِحَالهِ وتقدر الضمة فِي الْيَاء المحذوفة كَمَا تقدر فِيهَا حَرَكَة الْإِعْرَاب مَعَ أَن النداء مَكَان تَغْيِير وَتَخْفِيف فَنَاسَبَ أَلا تثبت الْيَاء فَإِن كَانَ ذَا أصل وَاحِد تثبت الْيَاء بِإِجْمَاع نَحْو يَا ري وَيَا يَفِي علما لِأَن (ر) ذهبت عينه ولامه و(يَفِ) ذهبت فاؤه ولامه فَإِذا نوديا ردَّتْ اللَّام
تَنْوِين المنادى وَالْأولَى فِيهِ
(ص) وينون منادى للضَّرُورَة وَالِاخْتِيَار عِنْد الْخَلِيل وسيبويه بَقَاء الضَّم وَقوم النصب وَابْن مَالك الأول فِي الْعلم وَالثَّانِي فِي النكرَة وَعِنْدِي عَكسه (ش) يجوز تَنْوِين المنادى الْمَبْنِيّ فِي الضَّرُورَة بِالْإِجْمَاع ثمَّ اخْتلف هَل الأولى بَقَاء ضمه أَو نَصبه فالخليل وسيبويه والمازني على الأول علما كَانَ أَو نكرَة مَقْصُودَة كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٣٩ ]
٦٧٠ -
(سلامُ اللهِ يَا مطرٌ عَلَيْها )
وَقَوله: ٦٧١ -
(مكانَ يَا جَمَلٌ حُيّيت يَا رَجُلُ )
وَأَبُو عَمْرو وَعِيسَى عِنْد عمر والجرمي والمبرد على الثَّانِي ردا إِلَى أَصله كَمَا رد المنصرف إِلَى الْكسر عِنْد تنوينه فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: ٦٧٢ -
(يَا عَدِيًّا لقد وقَتْكَ الأواقى )
[ ٢ / ٤٠ ]
وَقَوله: ٦٧٣ -
(يَا سيّدًا مَا أَنْت مِنْ سَيِّدٍ )
وَاخْتَارَ ابْن مَالك فِي شرح التسهيل بَقَاء الضَّم فِي الْعلم وَالنّصب فِي النكرَة الْمعينَة لِأَن شبهها بالمضمر أَضْعَف وَعِنْدِي عَكسه وَهُوَ اخْتِيَار النصب فِي الْعلم لعدم الإلباس فِيهِ وَالضَّم فِي النكرَة الْمعينَة لِئَلَّا يلتبس بالنكرة غير الْمَقْصُودَة إِذْ لَا فَارق حِينَئِذٍ إِلَّا الْحَرَكَة لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّنْوِين وَلم أَقف على هَذَا الرَّأْي لأحد
[ ٢ / ٤١ ]
حذف النداء اختصارا
(ص) مَسْأَلَة يحذف حرف النداء إِلَّا مَعَ الله والمستغاث والمتعجب وَالْمَنْدُوب وَمنعه البصرية اخْتِيَارا مَعَ اسْم الْجِنْس وَالْإِشَارَة وَفِي نكرَة لم تقصد وَحذف المنادى دونه خلف وَقد يفصل بِأَمْر (ش) يجوز حذف النداء اختصارا وَفِي التَّنْزِيل: ﴿يُوسُف أعرض﴾ [يُوسُف: ٢٩] ﴿رَبنَا لَا تزغ﴾ [آل عمرَان: ٨] ﴿أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ [النُّور: ٣١] وَيسْتَثْنى صور لَا يجوز فِيهَا الْحَذف أَحدهَا: اسْم الله تَعَالَى إِذا لم تلْحقهُ الْمِيم نَحْو يَا الله الثَّانِي: المستغاث نَحْو يَا لزيد الثَّالِث: المتعجب مِنْهُ نَحْو يَا للْمَاء الرَّابِع: الْمَنْدُوب نَحْو يَا زيداه الْخَامِس: اسْم الْجِنْس السَّادِس: اسْم الْإِشَارَة السَّابِع: النكرَة غير الْمَقْصُودَة هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى جَوَاز حذفه فِي الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة وَعَلِيهِ ابْن مَالك لحَدِيث
(ثوبي حجر) واشتدي أزمة تنفرجي وَقَول ذِي الرمة: ٦٧٤ -
(بمثِلك هذَا لَوْعَةٌ وغَرَامُ )
[ ٢ / ٤٢ ]
وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ تقتلون﴾ [الْبَقَرَة: ٨٥] وَقَوله: ٦٧٥ -
(لِتُحْسَبَ سيّدًا ضَبْعًا تبولُ )
أَي يَا ضبعا والأولون حملُوا ذَلِك على الشذوذ والضرورة إِلَّا الْآيَة فعلى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَلَا نِدَاء وَأما الحَدِيث فَلم يثب كَونه الرَّسُول
كَمَا تقرر غير مرّة وَيُؤَيِّدهُ وُرُوده فِي بعض الطّرق بِلَفْظ يَا حجر أما حذف المنادى وإبقاء حرف النداء فَفِيهِ خلاف فَجزم ابْن مَالك بِجَوَازِهِ قبل الْأَمر وَالدُّعَاء وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلا يسجدوا﴾ [النَّمْل: ٢٥] وَقَول الشَّاعِر:
[ ٢ / ٤٣ ]
٦٧٦ -
(يَا لَعْنةُ اللهِ والأقوام كُلّهمُ والصَّالحِين على سمْعَان مِنْ جَار)
أَي يَا قوم أَو يَا هَؤُلَاءِ قَالَ أَبُو حَيَّان وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ النّظر أَنه لَا يجوز لِأَن الْجمع بَين حذف فعل النداء وَحذف المنادى إجحاف وَلم يرد بذلك سَماع من الْعَرَب فَيقبل و(يَا) فِي الْآيَة وَالْبَيْت وَنَحْوهمَا للتّنْبِيه وَقَالَ أبن مَالك حق المنادى أَن يمْنَع حذفه لِأَن عَامله حذف لُزُوما إِلَّا أَن الْعَرَب أجازت حذفه والتزمت إبْقَاء (يَا) دَلِيلا عَلَيْهِ وَكَون مَا بعده أمرا أَو دُعَاء لِأَنَّهُمَا داعيان إِلَى توكيد الْمَأْمُور والمدعو فَاسْتعْمل النداء قبلهمَا كثيرا حَتَّى صَار الْموضع منبها على المنادى إِذا حذف وَبقيت (يَا) فَحسن حذفه لذَلِك وَقد يفصل بَين حرف النداء والمنادى بِأَمْر كَقَوْل النخعية تخاطب أمهَا (لَطِيفَة): ٦٧٧ -
(أَلا يَا فابْك تَهْيامًا لَطِيفَا )
[ ٢ / ٤٤ ]
أَرَادَت يَا لَطِيفَة فرخمت وفصلت
مَا لَا يُنَادى
(ص) وَالأَصَح لَا يُنَادى ضمير وَإِشَارَة بِحرف الْخطاب وَلَا مُضَاف لكاف وَلَا معرف ب (أل) فِي السعَة خلافًا للكوفية إِلَّا الله و(المحكي) قَالَ الْمبرد والموصول وَابْن سَعْدَان وَالْجِنْس الْمُشبه بِهِ لَا ذُو عهدية وَغَلَبَة ولمح بِحَال (ش) لَا يُنَادى الضَّمِير عِنْد الْجُمْهُور وَأما ضمير الْغَيْبَة والتكلم فلأنهما يناقضان النداء إِذْ هُوَ يَقْتَضِي الْخطاب وَأما ضمير الْمُخَاطب فَلِأَن الْجمع بَينه وَبَين النداء لَا يحسن لِأَن أَحدهمَا يُغني عَن الآخر وَجوز قوم نداءه تمسكا بقوله: ٦٧٨ -
(يَا أبْجر بنَ أَبْجر يَا أنْتا )
[ ٢ / ٤٥ ]
وَقَول الْأَحْوَص (يَا إياك قد كفيتك) وَأجَاب الْأَولونَ بندوره وَلَا يُنَادى اسْم الْإِشَارَة الْمُتَّصِل بِحرف الْخطاب نَحْو يَا ذَاك قَالَ السيرافي وَغَيره وَأَجَازَهُ ابْن كيسَان وَنقل عَن سِيبَوَيْهٍ وَلَا يُنَادى مُضَاف لكاف الْخطاب نَحْو يَا غلامك لِأَن المنادى حِينَئِذٍ غير من لَهُ الْخطاب فَكيف يُنَادى من لَيْسَ بمخاطب وَلَا يُنَادي الْمُعَرّف ب (أل) فَلَا يُقَال يَا الرجل إِلَّا فِي الضَّرُورَة لِأَنَّهُ فِي ذَلِك جمعا بَين أداتي التَّعْرِيف وَجوزهُ الْكُوفِيُّونَ فِي الِاخْتِيَار وَمن وُرُوده فِي الشّعْر قَوْله: ٦٧٩ -
(فيا الْغُلامان اللّذان فَرّا )
[ ٢ / ٤٦ ]
وَقَوله: ٦٨٠ -
(عبّاسُ يَا الْملك المتوَّجُ والّذي عَرَفَتْ لَهُ بَيْتَ العُلا عَدْنَانُ)
وَقَوله: ٦٨١ -
(مِن أجْلِك يَا الَّتي تيّمتِ قَلبي )
[ ٢ / ٤٧ ]
واستثني البصريون شَيْئَيْنِ أحدهم اسْم الله تَعَالَى فَيُقَال يَا ألله لِأَن (أل) للزومها فِيهِ كَأَنَّهَا من بنية الْكَلِمَة فَيجوز حِينَئِذٍ قطع همزه وَوَصله وَالثَّانِي الْجُمْلَة المسمي بهَا كَأَن تسمي (يَا الرجل قَائِم) فَإِذا ناديته قلت (يَا الرجل قَائِم أقبل) لِأَنَّهُ سمي بِهِ على طَرِيق الْحِكَايَة وَاسْتثنى الْمبرد ثَالِثا وَهُوَ الْمَوْصُول إِذا سمي بِهِ نَحْو (يَا الَّذِي قَامَ) لمسمى بِهِ وَوَافَقَهُ ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ الْمَنْع وَفرق بَينه وَبَين الْجُمْلَة أَنَّهَا سمي فِيهَا بشيئين كل وَاحِد مِنْهُمَا اسْم تَامّ و(الَّذِي) بصلته بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد كالحارث فَلَا يجوز فِيهِ النداء وَاسْتثنى مُحَمَّد بن سَعْدَان اسْم الْجِنْس الْمُشبه بِهِ فَأجَاز نداءه مَعَ (أل) نَحْو (يَا الْأسد شدَّة) و(يَا الْخَلِيفَة هَيْبَة) وَوَافَقَهُ ابْن مَالك لِأَن تَقْدِيره يَا مثل الْأسد وَيَا مثل الْخَلِيفَة فَحسن لتقدير دُخُول (يَا) على غير الْألف وَاللَّام وَلَا يُنَادى مَا فِيهِ (أل) الْعَهْد وَلَا الَّتِي للغلبة وَلَا الَّتِي للمح الصّفة بِحَال بل إِذا نُودي هَذَا النَّوْع حذفت مِنْهُ (أل) قَالَ: ٦٨٢ -
(إنّكَ يَا حَارثُ نِعْمَ الحَارثُ )
[ ٢ / ٤٨ ]
وَقَالَ: ٦٨٣ -
(غَمز ابْن مُرَّةَ يَا فرزدقُ كَيْنَها )
نِدَاء اسْم الْإِشَارَة
(ص) مَسْأَلَة إِذا نُودي إِشَارَة وَوصف بِذِي أل مَرْفُوع فَإِن استغني عَنهُ جَازَ نَصبه أَو (أَي) ضم وتلي ب (هَاء) التَّنْبِيه عوضا من الْإِضَافَة مَفْتُوحَة وَقد تضم وَذي أل الجنسية مَرْفُوعا وَجوز الْمَازِني نَصبه وَصفا وَابْن السَّيِّد بَيَانا وزعمه ملك النحات مُبينًا وأل بَدَلا من (يَا) أَو بموصول بِغَيْر خطاب أَو بِإِشَارَة بِلَا كَاف قيل أَو بهَا قَالَ ابْن الضائع إِن نعت بِذِي أل وَلَا يتبع بغَيْرهَا وَلَا يقطع عَنْهَا وَيُؤَنث لتأنيث صفته وَقيل (هَا) مبقاة من الْإِشَارَة وَقيل (أَي) مَوْصُولَة بالمرفوع خبر الْمَحْذُوف (ش) إِذا نُودي اسْم الْإِشَارَة وَجب وَصفه بِمَا فِيهِ (أل) من اسْم جنس أَو مَوْصُول نَحْو يَا هَذَا الرجل يَا هَذَا الَّذِي قَامَ أَبوهُ وَيجب رفع هَذَا الْوَصْف إِذا قدر اسْم الْإِشَارَة وصلَة إِلَى نِدَاء مَا فِيهِ (أل) فَإِن استغني عَنهُ بِأَن اكْتفي بِالْإِشَارَةِ فِي النداء ثمَّ جِيءَ بِالْوَصْفِ بعد ذَلِك جَازَ فِيهِ الرّفْع على اللَّفْظ وَالنّصب على الْموضع
[ ٢ / ٤٩ ]
وَإِذا نُودي (أَي) وَجب بناءها على الضَّم وإيلاؤها هَاء التَّنْبِيه إِمَّا عوضا من مضافها الْمَحْذُوف أَو تَأْكِيدًا لِمَعْنى النداء ووصفها إِمَّا بِذِي أل الجنسية مَرْفُوعا نَحْو يَا أَيهَا الْإِنْسَان يَا أَيهَا النَّبِي وَقيل إِنَّه عطف بَيَان لَا وصف قَالَه ابْن السَّيِّد لِأَنَّهُ لَيْسَ مشتقا وَقيل إِنَّه يجوز نَصبه قَالَ الْمَازِني حملا على مَوضِع (أَي) ورد بِأَن الْحمل على الْموضع إِنَّمَا يكون بعد تَمام الْكَلَام والنداء لم يتم ب (يَا أَيهَا) فَلم يجز الْحمل على موضعهَا وَبِأَن الْمَقْصُود بالنداء هُوَ الرجل وَهُوَ مُفْرد وَإِنَّمَا أُتِي ب (أَي) ليتوصل بهَا إِلَى نداءه وَمن ثمَّ زعم ملك النُّحَاة أَبُو نزار أَنه مَبْنِيّ وَأَن اللَّام فِيهِ بدل من (يَا) وَلَا يجوز الْوَصْف بِمَا فِيهِ (أل) الَّتِي للْعهد أَو الَّتِي للغلبة أَو الَّتِي للمح وَلَا مَا فِيهِ (أل) من مثنى أَو مَجْمُوع كَانَ علما قبل دُخُولهَا فَلَا يُقَال يَا أَيهَا الزيدان وَلَا يَا أَيهَا الزيدون وَإِمَّا بموصول مصدر ب (أل) خَال من خطاب نَحْو: ﴿يَا أَيهَا الَّذِي نزل عَلَيْهِ الذّكر﴾ [الْحجر: ٦] ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ [الْمَائِدَة: ١ وَغَيرهَا] وَلَا يجوز يَا أَيهَا الَّذِي رَأَيْت كَمَا لَا يجوز أَن يُنَادى وَإِمَّا باسم إِشَارَة عَار من الْكَاف نَحْو: ٦٨٤ -
(أيهذان كُلا زادَيْكُما )
[ ٢ / ٥٠ ]
٦٨٥ -
(أَلا أيّهذا الزَّاجري أحضُرَ الوغَى )
وَلَا يجوز مَا فِيهِ الْكَاف كَمَا لَا يجوز نداؤه وَجوزهُ ابْن كيسَان نَحْو (يَا أَيهَا ذَلِك الرجل) وَشرط أَبُو الْحسن بن الضائع لجَوَاز وصف (أَي) باسم الْإِشَارَة أَن يكون اسْم الْإِشَارَة منعوتا بِمَا فِيهِ الْألف وَاللَّام كالبيت السَّابِق وَقَوله: ٦٨٦ -
(أَلا أيّهذا السّائلي أَيْن يَمّمتْ )
وَلَا يجوز إتباع (أَي) بِغَيْر هَذِه الثَّلَاثَة فَلَا يُقَال يَا أَيهَا صَاحب الْفرس مثلا وَلَا يقطع عَن الصّفة فَلَا يُقَال يَا أَيهَا بِدُونِ مَا ذكر
[ ٢ / ٥١ ]
وَيُؤَنث لتأنيث الصّفة قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ [الْفجْر: ٢٧] وَفِي (البديع) أَن ذَلِك أولى لَا وَاجِب فَيجوز يَا أَيهَا الْمَرْأَة وَلَا يلْحقهَا من عَلامَة الْفُرُوع غير التَّاء لَا عَلامَة تَثْنِيَة وَلَا جمع قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ﴾ [الرَّحْمَن: ٣١] ﴿أَيُّهَ المُؤمِنُونَ﴾ [النُّور: ٣١] وَحكم هَاء التَّنْبِيه الْفَتْح عِنْد أَكثر الْعَرَب ويحوز ضمهَا مَعهَا فِي لُغَة بني أَسد وَقُرِئَ فِي السَّبع: ﴿يَا أَيُّهُ السَّاحِرُ﴾ [الزخرف: ٤٩] وَيَقُولُونَ يَا أيته الْمَرْأَة وَقيل: إِن هَاء التَّنْبِيه فِي يَا أَيهَا الرجل لَيست مُتَّصِلَة ب (أَي) بل مبقاة من اسْم الْإِشَارَة وَالْأَصْل يَا أَي هَذَا الرجل ف (أَي) مُنَاد لَيْسَ بموصوف وَهَذَا الرجل اسْتِئْنَاف بِتَقْدِير هُوَ لبَيَان إبهامه وَحذف (ذَا) اكْتِفَاء بهَا من دلَالَة الرجل عَلَيْهَا وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ وَقيل (أَي) مَوْصُولَة وَالْمَرْفُوع خبر لمبتدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة صلَة أَي وَعَلِيهِ الْأَخْفَش ورده الْمَازِني وَابْن مَالك بِأَنَّهَا لَو كَانَت مَوْصُولَة لوصلت بالظرف وَالْمَجْرُور وَالْجُمْلَة الفعلية وَأجِيب أَن ذَلِك لَا يلْزم إِذْ لَهُ أَن يَقُول إِنَّهُم التزموا فِيهَا ضربا من الصِّلَة كَمَا التزموا فِيهَا ضربا من الصّفة على رَأْيكُمْ ورده ابْن مَالك أَيْضا بِأَنَّهُ لَو صَحَّ مَا قَالَ لجَاز ظُهُور الْمُبْتَدَأ وَأجَاب أَبُو حَيَّان بِأَن لَهُ أَن يَقُول إِنَّهُم التزموا حذفه فِي هَذَا الْبَاب لِأَن النداء بَاب حذف وَتَخْفِيف بِدَلِيل جَوَاز التَّرْخِيم فِيهِ بِخِلَاف غَيره
[ ٢ / ٥٢ ]
ورده الزّجاج بِأَنَّهَا لَو كَانَت مَوْصُولَة لوَجَبَ أَلا تضم لِأَنَّهُ لَا يبْنى فِي النداء مَا يُوصل لِأَن الصِّلَة من تَمَامه وَأجِيب بِأَن ذَلِك إِنَّمَا يلْزم إِذا قدرت معربة قبل النداء لَا إِذا قدرت قبله ثمَّ التزموا فِيهَا فِي النداء مَا كَانَ قبله ورده بَعضهم بِأَن أيا الموصولة لَا تكون إِلَّا مُضَافَة لفظا أَو نِيَّة وَالْإِضَافَة منتفية فِي هَذِه بوجهيها وَأجِيب بِأَن (هَا) عوضت فِيهَا من الْمُضَاف الْمَحْذُوف فجرت مجْرَاه فَكَأَنَّهَا مُضَاف
نِدَاء الْعلم الْمَوْصُوف ب (ابْن) مُتَّصِل مُضَاف إِلَى علم
(ص) مَسْأَلَة إِذا نُودي علم وصف ب (ابْن) مُتَّصِل مُضَاف لعلم قَالَ الكوفية أَو بِغَيْرِهِ جَازَ فَتحه وَفِي الأجود وَتَقْدِير فتح الْمُقدر خلف وَقد يضم الابْن اتبَاعا وَزعم الْجِرْجَانِيّ فَتحه بِنَاء وَمثله فلَان بن فلَان وضل بن ضل وَألْحق الكوفية كل مَا اتّفق فِيهِ لفظ المنادى والمضاف إِلَيْهِ وَيجب فِيهِ فِي غير النداء حذف تنوينه إِلَّا لضَرُورَة وزعمه أَبُو عَليّ مركبا ومتلوه تَابعا كمرء وَالأَصَح أَن الْوَصْف ب (ابْنة) ك (ابْن) وَفِي بنت - لَا فِي النداء - وَجْهَان (ش) إِذا كَانَ المنادى علما مَوْصُوفا ب (ابْن) مُتَّصِل مُضَاف إِلَى علم نَحْو يَا زيد بن عَمْرو جَازَ فِي المنادى مَعَ الضَّم الْفَتْح إتباعا لحركة (ابْن) إِذْ بَينهمَا سَاكن وَهُوَ حاجز غير حُصَيْن وَاخْتلف فِي الأجود فَقَالَ الْمبرد الضَّم لِأَنَّهُ الأَصْل وَقَالَ ابْن كيسَان الْفَتْح لِأَنَّهُ الْأَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب فَإِن كَانَ مِمَّا يقدر فِيهِ الْحَرَكَة نَحْو يَا عِيسَى بن مَرْيَم فَقَالَ ابْن مَالك يتَعَيَّن تَقْدِير الضمة وَلَا ينوى بدلهَا فَتْحة إِذْ لَا فَائِدَة فِي ذَلِك وَأَجَازَ الْفراء تَقْدِير الضمة والفتحة
[ ٢ / ٥٣ ]
وَلَو كَانَ المنادى غير علم نَحْو يَا غُلَام ابْن زيد أَو علما بعده (ابْن) لكنه غير صفة بل بدل أَو بَيَان أَو منادى أَو مفعول بمقدر أَو صفة لكنه غير مُتَّصِل نَحْو يَا زيد الْفَاضِل ابْن عَمْرو أَو مُتَّصِل لكنه غير مُضَاف إِلَى علم نَحْو يَا زيد ابْن أخينا أَو وصف بِغَيْر (ابْن) نَحْو يَا زيد الْكَرِيم تعين الضَّم فِي الصُّور كلهَا وَلم يجز الْفَتْح وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ الْفَتْح فِي الْأَخير وَهُوَ مَا إِذا وصف بِغَيْر (ابْن) مستدلين بقوله: ٦٨٧ -
(بأجْوَد مِنْك يَا عُمَرَ الجَوادا )
عَليّ أَن الرِّوَايَة بِفَتْح الرَّاء وعللوه بِأَن الِاسْم ونعته كالشيء الْوَاحِد فَلَمَّا طَال النَّعْت بالمنعوت حركوه بِالْفَتْح
[ ٢ / ٥٤ ]
وَحكي الْأَخْفَش أَن من الْعَرَب من يضم نون الابْن إتباعا لضم المنادى وَهُوَ نَظِير من قَرَأَ الحمدُ لُلَّهِ بِضَم اللَّام وَزعم الْجِرْجَانِيّ أَن فَتْحة (ابْن) بِنَاء قَالَ ابْن مَالك وَألْحق بِالْعلمِ الْمَذْكُور فِي جَوَاز الْفَتْح نَحْو (يَا فلَان بن فلَان) و(يَا ضل بن ضل) و(يَا سيد بن سيد) لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كَالْعلمِ قَالَ أَبُو حَيَّان وَالَّذِي ذكره أَصْحَابنَا أَن الْمَسْأَلَة مَفْرُوضَة فِيمَا إِذا كَانَ المنادى والمضاف إِلَيْهِ (ابْن) غير علم لكنه مَا اتّفق فِيهِ لفظ المنادى وَلَفظ مَا أضيف إِلَيْهِ ابْن نَحْو يَا كريم بن كريم أَو ابْن الْكَرِيم وَيَا شرِيف بن شرِيف أَو ابْن الشريف وكلب بن كلب أَو ابْن الْكَلْب وَذكروا فِي ذَلِك خلافًا فالبصريون يضمون المنادى وينصبون ابْنا والكوفيون وَابْن كيسَان يجرونه مجْرى يَا زيد بن عَمْرو فِي جَوَاز الضَّم وَالْفَتْح كَمَا أجرت الْعَرَب ذَلِك فِي غير النداء فِي حذف التَّنْوِين من الْمَوْصُوف قَالَ الْكُمَيْت: ٦٨٨ -
(تنَاولهَا كلبُ بنُ كَلْبٍ فأصْبَحَتْ )
وَقَالَ آخر:
[ ٢ / ٥٥ ]
٦٨٩ -
(فإنّ أباكُمُ ضُلُّ بنُ ضُل )
وَمَا ذكره البصريون هُوَ الْقيَاس إِذْ الْأَعْلَام أقبل للتغيير من غَيرهَا انْتهى ثمَّ الصُّورَة الَّتِي يجوز فِيهَا فتح المنادى يجب فِيهَا فِي غَيره حذف تنوينه لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال والتقاء الساكنين نَحْو قَامَ زيد بن عَمْرو وَقَامَ فلَان بن فلَان بِخِلَاف غُلَام ابْن زيد أَو زيد ابْن أخينا نعم ألحق بَعضهم مَا إِذا أضيف ابْن إِلَى مُضَاف إِلَى علم نَحْو قَامَ زيد ابْن أخي عَمْرو وَشرط بَعضهم فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ (ابْن) التَّذْكِير لأَنهم لَا ينسبوه الرجل إِلَى أمه فَلَا يحذف التَّنْوِين من مثل زيد ابْن علية وَشرط بَعضهم فِي العلمين التنكير قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ بَاطِل إِنَّمَا ذَلِك فِي (ابْن) وَإِثْبَات التَّنْوِين فِيمَا اجْتمع فِيهِ الشُّرُوط ضَرُورَة قَالَ: ٦٩٠ -
(جاريَةٌ من قيس بن ثَعْلَبَهْ )
إِلَّا أَن يحمل على أَن (ابْن) بدل لَا صفة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ [التَّوْبَة: ٣٠] فِيمَن نون (عَزِيزًا) لِأَن (ابْن) خبر وَزعم أَبُو عَليّ الْفَارِسِي أَن حذف التَّنْوِين من نَحْو قَامَ زيد بن عَمْرو للتركيب وَأَنَّهُمْ بنوا الصّفة مَعَ الْمَوْصُوف وَأَن نون (ابْن) حرف إِعْرَاب
[ ٢ / ٥٦ ]
وَالدَّال تَابِعَة للنون بِمَنْزِلَة الرَّاء فِي قَوْلهم هَذَا امْرُؤ وَرَأَيْت امْرأ ومررت بامرئ وَلما كَانَت الدَّال غير حرف إِعْرَاب لم ينون لِأَن التَّنْوِين لَا يكون وسطا قَالَ ابْن مَالك وَهَذَا مَرْدُود بِالْإِجْمَاع على فتح الْمَجْرُور الَّذِي لَا ينْصَرف نَحْو صلى الله على يُوسُف بن يَعْقُوب وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لكسروا وَإِذا كَانَ الْمَوْصُوف علما مؤنثا نعت ب (ابْنة) مُضَافا إِلَى علم فَحكمه فِي النداء من جَوَاز الْفَتْح وَفِي غَيره من وجوب حذف التَّنْوِين حكم الْمُذكر الْمَوْصُوف ب (ابْن) نَحْو يَا هِنْد ابْنة زيد وَقَامَت هِنْد ابْنة عمر وَهَذَا مَا جزم بِهِ ابْن مَالك وَغَيره وحجتهم الْقيَاس على (ابْن) وَذهب قوم إِلَى الْمَنْع لِأَن السماع إِنَّمَا ورد فِي (الابْن) وَهُوَ خُرُوج عَن الأَصْل فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ وَفِي الْوَصْف ب (بنت) فِي غير النداء وَجْهَان رَوَاهُمَا سِيبَوَيْهٍ عَن الْعَرَب نَحْو هَذِه هِنْد بنت عَاصِم بِالتَّنْوِينِ وبحذفه لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فَقَط وَلَيْسَ فِيهِ التقاء الساكنين الَّذِي فِي (ابْن) و(ابْنة) وَلَو كَانَ المنادى الْمُؤَنَّث مَبْنِيا فِي الأَصْل نَحْو (يَا رقاش ابْنة عَمْرو) لم تغير حَرَكَة الْبناء الْأَصْلِيَّة وَيكون فتح الإتباع تَقْديرا ذكره أَبُو حَيَّان
تكْرَار لفظ المنادى مُضَافا
(ص) وَإِذا كرر لفظ المنادى مُضَافا نَحْو يَا تيم تيم عدي نصب الثَّانِي نِدَاء أَو بإضمار أَعنِي أَو بَيَانا قَالَ ابْن مَالك أَو تَأْكِيدًا والسيرافي أَو نعتا وَضم الأول أَو نصب إِضَافَة لمتلو الثَّانِي مَعَه أَو هُوَ مقحم أَو لمثله مُقَدرا أَو مركبا أَو إتباعا أَقْوَال وَأَسْمَاء الْجِنْس والوصفان كالعلمين خلافًا للكوفية (ش) إِذا ذكرت مُنَادِي مُضَافا وكررت الْمُضَاف إِلَيْهِ فَلَا إِشْكَال نَحْو يَا تيم عدي تمّ عدي وَهُوَ توكيد مَحْض وَإِن كررت الْمُضَاف وَحده نَحْو يَا تيم تيم عدي فلك أَن تضم الأول على أَنه منادى مُفْرد وتنصب الثَّانِي على أَنه مُنَادِي مُضَاف مُسْتَأْنف أَو مَنْصُوب بإضمار أَعنِي أَو على أَنه عطف بَيَان أَو بدل زَاد ابْن مَالك أَو على أَنه توكيد
[ ٢ / ٥٧ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يذكرهُ أَصْحَابنَا وَهُوَ مَمْنُوع لِأَنَّهُ لَا معنوي كَمَا هُوَ وَاضح وَلَا لَفْظِي لاخْتِلَاف جهتي التَّعْرِيف لِأَن الأول معرف بالعلمية أَو النداء وَالثَّانِي بِالْإِضَافَة لِأَنَّهُ لم يضف حَتَّى سلب تَعْرِيف العلمية وَأَجَازَ السيرافي نَصبه على النَّعْت وَتَأَول فِيهِ معنى الِاشْتِقَاق وَهُوَ ضَعِيف وَلَك فِي الأول أَيْضا النصب لَكِن الضَّم أوجه وَأكْثر فِي كَلَامهم وَاخْتلف فِي وَجه النصب فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ هُوَ على الْإِضَافَة إِلَى متلو الثَّانِي وَالثَّانِي مقحم بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ وَالْأَصْل يَا تيم عدي تيمه حذف الضَّمِير من الثَّانِي وأقحم قَالُوا وَلَا يجوز الْفَصْل بَين المتضايفين بِغَيْر الظّرْف إِلَّا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خَاصَّة وَقَالَ الْفراء هُوَ وَالثَّانِي مَعًا مضافان إِلَى الْمَذْكُور أخذا من قَوْله (قطع الله يَد وَرجل من قَالَهَا) أَن الاسمين مضافان إِلَى من وَلم يُصَرح بِهِ هُنَا وَقَالَ الْمبرد هُوَ على نِيَّة الْإِضَافَة إِلَى مُقَدّر مثل الْمُضَاف إِلَيْهِ الثَّانِي وَالثَّانِي توكيد أَبُو بَيَان أَو بدل وَقَالَ الأعلم هُوَ على التَّرْكِيب وَفتح الأول وَالثَّانِي بِنَاء لَا إعرابا جعلا اسْما وَاحِدًا وأضيفا كَمَا قُولُوا: (مَا فعلت خَمْسَة عشرك) وَقَالَ السيرافي هُوَ على الإتباع وَالتَّخْفِيف مثل يَا زيد بن عَمْرو لِأَن الثَّانِي صفة مثل (ابْن) وَلَيْسَ دونه فِي الْكَثْرَة فَهَذِهِ خَمْسَة أَقُول وَلَا تخْتَص الْمَسْأَلَة بالعلمين عِنْد الْبَصرِيين فَيجوز النصب فِي اسْمِي الْجِنْس نَحْو يَا رجل رجل الْقَوْم وَفِي الوصفتين نَحْو يَا صَاحب صَاحب زيد وَخَالف الْكُوفِيُّونَ فأوجبوا فِي اسْمِي الْجِنْس ضم الأول وَفِي الوصفين ضمه بِلَا تَنْوِين أَو نَصبه منونا نَحْو يَا صاحبا صَاحب زيد
أَسمَاء لازمت النداء
(ص) مَسْأَلَة لزم النداء من الْأَسْمَاء (فل) و(فلة) وهما كِنَايَة عَن نكرَة وَقيل علم وَقيل ترخيم فلَان وفلانة وجر ضَرُورَة ومكرمان وملأمان ومخبثان ومكذبان وملكعان ومطيبان وملأم ولؤمان ونومان وهناه
[ ٢ / ٥٨ ]
والمعدول إِلَى فعل فِي سبّ مُذَكّر وفعال مَبْنِيا على الْكسر لسب مؤنث إِلَّا لضَرُورَة وَسمع رجل مكرمان وملأمان وَقدر أَبُو حَيَّان القَوْل وينقاس فعال سبا وأمرا على الْأَصَح فِي ثلاثي مُجَرّد تَامّ متصرف وقاس ابْن طَلْحَة الْأَمر من أفعل (ش) من الْأَسْمَاء أَسمَاء لازمت النداء فَلم يتَصَرَّف فِيهَا بِأَن لَا تسْتَعْمل مُبْتَدأ وَلَا فَاعِلا وَلَا مَفْعُولا وَلَا مجرورا بل لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي النداء وَهِي قِسْمَانِ مسموح وَمقيس فَمن المسموع فل للرجل وفلة للْمَرْأَة يُقَال يَا فل وَيَا فلة وَقد جر (فل) فِي الضَّرُورَة قَالَ: ٦٩١ -
(فِي لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلانًا عَن فُل )
[ ٢ / ٥٩ ]
وَاخْتلف فيهمَا فَقيل هما منقوصان من (فلَان) و(فُلَانَة) بِحَذْف الْألف وَالنُّون ترخيما وَبِه جزام ابْن مَالك وَنسبه أَبُو حَيَّان للكوفيين وَقيل هما كنايتان عَن علم من يعقل وَعَلِيهِ ابْن عُصْفُور وَصَاحب الْبَسِيط قَالَ أَبُو حَيَّان وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَنَّهُمَا كنايتان عَن نكرَة من يعقل بِمَعْنى يَا رجل وَيَا امْرَأَة و(فل) مِمَّا حذف مِنْهُ حرف وَبني على حرفين بِمَنْزِلَة دم وتركيبه ف - ل - ي بِدَلِيل أَنه إِذا سمي بِهِ ثمَّ صغر قيل فلي وَلَيْسَ أَصله فلَانا فَذَاك تركيبه ف - ل - ن و(فل) كِنَايَة لمنادى و(فلَان) كِنَايَة عَن اسْم سمي بِهِ الْمُحدث عَنهُ خَاص غَالب فهما مُخْتَلفا الْمَعْنى والمادة وفل الَّذِي فِي الشّعْر السَّابِق هُوَ (فلَان) صيره الشَّاعِر كَذَلِك ضَرُورَة وَلَيْسَ هُوَ الْمُخْتَص بالنداء انْتهى وَمِنْهَا (هَناه) قَالَ ابْن مَالك يُقَال للمنادى الْمُصَرّح باسمه فِي التَّذْكِير يَا هن وَيَا هنان وَيَا هنون وَفِي التَّأْنِيث يَا هنت وَيَا هنتان وَيَا هَنَات وَقد يَلِي أواخرهن مَا يَلِي أَوَاخِر الْمَنْدُوب من الْألف وهاء السكت فَيُقَال يَا هَناه بِسُكُون الْهَاء وَكسرهَا لالتقاء الساكنين وَضمّهَا تَشْبِيها بهاء الضَّمِير وَيَا هنتاه وَيَا هنانيه وَيَا هنتانيه وَيَا هنوناه وَيَا هنانوه وَمِنْهَا ملأم ولؤمان ونومان فِي نِدَاء الْكثير اللؤم وَالنَّوْم وَلَا يُقَاس عَلَيْهَا قطعا قَالَ: ٦٩٢ -
(إِذا قلت: يَا نومانُ لم يَجْهَل الّذي أريدُ وَلم يأخُذْ بشيءٍ سوى حَجْلِي)
[ ٢ / ٦٠ ]
وَمِنْهَا مفعلان فِي الْمَدْح والذم ذكر الْأَكْثَر أَنه مسموع لَا يُقَاس على مَا جَاءَ مِنْهُ وَالَّذِي سمع مِنْهُ سِتَّة الفاظ مكرمان للعزيز المكرم وملأمان ومخبثان وملكعان ومطيبان ومكذبان وَذكر بعض المغاربة أَنه منقاس وَأَنه يُقَال فِي الْمُؤَنَّث بِالتَّاءِ وَحكى ابْن سَيّده: رجل مكرمان وملأمان وَامْرَأَة ملأمانة وَحكى أَبُو حَاتِم هَذَا زيد ملأمان فَمنهمْ من أجَاز اسْتِعْمَاله فِي غير النداء بقلة وَقَالَ أَبُو حَيَّان الَّذِي أذهب إِلَيْهِ فِي تَخْرِيجه أَنه على إِضْمَار القَوْل وحرف النداء وَالتَّقْدِير رجل مقول فِيهِ أَو مدعُو يَا مكرمان وَحذف القَوْل كثير وَحذف حرف النداء مُنَاسِب لحذف القَوْل وَمِنْهَا فعل المعدول فِي سبّ الْمُذكر جزم ابْن مَالك بِأَنَّهُ لَا ينقاس والمسموع مِنْهُ يَا لكع وَيَا فسق وَيَا خبث وَيَا غدر وَهِي معدولة عَن ألكع وفاسق وخبيث وغادر قَالَ أَبُو حَيَّان وأصحابنا نصوا على الْقيَاس فِيهِ وَقَالَ الْمبرد إِذا أردْت ب (فعل) مَذْهَب الْمعرفَة جَازَ أَن تبنى فِي النداء فِي كل فعل فعل وَأما حَدِيث
(لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يكون أسعد النَّاس فِي الدُّنْيَا لكع بن لكع) فَلَيْسَ هَذَا الْمُخْتَص بالنداء وَلَا معدولا لِأَنَّهُ مَصْرُوف فَهُوَ وصف كحطم وَأما قَوْله: ٦٩٣ -
(شَهَادَة بَيدَيْ مِلْحادة غُدَر )
فضرورة
[ ٢ / ٦١ ]
والمقيس فعال المعدول فِي سبّ الْمُؤَنَّث نَحْو يَا لكاع وَيَا خباث وَيَا فساق وَأما قَوْله: ٦٩٤ -
(إِلَى بَيْت قَعيدَتُهُ لَكَاع )
فضرورة على أَنه أول بإضمار القَوْل أَو الدُّعَاء أَو حرف النداء أَي يُقَال لَهَا أَو تَدعِي يَا لكاع وَهَذَا النَّوْع مَبْنِيّ على الْكسر لمضارعته حذام من جِهَة الْعدْل والتأنيث وَالْوَزْن وينقاس فعال فِي السب بِلَا خلاف وَفِي الْأَمر وفَاقا لسيبويه وَخِلَافًا للمبرد من كل فعل ثلاثي مُجَرّد تَامّ متصرف نَحْو يَا لآم وَيَا قذار بِمَعْنى يَا لئيمة وَيَا قذرة وجلاس ونطاق وقوام بِمَعْنى اجْلِسْ وانطق وقم فَلَا يَبْنِي من غير ثلاثي وَلَا من مزِيد بل يقْتَصر فِيهِ على مَا سمع نَحْو دراك من أدْرك خلافًا لِابْنِ طَلْحَة وَلَا من نَاقص فَلَا يجوز كوان مُنْطَلقًا وَلَا بيات ساهرا بِمَعْنى كن وَبت وَلَا من جامد فَلَا يجوز وذار وَلَا وداع زيدا بِمَعْنى ذَر ودع
[ ٢ / ٦٢ ]
لَفْظَة (اللَّهُمَّ) فِي النداء
(ص) وَمِنْهَا اللَّهُمَّ وَالْمِيم عوض حرف النداء وَمن ثمَّ لَا تباشره فِي سَعَة خلافًا للكوفية وَمنع سِيبَوَيْهٍ وَصفه وَجوزهُ الْمبرد بمرفوع ومنصوب وشذ فِي غير نِدَاء وَحذف لامه وَقد يسْتَعْمل تمكينا للجواب ودليلا على الندرة (ش) من الْأَسْمَاء الْخَاصَّة بالنداء سَمَاعا اللَّهُمَّ وشذ اسْتِعْمَاله فِي غَيره قَالَ الْأَعْشَى: ٦٩٥ -
(كَحَلْفَة من أبي ريَاح يَسْمَعُها لاَهُم الكبَارُ)
وشذ أَيْضا حذف (أل) مِنْهُ قَالَ: ٦٩٦ -
(لاهُمّ إنْ كُنْتَ قَبلْتَ حَجَّتِجْ )
وَأَصله الْجَلالَة زيدت فِيهِ الْمِيم الْمُشَدّدَة عوضا من حرف النداء وَمن ثمَّ لَا يجمع بَينهمَا إِلَّا فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: ٦٩٧ -
(إنّي إِذا مَا حَدثٌ أَلمّا أَقُول: يَا اللهُمّ اللهُمّا)
[ ٢ / ٦٣ ]
هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين وَجوز الْكُوفِيُّونَ الْجمع بَينهمَا بِنَاء على رَأْيهمْ أَن الْمِيم لَيست عوضا مِنْهُ بل بَقِيَّة من جملَة محذوفة وَهِي أمنا بِخَير وَمذهب سِيبَوَيْهٍ والخليل أَن هَذَا الِاسْم وَهُوَ اللَّهُمَّ لَا يُوصف لِأَنَّهُ صَار عِنْدهم مَعَ الْمِيم بِمَنْزِلَة الصَّوْت يَعْنِي غير مُتَمَكن فِي الِاسْتِعْمَال وَقَالا فِي قَوْله: ﴿اللَّهُمَّ فاطر السَّمَاوَات﴾ [الزمر: ٤٦] إِنَّه على نِدَاء آخر أَي يَا فاطر وَذهب الْمبرد والزجاج إِلَى جَوَاز وَصفه بمرفوع على اللَّفْظ ومنصوب على الْموضع وَجعلا: ﴿فاطر﴾ صفة لَهُ وَقَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ لم يسمع فِيهِ مثل اللَّهُمَّ الرَّحِيم ارحمنا وَالْآيَة وَنَحْوهَا مُحْتَملَة للنداء قَالَ المطرزي فِي شرح المقامات وَقد يسْتَعْمل اللَّهُمَّ لغير النداء تمكينا للجواب وَمِنْه الحَدِيث:
(اللَّهُمَّ أرسلك قَالَ اللَّهُمَّ نعم) ودليلا على الندرة كَقَوْل الْعلمَاء (لَا يجوز أكل الْميتَة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يضْطَر فَيجوز)
[ ٢ / ٦٤ ]
الْمَنْدُوب
(ص) مَسْأَلَة الندبة إعلان المتفجع باسم من فَقده لمَوْت أَو غيبَة وَلها (وَاو) و(يَا) مَعَ الْأَمْن وللمندوب حكم النداء وَلَا ينْدب مُضْمر وَإِشَارَة وَكَذَا مَوْصُول إِلَّا بصلَة تعينه وَاسم جنس مُفْرد على الصَّحِيح قَالَ السيرافي ومضاف لضمير خطاب والكوفية وَجمع السَّلامَة (ش) الْمَنْدُوب نوع من المنادى والندبة مصدر ندب الْمَيِّت إِذا تفجع عَلَيْهِ وَألْحق بِهِ الْغَائِب وَيخْتَص من حُرُوف النداء بحرفين (وَا) وَهِي الأَصْل و(يَا) وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا عِنْد أَمن اللّبْس بالمنادى غير الْمَنْدُوب كَأَن ينْدب مَيتا اسْمه زيد وبحضرتك من اسْمه زيد وَحكم الْمَنْدُوب حكم المنادى من نَصبه إِذا كَانَ مُضَافا أَو شبهه نَحْو وَا عبد الله وَا ضَارِبًا عمرا وضنمه إِذا كَانَ مُفردا نَحْو وَا زيد وتنوينه عِنْد الِاضْطِرَار نَحْو: ٦٩٨ -
(وَافَقْعَسًا وأَيْنَ منِّي فَقْعَسُ )
وَلَا ينْدب الْمُبْهم من ضمير وَاسم إِشَارَة وموصول وَاسم جنس مُفْرد ونكرة فَلَا يُقَال وَا انتاه وَلَا وَا هذاه وَلَا وَا من ذهباه وَلَا وَا رِجْلَاهُ لِأَن ذَلِك لَا يَقع بِهِ الْعذر للمتفجع لإبهامه وَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُود بالندبة فَإِن كَانَ اسْم الْجِنْس غير مُفْرد جَازَ نَحْو وَا غُلَام زيداه وَكَذَا إِذا كَانَ الْمَوْصُول صلَة تعينه نَحْو وَا من حفر بِئْر زمزماه لِأَنَّهُ فِي الشُّهْرَة كَالْعلمِ
[ ٢ / ٦٥ ]
وَأَجَازَ الرياشي ندبة النكرَة وَفِي الحَدِيث:
(وَا جبلاه) وَقَالَ غَيره وَهُوَ نَادِر إِن صَحَّ وَمنع السيرافي ندبة الْمُضَاف لضمير الْمُخَاطب كَمَا لَا يجوز نداؤه لِأَن الْبَابَيْنِ سَوَاء قَالَ بعض المغاربة وَلم يسمع شَاهد بِخِلَاف قَوْله وَمنع الْكُوفِيُّونَ ندبة الْجمع السَّالِم كَمَا لَا يجوز تثنيته وَلَا جمعه لِأَن إِلْحَاق الْألف هُنَا كإلحاق الْألف وَالْوَاو هُنَاكَ وَفرق البصريون بِأَن هَذِه الْألف لَا تغير اللَّفْظ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَلَا تحدث فِيهِ شَيْئا بِخِلَاف حرفي التَّثْنِيَة وَالْجمع (ص) وَيلْحق آخر مَا تمّ بِهِ جَوَازًا ألف يحذف لَهَا من يَلِيهِ من تَنْوِين وَألف وَجوز الكوفية قَلبهَا وتحريك التَّنْوِين بِفَتْح أَو كسر وَحذف همز التَّأْنِيث وَيفتح مَا لم يلبس فتقلب بِحَسبِهِ وَجوزهُ الكوفية مُطلقًا وَفِي (يَا) و(وَا) وَيقدر حركتهما الْفَتْح والحذف وَالأَصَح لَا يُغني عَنْهَا فَتْحة وَأَنَّهَا تقلب مَا بعد نون مثنى وَأَنه لَا يعوض مِنْهَا تَنْوِين وصلا وَأَنه لَا يلْحق نَعته أَو نعت أَيهَا أَو مُضَاف نَعته غير أَي قَالَ ابْن مَالك أَو مَا آخِره ألف وهاء وَجوزهُ بَعضهم فِي بدل ونسق ومنادى غير مَنْدُوب ويليها غَالِبا سَالِمَة أَو منقلبة هَاء سَاكِنة لَا وصلا اخْتِيَارا خلافًا للفراء (ش) يلْحق جَوَازًا آخر مَا تمّ بِهِ الْمَنْدُوب ألف وَلَيْسَ لحاقها يلازم وَآخر مَا تمّ بِهِ يَشْمَل الْمُفْرد والمضاف وَشبهه والموصول والمركب ثمَّ إِن كَانَ متلوها تنوينا أَو ألفا حذف لالتقاء الساكنين نَحْو وَا موساه وَا غُلَام زيداه وَجوز الْكُوفِيُّونَ قلب الْألف يَاء وتحريك التَّنْوِين بِفَتْح أَو كسر فَيُقَال وَا موسياه وَا غُلَام زيدناه أَو زيدنيه وَإِن كَانَ همز تَأْنِيث أقرّ نَحْو وَا حمراءاه وَجوز الْكُوفِيُّونَ حذفهَا وَإِن كَانَ حرفا محركا فتح إِن كَانَ مضموما أَو مكسورا وَأقر إِن كَانَ مَفْتُوحًا نَحْو وَا زيداه وَا عبد الملكاه وَا رق اشاه مَا لم يحصل لبس فتقر الْحَرَكَة وتقلب الْألف واوا إِن كَانَت ضمة وياء إِن كَانَت كسرة كَقَوْلِك فِي (غُلَامه) و(قومُوا) مسمي بِهِ وَا غلامهوه وَا قوموه بقلب الْألف واوا وَحذف الْوَاو الأولى لالتقائهما سَاكِنة مَعهَا
[ ٢ / ٦٦ ]
وَفِي غلامك وقومي مُسَمّى بِهِ وَا غلامكيه وَا قوميه بقلب الْألف يَاء وَحذف الْيَاء الأولى لذَلِك إِذْ لَو بقيت الْألف وَقيل وَا غلامهاه لالتبس بالغائبة أَو وَا قوماه لالتبس بالمثنى أَو وَا غلامكاه لالتبس بالمذكر وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ الْقلب مُطلقًا وَإِن لم يلبس فأجازوا وَا رقاشية وَا عبد الملكية وَإِن كَانَ يَاء أَو واوا يقدر فيهمَا الْحَرَكَة جَازَ فيهمَا الْحَذف والإبقاء محركا بِالْفَتْح كَقَوْلِك فِي غلامي وَا غلاماه أَو وَا غلامياه وَبَقِي مسَائِل الأولى لَا يَسْتَغْنِي عَن الْألف بالفتحة فَلَا يُقَال وَا عمر وَأَنت تُرِيدُ وَا عمراه خلافًا للكوفيين الثَّانِيَة لَا تقلب الْألف يَاء بعد نون التَّثْنِيَة عِنْد الْبَصرِيين بل يتَعَيَّن فتح النُّون نَحْو وَا زيداناه وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَابْن مَالك فَيُقَال وازيدانيه الثَّالِثَة الرَّابِعَة لَا تحلق الْألف نعت الْمَنْدُوب عِنْد جُمْهُور الْبَصرِيين لِأَنَّهُ مُنْفَصِل من المنعوت وَأَجَازَهُ يُونُس والكوفيون وَابْن مَالك نَحْو وَا زيد الطويلاه وَأَجَازَ خلف لحوقها نعت أَي نَحْو يَا أَيهَا الرجلاه وَأَجَازَ يُونُس وَابْن مَالك لحوقها الْمَجْرُور بِإِضَافَة نَعته نَحْو: ٦٩٩ -
(أَلا يَا عَمْرو عَمْراهُ وعَمْرُو بن الزّبيراهُ)
وَالْجُمْهُور حملُوا ذَلِك على الشذوذ وَجوز بَعضهم لحوقها الْبَدَل وَعطف النسق الْخَامِسَة إِطْلَاق النُّحَاة يَقْتَضِي جَوَاز لحاق الْألف بِمَا فِي آخر لَا ألف وهاء وَبِه صرح بعض المغاربة وَابْن معط فِي (الفيته) وَابْن الْحَاجِب فَيُقَال فِي عبد الله وَا عبد اللاهاه وَفِي جَهْجَاه واجهجاهاه وَمنعه ابْن مَالك لاستثقال ألف وهاء بعد ألف وهاء
[ ٢ / ٦٧ ]
السَّادِسَة قيل قد يلْحق الْألف المنادى غير الْمَنْدُوب كَقَوْل امْرَأَة من الْعَرَب (فَصحت يَا عمراه) فَقَالَ (يَا لبيكاه) جزم بذلك ابْن مَالك وَغَيره وَمنعه سِيبَوَيْهٍ السَّابِعَة تلِي الْألف فِي الْغَالِب سَالِمَة ومنقلبة يَاء أَو واوا هَاء سَاكِنة كَمَا تقدم من الْأَمْثِلَة وَيجوز تَركهَا كَقَوْلِه: ٧٠٠ -
(وَقُمْتَ فِيهِ بأمْر اللهِ يَا عُمَرَا )
وَلَا تثبت فِي حَال الْوَصْل إِلَّا ضَرُورَة وَأَجَازَ الْفراء ثُبُوتهَا فِيهِ مَكْسُورَة ومضمومة
[ ٢ / ٦٨ ]
٣ - الاستغاثة
(ص) مَسْأَلَة تجر اللَّام مَفْتُوحَة منادى مُتَعَجِّبا مِنْهُ أَو مستغاثا بِهِ مُتَعَلقَة بِفعل النداء وَقيل بحرفه وَقيل زَائِدَة ومكسورة المعطوفة عَلَيْهِ دون يَا والمستغاث من أَجله مُتَعَلقَة بِفعل النداء أَو أَدْعُوك أَو مدعوا أَقْوَال وَقد تجر ب (من) أَو يحذف أَو تليه (يَا) لحذف المستغاث بِهِ وَإِذا ولي (يَا) مَا لَا يُنَادى إِلَّا مجَازًا جَازَ فتح اللَّام مستغاثا بِهِ وَكسرهَا وَلَيْسَت بعض (آل) خلافًا لزاعمه وتعاقبها ألف كالندبة وَيخْتَص الْبَاب ب (يَا) وَقل وُرُود (وَا) فِي التَّعَجُّب (ش) إِذا استغيث المنادى أَو تعجب مِنْهُ جر بِاللَّامِ مَفْتُوحَة نَحْو يَا لله يَا للْمَاء يَا للعجب وَمَا كَانَ منادى صَحَّ أَن يكون مستغاثا ومتعجبا مِنْهُ وَمَا لَا فَلَا إِلَّا الْمُعَرّف بأل فَإِنَّهُ يجوز هُنَا والاستغاثة دُعَاء المستغيث المستغاث والتعجب بالنداء على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن تري أمرا عَظِيما فتنادي جنسه نَحْو ياللماء وَالْآخر أَن ترى أمرا تستعظمه فتنادي من لَهُ نِسْبَة إِلَيْهِ أَو مكنة فِيهِ نَحْو يَا للْعُلَمَاء وَعلة فتح لَام المستغاث الْفرق بَينه وَبَين المستغاث من أَجله وَأجْرِي المتعجب مِنْهُ مجْرَاه لمشاركته فِي الْمَعْنى لِأَن سببهما أَمر عَظِيم عِنْد المنادى
[ ٢ / ٦٩ ]
وَاخْتلف فِي هَذِه اللَّام فَقيل زَائِدَة وَعَلِيهِ ابْن خروف وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان بِدَلِيل معاقبتها للألف وَالأَصَح لَيست بزائدة وَعلي هَذَا فَذهب ابْن جني إِلَى أَنَّهَا تتَعَلَّق بِحرف النداء لما فِيهِ من معنى الْفِعْل وَذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَنَّهَا تتَعَلَّق بِالْفِعْلِ الْمُضمر وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وبكسر اللَّام مَعَ الْمَعْطُوف إِن لم تعد مَعَه (يَا) نَحْو: ٧٠١ -
(لَا لَلْكُهُول ولِلشُّبّان لِلْعَجَبِ )
فَإِن أُعِيدَت مَعَه (يَا) فتحت نَحْو: ٧٠٢ -
(يَا لَعَطّافِنَا وَيَا لَرياح )
[ ٢ / ٧٠ ]
وتكسر أَيْضا مَعَ المستغاث من أَجله نَحْو: ٧٠٣ -
(يَا لَقَوْمي لِفُرْقة الأحْبَاب )
وتتعلق بِفعل مُضْمر تَقْدِيره أَدْعُوك لفُلَان قَالَ ابْن عُصْفُور قولا وَاحِدًا وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْخلاف مَوْجُود فَقيل إِنَّهَا تتَعَلَّق بِفعل النداء وَهُوَ بعيد وَقيل بِحَال محذوفة تَقْدِيره يَا لزيد مدعوا لعَمْرو وَقد يجر المستغاث من أَجله ب (من) لِأَنَّهَا تَأتي للتَّعْلِيل كاللام قَالَ: ٧٠٤ -
(يَا لَلرِّجال ذَوي الألْبَاب مِنْ نَفَر لَا يَبْرَحُ السّفَهُ المُرْدِي لَهُم دِينَا)
وَقد يحذف المستغاث من أَجله إِن علم كَقَوْلِه: ٧٠٥ -
(فَهَل من خالدٍ إمّا هَلَكْنَا وَهل بِالْمَوْتِ يَا لَلّناس عَارُ)
[ ٢ / ٧١ ]
وَقد يحذف المستغاث بِهِ فتلي (يَا) المستغاث من أَجله كَقَوْلِه: ٧٠٦ -
(يَا لأُناس أَبَوْا إلاّ مُثابَرةً على التّوَغّل فِي بغْي وعُدوان)
أَي يَا لقومي لِأُنَاس وَإِذا ولي (يَا) اسْم إِلَّا مجَازًا نَحْو يَا للعجب وَيَا للدواهي جَازَ فِي اللَّام الْفَتْح على أَنه مستغاث بِهِ أَي يَا عجب أحضر فَهَذَا وقتك وَالْكَسْر على أَنه مستغاث من أَجله والمستغاث بِهِ مَحْذُوف وكأنك دَعَوْت غَيره تنبه على هَذَا الشَّيْء وَزعم الْكُوفِيُّونَ أَن لَام الاستغاثة بعض (آل) وَأَن أصل يَا فلَان يَا آل فلَان فَحذف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كَمَا قَالُوا فِي أَيمن مُ وَلذَلِك صَحَّ الْوَقْف عَلَيْهَا فِي قَوْله: ٧٠٧ -
(إِذا الدّاعي المثوّب قَالَ يَا لاَ )
[ ٢ / ٧٢ ]
والبصريون قَالُوا بل هِيَ لَام الْجَرّ بِدَلِيل وُقُوع كسرهَا فِي الْعَطف وَلَو كَانَت بعض آل لم يكن لكسرها مُوجب وَنقل الأول عَن الْكُوفِيّين ذكره ابْن مَالك وَنَازع فِيهِ أَبُو حَيَّان بِأَن الْفراء قَالَ وَمن النَّاس من زعم كَذَا فَظَاهر هَذِه الْعبارَة مِنْهُ أَنه لَيْسَ مَذْهَب الْكُوفِيّين ثمَّ إِنَّه لم يقل بِهِ وَهُوَ من رُءُوسهم فَلِذَا لم أعزه فِي الْمَتْن إِلَيْهِم بل قلت خلافًا لزاعمه وتعاقب اللَّام ألف فِي آخر المستغاث والمتعجب مِنْهُ كالمندوب فَلَا يَجْتَمِعَانِ نَحْو يَا زيدا لعَمْرو وتلحقها هَاء السكت وَقفا وَيظْهر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل أَن اللَّام هِيَ الأَصْل وَيخْتَص بَاب الاستغاثة والتعجب ب (يَا) من بَين سَائِر حُرُوف النداء وَرُبمَا وَردت (وَا) فِي التَّعَجُّب إِنَّمَا أعرب المستغاث والمتعجب مِنْهُ مَعَ كَونه منادى وَعلة الْبناء مَوْجُودَة فِيهِ لدُخُول اللَّام الَّتِي هِيَ من خَصَائِص الْأَسْمَاء فَرجع إِلَى أَصله وعَلى هَذَا لَا مَوضِع وَرفع لَهُ فينعت بِالْجَرِّ وَالنّصب وَقيل لِأَن (يَا) صَار حكمهَا فِي النداء حكم الْعَامِل إِذْ الْبناء فيهمَا يشبه بالإعراب فَلَمَّا دخل الْحَرْف لمعناه زَالَ عمل (يَا) لفظا وَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا زيد بجبان فعلى هَذَا لَهُ مَوضِع رفع فينعت بِثَلَاثَة أوجه
[ ٢ / ٧٣ ]
٣ - التَّرْخِيم
(ص) مَسْأَلَة التَّرْخِيم حذف آخر المنادى وَلَا يرخم غَيره إِلَّا ضَرُورَة إِن صلح لَهُ وَلَو غير علم وَذي تَاء ومعوض ومنتظر فِي الْأَصَح وَلَا ملازم النداء ومندوب ومستغاث بِاللَّامِ قطعا وَلَا دونهَا ومضاف ومبني غير النداء خلافًا لزاعمها (ش) التَّرْخِيم لُغَة التسهيل وَاصْطِلَاحا حذف آخر الِاسْم باطراد فَلَا يُسمى مثل (يَد) مرخما وَيدخل فِي الْمُنَادِي والتصغير وَالْمَقْصُود هُنَا الأول وَهُوَ المُرَاد عِنْد الْإِطْلَاق فَلَا يرخم غير المنادى إِلَّا لضَرُورَة بِشَرْط صلاحيته للنداء بِخِلَاف مَا لَا يصلح لَهُ كالمعرف بأل وَسَوَاء فِي جَوَازه فِي الضَّرُورَة الْعلم وَغَيره وَذُو التَّاء والخالي مِنْهَا والمعوض وَغَيره والمنتظر وَغَيره كَمَا جزم بِهِ ابْن مَالك وَقَالَ بَعضهم لَا يرخم فِيهَا غير النداء إِلَى الْعلم لِأَنَّهُ المسموع وَلَا شَاهد فِي غَيره ورد بقوله: ٧٠٨ -
(لَيْسَ حَيٌّ على المَنُون بخاَل )
أَي بِخَالِد
[ ٢ / ٧٤ ]
وَقَالَ بَعضهم لَا يرخم فِي ثلاثي خَال من التَّاء كَمَا لَا يرخم فِي النداء وَقَالَ بَعضهم إِذا رخم فِي غير النداء عوض مِنْهُ يَاء سَاكِنة كَقَوْلِه: ٧٠٩ -
(من الثّعَالِي وَوَخْزٌ مِن أَرَانيهَا )
وَقَالَ الْمبرد لَا يجوز التَّرْخِيم فِي غير النداء إِلَّا على نِيَّة التَّمام كَقَوْلِه: ٧١٠ -
(طَرِيفُ بنُ مالٍ لَيْلَةَ الجُوع والخَصَرْ )
[ ٢ / ٧٥ ]
وَلَا يجوز على نِيَّة الِانْتِظَار للمحذوف ورد بِالْقِيَاسِ على حَال النداء وبالسماع قَالَ: ٧١١ -
(إنَّ ابْن حَارثَ إنْ أَشْتَقْ لِرُؤْيَتِهِ )
[ ٢ / ٧٦ ]
أَي ابْن حَارِثَة وَمَا ورد من ذَلِك فِيمَا فِيهِ أل كَقَوْلِه: ٧١٢ -
(قَوَاطِنًا مكّةَ من وُرْق الحَمِي )
أَي الْحمام فَمن الْحَذف الَّذِي هُوَ غير حذف التَّرْخِيم وَلَا يرخم الِاسْم الملازم للنداء ذكره أَبُو حَيَّان فِي (شرح التسهيل) قَالَ وَأما (ملأم) فَلَيْسَ ترخيم ملأمان بل بِنَاء على مفعل من اللؤم قَالَ ونصوا أَيْضا على أَنه لَا يرخم الْمَنْدُوب الَّذِي لحقته عَلامَة الندبة وَلَا المستغاث الَّذِي فِيهِ اللَّام قطعا وَأَجَازَ ابْن خروف ترخيم المستغاث إِذا لم يكن فِيهِ لَام الاستغاثة كَقَوْلِه: ٧١٣ -
(أَعام لكَ بنَ صَعْصَعَةَ بن سَعْدِ )
[ ٢ / ٧٧ ]
وَقَالَ ابْن الصَّائِغ إِنَّه ضَرُورَة وَلَا يرخم المنادى الْمُضَاف عِنْد الْبَصرِيين لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ لَيْسَ هُوَ المنادى وَلَا يرخم إِلَّا المنادى وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ وَابْن مَالك بِحَذْف آخر الْمُضَاف إِلَيْهِ كَقَوْلِه: ٧١٤ -
(خذو حَظّكم يَا آلَ عِكْرمَ واذْكُروا )
فِي أَبْيَات آخر وَأجَاب سِيبَوَيْهٍ بِأَنَّهَا ضَرُورَة قَالَ ابو حَيَّان وَلَو ذهب ذَاهِب إِلَى جَوَاز ذَلِك إِذا كَانَ آخر الْمُضَاف إِلَيْهِ تَاء التَّأْنِيث وقوفا مَعَ الْوَارِد وَمنعه إِذا كَانَ غَيرهَا لَكَانَ مذهبا وَلَا يرخم الْمَبْنِيّ لسَبَب غير النداء كباب حذام
[ ٢ / ٧٨ ]
ترخيم ذِي التَّاء
(ص) ويرخم ذُو التَّاء مُطلقًا خلافًا لِابْنِ عُصْفُور فِي نَحْو صلمعة بن قلمعة وللمبرد فِي النكرَة مُطلقًا إِلَّا (فلة) وَغَيره إِن كَانَ علما قيل أَو نكرَة مَقْصُودَة زائدين على ثَلَاثَة قيل أَو ثلاثيا محرك الْوسط قيل أَو سَاكِنة (ش) مَا فِيهِ تَاء التَّأْنِيث لَا يشْتَرط فِي ترخيمه علمية وَلَا زِيَادَة على الثَّلَاثَة بل يرخم وَإِن كَانَ ثنائيا غير علم كَقَوْل بعض الْعَرَب يَا شا ارجني يُرِيد يَا شَاة أقيمي وَلَا تسرحي وَقَالَ أَبُو حَيَّان وَيسْتَثْنى (فلة) الْخَاص بالنداء فَإِنَّهُ لَا يجوز ترخيمه وَإِن كَانَ مؤنثا بِالْهَاءِ ثمَّ إِن كَانَ الْمُؤَنَّث بِالْهَاءِ علما فَلَا خلاف فِي ترخيمه كَقَوْلِك فِي (هبة) مُسَمّى بِهِ يَا هَب أقبل وَإِن كَانَ نكرَة مَقْصُودَة فَفِيهِ خلاف ذهب الْمبرد إِلَى أَنه لَا يجوز ترخيمها ورده الْجُمْهُور بِنَحْوِ قَوْله: ٧١٥ -
(يَا نَاقُ سيري عَنَقًا فَسيحا )
وَفِي البديع لَا يُجِيز الْمبرد ترخيم النكرَة الْعَامَّة نَحْو شَجَرَة ونخلة وَإِنَّمَا يرخم مِنْهَا مَا كَانَ مَقْصُودا وَهُوَ خلاف مَا حَكَاهُ غَيره فَلِذَا قلت مُطلقًا
[ ٢ / ٧٩ ]
وَزعم ابْن عُصْفُور أَنه لَا يجوز ترخيم صلمعة بن قلمعة لِأَنَّهُ كِنَايَة عَن الْمَجْهُول الَّذِي لَا يعرف قَالَ الشَّاعِر: ٧١٦ -
(أصَلْمَعَة بْنَ قَلْمَعَة بن فَقْع لهنّك لَا أبَا لكَ تَزْدَرينِي)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَإِطْلَاق النَّحْوِيين يُخَالِفهُ وَأَيْضًا وَإِن كَانَ كِنَايَة عَن مَجْهُول فَإِنَّهُ علم أَلا تري أَنهم منعُوهُ الصّرْف للعلمية والتأنيث فَحكمه حكم أُسَامَة للأسد والعاري من تَاء التَّأْنِيث إِنَّمَا يرخم بِشَرْطَيْنِ أَن يكون علما بِخِلَاف اسْم الْجِنْس وَالْإِشَارَة والموصول وَأَن يكون زَائِدا على ثَلَاثَة فَلَا يرخم الثلاثي وَذهب بَعضهم إِلَى جَوَاز ترخيم النكرَة الْمَقْصُودَة لِأَنَّهَا فِي معنى الْمعرفَة وَلذَلِك نعت بهَا فَأجَاز فِي غضنفر يَا غضنف وَاسْتدلَّ بِنَا ورد من قَوْلهم أطرق كرا أَي كروان وَيَا صَاح أَي يَا صَاحب وَالْجُمْهُور جعلُوا ذَلِك شاذا وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَّا الْكسَائي إِلَى جَوَاز ترخيم الثلاثي بِشَرْط أَن يكون محرك الْوسط فَيُقَال فِي حكم يَا حك وَهَذَا لم يرد بِهِ سَماع وَلَا يقبله قِيَاس
[ ٢ / ٨٠ ]
وَنقل ابْن بابشاذ أَن الْأَخْفَش وَافق الْكُوفِيّين على ذَلِك قَالَ ابْن عُصْفُور فَإِن كَانَ الثلاثي سَاكن الْوسط كهند وَعَمْرو لم يجز قولا وَاحِدًا أما عِنْد أهل الْبَصْرَة فَلِأَن أقل مَا يبْقى عَلَيْهِ الِاسْم بعد التَّرْخِيم ثَلَاثَة أحرف وَأما عِنْد أهل الْكُوفَة فلئلا يبْقى على حرفين ثَانِيهمَا سَاكن فَيُشبه الأدوات نَحْو من وَعَن قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ كَمَا ذكر بل الْخلاف فِيهِ مَوْجُود وَحكى أَبُو الْبَقَاء العكبري فِي كتاب التَّبْيِين أَن بعض الْكُوفِيّين أَجَازُوا ترخيمه وَنَقله ابْن هِشَام الخضراوي عَن الْأَخْفَش فَقَالَ مَا نَصه أجَاز الْفراء وَجَمَاعَة ترخيم الثلاثي المتحرك الْوسط وَأَجَازَ أَبُو الْحسن وَحده ترخيم السَّاكِن الْوسط من الثلاثي (ص) ويرخم المزج بِحَذْف ثَانِيَة وَقيل إِنَّمَا يحذف حرف أَو حرفان وَقيل الْهَاء فَقَط من ذِي (ويه) وَمن اثْنَي عشر وفرعه الْألف أَيْضا وَمنع سِيبَوَيْهٍ ترخيم الْجُمْلَة وَأَبُو حَيَّان المزج وَأكْثر الكوفية ذَا (ويه) وَالْفراء مركب الْعدَد علما والجرمي علم الْكِنَايَة والكوفية الْمُسَمّى بِهِ من تَثْنِيَة وَجمع (ش) فِيهِ مسَائِل الأولى اخْتلف فِي ترخيم الْعلم الْمركب تركيب مزج فالجمهور على جَوَازه مُطلقًا وَمنع أَكثر الْكُوفِيّين ترخيم مَا آخِره (ويه) وَقَالَ أَبُو حَيَّان الَّذِي أذهب إِلَيْهِ أَنه لَا يجوز ترخيم الْمركب تركيب مزج لِأَن فِيهِ ثَلَاث لُغَات الْبناء وَيَنْبَغِي أَلا يرخم على هَذِه لِأَنَّهُ مَبْنِيّ لَا بِسَبَب النداء كحذام وَالْإِضَافَة وَقد منع البصريون ترخيم الْمُضَاف وَمنع الصّرْف وَيَنْبَغِي أَلا يجوز ترخيمه لِأَنَّهُ لم يحفظ عَن الْعَرَب فِي شَيْء من كَلَامهم وَأما قَوْله: ٧١٧ -
(أقاتلي الحجّاجُ إِن لم أَزُرْ لَهُ دَرَابِ وأَتْرُكْ عِنْد هِنْدٍ فُؤادِيَا)
[ ٢ / ٨١ ]
يُرِيد (درابجرد) فَهَذَا من التَّرْخِيم فِي غير النداء للضَّرُورَة وَهُوَ شَاذ نَادِر لَا تبنى عَلَيْهِ الْقَوَاعِد قَالَ وَلم تعتمد النُّحَاة فِي ترخيمه على سَماع إِنَّمَا قَالُوهُ بِالْقِيَاسِ من جِهَة أَن الِاسْم الثَّانِي مِنْهُ يشبه تَاء التَّأْنِيث فعومل معاملتها بالحذف على التَّرْخِيم قَالَ ولكونه غير مسموع اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة ترخيمه فَقَالَ البصريون كلهم بِحَذْف الثَّانِي مِنْهُ فَيُقَال فِي حَضرمَوْت وَخَمْسَة عشر وسيبويه يَا حضر وَيَا خَمْسَة وَيَا سيب وَمنع ذَلِك ابْن كيسَان لِأَنَّهُ يلتبس بالمفردات وَقَالَ يحذف مِنْهُ حرف أَو حرفان فَيُقَال يَا حضرم فِي حَضرمَوْت وَيَا بعلب فِي بعلبك لِأَن ذَلِك أدل على الْمَحْذُوف من حذف الثَّانِي بأسره وَأجَاب الْأَولونَ عَن اللّبْس بِأَنَّهُ يَزُول بالانتظار فَيتَعَيَّن إِذا خيف وَقَالَ الْفراء فِيمَا آخِره (ويه) لَا يحذف مِنْهُ إِلَّا الْهَاء خَاصَّة ثمَّ تقلب الْيَاء ألفا فَيُقَال فِي سِيبَوَيْهٍ يَا سيبوا الثَّانِيَة إِذا سمي بِاثْنَيْ عشر واثنتي عشرَة رخم بِحَذْف الْعَجز وتحذف مَعَه الْألف أَيْضا فَيُقَال يَا اثن وَيَا اثنة كَمَا يُقَال فِي ترخيمهما لَو لم يركبا وَهَذَا بِنَاء على أَن الْمركب من الْعدَد إِذا سمي بِهِ يجوز ترخيمه وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَمنع مِنْهُ الْفراء الثَّالِثَة مَا سمي بِهِ من الْجُمْلَة كتأبط شرا فِي ترخيمه خلاف فَذهب أَكثر النَّحْوِيين إِلَى الْمَنْع وَابْن مَالك إِلَى الْجَوَاز وَنَقله عَن سِيبَوَيْهٍ فَيُقَال يَا تأبط بِحَذْف الثَّانِي وَقَالَ أَبُو حَيَّان هَذَا النَّقْل عَن سِيبَوَيْهٍ خطأ فَإِن سِيبَوَيْهٍ نَص على الْمَنْع وَقد سقت عِبَارَته فِي النكت الَّتِي لي على (الألفية) وَمَا ضم إِلَيْهَا الرَّابِعَة لَا يسْتَثْنى من الْعلم الْمُفْرد شَيْء عِنْد الْجُمْهُور وَاسْتثنى الْجرْمِي مَسْأَلَة طامر بن طامر كِنَايَة عَمَّن لَا يعرف وَلَا يعرف أَبوهُ فَلم يجز ترخيمه لِأَنَّهُ كِنَايَة عَن اسْمه ورد بِأَنَّهُم رخموا فلَانا سمع يَا فَلَا تعال وَهُوَ أَيْضا كِنَايَة
[ ٢ / ٨٢ ]
وَأجِيب بِأَن فلَانا كِنَايَة عَن الْأَعْلَام فرخم كَمَا يرخم الْعلم وطامر بن طامر كِنَايَة عَن مَجْهُول لَا عَن علم وَاسْتثنى الْكُوفِيُّونَ مَا سمي بِهِ من مثنى وَجمع تَصْحِيح فمنعوا ترخيمه والبصريون جوزوه بِحَذْف الْعَلامَة وَالنُّون
مَا يحذف مَعَ الْحَرْف الْأَخير
(ص) ويحذف مَعَ الآخر متلوه لينًا سَاكِنا زَائِدا قبله أَكثر من حرفين وحركة تجانسه وَجوز الْجرْمِي حذف تالي الْفَتْح والأخفش المقلوب عَن أصل وَالْفراء السَّاكِن الصَّحِيح ولين بعد حرفين وَقيل إِن كَانَ واوا وَقوم المدغم والكوفية يَا فعلايا وَالْألف قبلهَا ويحذف زائدان زيدا مَعًا مَا لم يبْق على حرفين وَكَذَا إِن حرك أَولهمَا على الْمَشْهُور أما متلو الْهَاء فَمَنعه الْأَكْثَر وَجوزهُ سِيبَوَيْهٍ إِن بَقِي ثَلَاثَة وَلم ينْتَظر وَقَالَ أَبُو حَيَّان يجوزان وَالتّرْك أَكثر (ش) تقدم أَن التَّرْخِيم حذف الآخر ويحذف مَعَ الآخر أَيْضا مَا قبله من حرف لين سَاكن زيد قبله أَكثر من حرفين وحركة تجانسه سَوَاء كَانَ الآخر صَحِيحا أَصْلِيًّا أم زَائِدا أم حرف عِلّة بِشَرْط أَلا يكون هَاء تَأْنِيث فَيُقَال فِي مَنْصُور ومسكين ومروان وَأَسْمَاء وزيدان وزيدون وهندات أعلاما يَا منص وَيَا مسك وَيَا مرو وَيَا أسم وَيَا زيد وَيَا هِنْد فَإِن اخْتَلَّ شَرط مِمَّا ذكر لم يحذف مَا قبل الآخر فَلَا يحذف إِن كَانَ صَحِيحا كجعفر وَلَا لينًا متحركا كقنور وهبيخ وَلَا أَصْلِيًّا كمختار ومنقاد فَإِن ألفهما منقلبة عَن يَاء وواو خلافًا للأخفش حَيْثُ جوز الْحَذف فِي هَذِه الصُّورَة فَيُقَال يَا مخت وَيَا منق وَلَا مَا قبله حرفان فَقَط كعماد وَثَمُود وَسَعِيد لِئَلَّا
[ ٢ / ٨٣ ]
يشبه الِاسْم بِبَقَائِهِ على حرفين الأدوات إِذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المتمكنة مَا آخِره سَاكن خلافًا للفراء حَيْثُ جوز الْحَذف فِيهِ فَيُقَال يَا عَم وَيَا ثمَّ وَيَا سع وَقيل إِنَّمَا قَالَ الْفراء بالحذف فِي ثَمُود فَقَط فِرَارًا من بَقَاء آخر الِاسْم واوا بعد ضمة وَوَافَقَ الْبَصرِيين فِي عماد وَسَعِيد لانْتِفَاء ذَلِك وَجوز أَيْضا حذف مَا قبل الآخر من سَاكن صَحِيح قبله حرفان فَقَط كهرقل فَقيل يَا هر قَالَ لِأَنَّهُ لَو بَقِي السَّاكِن أشبه الأدوات إِذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المتمكنة مَا آخِره سَاكن ورد بِأَنَّهُ على لُغَة التَّمام لَا يشبهها وَعلي الِانْتِظَار الْمَحْذُوف مُرَاد وَجوز آخَرُونَ حذف السَّاكِن الصَّحِيح إِن كَانَ مدغما كقرشب لِأَنَّهُ فِي قُوَّة حرف وَاحِد وَلَا مَا قبله حَرَكَة لَا تجانسه كغرنيق وفردوس خلافًا للفراء والجرمي حَيْثُ جوزوا الْحَذف فِيهِ فَيُقَال يَا غرن وَيَا فَرد وَلَا مَا قبل هَاء التَّأْنِيث كسعلاة ومَيْمُونَة عِنْد الْأَكْثَرين وَأَجَازَ سِيبَوَيْهٍ حذفه إِن بَقِي بعده ثَلَاثَة أحرف فَصَاعِدا وَلم ينْتَظر الْمَحْذُوف قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَبِه ورد السماع قَالَ: ٧١٨ -
(أحار بْنَ بدر قد وَلِيتَ ولَايَة )
[ ٢ / ٨٤ ]
يُرِيد حَارِثَة بن بدر وَقَالَ: ٧١٩ -
(يَا أرْطَ إنّك فاعِلٌ مَا قُلْتَهُ )
يُرِيد يَا أَرْطَاة وَقَالَ: ٧٢٠ -
(أَنَّك يَا مُعَاو يَا بْنَ الأفْضَل )
[ ٢ / ٨٥ ]
يُرِيد يَا مُعَاوِيَة وَيَا بن الْأَفْضَل منادى ثَان لِأَن بعض المنشدين لَهُ من الْعَرَب كَانَ يقطع عِنْد قَوْله يَا معاو ثمَّ يَبْتَدِئ يَا بن الْأَفْضَل ثمَّ قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْوَجْه أَن فِي ذِي التَّاء الَّذِي هُوَ على أَكثر من أَرْبَعَة أحرف وَجْهَيْن أَحدهمَا وَهُوَ الشَّائِع الْكثير ترخيمه بِحَذْف التَّاء فَقَط وَالثَّانِي وَهُوَ قَلِيل ترخيمه بِحَذْف التَّاء وَمَا يَليهَا وَمَا فِيهِ زائدتان زيدا مَعًا يحذفان وَذَلِكَ ألفا التَّأْنِيث كحمراء وَالْألف وَالنُّون فِي نَحْو سَكرَان وعلامة التَّثْنِيَة والجمعين كَمَا تقدم وياء النّسَب كطائفي وَالْوَاو وَالتَّاء فِي ملكوت ورهبوت وَله ثَلَاثَة شُرُوط الأول كَون زيادتهما مَعًا كَمَا ذكر فَلَو لم يزادا مَعًا كعلباء لم يحذفا لِأَن الأولى زيدت لتلحق مَا زيدت الْأُخْرَى لَهُ وَهُوَ فعلل بِبِنَاء سرداح وزلزال وَكَذَلِكَ حولايا وبردرايا لَا يحذفان لِأَنَّهُمَا لم يزادا مَعًا بل الْأَخِيرَة جَاءَت للتأنيث بعد مَا كَانَت الأولى للإلحاق
[ ٢ / ٨٦ ]
الثَّانِي أَن يبقي الِاسْم على ثَلَاثَة فَإِن بَقِي على أقل لم يحذفا كيدان أَو بنُون علما الثَّالِث أَن يكون أول الزيادتين سَاكِنا فَإِن كَانَ متحركا لم يحذفا كفرتني وَمن النَّحْوِيين من يحذفهما مَعًا وَمَا آخِره ثَلَاث زَوَائِد مِمَّا قبل آخِره حرف عِلّة كحولايا وبردرايا لَا يحذف مِنْهُ إِلَّا الْأَخير فَقَط عِنْد الْبَصرِيين وَجوز الكوفية حذف الثَّلَاثَة قَالَ أَبُو حَيَّان قِيَاس قَوْلهم يَقْتَضِي حذف الثَّلَاثَة فِي رغبوتي ورهبوتي
لُغَة الِانْتِظَار ولغة ترك الِانْتِظَار فِي المرخم
(ص) مَسْأَلَة الأجود انْتِظَار الْمَحْذُوف فَلَا يُغير إِلَّا بتحريك مَا كَانَ مدغما إِن تَلا ألفا قيل أَولا بِمَا كَانَ لَهُ لَا أُصَلِّي السّكُون فيفتحه على الْأَصَح وَثَالِثهَا يحذف كل سَاكن يبْقى قَالَ الْأَكْثَر وَألا يرد مَا زَالَ سَبَب حذفه وَيتَعَيَّن الِانْتِظَار فِي ذِي التَّاء إِن ألبس وَقيل مُطلقًا وَقيل لَا يشْتَرط اللّبْس فِي الْأَعْلَام وَفِيمَا يُؤَدِّي إِلَى عدم نَظِير على الْأَصَح وَيُعْطى آخر مَا لم ينْتَظر مَا اسْتَحَقَّه لَو تمم بِهِ وضعا وَيرد ثَالِث ثنائي ذِي لين ويضعف ثَانِيَة إِن جهل وعينه الكوفية فِيمَا قبل آخِره سَاكن
[ ٢ / ٨٧ ]
(ش) فِي المرخم لُغَتَانِ الِانْتِظَار وَهُوَ نِيَّة الْمَحْذُوف وَترك الِانْتِظَار وَهُوَ عدم نِيَّته وَالْأول أَكثر اسْتِعْمَالا وأقواهما فِي النَّحْو وَجَاء عَلَيْهِ مَا قرئَ ﴿وَنَادَوْا يَا مَال﴾ [الزخرف: ٧٧] وَقَول زُهَيْر: ٧٢١ -
(يَا حَار لَا أُرْمَيْن مِنْكُم بداهِيَةٍ )
وَجَاء على الثَّانِي: ٧٢٢ -
(يَدْعُون عَنْتَرُ والرِّماحُ كأنّها )
[ ٢ / ٨٨ ]
ثمَّ إِذا انْتظر فَلَا يُغير مَا بَقِي بل يبقي على حركته وسكونه فَيُقَال يَا جعف وَيَا هرق وَلَا يعل فَيُقَال فِي ثَمُود وعلاوة وسقاية يَا ثمو وَيَا علاو وَيَا سقاي إِلَّا بأمرين أَحدهمَا تَحْرِيك مَا كَانَ سَاكِنا للإدغام إِن كَانَ قبله ألف كاحمار ومحمار علمين فِرَارًا من التقاء الساكنين بِخِلَاف مَا قبله غير ألف كحدب ومحمر فَإِنَّهُ يبقي على سكونه خلافًا للفراء فِي قَوْله بتحريكه أَيْضا وَحَيْثُ حرك على رَأْي النَّاس أَو على رَأْيه فبالحركة الأولى الَّتِي كَانَت لَهُ فِي الأَصْل فيحرك فِي احمار بِالْفَتْح وَفِي محمار ومحمر بِالْكَسْرِ فَإِن لم تكن لَهُ حَرَكَة فِي الأَصْل كأسحار نبت فبالفتح لِأَنَّهُ أقرب الحركات وَقيل بِالْكَسْرِ على أصل التقاء الساكنين نَقله ابْن عُصْفُور عَن الْفراء وَقيل يسْقط كل سَاكن يبقي بعد الآخر حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى متحرك فَيُقَال يَا أسح نَقله صَاحب رُءُوس الْمسَائِل عَن الْفراء الثَّانِي أَن يكون مَا قبل آخر الِاسْم قد حذف لواو جمع كقاضون ومصطفون علمين فَإِن الْيَاء وَالْألف حذفتا لملاقاة الْوَاو فَإِذا رخم بِحَذْف الْوَاو مَعَ النُّون ردَّتْ الْيَاء وَالْألف لزوَال الْمُوجب للحذف فَيُقَال يَا قَاضِي وَيَا مصطفى هَذَا مَذْهَب أَكثر النَّحْوِيين وقاسوه على رد مَا
[ ٢ / ٨٩ ]
حذف لنون التوكيد الْخَفِيفَة عِنْد ذهابها فِي الْوَقْف وَعلي رد مَا حذف للإضافة عِنْد حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَخَالفهُم ابْن مَالك وَقَالَ لَا يرد هُنَا فَيُقَال يَا قَاض وَيَا مصطف وَإِلَّا لزم رد كل مغير بِسَبَب إِزَالَة التَّرْخِيم إِلَى مَا كَانَ يسْتَحقّهُ وَيتَعَيَّن الِانْتِظَار فِي موضِعين أَحدهمَا مَا فِيهِ تَاء التَّأْنِيث إِذا خيف التباسه بالمذكر كعمرة وضخمة وعادلة وقائمة إِذْ التَّمام فِيهِ يُوهم أَن المنادى مُذَكّر هَكَذَا جزم بِهِ ابْن مَالك وَأطلق صَاحب رُءُوس الْمسَائِل الْمَنْع من غير اعْتِبَار لبس الْبَتَّةَ قَالَ أَبُو حَيَّان وَفصل شُيُوخنَا فَلم يعتبروا اللّبْس فِي الْأَعْلَام واعتبروا فِي الصِّفَات قَالَ وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام سِيبَوَيْهٍ الثَّانِي مَا يلْزم بِتَقْدِير تَمام الْأَدَاء إِلَى عدم النظير كَمَا لَو رخم (طيلسان) بِكَسْر اللَّام فَإِنَّهُ لَو قدر تَاما لزم وجود فيعل بِكَسْر الْعين فِي الصَّحِيح الْعين وَهُوَ بِنَاء مهمل كَذَا جزم بِهِ ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان هَذَا مَذْهَب الْأَخْفَش وَأما سَائِر النَّحْوِيين كالسيرافي وَغَيره فَإِنَّهُم أَجَازُوا فِيهِ التَّمام وَلم يعتبروا مَا يَئُول إِلَيْهِ الِاسْم بعد التَّرْخِيم من ذَلِك لِأَن الأوزان إِنَّمَا يعْتَبر فِيهَا الأَصْل لَا مَا صَارَت إِلَيْهِ بعد الْحَذف وَإِذا ترك الِانْتِظَار أعطي آخر الِاسْم مَا يسْتَحقّهُ لَو تمم بِهِ وضعا فيضم ظَاهرا إِن كَانَ صَحِيحا فَيُقَال يَا حَار وَيَا جعف وَيَا هرق وتقدر فِيهِ الضمة إِن كَانَ مُعْتَلًّا كَقَوْلِك فِي نجاية يَا نَاجِي بِسُكُون الْيَاء ويعل بِالْقَلْبِ أَو الْإِبْدَال كَقَوْلِك فِي ثَمُود يَا ثمي بقلب الْوَاو يَاء إِذْ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء المتمكنة مَا آخِره وَاو قبلاه ضمة وَفِي علاوة وسقاية يَا عَلَاء وَيَا سقاء بإبدال الْوَاو وَالْيَاء همزَة لوقوعهما آخرا إِثْر ألف زَائِدَة وَفِي قطوان (يَا قطا) بقلب الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا وَإِن كَانَ ثنائيا ذَا لين ضعف إِن لم يعلم لَهُ ثَالِث ك (لات)
[ ٢ / ٩٠ ]
مسمي بِهِ إِذا رخمته حذفت التَّاء وضعفت الْألف فحركت الثَّانِيَة فَانْقَلَبت همزَة فَقيل يَا لاء وَإِن علم ثَالِثَة جِيءَ بِهِ ك (ذَات) علما يرخم بِحَذْف التَّاء وَيرد الْمَحْذُوف وَهُوَ الْوَاو لِأَن أَصله ذَوَات وَلذَا قيل فِي التَّثْنِيَة ذواتا فَيُقَال يَا ذَوا وَلَا تتَعَيَّن لُغَة التَّمام عِنْد الْبَصرِيين فِي شَيْء من الْأَسْمَاء وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ تتَعَيَّن فِيمَا إِذا كَانَ قبل الآخر سَاكن كهرقل فِرَارًا من وجود اسْم مُتَمَكن سَاكن الآخر (ص) وَجوز الْأَكْثَر زِيَادَة التَّاء مَفْتُوحَة فِيمَا حذفت مِنْهُ وَقوم الْألف الممدودة وَيقف على المرخم بِحَذْف الْهَاء غَالِبا بهاء سَاكِنة وَهِي المحذوفة أَو للسكت خلف ويعوضمنها ألف الْإِطْلَاق ضَرُورَة (ش) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ الأولى سمع من كَلَام الْعَرَب مثل يَا عَائِشَة بِفَتْح التَّاء قَالَ النَّابِغَة: ٧٢٣ -
(كِلِينِي لِهَمُّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ )
الرِّوَايَة بِفَتْح أُمَيْمَة فَاخْتلف النُّحَاة فِي تَخْرِيج ذَلِك فَقَالَ ابْن كيسَان هُوَ مرخم وَهَذِه التَّاء هِيَ المبدلة من هَاء التَّأْنِيث الَّتِي تلْحق فِي الْوَقْف أثبتها فِي الْوَصْل إِجْرَاء لَهُ مجري الْوَقْف وألزمها الْفَتْح إتباعا لحركة آخر المرخم المنتظر
[ ٢ / ٩١ ]
وَذهب قوم مِنْهُم الْفَارِسِي إِلَى أَنَّهَا أقحمت سَاكِنة بَين حرف آخر المرخم وحركته فحركت بحركته ودعاهم إِلَى الْقَوْم بزيادتها حَشْوًا أَنَّهَا لَو دخلت بعد الْحَرْف وحركته لَكَانَ الِاسْم قد كمل وَوَجَب بِنَاؤُه على الضَّم وَذهب آخَرُونَ مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن التَّاء زيدت آخرا لبَيَان أَنَّهَا الَّتِي حذفت فِي التَّرْخِيم وحركت بِالْفَتْح إتباعا وَعلي هَذِه الْأَقْوَال الِاسْم مرخم وَقيل إِنَّه غير مرخم وَالتَّاء غير زَائِدَة بل هِيَ تَاء الْكَلِمَة حركت بِالْفَتْح إتباعا لحركة مَا قبلهَا وَالِاسْم مَبْنِيّ على الضَّم تَقْديرا كَمَا أَن الأول من يَا زيد بن عَمْرو كَذَلِك وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ ابْن مَالك فِي (شرح التسهيل) بعد جزمه بقول سِيبَوَيْهٍ فِي (التسهيل) وَاخْتَارَهُ أَيْضا ابْن طَلْحَة وَألْحق قوم فِي جَوَاز الْفَتْح بِذِي الْهَاء ذَا الْألف الممدودة فَأجَاز أَن يُقَال يَا عفراء هَلُمِّي بِالْفَتْح قَالَ ابْن مَالك وَهَذَا لَا يَصح لِأَنَّهُ غير مسموع وَقِيَاسه على ذِي التَّاء قِيَاس على مَا خرج من الْقَوَاعِد الثَّانِيَة لَا يسْتَغْنى غَالِبا عَن التَّاء فِي الْوَقْف على المرخم بِحَذْف التَّاء عَن هَاء سَاكِنة فَيُقَال فِي الْوَقْف على مثل يَا طلح يَا طلحه وندر تَركهَا حُكيَ سِيبَوَيْهٍ يَا حرمل فِي الْوَقْف يُرِيد يَا حَرْمَلَه قَالَ ابْن عُصْفُور وَهَذَا يسمع وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَيَّان بل يُقَاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ضَرُورَة شعر لكنه قَلِيل وَإِذا وقف بهَا فَهَل هِيَ الَّتِي كَانَت فِي الِاسْم قبل ترخيمه أُعِيدَت فِي الْوَقْف سَاكِنة مَقْلُوبَة هَاء أَو هِيَ غَيرهَا وَهِي هَاء السكت المزيدة فِي الْوَقْف خلاف جزم ابْن مَالك بِالْأولِ قَالَ أَبُو حَيَّان
[ ٢ / ٩٢ ]
وَحَاصِله أَن التَّرْخِيم لَا يكون إِلَّا فِي الْوَصْل فَإِذا وقفُوا فَلَا ترخيم قَالَ وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ الثَّانِي قَالَ وَمحل زيادتها مَا إِذا رخم على لُغَة الِانْتِظَار أما إِذا رخم على لُغَة التَّمام فَلَا لِأَنَّهُ نقص لما اعتمدوا عَلَيْهِ من جعله اسْما تَاما حِين بنوه على الضَّم وَقد يَجْعَل بدل الْهَاء ألف الْإِطْلَاق عوضا مِنْهَا فِي الضَّرُورَة قَالَ: ٧٢٤ -
(قِفي قبل التّفَرُّق يَا ضَبَاعا )
ذكره ابْن عُصْفُور وَغَيره وَنَصّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ وَاعْلَم أَن الشُّعَرَاء إِذا اضطروا حذفوا هَذِه الْهَاء فِي الْوَقْف وَذَلِكَ لأَنهم يجْعَلُونَ الْمدَّة الَّتِي تلْحق القوافي بَدَلا مِنْهَا
[ ٢ / ٩٣ ]
الْمَفْعُول الْمُطلق
(ص) الْمَفْعُول الْمُطلق هُوَ الْمصدر وَقيل يخْتَص بِمَا فعله عَام وَقيل أَعم مِنْهُ (ش) إِنَّمَا سمي مَفْعُولا مُطلقًا لِأَنَّهُ لم يُقيد بِحرف جر كالمفعول بِهِ وَله وَفِيه وَمَعَهُ والمصدر هُوَ الْمَفْعُول حَقِيقَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يحدثه الْفَاعِل وَأما الْمَفْعُول بِهِ فَمحل الْفِعْل وَالزَّمَان وَقلت يَقع فِيهِ الْفِعْل وَالْمَكَان مَحل الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَالْفِعْل وَالْمَفْعُول لَهُ عِلّة وجود الْفِعْل وَالْمَفْعُول مَعَه مصاحب للْفَاعِل أَو الْمَفْعُول قَالَ أَبُو حَيَّان تَسْمِيَة مَا انتصب مصدرات مَفْعُولا مُطلقًا هُوَ قَول النَّحْوِيين إِلَّا مَا ذكره صَاحب الْبَسِيط من تقسيمه الْمصدر المنتصب إِلَى مفعول مُطلق وَإِلَى مُؤَكد وَإِذا متسع فالمفعول الْمُطلق عِنْده مَا كَانَ من أَفعَال الْعَامَّة نَحْو فعلت وصنعت وعملت وأوقعت فَإِذا قلت فعلت فعلا فالواقع ذَات الْفِعْل لِأَن الذوات الْوَاقِعَة منا فِي هَذَا وَلَا يَقع منا الْجَوَاهِر والأعراض الخارجية عَنَّا فَلَا تكون مُطلقَة فِي حَقنا بل فِي حق الله كَقَوْلِك خلق الله زيدا فَإِنَّهُ مفعول مُطلق فَلذَلِك كَانَ الْمَفْعُول الْمُطلق أَعم من الْمصدر الْمُطلق
الْخلاف بَين النَّحْوِيين فِي أصل الْمصدر
(ص) وَهُوَ أصل الْفِعْل وَالْوَصْف وَقَالَ الكوفية الْفِعْل وَابْن طَلْحَة كل أصل وَقوم الْفِعْل أصل الْوَصْف
[ ٢ / ٩٤ ]
(ش) مَذْهَب أَكثر الْبَصرِيين أَن الْمصدر أصل وَالْفِعْل وَالْوَصْف فرعان مشتقان مِنْهُ لِأَنَّهُمَا يدلان على مَا تضمنه من معنى الْحَدث وَزِيَادَة الزَّمَان والذات الَّتِي قَامَ بهَا الْفِعْل وَذَلِكَ شَأْن الْفَرْع أَن يدل على مَا يدل عَلَيْهِ الأَصْل وَزِيَادَة وَهِي فَائِدَة الِاشْتِقَاق وَمذهب الْكُوفِيّين أَن الْفِعْل أصل والمصدر مُشْتَقّ مِنْهُ لِأَن الْمصدر مُؤَكد للْفِعْل والمؤكد قبل الْمُؤَكّد وَلِأَن الْمصدر يعتل باعتلال الْفِعْل وَيصِح بِصِحَّتِهِ وَذَلِكَ شَأْن الْفُرُوع أَن تحمل على الْأُصُول وَذهب ابْن طَلْحَة إِلَى أَن كلا من الْمصدر وَالْفِعْل أصل بِنَفسِهِ وَلَيْسَ أَحدهمَا مشتقا من الآخر وَذهب بعض الْبَصرِيين إِلَى أَن الْمصدر أصل للْفِعْل وَالْفِعْل أصل للوصف ورد بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوَصْف مَا فِي الْفِعْل من الدّلَالَة على زمن معِين فَبَطل اشتقاقه مِنْهُ وَتعين اشتقاقه من الْمصدر قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الْخلاف لَا يجدي كثير مَنْفَعَة
الْمصدر الْمُبْهم والمصدر الْمُخْتَص
(ص) ثمَّ إِن لم يفد زِيَادَة على عَامله فمبهم لتوكيد وَإِلَّا فمختص لنَوْع وَعدد ويثنى وَيجمع دون الأول وَفِي النَّوْع خلف
[ ٢ / ٩٥ ]
(ش) الْمصدر نَوْعَانِ مُبْهَم وَهُوَ مَا يُسَاوِي معنى عَامله من غير زِيَادَة كقمت قيَاما وَجَلَست جُلُوسًا وَهُوَ لمُجَرّد التَّأْكِيد وَمن ثمَّ لَا يثنى وَلَا يجمع لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الْفِعْل فعومل مُعَامَلَته فِي عدم التَّثْنِيَة وَالْجمع وَلذَا قَالَ ابْن جني إِنَّه من قبيل التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ وَقيل إِنَّه من التوكيد الْمَعْنَوِيّ لإِزَالَة الشَّك عَن الْحَدث وَرفع توهم الْمجَاز وَعَلِيهِ الْآمِدِيّ وَغَيره وَقسم هَؤُلَاءِ التوكيد الْمَعْنَوِيّ إِلَى قسمَيْنِ مَا لإِزَالَة الشَّك عَن الْحَدث وَهُوَ بِالْمَصْدَرِ وَمَا لإزالته عَن الْمُحدث عَنهُ وَهُوَ بِالنَّفسِ وَالْعين ومختص وَهُوَ مَا زَاد على معنى عَامله فَيُفِيد نوعا أَو عددا نَحْو ضربت ضرب الْأَمِير أَو ضربتين أَو ضربات ويثنى ذُو الْعدَد وَيجمع بِلَا خلاف وَأما النَّوْع فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَنه يثنى وَيجمع وَعَلِيهِ ابْن مَالك قِيَاسا على مَا سمع مِنْهُ كالعقول والألباب والحلوم وَالثَّانِي لَا وَعَلِيهِ الشلوبين قِيَاسا للأنواع على الْآحَاد فَإِنَّهَا لَا تثنى وَلَا تجمع لاختلافها وَنسبه أَبُو حَيَّان لظَاهِر كَلَام سِيبَوَيْهٍ قَالَ والتثنية أصلح من الْجمع قَلِيلا تَقول قُمْت قيامين وَقَعَدت قعودين وَالْأَحْسَن أَن يُقَال نَوْعَيْنِ من الْقيام ونوعين من الْقعُود
[ ٢ / ٩٦ ]
ناصب الْمصدر
(ص) وناصبه مثله وَصفَة وَفعل فَإِن كَانَ من لَفظه وَجرى عَلَيْهِ قَالَ ابْن الطراوة بِفعل مُضْمر والسهيلي بمضمر مِنْهُ وَإِن لم يجز فثالثها إِن غاير مَعْنَاهُ فبفعله الْمُضمر وَإِلَّا فبه أَو من غير لفظ فالجمهور بمضمر وثالثهما إِن كَانَ لتوكيد أَو مُخْتَصًّا وَله فعل (ش) ينصب الْمصدر بمصدر مثله نَحْو: ﴿فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا﴾ [الْإِسْرَاء: ٦٣] وَعَجِبت من ضرب زيدٍ عمرا ضربا وبالوصف اسْم فَاعل نَحْو: ﴿والذاريات ذَروا﴾ [الذاريات: ١] ﴿وَالصَّافَّات صفا﴾ [الصافات: ١] ﴿فالعاصفات عصفا﴾ [المرسلات: ٢] أَو اسْم مفعول نَحْو أَنْت مَطْلُوب طلبا وبالفعل نَحْو: ﴿وَمَا بدلُوا تبديلا﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٣] هَذَا إِن كَانَ من لَفظه وَهُوَ جَار عَلَيْهِ كَمَا مثلنَا على مَذْهَب الْجُمْهُور وَنفي صَاحب الإفصاح فِيهِ الْخلاف وَقَالَ ابْن الطراوة هُوَ مفعول بِهِ بِفعل مُضْمر لَا يجوز إِظْهَاره وَالتَّقْدِير فِي قعد قعُودا فعل قعُودا وَقَالَ السُّهيْلي كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ أنصبه بمضمر من لفظ الْفِعْل السَّابِق فَإِذا قيل قعد قعُودا فَهُوَ عِنْده ب (قعد) أُخْرَى لَا يجوز إظهارها
[ ٢ / ٩٧ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا كُله تكلّف وَخُرُوج عَن الظَّاهِر بِلَا دَلِيل فَإِن كَانَ من لَفظه وَهُوَ غير جَار عَلَيْهِ نَحْو: ﴿أنبتكم من الأَرْض نباتا﴾ [نوح: ١٧] فَثَلَاثَة مَذَاهِب أَحدهَا أَنه مَنْصُوب بذلك الْفِعْل الظَّاهِر وَعَلِيهِ الْمَازِني وَالثَّانِي أَنه مَنْصُوب بِفعل ذَلِك الْمصدر الْجَارِي عَلَيْهِ مضمرا وَالْفِعْل الظَّاهِر دَلِيل عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْمبرد وَابْن خروف وَعَزاهُ لسيبويه وَالثَّالِث التَّفْصِيل فَإِن كَانَ مَعْنَاهُ مغايرا لِمَعْنى الْفِعْل الظَّاهِر كالآية فنصبه بِفعل مُضْمر وَالتَّقْدِير فنبتم نباتا لِأَن النَّبَات لَيْسَ بِمَعْنى الإنبات فَلَا يَصح توكيده بِهِ وَإِن كَانَ غير مُغَاير فنصبه بِالظَّاهِرِ كَقَوْلِه: ٧٢٥ -
(وقَدْ تَطَوَّيْتُ انطِواءَ الحَضْبِ )
لِأَن التطوي والانطواء بِمَعْنى وَاحِد وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وَإِن كَانَ من غير لَفظه فَثَلَاثَة مَذَاهِب أَحدهَا وَعَلِيهِ الْجُمْهُور أَنه مَنْصُوب بِفعل مُضْمر من لَفظه كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٩٨ ]
٧٢٦ -
(السّالِكُ الثُغْرةَ اليقظانَ كالِئُها مَشْيَ الْهَلُوكِ عَلَيْهَا الخَيْعَلُ الفُضُلُ)
ف (مشي) مَنْصُوب بمضمر دلّ عَلَيْهِ السالك وَالثَّانِي أَنه مَنْصُوب بِالْفِعْلِ الظَّاهِر لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ فتعدى إِلَيْهِ كَمَا لَو كَانَ من لَفظه وَعَلِيهِ الْمَازِني وَالثَّالِث وَعَلِيهِ ابْن جني التَّفْصِيل فَإِن أُرِيد بِهِ التَّأْكِيد عمل فِيهِ الْمُضمر الَّذِي من لَفظه كقعدت جُلُوسًا وَقمت وقوفا بِنَاء على أَنه من قبيل التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ فَلَا بُد من اشتراكه مَعَ عَامله فِي اللَّفْظ أَو بَيَان النَّوْع عمل فِيهِ الظَّاهِر لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ ابْن عُصْفُور الْأَمر فِي التَّأْكِيد مَا ذكر وَأما الَّذِي لغير التَّأْكِيد فَإِن وضع لَهُ فعل من لَفظه عمل فِيهِ الْمُضمر أَيْضا كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٩٩ ]
٧٢٧ -
(وآلَتْ حَلْفةً لم تحَلّل )
فحلفة مَنْصُوبَة بحلفت مضمرة وَإِن لم يوضع لَهُ فعل انتصب بِالظَّاهِرِ وَلَا يُمكن أَن يكون بِفعل من لَفظه لِأَنَّهُ لم يوضع (ص) والاختصاص ب (أل) للْعهد وَالْجِنْس وَقيل لَا تدخله إِلَّا (أَن) وصف ونعت وَإِضَافَة وَلَا تعاقبه (أَن) وَالْفِعْل خلافًا للأخفش وينوب مُضَافَة ككل وَبَعض وَضمير وَنَوع وهيئة وَعدد وَإِشَارَة وَأوجب ابْن مَالك وصفهَا بِهِ وَوقت ونعت وَمَا استفهامية وشرطية وَآلَة لَا مَا لم يعْهَد وَمِنْه علم كسبحان وبرة وفجار وَاسْتعْمل نَحْو عَطاء وثواب مصدرا وَلَا يُقَاس وَالْأَكْثَر لَا ينصب مصدرين مؤكدا ومبينا وَقيل يجوز وَثَلَاثَة (ش) فِيهِ مسَائِل الأولى الِاخْتِصَاص فِي الْمصدر يكون ب (أل) إِمَّا عهدية نَحْو ضربت الضَّرْب تُرِيدُ ضربا معهودا بَيْنك وَبَين الْمُخَاطب أَي الضَّرْب الَّذِي تعلم أَو جنسية نَحْو زيد يجلس الْجُلُوس مرِيدا الْجِنْس والتنكير وَيكون بالنعت نَحْو قُمْت قيَاما طَويلا أَو بِالْإِضَافَة نَحْو قُمْت قيام زيد وَالْأَصْل قيَاما مثل قيام زيد حذف الْمصدر ثمَّ صفته وَقَامَ مقامهما الْمصدر فأعرب بإعرابه الثَّانِيَة لَا يجوز أَن تقع أَن وَالْفِعْل فِي موقع الْمصدر فَلَا يجوز ضَربته أَن أضربه لِأَن (أَن) تخلص الْفِعْل للاستقبال والتأكيد إِنَّمَا يكون بِالْمَصْدَرِ الْمُبْهم وَعلله بَعضهم بِأَن (أَن يفعل) يُعْطي محاولة الْفِعْل ومحاولة الْمصدر لَيست بِالْمَصْدَرِ فَلذَلِك لم يسغْ لَهَا أَن تقع مَعَ صلتها موقع الْمصدر وَحكى عَن الْأَخْفَش إجَازَة ذَلِك
[ ٢ / ١٠٠ ]
الثَّالِثَة: يقوم مقَام الْمصدر الْمُبين مَا أضيف إِلَيْهِ من كل، وَبَعض نَحْو ﴿فَلَا تميلوا كل الْميل﴾ [النِّسَاء: ١٢٩] لمته بعض اللوم وَمَا أُدي مَعْنَاهُمَا نَحْو ضربت أَي ضرب ﴿وَلَا تضرونه شَيْئا﴾ [هود: ٥٧] وَضمير نَحْو ﴿لَا أعذبه أحدا من الْعَالمين﴾ [الْمَائِدَة: ١١٥] وَنَوع نَحْو ﴿والنازعات غرقا﴾ [النازعات: ١] وَرجعت الْقَهْقَرِي وَقَعَدت القرفصاء وهيئة نَحْو مَاتَ ميتَة سوء وعاش عيشة مرضية وَعدد نَحْو ضربت ثَلَاثِينَ ضَرْبَة وَاسم إِشَارَة نَحْو ضربت ذَلِك الضَّرْب قَالَ ابْن مَالك وَلَا بُد من جعل الْمصدر تَابعا لاسم الْإِشَارَة الْمَقْصُود بِهِ ذَلِك الْمصدر ورده أَبُو حَيَّان بِأَن من كَلَامهم ظَنَنْت ذَلِك يشيرون بِهِ إِلَى الْمصدر وَلذَلِك اقتصروا عَلَيْهِ إِذْ لَيْسَ مَفْعُولا أول وَلم يذكرُوا بعده الْمصدر تَابعا لَهُ وعَلى هَذَا خرجه سِيبَوَيْهٍ وَوقت نَحْو ٧٢٨ -
(ألم تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلةَ أَرْمَدا )
أَي اغتماض لَيْلَة أرمد ونعت نَحْو ﴿وَاذْكُر رَبك كثيرا﴾ [آل عمرَان: ٤١] وَمَا الاستفهامية نَحْو مَا تضرب زيدا أَي أَي ضرب تضرب زيدا وَمَا الشّرطِيَّة نَحْو مَا شِئْت فَقُمْ أَي أَي قيام شِئْت والآلة نَحْو ضَربته سَوْطًا ورشقته سَهْما وَالْأَصْل ضَرْبَة سَوط ورشقة سهم
[ ٢ / ١٠١ ]
ويطرد فِي جَمِيع أَسمَاء آلَات الْفِعْل، فَلَو قلت: ضَربته خَشَبَة، ورميته آجرة لم يجز لِأَن الآجرة لم تعهد آلَة للرمي والخشبة لم تعهد آلَة للضرب الرَّابِعَة من الْمصدر مَا هُوَ علم للمعنى كسبحان علم للتسبيح وبرة علم للمبرة وفجار علم للفجرة ويسار علم للميسرة يُقَال بره برة وفجر بِهِ فجار وَهُوَ مُعَلّق على الْجِنْس الْخَامِسَة استعملوا الْعَطاء مصدرا بِمَعْنى الْإِعْطَاء وَالثَّوَاب مصدرا معنى الإثابة قَالَ الشَّاعِر ٧٢٩ - ( وَبعد عَطَائِكَ المِائَة الرِّتاعَا )
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثَوابًا من عِنْد الله﴾ [آل عمرَان: ١٩٥] وَذَلِكَ مسموع لَا يُقَاس عَلَيْهِ السَّادِسَة: منع الْأَخْفَش والمبرد وَابْن السراج وَالْأَكْثَرُونَ عمر الْفِعْل فِي مصدرين: مُؤَكد ومبين
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَذهب السيرافي وَابْن طَاهِر إِلَى أَنه يجوز أَن ينصبهما وَأَن ينصب ثَلَاثَة إِذا اخْتلف مَعْنَاهَا نَحْو: ضربت ضربا شَدِيدا ضربتين وَعلي الأول الثَّانِي بدل وَمن المسموع فِي ذَلِك قَوْله: ٧٣٠ -
(وَوَطِئْتَنَا وطْئًا على حَنَق وَطْء المُقَيّدِ يَابِس الهَرْم)
وَلَا يَصح فِيهِ الْبَدَلِيَّة، لِأَن الثَّانِي غير الأول، فَيخرج على إِضْمَار فعل
حذف عَامل الْمصدر
(ص) مَسْأَلَة يحذف عَامله لقَرِينَة وَيجب فِي مَوَاضِع مِنْهَا مَا كَانَ بَدَلا من فعله وَيقدر معنى مَا لَا فعل لَهُ ك " دفرا " وَالأَصَح أَن بهرا فعل وَأَنه لَا يُقَاس فِي الدُّعَاء وَثَالِثهَا يُقَاس إِن كَانَ لَهُ فعل وَجَاز رفع بَعْضهَا وقبح إضافتها وَمَا أضيف نصب وَمِمَّا أفرد وأضيف وَيْح وويس وويب ويختار الرّفْع فِي وَيْح مُفردا عكس تب وَقيل يجب وَفِي عطف وَيْح على تب وَعَكسه خلف وَعلي الْجَوَاز
[ ٢ / ١٠٣ ]
ينصب وَيْح وَتب على حَاله وَيُقَال ويله وويل لَهُ وويل طَوِيل وَبِالنَّصبِ فيهمَا وعول وعولة وَلَا يفرد عَنهُ ومضافها للتبيين ك (لَك) بعد سقيا وَالْأَحْسَن فِي الْمُعَرّف الرّفْع وَهُوَ سَماع فِي الْأَصَح (ش) يجوز حذف عَامل الْمصدر لقَرِينَة لفظية كَقَوْلِك حثيثا لمن قَالَ أَي سير سرت أَو معنوية نَحْو تأهبا ميمونا لمن رَأَيْته يتأهب لسفر وحجا مبرورا لمن قدم من حج وسعيا مشكورا لمن سعى فِي مثوبة وَيجب الْحَذف فِي مَوَاضِع مِنْهَا حَيْثُ كَانَ الْمصدر بَدَلا من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ سَوَاء كَانَ فعل مُسْتَعْملا كسقيا ورعيا أَو مهملا أَي غير مَوْضُوع فِي لِسَان الْعَرَب ك (دفرا) بِمَعْنى (نَتنًا) وأفة وَهِي وسخ الْأذن وتفة وَهِي وسخ الْأَظْفَار فَيقدر للثَّلَاثَة فعل من مَعْنَاهَا وَجعل ابْن عُصْفُور من ذَلِك (بهرا) بِمَعْنى غَلَبَة وَمِنْه ٧٣١ -
(ثمَّ قَالُوا تُحِبُّها قلت بَهْرًا )
[ ٢ / ١٠٤ ]
أَي غلبني حبها غَلَبَة وَقَالَ أَبُو حَيَّان حكى ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره أَنه يُقَال للْقَوْم إِذا دعِي عَلَيْهِم بهرهم الله فَيكون مَنْصُوبًا بِفعل مُسْتَعْمل لَا مهمل وَاخْتلف هَل يقْتَصر على مَا سمع من هَذِه الْأَلْفَاظ فِي الدُّعَاء للْإنْسَان أَو عَلَيْهِ كسقيا ورعيا وجدعا وعقرا وبعدا وَسُحْقًا وتعسا ونكسا وبؤسا وخيبة وتبا أَو يُقَاس عَلَيْهَا فسيبويه على الأولى والأخفش والمبرد على الثَّانِي قَالَ أَبُو حَيَّان وَيَنْبَغِي أَن يفصل فَيُقَال مَا كَانَ لَهُ فعل من لَفظه يُقَاس وَمَا لَا فَلَا وَقد جَاءَ بَعْضهَا فِي الشّعْر مَرْفُوعا قَالَ ٧٣٢ -
(أَقَامَ وَأقوى ذاتَ يَوْم وخَيْبَةٌ لأوّل من يَلْقى وشرٌّ مُيَسَّرُ)
فالمجرور خبر لَهُ
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَلَا تسْتَعْمل هَذِه المصادر مُضَافَة إِلَّا فِي قَبِيح من الْكَلَام وَإِذا أضيفت فالنصب حتم وَمِمَّا جَاءَ مُضَافا بعْدك وسحقك وَأنْشد الْكسَائي: ٧٣٣ -
(إِذا مَا المَهَارَى بلْغَتْنَا بلادَنَا فَبُعْدَ المَهَارَى من حَسير ومُتْعَبِ)
وَمِمَّا اسْتعْمل مُفردا ومضافا قَوْلهم للمصاب المرحوم وَيْح فلَان وويحه وويح لَهُ وللمتعجب مِنْهُ ويبا لَهُ وويبك وويب غَيْرك وويسك وويسه قَالَ الْجُزُولِيّ وَهُوَ استصغار واستحقار وَقَالَ ابْن طَاهِر وَيْح كلمة تقال رَحْمَة وويس كلمة تقال فِي معنى رأفة وَهِي مُضَافَة إِلَى الْمَفْعُول وَمَتى أضفتها لَزِمت النصب وَلَا يجوز فِيهَا الرّفْع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ لَا خبر لَهُ فَإِذا أفردت جَازَ الرّفْع وَالنّصب تَقول وَيْح لَهُ وويحا لَهُ وويل لَهُ وويلا لَهُ وَلَا يقوى النصب فِي هَذَا قوته فِي غَيره لِأَن هَذَا مصدر لَا فعل لَهُ وَإِنَّمَا يقوى النصب فِي الْمصدر الَّذِي لَهُ فعل نَحْو حمدا وشكرا فالرفع فِي نَحْو (وَيْح) و(ويل) قوي وَالْغَالِب على (وَيْح) الرّفْع وَعلي (تب) النصب إِذا أفرد نَحْو تَبًّا لَهُ وَيجوز تَبًّا لَهُ وَقَالَ ابْن أبي الرّبيع تَبًّا لَك الْتزم نَصبه وويح لَك الْتزم رَفعه
[ ٢ / ١٠٦ ]
وَفِي ويل لَك وَجْهَان وَلَو قسنا لساوينا وَلَكِن لَا نتعدى السماع فَإِن عطف (وَيْح) على (تب) نصبته وَلَا يجوز رَفعه لِأَنَّهُ لَا خبر لَهُ وَإِن عطف تب على (وَيْح) فكحاله قبل الْعَطف وَيكون جملتان فعلية على اسمية لتساويهما فِي الْمَعْنى وَيُقَال تَبًّا لَهُ وويح لَهُ فَلَا يكون فِي (وَيْح) إِلَّا الرّفْع كحاله قبل الْعَطف انْتهى وَمنع الْمَازِني عطف (وَيْح) على (تب) وَعَكسه قَالَ لِأَن (وَيْح) رَحْمَة لَهُ و(تب) بِمَعْنى خسران لَهُ فَكيف يتَصَوَّر أَن يَدْعُو لَهُ وَعَلِيهِ فِي حِين وَاحِد (وَأجِيب) بِأَن (وَيْح) حِينَئِذٍ أخرج مخرج الدُّعَاء وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الدُّعَاء أَو تَبًّا أَيْضا دُعَاء لَهُ على حد قَاتله الله مَا أشعره وَيُقَال للمصاب المغضوب عَلَيْهِ ويله وويل لَهُ وويلا لَهُ وويل طَوِيل لَهُ وويلا طَويلا فَيجب النصب فِي الْإِضَافَة وَيجوز هُوَ وَالرَّفْع فِي الْإِفْرَاد وَيُقَال عول وعولك وَلَا يفرد وَإِنَّمَا يسْتَعْمل تَابعا لويل ومضافها للتبيين ك (لَك) فِي سقيا لَك وَأما الْمُعَرّف ب (أل) فالرفع فِيهِ أحسن من النصب لِأَنَّهُ صَار معرفَة فقوي فِيهِ الِابْتِدَاء نَحْو الويل لَهُ والخيبة لَهُ لَكِن إِدْخَال (أل) لَيْسَ مطردا فِي جَمِيعهَا وَإِنَّمَا هُوَ سَماع نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فَلَا يُقَال السَّقْي لَك والرعي
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَقَالَ الْفراء والجرمي بقياسه ووهاه أَبُو حَيَّان (ص) وَمِنْه الْمُثَنَّاة كلبيك وَسَعْديك تَابِعَة وحنانيك ودواليك وهذاذيك وحجازيك وحذاريك وحواليك وَلَا تتصرف وَتلْزم الْإِضَافَة وإضافتها لظَاهِر قَالَ ابْن مَالك شَاذَّة لغَائِب وَخَالفهُ أَبُو حَيَّان فَإِن أفردت تصرفت وَزعم يُونُس (لبا) مُفردا قلبت أَلفه وتثنيتها للتكثير وَقيل للشفع وزعمه السُّهيْلي فِي حنانيك خَاصَّة وَالْكَاف فِي مَا هُوَ خبر مفعول وَطلب فَاعل وَقَالَ الأعلم: حرف خطاب وَسمع (لب) كأمس (ش) من الْوَاجِب حذف عَامله لكَونه بَدَلا من فعله قَوْلهم فِي إِجَابَة الدَّاعِي لبيْك وَسَعْديك أَي إِجَابَة بعد إِجَابَة وإسعادا بعد إسعاد أَي كلما دعوتني وأمرتني أَجَبْتُك وساعدتك وَلَا يسْتَعْمل سعديك وَحده بل تَابعا للبيك كعوله بعد ويله
[ ٢ / ١٠٨ ]
وَيجوز أَن يسْتَعْمل حنانيك وَحده وَمِنْه قَوْلهم حنانيك أَي تحننا بعد تَحَنن وَقد نطق بِفِعْلِهِ قَالَ ٧٣٤ -
(نحنّن على هدَاك الملِيكُ فإنّ لكلّ مقَام مَقالاَ)
ودواليك من المداولة قَالَ ٧٣٥ -
(إِذا شُقّ بُرْدٌ شُقّ بالبُرْد مِثْلُه دَوَالَيْكَ حَتَّى كُلُّنَا غيرُ لاَبسِ)
[ ٢ / ١٠٩ ]
أَي تداولنا دواليك كَانَ الرجل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا أَرَادَ أَن يقْعد مَعَ امْرَأَته شقّ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثوب الآخر ليؤكد الْمَوَدَّة وهذاذيك قَالَ ٧٣٦ -
(ضَرْبًا هَذَاذَيْكَ وطَعْنًا وَخْضَا)
أَي: تهذ هذاذيك وحجازيك أَي تحجز حجازيك أَي تمنع وحذاريك أَي تحذر أَي ليكن مِنْك حذر بعد حذر
[ ٢ / ١١٠ ]
زَاد صَاحب الْبَسِيط حواليك أَي إطاقة بعد إطاقة وَهَذِه المصادر كلهَا لَا تتصرف وَهِي مُلْتَزم فِيهَا الْإِضَافَة والتثنية فَإِن أفرد مِنْهَا شَيْء كَانَ متصرفا كَقَوْلِه ٧٣٧ -
(فَقَالَت: حَنَانٌ مَا أَتَى بكِ هَا هُنا )
وَاخْتلف فِي تثنيتها أَهِي تَثْنِيَة يشفع بهَا الْوَاحِد وَهل المُرَاد إِجَابَة مَوْصُولَة بِأُخْرَى ومساعدة مَوْصُولَة بِأُخْرَى وحنان مَوْصُول بآخر أم تَثْنِيَة يُرَاد بهَا التكثير على قَوْلَيْنِ أصَحهمَا الثَّانِي وَقَالَ السُّهيْلي بِالْأولِ فِي حنانيك خَاصَّة قَالَ المُرَاد رَحْمَة فِي الدُّنْيَا وَرَحْمَة فِي الْآخِرَة ورد بِأَن من الْعَرَب من اسْتَعْملهُ وَهُوَ لَا يعْتَقد الْآخِرَة قَالَ طرفَة
[ ٢ / ١١١ ]
٧٣٨ -
(حَنَانَيْكَ بعضُ الشّرّ أَهْون من بَعْض )
وَذهب يُونُس إِلَى أَن لبيْك اسْم مُفْرد وَأَصله قبل الْإِضَافَة لبا مَقْصُورا قلبت أَلفه يَاء لأضافته إِلَى الضَّمِير كَمَا قلبوا فِي لديك وَعَلَيْك وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه وَالْجُمْهُور أَنه تَثْنِيَة لب كَمَا أَن حنانيك تَثْنِيَة حنان لِأَنَّهُ سمع لب وَلم يسمع لبا وَذكر ابْن مَالك أَن إِضَافَة لبيْك إِلَى الظَّاهِر شَاذَّة كإضافتها إِلَى الضَّمِير الْغَائِب قَالَ ٧٣٩ -
(فَلَبّىْ يَدَىْ مِسْور )
[ ٢ / ١١٢ ]
وَقَالَ ٧٤٠ -
(لَبَّيْهِ لمَنْ يَدْعُوني )
[ ٢ / ١١٣ ]
ورده أَبُو حَيَّان بِأَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ فِي كِتَابه يُقَال لبي زيد وسعدي زيد فساق ذَلِك مساق المنقاس المطرد وَالْكَاف فِي نَحْو لبيْك وَسَعْديك وحنانيك الْوَاقِع موقع الْفِعْل الَّذِي هُوَ خبر فِي مَوضِع الْمَفْعُول لِأَن الْمَعْنى لُزُوما وانقيادا لإجابتك ومساعدة لما تحبه وَمعنى قَوْلهم: سُبْحَانَ الله وحنانيه أسبحه وأسترحمه وَالْكَاف فِي نَحْو هَذَا ذيك ودواليك وحنانيك إِذا وَقعت موقع الطّلب فِي مَوضِع الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ هذك ومداولتك وتحننك وَزعم الأعلم أَن الْكَاف حرف خطاب لَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب كهي فِي (أبصرك) و(النجاك) و(ذَلِك) وحذفت النُّون لشبه الْإِضَافَة وَلِأَن الْكَاف تطلب الِاتِّصَال بِالِاسْمِ كاتصالها باسم الْإِشَارَة وَالنُّون تمنعها من ذَلِك فحذفت ورد بِأَن وُقُوع الِاسْم الظَّاهِر وَضمير الْغَائِب مَوضِع الْكَاف يبطل كَونهَا حرفا وَسمع مُفْرد لبيْك لب بِالْكَسْرِ وَهُوَ مصدر بِمَعْنى إِجَابَة مَنْصُوب مَبْنِيّ كأمس وغاق لقلَّة تمكنه كَذَا نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ ورد بِهِ أَبُو حَيَّان على ابْن مَالك حَيْثُ قَالَ إِنَّه اسْم فعل بِمَعْنى أجبْت (ص) وَمِنْه سُبْحَانَ الله ومعاذ الله وريحانه وَيلْزم سُبْحَانَ الله فِي الْأَصَح وَلَا يتَصَرَّف وَيلْزم الْإِضَافَة وَعرف سُبْحَانَ الله ب (أل) فِي الشّعْر وأفرد منونا وَغَيره وَقيل إِنَّه مَبْنِيّ (ش) من الْبَدَل عَن فعله سُبْحَانَ الله أَي بَرَاءَة لَهُ من السوء وَلَيْسَ مصدرا لسبح بل سبح مُشْتَقّ مِنْهُ كاشتقاق حاشيت من حاشي ولويت من لَوْلَا
[ ٢ / ١١٤ ]
وصهصهت وأففت وسوفت وبأبأت ولبيت من صه وأف وسوف وبأبأ ولبيك وَلَا يُقَال: سبح مخففا فَيكون سُبْحَانَ مصدرا لَهُ وَيلْزم الْإِضَافَة وَلَا يتَصَرَّف وَقد يفرد فِي الشّعْر منونا إِن لم تنو الْإِضَافَة كَقَوْلِه ٧٤١ -
(سبحانَهُ ثمَّ سُبْحانًا نعوذُ بِهِ )
وَغير منون إِن نَوَيْت كَقَوْلِه ٧٤٢ -
(سُبْحان من عَلْقَمَة الفاخر )
[ ٢ / ١١٥ ]
أَرَادَ سُبْحَانَ الله فَحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وأبقي الْمُضَاف بِحَالهِ وَعرف ب (أل) فِي الشّعْر قَالَ ٧٤٣ -
(سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السُّبْحَان )
وَمن ذَلِك (معَاذ الله) (بِمَعْنى عياذا بِاللَّه) وَيلْزم أَيْضا الْإِضَافَة وَلَا يتَصَرَّف وَمِنْه ريحَان الله بِمَعْنى استرزاق الله وَيلْزم أَيْضا الْإِضَافَة وَلَا يتَصَرَّف وَلم ينْطق لَهُ بِفعل من لَفظه فَيقدر من مَعْنَاهُ أَي استرزقه وَلَا يسْتَعْمل مُفردا بل مقترنا مَعَ (سُبْحَانَ الله) وَقيل: يسْتَعْمل وَحده لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يذكرهُ مقترنا مَعَ سُبْحَانَ الله وَلَا نبه على ذَلِك وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن سُبْحَانَ علم للتسبيح مَمْنُوع الصّرْف وَقيل: هُوَ مَبْنِيّ، لِأَنَّهُ لَا يتَصَرَّف وَلَا ينْتَقل عَن هَذَا الْموضع فَأشبه الْحَرْف (ص) وَمِنْه سَلاما وحجرا وَمِنْه عجبا وحمدا وشكرا لَا كفرا وَهل هُوَ خبر أَو إنْشَاء أَو يلْزم اجْتِمَاعهمَا خلاف وَمِنْه أَفعلهُ وكرامة ومسرة
[ ٢ / ١١٦ ]
ونعمة عين وحبا ونعام عين وَلَا أَفعلهُ وَلَا كيدا وَلَا هما ولأفعلنه ورغما وَهَوَانًا وَجَاء رفع بَعْضهَا وطرده ابْن عُصْفُور وَمِنْه صلفا وكرما فِي التَّعَجُّب وَهل مِنْهُ غفرانك خلاف (ش) من الْبَدَل عَن فعله سَلاما بِمَعْنى بَرَاءَة مِنْكُم لَا خير بَيْننَا وَلَا شَرّ وَلَا يتَصَرَّف بِخِلَاف (سَلام) بِمَعْنى التَّحِيَّة فَإِنَّهُ يتَصَرَّف وَمِنْه حجرا بِكَسْر الْحَاء يُقَال للرجل أتفعل هَذَا فَيَقُول حجرا أَي منعا أَي أمنع نَفسِي وأبعده وَأَبْرَأ مِنْهُ وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ أَي سترا وَبَرَاءَة من هَذَا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَقُولُونَ حجرا مَحْجُورا﴾ [الْفرْقَان: ٢٢] وَلَا يتَصَرَّف إِذا كَانَ مشابا معنى المبادأة والتعوذ بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ على أَصله من الْمَنْع أَو السّتْر من غير أَن يشاب هَذَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ متصرف كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لذِي حجر﴾ [الْفجْر: ٥] وَمن ذَلِك عجبا وحمدا وشكرا لَا كفرا قَالَ ابْن مَالك وَهِي إنْشَاء قَالَ أَبُو حَيَّان وَكَذَا قَالَ الشلوبين أَيْضا فَقَالَ إِن قلت كَيفَ يكون هَذَا مِمَّا لَا يظْهر فعله وَلَا شكّ أَنه يجوز أَن تَقول حمدت الله حمدا وأحمده حمدا فَالْجَوَاب إِنَّمَا تكلم سِيبَوَيْهٍ فِي (حمد) الَّذِي هُوَ نفس الْحَمد أَعنِي الَّذِي هُوَ صِيغَة الْإِنْشَاء للحمد وَهَذَا لَا يظْهر مَعَه الْفِعْل بل يتعاقبان وَالَّذِي أوردهُ الْمُعْتَرض إِنَّمَا هُوَ مَحْض الْخَبَر عَن الْحَمد لَا نفس الْحَمد قَالَ أَبُو حَيَّان: وَالَّذِي ذكره ابْن عُصْفُور أَن هَذِه الْأَلْفَاظ خبر فَإِنَّهُ قَالَ عجبا وحمدا وشكرا ثلاثتها مصَادر قَائِمَة مقَام أفعالها الناصبة لَهَا أَي أعجب عجبا وَأحمد حمدا وأشكر شكرا وتفارق ويله وَأَخَوَاتهَا فِي أَن معنى هَذِه الْخَبَر وَمعنى تِلْكَ الدُّعَاء وتفارق سُبْحَانَ الله وأخواته وَإِن كَانَ مَعْنَاهَا الْخَبَر من جِهَة أَنَّهَا تتصرف فتستعمل مَرْفُوعَة كَقَوْلِه ٧٤٤ -
(عجبٌ لتلكَ قَضِيّةٌ وإقامتي فيكُمُ على تِلْك القَضِيّة أَعْجَبُ)
[ ٢ / ١١٧ ]
وَتلك لَا تتصرف وَقد سردها سِيبَوَيْهٍ مَعَ مَا هُوَ خبر فَقَالَ (هَذَا بَاب مَا ينْتَصب على إِضْمَار الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره من ذَلِك قَوْلك حمدا وشكرا لَا كفرا وعجبا وأفعل ذَلِك وكرامة ومسرة ونعمة عين وحبا ونعام عين وَلَا أفعل ذَلِك وَلَا كيدا وَلَا هما وَلَأَفْعَلَن ذَلِك ورغما وَهَوَانًا فَإِنَّمَا ينْتَصب هَذَا على إِضْمَار الْفِعْل كَأَنَّك قلت أَحْمد الله حمدا وأشكر الله شكرا وأعجب عجبا وأكرمك كَرَامَة وأسرك مَسَرَّة وَلَا أكاد كيدا وَلَا أهم هما وأغرمك رغما ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد جَاءَ بعض هَذَا رفعا يبتدأ ثمَّ يَبْنِي عَلَيْهِ كَقَوْلِه عجب لتِلْك قَضِيَّة الْبَيْت قَالَ وَسَمعنَا بعض الْعَرَب يُقَال لَهُ كَيفَ أَصبَحت فَيَقُول حمد الله وثناء عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَقُول أَمْرِي وشأني حمد الله وثناء عَلَيْهِ انْتهى قَالَ أَبُو عَمْرو بن بَقِي قَول سِيبَوَيْهٍ حمدا وشكرا لَا كفرا لَهُ كَذَا تكلم بِالثَّلَاثَةِ مجتمعة وَقد تفرد وعجبا مُفْرد عَنْهَا
[ ٢ / ١١٨ ]
وَقَالَ ابْن عُصْفُور لَا يسْتَعْمل كفرا إِلَّا مَعَ حمدا وشكرا وَلَا يُقَال أبدا حمدا وَحده وشكرا إِلَّا أَن يظْهر الْفِعْل على الْجَوَاز وَلَا يلْزم الْإِضْمَار إِلَّا مَعَ لَا كفرا فَهَذِهِ الْأُمُور لما جرت مجْرى الْمثل يَنْبَغِي أَن يلْتَزم فِيهَا مَا التزمته الْعَرَب وَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا يسْتَعْمل (أفعل ذَلِك وكرامة) إِلَّا جَوَابا أبدا وَكَأن قَائِلا قَالَ أفعل ذَلِك أَو أتفعله فَقلت أَفعلهُ وأكرمك بِفِعْلِهِ كَرَامَة وأسرك مَسَرَّة بعد مَسَرَّة وَلَا يسْتَعْمل مَسَرَّة إِلَّا بعد كَرَامَة وَكَذَا نعمى عين بعد (حبا) لَا يُقَال مَسَرَّة وكرامة وَلَا نعمي عين وحبا وكرامة هَذَا اسْم مَوْضُوع مَوضِع الْمصدر الَّذِي هُوَ الْإِكْرَام وَكَذَا نعْمَة عين ونعام عين اسمان فِي معني إنعام ونعام عين بِضَم النُّون وَكسرهَا وَفتحهَا وَأنكر الشلوبين الْفَتْح و(أكاد) الَّذِي قدره سِيبَوَيْهٍ فِي كيدا اخْتلف فِيهِ فَقَالَ الأعلم هِيَ النَّاقِصَة وَالْمعْنَى وَلَا أكاد أقَارِب الْفِعْل وَحذف الْخَبَر للْعلم بِهِ وَقَالَ ابْن طَاهِر هِيَ التَّامَّة وَالْمعْنَى وَلَا مقاربة وهما من هَمَمْت بالشَّيْء وَلَأَفْعَلَن ذَلِك ورغما جَوَاب لمن قَالَ أَفعلهُ وَإِن رغم أَنفه رغما وَإِن هان هوانا قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَول سِيبَوَيْهٍ وَقد جَاءَ بعض هَذَا رفعا فِيهِ دَلِيل على أَنه لَا يطرد وَبِه صرح صَاحب الْبَسِيط وَهُوَ مُخَالف لكَلَام ابْن عُصْفُور أَنَّهَا تسْتَعْمل مَرْفُوعَة انْتهى وَمن ذَلِك قَوْلك فِي التَّعَجُّب كرما وصلفا قَالَ سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ صَار بَدَلا من أكْرم بِهِ وأصلف قَالَ بَعضهم وَيقدر ناصبه كرم كرما وصلف صلفا لِأَن أبنية التَّعَجُّب لَيْسَ مِنْهَا مَا لَهُ مصدر إِلَّا فعل وَمن ذَلِك (غفرانك) عدَّة ابْن مَالك تبعا للزجاجي فِيمَا هُوَ بدل من اللَّفْظ بِالْفِعْلِ وَقيل هُوَ من قبيل مَا يجوز إِظْهَار ناصبه واضطرب كَلَام ابْن عُصْفُور فِي ذَلِك فَمرَّة قَالَ بِالْأولِ وَمرَّة قَالَ بِالثَّانِي
[ ٢ / ١١٩ ]
وَاخْتلف هَل الْفِعْل الناصب لَهُ بِمَعْنى الطّلب أَو بِمَعْنى الْخَبَر فَذهب الزّجاج إِلَى الأول وَأَن التَّقْدِير أَغفر غفرانك وَعَزاهُ السجاوندي إِلَى سِيبَوَيْهٍ وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ إِلَى الثَّانِي وَأَن التَّقْدِير نستغفرك غفرانك وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه مَنْصُوب على الْمَفْعُول بِهِ أَي نطلب أَو نسْأَل غفرانك وَجوز بَعضهم فِيهِ الرّفْع على الِابْتِدَاء أَو إِضْمَار الْخَبَر أَي غفرانك مطلوبنا
مَوَاضِع وجوب حذف عَامل الْمصدر
(ص) وَمِنْهَا الْوَاقِع فِي توبيخ مَعَ اسْتِفْهَام أَو لَا للنَّفس أَو غَيرهَا أَو تَفْصِيل عَاقِبَة طلب أَو خبر أَو نَائِبا عَن خبر اسْم عين بتكرير أَو حصر أَو مُؤَكد جملَة لَا تحْتَمل غَيره وَيُسمى مُؤَكد نَفسه أَو تحْتَمل فمؤكد غَيره وَيلْزم فِيهِ معرفَة الْبَتَّةَ وَلَا يقدم عَلَيْهَا فِي الْأَصَح إِلَّا نَحْو أجدك لَا تفعل اللَّازِم للإضافة لمناسب الْفَاعِل وإيلائه غَالِبا (لَا) أَو (لم) أَو (لن) وَجوز الزّجاج توسيطه وسيبويه رَفعه والمبرد الْبَاقِي وَمِنْهَا الْمُشبه بِهِ مشعرا بحدوث بعد جملَة مُشْتَمِلَة على مَعْنَاهُ وَصَاحبه دون صَالح للْعَمَل وَيجوز إتباعه قَالَ ابْن خروف بِضعْف وَابْن عُصْفُور سَوَاء وَهُوَ أولى إِن خلت الْجُمْلَة (ش) من الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا حذف عَامل الْمصدر مَا وَقع فِي توبيخ سَوَاء مَعَ اسْتِفْهَام كَقَوْلِه:
[ ٢ / ١٢٠ ]
٧٤٥ -
(أَذُلًاّ إِذا شبّ العِدَى نارَ حَرْبهمْ وزَهْوًا إِذا مَا يَجْنَحُونَ إِلَى السّلم)
أم دونه كَقَوْلِه: ٧٤٦ -
(خُمولًا وإهمالًا وَغَيْرك مُولَعٌ بتثبيت أَسبَاب السِّيادة والمَجْدِ)
سَوَاء كَانَ التوبيخ للمخاطب كَمَا مثل وَكَقَوْلِه: ٧٤٧ -
(أطَرَبًا وأَنْت قِنَّسْريُّ )
[ ٢ / ١٢١ ]
أم للنَّفس كَقَوْل عَامر بن الطُّفَيْل يُخَاطب نَفسه أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وموتا فِي بَيت سَلُولِيَّة وَمِنْهَا مَا وَقع تَفْصِيل عَاقِبَة طلب أَو خبر فالطلب نَحْو: ﴿فشدوا الوثاق فإمَّا منا بعد وَإِمَّا فدَاء﴾ [مُحَمَّد: ٤] وَالْخَبَر نَحْو: ٧٤٨ -
(لأجْهَدَنَّ فإمّا دَرْءُ واقعةٍ تُخْشَى وَإِمَّا بُلُوغ السُّؤْل والأمَل)
وَمِنْهَا مَا وَقع نَائِبا عَن خبر اسْم عين بتكرير أَو حصر فالتكرير نَحْو زيد سيرا سيرا أَي يسير وَكَقَوْلِه: ٧٤٩ -
(أنَا جدًّا جدًّا ولَهْوُكَ يَزْدَادُ إِذن مَا إِلَى اتِّفاق سَبيلُ)
[ ٢ / ١٢٢ ]
أَي أجد جدا والحصر نَحْو إِنَّمَا زيد سيرا وَمَا زيد إِلَّا سيرا أَي يسير وَكَقَوْلِه: ٧٥٠ -
(ألاَ إِنَّمَا المُسْتَوْجُبون تفضُّلًا بدَارًا إِلَى نَيْل التّقدّم فِي الفَضْل)
أَي يبادرون بدارا جعل أحد اللَّفْظَيْنِ فِي التكرير عوضا من ظُهُور الْفِعْل وَقَامَ مقَامه فِي الْحصْر (إِنَّمَا) أَو (مَا) و(إِلَّا) فَلَو كَانَ الْمخبر عَنهُ اسْم معنى وَجب رفع الْمصدر خَبرا عَنهُ نَحْو جدك جد عَظِيم وَإِنَّمَا بدارك بدار حَرِيص وَمِنْهَا مَا وَقع مؤكدا لمضمون جملَة فَإِن كَانَ لَا يتَطَرَّق إِلَيْهَا احْتِمَال يَزُول بِالْمَصْدَرِ سمي مؤكدا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الْجُمْلَة فَكَأَنَّهُ نفس الْجُمْلَة نَحْو (لَهُ على دِينَار اعترافا) وَإِن كَانَ مَفْهُوم الْجُمْلَة يتَطَرَّق إِلَيْهِ احْتِمَال يَزُول بِالْمَصْدَرِ سمي مؤكدا لغيره لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَة تَكْرِير الْجُمْلَة فَهُوَ غَيرهَا لفظا وَمعنى نَحْو أَنْت ابْني حَقًا
[ ٢ / ١٢٣ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الْمصدر الْمُؤَكّد بِهِ فِي ضربيه يجوز أَن يَأْتِي نكرَة وَمَعْرِفَة بِاللَّامِ وبالإضافة فالنكرة نَحْو هَذَا عبد الله حَقًا وقطعا ويقينا وَهُوَ عَالم جدا والمعرفة نَحْو هَذَا عبد الله الْحق لَا الْبَاطِل وَالْيَقِين لَا الشَّك والمضاف نَحْو صنع الله ووعد الله وصبغة الله وَكتاب الله وَقد الْتزم فِي بَعْضهَا التَّعْرِيف فَقَط نَحْو الْبَتَّةَ كَقَوْلِك لَا أَفعلهُ الْبَتَّةَ وَمَعْنَاهُ الْقطع وَلَا أَعُود إِلَيْهِ الْبَتَّةَ وَأَنت طَالِق الْبَتَّةَ ثمَّ هَذَا الْمصدر الْمُؤَكّد بضربيه لَا يجوز تَقْدِيمه على الْجُمْلَة الْمُؤَكّدَة على الصَّحِيح وَسَببه أَن الْعَالم فِيهِ فعل يفسره مضمونها من جِهَة الْمَعْنى إِن التَّقْدِير فِي لَهُ على دِينَار اعترافا أعترف بذلك اعترافا وَفِي هُوَ ابْني حَقًا أحقه حَقًا فَأشبه مَا الْعَامِل فِيهِ معنى الْفِعْل فَلم يجز تَقْدِيمه قِيَاسا عَلَيْهِ وَأَجَازَ الزّجاج توسطيه فَيُقَال هَذَا حَقًا عبد الله قَالَ لِأَنَّهُ إِذا تقدم جُزْء فقد تقدم مَا يدل على الْفِعْل وَاسْتشْهدَ بقوله: ٧٥١ -
(وكَذَاكُمْ مَصِيرُ كُلّ أُنَاس سَوف حَقًّا تُبْلِيهمُ الأيّامُ)
وَقَوله: ٧٥٢ -
(إِنِّي وَرَبِّ الْقَائِم المَهْدِيّ مَا زلْتُ حقًّا يَا بني عَدِيّ)
(أَخا اعتِلال وَعلَى أَدِيِّ )
أَي سفر وَأَجَازَ قوم تَقْدِيمه وَاسْتَدَلُّوا بقَوْلهمْ أحقا زيد منطلق وأوله المانعون على أَن حَقًا هُنَا نصب على الظّرْف لَا على الْمصدر أَي أَفِي حق زيد منطلق نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ قَالَ ابْن مَالك ﵀ وَأما قَوْلهم أجدك لَا تفعل فَأجَاز فِيهِ الْفَارِسِي تقديرين
[ ٢ / ١٢٤ ]
أَحدهمَا أَن يكون لَا تفعل فِي مَوضِع الْحَال وَالثَّانِي أَن يكون أَصله أجدك أَن لَا تفعل ثمَّ حذفت أَن وَبَطل عَملهَا وَزعم الشلوبين أَن فِيهِ معنى الْقسم وَلذَلِك قدم انْتهى قَالَ أَبُو حَيَّان قد أدخلهُ سِيبَوَيْهٍ فِي الْمصدر الْمُؤَكّد لما قبله وَهُوَ بِمَنْزِلَة أحقا وَلَا تفعل كَذَا وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا مُضَافا وغالبا بعد لَا أَو لم أَو لن قَالَ فِي النِّهَايَة وَالِاسْم الْمُضَاف إِلَيْهِ (جد) حَقه أَن يُنَاسب فَاعل الْفِعْل الَّذِي فِي التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة نَحْو أجدي أكرمتك وأجدك لَا تفعل وأجدك لم تفعل وأجده لم يزرنا وَعلة ذَلِك أَنه مصدر يُؤَكد الْجُمْلَة الَّتِي بعده فَلَو أضفته لغير فَاعله اخْتَلَّ التوكيد قَالَ أَبُو حَيَّان فَإِن قلت كَيفَ أَدخل سِيبَوَيْهٍ هَذَا فِي الْمصدر الْمُؤَكّد لما قبله وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّك إِذا فرضته مؤكدا فَإِنَّمَا يكون مؤكدا لما بعده قلت إِنَّمَا هُوَ جَوَاب لمن قَالَ أَنا لَا أفعل كَذَا وَأَنا أفعل كَذَا فبلا شكّ أَن الْمُتَكَلّم يحمل كَلَامه على الْجد فَهُوَ يَقُوله فَإِذا قلت أتجد ذَلِك جدا فَهُوَ مُؤَكد لما قبله وَجوز سِيبَوَيْهٍ رفع هَذَا النَّوْع كُله أَي الْمصدر الْمُؤَكّد بجملة على تَقْدِير الِابْتِدَاء وَيكون لَازِما الْإِضْمَار كالفعل فَصنعَ الله مثلا على إِضْمَار (هُوَ) أَو (ذَلِك) و(لَهُ على ألف) اعْتِرَاف كَذَلِك وَجوز الْمبرد رفع الْبَاقِي الْخَبَر المكرر والمحصور فَيُقَال زيد سير سير وَإِنَّمَا أَنْت سير
[ ٢ / ١٢٥ ]
وَمن الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا حذف عَامل الْمصدر مَا وَقع مشبها بِهِ مشعرا بحدوث بعد جملَة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ وَلَا صَلَاحِية للْعَمَل فِيهِ كَقَوْلِك مَرَرْت بِهِ فَإِذا لَهُ صَوت صَوت حمَار وَله صُرَاخ صارخ الثكلى وَقَوله: ٧٥٣ -
(لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَد )
واحترزنا بقولنَا مشعرا بحدوث عَمَّا لَا يشْعر بِهِ نَحْو لَهُ ذكاء ذكاء الْحُكَمَاء فَلَا يجوز نَصبه لِأَن نصب صَوت وَشبهه إِنَّمَا يكون لكَون مَا قبله بِمَنْزِلَة يفعل مُسْندًا إِلَى فَاعل إِذْ التَّقْدِير فِي (وَله صَوت) وَهُوَ يصوت فاستقام نصب مَا بعده لِاسْتِقَامَةِ تَقْدِير الْفِعْل فِي مَوْضِعه وَذَلِكَ لَا يُمكن فِي (لَهُ ذكاء) فَلم يستقم النصب وبقولنا بعد جملَة عَمَّا بعد مُفْرد نَحْو صَوته صَوت حمَار فَلَا يجوز نَصبه وبقولنا حاوية إِلَى آخِره عَن نَحْو فِيهَا صَوت صَوت حمَار وَعَلِيهِ نوح نوح الْحمام فالنصب فِي ذَلِك ضَعِيف لِأَنَّهُ لم يشْتَمل على صَاحب الصَّوْت فَلم يُمكن تَقْدِيره ب (يصوت) فَوجه النصب على ضعفه أَن الصَّوْت يدل على المصوت وبقولنا وَلَا صَلَاحِية للْعَمَل عَمَّا لَا يصلح للْعَمَل فِي الْمصدر نَحْو هُوَ مصوت صَوت حمَار فَإِن صَوت حمَار هُنَا ينْتَصب (بمصوت) لَا بمضمر
[ ٢ / ١٢٦ ]
ثمَّ إِذا اجْتمعت الشُّرُوط فَإِن كَانَ معرفَة تعين فِيهِ مَا ذكر من النصب على المصدرية نَحْو لَهُ صَوت صَوت الْحمار وَإِن كَانَ نكرَة جَازَ فِيهِ مَعَ ذَلِك الحالية بِتَقْدِير فعل أَي يبديه ويخرجه صَوت حمَار وَيجوز الرّفْع فِي الْمعرفَة والنكرة على الإتباع بَدَلا فيهمَا ونعتا فِي النكرَة وَعلي الخبرية بِتَقْدِير الْمُبْتَدَأ فيهمَا وَجعل ابْن خروف النصب فِي هَذَا النَّوْع أقوى من الرّفْع قَالَ لِأَن الثَّانِي لَيْسَ بِالْأولِ فيدخله الْمجَاز والاتساع وجعلهما ابْن عُصْفُور متكافئين لِأَن فِي الرّفْع الْمجَاز وَفِي النصب الْإِضْمَار والإتباع أولى من النصب إِن خلت الْجُمْلَة عَن صَاحبه كَمَا تقدم
مَا يَنُوب عَن الْمصدر
(ص) مَسْأَلَة أنابوا عَنهُ صِفَات كعائذا بك وهينا وأقائما وَقد قعدوا وأعيانا كتربا وجندلا وفاها لفيك وأأعور وَذَا نَاب وَلَا يُقَاس وَفِي الصِّفَات خلف وَالأَصَح أَنَّهَا أَحْوَال والأعيان مفعولات وَسمع رفع ترب وقاس سِيبَوَيْهٍ رفع أَعْيَان غير الدُّعَاء (ش) أنابوا عَن الْمصدر اللَّازِم إِضْمَار ناصبه صِفَات كعائذا بلك وهنيا لَك وأَقائما وَقد قعد النَّاس وأقاعدا وَقد سَار الركب وَهِي أَسمَاء فاعلين وهنيء من هنؤ كشريف من شرف قَالَ بعض المغاربة وَهِي مَوْقُوفَة على السماع وَزعم بَعضهم أَن ذَلِك مقيس عِنْد سِيبَوَيْهٍ يُقَال لَك من لَازم صفة دائبا عَلَيْهَا نَحْو أضاحكا وأخارجا
[ ٢ / ١٢٧ ]
وأنابوا عَنهُ أَيْضا أَسمَاء أَعْيَان قَالُوا تربا وجندلا فِي معنى تربت يَدَاهُ أَي لَا أصَاب خيرا والترب التُّرَاب والجندل الْحِجَارَة وَقَالُوا فاها لفيك أَي فالداهية وَيسْتَعْمل هَذَا فِي معنى الدُّعَاء أَي دهاه الله وَقيل ضمير (فاها) للخيبة وَقَالُوا (أأعور وَذَا نَاب) والمقصور بِهِ الْإِنْكَار وَأَصله أَن بني عَامر لما قَاتلُوا بني أَسد جعلُوا فِي مقدمتهم عِنْد اللِّقَاء جملا أَعور مُشَوه الْخلق ذَا نَاب وَهُوَ السن فَقَالَ بعض الأسديين ذَلِك مُنْكرا عَلَيْهِم وَلَا يُقَاس هَذَا النَّوْع إِجْمَاعًا لَا يُقَال أَرضًا وَلَا جبلا وَرَأى الْأَكْثَرين أَن نصب الصِّفَات الْمَذْكُورَة على الحالية الْمُؤَكّدَة لعاملها الْمُلْتَزم إضماره وَالتَّقْدِير أعوذ وأتقوم وأتقعد وَنصب الْأَعْيَان على المفعولية بِفعل مُقَدّر وَالتَّقْدِير أطعمك الله أَو ألزمك تربا وجندلا وألزمك الله فاها لفيك وأتستقبلون أعو وَذَا نَاب وَذهب الْمبرد إِلَى إِن هَذِه الصِّفَات مَنْصُوبَة على أَنَّهَا مصَادر جَاءَت على فَاعل كالمالح والعافية وَذهب الشلوبين وَغَيره إِلَى أَن تربا وجندلا انتصاب انتصاب الْمصدر بِدَلِيل جَوَاز دُخُول اللَّام فَيُقَال تربا لَك كَمَا يُقَال سقيا لَك وَذهب ابْن عُصْفُور وَابْن خروف إِلَى أَن أَعور وَذَا نَاب حَال وَالتَّقْدِير أتستقبلونه أَعور وَسمع رفع (ترب) على الِابْتِدَاء وَمَا بعده الْخَبَر قَالَ: ٧٥٤ -
(فَتُرْبٌ لأفْواهِ الوُشاةِ وجِنْدَلُ )
[ ٢ / ١٢٨ ]
قَالَ ابْن حَيَّان وَلَا ينقاس الرّفْع فِي أَسمَاء الْأَعْيَان الَّتِي يَدعِي بهَا لَو قلت فوها لفيك على قصد الدُّعَاء لم يجز وَأما غير الْمَدْعُو بهَا فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ لَو قَالَ أَعور وَذُو نَاب كَانَ مصيبا قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ مُبْتَدأ خَبره مُقَدّر أَي مستقبلكم أَو مصادفكم
[ ٢ / ١٢٩ ]
الْمَفْعُول لَهُ
[شُرُوطه]
(ص) الْمَفْعُول لَهُ شَرطه أَن يكون مصدرا خلافًا ليونس مُعَللا قيل وَمن أَفعَال الْبَاطِن وَشرط الْمُتَأَخّرُونَ والأعلم مشاركته لَفظه وقتا وفاعلا والجرمي والمبرد والرياشي تنكيره وَالأَصَح أَن نَصبه نصب الْمَفْعُول بِهِ المصاحب فِي الأَصْل جارا لأنواع الْمصدر وَلَا بِفعل من لَفظه وَاجِب الْإِضْمَار فَإِن فقد شَرط جر بِاللَّامِ أَو من أَو الْبَاء قيل أَو فِي إِلَّا مَعَ أَن وَأَن وَيكثر مَعهَا مَقْرُونا ب (أل) ويقل مُجَردا وَمنعه الْجُزُولِيّ ويستويان مُضَافا وَيجوز تَقْدِيمه خلافًا لقوم لَا تعدده وَلَو مجرورا (ش) قَالَ أَبُو حَيَّان تظافرت نُصُوص النَّحْوِيين على اشْتِرَاط المصدرية فِي الْمَفْعُول لَهُ وَذَلِكَ أَن الْبَاعِث إِنَّمَا هُوَ الْحَدث لَا الذوات وَزعم يُونُس أَن قوما من الْعَرَب يَقُولُونَ أما العبيد فذو عبيد بِالنّصب وتأوله على الْمَفْعُول لَهُ وَإِن كَانَ العبيد غير مصدر
[ ٢ / ١٣٠ ]
وأوله الزّجاج بِتَقْدِير التَّمَلُّك ليصير إِلَى معنى الْمصدر كَأَنَّهُ قيل أما تملك العبيد أَي مهما تذكره من أجل تملك العبيد وَشَرطه أَن يكون مُعَللا بِخِلَاف المصادر الَّتِي لَا تَعْلِيل فِيهَا كقعد جُلُوسًا وَرجع الْقَهْقَرَى وَشرط بعض الْمُتَأَخِّرين فِيهِ أَن يكون من أَفعَال النَّفس الْبَاطِنَة نَحْو جَاءَ زيد خوفًا ورغبة بِخِلَاف أَفعَال الْجَوَارِح الظَّاهِرَة نَحْو جَاءَ زيد قتالا للْكفَّار وَقِرَاءَة للْعلم فَلَا يكون مَفْعُولا لَهُ وَشرط الأعلم والمتأخرون مشاركته لفعله فِي الْوَقْت وَالْفَاعِل نَحْو ضربت ابْني تأديبا بِخِلَاف مَا لم يُشَارِكهُ فِي الْوَقْت نَحْو ٧٥٥ -
(وَقد نَضَّت لنَوْم ثِيَابَها )
لِأَن النض لَيْسَ وَقت النّوم أَو الْفَاعِل نَحْو:
[ ٢ / ١٣١ ]
٧٥٦ -
(وإنّي لَتَعْرُوني لذِكراك هَزّة )
وفاعل (تعروني) (هزة) وفال (ذكرى) الشَّاعِر أَي لذكراي إياك فيجران بِاللَّامِ وَلم يشْتَرط ذَلِك سِيبَوَيْهٍ وَلَا أحد من المقدمين فَيجوز عِنْدهم أكرمتك أمس طَمَعا غَدا فِي مَعْرُوفك وَجئْت حذر زيد وَمِنْه: ﴿يريكم الْبَرْق خوفًا وَطَمَعًا﴾ [الرَّعْد: ١٢] ففاعل الْإِرَادَة هُوَ الله وَالْخَوْف والطمع من الْخلق وَشرط الْجرْمِي والمبرد والرياشي كَونه نكرَة وَأَنه إِن وجدت فِيهِ (أل) فزائدة لِأَنَّهُ المُرَاد ذكر ذَات السَّبَب الْحَامِل فَيَكْفِي فِيهِ النكرَة فالتعريف زِيَادَة لَا يحْتَاج إِلَيْهَا ورده سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور فَإِن السَّبَب الْحَامِل قد يكون مَعْلُوما عِنْد الْمُخَاطب فيحمله عَلَيْهِ فيعرفه ذَات السَّبَب وَأَنَّهَا الْمَعْلُومَة لَهُ وَلَا تنَافِي بَينهمَا فمجموع الشُّرُوط بِاتِّفَاق وَاخْتِلَاف سِتَّة وَبَقِي سَابِع وَهُوَ أَلا يكون من لفظ الْفِعْل فَإِن كَانَ فمفعول مُطلق لِأَن الشَّيْء لَا يكون عِلّة لنَفسِهِ وَهَذَا الشَّرْط رَاجع إِلَى معنى الشُّرُوط الْمَذْكُورَة كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان فَلِذَا لم أصرح بِهِ
[ ٢ / ١٣٢ ]
وَاخْتلف فِي ناصبه فَالصَّحِيح وَعَلِيهِ سِيبَوَيْهٍ والفارسي أَن ناصبه مفهم الْحَدث نصب الْمَفْعُول بِهِ المصاحب فِي الأَصْل حرف جر لِأَنَّهُ جَوَاب لَهُ وَالْجَوَاب أبدا على حسب السُّؤَال فقولك فِي جَوَاب لم ضربت زيدا ضَربته تأديبا أَصله للتأديب إِلَّا أَنه أسقط اللَّام وَنصب وَلِهَذَا تُعَاد إِلَيْهِ فِي مثل ابْتِغَاء الثَّوَاب تَصَدَّقت لَهُ لِأَن الضَّمِير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنه ينْتَصب انتصاب المصادر وَلَيْسَ على إِسْقَاط حرف الْجَرّ وَلذَلِك لم يترجموا لَهُ اسْتغْنَاء بِبَاب الْمصدر عَنهُ وَكَأَنَّهُ عِنْدهم من قبيل الْمصدر الْمَعْنَوِيّ فَإِذا قلت ضربت زيدا تأديبا فكأنك قلت أدبته تأديبا وَذهب الزّجاج فِيمَا نقل ابْن عُصْفُور عَنهُ إِلَى أَنه ينْتَصب فعل مُضْمر من لَفظه فالتقدير فِي جِئْت إِكْرَاما لَك أكرمتك إِكْرَاما لَك حذف الْفِعْل وَجعل الْمصدر عوضا من اللَّفْظ بِهِ فَلذَلِك لم يظْهر وَمَتى فقد شَرط من الشُّرُوط الْمُتَقَدّمَة وَجب جَرّه بِاللَّامِ وَامْتنع النصب فمثال فقد المصدرية جئْتُك للْمَاء وللعشب وللسمر وَمِثَال فقد الْمُشَاركَة البيتان السابقان وَقد يجر بِمن أَو الْبَاء لِأَنَّهُمَا فِي معنى اللَّام نَحْو: ﴿خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله﴾ [الْحَشْر: ٢١] ﴿فَبَظٌ لْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ [النِّسَاء: ١٦٠] قيل وَقد يجر ب (فِي) السَّبَبِيَّة نَحْو (دخلت امْرَأَة النَّار فِي هرة) وَلَا يتَعَيَّن الْجَرّ مَعَ أَن وَأَن وَإِن كَانَا غير مصدرين لِأَنَّهُمَا يقدران بِالْمَصْدَرِ وَإِن لم يتَّخذ فيهمَا الْفَاعِل أَو الْوَقْت لِأَن حرف الْجَرّ يحذف مَعَهُمَا كثيرا نَحْو أزورك أَن تحسن إِلَيّ أَو أَنَّك تحسن إِلَيّ
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَلَا يتَعَيَّن النصب أَيْضا عِنْد اسْتِيفَاء الشُّرُوط بل يجوز مَعَ الْجَرّ ثمَّ إِن كَانَ مُجَردا من اللَّام وَالْإِضَافَة فالنصب أَكثر ويقل الْجَرّ كالأمثلة السَّابِقَة وَيجوز ضَربته لتأديب وَذهب الْجُزُولِيّ إِلَى تعين نَصبه وَمنع جَرّه قَالَ الشلوبين ٧٥٧ - لَا أقعدُ الجُبْنَ عَن الهَيْجَاء وَلَا سلف لَهُ فِي ذَلِك وَإِن كَانَ مُعَرفا بِاللَّامِ فالجر أَكثر ويقل النصب كَقَوْلِه: ٧٥٨ -
(شَنُّوا الإغارةَ فُرْسَانًا ورُكْبَانا )
[ ٢ / ١٣٤ ]
وَيجوز للجبن وللإغارة وَإِن كَانَ مُضَافا اسْتَوَى نَصبه وجره قَالَ تَعَالَى: ﴿يُنْفقُونَ أَمْوَالهم ابْتِغَاء مرضات الله﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٥] وَقَالَ: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ [قُرَيْش: ١) وَيجوز تَقْدِيم الْمَفْعُول لَهُ على عَامله وَمنعه ثَعْلَب وَطَائِفَة ورد بِالسَّمَاعِ قَالَ ٧٥٩ -
(فَمَا جَزَعًا ورَبِّ النّاس أَبْكِي )
وَقَالَ: ٧٦٠ -
(طَربْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبيض أَطْرَبُ )
[ ٢ / ١٣٥ ]
وَلَا يجوز تعدد الْمَفْعُول لَهُ مَنْصُوبًا كَانَ أَو مجرورا وَمن ثمَّ منع فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣١] فَتعلق ﴿لتعتدوا﴾ ب ﴿تمسكوهن﴾ على جعل: ﴿ضِرَارًا﴾ مفعول لَهُ وَإِنَّمَا يتَعَلَّق بِهِ على جعل (ضِرَارًا) حَالا
[ ٢ / ١٣٦ ]
الْمَفْعُول فِيهِ
(ص) وَهُوَ مَا ضمن من اسْم وَقت معني (فِي) باطراد لوَاقِع فِيهِ وَلَو مُقَدرا ناصب لَهُ وَيصْلح لَهُ مُبْهَم الْوَقْت ومختصه فَإِن جَازَ أَن يخبر عَنهُ أَو يجر بِغَيْر (من) فمتصرف إِمَّا منصرف ك (حِين) أَو لَا ك (غدْوَة) و(بكرَة) علمين وَإِلَّا فَعير منصرف كبعيدات بَين وَمَا عين من بكرَة وسحير وضحى وضحوة وصباح وليل ونهار وعتمة وعشاء وَعَشِيَّة وَقد تمنع وَجوز الكوفية تصرف ضحى وعتمة وليل أَو مَمْنُوع ك (سحر) معينا مُجَردا (ش) الْمَفْعُول فِيهِ الَّذِي يُسمى ظرفا مَا ضمن من اسْم وَقت أَو مَكَان معنى (فِي) باطراد لوَاقِع فِيهِ مَذْكُور أَو مُقَدّر ناصب لَهُ فَمَا ضمن جنس يَشْمَل الظّرْف وَالْحَال أوالسهل والجبل من قَول الْعَرَب مُطِرْنَا السهل والجبل وَقَوْلنَا من اسْم وَقت أَو مَكَان يخرج الْحَال وَقَوْلنَا باطراد يخرج السهل والجبل من الْمِثَال الْمَذْكُور فَإِنَّهُ لَا يُقَاس عَلَيْهِ لَا فِي الْفِعْل وَلَا فِي الْأَمَاكِن فَلَا يُقَال أخصبنا السهل والجبل وَلَا مُطِرْنَا
[ ٢ / ١٣٧ ]
القيعان والتلول بل يقْتَصر فِيهِ على مورد السماع بِخِلَاف مَا ينصب على الظَّرْفِيَّة فَإِنَّهُ يجوز أَن يخلف الِاسْم وَالْفِعْل غَيرهمَا تَقول جَلَست خَلفك فَيجوز قعدت خَلفك وَجَلَست أمامك والناصب للْمَفْعُول فِيهِ هُوَ الْفِعْل الْوَاقِع فِيهِ ظَاهرا نَحْو قُمْت يَوْم الْجُمُعَة وَقمت أمامك فالقيام وَاقع فِي يَوْم الْجُمُعَة وَفِي الْأَمَام وَهُوَ الْعَامِل فِيهِ أَو مُقَدرا نَحْو زيد أمامك والقتال يَوْم الْجُمُعَة فالعامل فيهمَا (كَائِن) أَو (مُسْتَقر) وَهُوَ مُقَدّر لَا ملفوظ بِهِ وبدأت فِي الْمَتْن بالْكلَام على ظرف الزَّمَان فَلِذَا اقتصرت فِي الْحَد على ذكره وَهُوَ أوسع من الْمَكَان لِأَن جَمِيع أَسمَاء الزَّمَان صَالِحَة للنصب على الظَّرْفِيَّة مُبْهمَة كَانَت أَو مُخْتَصَّة وَالسَّبَب فِي تعدِي الْفِعْل إِلَى جَمِيع ظروف الزَّمَان قُوَّة دلَالَته عَلَيْهِ من جِهَة أَن الزَّمَان أحد مدلولي الْفِعْل كَمَا أَن السَّبَب فِي تعديته إِلَى جَمِيع ضروب المصادر قُوَّة الدّلَالَة عَلَيْهَا من حَيْثُ يدل عَلَيْهَا من جِهَة الْمَعْنى وَاللَّفْظ فالمبهم مَا وَقع على قدر من الزَّمَان غير معِين كوقت وَحين وزمان وَينصب على جِهَة التَّأْكِيد الْمَعْنَوِيّ لِأَنَّهُ لَا يزِيد على دلَالَة الْفِعْل وَمِنْه: ﴿أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الْإِسْرَاء: ١] لِأَن الْإِسْرَاء لَا يكون إِلَّا بِاللَّيْلِ قَالَ بَعضهم وَلَا يُنكر التَّأْكِيد فِي الظَّرْفِيَّة كَمَا لَا يُنكر فِي الْمصدر وَالْحَال والمختص قِسْمَانِ مَعْدُود وَهُوَ مَا لَهُ مِقْدَار من الزَّمَان مَعْلُوم كَسنة وَشهر ويومين وَالْمحرم وَسَائِر أَسمَاء الشُّهُور والصيف والشتاء
[ ٢ / ١٣٨ ]
وَلَا يعْمل فِيهِ من الْأَفْعَال إِلَّا مَا يتَكَرَّر ويتطاول فَلَا يُقَال مَاتَ زيد يَوْمَيْنِ وَمن ثمَّ قدر فِي ﴿فأماته الله مائَة عَام﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] (فألْبَثَهُ) وَغير مَعْدُود وَهُوَ أَسمَاء الْأَيَّام كالسبت والأحد وَمَا يخصص بِالْإِضَافَة كَيَوْم الْجمل أَو ب (أل) كَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَة أَو بِالصّفةِ كقعدت عنْدك يَوْمًا قعد عنْدك فِيهِ زيد وَمَا أضافت إِلَيْهِ الْعَرَب لفظ (شهر) من أَعْلَام الشُّهُور وَهُوَ رَمَضَان وربيع الأول وربيع الآخر خَاصَّة ثمَّ ظرف الزَّمَان قِسْمَانِ أَحدهمَا متصرف وَهُوَ مَا جَازَ أَن يسْتَعْمل غير ظرف كَأَن يكون فَاعِلا أَو مُبْتَدأ أَو خَبرا أَو ينْتَصب مَفْعُولا بِهِ أَو ينجر بِغَيْر (من) كسرني يَوْم الْخَمِيس وَيَوْم الْجُمُعَة مبارك وَالْيَوْم يَوْم الْجُمُعَة وأجئت يَوْم الْجُمُعَة و﴿ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ [النِّسَاء: ٧٦] ثمَّ هُوَ نَوْعَانِ منصرف كحين وَوقت وَسَاعَة وَشهر وعام ودهر وَغير منصرف كغدوة وبكرة علمين قصد بهما التَّعْيِين أم لَا لِأَنَّهُ علميتهما جنسية فيستعملان اسْتِعْمَال أُسَامَة فَكَمَا يُقَال عِنْد قصد التَّعْمِيم أُسَامَة شَرّ السِّباع وَعند التَّعْيِين هَذَا أُسَامَة فاحذره يُقَال عِنْد قصد التَّعْمِيم غدْوَة أَو بكرَة وَقت نشاط وَعند قصد التَّعْيِين لأسيرن اللَّيْلَة إِلَى غدْوَة أَو بكرَة وَقد يخلوان من العلمية لِأَن ينكرا بعْدهَا فينصرفان ويتصرفان وَمِنْه ﴿وَلَهُم رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكّرًَ وعَشِيًا﴾ [مَرْيَم: ٦٢] قَالَ أَبُو حَيَّان جعلت الْعَرَب (غدْوَة) و(بكرَة) علمين لهذين الْوَقْتَيْنِ وَلم تفعل ذَلِك فِي نظائرها كعتمة وضحوة وَنَحْوهمَا وَذكر بَعضهم أَن (بكرَة) فِي الْآيَة إِنَّمَا نونت لمناسبة (عشيا) الثَّانِي غير متصرف بِأَن لَا يخبر عَنهُ وَلَا يجر بِغَيْر (من) بل يلْزم النصب على الظَّرْفِيَّة أَو يجر ب (من) وَإِنَّمَا لم يحكموا بِتَصَرُّف مَا جر ب (من) وَحدهَا كعند وَقبل لِأَن (من) كثرا زيادتها فَلم يعْتد بِدُخُولِهَا على الظّرْف الَّذِي لَا يتَصَرَّف وَهُوَ أَيْضا نَوْعَانِ
[ ٢ / ١٣٩ ]
مَمْنُوع الصّرْف كسحر إِذا كَانَ من يَوْم بِعَيْنِه وجرد من أل وَالْإِضَافَة نَحْو أزورك يَوْم الْجُمُعَة سحر وجئتك سحر وَأَنت تُرِيدُ بذلك من يَوْم بِعَيْنِه بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ نكرَة فَإِنَّهُ ينْصَرف ويتصرف نَحْو: ﴿نجيناهم بِسحر﴾ [الْقَمَر: ٣٤] وَكَذَا إِن عرف ب (أل) أَو الْإِضَافَة نَحْو سير بزيد يَوْم الْجُمُعَة السحر مِنْهُ أَو من سحره ومنصرف (كبعيدات بَين) بعض أَوْقَات غير مُتَّصِلَة وَهِي جمع (بعيد) مصغرة وَمَعْنَاهُ لَقيته مرَارًا مُتَفَرِّقَة قَرِيبا بَعْضهَا من بعض فَجمع بعيد يدل على مَا أُرِيد من المرار وتصغيره يدل على مَا أُرِيد من تقاربها لِأَن تَصْغِير الظّرْف المُرَاد بِهِ التَّقْرِيب وَمِنْه مَا عين من (بكرَة) و(سحير) وضحى وضحوة وصباح وَمَسَاء وليل ونهار وعتمة وعشاء وَعَشِيَّة فَهَذِهِ الْأَسْمَاء نكرات أُرِيد بهَا أزمان مُعينَة فَوضعت مَوضِع المعارف وَإِن كَانَت نكرَة وَلذَلِك لَا تتصرف وتوصف بالنكرة تَقول أَتَيْتُك يَوْم الْخَمِيس ضحي مُرْتَفعَة ولقيتك يَوْم الْجُمُعَة عتمة مُتَأَخِّرَة وَقد يمْنَع (عَشِيَّة) الصّرْف فَتَصِير إِذْ ذَاك علما جنسيا كغدوة وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ تصرف مَا عين من عتمة وضحوة وليل ونهار فَتَقول سير عَلَيْهِ عتمة وضحوة وليل ونهار
[ ٢ / ١٤٠ ]
(ص) وَمِنْه مَا لم يضف من مركب الأحيان كصباح مسَاء أَي كل صباح وَمَسَاء ويساويه الْمُضَاف معنى خلافًا للحريري فِي تَخْصِيصه الْفِعْل بِالْأولِ وَذُو وَذَات مضافين لوقت إِلَّا فِي لُغَة وأنكرها السُّهيْلي فِي (ذَات) ويقبح تصرف وصف حِين عرض قِيَامه وَلم يُوصف (ش) ألحق بالممنوع التَّصَرُّف فِي الْتِزَام النصب على الظَّرْفِيَّة مَا لم يضف من مركب الأحيان كفلان يزورنا صباح مسَاء وَيَوْم يَوْم أَي كل صباح وَمَسَاء وكل يَوْم قَالَ: ٧٦١ -
(ومَنْ لَا يَصْرفِ الواشَينَ عَنْهُ صَباحَ مَساءَ يضنوه خَبالا)
وَقَالَ: ٧٦٢ -
(آتٍ الرِّزقُ يَوْمَ يَوْمَ فَأجْمِل طَالبا وابْغ للقيامة زادًا)
[ ٢ / ١٤١ ]
وَهُوَ مَبْنِيّ حِينَئِذٍ لتَضَمّنه معنى حرف الْعَطف كخمسة عشر بِخِلَاف مَا إِذا أضيف الصَّدْر إِلَى الْعَجز فَإِنَّهُ يتَصَرَّف فَيَقَع ظرفا وَغير ظرف كَقَوْلِه: ٧٦٣ -
(وَلَوْلَا يومُ يَوْم مَا أردنَا )
وَقَوله: ٧٦٤ -
(وَقد علاك مشِيبٌ حِينَ لَا حِين )
وَكَذَا إِذا لم يركب بل عطف نَحْو فلَان يتعاهدنا صباحا وَمَسَاء
[ ٢ / ١٤٢ ]
وَزعم الحريري فِي درة الغواص أَنه فرق بَين قَوْلك يأتينا صباح مسَاء على الْإِضَافَة وصباح مسَاء على التَّرْكِيب وَأَن الْخَواص يهمون فِي ذَلِك فَلَا يفرقون بَينهمَا وَأَن الْفرق هُوَ أَن المُرَاد بِهِ مَعَ الْإِضَافَة إِنَّه يَأْتِي فِي الصَّباح وَحده إِذْ تَقْدِير الْكَلَام يأتينا فِي صباح مسَاء وَالْمرَاد بِهِ عِنْد تركيب الاسمين وبنائهما على الْفَتْح أَن يَأْتِي فِي الصَّباح والمساء لِأَن الأَصْل صباحا وَمَسَاء فَحذف العاطف ورد عَلَيْهِ ابْن بري بِأَن هَذَا الْفرق لم يقلهُ أحد بل صرح السيرافي بِأَن سير عَلَيْهِ صباح مسَاء وصباح مسَاء وصباحا وَمَسَاء معناهن وَاحِد ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ سير عَلَيْهِ صباح مسَاء مثل قَوْله ضربت غُلَام زيد فِي أَن السّير لَا يكون إِلَّا فِي الصَّباح كَمَا شهر أَن الضَّرْب لَا يَقع إِلَّا بِالْأولِ وَهُوَ الْغُلَام دون الثَّانِي لِأَنَّك إِذا لم ترد أَن السّير وَقع فيهمَا لم يكن فِي مجيئك بالمساء فَائِدَة وَهَذَا نَص وَاضح وَألْحق الْعَرَب أَيْضا بالممنوع التَّصَرُّف فِي الْتِزَام النصب على الظَّرْفِيَّة (ذَا) و(ذَات) مضافين إِلَى زمَان نَحْو لَقيته ذَا صباح وَذَا مسَاء وَذَات مرّة وَذَات يَوْم وَذَات لَيْلَة قَالَ: ٧٦٥ -
(إِذا شَدّ العِصابة ذَاتَ يَوْم )
[ ٢ / ١٤٣ ]
إِلَّا فِي لغية لخثعم فَإِنَّهَا أجازت فِيهَا التَّصَرُّف فَيُقَال سير عَلَيْهِ ذَات لَيْلَة بِرَفْع (ذَات) وَقَالَ بعض الخثعميين: ٧٦٦ -
(عزَمتُ على إقامةِ ذِي صَباح )
وَزعم السُّهيْلي أَن (ذَات مرّة) و(ذَات يَوْم) لَا تتصرف لَا فِي لُغَة خثعم وَلَا فِي غَيرهَا وَأَن الَّذِي يتَصَرَّف عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ (ذُو) فَقَط ورده أَبُو حَيَّان بتصريح سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور بِخِلَاف ذَلِك وَالسَّبَب فِي عدم تصرف (ذَا) و(ذَات) فِي لُغَة الْجُمْهُور أَنَّهُمَا فِي الأَصْل بِمَعْنى صَاحب وصاحبة صفتان لظرف مَحْذُوف وَالتَّقْدِير فِي (لَقيته ذَا صباح وَمَسَاء) وَقت صَاحب هَذَا الِاسْم و(ذَات يَوْم) قِطْعَة ذَات يَوْم فَحذف الْمَوْصُوف وأقيمت صفته مقَامه فَلم يتصرفوا فِي الصّفة لِئَلَّا يكثر التَّوَسُّع
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَعبارَة ابْن أبي الْعَافِيَة فضعف لذَلِك وَلم يسْتَعْمل إِلَّا ظرفا وَلِأَن إضافتهما من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم وَهِي قَليلَة فِي كَلَام الْعَرَب فَلم يتصرفوا فِيهَا لذَلِك واستقبح جَمِيع الْعَرَب التَّصَرُّف فِي صفة حِين عرض قِيَامهَا مقَامه وَلم تُوصَف كَقَوْلِك سير عَلَيْهِ قَدِيما أَو حَدِيثا أَو طَويلا فَهَذِهِ أَوْصَاف عرض حذف موصوفها وانتصب على الظَّرْفِيَّة فَلم تصرف فِيهَا فَقيل سير عَلَيْهِ قديم أَو حَدِيث أَو طَوِيل قبح ذَلِك فَإِن لم يعرض قِيَامهَا مقَامه بل اسْتعْمل ظرفا وَهِي فِي الأَصْل صفة نَحْو (قريب، وملي) حسن فِيهَا التَّصَرُّف نَحْو سير عَلَيْهِ قريب وسير عَلَيْهِ ملي من النَّهَار أَي قِطْعَة من النَّهَار وَلَو وصفت حسن فِيهَا أَيْضا التَّصَرُّف نَحْو سير عَلَيْهِ طَوِيل من الدَّهْر لِأَنَّهَا لما وصفت ضارعت الْأَسْمَاء (ص) وَمَا صلح جَوَاب كم أَو مَتى وَهُوَ اسْم شهر لم يضف إِلَيْهِ شهر قيل أَو أضيف قَالَ ابْن خروف وَكَذَا شهر مُفْرد وأعلام الْأَيَّام أَو كَانَ الْأَبَد والدهر وَاللَّيْل وَالنَّهَار مَقْرُونا بأل لَا لمبالغة فالفعل وَاقع فِي كُله تعميما أَو توزيعا وَيجوز فِي غَيرهَا التَّعْمِيم والتبعيض إِن صلح وتعريف جَوَاب كم خلافًا لِابْنِ السراج وَإِضَافَة شهر إِلَى كل الشُّهُور وفَاقا لسيبويه وَخِلَافًا للمتأخرين وَقيل نصب الْمَعْدُود والموقت نصب الْمَفْعُول نِيَابَة عَن الْمصدر وَقيل على حذف الْمصدر (ش) مَا صلح أَن يَقع جَوَابا لكم وَلَا يصلح أَن يكون جَوَابا لمتي وَهُوَ مَا كَانَ مؤقتا غير معرف وَلَا مُخَصص بِصفة نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام ويومين فَإِنَّهُ يصلح أَن يكون جَوَاب كم سرت فَهَذَا النَّوْع يكون الْفِعْل فِي جَمِيعه إِمَّا تعميما وَإِمَّا تقسيطا فَإِذا قلت سرت يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَيَّام فالسير وَاقع فِي الْيَوْمَيْنِ أَو الثَّلَاثَة من الأول إِلَى الآخر وَقد يكون فِي كل وَاحِد من الْيَوْمَيْنِ أَو الثَّلَاثَة وَإِن لم يعم من أول الْيَوْم إِلَى آخِره
[ ٢ / ١٤٥ ]
وَمن التَّعْمِيم صمت ثَلَاثَة أَيَّام وَمن التقسيط أَذِنت ثَلَاثَة أَيَّام وَمن الصَّالح لَهما تهجدت ثَلَاث لَيَال وَلَا يجوز أَن يكون الْفِعْل فِي أحد الْأَيَّام أَو اللَّيَالِي وَيكون جَوَاب كم نكرَة كَمَا ذكر وَمَعْرِفَة كاليومين المعهودين وَأنكر ابْن السراج أَن يرد جَوَاب كم معرفَة لِأَنَّهُ من جَوَاب مَتى إِذْ يُرَاد مِنْهَا الْوَقْت وبكم الْعدَد وَمَا صلح أَن يَقع جَوَابا لمتى فَإِذا كَانَ اسْم شهر غير مُضَاف إِلَيْهِ لَفظه (شهر) فَكَذَلِك يكون الْفِعْل وَاقعا فِي جمعيه تعميما أَو تقسيطا نَحْو سرت الْمحرم وسرت صفر يحْتَمل الْأَمريْنِ واعتكفت الْمحرم للتعميم وأذنت صفر للتقسيط وَكلهَا تصلح جَوَاب مَتى سرت وَمَتى اعتكفت وَمَتى أَذِنت وَإِن كَانَ غير اسْم شهر فَالْعَمَل مَخْصُوص بِبَعْضِه نَحْو مَتى قدمت فَيُقَال يَوْم الْجُمُعَة فَيكون الْقدوم فِي بعضه وَكَذَا إِن كَانَ اسْم شهر مُضَافا إِلَيْهِ لفظ (شهر) فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون فِي بعضه وَفِي جَمِيعه نَحْو قدم زيد شهر رَمَضَان وَصمت شهر رَمَضَان هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَزعم الزّجاج أَنه لَا فرق بَين الْمُضَاف إِلَيْهِ (شهر) وَغَيره وَأَنه يجوز أَن يكون الْعَمَل فِي بعضه وَأَن يكون فِي جَمِيعه قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ خلاف نَص سبيويه قَالَ والتفرقة بَين ذَلِك بالاستقراء وَالسَّمَاع وَلَيْسَ للْقِيَاس فِيهِ مجَال وَزعم ابْن خروف أَن الْفرق بَين رَمَضَان وَشهر رَمَضَان من جِهَة أَن (رَمَضَان) علم و(شهر) لَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا هُوَ معرفَة بإضافته إِلَى رَمَضَان وَكَذَلِكَ سَائِر أَسمَاء الشُّهُور وَالْعلم وَاقع على الشَّخْص بِجَمِيعِ صِفَاته فَكَذَلِك أَسمَاء الشُّهُور كالأعلام فَلَا تقع على بعض الشَّهْر قَالَ وَلَيْسَ كالشهر لِأَنَّهُ وقاع على جُزْء من الشَّهْر مُتَفَرقًا أَو مجتمعا من جِهَة أَنه لَيْسَ علما فَأجَاز أَن يُقَال سرت الشَّهْر وَأَنت تُرِيدُ أَن السّير فِي بعضه وَأَجَازَ أَن يعْمل فِي الشَّهْر مَا لَا يَتَطَاوَل نَحْو لقيتك الشَّهْر وَكَذَا زعم فِي أَعْلَام الْأَيَّام أَنَّهَا كأعلام الشُّهُور فَإِذا قلت سرت السبت أَو سرت الْخَمِيس لم يكن الْعَمَل إِلَّا فِي جميعهما لِأَنَّهُمَا علمَان فَإِذا أضفت إِلَيْهِ يَوْم أَو لَيْلَة فَقلت
[ ٢ / ١٤٦ ]
سرت يَوْم السبت أَو لَيْلَة السبت جَازَ أَن يكون السّير فِي بعضه وَفِي جَمِيعه لِأَن تَعْرِيفه بِالْإِضَافَة وَأَجَازَ لذَلِك أَن يعْمل فِي الْمُضَاف إِلَيْهِمَا مَا لَا يَتَطَاوَل نَحْو لقيتك يَوْم الْخَمِيس وَلم يجزه فِي الْخَمِيس وَسَائِر أَيَّام الْأُسْبُوع فَلَا يُقَال لقيتك الْخَمِيس وَلَا لقيتك السبت قَالَ أَبُو حَيَّان وَمَا زَعمه بَاطِل لِأَن الِاسْم يتَنَاوَل مُسَمَّاهُ بجملته نكرَة أَو معرفَة علما أَو غَيره وَإِنَّمَا التَّفْرِقَة بَين أَسمَاء الشُّهُور أذا أضيف إِلَيْهَا شهر وَبَينهَا إِذا لم يضف إِلَيْهَا شهر من جِهَة أَنه إِذا انْفَرد الشَّهْر وَلم يضف فَالْعَمَل فِي جَمِيعه لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ ثَلَاثُونَ يَوْمَانِ وَلَا يجوز أَن يكون فِي بعضه وَكَذَلِكَ أَسمَاء الْأَيَّام يجوز أَن يكون فِي كلهَا وَفِي بَعْضهَا لِأَنَّهَا من قبيل الْمُخْتَص غير الْمَعْدُود وَيعْمل فِيهِ المتطاول وَغَيره فَسَوَاء أضيف إِلَيْهِ يَوْم أم لَا انْتهى وَكَذَا إِذا كَانَ جَوَاب متي الْأَبَد والدهر وَاللَّيْل وَالنَّهَار مقرونة بِالْألف وَاللَّام فَإِنَّهَا مثل رَمَضَان إِذا لم يضف إِلَيْهِ (شهر) يكون للتعميم نَحْو سير عَلَيْهِ اللَّيْل وَالنَّهَار والدهر والأبد وَلَا يُقَال لَقيته اللَّيْل وَالنَّهَار وَأَنت تُرِيدُ لقاءه فِي سَاعَة من السَّاعَات وَلَا لَقيته الدَّهْر والأبد وَأَنت تُرِيدُ يَوْمًا فِيهِ فَإِن قصدت الْمُبَالغَة جَازَ إِطْلَاقه على غير الْعَام نَحْو سير عَلَيْهِ الْأَبَد تُرِيدُ الْمُبَالغَة مجَازًا لَا تَعْمِيم السّير فِي جَمِيع الْأَبَد وَمَا سوى مَا ذكر من جَوَاب مَتى من أَعْلَام الشُّهُور غير الْمُضَاف إِلَيْهَا والأبد وَنَحْوه وَذَلِكَ نَحْو الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَيَوْم كَذَا وَلَيْلَة كَذَا وَأَسْمَاء الْأَيَّام وأشبه ذَلِك يجوز فِيهِ التَّعْمِيم والتبغيض إِن صلح لَهُ فَالْأول نَحْو قَامَ زيد الْيَوْم وَالثَّانِي نَحْو لقِيت زيدا الْيَوْم ويحتملهما نَحْو سَار زيدا الْيَوْم وَكَون مَا يكون الْعَمَل فِي جَمِيعه هُوَ ظرف وانتصب انتصاب الظروف هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَزعم الْكُوفِيُّونَ أَنه لَيْسَ بظرف وَأَنه ينْتَصب انتصاب الْمُشبه بالمفعول لِأَن الظّرْف عِنْدهم مَا انتصب على تَقْدِير فِي وَإِذا عَم الْفِعْل الظّرْف لم يتَقَدَّر عِنْدهم فِيهِ (فِي) لِأَن (فِي) يَقْتَضِي عِنْدهم التَّبْعِيض وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ مشبها بالمفعول لَا مَفْعُولا بِهِ لأَنهم رَأَوْهُ ينْتَصب بعد الْأَفْعَال اللَّازِمَة
[ ٢ / ١٤٧ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بَاطِل لأَنهم بنوه على أَن (فِي) تَقْتَضِي التَّبْعِيض وَإِنَّمَا هِيَ للوعاء قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّام نحسات﴾ [فصلت: ١٦] فَأدْخل (فِي) على الْأَيَّام وَالْفِعْل وَاقع فِي جَمِيعهَا بِدَلِيل: ﴿سخرها عليم سبع ليالٍ وَثَمَانِية أيامٍ حسومًا﴾ [الحاقة: ٧] وَقَالَ ﴿فترى الْقَوْم فِيهَا صرعى﴾ [الحاقة: ٧] فَأدْخل (فِي) على ضمير الْأَيَّام والليالي مَعَ أَن الرُّؤْيَة مُتَّصِلَة فِي جَمِيعهَا وَذهب بعض النَّحْوِيين إِلَى أَن مَا كَانَ من الظروف معطيا غير مَا أعْطى الْفِعْل كالظروف المعدودة والموقتة فنصبها نصب الْمَفْعُول على تَقْدِير نيابتها عَن الْمصدر فَفِي سرت يَوْمَيْنِ كَأَنَّهُ قَالَ سرت سيرا مُقَدرا بيومين لِأَنَّهُ لَا دلَالَة للْفِعْل عَلَيْهِ وَقيل هُوَ بِمَنْزِلَة ضَربته سَوْطًا أَي سير يَوْمَيْنِ فَحذف وَالصَّحِيح أَنه يتَعَدَّى إِلَيْهِ بعد حذف الْجَار فينصبه وَالْقَوْلَان المحكيان فِي آخر القولة راجعان إِلَى أصل الظّرْف لَا إِلَى مَسْأَلَة التَّعْمِيم وهما مقابلان لقولي فِي أول الْبَاب (لوَاقِع فِيهِ ناصب لَهُ) وَبَقِي مَسْأَلَة إِضَافَة شهر إِلَى أَسمَاء الشُّهُور قَالَ أَبُو حَيَّان ظَاهر كَلَام التسهيل جَوَاز إِضَافَة (شهر) إِلَى كل أَسمَاء الشُّهُور وَلَيْسَ كَذَلِك فَلم تسْتَعْمل الْعَرَب من أَسمَاء الشُّهُور مُضَافا إِلَيْهِ شهر إِلَّا رَمَضَان وربيع الأول وربيع الآخر وَأما غير هَذِه الثَّلَاثَة فَلَا يُضَاف إِلَيْهِ شهر لَا يُقَال شهر الْمحرم وَلَا شهر صفر وَلَا شهر جُمَادَى قَالَ إِلَّا أَن فِي كَلَام سِيبَوَيْهٍ مَا يُخَالف هَذَا فَإِنَّهُ أضَاف (شهر) إِلَى ذِي الْقعدَة قَالَ وَبِهَذَا أَخذ أَكثر النَّحْوِيين فأجازوا إِضَافَة (شهر) إِلَى سَائِر أَعْلَام الشُّهُور وَلم يخصوا ذَلِك بِالثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا انْتهى
أَنْوَاع مَا يصلح للظرفية من الْأَمْكِنَة
(ص) مَسْأَلَة يصلح للظرفية من الْأَمْكِنَة مَا دلّ على مُقَدّر وَفِي كَونه مُبْهما خلاف وَمَا لَا يعرف إِلَّا بِإِضَافَة أَو جرى مجْرَاه باطراد وَمنعه الكوفية إِلَّا بِإِضَافَة لَا تخْتَص إِلَّا بفي وَنَحْوهَا وَألْحق بِهِ مَا قرن بدخلت
[ ٢ / ١٤٨ ]
وَقيل هُوَ مفعول بِهِ وَقيل اتساع وَقيل يجب النصب إِن اتَّسع الْمَدْخُول لَا إِن ضَاقَ قَالَ الْفراء وَكَذَا ذهبت وَانْطَلَقت وَابْن الطراوة وَالطَّرِيق مُطلقًا وَألْحق بِهِ قِيَاسا مَا اشتق من الْوَاقِع فِيهِ وسماعا عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور مَا دلّ على قرب أَو بعد كَهُوَ مني مزجر الْكَلْب (ش) الَّذِي يصلح للظرفية وَيَتَعَدَّى إِلَيْهِ الْفِعْل من الْأَمْكِنَة أَرْبَعَة أَنْوَاع أَحدهَا مَا دلّ على مِقْدَار ويعبر عَنهُ بمقدر قَالَ أَبُو حَيَّان وهما متقاربان نَحْو ميل وفرسخ وبريد وغلوة وَهَذَا النَّوْع اخْتلف فِيهِ هَل هُوَ دَاخل تَحت حد الْمُبْهم أم لَا فالشلوبين على الثَّانِي لِأَن الْمُبْهم مَا لَا نِهَايَة لَهُ وَلَا حُدُود محصورة وَهَذِه الظروف الْمقدرَة لَهَا نِهَايَة مَعْرُوفَة وحدود محصورة لِأَن الْميل مِقْدَار مَعْلُوم من الْمسَافَة وَكَذَا الْبَاقِي والفارسي وَغَيره على الأول لِأَنَّهُ إِنَّمَا يرجع تقديرها إِلَى السماع أَلا تري أَن الغلوة مائَة بَاعَ والميل عشرَة غلاء والفرسخ ثَلَاثَة أَمْيَال والبريد أَرْبَعَة
[ ٢ / ١٤٩ ]
فراسخ والباع لَا يَنْضَبِط إِلَّا بتقريب لِأَنَّهُ يزِيد وَينْقص فَيلْزم أَن تكون هَذِه المقدرات غير مُحَققَة النِّهَايَة وَالْحُدُود بل تحديدها على جِهَة التَّقْرِيب قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح أَنه شَبيه بالمبهم وَلذَلِك وصل إِلَيْهِ الْفِعْل بِنَفسِهِ وَمَا ذكر من أَن هَذَا الْمِقْدَار ينصبه الْفِعْل نصب الظّرْف هُوَ قَول النَّحْوِيين إِلَّا السُّهيْلي فَإِنَّهُ زعم أَن انتصاب هَذَا النَّوْع انتصاب المصادر لَا انتصاب الظروف لِأَنَّهُ لَا يقدر بفي وَلَا يعْمل فِيهِ إِلَّا مَا كَانَ فِي معنى الْمَشْي وَالْحَرَكَة لَا يُقَال قعدت ميلًا وَلَا رقدت ميلًا والظرف يَقع فِيهِ كل ناصب لَهُ فَهُوَ اسْم لخطى مَعْدُودَة فَكَمَا أَن سرت خطْوَة مصدر فَكَذَلِك سرت ميلًا وَنَحْوه الثَّانِي مَا لَا تعرف حَقِيقَته بِنَفسِهِ بل مَا يُضَاف إِلَيْهِ كمكان وناحية ووراء وَأما وَوجه وجهة وكجنابتي فِي قَوْلهم (هما خطان جنابتي أنفها) يعنون خطين اكتنفا جَنْبي أنف الظبية و(كجنبي) فِي قَوْله: ٧٦٧ -
(جنْبَيْ فُطَيْمةَ لَا ميلٌ وَلَا عُزُلُ )
وكأقطار فِي قَوْلهم قَوْمك أقطار الْبِلَاد وَسَوَاء فِي جَوَاز نصب مَا ذكر على الظّرْف الْمُبْهم والمبين
[ ٢ / ١٥٠ ]
وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنه لَا يجوز نصب الْمُبْهم لعدم الْفَائِدَة بل لَا بُد من وصف يخصصه وَمَا فِي حكمه نَحْو قعدت مَكَانا صَالحا وَكَذَلِكَ فِي الْجِهَة وَلَا يُقَال قعدت قداما وَلَا خلفا إِلَّا على الْحَال كَأَنَّك قلت مُتَقَدما ومتأخرا فَإِن خصصت بِالْإِضَافَة جَازَ نَحْو قعدت قدامك وخلفك الثَّالِث مَا جرى مجْرَاه باطراد قَالَ ابْن مَالك وَذَلِكَ صفة الْمَكَان الْغَالِبَة نَحْو هم قَرِيبا مِنْك وشرقي الْمَسْجِد ومصادر قَامَت مقَام مُضَاف إِلَيْهَا تَقْديرا نَحْو قَوْلهم قرب الدَّار وَوزن الْجَبَل وزنته قَالَ وَالْمرَاد بالاطراد أَلا تخْتَص ظرفيته بعامل مَا كاختصاص ظرفية الْمُشْتَقّ من اسْم الْوَاقِع فِيهِ وَجعل أَبُو حَيَّان من ذَلِك قبلك ونحوك وقرابتك بِمَعْنى قَرِيبا إِلَّا أَنه أَشد مُبَالغَة قَالَ وشرقي مَنْسُوب إِلَى الشرق وَمَعْنَاهُ الْمَكَان الَّذِي يَلِي الشرق قَالَ وَذكر سِيبَوَيْهٍ من هَذَا النَّوْع هُوَ قصدك وَهُوَ صددك وَهُوَ صقبك وَسَوَاء فِي هَذَا النَّوْع وَمَا قبله النكرَة والمعرفة هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين وَأما الْكُوفِيُّونَ فَلَا يكون ظرف الْمَكَان عِنْدهم إِلَّا معرفَة بِالْإِضَافَة فَإِن كَانَ نكرَة فَلَيْسَ بظرف نَحْو قَامَ عبد الله خلفا ووراء بِمَعْنى مُتَأَخِّرًا وقداما أما الْمُخْتَص وَهُوَ الَّذِي لَهُ اسْم من جِهَة نَفسه كَالدَّارِ وَالْمَسْجِد والحانوت وَقيل هُوَ مَا كَانَ لَفظه مُخْتَصًّا بِبَعْض الْأَمَاكِن دون بعض وَقيل مَا كَانَ لَهُ أقطار تحصره ونهايات تحيط بِهِ فَلَا يتعدي إِلَيْهِ الْفِعْل إِلَّا بِوَاسِطَة (فِي) إِذا أُرِيد معنى الظَّرْفِيَّة كجلست فِي الدَّار إِلَّا مَا سمع من ذَلِك بِدُونِهَا فَإِنَّهُ يحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ وَهُوَ كل مَكَان مُخْتَصّ مَعَ (دخلت) نَحْو دخلت الدَّار وَالْمَسْجِد
[ ٢ / ١٥١ ]
فمذهب سِيبَوَيْهٍ والمحققين أَنه مَنْصُوب على الظّرْف تَشْبِيها للمختص بِغَيْر الْمُخْتَص وَذهب الْفَارِسِي وَمن وَافقه إِلَى أَنه مِمَّا حذف مِنْهُ (فِي) اتساعا فانتصب على الْمَفْعُول بِهِ وَذهب الْأَخْفَش وَجَمَاعَة إِلَى أَنه مِمَّا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ فَهُوَ مفعول بِهِ على الأَصْل لَا على الاتساع وَذهب السُّهيْلي إِلَى أَنه اتَّسع الْمَدْخُول فِيهِ حَتَّى يكون كالبلد الْعَظِيم كَانَ النصب لَا بُد مِنْهُ كدخلت الْعرَاق ويقبح أَن يُقَال دخلت فِي الْعرَاق وَإِن ضَاقَ بعد النصب جدا لِأَن الدُّخُول قد صَار ولوجا وتقحما كدخلت فِي الْبِئْر وأدخلت أُصْبُعِي فِي الْحلقَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَسكت عَن الْمُتَوَسّط وَقِيَاس تَفْصِيله أَنه يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ التَّعَدِّي بِنَفسِهِ وبواسطة (فِي) وَألْحق الْفراء ب (دخلت) (ذهبت) و(انْطَلَقت) فَقَالَ الْعَرَب عدت إِلَى أَسمَاء الْأَمَاكِن دخلت وَذَهَبت وَانْطَلَقت وَحكي أَنهم يَقُولُونَ دخلت الْكُوفَة وَذَهَبت الْيمن وَانْطَلَقت الشَّام قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا شَيْء لم يحفظه سِيبَوَيْهٍ وَلَا غَيره من الْبَصرِيين وَالْفراء ثِقَة فِيمَا يَنْقُلهُ وَقَالَ الْمبرد ذهبت لَيْسَ من هَذَا الْبَاب بل هُوَ مِمَّا أسقط مِنْهُ حرف الْجَرّ وَهُوَ (إِلَى) لَا (فِي) وَمِمَّا سمع نَصبه (الطَّرِيق) قَالَ: ٧٦٨ -
(كَمَا عَسَل الطّريقَ الثّعْلَبُ )
[ ٢ / ١٥٢ ]
أَي فِي الطَّرِيق وَهُوَ ضَرُورَة كَقَوْلِه: ٧٦٩ -
(قَالَا خَيْمَتَىْ أُمّ مَعْبَدِ )
أَي فِي خَيْمَتي وَذهب بَعضهم إِلَى أَن انتصاب (الطَّرِيق) ظرفا يجوز فِي الِاخْتِيَار وَأَنه مَشْهُور فِي كَلَام الْعَرَب وَمقيس وَاخْتَارَهُ ابْن الطراوة النَّوْع الرَّابِع مَا دلّ على مَحل الْحَدث الْمُشْتَقّ هُوَ من اسْمه كمقعد ومرقد ومصلى ومعتكف نَحْو قعدت مقْعد زيد وقعودي مقْعد زيد أَي فِيهِ وَهُوَ مقيس بِشَرْط أَن يكون الْعَامِل فِيهِ أَصله الْمُشْتَقّ مِنْهُ وَلَا يجوز أَن يعْمل فِيهِ غَيره فَلَا يُقَال ضحِكت مجْلِس زيد أَي فِيهِ وَمَا سمع من نصب ذَلِك يقْتَصر فِيهِ على السماع وَلَا يُقَاس نَحْو هُوَ مني مقْعد
[ ٢ / ١٥٣ ]
الْقَابِلَة ومقعد الْإِزَار ومنزلة الْوَلَد أَي فِي الْقرب ومناط الثريا ومزجر الْكَلْب أَي فِي الِارْتفَاع والبعد وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا دلّ على قرب أَو بعد وَمَا ذَكرْنَاهُ من الِاقْتِصَار فِيهِ على السماع هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور فَلَا يُقَال هُوَ مني مجلسك ومتكأ زيد ومربط الْفرس ومعقد الشرَاك وَلَا هُوَ مني مقْعد الْقَابِلَة ومزجر الْكَلْب بِمَعْنى الْمَكَان الَّذِي يقْعد فِيهِ ويزجر لِأَن الْعَرَب لم تستعملها إِلَّا على معنى التَّمْثِيل للقرب والبعد وَذهب الْكسَائي إِلَى أَن ذَلِك مقيس
أَنْوَاع الظروف المكانية
(ص) مَسْأَلَة كثر تصرف يَمِين وشمال وَذَات مُضَافا إِلَيْهِمَا وَمَكَان وندر فِي وسط سَاكِنا والمتحرك اسْم وَقَالَ الكوفية ظرفان وَالْفراء مَا حسن فِيهِ (بَين) ظرف وَالْأَحْسَن تسكينه وَمَا لَا أسم وَالْأَحْسَن تحريكه وثعلب والمرزوقي مَا كَانَ أَجزَاء تنفصل سكن وَمَا لَا حرك وَمِمَّا عدم فِيهِ بدل لَا بِمَعْنى بديل وَأنكر الكوفية ظرفيته وَمَكَان بِمَعْنَاهُ وحول وحوالي وحولي وأحوالي وأحوال وحوال وَوزن الْجَبَل وزنة الْجَبَل وصددك وصقبك وسوي وَيُقَال سوي وسوي وَسَوَاء
[ ٢ / ١٥٤ ]
وَقَالَ الزجاجي وَابْن مَالك هِيَ اسْم متصرف والرماني وَأَبُو الْبَقَاء وَابْن هِشَام ظرف كثيرا وَغَيره قَلِيلا وَيسْتَثْنى ويوصف بهَا ك (غير) فتضاف لمعْرِفَة وَكَذَا نكرَة فِي الْأَصَح وَزعم (عبد الدَّائِم) بِنَاء (سَوَاء) على الْفَتْح وَترد بمعني وسط وسوي بمعني مستو وَشطر بِمَعْنى نَحْو ذكره أَبُو حَيَّان وَعند مثلث الْعين لمَكَان الْحُضُور والقرب حسا أَو معني وَتَأْتِي لزمانه وبمعناها (لَدَى) معربة لَا بمعني (لدن) فِي الْأَصَح وَلَكِن لَا تجر أصلا وَلَا تكون ظرفا للمعاني بِخِلَاف (عِنْد) وَلَا تطلق على غَائِب وفَاقا
[ ٢ / ١٥٥ ]
للحريري والعسكري وَابْن الشجري وَخِلَافًا للمعري وتقلب ألفها مَعَ الضَّمِير لَا غَيره غَالِبا (ش) الظروف المكانية أَنْوَاع أَحدهَا مَا كثر فِيهِ التَّصَرُّف وَهُوَ الِاسْتِعْمَال غير ظرف مُبْتَدأ وفاعلا ونائبا ومضافا إِلَيْهِ وَهُوَ يَمِين وشمال نَحْو جَلَست يَمِين زيد وشمال بكر وَيَمِين الطَّرِيق أسهل وشمال الطَّرِيق أقرب وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَن الْيَمين وَعَن الشمَال قعيد﴾ [ق: ١٧] و(ذَات) مُضَافَة إِلَيْهِمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تزاور عَن كهفهم ذَات الْيَمين وَإِذا غربت تقرضهم ذَات الشمَال﴾ [الْكَهْف: ١٧] وَقَالَ الشَّاعِر: ٧٧٠ -
(وَكَانَ الكأسُ مَجْراها الْيَمِينا )
[ ٢ / ١٥٦ ]
وَتقول دَارك ذَات الْيَمين ومنازلهم ذَات الشمَال وَمَكَان نَحْو اجْلِسْ مَكَانك ومكانك حسن الثَّانِي مَا ندر فِيهِ التَّصَرُّف كوسط سَاكن السِّين قَالَ ابْن مَالك تجرده عَن الظَّرْفِيَّة قَلِيل لَا يكَاد يعرف ومه قَوْله يصف سحابا: ٧٧١ -
(وسْطُه كاليَراع أَو سُرُج المجْدَل طَوْرًا يَخْبُو وطَوْرًا يُنِيرُ)
فوسطه مُبْتَدأ خَبره كاليراع أما وسط المتحرك السِّين فاسم قَالَ فِي الْبَسِيط جعلُوا السَّاكِن ظرفا والمتحرك اسْم ظرف فَالْأول نَحْو زيد وسط الدَّار وَالثَّانِي نَحْو ضربت وَسطه وَقَالَ الْفراء إِذا حسنت فِيهِ (بَين) كَانَ ظرفا نَحْو قعد وسط الْقَوْم وَإِن لم يحسن فاسم نَحْو احْتجم وسط رَأسه وَيجوز فِي كل مِنْهُمَا التسكين والتحريك لَكِن السّكُون أحسن فِي الظّرْف والتحريك أحسن فِي الِاسْم وَأما بَقِيَّة الْكُوفِيّين فَلَا يفرقون بَينهمَا ويجعلونهما ظرفين إِلَّا أَن ثَعْلَب قَالَ يُقَال وسط بِالسُّكُونِ فِي المتفرق الْأَجْزَاء نَحْو وسط الْقَوْم ووسط بِالتَّحْرِيكِ فِيمَا لَا تتفرق أجزاؤه نَحْو وسط الرَّأْس وَتَابعه المرزوقي قَالَه أَبُو حَيَّان وَقَول الفرزدق:
[ ٢ / ١٥٧ ]
٧٧٢ -
(أتَتْهُ بمَجْلُوم كأنّ جبينهُ صلايةُ وَرْس وسْطُها قد تفلّقا)
شَاذ من حَيْثُ اسْتِعْمَال (وسط) مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ وَعند الْكُوفِيّين من حَيْثُ اسْتِعْمَاله فِيمَا لَا تتفرق أجزاؤه وَهُوَ الصلابة الثَّالِث مَا عدم فِيهِ التَّصَرُّف فَلم يخرج عَن الظَّرْفِيَّة أصلا وَهُوَ ألفظ مِنْهَا (بدل) لَا بِمَعْنى بديل نَحْو هَذَا بدل هَذَا أَي مَكَان هَذَا قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يذكر الْكُوفِيُّونَ (بدل) ظرف مَكَان وَإِنَّمَا ذكره البصريون وَإِذا اسْتعْمل (مَكَان) بِمَعْنَاهُ لم يتَصَرَّف أَيْضا وَمِنْهَا (حول) و(حوالي) و(حَولي) و(حوالي) و(أحوالي) وحوال وأحوال قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله﴾ [الْبَقَرَة: ١٧] وَقَالَ
(اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا وَلَا عَلَيْا) وَقَالَ الشَّاعِر: ٧٧٣ -
(ماءٌ رَوَاءٌ ونَصِيٌّ حَوْلِيَهْ )
[ ٢ / ١٥٨ ]
وَقَالَ: ٧٧٤ -
(أَلَسْت ترى السُّمّارَ والنّاسَ أَحْوالِي )
وَمِنْهَا فِيمَا ذكر سِيبَوَيْهٍ (زنة الْجَبَل) أَي حذاءه مُتَّصِلا بِهِ و(وزن الْجَبَل) أَي نَاحيَة تقابله قريبَة كَانَت أَو بعيدَة و(صددك) و(صقبك) لَكِن قَالَ أَبُو حَيَّان يجوز أَن يسْتَعْمل اسْما إِذْ قِيَاس كل ظرف أَن يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا أَن نقل أَنه مِمَّا يلْزم أَن يكون ظرفا قَالَ أَبُو حَيَّان وَمِمَّا أهمل النحويون ذكره من الظروف الَّتِي لَا تتصرف (شطر) بِمَعْنى نَحْو قَالَ تَعَالَى: ﴿شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ ﴿فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٠] وَقَالَ الشَّاعِر: ٧٧٥ -
(أَقُول لأمّ زنباع أقيمي صُدور العِيس شَطْرَ بني تَمِيم)
[ ٢ / ١٥٩ ]
وَقَالَ: ٧٧٦ -
(تَعْدو بِنَا شَطْر نَجْدِ وَهِي عَائِدَةٌ )
وَمن جرها بِمن قَوْله: ٧٧٧ -
(وَقد أظَلُّكُمْ من شَطْر ثغركُم هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ يغشاكُمُ قِطَعا)
وَمِنْهَا سوى بِكَسْر السِّين وَضمّهَا مَقْصُورا وَسَوَاء بِفَتْحِهَا وَكسرهَا ممدودا وَعدم تصرفها بِأَن تلْزم الظَّرْفِيَّة مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور لِأَنَّهَا بمعني مَكَانك الَّذِي يدْخلهُ معني (عوضك) و(بدلك) فَكَمَا أَنَّك إِذا قلت مَرَرْت بِرَجُل مَكَانك أَي عوضك وبدلك لَا يتَصَرَّف فَكَذَا مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ وَسبب ذَلِك أَن مَكَانا بِهَذَا الْمَعْنى لَيْسَ بمَكَان حَقِيقِيّ لِأَن مَكَان الشَّيْء حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ مَوْضِعه ومستقره فَلَمَّا كَانَت الظَّرْفِيَّة على طَريقَة الْمجَاز لم يتصرفوا بِهِ كَمَا يتصرفون فِي الظروف الْحَقِيقِيَّة وَذهب جمَاعَة مِنْهُم الرماني وَأَبُو الْبَقَاء العكبري إِلَى أَنَّهَا ظرف مُتَمَكن أَي يسْتَعْمل ظرفا كثيرا وَغير ظرف قَلِيلا قَالَ ابْن هِشَام فِي التَّوْضِيح وَإِلَيْهِ أذهب وَنَقله فِي الْبَسِيط عَن الْكُوفِيّين
[ ٢ / ١٦٠ ]
وَذهب الزجاجي وَابْن مَالك إِلَى أَنَّهَا لَيست ظرفا الْبَتَّةَ فَإِنَّهَا اسْم مرادف ل (غير) فَكَمَا أَن (غير) لَا تكون ظرفا وَلَا يلْتَزم فِيهَا النصب فَكَذَلِك سوى وَحكم الْمَقْصُورَة والممدودة فِيمَا ذكر على الْأَقْوَال الثَّلَاثَة سَوَاء نَص عَلَيْهِ الأبذي وَحكم الْمَكْسُورَة والمضمومة أَيْضا سَوَاء نَص عَلَيْهِ ابْن مَالك وَابْن عُصْفُور وَمن تصرفهما مَا حُكيَ (أَتَانِي سواؤك) وَقَوله: ٧٧٨ -
(فَسِواك بائِعُها وَأَنت المُشْتَري )
وَقَوله: ٧٧٩ -
(وَلم يَبْقَ سِوَى العُدْوَان )
[ ٢ / ١٦١ ]
وَقَوله: ٧٨٠ -
(أأتْرُك لَيْلَى لَيْس بَيْني وبَينها سوى لَيْلةٍ إنّي إِذن لصَبُورُ)
وَقَوله: ٧٨١ -
(ذِكْرُكُ الله عِنْد ذِكْر سِواهُ صارفٌ عَن فُؤَادك الغَفَلاَتِ)
وَقَوله: ٧٨٢ -
(مُعُلّلٌ بسَواء الحقِّ مَكْذُوبُ )
[ ٢ / ١٦٢ ]
وَقَوله: ٧٨٣ -
(فإنّ أَخا سوائِكُمْ الوَحِيدُ )
وَقَوله: ٧٨٤ -
(وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِها لِسَوَائِكَا )
وَالْأَشْهر فِي سوى لُغَة الْكسر وَالْقصر ولغة الضَّم وَالْقصر حَكَاهَا الْأَخْفَش ولغة الْفَتْح وَالْمدّ حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ ولغة الْكسر وَالْمدّ حَكَاهَا ابْن الخباز فِي شرح ألفية ابْن معط وَزعم عبد الدَّائِم بن مَرْزُوق القيرواني أَن (سَوَاء) الممدودة مَبْنِيَّة على الْفَتْح لتضمنها معنى إِلَّا قَالَ أَبُو حَيَّان وَالَّذِي حمله على ذَلِك أَنه رَآهَا لَازِمَة الْفَتْح لَا تَتَغَيَّر بِوُجُوه الْأَعْرَاب تغير (غير)
[ ٢ / ١٦٣ ]
وَالصَّحِيح أَن فتحهَا إِعْرَاب وَهِي لَازِمَة الظَّرْفِيَّة فَلذَلِك لم ترفع وَلم تجر قَالَ وَيلْزمهُ أَن يَقُول بِبِنَاء سوى وسوي أَو يُبْدِي فرقا بَينهمَا وَبَين هذَيْن أما سَوَاء بِمَعْنى وسط نَحْو ﴿سَوَاء الْجَحِيم﴾ [الصافات: ٥٥] أَو بِمَعْنى مستو نَحْو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِم ءأَنذَرْتَهُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٦] فمعربة إِجْمَاعًا وَكَذَا سَوَاء بمعني (حذاء) نَحْو زيد سَوَاء عَمْرو وَيسْتَعْمل سوى ك (غير) فَيَسْتَثْنِي بهَا نَحْو قَامَ الْقَوْم سوى زيد وَمَا فِي الدَّار سوى حمَار قَالَ: ٧٨٥ -
(كلّ سَعْي سوى الَّذِي يُورث الْفَوْز فَعْقَباهُ حُسْرةٌ وخَسارُ)
وَقَالَ: ٧٨٦ -
(لم ألْفِ فِي الدّار ذَا نُطْقٍ سوى طَلَلٍ )
ويوصف بهَا نَحْو جَاءَنِي رجل سوى زيد قَالَ: ٧٨٧ -
(أصابَهمُ بلاءٌ كَانَ فِيهم سِوَى مَا قد أصَاب بني النّضِير)
وتَنْفرد (سوى) عَن (غير) بِأَنَّهَا تلْزم الْإِضَافَة لفظا بِخِلَاف (غير) فَإِنَّهَا تقطع عَنْهَا لفظا وتنوي كَمَا سَيَأْتِي وَلَا يعْتَرض على هَذَا بقوله تَعَالَى: ﴿مَكَانا سوى﴾ [طه: ٥٨] فَإِن (سوى) فِيهِ بِمَعْنى مستو وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ ويضاف (سوى) إِلَى الْمعرفَة والنكرة كالبيتين السَّابِقين
[ ٢ / ١٦٤ ]
وَقيل إِنَّهَا تنفرد من (غير) بِأَنَّهَا لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى معرفَة بِخِلَاف (غير) فَإِنَّهَا تُضَاف إِلَيْهِمَا ورده أَبُو حَيَّان بقوله (سوى طلل) و(سوى لَيْلَة) وهما نكرتان وَمِنْهَا (عِنْد) وَهِي لبَيَان كَون مظروفها حَاضرا حسا أَو معنى أَو قَرِيبا حسا أَو معنى فَالْأول نَحْو: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُستَقِرًّا عِنَدهُ﴾ [النَّمْل: ٤٠] وَالثَّانِي نَحْو: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب﴾ [النَّمْل: ٤٠] وَالثَّالِث نَحْو: ﴿عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى﴾ [النَّجْم ١٤ - ١٥] وَالرَّابِع نَحْو: ﴿عِنْد مليك مقتدر﴾ [الْقَمَر: ٥٥] ﴿رب ابْن لي عنْدك بَيْتا فِي الْجنَّة﴾ [التَّحْرِيم: ١١] ﴿وَإِنَّهُم عندنَا لمن المصطفين الأخيار﴾ [ص: ٤٧] ﴿مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ ولنجزين﴾ [النَّحْل: ٩٦] وَقد ترد للزمان نَحْو الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى وَلم تسْتَعْمل إِلَّا مَنْصُوبَة على الظَّرْفِيَّة كَمَا مثل أَو مجرورة بِمن نَحْو ﴿ءَاتَيناهُ رحَمَةً مِنْ عِندِنَا﴾ [الْكَهْف: ٦٥] وَإِنَّمَا لم تتصرف لشدَّة توغلها فِي الْإِبْهَام لِأَنَّهَا تصدق على الْجِهَات السِّت وَالْأَشْهر كسر عينهَا وَمن الْعَرَب من يفتحها وَمِنْهُم من يضمها وَمِنْهَا (لَدَى) وَهِي بِمَعْنى عِنْد لَا بِمَعْنى لدن فِي الْأَفْصَح وَمن ثمَّ كَانَت معربة لكَي تفارق (لَدَى) (عِنْد) من أوجه أَحدهَا أَنَّهَا لَا تجر أصلا و(عِنْد) تجر بِمن كَمَا تقدم الثَّانِي أَن (عِنْد) تكون ظرفا للأعيان والمعاني كَمَا تقدم و(لَدَى) لَا تكون ظرفا للمعاني بل للأعيان خَاصَّة يُقَال عِنْدِي هَذَا القَوْل صَوَاب وَلَا يجوز
[ ٢ / ١٦٥ ]
لدي ذكره ابْن الشجري فِي (أَمَالِيهِ) ومبرمان فِي (حَوَاشِيه الثَّالِث أَنَّك تَقول عِنْدِي مَال وَإِن كَانَ غَائِبا وَلَا تَقول لَدَى مَال إِلَّا إِذا كَانَ حَاضرا قَالَه الحريري وَأَبُو هِلَال العسكري وَابْن الشجري وَزعم المعري أَنه لَا فرق بَين (لَدَى) و(عِنْد) قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَقَول غَيره أولى وتقلب ألف (لَدَى) مَعَ الضَّمِير يَاء ك (عَليّ، وإلي) قَالَ تَعَالَى: ﴿ولدينا مزِيد﴾ [ق: ٣٥] ﴿وَمَا كنت لديهم﴾ [آل عمرَان: ٤٤] لَا مَعَ الظَّاهِر نَحْو ﴿لَدَى الْحَنَاجِر﴾ [غَافِر: ١٨] ﴿لَدَا البَابَ﴾ [يُوسُف: ٢٥] وَمن الْعَرَب من يقر الْألف مَعَ الْمُضمر أَيْضا كَالظَّاهِرِ وَكَذَا إِلَى وعَلى قَالَ: ٧٨٨ -
(إِلَى كُمْ يَا خناعة لَا إلانا عزا الناسُ الضّراعةَ والهَوانا)
(فلَوْ بَرأَتْ عُقُولكم بَصَرْتُم بأنَّ دَواءَ دائكُم لَدانا)
(وذلكم إِذا واثَقْتُمونا على نَصْر اعتمادِكُمُ علانا)
[ ٢ / ١٦٦ ]
التَّوَسُّع فِي ظرف الزَّمَان وَالْمَكَان
(ص) مَسْأَلَة يتوسع فِي الْمُتَصَرف فَيجْعَل مَفْعُولا بِهِ ويضمر غير مقرون ب (فِي) ويضاف وينسد إِلَيْهِ لَا إِن كَانَ الْعَامِل حرفا أَو اسْما جَامِدا وَلَا مُتَعَدِّيا لثَلَاثَة على الْأَصَح قيل أَو اثْنَيْنِ وَلَا كَانَ إِن عملت فِيهِ على الْأَصَح (ش) التَّوَسُّع جعل الظّرْف مَفْعُولا بِهِ على طَرِيق الْمجَاز فيسوغ حِينَئِذٍ إضماره غير مقرون ب (فِي) نَحْو الْيَوْم سرته وَلَا يجوز ذَلِك فِي الْمَنْصُوب على الظّرْف بل إِذا أضمر وَجب التَّصْرِيح ب (فِي) لِأَن الضَّمِير يرد الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا فَيُقَال الْيَوْم سرت فِيهِ وَسَوَاء فِي التَّوَسُّع ظرف الزَّمَان وَالْمَكَان فَالْأول نَحْو: ٧٨٩ -
(وَيَوْم شَهدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا )
[ ٢ / ١٦٧ ]
٧٩٠ -
(يَا رُبّ يَوْم لِيَ لَا أُظلَّلُهُ )
الثَّانِي نَحْو: ٧٩١ -
(ومشرب أشربهُ وَشِيل )
وَالْأَصْل شَهِدنَا فِيهِ وأظلل فِيهِ وأشرب فِيهِ وَيجوز حِينَئِذٍ الْإِضَافَة إِلَيْهِ على طَرِيق الفاعلية نَحْو ﴿بَل مَكرُ الّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣] ٧٩٢ -
(يَا سارقَ اللّيْلَةِ أَهْلَ الدّارْ )
والمفعولية نَحْو ﴿تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٦] (يَا مَسْرُوق اللَّيْلَة أهل الدَّار)
[ ٢ / ١٦٨ ]
وَلَا تصح الْإِضَافَة عِنْد إِرَادَة الظّرْف لِأَن تَقْدِير (فِي) يحول بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ فتمتنع قَالَه الْفَارِسِي وَلِأَن الْخَافِض إِذا دخل على الظّرْف يُخرجهُ عَن الظَّرْفِيَّة قَالَ ابْن عُصْفُور وَيجوز حِينَئِذٍ الْإِسْنَاد إِلَيْهِ نَحْو ﴿فِي يَوْم عاصف﴾ [إِبْرَاهِيم: ١٨] ﴿إِنَّا نَخَاف من رَبنَا يَوْمًا عبوسا قمطريرا﴾ [الْإِنْسَان: ١٠] ٧٩٣ -
(صِيد عَلَيْهِ اللّيلُ والنّهارُ )
قَالَ بَعضهم ويؤكد ويبدل وَيسْتَثْنى مِنْهُ وَلَا يجوز ذَلِك فِي الظّرْف غير المتوسع فِيهِ قَالَ صَاحب الْبَسِيط وَفِي هَذَا نظر وللتوسع شُرُوط الأول أَن يكون الظّرْف متصرفا فَمَا لزم الظَّرْفِيَّة لَا يتوسع فِيهِ لِأَن التَّوَسُّع منَاف لعدم التَّصَرُّف إِذْ يلْزم مِنْهُ أَن يسند إِلَيْهِ ويضاف إِلَيْهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِث أَلا يكون الْعَامِل حرفا وَلَا اسْما جَامِدا لِأَنَّهُمَا يعملان فِي الظّرْف لَا فِي الْمَفْعُول بِهِ والموتسع فِيهِ مشبه بالمفعول بِهِ فَلَا يعملان فِيهِ الرَّابِع أَلا يكون فعلا مُتَعَدِّيا إِلَى ثَلَاثَة لِأَن والاتساع فِي اللَّازِم لَهُ مَا يشبه بِهِ وَهُوَ الْمُتَعَدِّي إِلَى وَاحِد والاتساع فِي الْمُتَعَدِّي إِلَى وَاحِد لَهُ مَا يشبه بِهِ وَهُوَ الْمُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ والاتساع فِي الْمُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ لَهُ مَا يشبه بِهِ وَهُوَ الْمُتَعَدِّي إِلَى ثَلَاثَة فَيجوز فِيهَا وَأما مَا يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة فَلَيْسَ لَهُ مَا يشبه بِهِ إِذْ لَيْسَ لنا فعل يتَعَدَّى إِلَى أَرْبَعَة فَيمْنَع هَذَا مَا صَححهُ ابْن مَالك وَنسبه ابْن عُصْفُور للأكثرين وَعَزاهُ غَيره للمبرد وَقيل يجوز فِي الْمُتَعَدِّي إِلَى ثَلَاثَة أَيْضا وَنسبه ابْن خروف إِلَى سِيبَوَيْهٍ وَأَبُو حَيَّان إِلَى الْجُمْهُور وَلَا مبالاة بِعَدَمِ النظير وَإِلَّا لم يجز فِي اللَّازِم إِذْ لم يعْهَد نَصبه الْمَفْعُول وَإِنَّمَا جَازَ فِيهِ لضرب من الْمجَاز فَكَذَا هُنَا وَقيل يمْتَنع الاتساع مَعَ الْمُتَعَدِّي إِلَى اثْنَيْنِ أَيْضا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أصل يشبه بِهِ إِذْ لَا يُوجد مَا يتعدي إِلَى ثَلَاثَة بِحَق الأَصْل وَالْحمل إِنَّمَا يكون على الْأُصُول لَا على الْفُرُوع وَهَذَا مَا صَححهُ ابْن عُصْفُور قِيَاسا لما ذكر وسماعا لِأَنَّهُ لم يرد إِلَّا فِي الْمُتَعَدِّي لوَاحِد وَاللَّازِم
[ ٢ / ١٦٩ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْأَمر كَمَا قَالَ من عدم السماع مَعَ الْمُتَعَدِّي لاثْنَيْنِ الْخَامِس أَلا يكون الْعَامِل كَانَ وَأَخَوَاتهَا إِن قُلْنَا إِنَّهَا تعْمل فِي الظّرْف حذرا من كَثْرَة الْمجَاز لِأَنَّهَا رفعت ونصبت لشبهها بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي وَالْعَمَل بالشبه مجَاز فَإِذا نصبت الظّرْف على الاتساع وَهُوَ مجَاز أَيْضا كثر الْمجَاز فَيمْنَع مِنْهُ قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا مَا يَقْتَضِيهِ النّظر وَنَظِيره قَوْلهم دخلت فِي الْأَمر لَا يجوز حذف (فِي) لِأَن هَذَا الدُّخُول مجَاز ووصول (دخل) إِلَى الظّرْف بِغَيْر وساطة (فِي) مجَاز فَلم يجْتَمع عَلَيْهَا مجازان وَقَالَ ابْن عُصْفُور يجوز الاتساع مَعهَا كَسَائِر الْأَفْعَال أما إِن قُلْنَا بِأَنَّهَا لَا تعْمل فِي الظّرْف فَوَاضِح أَنه لَا توسع وَلَا يمْنَع التَّوَسُّع إِضَافَة الظّرْف إِلَى المظروف الْمَقْطُوع عَن الْإِضَافَة المعوض مِنْهُ التَّنْوِين نَحْو سير عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَمَا انتصب من المصادر نصب الظّرْف يجوز فِيهِ التَّوَسُّع وَمِنْه ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ [الْأَنْعَام: ٩٤] وَأما صفة الظّرْف نَحْو سرت قَلِيلا فيضعف فِيهَا التَّوَسُّع إِلَّا إِن وصف
نِيَابَة الْمصدر عَن ظرفي الزَّمَان وَالْمَكَان
(ص) وينوب مصدر عَن مَكَان بقلة وزمان بِكَثْرَة وَقد يَجْعَل ظرفا دون تَقْدِير أَو اسْم عين مُضَاف إِلَيْهِ لَا مصدر مؤول خلافًا للزمخشري (ش) قد يَنُوب عَن الظّرْف مصدر إِذا كَانَ الظّرْف مُضَافا إِلَيْهِ فَحذف وَلَا بُد من كَونه معينا لوقت أَو مِقْدَار وَهُوَ كثير فِي ظرف الزَّمَان نَحْو جئْتُك صَلَاة الْعَصْر أَو قدوم الْحَاج وانتظرتك حلب نَاقَة وَقَلِيل فِي الْمَكَان نَحْو جَلَست قرب زيد أَي مَكَان قربه وَقد يَجْعَل الْمصدر ظرفا دون تَقْدِير مُضَاف كَقَوْلِهِم أحقا إِنَّك ذَاهِب أَي أَفِي حق
[ ٢ / ١٧٠ ]
وَقد يكون النَّائِب اسْم عين نَحْو لَا ُأكَلِّمهُ القارظين وَالْأَصْل مُدَّة غيبَة القارظين وَلَا يَنُوب فِي ذَلِك الْمصدر المؤول وَهُوَ أَن وَالْفِعْل نَحْو ﴿وترغبون أَن تنكحوهن﴾ [النِّسَاء: ١٢٧] إِذا قدر ب (فِي) خلافًا للزمخشري
الظروف المبنيات
(ص) الْكَلَام فِي الظروف المبنيات (ش) أوردت فِي هَذَا الْفَصْل مَا لم أسبق إِلَى جمعه واستيفائه من مَبْنِيّ ظروف الزَّمَان وَالْمَكَان مُرَتبا على حُرُوف المعجم
إِذْ
(ص) (إِذْ) للْوَقْت الْمَاضِي وللمستقبل فِي الْأَصَح وَتلْزم الظَّرْفِيَّة مَا لم يضف لَهَا زمَان وَالْإِضَافَة إِلَى جملَة غير مصدرة بزال وأخواته أَو دَامَ أَو لَيْسَ أَو لَكِن أَو لَيْت أَو لَعَلَّ ويقبح أَن يَليهَا اسْم بعده مَاض وَقد يحذف جزؤها وَكلهَا فتعوض تنوينا وتكسر للساكنين وَقَالَ الْأَخْفَش إعرابا وَقد تفتح وألقح بهَا شَيخنَا الكافيجي فِي ذَلِك (إِذا)
[ ٢ / ١٧١ ]
وَجوز الْأَخْفَش والزجاج والمتأخرون وُقُوعهَا مَفْعُولا بِهِ وبدلا مِنْهُ والزمخشري مُبْتَدأ وَهِي تَجِيء للتَّعْلِيل خلافًا لِلْجُمْهُورِ حرفا وَقيل ظرفا وللمفاجأة بعد بَينا وبينما حرفا أَو ظرف مَكَان أَو زمَان أَو زَائِدَة أَقْوَال وَعلي الظَّرْفِيَّة عاملها قَالَ ابْن جني وَابْن الباذش تَالِيهَا وعامل بَينا مُقَدّر والشلوبين عاملهما مَحْذُوف وَإِذا بدل قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وللتحقيق وزائدة وَاخْتَارَهُ ابْن الشجري بعد بَينا وبينما (ش) من الظروف المبنية (إِذْ) وَالدَّلِيل على اسميتها قبُولهَا التَّنْوِين والإخبار بهَا نَحْو مجيئك إِذْ جَاءَ زيد وَالْإِضَافَة إِلَيْهَا بِلَا تَأْوِيل نَحْو ﴿بعد إِذْ هديتنا﴾ [آل عمرَان: ٨] وبنيت لافتقارها إِلَى مَا بعْدهَا من الْجمل ولوضعها على حرفين وأصل وَضعهَا أَن تكون ظرفا للْوَقْت الْمَاضِي وَهل تقع للاستقبال قَالَ الْجُمْهُور لَا وَقَالَ جمَاعَة مِنْهُم ابْن مَالك نعم وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ تحدث أَخْبَارهَا﴾ [الزلزلة: ٤] وَالْجُمْهُور جعلُوا الْآيَة وَنَحْوهَا من بَاب ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ [الْكَهْف: ٩٩] أَي من تَنْزِيل الْمُسْتَقْبل الْوَاجِب الْوُقُوع منزلَة مَا قد وَقع
[ ٢ / ١٧٢ ]
قَالَ ابْن هِشَام ويحتج لغَيرهم بقوله تَعَالَى ﴿فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ [غَافِر: ٧٠، ٧١] ٍ فَإِن يعلمُونَ مُسْتَقْبل لفظا وَمعنى لدُخُول حرف التَّنْفِيس عَلَيْهِ وَقد عمل فِي (إِذْ) فَيلْزم أَن يكون بِمَنْزِلَة إِذا وتلز (إِذْ) الظَّرْفِيَّة فَلَا تتصرف بِأَن تكون فاعلة أَو مُبتَدأَة إِلَّا أَن يُضَاف اسْم الزَّمَان إِلَيْهَا نَحْو حِينَئِذٍ ويومئذ و﴿بعد إِذْ هديتنا﴾ [آل عمرَان: ٨] ورأيتك أمس إِذْ جِئْت وَجوز الْأَخْفَش والزجاج وَابْن مَالك وُقُوعهَا مَفْعُولا بِهِ نَحْو ﴿واذْكُرُوا إِذْ كُنْتُم قَلِيلا﴾ [الْأَعْرَاف: ٨٦] وبدلا مِنْهُ نَحْو ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت﴾ [مَرْيَم: ١٦] وَالْجُمْهُور لَا يثبتون ذَلِك وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَيَّان قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُوجد فِي كَلَامهم أَحْبَبْت إِذْ قدم زيد وَلَا كرهت إِذْ قدم وَإِنَّمَا ذكرُوا ذَلِك مَعَ (اذكر) لما اعتاص عَلَيْهِم مَا ورد من ذَلِك فِي الْقُرْآن وتخريجه سهل وَهُوَ أَن تكون (إِذْ) معمولة لمَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْمَعْنى أَي اذْكروا حالتكم أَو قضيتكم أَو أَمركُم وَقد جَاءَ بعض ذَلِك مُصَرحًا بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَليْكُمْ إِذ كُنتُم أَعدَاءً﴾ [آل عمرَان: ١٠٣] فَإذْ ظرف مَعْمُول لقَوْله ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ وَهَذَا أولي من إِثْبَات حكم كلي بمحتمل بل بمرجوح انْتهى وَجوز الزَّمَخْشَرِيّ وُقُوعهَا مُبْتَدأ فَقَالَ فِي قِرَاءَة بَعضهم ﴿لَمِنْ مَنِّ اللهِ عَلَى المُؤمِنِين﴾ [آل عمرَان: ١٦٤] إِنَّه يجوز أَن التَّقْدِير (مِنْهُ إِذْ بعث) وَأَن تكون (إِذْ) فِي مَحل رفع كإذا فِي قَوْلك أَخطب مَا يكون الْأَمِير إِذا كَانَ قَائِما
[ ٢ / ١٧٣ ]
قَالَ ابْن هِشَام فمقتضي هَذَا أَن (إِذْ) مُبْتَدأ وَلَا نعلم بذلك قَائِلا وَتلْزم (إِذْ) الْإِضَافَة إِلَى جملَة إِمَّا اسمية نَحْو ﴿واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُم قَلِيل﴾ [الْأَنْفَال: ٢٦] ﴿إِذْ هما فِي الْغَار﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] أَو فعلية كَمَا سبق ويقبح فِي الاسمية أَن يكون عجزها فعلا مَاضِيا نَحْو جئْتُك إِذْ زيد قَامَ وَوجه قبحه أَن (إِذْ) لما كَانَت لما مضى وَكَانَ الْفِعْل الْمَاضِي مناسبا لَهَا فِي الزَّمَان وَكَانَا فِي جملَة وَاحِدَة لم يحسن الْفَصْل بَينهمَا بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ مضارعا نَحْو إِذْ زيد يقوم فَإِنَّهُ حسن وَيشْتَرط فِي الْجُمْلَة أَلا تكون شَرْطِيَّة فَلَا يُقَال أَتَذكر إِذْ إِن تأتنا نكرمك وَلَا إِذْ من يأتك تكرمه إِلَّا فِي ضَرُورَة وَقد يحذف جُزْء الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا (إِذْ) فيظن من لَا خبْرَة لَهُ أَنَّهَا أضيفت إِلَى الْمُفْرد كَقَوْلِه:
[ ٢ / ١٧٤ ]
٧٩٤ -
(والعيش مُنْقَلِبٌ إذْ ذَاك أَفْنانَا )
وَالتَّقْدِير إِذْ ذَاك كَذَلِك وَقد تحذف الْجُمْلَة كلهَا للْعلم بهَا ويعوض مِنْهَا التَّنْوِين قَالَ أَبُو حَيَّان الَّذِي يظْهر من قَوَاعِد الْعَرَبيَّة أَن هَذَا الْحَذف جَائِز لَا وَاجِب وتكسر ذالها حِينَئِذٍ لالتقاء الساكنين نَحْو ﴿وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٤] أَي حِين إِذْ بلغت الرّوح الْحُلْقُوم وَزعم الْأَخْفَش أَنَّهَا حِينَئِذٍ معربة وَالْكَسْر جر إِعْرَاب بِالْإِضَافَة لَا بِنَاء وَحمله على ذَلِك أَنه جعل بناءها ناشئا عَن إضافتها إِلَى الْجُمْلَة فَلَمَّا زَالَت من اللَّفْظ صَارَت معربة وَهُوَ مَرْدُود بِأَنَّهُ قد سبق ل (إِذْ) حكم الْبناء وَالْأَصْل استصحابه حَتَّى يقوم دَلِيل على إعرابه وَبِأَن الْعَرَب قد بنت الظّرْف الْمُضَاف ل (إِذْ) وَلَا عِلّة لبنائه إِلَّا كَونه مُضَافا لمبني فَلَو كَانَت الكسرة إعرابا لم يجز بِنَاء الظّرْف وبأنهم قَالُوا (يومئذا) بِفَتْح الذَّال منونا وَلَو كَانَ معربا لم يجز فَتحه لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَيْهِ فَدلَّ على أَنه مَبْنِيّ مرّة على الْكسر لالتقاء الساكنين وَمرَّة على الْفَتْح طلبا للتَّخْفِيف وَهَذَا معنى قولي وَقد تفتح وَقَوْلِي وَألْحق بهَا شَيخنَا الكافيجي فِي ذَلِك (إِذا) أَشرت بِهِ إِلَى مَسْأَلَة غَرِيبَة قل من تعرض لَهَا وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعت شَيخنَا ﵀ يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَئِن أطعتم بشرا مثلكُمْ إِنَّكُم إِذا لخاسرون﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٣٤] لَيست (إِذن) هَذِه الْكَلِمَة الْمَعْهُودَة وَإِنَّمَا هِيَ إِذا الشّرطِيَّة حذفت جُمْلَتهَا الَّتِي تُضَاف إِلَيْهَا وَعوض مِنْهَا التَّنْوِين كَمَا فِي (يَوْمئِذٍ) وَكنت أستحسن هَذَا جدا وأظن
[ ٢ / ١٧٥ ]
أَن الشَّيْخ لَا سلف لَهُ فِي ذَلِك حَتَّى رَأَيْت بعض الْمُتَأَخِّرين جنح إِلَى مَا جنح إِلَيْهِ الشَّيْخ وَقد أوسعت الْكَلَام فِي ذَلِك فِي (الإتقان) و(حَاشِيَة الْمُغنِي) وتزاد (إِذْ) للتَّعْلِيل خلافًا لِلْجُمْهُورِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلنْ ينفعكم الْيَوْم إِذْ ظلمتم أَنكُمْ فِي الْعَذَاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩] أَي لأجل ظلمكم فِي الدُّنْيَا ﴿وَإِذ لم يهتدوا بِهِ فسيقولون﴾ [الْأَحْقَاف: ١١] ﴿وَإِذِ اعتَزَلتُمُوهُم وَمَا يَعبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فأوُاْ﴾ [الْكَهْف: ١٦] وَهِي حرف بِمَنْزِلَة لَام الْعلَّة وَقيل ظرف وَالتَّعْلِيل مُسْتَفَاد من قُوَّة الْكَلَام لَا من اللَّفْظ وَترد للمفاجأة نَص على ذَلِك سِيبَوَيْهٍ وَهِي الْوَاقِعَة بعد (بَينا) و(بَيْنَمَا) كَقَوْلِه: ٧٩٥ -
(فينما العُسْر إذْ دارَتْ ميَاسيرُ )
[ ٢ / ١٧٦ ]
وَقَوله: ٧٩٦ -
(بَيْنا كَذَلِك والأعدادُ وجْهَتُها إِذْ راعها لِحَفيفٍ خَلْفَها فَزَعُ)
وَهل هِيَ حِينَئِذٍ ظرف مَكَان أَو زمَان أَو حرف لِمَعْنى المفاجأة أَو حرف مُؤَكد أَي زَائِد أَقْوَال اخْتَار الثَّانِي أَبُو حَيَّان إِقْرَارا لَهَا على مَا اسْتَقر لَهَا وَابْن مَالك والشلوبين الثَّالِث وعَلى القَوْل بالظرفية قَالَ ابْن جني وَابْن الباذش عاملها الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا لِأَنَّهَا غير مُضَافَة إِلَيْهِ وعامل (بَينا) و(بَيْنَمَا) مَحْذُوف يفسره الْفِعْل الْمَذْكُور وَقَالَ الشلوبين (إِذْ) مُضَافَة للجملة فَلَا يعْمل فِيهَا الْفِعْل وَلَا فِي (بَينا) و(بَيْنَمَا) لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِي الْمُضَاف وَلَا فِيمَا قبله وَإِنَّمَا عاملها مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْكَلَام و(إِذْ) بدل مِنْهُمَا وَذكر ل (إِذْ) مَعْنيانِ آخرَانِ أَحدهمَا التوكيد وَذَلِكَ بِأَن تحمل على الزِّيَادَة قَالَه أَبُو عُبَيْدَة وَتَبعهُ ابْن قُتَيْبَة وحملا عَلَيْهِ آيَات مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ قَالَ رَبك للْمَلَائكَة﴾ [الْحجر: ٢٨]
[ ٢ / ١٧٧ ]
وَالثَّانِي التَّحْقِيق كقد وحملت عَلَيْهِ الْآيَة قَالَ فِي (الْمُغنِي) وَلَيْسَ الْقَوْلَانِ بِشَيْء وَاخْتَارَ ابْن الشجري أَنَّهَا تقع زَائِدَة بعد (بَينا) و(بَيْنَمَا) خَاصَّة قَالَ لِأَنَّك إِذا قلت بَيْنَمَا أَنا جَالس إِذْ جَاءَ زيد فقدرتها غير زَائِدَة أعملت فِيهَا الْخَبَر وَهِي مُضَافَة إِلَى جملَة جَاءَ زيد وَهَذَا الْفِعْل هُوَ الناصب ل (بَين) فَيعْمل الْمُضَاف إِلَيْهِ فِيمَا قبل الْمُضَاف
إِذا
(ص) (إِذا) للمستقبل مضمنة معنى الشَّرْط غَالِبا قَالَ ابْن مَالك والماضي وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان وَقوم للْحَال وَيخْتَص بالمجزوم بِهِ وَكَذَا المظنون خلافًا للبيانيين بِخِلَاف (إِن) وَمن ثمَّ لم تجزم فِي السعَة خلافًا لمن جوزه بقلة أَو مَعَ (مَا) وَلَا تدل على تكْرَار وَلَا عُمُوم على الصَّحِيح فيهمَا وتضاف أبدا لجملة صدرها فعل وَلَو مُقَدرا قبل اسْم يَلِيهِ وَجوزهُ الْأَخْفَش إِلَى اسمية الجزأين وَأوجب الْفراء إيلاءها الْمَاضِي شَرْطِيَّة وَقَالَ غَيره هُوَ الْغَالِب وَمن ثمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ناصبها الْجَواب لَا الشَّرْط قَالَ ابْن مَالك وتجيء مَفْعُولا بِهِ ومجرورة ب (حَتَّى) ومبتدأ وَترد للمفاجأة فأقوال إِذا وتلزمها الْفَاء قَالَ الْمَازِني زَائِدَة ومبرمان عاطفة والزجاج جزائية وَلَا يَليهَا فعل وَثَالِثهَا يجوز مَعَ قد قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وتزاد (ش) من الظروف المبنية (إِذا) وَالدَّلِيل على اسميتها الْإِخْبَار بهَا مَعَ مباشرتها الْفِعْل نَحْو الْقيام إِذا طلعت الشَّمْس وإبدالها من اسْم صَرِيح نَحْو أجيئك غَدا إِلَى طلعت الشَّمْس
[ ٢ / ١٧٨ ]
وَهِي ظرف للمستقبل مضمنة معنى الشُّرُوط غَالِبا وَمن ثمَّ وَجب إيلاؤها الْجُمْلَة الفعلية ولزمت الْفَاء فِي جوابها نَحْو ﴿إِذا جَاءَ نصر الله﴾ [النَّصْر: ١] إِلَى قَوْله ﴿فسبح﴾ وَقد لَا تضمن معنى الشَّرْط بل تتجرد للظرفية الْمَحْضَة نَحْو ﴿وَالَّيْلِ إذَا يَغشَى﴾ [اللَّيْل: ١] و﴿وَالَّيلِ إذَا سَجَى﴾ [الضُّحَى: ٢] وَزعم قوم أَنَّهَا تخرج عَن الظَّرْفِيَّة فَقَالَ ابْن مَالك إِنَّهَا وَقعت مَفْعُولا بِهِ فِي حَدِيث
(إِنِّي لأعْلم إِذا كنت عني راضية وَإِذا كنت عَليّ غَضَبي) ومبتدأ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذا وَقعت الْوَاقِعَة﴾ [الْوَاقِعَة: ١] وَالْخَبَر (إِذا) الثَّانِيَة ﴿خافضة رَافِعَة﴾ [الْوَاقِعَة: ٣] بِالنّصب حالان وَالْمعْنَى وَقت وُقُوع الْوَاقِعَة خافضة لقوم رَافِعَة لآخرين هُوَ وَقت رج الأَرْض ومجرورة ب (حَتَّى) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَى إذَا جَآءُوهَا﴾ [الزمر: ٧٣] وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن جني فِي الثَّانِي والأخفش فِي الثَّالِث وَالْجُمْهُور أَنْكَرُوا ذَلِك كُله وَجعلُوا (حَتَّى) فِي الْآيَة حرف ابْتِدَاء دَاخل على الْجُمْلَة بأسرها وَلَا عمل لَهُ وَإِذا وَقعت ظرفا جَوَابه مَحْذُوف أَي انقسمتم أقساما وكنتم أَزْوَاجًا وَإِذا الثَّانِيَة بدل من الأولى وَإِذا فِي الحَدِيث ظرف لمَحْذُوف هُوَ مفعول أعلم أَي شَأْنك وَنَحْوه وَزعم آخَرُونَ أَنَّهَا تخرج عَن الِاسْتِقْبَال فَقَالَ ابْن مَالك إِنَّهَا وَقعت للماضي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الْجُمُعَة: ١١] فَإِن الْآيَة نزلت بعد انفضاضهم وَكَذَا ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت لَا أجد﴾ [التَّوْبَة: ٩٢] الْآيَة وَقَالَ قوم إِنَّهَا وَقعت للْحَال فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّيلِ إذَا يَغشَى﴾ [اللَّيْل: ١] لِأَن اللَّيْل مُقَارن للغشيان وتختص إِذا مَا بِمَا يتَعَيَّن وجوده نَحْو آتِيك إِذا احمر الْبُسْر أَو رجح نَحْو آتِيك إِذا دعوتني بِخِلَاف إِن فَإِنَّهَا تكون للمحتمل والمشكوك فِيهِ والمستحيل كَقَوْلِه ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد﴾ [الزخرف: ٨١] وَلَا تدخل على مُتَيَقن وَلَا رَاجِح
[ ٢ / ١٧٩ ]
وَقد تدخل على الْمُتَيَقن لكَونه مُبْهَم الزَّمَان نَحْو ﴿أَّفَإِيْن مِتَ فَهُمُ الخَالِدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٣٤] وَلكَون (إِذا) خَاصّا بالمتيقن والمظنون خَالَفت أدوات الشَّرْط فَلم تجزم إِلَّا فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: ٧٩٧ -
(وَإِذا تُصِبْك خَصاصةٌ فَتَحَمّل )
وَإِذا دلّت (إِذا) على الشَّرْط فَلَا تدل على التّكْرَار على الصَّحِيح وَقيل تدل عَلَيْهِ ك (كلما) وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور فَلَو قَالَ إِذا قُمْت فَأَنت طَالِق قَامَت ثمَّ قَامَت أَيْضا فِي الْعدة ثَانِيًا وثالثا لم يَقع بهما شَيْء على الأول دون الثَّانِي وكما لَا تدل على التّكْرَار لَا تدل أَيْضا على الْعُمُوم على الصَّحِيح وَقيل تدل عَلَيْهِ فَلَو قَالَ إِذا طلقت امْرَأَة من نسَائِي فعبد من عَبِيدِي حر فَطلق أَرْبعا لم يعْتق إِلَّا عبد وَاحِد وتنحل الْيَمين على الأول وَيعتق أَربع على الثَّانِي وَتلْزم (إِذا) الْإِضَافَة إِلَى الْجُمْلَة صدرها فعل سَوَاء كَانَ مضارعا نَحْو ﴿وَإذَا تُتلَى عَلَيهِمءَايَاتُنَا﴾ [الْأَحْقَاف: ٧ وسبأ: ٤٣] ﴿وَإِذا لم تأتهم بِآيَة﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٠٣] أم مَاضِيا نَحْو ﴿إِذا جَاءَك المُنَافِقُونَ﴾ [المُنَافِقُونَ: ١]
[ ٢ / ١٨٠ ]
وَزعم الْفراء أَن (إِذا) إِذا كَانَ فِيهَا معنى الشَّرْط لَا يكون بعْدهَا إِلَّا الْمَاضِي وَقَالَ ابْن هِشَام إيلاؤها الْمَاضِي أَكثر من الْمُضَارع وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله: ٧٩٨ -
(والنّفسُ راغبة إِذا رغّبتها وَإِذا تُردّ إِلَى قَلِيل تَقْنَعُ)
وَقد يَليهَا اسْم بعد فعل فَيقدر قبله فعل يفسره الْفِعْل بعد الِاسْم نَحْو ﴿إِذا السَّمَاء انشقت﴾ [الانشقاق: ١] وَجوز الْأَخْفَش إيلاءها جملَة فِيهَا اسمان مُبْتَدأ وَخبر من غير تَقْدِير فعل كَقَوْلِه: ٧٩٩ -
(إِذا باهِليٌّ تَحْتَهُ حَنْظَلِيّةٌ )
[ ٢ / ١٨١ ]
وَفِي ناصب إِذا قَولَانِ أَحدهمَا أَنه شَرطهَا وَعَلِيهِ الْمُحَقِّقُونَ وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان حملا لَهَا على سَائِر أدوات الشَّرْط وَالثَّانِي أَنه مَا فِي جوابها من فعل وَشبهه وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ لما تقدم من أَنَّهَا مُلَازمَة الْإِضَافَة إِلَى شَرطهَا والمضاف إِلَيْهِ لَا يعْمل فِي الْمُضَاف فالإشارة إِلَيْهِ بِقَوْلِي: (وَمن ثمَّ) إِلَى قَوْله (وتضاف أبدا) والأولون انفصلوا عَن ذَلِك بِأَن قَالُوا بِعَدَمِ إضافتها وَترد (إِذا) للمفاجأة فتختص بِالْجُمْلَةِ الاسمية فِيمَا جزم بِهِ ابْن مَالك ورده أَبُو حَيَّان وَقيل تدخل على الْفِعْل مُطلقًا وَقيل تدخل إِلَى الفعلية المصحوبة ب (قد) نقل الْأَخْفَش ذَلِك عَن الْعَرَب نَحْو خرجت فَإِذا قد قَامَ زيد قَالَ فِي الْمُغنِي وَوَجهه أَن الْتِزَام الاسمية مَعهَا إِنَّمَا هُوَ للْفرق بَينهمَا وَبَين الشّرطِيَّة الْخَاصَّة بالفعلية وَالْفرق حَاصِل ب (قد) إِذْ لَا يقْتَرن الشَّرْط بهَا وَلَا يحْتَاج لجواب وَلَا تقع فِي الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهَا الْحَال لَا الِاسْتِقْبَال نَحْو خرجت فَإِذا الْأسد بِالْبَابِ وَمِنْه ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّة تسْعَى﴾ [طه: ٢٠] وَهِي حِينَئِذٍ حرف عِنْد الْكُوفِيّين والأخفش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك ويرجحه قَوْلهم خرجت فَإِذا إِن زيدا بِالْبَابِ بِكَسْر إِن لِأَن إِن لَا يعْمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا وظرف مَكَان عِنْد الْمبرد والفارسي وَابْن جني وَأبي بكر بن الْخياط وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وظرف زمَان عِنْد الرياشي والزجاج وَاخْتَارَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن طَاهِر وَابْن خروف والشلوبين إبْقَاء لَهَا على مَا ثَبت لَهَا فَإِذا قلت خرجت فَإِذا زيد صَحَّ
[ ٢ / ١٨٢ ]
كَونهَا خَبرا على الْمَكَان أَي فبالحضرة زيد لَا على الزَّمَان لِأَنَّهُ لَا يخبر بِهِ عَن الجثة وَلَا على الْحَرْف لِأَنَّهُ لَا يخبر بِهِ وتلزمها الْفَاء دَاخِلَة عَلَيْهَا وَاخْتلف فِيهَا فَقَالَ الْمَازِني هِيَ زَائِدَة للتَّأْكِيد لِأَن إِذا الفجائية فِيهَا معنى الِاتِّبَاع وَلذَا وَقعت فِي جَوَاب الشَّرْط موقع الْفَاء وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ ابْن جني وَقَالَ مبرمان هِيَ عاطفة لجملة إِذا ومدخولها على الْجُمْلَة قبلهَا وَاخْتَارَهُ الشلوبين الصَّغِير وأيده أَبُو حَيَّان بِوُقُوع ثمَّ موقعها فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ إِذا أَنْتُم بشر تنتشرون﴾ [الرّوم: ٢٠] وَقَالَ الزّجاج دخلت على حد دُخُولهَا فِي جَوَاب الشَّرْط وَزعم أَبُو عُبَيْدَة أَن (إِذا) قد تزاد وَاسْتدلَّ بقوله: ٨٠٠ -
(حَتَّى إِذا أسْلَكُوهم فِي قُتائِدَة شلًاّ كَمَا تَطْرُدُ الجَمّالَةُ الشُّرُدا)
قَالَ فزادها لعدم الْجَواب فَكَأَنَّهُ قَالَ حَتَّى أسلكوهم وتأوله ابْن جني على حذف جَوَاب إِذا
[ ٢ / ١٨٣ ]
الْآن
(ص) (الْآن) لوقت حضر أَو بعضه وزعمه الْفراء مَنْقُولًا من (آن) وَالْمُخْتَار إعرابه وألفه عَن وَاو وَقيل يَاء وَقيل أَصله أَوَان وَقيل ظرفيتة غالبة (ش) من الظروف المبنية (الْآن) وَالدَّلِيل على اسميته دُخُول (أل) وحرف الْجَرّ عَلَيْهِ وَهُوَ اسْم للْوَقْت الْحَاضِر جَمِيعه كوقت فعل الْإِنْسَان حَال النُّطْق بِهِ أَو الْحَاضِر بعضه نَحْو ﴿فَمن يستمع الْآن﴾ [الْجِنّ: ٩] ﴿الئَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُم﴾ [الْأَنْفَال: ٦٦] قَالَ ابْن مَالك وظرفيته غالبة لَازِمَة فقد يخرج عَنْهَا إِلَى الاسمية كَحَدِيث
(فَهُوَ يهوي فِي النَّار الْآن حِين انْتهى إِلَى قعرها) ف (الْآن) فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ و(حِين انْتهى) خَبره وَهُوَ مَبْنِيّ لِإِضَافَتِهِ إِلَى جملَة صدرها مَاض كَقَوْلِه:
[ ٢ / ١٨٤ ]
٨٠١ -
(أَإلى الْآن لَا يَبينُ ارْعِواءٌ لَكَ بَعْدَ المَشِيبِ عَنْ ذَا التّصابي)
وألفه منقلبة عَن وَاو لقَولهم فِي مَعْنَاهُ الأوان وَقيل عَن يَاء لِأَنَّهُ من آن يئين إِذا قرب وَقيل أَصله أَوَان قلبت الْوَاو ألفا ثمَّ حذفت لالتقاء الساكنين ورد بِأَن الْوَاو قبل الْألف لَا تنْقَلب كالجواد والسواد وَقيل حذفت الْألف وغيرت الْوَاو إِلَى الْألف كَمَا قَالُوا رَاح ورواح استعملوه مرّة على فعل وَمرَّة على فعال كزمن وزمان وَاخْتلف فِي عِلّة بنائِهِ فَقَالَ الزّجاج بني لتَضَمّنه معنى الْإِشَارَة لِأَن مَعْنَاهُ هَذَا الْوَقْت ورد بِأَن تضمين معنى الْإِشَارَة بِمَنْزِلَة اسْم الْإِشَارَة وَهُوَ لَا تدخله أل وَقَالَ أَبُو عَليّ لتَضَمّنه لَام التَّعْرِيف لِأَنَّهُ اسْتعْمل معرفَة وَلَيْسَ علما وأل فِيهِ زَائِدَة وَضَعفه ابْن مَالك بِأَن تضمن اسْم معنى حرف اختصارا يُنَافِي زِيَادَة مَا لَا يعْتد بِهِ هَذَا مَعَ كَون الْمَزِيد غير المضمن مَعْنَاهُ فَكيف إِذا كَانَ إِيَّاه وَقَالَ ابْن الْمبرد وَابْن السراج لِأَنَّهُ خَالف نَظَائِره إِذْ هُوَ نكرَة فِي الأَصْل اسْتعْمل من أول وَضعه بِاللَّامِ وَبَاب اللَّام أَن يدْخلهُ على النكرَة وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ سَبَب بنائِهِ وُقُوعه فِي أول أَحْوَاله بِالْألف وَاللَّام لِأَن حق الِاسْم فِي أول أَحْوَاله التجرد مِنْهَا ثمَّ يعرض تَعْرِيفه فيلحقه فَلَمَّا وَقع الْآن فِي أول أَحْوَاله بِالْألف وَاللَّام خَالف الْأَسْمَاء وأشبه الْحُرُوف ورده ابْن مَالك بِلُزُوم الْجَمَّاء الْغَفِير وَاللات وَنَحْوهَا مِمَّا وَقع فِي أول أَحْوَاله بِالْألف وَاللَّام وَبِأَنَّهُ لَو كَانَت مُخَالفَة الِاسْم لسَائِر الْأَسْمَاء مُوجبَة لشبه الْحَرْف وَاسْتِحْقَاق الْبناء لوَجَبَ بِنَاء كل اسْم خَالف الْأَسْمَاء بِوَزْن أَو غَيره وَهُوَ بَاطِل بِإِجْمَاع وَقَالَ ابْن مَالك بني لشبه الْحَرْف فِي مُلَازمَة لفظ وَاحِد لِأَنَّهُ لَا يثني وَلَا يجمع وَلَا يصغر بِخِلَاف حِين وَوقت وزمان وَمُدَّة
[ ٢ / ١٨٥ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ مَرْدُود بِمَا رد بِهِ هُوَ على الزَّمَخْشَرِيّ وَقَالَ الْفراء إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ نقل من فعل مَاض وَهُوَ (آن) معنى حَان فَبَقيَ على بنائِهِ استصحابا على حد (أنهاكم عَن قيل وَقَالَ) ورد بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم تدخل عَلَيْهِ (أل) كَمَا لَا تدخل على قيل وَقَالَ ولجاز فِيهِ الْإِعْرَاب كَمَا يجوز فِي قيل وَقَالَ وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه مُعرب وفتحته إِعْرَاب على الظَّرْفِيَّة وَاسْتدلَّ لَهُ بقوله: ٨٠٢ -
(كأنّهما مِلآن لم يَتَغّيرا )
بِكَسْر النُّون أَي من الْآن فَحذف النُّون لالتقاء الساكنين وجر فَدلَّ على أَنه مُعرب وَضَعفه ابْن مَالك بِاحْتِمَال أَن تكون الكسرة كسرة بِنَاء وَيكون فِي بِنَاء الْآن لُغَتَانِ الْفَتْح وَالْكَسْر كَمَا فِي شتان إِلَّا أَن الْفَتْح أَكثر وَأشهر
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَالْمُخْتَار عِنْدِي القَوْل بإعرابه لِأَنَّهُ لم يثبت لبنائه عِلّة مُعْتَبرَة فَهُوَ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة وَإِن دَخلته (من) جر وَخُرُوجه عَن الظَّرْفِيَّة غير ثَابت وَلَا يصلح الِاسْتِدْلَال لَهُ بِالْحَدِيثِ السَّابِق لما تقرر غير مرّة وَفِي شرح الألفية لِابْنِ الصَّائِغ أَن الَّذِي قَالَ بِأَن أَصله (أَوَان) يَقُول بإعرابه كَمَا أَن أوانا مُعرب
أمس
(ص) (أمس) لما يَلِي يَوْمك مَبْنِيّ على الْكسر قَالَ الزّجاج والزجاجي وَالْفَتْح لُغَة وَإِعْرَابه غير منصرف رفعا ومطلقا ومنصرفا لُغَة وزعمه قوم محكيا من الْأَمر فَإِن قَارن ال أعرب غَالِبا وَكَذَا إِن أضيف أَو أنكر أَو ثني أَو جمع أَو صغر (ش) أمس اسْم معرفَة متصرف يسْتَعْمل فِي مَوضِع رفع وَنصب وجر وَهُوَ اسْم زمَان مَوْضُوع لليوم الَّذِي أَنْت فِيهِ أَو مَا هُوَ فِي حكمه فِي إِرَادَة الْقرب فَإِن اسْتعْمل ظرفا فَهُوَ مَبْنِيّ على الْكسر عِنْد جَمِيع الْعَرَب وَعلة بنائِهِ تضمنه معنى الْحَرْف وَهُوَ لَام التَّعْرِيف وَلذَا لم يبن (غَد) مَعَ كَونه معرفَة لِأَنَّهُ لم يتضمنها إِنَّمَا يتضمنها مَا هُوَ حَاصِل وَاقع و(غَد) لَيْسَ بواقع وَالْفرق بَينه وَبَين (سحر) حَيْثُ لم يبن أَنه لما عدل عَن السحر لم يضمن معنى الْحَرْف بل أنيب مناب السحر الْمُعَرّف فَصَارَ معرفَة فَمثله بالنيابة كَمَا صَار عمر معرفَة بالنيابة عَن عَامر الْعلم
[ ٢ / ١٨٧ ]
وَقَالَ ابْن كيسَان بني لِأَنَّهُ فِي معنى الْفِعْل الْمَاضِي وأعرب (غَد) لِأَنَّهُ فِي معنى الْفِعْل الْمُسْتَقْبل والمستقبل مُعرب وَقَالَ قوم عِلّة بنائِهِ شبه الْحَرْف إِذا افْتقر فِي الدّلَالَة على مَا وضع لَهُ إِلَى الْيَوْم الَّذِي أَنْت فِيهِ وَقَالَ آخَرُونَ بني لشبهه بالأسماء المبهمة فِي انْتِقَال مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يخْتَص بمسمي دون آخر وَأَجَازَ الْخَلِيل فِي لَقيته أمس أَن يكون التَّقْدِير لَقيته بالْأَمْس فَحذف الحرفين الْبَاء وأل فَتكون الكسرة على هَذَا كسرة إِعْرَاب وَزعم قوم مِنْهُم الْكسَائي أَنه لَيْسَ مَبْنِيا وَلَا معربا بل هُوَ محكي سمي بِفعل الْأَمر من الْمسَاء كَمَا لَو سمي بأصبح من الصَّباح فقولك جِئْت أمس أَي الْيَوْم الَّذِي كُنَّا نقُول فِيهِ أمس عندنَا أَو مَعنا وَكَانُوا كثيرا مَا يَقُولُونَ ذَلِك للزور والخليط إِذا أَرَادَ الِانْصِرَاف عَنْهُم فكثرت هَذِه الْكَلِمَة على ألسنتهم حَتَّى صَارَت اسْما للْوَقْت وتعريفه بأل إِشَارَة إِلَى أَنه الْيَوْم الَّذِي قبل يَوْمك وَقَالَ السُّهيْلي تَعْرِيفه بِالْإِضَافَة كتعريف جمع
[ ٢ / ١٨٨ ]
وَإِن اسْتعْمل غير ظرف فَذكر سِيبَوَيْهٍ عَن الْحِجَازِيِّينَ بناءه على الْكسر رفعا ونصبا وجرا كَمَا كَانَ حَال اسْتِعْمَاله ظرفا تَقول ذهب أمس بِمَا فِيهِ وأحببت أمس وَمَا رَأَيْتُك مذ أمس قَالَ: ٨٠٣ -
(الْيَوْم أعلم مَا يَجيءُ بِهِ وَمَضَى بفَصْل قضائِهِ أَمْس)
وَنقل عَن بني تَمِيم أَنهم يوافقون الْحِجَازِيِّينَ حَالَة النصب والجر فِي الْبناء على الْكسر ويعربونه إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف حَالَة الرّفْع قَالَ شَاعِرهمْ: ٨٠٤ -
(اعْتَصِم بالرّجاء إنْ عنَّ يأسٌ وتناسَ الّذي تَضمّن أَمسُ)
وَمن بني تَمِيم من يعربه إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف فِي حالتي النصب والجر أَيْضا وعلته مَا ذكر فِي (سحر) من الْعدْل والتعريف وَعَلِيهِ قَوْله:
[ ٢ / ١٨٩ ]
٨٠٥ -
(إنّى رَأَيْت عجبا مذْ أَمْسا )
وَمِنْهُم من يعربه إِعْرَاب المنصرف فينونه فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة حَكَاهُ الْكسَائي وَحكى الزّجاج أَن بعض الْعَرَب ينونه وَهُوَ مَبْنِيّ على الْكسر تَشْبِيها بالأصوات وَحكى الزجاجي والزجاج أَن من الْعَرَب من يبنيه وَهُوَ ظرف على الْفَتْح فتلخص فِيهِ حَال الظَّرْفِيَّة لُغَتَانِ الْبناء على الْكسر وَعلي الْفَتْح وَحَال غير الظَّرْفِيَّة خمس لُغَات الْبناء على الْكسر بِلَا تَنْوِين مُطلقًا وبتنوين وَإِعْرَابه منصرفا وَغير منصرف مُطلقًا وَإِعْرَابه غير منصرف رفعا وبناؤه نِصَاب وجرا فَإِن قارنه (أل) أعرب غَالِبا نَحْو إِن الأمس ليَوْم حسن وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ [يُونُس: ٢٤] وَمن الْعَرَب من يستصحب الْبناء مَعَ أل قَالَ: ٨٠٦ -
(وإنّى وقَفْتُ الْيَوْم والأمس قبله ببَابكَ حَتَّى كادتِ الشّمسُ تَغْرُبُ)
[ ٢ / ١٩٠ ]
فَكسر السِّين وَهُوَ فِي مَوضِع نصب عطفا على الْيَوْم قَالُوا وَالْوَجْه فِي تَخْرِيجه أَن تكون أل زَائِدَة لغير تَعْرِيف واستصحب تضمن معنى الْمعرفَة فاستديم الْبناء أَو تكون هِيَ الْمعرفَة ويجر إِضْمَار الْبَاء فالكسرة إِعْرَاب لَا بِنَاء ويعرب أَيْضا حَال الْإِضَافَة نَحْو إِن أمسنا يَوْم طيب وَحَال التنكير نَحْو مُضِيّ لنا أمس حسن لَا تُرِيدُ الْيَوْم الَّذِي قبل يَوْمك وَحَال التَّثْنِيَة نَحْو أمسان وَحَال الْجمع نَحْو آمس وآماس وأموس قَالَ: ٨٠٧ -
(مرّت بِنَا أَوَّلَ من أُموس تميسُ فِينَا مِيسَةَ العَرُوس)
[ ٢ / ١٩١ ]
قَالَ ابْن مَالك فِي شرح الكافية الشافية وَحَال التصغير قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ مُخَالف لنَصّ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره من النُّحَاة أَن أمس لَا يصغر وَكَذَا (غَدا) اسْتغْنَاء بتصغير مَا هُوَ أَشد تمَكنا وَهُوَ الْيَوْم وَاللَّيْلَة قَالَ نعم ذكر الْمبرد أَنه يصغر فَتَبِعَهُ عَلَيْهِ ابْن مَالك وَكَذَا ذكر ابْن الدهان فِي الْغرَّة وَهُوَ ذُهُول عَن نَص سِيبَوَيْهٍ
بعد
(ص) (بعد) ظرف زمَان لَازم الْإِضَافَة فَإِن أضيف أَو حذف مضافه ونوي لَفظه أعرب أَو مَعْنَاهُ ضم بِنَاء وَقد ينون حِينَئِذٍ وَيفتح إعرابا وَإِن نكر نصب ظرفا وَقد يجر وَيرْفَع وَلَا يُضَاف لجملة حَتَّى يكف ب (مَا) (ش) من الظروف المبنية فِي بعض الْأَحْوَال (بعد) وَهِي ظرف زمَان لَازم الْإِضَافَة وَله أَحْوَال أَحدهَا أَن يُصَرح بمضافه نَحْو جِئْت بعْدك فَهُوَ مُعرب مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة ثَانِيهَا أَن يقطع عَن الْإِضَافَة لفظا ومعني قصدا للتنكير فَكَذَلِك قَوْله: ٨٠٨ -
(فَمَا شَربوا بَعْدًا على لَذَّةٍ خَمْرَا )
[ ٢ / ١٩٢ ]
وَقد يجر قرئَ: ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ [الرّوم: ٤] بِالْجَرِّ والتنوين وَقد يرفع رُوِيَ: فَمَا شربوا بعد بِالرَّفْع ثَالِثهَا أَن يقطع عَنْهَا بِأَن يحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ لَكِن يَنْوِي لَفظه فيعرب وَلَا ينون لانتظار الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمَحْذُوف رَابِعا أَن يحذف وينوى مَعْنَاهُ فيبنى على الضَّم نَحْو: ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ [الرّوم: ٤] لله الْأَمر من قبل وَمن بعد أَي قبل الْغَلَبَة وَبعدهَا وَعلله ابْن مَالك بِأَنَّهُ كَانَ حَقّهَا الْبناء فِي الْأَحْوَال كلهَا لشبهها بالحرف لفظا من حَيْثُ إِنَّهَا لَا تتصرف بتثنية وَلَا جمع وَلَا اشتقاق وَمعنى لافتقارها إِلَى غَيرهَا فِي بَيَان مَعْنَاهَا لَكِن عَارض ذَلِك لُزُومهَا للإضافة فأعربت فَلَمَّا قطعت عَنْهَا
[ ٢ / ١٩٣ ]
ونوي معنى الثَّانِي دون لَفظه أشبهت حُرُوف الْجَواب فِي الِاسْتِغْنَاء بهَا عَن لفظ مَا بعْدهَا فانضم ذَلِك إِلَى الشبهين الْمَذْكُورين فبنيت وَفِي الإفصاح أَكثر النَّحْوِيين يَقُولُونَ لما أفردت من مضافها وتضمنته أشبهت الْحُرُوف لتعلقها بالمحذوف بعْدهَا معنى تعلق الْحُرُوف بغَيْرهَا فبنيت لذَلِك وَقد تفتح فِي هَذِه الْحَالة بِلَا تَنْوِين وَقد تضم مَعَ التَّنْوِين وَكِلَاهُمَا إِعْرَاب حكى هِشَام رَأَيْته قبل وَمن قبل وَأنْشد: ٨٠٩ -
(وَلَا وَجَد العُذْريّ قَبْلَ جَمِيلُ )
وَأنْشد الْخَلِيل قَوْله: ٨١٠ -
(فَمَا شربوا بَعْدٌ على لَذةٍ خَمْرًا )
بِالضَّمِّ والتنوين
[ ٢ / ١٩٤ ]
وَلَا يُضَاف (بعد) لحملة مَا لم يكف ب (مَا) كَقَوْلِه: ٨١١ -
(أعلاقةً أُمَّ الوُلَيِّدِ بَعْدما أفنانُ رأسِكِ كالثّغام المُخْلَس)
قبل أَو أَمَام قُدَّام وَرَاء خلف أَسْفَل يَمِين شمال فَوق تَحت عل دون حسب غير
(ص) وَمثله فِيمَا ذكر قبل وَأول وأمام وَقُدَّام ووراء وَخلف وأسفل وَتصرف الْكل متوسط وَأنْكرهُ الْجرْمِي وَيَمِين وشمال وَفَوق وَتَحْت وَلَا يتصرفان وعل وَأنكر ابْن أبي الرّبيع إضافتها لفظا وأثبته الْجَوْهَرِي وَدون وَحسب لَكِن نصبهما على الْحَال وَغير بعد لَيْسَ قَالَ السيرافي وَابْن السراج وَأَبُو حَيَّان وَلَا يجوز فتحهَا وَالْمُخْتَار وفَاقا للأخفش إعرابها مُطلقًا وَألْحق بَعضهم كلا وَلَا يتَصَرَّف مبنيها وَالصَّحِيح أَن أصل (أول) أَو أل وَأَنه لَا يسْتَلْزم ثَانِيًا وَإِذا وَقع اسْما صرف وأنث بِالتَّاءِ بقلة
[ ٢ / ١٩٥ ]
(ش) مثل (بعد) فِيمَا تقدم من إعرابها فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وبنائها فِي الْحَال الرَّابِعَة على الضَّم لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَة (قبل) و(أول) و(أَمَام) و(قُدَّام) و(وَرَاء) و(خلف) و(أَسْفَل) و(يَمِين) و(شمال) و(فَوق) و(تَحت) و(عل) و(دون) و(حسب) و(غير) وَمن بِنَاء (قبل) الْآيَة السَّابِقَة وَمن تنكيرها قَوْله: ٨١٢ -
(فَساغَ لِيَ الشّرابُ وكُنْتُ قَبْلًا )
وَقد تقدّمت قِرَاءَة (من قبل) بِالْجَرِّ والتنوين وَمن نِيَّة لفظ الْمُضَاف إِلَيْهِ فِيهِ قَوْله: ٨١٣ -
(وَمن قَبْل نَادِي كلُّ مَوْلًى قَرابَةً )
[ ٢ / ١٩٦ ]
كَذَا رَوَاهُ الثِّقَات بِكَسْر اللَّام وَحكى أَبُو عَليّ (ابدأ بِهَذَا من أول) بِالْفَتْح على تنكيره مَمْنُوع الصّرْف وبالضم على نِيَّة الْإِضَافَة دون قصد إِلَى لفظ الْمُضَاف إِلَيْهِ وبالجر على قصد لَفظه قَالَ فِي الصِّحَاح فَإِن أظهرت الْمَحْذُوف نصبت فَقلت ابدأ بِهِ أول فعلك وَقَالَ الشَّاعِر: ٨١٤ -
(أمامَ وخَلْفَ الْمَرْء من لُطْفِ ربه كَوالِئ تَزْوي عَنهُ مَا كَانَ يَحْذَرُ)
وَحكي الْكسَائي أفوق تنام أم أَسْفَل بِالنّصب على تَقْدِير أفوق هَذَا أم أَسْفَله قَالَ الشَّاعِر: ٨١٥ -
( . . وَلم يَكُنْ لِقَاؤكَ إلاّ من وَرَاءُ وَرَاءُ)
[ ٢ / ١٩٧ ]
وَقَالَ: ٨١٦ -
(لَعْنًا يُشَنُّ عَلَيْهِ من قُدَّامُ )
وَقَالَ: ٨١٧ -
(وأَتْيتُ فَوْق بَنِي كُلَيْب من عَلُ )
[ ٢ / ١٩٨ ]
وَقَالَ: ٨١٨ -
(كَجْلْمُودِ صَخْرٍ حَطّهُ السّيلُ من عَلِ )
أَي من مَكَان عَال وَيُقَال قبضت عشرَة فَحسب أَي فحسبي ذَلِك وَهَذَا حَسبك من أجل وقبضت عشرَة لَيْسَ غير أَي لَيْسَ غير ذَلِك مَقْبُوضا وَذكر ابْن هِشَام أَن شَرطهَا أَن تقع بعد لَيْسَ وَأَن قَول الْفُقَهَاء (لَا غير) لحن وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فقد صرح السيرافي وَابْن السراج وَأَبُو حَيَّان بِأَن (لَا) كليس فِي ذَلِك وَأنْشد ابْن مَالك ٨١٩ -
(لَعَنْ عَمَل أسْلَفْتَ لَا غَيْرُ تُسْأل )
[ ٢ / ١٩٩ ]
وَيجوز فِيهَا زِيَادَة على أخواتها الْبناء على الْفَتْح فَيُقَال لَيْسَ غير والأخفش يَقُول بإعرابها فِي الضَّم وَالْفَتْح مَعًا وَإِن حذف التَّنْوِين لانتظار الْمُضَاف إِلَيْهِ وَعلي الْفَتْح هِيَ خبر لَيْسَ وَالِاسْم مَحْذُوف أَي لَيْسَ الْمَقْبُوض غير ذَلِك ورأيه هُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي لما تقدم فِي أَي الموصولة ثمَّ النصب فِي الْجمع على الظَّرْفِيَّة إِلَّا (حسب) فعلي الحالية قَالَ ابْن هِشَام وَمَا أَظن نصب (عل) مَوْجُودا وَأنكر ابْن أبي الرّبيع إِضَافَة (عل) لفظا لَكِن الْجَوْهَرِي صرح بِجَوَازِهِ فَقَالَ يُقَال أَتَيْته من عل الدَّار بِكَسْر اللَّام قَالَ أَبُو حَيَّان وَمن غَرِيب الْمَنْقُول مَا ذهب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن الْوَلِيد من جَوَاز حذف التَّنْوِين من كل فَتَقول كل منطلق جعله غَايَة مثل (قبل) و(بعد) حَكَاهُ عَنهُ أَبُو جَعْفَر النّحاس وَأنكر عَلَيْهِ عَليّ بن سُلَيْمَان لِأَن الظروف قد خصت بعلة لَيست فِي غَيرهَا وَمَا بني من الظروف الْمَذْكُورَة فَإِنَّهُ لَا يتَصَرَّف وَأما المعرب مِنْهَا فَذكر ابْن مَالك أَن (فَوق) و(تَحت) لَا يتصرفان أصلا قَالَ أَبُو حَيَّان وَنَصّ على ذَلِك الْأَخْفَش فَقَالَ اعْلَم أَن الْعَرَب تَقول فَوْقك
[ ٢ / ٢٠٠ ]
رَأسك وتحتك رجلاك لَا يَخْتَلِفُونَ فِي نصب الفوق والتحت لأَنهم لم يستعملوهما إِلَّا ظرفين أَو مجرورين ب (من) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم﴾ [النَّحْل: ٢٦] وَقَالَ: ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥] وَقد جَاءَ جر فَوق بعلى فِي قَوْله: ٨٢٠ -
(فأقسم بِاللَّه الّذي اهتَزَّ عَرْشُهُ على فَوْق سَبْع .)
وبالباء فِي قَوْله: ٨٢١ -
(لستَ رهْنًا بفَوْق مَا أسْتَطِيعُ )
وَكِلَاهُمَا شَاذ وَأما (يَمِين) و(شمال) فكثير تصرفهما كَمَا تقدم وَأما (قبل) و(بعد) والستة بعدهمَا إِلَى أَسْفَل فتصرفها متوسط قرئَ: ﴿والركب أَسْفَل مِنْكُم﴾ بِالرَّفْع وَقَالَ:
[ ٢ / ٢٠١ ]
٨٢٢ -
(فَغَدَتْ كِلاَ الفَرْجَيْن تحسب أنّهُ مَوْلى المخَافةِ خَلْفُها وأَمامُها)
وَيُقَال أما زيد آمن من وَرَائه وَزعم الْجرْمِي أَنه لَا يجوز اسْتِعْمَالهَا إِلَّا ظرفا وَلَا يُقَاس على اسْتِعْمَالهَا اسْما وَلَا تُضَاف (قبل) أَيْضا لجملة مَا لم تكف ب (مَا) نَحْو قبلما وَبَقِي مسَائِل تتَعَلَّق بِأول الأولى: الصَّحِيح أَن أَصله (أوأل) بِوَزْن أفعل قلبت الْهمزَة الثَّانِيَة واوا ثمَّ أدغمت بِدَلِيل قَوْلهم فِي الْجمع أَوَائِل وَقيل أَصله وول بِوَزْن فوعل قلبت الْوَاو الأولى همزَة وَإِنَّمَا لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجْتِمَاع الواوين بَينهمَا ألف الْجمع الثَّانِيَة الصَّحِيح أَن أول لَا يسْتَلْزم ثَانِيًا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ ابْتِدَاء الشَّيْء ثمَّ قد يكون لَهُ ثَان وَقد لَا يكون تَقول هَذَا أول مَال اكتسبته وَقد تكتسب بعده شَيْئا وَقد لَا تكتسب وَقيل إِنَّه يسْتَلْزم ثَانِيًا كَمَا أَن الآخر يَقْتَضِي أَولا فَلَو قَالَ إِن كَانَ أول ولد تلدينه ذكرا فَأَنت طَالِق فَولدت ذكرا وَلم تَلد غَيره وَقع الطَّلَاق على الأول دون الثَّانِي الثَّالِثَة ل (أول) استعمالان
[ ٢ / ٢٠٢ ]
أَحدهمَا أَن تكون صفة أَي أفعل تَفْضِيل بِمَعْنى الأسبق فَيعْطى حكم أفعل التَّفْضِيل من منع الصّرْف وَعدم تأنيثه بِالتَّاءِ وَدخُول (من) عَلَيْهِ نَحْو هَذَا أول من هذَيْن ولقيته عَام أول وَالثَّانِي أَن يكون اسْما فَيكون مَوْصُوفا نَحْو لَقيته عَاما أَولا وَمِنْه مَا لَهُ أول وَلَا آخر قَالَ أَبُو حَيَّان وَفِي محفوظي أَن هَذَا يؤنث بِالتَّاءِ وَيصرف أَيْضا فَيُقَال أَوله وَآخره بِالتَّنْوِينِ
بَين
(ص) (بَين) للمكان وَقيل للزمان وَقَالَ الزنجاني بِحَسب مَا تُضَاف إِلَيْهِ وتصرفه متوسط وَيجب الْعَطف عَلَيْهِ بِالْوَاو إِن أضيف لمفرد فَإِن لحقته (مَا) أَو الْألف عرض عَلَيْهِ الزَّمَان ولزومه وَالْإِضَافَة للجمل وَلَو فعلية على الْأَصَح وَقيل يُضَاف لزمن مَحْذُوف لَا الْجُمْلَة وَقيل مَا وَالْألف كَافَّة وَلَا مَوضِع للجملة وَقيل مَا كَافَّة وَالْألف إشباع وَقيل للتأنيث وتضاف (بَينا) لمصدر لَا بَيْنَمَا على الْأَصَح وَقيل هِيَ محذوفة مِنْهَا وتليت ضَرُورَة بكاف التَّشْبِيه وتركب (بَين) كخمسة عشر فتبنى على الْفَتْح فَإِن أضيف صدرها جَازَ بَقَاء الظَّرْفِيَّة أَو أضيف إِلَيْهَا تعين زَوَالهَا (ش) قَالَ أَبُو حَيَّان أصل بَين أَن تكون ظرفا للمكان وتتخلل بَين شَيْئَيْنِ أَو مَا فِي تَقْدِير شَيْئَيْنِ أَو أَشْيَاء ثمَّ لحقتها (مَا) أَو الْألف لَزِمت الظَّرْفِيَّة الزمانية
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وَصرح بعض أَصْحَابنَا أَن ظرف زمَان بِمَعْنى (إِذا) وَمِنْه الحَدِيث
(سَاعَة يَوْم الْجُمُعَة بَين خُرُوج الإِمَام وانقضاء الصَّلَاة) انْتهى وَذكر الزنجاني أَنَّهَا بِحَسب مَا تُضَاف إِلَيْهِ وتصرفها متوسط قَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك﴾ [الْكَهْف: ٧٨] ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ [الْأَنْعَام: ٩٤] بِالرَّفْع ﴿مَّوَدَّةَ بَينِكُم﴾ [العنكبوت: ٢٥] بِالْجَرِّ وَلَا تُضَاف إِلَّا إِلَى مُتَعَدد وَمَتى أضيفت لمفرد وَجب تكرارها معطوفة بِالْوَاو كالآية الأولى وَإِذا لحقتها الْألف أَو (مَا) لَزِمت إضافتها إِلَى الْجمل سَوَاء كَانَت اسمية كَقَوْلِه: ٨٢٣ -
(فَبينا نحنُ نرقُبُه أَتَانَا )
وَقَوله:
[ ٢ / ٢٠٤ ]
٨٢٤ -
(فبَيْنما العُسْرُ إذْ دَارَتْ ميَاسِيرُ )
أَو فعلية وَهُوَ قَلِيل كَقَوْلِه: ٨٢٥ -
(فَبَيْنَا نَسُوسُ النّاسَ والأمرُ أَمْرُنا )
وَتقول بَيْنَمَا أنصفتني ظلمتني وَمنع بَعضهم إضافتها إِلَى الفعلية وَقَالَ لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الاسمية وَأول الْبَيْت وَنَحْوه على إِضْمَار (نَحن) وَزعم ابْن الْأَنْبَارِي أَن (بَين) حِينَئِذٍ شَرْطِيَّة وَمَا ذكر من أَن الْجُمْلَة بعد (بَينا) و(بَيْنَمَا) مُضَاف إِلَيْهَا نَفسهَا دون حذف مُضَاف وَأَنَّهَا فِي مَوضِع جر مَذْهَب الْجُمْهُور وَذهب الْفَارِسِي وَابْن جني إِلَى أَن إضافتها إِلَى الْجُمْلَة على تَقْدِير حذف زمَان مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة لِأَن الْمُضَاف إِلَى الْجمل ظرف الزَّمَان دون ظرف الْمَكَان وَلِأَن (بَين) تقع على أَكثر من وَاحِد لِأَنَّهَا وسط وَلَا بُد من اثْنَيْنِ فَمَا فَوْقهمَا وَالتَّقْدِير بَينا أَوْقَات زيد قَائِم أقبل عَمْرو وَاخْتَارَهُ ابْن الباذش وَذهب قوم إِلَى أَن (مَا) و(الْألف) كافتان وَالْجُمْلَة بعدهمَا لَا مَوضِع لَهَا من الْإِعْرَاب
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن (مَا) كَافَّة عَن الْخَفْض وَالْألف إشباع لِأَن كَون الْألف كَافَّة لم يثبت وَثَبت كَونهَا إشباعا فالجملة بعد الْألف فِي مَوضِع جر بِالْإِضَافَة وَبعد (مَا) لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب وَاخْتَارَهُ المغاربة وَزعم قوم أَن الْألف للتأنيث ووزنها فعلي ورد بِأَن الظروف كلهَا مذكرة إِلَّا مَا شَذَّ وَهُوَ قُدَّام ووراء وَلَا حَاجَة إِلَى الدُّخُول فِي الشاذ من غير دَاعِيَة وَقد تُضَاف (بَينا) إِلَى الْمصدر قَالَ: ٨٢٦ -
(بَيْنا تَعنُّقِه الكُماةَ وَرَوْغِهِ )
وَألْحق بَعضهم (بَيْنَمَا) بهَا فَأجَاز إضافتها إِلَى مُفْرد مصدر نَحْو بَيْنَمَا قيام زيد قَامَ عَمْرو
[ ٢ / ٢٠٦ ]
وَقَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز لِأَنَّهُ لم يسمع وَلَا يسوغ قِيَاس بَيْنَمَا على بَينا وَلَا تُضَاف (بَينا) إِلَى مُفْرد غير مصدر وفَاقا قَالَ أَبُو حَيَّان وَسَببه أَنَّهَا تستدعي جَوَابا فَلم يَقع بعْدهَا إِلَّا مَا يُعْطي معنى الْفِعْل وَذَلِكَ الْجُمْلَة والمصدر من الْمُفْردَات وَقد يحذف خبر الْمُبْتَدَأ بعد (بَيْنَمَا) لدلَالَة المعني عَلَيْهِ كَقَوْلِه:
(فَبَيْنَمَا الْعسر )
كَمَا قد يحذف الْجَواب لذَلِك كَقَوْلِه: ٨٢٧ -
(فبَيْنا الْفَتى فِي ظِل نعماء غَضَّةٍ تُبَاكِرُهُ أَفنانُها وتُراوحُ)
(إِلَى أَن رمته الحادِثاتُ بنكْبَة يضيقُ بهَا مِنْهُ الرِّحابُ الفسائحُ)
وتليت بَينا بكاف التَّشْبِيه فِي الشّعْر قَالَ: ٨٢٨ -
(بَيْنا كَذَاك رأينني متَعصِّبًا )
[ ٢ / ٢٠٧ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وبإضافة (بَينا) إِلَى الْمصدر احْتج أَبُو عَليّ أَن (بَينا) لَيست محذوفة من بَيْنَمَا كَمَا قَالَ بَعضهم لِأَن (بَيْنَمَا) لَا تُضَاف وَإِنَّمَا هِيَ مَكْفُوفَة ب (مَا) دَاخِلَة على الجملتين وتركب (بَين) كخمسة عشر فتبنى على الْفَتْح كَقَوْلِه ٨٢٩ -
(نَحْمِي حَقِيقَتَنا وبَعْضُ القَوْم يَسْقُط بَيْن بَيْنا)
الأَصْل بَين هَؤُلَاءِ وَبَين هَؤُلَاءِ فأزيلت الْإِضَافَة وَركب الاسمان تركيب خَمْسَة عشر فَإِن أضيف صدر بَين بَين إِلَى عجزها جَازَ بَقَاء الظَّرْفِيَّة كَقَوْلِك فِي أَحْكَام الْهمزَة التسهيل بَين بَين وزوالها كَقَوْلِك بَين بَين أَقيس من الْإِبْدَال وَإِن أضيف إِلَيْهَا تعين زَوَال الظَّرْفِيَّة وَمن ثمَّ خطأ أَبُو الْفَتْح من قَالَ همزَة بَين بَين بِالْفَتْح وَقَالَ الصَّوَاب همزَة بَين بَين بِالْإِضَافَة
[ ٢ / ٢٠٨ ]
حَيْثُ
(ص) حَيْثُ للمكان مثلثا وحوث وإعرابها لُغَة وَتلْزم الْإِضَافَة لجملة وندر لمفرد وقاسه الْكسَائي وَتركهَا أندر فتعوض (مَا) وَجوز الْأَخْفَش وُقُوعهَا للزمان وتصرفها نَادِر وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان وَفِي وُقُوعهَا اسْم إِن ومفعولا خلف وزعمها الزّجاج مَوْصُولَة (ش) من الظروف المبنية (حَيْثُ) وَعلة بنائها شبهها بالحرف فِي الافتقار إِذْ لَا تسْتَعْمل إِلَّا مُضَافَة إِلَى جملَة وبنيت على الضَّم تَشْبِيها بقبل وَبعد لِأَن الْإِضَافَة للجملة كلا إِضَافَة لِأَن أَثَرهَا وَهُوَ الْجَرّ لَا يظْهر وَمن الْعَرَب من بناها على الْفَتْح طلبا للتَّخْفِيف وَمِنْهُم من بناها على الْكسر على أصل التقاء الساكنين ولغة طَيئ إِبْدَال يائها واوا فَيَقُولُونَ حوث وَفِي ثائها أَيْضا الحركات الثَّلَاث ولغة فقعس إعرابها يَقُولُونَ جَلَست حَيْثُ كنت وَجئْت من حَيْثُ جِئْت فيجرونها ب (من) وَهِي عِنْدهم ك (عِنْد) وَقُرِئَ: ﴿سنستدرجهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٨٢] بِالْكَسْرِ فَيحْتَمل الْإِعْرَاب ولغة الْبناء على الْكسر وَسَوَاء فِي الْجُمْلَة الاسمية أَو الفعلية قَالَ فِي الْمُغنِي وإضافتها إِلَى الفعلية أَكثر وَلِهَذَا رجح النصب فِي جَلَست حَيْثُ زيدا أرَاهُ وندرت إضافتها إِلَى الْمُفْرد كَقَوْلِه: ٨٣٠ -
(ببيض المَواضِي حَيْثُ ليِّ العمائِم )
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وَقَوله: ٨٣١ -
(أَمَا تَرَي حَيْثُ سُهَيلِ طَالِعَا )
وَالْكسَائِيّ يقيسه وأندر من ذَلِك عدم إضافتها لفظا بِأَن تُضَاف إِلَى جملَة محذوفة معوضا مِنْهَا (مَا) كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٢١٠ ]
٨٣٢ -
(إِذا رَيْدَةٌ من حَيْثُ مَا نَفَحتْ لَهُ )
أَي من حَيْثُ هبت وَالْأَصْل فِيهَا أَن تكون للمكان قَالَ الْأَخْفَش وَقد ترد للزمان كَقَوْلِه: ٨٣٣ -
(لِلْفتى عَقْلٌ يَعِيشُ بهِ حَيْثُ تَهْدي سَاقَهُ قُدَامُهْ)
أَي حِين تهدي وَلَا تسْتَعْمل غَالِبا إِلَّا ظرفا وندر جرها بِالْبَاء فِي قَوْله: ٨٣٤ -
(كَانَ مِنّا بِحَيْثُ يُعْكِي الإزارُ )
وب (إِلَى) فِي قَوْله: ٨٣٥ -
(إِلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رحْلَها أُمُّ قَشْعَمِ )
[ ٢ / ٢١١ ]
وب (فِي) فِي قَوْله: ٨٣٦ -
(فأَصْبحَ فِي حيْثُ الْتقَيْنا شَريدُهُم )
وَقَالَ ابْن مَالك تصرفها نَادِر وَمن وُقُوعهَا مُجَرّدَة عَن الظَّرْفِيَّة قَوْله: ٨٣٧ -
(إنّ حَيْثُ استقَرَّ مِنْ أَنْتَ رَاعِيه حِمًى فِيهِ عِزّة وأَمانُ)
ف (حَيْثُ) اسْم إِن وَقَالَ أَبُو حَيَّان هَذَا خطأ لِأَن كَونهَا اسْما ل (إِن) فرغ عَن كَونهَا تكون مُبْتَدأ وَلم يسمع ذَلِك فِيهَا الْبَتَّةَ بل اسْم إِن فِي الْبَيْت (حمي) و(حَيْثُ) الْخَبَر لِأَنَّهُ ظرف وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَا تتصرف فَلَا تكون فَاعِلا وَلَا مَفْعُولا بِهِ وَلَا مُبْتَدأ انْتهى وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي الْغَالِب كَونهَا فِي مَحل نصب على الظَّرْفِيَّة أَو خفض ب (من) وَقد تخْفض بغَيْرهَا وَقد تقع مَفْعُولا وفَاقا للفارسي نَحْو: ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٤] إِذْ الْمَعْنى أَنه سُبْحَانَهُ يعلم نفس الْمَكَان الْمُسْتَحق لوضع الرسَالَة لَا شَيْئا فِي الْمَكَان وناصبها (يعلم) محذوفا مدلولا عَلَيْهِ (بِأَعْلَم) لَا (بِأَعْلَم) نَفسه لِأَن أفعل التَّفْضِيل لَا ينصب الْمَفْعُول بِهِ إِلَّا أَن أولته بعالم قَالَ وَلم يَقع اسْما ل (إِن) خلافًا لِابْنِ مَالك انْتهى وَزعم الزّجاج أَن (حَيْثُ) مَوْصُولَة
دون
(ص) دون للمكان وتصرفه قَالَ البصريون مَمْنُوع والأخفش قَلِيل وَالْمُخْتَار وفَاقا لبَعض المغاربة يسْتَثْنى بِهِ فَإِن كَانَ بِمَعْنى (رَدِيء) فَغير ظرف
[ ٢ / ٢١٢ ]
(ش) من الظروف المبنية فِي بعض الْأَحْوَال (دون) كَمَا تقدم ذكره فِي أَخَوَات (قبل) و(بعد) وَهُوَ للمكان تَقول قعد زيد دون عَمْرو أَي فِي كَانَ منخفض عَن مَكَان وَهُوَ مَمْنُوع التَّصَرُّف عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَجُمْهُور الْبَصرِيين وَذهب الْأَخْفَش والكوفيون إِلَى أَنه يتَصَرَّف لَكِن بقلة وَخرج عَلَيْهِ: ﴿وَمنا دون ذَلِك﴾ [الْجِنّ: ١١] فَقَالَ (دون) مُبْتَدأ وَبني لِإِضَافَتِهِ إِلَى مَبْنِيّ والأولون قَالُوا تَقْدِيره مَا دون ذَلِك فَحذف (مَا) وَقَالَ الشَّاعِر: ٨٣٨ -
(وباشَرْتُ حَدَّ الموْتِ والموتُ دُونُها )
وَقَالَ: ٨٣٩ -
(وَغَبْرَاءَ يَحْمِي دونُها مَا ورَاءَهَا )
وَيسْتَثْنى بِهِ (كسوى) فِيمَا نَقله أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل عَن بعض الْفُقَهَاء الْحَنَفِيَّة وَنَقله أما (دون) بِمَعْنى رَدِيء كَقَوْلِك هَذَا ثوب دون فَلَيْسَ بظرف وَهُوَ متصرف بِوُجُوه الْإِعْرَاب
[ ٢ / ٢١٣ ]
ريث
(ص) (ريث) مصدر اسْتعْمل بِمَعْنى الزَّمَان فأضيف للْفِعْل وَقد تليه (مَا) زَائِدَة أَو مَصْدَرِيَّة وَأكْثر وُقُوعه مستثني فِي منفي وَلم يصرحوا ببنائه وَالْعلَّة قَائِمَة (ش) (ريث) مصدر راث يريث إِذا أَبْطَأَ فَإِذا اسْتعْمل فِي معنى الزَّمَان جَازَ أَيْضا أَن يُضَاف إِلَى الْفِعْل فَتَقول أَتَيْتُك ريث قَامَ زيد أَي قدر بطء قيام زيد فَلَمَّا خرجت إِلَى ظروف الزَّمَان جَازَ فِيهَا مَا جَازَ فِي الزَّمَان هَذَا كَلَام أبي الْفضل الصفار فِي شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ وَنَقله أَبُو حَيَّان وَذكر ابْن مَالك نَحوه وَيُؤْخَذ من قَوْله جَازَ فِيهِ مَا جَازَ فِي الزَّمَان أَنه مَبْنِيّ كَسَائِر أَسمَاء الزَّمَان المضافة إِلَى الْفِعْل الْمَبْنِيّ فَلِذَا ذكرته فِي الظروف المبنيات وَمن شواهده قَوْله: ٨٤٠ -
(لَا يَصْعَبُ الأمرُ إلاّ رَيْثَ يركَبُهُ )
وَقَوله: ٨٤١ -
(خَلِيليَّ رفْقًا رَيْث أَقْضِي لُبانةً )
وَقد يفصل بَين ريث وَالْفِعْل ب (مَا) قَالَ ابْن مَالك زَائِدَة أَو مَصْدَرِيَّة كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٢١٤ ]
٨٤٢ -
(مُحيّاه يلقى ينَال السُّؤَال راجيه ريث مَا يَنْثَنِي)
عوض
(ص) (عوض) مثلث لعُمُوم الْمُسْتَقْبل وَقد يرد للمضي وَقد يُضَاف للعائضين أَو يُضَاف إِلَيْهِ فيعرب وَقد يجْرِي كالقسم (ش) من الظروف المبنية عوض وَهُوَ للْوَقْت الْمُسْتَقْبل عُمُوما كأبدأ وَقد ترد للمضي كَقَوْلِه: ٨٤٣ -
(فَلم أَر عَاما عوْضُ أَكْثَرَ هالِكًا )
وَبني لشبهه بالحرف فِي إبهامه لِأَنَّهُ يَقع على كلّ مَا تَأَخّر من الزَّمَان وبناؤه إِمَّا على الضَّم كقبل وَبعد أَو على الْفَتْح طلبا للخفة أَو على الْكسر على أصل التقاء الساكنين فَإِن أضيف إِلَى العائضين كَقَوْلِهِم لَا أفعل ذَلِك عوض العائضين أَي دهر الداهرين أَو أضيف إِلَيْهِ كَقَوْلِه: ٨٤٤ -
(وَلَوْلاَ نَبْلُ عوْض فِي حظَبّايَ وأَوْصالي)
أعرب فِي الْحَالين لمعارضته الشّبَه بِالْإِضَافَة الَّتِي هِيَ من خَصَائِص الْأَسْمَاء قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد كثر اسْتِعْمَال (عوض) حَتَّى أجروه مجْرى الْقسم كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٢١٥ ]
٨٤٥ -
(رَضِيعَىْ لِبان ثَدْي أمٍّ تحالَفا بأسْحَمَ داج عَوْضُ لَا نَتَفرّقُ)
قطّ
(ص) (قطّ) مُقَابل عوض ويختصان بِالنَّفْيِ والأفصح فتح الْقَاف وَتَشْديد الطَّاء ضما وَقَالَ الْكسَائي أَصله قطط وَيُقَال قطّ وقط وقط وقط وقط وَقَالَ الْأَخْفَش إِن أُرِيد الزَّمَان ضم أَو التقليل سكن فَإِن لَقِي همز وصل وَكسر وَترد (قطّ) و(قد) اسْمِي فعل بمعني يَكْفِي مبنيين فَقيل الدَّال بدل من الطَّاء وَقيل قد منقولة من الحرفية وَبِمَعْنى حسب فالغالب الْبناء ويضافان للياء وَالْكَاف وَالظَّاهِر (ش) من الظروف المبنية قطّ وَهُوَ مُقَابل عوض فَهِيَ للْوَقْت الْمَاضِي عُمُوما وبنيت لشبه الْحُرُوف فِي إبهامه لوقوعها على كل مَا تقدم من الزَّمَان وَقيل لِأَنَّهَا تَضَمَّنت معني (فِي) لِأَنَّهَا لَا يحسن فِيهَا بِخِلَاف الظروف وَقيل لِأَنَّهَا تَضَمَّنت معني مُنْذُ فَمَعْنَى مَا رَأَيْته قطّ مُنْذُ خلقت وَقيل لِأَنَّهَا تَضَمَّنت معني من الاستغراقية وَقيل لافتقارها إِلَى الْجُمْلَة وَقيل لِأَنَّهَا أشبهت الْفِعْل الْمَاضِي لِأَنَّهَا لزمانه وبنيت على الضَّم تَشْبِيها بقبل وَبعد وَقد تكسر على أصل التقاء الساكنين وَقد تتبع قافه طاءه فِي الضَّم وَقد تخفف طاؤه مَعَ ضمهَا وإسكانها فَهَذِهِ خمس لُغَات
[ ٢ / ٢١٦ ]
وَزعم الْأَخْفَش أَنَّك إِذا أردْت بهَا الزَّمَان تضم أبدا نَحْو مَا رَأَيْت مثله قطّ فَإِن قللت ب (قطّ) شَيْئا سكنت نَحْو مَا عنْدك إِلَّا هَذَا قطّ فَإِن لقِيت ألف وصل كسرت لالتقاء الساكنين نَحْو مَا علمت إِلَّا هَذَا قطّ الْيَوْم وَمَا عنْدك إِلَّا هَذَا قطّ الْآن وَزعم الْكسَائي أَن أصل قطّ قطط بِضَم الطَّاء الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة سكنت الأولى وأدغمت وَجعلت الثَّانِيَة على حركتها قَالُوا وَأَصلهَا مصدر وَهُوَ القط بِمَعْنى الْقطع نقلت إِلَى الظّرْف فقولك مَا رَأَيْته قطّ مَعْنَاهُ مَا رَأَيْته فِيمَا انْقَطع من عمري وتختص هِيَ و(عوض) بِالنَّفْيِ نَحْو مَا أَفعلهُ عوض وَلَا فعلته قطّ فَلَا يستعملان فِي الْإِيجَاب وَترد (قطّ) و(قد) اسْمِي فعل بمعني يَكْفِي نَحْو قد زيدا دِرْهَم أَي يَكْفِيهِ وقدني وقطني بنُون الْوِقَايَة أَي يَكْفِينِي وَلَيْسَ فيهمَا إِلَّا الْبناء على السّكُون ثمَّ قيل هما كلمتان مستقلتان وَقيل الدَّال بدل من الطَّاء وَقيل (قد) هِيَ الحرفية نقلت إِلَى الاسمية ويرادن أَيْضا اسْمَيْنِ مرادفين ل (حسب) فالغالب حِينَئِذٍ بناؤهما على السّكُون لوضعهما على حرفين ويضافان إِلَى الِاسْم الظَّاهِر وَإِلَى يَاء الْمُتَكَلّم وكاف الْمُخَاطب نَحْو قد زيد دِرْهَم وقط زيد دِرْهَم وقدي وقطي بِلَا نون وقدك وقطك وَقد يعربان وَهُوَ قَلِيل يُقَال قد زيد أَو قطّ زيد دِرْهَم بِالرَّفْع كَمَا يُقَال حَسبه دِرْهَم
كَيفَ
(ص) (كَيفَ) وَيُقَال (كي) اسْم يستفهم بِهِ عَن الْخَبَر قبل مَا لَا يَسْتَغْنِي بِهِ وَالْحَال قبل مَا يَسْتَغْنِي وَمَعْنَاهَا على أَي حَال قَالَ سِيبَوَيْهٍ ظرف وَأنْكرهُ
[ ٢ / ٢١٧ ]
غَيره وَابْن مَالك أطلقهُ مجَازًا فعلى الأول محلهَا نصب دَائِما وَيُجَاب بعلي كَذَا (ش) (كَيفَ) اسْم لدُخُول الْجَار عَلَيْهَا فِي قَوْلهم على كَيفَ تبيع الأحمرين وإبدال الِاسْم الصَّرِيح مِنْهَا نَحْو كَيفَ أَنْت أصحيح أم سقيم وَالْأَخْبَار بهَا مَعَ مُبَاشرَة الْفِعْل نَحْو كَيفَ كنت وَيُقَال فِيهَا كي كَمَا يُقَال فِي سَوف (سو) قَالَ: ٨٤٦ -
(كي تَجْنَحون إِلَى سِلْم وَمَا تُئِرَتْ )
وَالْغَالِب فِيهَا أَن تكون استفهاما إِمَّا حَقِيقا نَحْو كَيفَ زيد أَو غَيره نَحْو ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨] وَتَقَع خَبرا قبل مَا لَا يسْتَغْنى بِهِ نَحْو كَيفَ أَنْت وَكَيف كنت وَكَيف ظَنَنْت زيدا وَحَالا قبل مَا يسْتَغْنى نَحْو جَاءَ زيد أَي على أَي حَالَة جَاءَ زيد وَإِنَّمَا بنيت لتضمنها معنى همزَة الِاسْتِفْهَام وبنيت على فَتْحة طلبا للخفة وَعَن سِيبَوَيْهٍ أَن (كَيفَ) ظرف وَأنْكرهُ الْأَخْفَش والسيرافي وَقَالا هِيَ اسْم غير ظرف ورتبوا على الْخلاف أمورا أَحدهَا أَن موضعهَا عِنْد سِيبَوَيْهٍ نصب دَائِما وَعند غَيره رفع مَعَ الْمُبْتَدَأ نصب مَعَ غَيره الثَّانِي أَن تقديرها عِنْده فِي أَي حَال أَو على حَال وَعند غَيره تقديرها فِي نَحْو كَيفَ زيد أصحيح زيد وَفِي نَحْو كَيفَ جَاءَ زيد أراكبا جَاءَ زيد وَنَحْوه الثَّالِث أَن الْجَواب المطابق عِنْد سِيبَوَيْهٍ أَن يُقَال على خير وَنَحْوه وَعند غَيره أَن يُقَال صَحِيح أَو نَحوه
[ ٢ / ٢١٨ ]
وَقَالَ ابْن مَالك لم يقل أحد إِن (كَيفَ) ظرف إِذْ لَيست زَمَانا وَلَا مَكَانا وَلكنهَا لما كَانَت تفسر بِقَوْلِك على أَي حَال لكَونهَا سؤالا عَن الْأَحْوَال الْعَامَّة سميت ظرفا لِأَنَّهَا فِي تَأْوِيل الْجَار وَالْمَجْرُور وَاسم الظّرْف يُطلق عَلَيْهِمَا مجَازًا قَالَ ابْن هِشَام وَهَذَا حسن
لدن
(ص) لدن الأول غَايَة زمَان أَو مَكَان وَتلْزم (من) غَالِبا وَيُقَال لدن ولدن ولدن ولدن ولد ولد ولد ولت وإعراب الأولى لُغَة وَترد النُّون مُضَافَة لمضمر وتضاف لمفرد وَجُمْلَة خلافًا لِابْنِ الدهان وَسمع نصب (غدْوَة) بعْدهَا تمييزا ورفعها بإضمار (كَانَ) ويعطف على (غدْوَة) المنصوبة وجوبا وفَاقا لأبي حَيَّان وَخِلَافًا للأخفش وَابْن مَالك (ش) من الظروف المبنية (لدن) وَهِي لأوّل غَايَة زمَان أَو مَكَان وبنيت لشبهها بالحرف فِي لُزُومهَا اسْتِعْمَالا وَاحِدًا وَهِي كَونهَا مُبْتَدأ غَايَة وَامْتِنَاع الْإِخْبَار بهَا وعنها وَلَا يَبْنِي عَلَيْهَا الْمُبْتَدَأ بِخِلَاف (عِنْد) و(لدي) فَإِنَّهُمَا لَا يلزمان اسْتِعْمَالا وَاحِدًا بل يكونَانِ لابتداء الْغَايَة وَغَيرهَا ويبنى عَلَيْهِمَا الْمُبْتَدَأ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِنْده مفاتح الْغَيْب﴾ [الأنعمام: ٥٩] ﴿ولدينا مزِيد﴾ [ق: ٣٥] وَالْغَالِب اقترانها ب (من) نَحْو: (﴿وهب لنا من لَدُنْك﴾ [آل عمرَان: ٨] (وَآتَيْنَاهُ من لدنا) وَقد تجرد مِنْهَا كَقَوْلِه لدن غدْوَة لدو شب وإعراب لدن لُغَة قيسية تَشْبِيها بعند وَبِه قَرَأَ عَاصِم: ﴿بَأْسا شَدِيدا من لَدنه﴾ [الْكَهْف: ٢] بِالْجَرِّ وإشمام الدَّال الساكنة الضَّم وَالْأَصْل من لَدنه بِضَم الدَّال قَالَ ابْن مَالك وفيهَا على غير اللُّغَة القيسية تسع لُغَات سُكُون النُّون مَعَ ضم الدَّال وَفتحهَا أَو كسرهَا وسكونها مَعَ سُكُون الدَّال وَفتح اللَّام أَو ضمهَا وَفتح
[ ٢ / ٢١٩ ]
النُّون مَعَ سُكُون الدَّال وَحذف النُّون مَعَ سُكُون الدَّال وَفتح اللَّام أَو ضمهَا وَحذف النُّون مَعَ ضم الدَّال وَفتح اللَّام وَزَاد أَبُو حَيَّان عاشرة وَهِي لت بلام مَفْتُوحَة وتاء مَكْسُورَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ (ولد) بِلَا نون محذوفة من (لدن) كَمَا أَن (يَك) محذوفة من (يكن) أَلا ترى أَنَّك إِذا أضفته لمضمر رَددته إِلَى أَصله فَتَقول من لَدنه وَمن لدني وَلَا يجوز من لَدُنْك وَلَا من لده ويجر تالي لدن بِالْإِضَافَة لفظا إِن كَانَ مُفردا كَقَوْلِه: ٨٤٧ -
(تَنْتَهضُ الرِّعْدَةُ فِي ظُهَيْري منْ لَدُن الظُّهْر إِلَى العُصَيْر)
وتقديرا إِن كَانَ جملَة اسمية كَقَوْلِه: ٨٤٨ -
(وتذكرُ نُعْماهُ لَدُنْ أَنْتَ يافِعٌ )
أَو فعلية كَقَوْلِه: ٨٤٩ -
(لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شابَ سُودُ الذّوائِبِ )
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وَمنع ابْن الدهان من إِضَافَة لدن إِلَى الْجُمْلَة وَأول مَا ورد من ذَلِك على تَقْدِير أَن المصدرية بِدَلِيل ظُهُورهَا مَعهَا فِي قَوْله: ٨٥٠ -
(أرانِي لَدْنُ أَنْ غَاب رَهْطِى )
وَقَوله: ٨٥١ -
(وليتَ فَلم تَقطَعْ لدن أَن وليتنا قرَابَة ذِي قُرْبى وَلَا حقَّ مُسْلم وَسمع نصب (غدْوَة) بعْدهَا فِي قَوْله: ٨٥٢ -
(لَدُنْ غدْوَة حَتَّى دَنَتْ لِغُروب )
وَخرج على التَّمْيِيز وَحكى الْكُوفِيُّونَ رفع (غدْوَة) بعْدهَا وَخرج على إِضْمَار كَانَ أَي لدن كَانَت غدْوَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ لَا تنصب (لدن) غير (غدْوَة) وَلَا تَقول (لدن بكرَة) لِأَنَّهُ لم يكثر فِي كَلَامهم وَإِذا عطف على غدْوَة الْمَنْصُوب بعْدهَا فَقيل لدن غروة وَعَشِيَّة جَازَ عِنْد الْأَخْفَش فِي الْمَعْطُوف الْجَرّ على الْموضع وَالنّصب على اللَّفْظ وَضعف ابْن مَالك فِي شرح الكافية النصب وأوجبه أَبُو حَيَّان وَمنع الْجَرّ لِأَن (غدْوَة) عِنْد من نَصبه لَيْسَ فِي مَوضِع جر فَلَيْسَ من بَاب الْعَطف على الْموضع قَالَ وَلَا يلْزم من ذَلِك أَن يكون (لدن) انتصب بعْدهَا ظرف غير (غدْوَة) وَهُوَ غير مَحْفُوظ إِلَّا فِيهَا لِأَنَّهُ يجوز فِي الثواني مَا لَا يجوز فِي الْأَوَائِل وَهَذِه الْمَسْأَلَة مَذْكُورَة فِي الكافية الشافية سَاقِطَة من التسهيل
[ ٢ / ٢٢١ ]
لما
(ص) لما حرف وجود لوُجُود وَقَالَ ابْن السراج والفارسي وَابْن جني ظرف ك (إِذْ) وتختص بالماضي وتقتضي جملتين وعاملها الْجَواب وَيكون مَاضِيا قَالَ ابْن عُصْفُور ومضارعا وَابْن مَالك واسمية ب (إِذا) أَو الْفَاء وتحذف لدَلِيل (ش) من الظروف المبنية (لما) الَّتِي هِيَ كلمة وجود لوُجُود وَالْقَوْل بظرفيتها رَأْي ابْن السراج والفارسي وَابْن جني وَجَمَاعَة حَتَّى قَالُوا إِنَّهَا ظرف بمعني (حِين) وَعبارَة ابْن مَالك بِمَعْنى (إِذْ) قَالَ ابْن هِشَام وَهُوَ حسن لِأَنَّهَا مُخْتَصَّة بالماضي وبالإضافة إِلَى الْجُمْلَة وَمذهب سِيبَوَيْهٍ وَابْن خروف أَنَّهَا حرف وتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عَن وجود أولاهما نَحْو لما جَاءَنِي أكرمته وَالْعَامِل فِيهَا على الظَّرْفِيَّة جوابها وَيكون فعلا مَاضِيا اتِّفَاقًا كالمثال الْمَذْكُور وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم﴾ [الْإِسْرَاء: ٦٧] وَجوز ابْن عُصْفُور كَونه مضارعا نَحْو: ﴿فَلَمَّا ذهب عَن إِبْرَاهِيم الروع وجاءته الْبُشْرَى يجادلنا﴾ [هود: ٧٤] وَالْجُمْهُور أولوه بالماضي أَي جادلنا وَالْجَوَاب مَحْذُوف أَي أقبل يجادلنا وَجوز ابْن مَالك كَونه جملَة اسمية مقرونة بِالْفَاءِ أَو بإذا الفجائية نَحْو: ﴿فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر فَمنهمْ مقتصد﴾ [لُقْمَان: ٣٢] ﴿فَلَمَّا نجاهم إِلَى الْبر إِذا هم يشركُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] وَقيل فِي آيَة الْفَاء إِن الْجَواب مَحْذُوف أَي انقسموا قسمَيْنِ وَقد يحذف الْجَواب لدَلِيل كالآية الْمَذْكُورَة
[ ٢ / ٢٢٢ ]
مذ ومنذ
(ص) (مذ ومنذ) وَهِي الأَصْل خلافًا لِابْنِ ملكون وَقيل الْمَحْذُوف اللَّام وَلَيْسَت مركبة وَقيل أَصْلهَا (من ذُو) وَقيل (من إِذْ) وَقيل (من ذَا) وَكسر ميمها لُغَة وَسُكُون مذ قبل حَرَكَة وَضمّهَا قبل (سَاكن) أشهر فَإِن وليهما جملَة فظرفان مضافان إِلَيْهَا أَو إِلَى زمَان مُقَدّر قَولَانِ وَقيل مبتدآن خبرهما زمن مُقَدّر أَو اسْم مَرْفُوع فَقَالَ الْمبرد وَابْن السراج والفارسي مبتدآن لَهُ ومعناهما الْأَبَد فِي حَاضر ومعدود وَأول الْمدَّة فِي مَاض والأخفش والزجاج والزجاجي ظرفان خبراه ومعناهما بَين والكوفية والسهيلي وَابْن مضاء وَابْن مَالك مضافان لفعل حذف وَالثَّانِي فَاعله وَقوم خبر لمَحْذُوف أَو مجرور فحرفان وَقيل اسمان بِمَعْنى (من) فِي مَاض وَفِي حَاضر و(من) و(إِلَى) فِي مَعْدُود وَأكْثر الْعَرَب توجب جرهما الْحَال وترجح جر مُنْذُ الْمَاضِي وَرفع (مذ) لَهُ وَيجوز رفع مصدر بعدهمَا وجره وَأَن وصلتها وَلَا يجران مضمرا وَلَا يلحقان بالمتصرف على الْأَصَح فيهمَا (ش) من الظروف المبنية فِي بعض الْأَحْوَال مذ ومنذ ومنذ بسيطة وَقيل مركبة وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَ الْفراء أَصْلهَا (من ذُو) من الجارة وَذُو الطائية بمعني الَّذِي وَقَالَ غَيره أَصْلهَا (من إِذْ) حذفت الْهمزَة فالتقي ساكنان النُّون والذال فحركت الذَّال وَجعلت حركتها الضمة الَّتِي هِيَ أثقل الحركات لِأَنَّهَا ضمنت معني شَيْئَيْنِ (من) و(إِلَى) إِذْ قَوْلك مَا رَأَيْته مُنْذُ يَوْمَانِ مَعْنَاهُ من أول هَذَا الْوَقْت فَقَامَتْ مقامهما فَقَوِيت ثمَّ ضمت الْمِيم إتباعا لحركة الذَّال وَعِنْدِي أَن التَّعْلِيل بِالْحملِ على سَائِر الظروف قبل وَبعد وقط وَعوض أولي
[ ٢ / ٢٢٣ ]
ومذ أَصله مُنْذُ وَهِي محذوفة مِنْهَا عِنْد الْجُمْهُور بِدَلِيل رجوعهم إِلَى ضم ذال (مذ) عِنْد ملاقاة السَّاكِن نَحْو مذ الْيَوْم وَلَوْلَا أَن الأَصْل الضَّم لكسر أَو لِأَن بَعضهم يَقُول مذ زمن طَوِيل فيضم مَعَ عدم السَّاكِن على أَن بعض الْعَرَب يكسر قبل السَّاكِن على أصل التقاء الساكنين وَقَالَ ابْن ملكون هما أصلان لِأَن الْحَذف والتصريف لَا يكونَانِ فِي الْحُرُوف وَلَا فِي الْأَسْمَاء غير المتمكنة ورده الشلوبين بِأَنَّهُ قد جَاءَ الْحَذف فِي الْحُرُوف أَلا تري تخفيفهم إِن وَأَن وَكَأن وَقَالُوا فِي لَعَلَّ تمل وَقد جعل سِيبَوَيْهٍ عل من الْعُلُوّ وَكسر مِيم مذ ومنذ لُغَة بني سليم كَذَا قَالَ ابْن مَالك وَقَالَ أَبُو حَيَّان حُكيَ اللحياني فِي نوادره كسر مُنْذُ عَن بني سليم وَكسر مذ عَن عكل وَلَهُمَا ثَلَاثَة أَحْوَال الأول أَن يليهما الْجُمْلَة الاسمية أَو الفعلية كَقَوْلِه: ٨٥٣ -
(وَمَا زلْت أبغي المالَ مُذْ أَنا يافِعٌ )
وَقَوله: ٨٥٤ -
(مَا زَال مُذْ عقَدَت يَداه إزارُه )
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَقَوله: ٨٥٥ -
(مُنْذُ ابْتُذِلتُ وَمِثْل مَالِكَ يَنْفَعُ )
وَالْمَشْهُور أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ ظرفان مضافان فَقيل إِلَى الْجُمْلَة وَعَلِيهِ سِيبَوَيْهٍ والسيرافي والفارسي وَابْن مَالك وَقيل إِلَى زمَان مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة وَعَلِيهِ ابْن عُصْفُور لِأَنَّهُمَا لَا يدخلَانِ عِنْده إِلَّا على أَسمَاء الزَّمَان ملفوظا بهَا أَو مقدرَة فالتقدير فِي مَا رَأَيْته مذ زيد قَائِم مذ زمن زيد قَائِم وَقيل إنَّهُمَا حِينَئِذٍ مبتدآن فَيجب تَقْدِير زمَان مُضَاف للجملة يكون هُوَ الْخَبَر وَعَلِيهِ الْأَخْفَش الْحَال الثَّانِي أَن يليهما اسْم مَرْفُوع نَحْو مذ يَوْم الْخَمِيس ومنذ يَوْمَانِ وَفِيهِمَا حِينَئِذٍ مَذَاهِب أَحدهَا وَعَلِيهِ الْمبرد وَابْن السراج والفارسي أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مبتدآن وَمَا بعدهمَا خبر وبمعناهما الأمد إِن كَانَ الزَّمَان حَاضرا أَو معدودا وَأول الْمدَّة إِن كَانَ مَاضِيا هَذِه عبارَة الْمُغنِي وَعبارَة أبي حَيَّان وتقديرهما فِي الْمُنكر الأمد وَالتَّقْدِير أمد انْقِطَاع الرُّؤْيَة يَوْمَانِ وَفِي الْمعرفَة أول الْوَقْت وَالتَّقْدِير أَو انْقِطَاع الرُّؤْيَة يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي وَعَلِيهِ الْأَخْفَش والزجاج والزجاجي أَن الْمَرْفُوع بعدهمَا مُبْتَدأ ومذ ومنذ ظرفان خبر لَهُ كَمَا إِذا أضيفا إِلَى جملَة
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ومعناهما بَين وَبَين مضافين فمعني مَا لَقيته مذ يَوْمَانِ بيني وَبَين لِقَائِه يَوْمَانِ وَلَا يخفى مَا فِي هَذَا من التعسف لِأَنَّهُ تَقْدِير مَا لم يصرحوا بِهِ فِي مَوضِع مَا الثَّالِث وَعَلِيهِ أَكثر الْكُوفِيّين والسهيلي وَابْن مضاء وَابْن مَالك أَنَّهُمَا ظرفان مضافان لجملة حذف فعلهَا وَبَقِي فاعلها وَالْأَصْل مذ كَانَ أَو مُضِيّ يَوْمَانِ قَالَ ابْن مَالك ويرجحه أَن فِيهِ إِجْرَاء مذ ومنذ على طَريقَة وَاحِدَة فَهُوَ أولى من اخْتِلَاف الِاسْتِعْمَال وَفِيه تخلص من ابْتِدَاء بنكرة بِلَا مسوغ إِن ادعِي التنكير وَمن تَعْرِيف غير مُعْتَاد إِن ادعِي التَّعْرِيف قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد يرد بِأَن الْكُوفِيّين إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك بِنَاء على رَأْيهمْ أَنَّهَا مركبة من (من) و(ذُو الطائية) أَو من (من) و(إِذْ) فَمَا بعدهمَا من الصِّلَة أَو الْمُضَاف إِلَيْهِ وهما باطلان وَبِأَن إِضْمَار الْفِعْل لَيْسَ بِقِيَاس الرَّابِع وَعَلِيهِ بعض الْكُوفِيّين أَن خبر لمبتدأ مَحْذُوف بِنَاء على أَنَّهَا من (من) و(ذُو الطائية) وَالتَّقْدِير مَا رَأَيْته من الزَّمن الَّذِي هُوَ يَوْمَانِ وَالْكَلَام على هَذَا القَوْل وَمَا قبله وَاحِدَة جملَة وعَلى الْأَوَّلين جملتان وعَلى هَذَا اخْتلف هَل الْجُمْلَة مذ ومنذ ومرفوعهما مَحل من الْإِعْرَاب فَقَالَ الْجُمْهُور لَا وَقَالَ السيرافي إِنَّهَا فِي مَوضِع الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْته مُتَقَدما ورد بِأَنَّهَا خرجت مخرج الْجَواب كَأَنَّهُ قيل لَهُ مَا أمد ذَلِك قَالَ يَوْمَانِ وَبِأَنَّهُ لَا رابط فيهمَا من ضمير أَو وَاو الْحَال الثَّالِث أَن يَقع بعدهمَا اسْم مجرور فَقيل هما اسمان مضافان لِأَن الاسمية قد تثبت لَهما فَلَا يخرجَانِ عَنْهَا مَا أمكن بقاؤهما عَلَيْهَا وَقد أمكن ذَلِك بِأَن يجعلا ظرفين فِي مَوضِع نصب بِالْفِعْلِ قبلهمَا وَالْجُمْهُور على أَنَّهُمَا حِينَئِذٍ حرفا جر لإيصالهما الْفِعْل إِلَى (كم) كَمَا يُوصل حرف الْجَرّ تَقول مُنْذُ كم سرت كَمَا تَقول بكم اشْتريت وَلَو كَانَ ظرفين لجَاز أَن يَسْتَغْنِي الْفِعْل بعدهمَا عَن الْعَمَل فيهمَا بإعماله فِي ضميرهما فَكَانَ يُقَال مُنْذُ كم سرت فِيهِ أَو سرته إِن اتَّسع كَمَا تَقول يَوْم الْجُمُعَة قُمْت فِيهِ أَو قمته وَلم تَتَكَلَّم الْعَرَب بذلك وَعلي هَذَا فهما بِمَعْنى (من) إِن كَانَ الزَّمَان مَاضِيا وبمعني (فِي) إِن كَانَ حَاضرا وبمعني (من) و(إِلَى) جَمِيعًا إِن كَانَ معدودا نَحْو مَا رَأَيْته مذ يَوْم الْخَمِيس أَو مُنْذُ يَوْمنَا أَو عامنا أَو مذ ثَلَاثَة أَيَّام
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وَأكْثر الْعَرَب على وجوب جرهما للحاضر وَعلي تَرْجِيح جر مُنْذُ للماضي على رَفعه وَعلي تَرْجِيح رفع مذ للماضي على جَرّه وَمن الْكثير فِي مُنْذُ قَوْله: ٨٥٦ -
(وَرَبْع عَفَت آثارُه مُنْذُ أَزْمان )
وَمن الْقَلِيل فِي (مذ) قَوْله: ٨٥٧ -
(أَقْوَيْنَ مذ حِجَج ومُذْ دَهْر )
وَيجوز وُقُوع الْمصدر بعدهمَا نَحْو مَا رَأَيْته مذ قدوم زيد بِالرَّفْع والجر وَهُوَ على حذف زمَان أَي مُنْذُ زمن قدوم زيد وَيجوز وُقُوع (أَن) وصلتها بعدهمَا نَحْو مَا رَأَيْته مذ أَن الله خلقني فَيحكم على موضعهما بِمَا حكم بِهِ للفظ الْمصدر من رفع أَو جر وَهُوَ على تَقْدِير زمَان أَيْضا ومذ ومنذ لَا يجران إِلَّا الظَّاهِر من اسْم الزَّمَان أَو الْمصدر على مَا بَين وَأَجَازَ الْمبرد أَن يجرا مُضْمر الزَّمَان نَحْو يَوْم الْخَمِيس مَا رَأَيْته منذه أَو مذه ورد بِأَن الْعَرَب لم تقله
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وَلَا يلْحق مذ ومنذ بالظروف المتصرفة عِنْد الْجُمْهُور من الْبَصرِيين وَمن قَالَ بِأَنَّهُمَا مبتدآن فِي الْحَال الثَّانِي ألحقهما بالمتصرف
مَعَ
(ص) (مَعَ) لمَكَان الِاجْتِمَاع أَو وقته وتجر ب (من) وَتَقَع خَبرا وصلَة وَصفَة وَحَالا وسكونها قبل حَرَكَة وَكسرهَا قبل سُكُون لُغَة وَلَيْسَت حِينَئِذٍ حرف جر خلافًا للنحاس وَتفرد فَتكون حَالا بِمَعْنى جَمِيع وَغَيره بقلة وَهل هِيَ حِينَئِذٍ مَقْصُورَة خلاف وَلَا لسلب الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت وفَاقا لثعلب وَابْن خالويه وَأبي حَيَّان (ش) من الظروف العادمة التَّصَرُّف (مَعَ) وَهِي اسْم لمَكَان الِاجْتِمَاع أَو وقته تَقول زيد مَعَ عَمْرو وَجئْت مَعَ الْعَصْر وَيدل على اسميتها تنوينها فِي قَوْلك مَعًا وَدخُول (من) عَلَيْهَا فِي قَوْلهم ذهب من مَعَه وَقُرِئَ ﴿هَذَا ذكر من معي﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٤] قَالَ ابْن مَالك وَكَانَ حَقه الْبناء لشبهه بالحروف فِي الجمود الْمَحْض وَهُوَ لُزُوم وَجه وَاحِد من الِاسْتِعْمَال والوضع النَّاقِص إِذْ هِيَ على حرفين بِلَا ثَالِث مُحَقّق الْعود إِلَّا أَنَّهَا أعربت فِي أَكثر اللُّغَات لمشابهتها (عِنْد) فِي وُقُوعهَا خَبرا وَصفَة وَحَالا وصلَة ودالا على حُضُور وَعلي قرب فالحضور ك ﴿نجني وَمن معي﴾ [الشُّعَرَاء: ١١٨] والقرب ك ﴿إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ [الشَّرْح: ٦] وتسكينها قبل حَرَكَة نَحْو زيد مَعَ عَمْرو وَكسرهَا قبل سُكُون نَحْو زيد مَعَ الْقَوْم لُغَة ربيعَة وحركتها حَرَكَة إِعْرَاب فَلذَلِك تأثرت بالعوامل فِي من مَعَه وَمن سكن بني وَهُوَ الْقيَاس واسميتها حِين السّكُون بَاقِيَة على الْأَصَح كَمَا يشْعر بِهِ كَلَام سِيبَوَيْهٍ لِأَن مَعْنَاهَا مَبْنِيَّة ومعربة وَاحِد وَزعم النّحاس أَنَّهَا حِينَئِذٍ حرف جر وَلَيْسَ بِصَحِيح انْتهى
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وَبِذَلِك عرف وَجه ذكر (مَعَ) فِي الظروف المبنيات لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة فِي بعض اللُّغَات مَعَ التَّصْرِيح فِي أول الْكتاب بإعرابها وَتفرد عَن الْإِضَافَة فَتكون فِي الْأَكْثَر مَنْصُوبَة على الْحَال نَحْو جَاءَ زيد وَبكر مَعًا وَقل وُقُوعهَا فِي مَوضِع رفع خَبرا كَقَوْلِه: ٨٥٨ -
(أَفيقُوا بني حَرْبٍ وأَهْواؤُنا مَعًا )
وَقَوله: ٨٥٩ -
(أَكُفُّ صِحَابِي حِينَ حَاجَاتُنا مَعَا )
وَاخْتلف فِي (مَعًا) فَذهب الْخَلِيل وسيبويه وَصَححهُ أَبُو حَيَّان إِلَى أَن فتحتها إِعْرَاب كَمَا فِي حَال الْإِضَافَة والكلمة ثنائية اللَّفْظ حِين الْإِفْرَاد وَحَال الْإِضَافَة وَذهب يُونُس والأخفش وَصَححهُ ابْن مَالك إِلَى أَن فتحتها كفتحة تَاء فتي وَأَنَّهَا حِين أفردت رد إِلَيْهَا الْمَحْذُوف وَهُوَ لَام الْكَلِمَة فَصَارَ مَقْصُورا وأيده ابْن مَالك بِوُقُوعِهِ كَذَلِك حَالَة الرّفْع كالمقصور ورده أَبُو حَيَّان بِأَن شَأْن الظّرْف غير الْمُتَصَرف إِذا أخبر بِهِ أَن يبْقى على نَصبه وَلَا يرفع تَقول الزيدان عنْدك وَذهب ابْن مَالك إِلَى أَنَّهَا فِي الْإِفْرَاد مُسَاوِيَة لمعني (جَمِيع) قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ بِصَحِيح فقد قَالَ ثَعْلَب إِذا قلت جَاءَا جَمِيعًا احْتمل أَن فعلهمَا فِي وَقت أَو وَقْتَيْنِ وَإِذا قلت جَاءَا مَعًا فالوقت وَاحِد وَكَذَا ذكر ابْن خالويه أَنَّهَا بَاقِيَة الدّلَالَة على الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الزَّمن الْمُبْهم الْمُضَاف لجملة
(ص) وَمِنْهَا كل زمن مُبْهَم مُضَاف لجملة فَإِن صدرت بمبني فبناؤه رَاجِح أَو مُعرب فمرجوح وَمنعه البصرية أَو (مَا) أَو (لَا) لم تَتَغَيَّر أَو (لَا) التبرئة فَكَذَلِك وَقد يجر اسْمهَا وَيرْفَع وَمنع سِيبَوَيْهٍ إِضَافَة مُسْتَقْبل لاسمية وَجوزهُ الْأَخْفَش وَابْن مَالك (ش) من الظروف الَّتِي تبنى جَوَازًا لَا وجوبا كل أَسمَاء الزَّمَان المبهمة إِذا أضيفت إِلَى الْجمل وَالْمرَاد بالمبهمة مَا لَا يخْتَص بِوَجْه ك (حِين) وَمُدَّة وَوقت وزمن وَمَا يخْتَص بِوَجْه دون وَجه كنهار وصباح وَمَسَاء وغداة وَعَشِيَّة بِخِلَاف مَا يخْتَص بتعريف أَو غَيره ك (أمس) وغد فَإِنَّهُ لَا يُضَاف إِلَى الْجمل وَمِنْه الْمَحْدُود والمعدود والموقت كيومين وليلتين وأسبوع وَشهر وَسنة فَلَا يُضَاف شَيْء من ذَلِك إِلَى الْجمل على الصَّحِيح عِنْد ابْن مَالك وَغَيره ويضاف الْجَمِيع إِلَيْهَا كالمفرد وَسَوَاء فِي الْجمل الفعلية والاسمية لَكِن الْبناء رَاجِح فِيمَا كَانَ صدرها مَبْنِيا نَحْو: (كَيَوْم وَلدته أمه) ٨٦٠ -
(على حِينَ عاتبْتُ المَشِيبَ على الصِّبًا وَقُلْتُ أَلَمِّا أَصْحُ وَالشّيْبُ وَازعُ)
[ ٢ / ٢٣٠ ]
٨٦١ -
(على حِينَ يستَصْبين كُلَّ حَليمِ )
مَرْجُوح فِيمَا كَانَ صدرها معربا قَرَأَ نَافِع: ﴿هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين﴾ [الْمَائِدَة: ١١٩] بِالْبِنَاءِ وَقَرَأَ السِّتَّة بالإعراب وَقَالَ الشَّاعِر:
[ ٢ / ٢٣١ ]
٨٦٢ -
(على حِينَ لَا بَدْوٌ يُرَجّي وَلَا حَضَرْ )
وَقَالَ: ٨٦٣ -
(كريم على حينَ الكِرامُ قَلِيلُ )
وَقَالَ: ٨٦٤ -
(عَلَى حِينَ التّواصُل غَيْرُ دَاني )
[ ٢ / ٢٣٢ ]
رويت الثَّلَاثَة بِالْفَتْح وَمنع البصريون الْبناء فِي هَذَا الْقسم وأوجبوا الْإِعْرَاب وأيد ابْن مَالك مَذْهَب الْكُوفِيّين بِالسَّمَاعِ لقِرَاءَة نَافِع السَّابِقَة والأبيات وَإِن صدرت الْجُمْلَة ب (مَا) أَو (لَا) أُخْتِي لَيْسَ لم يخْتَلف الحكم من بَقَاء رفعهما الِاسْم ونصبهما الْخَبَر وَالْإِضَافَة بِحَالِهَا كَقَوْلِه: ٨٦٥ -
(على حِينَ مَا هَذَا بِحِين تَصَابِ )
وَقَوله: ٨٦٦ -
(وكُنْ لي شَفِيعًا يَوْم لَا ذُو شفَاعة بمغن فتيلًا عَن سَوادِ بن قاربِ)
وَإِن صدرت ب (لَا) التبرئة بَقِي اسْمهَا أَيْضا على مَا كَانَ من بِنَاء أَو نصب وَقد يجر وَقد يرفع حُكيَ جئْتُك يَوْم لَا حر وَلَا برد بِالْبِنَاءِ وبالجر وبالرفع وَقَالَ: ٨٦٧ -
(تَرَكتنِي حِينَ لَا مالٌ أعيش بِهِ )
بِالرَّفْع
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن الظّرْف إِذا كَانَ بِمَعْنى الْمُسْتَقْبل تعين إِضَافَته للفعلية وَلَا يجوز إِضَافَته إِلَى الاسمية لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَعْنى (إِذا) وَهِي لَا تُضَاف إِلَيْهَا فَلَا يُقَال آتِيك حِين زيد ذَاهِب بِخِلَاف الَّذِي بِمَعْنى الْمَاضِي فَإِنَّهُ بِمَعْنى (إِذْ) فيضاف للفعلية والاسمية مَعًا كهي وَذهب الْأَخْفَش إِلَى جَوَاز إِضَافَة الْمُسْتَقْبل إِلَى الاسمية أَيْضا وَصَححهُ ابْن مَالك مستدلا بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم هم بارزون﴾ [غَافِر: ١٦] قَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّمَا أجَاز الْأَخْفَش ذَلِك لِأَنَّهُ يُجِيز فِي (إِذا) أَن تُضَاف إِلَى الاسمية فَكَذَا مَا هُوَ بمعناها (ص) أَو لمبني وَألْحق بِهِ فِي ذَلِك نَاقص الدّلَالَة ك (غير) و(مثل) وَالْمُخْتَار وفَاقا لِابْنِ مَالك لَا يبْنى مُضَاف لمبني مُطلقًا (ش) من الظروف الَّتِي تبنى جَوَازًا لَا وجوبا أَسمَاء الزَّمَان المبهمة إِذا أضيفت إِلَى مَبْنِيّ مُفْرد نَحْو (يَوْمئِذٍ) و(حِينَئِذٍ) وَألْحق بهَا الْأَكْثَرُونَ كل اسْم نَاقص الدّلَالَة ك (غير) و(مثل) و(دون) و(بَين) فبنوه إِذا أضيف إِلَى مَبْنِيّ نَحْو مَا قَامَ أحد غَيْرك وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّه لحق مثل مَا أَنكُمْ تنطقون﴾ [الذاريات: ٢٣] وَقُرِئَ: ﴿أَن يُصِيبُكُم مِثْلَ مَا أَصَابَ﴾ [هود: ٨٩] بِفَتْح اللَّام وَقَالَ: ﴿وَمنا دون ذَلِك﴾ [الْجِنّ: ١١] ﴿لقد تقطع بَيْنكُم﴾ [الْأَنْعَام: ٩٤] وَقَالَ الشَّاعِر: ٨٦٨ -
(وإذْ مَا مِثْلَهُم بَشَرُ )
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وَقَالَ: ٨٦٩ -
(لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَن نطَقَتْ )
وَالْقَوْل بِبِنَاء الْمُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم من شعب هَذَا الأَصْل وَذهب ابْن مَالك إِلَى أَنه لَا يَبْنِي مُضَاف إِلَى مَبْنِيّ بِسَبَب إِضَافَته إِلَيْهِ أصلا لَا ظرفا وَلَا غَيره لِأَنَّهُ الْإِضَافَة من خَصَائِص الْأَسْمَاء الَّتِي تكف سَبَب الْبناء وتغليه فِي غير مَوضِع فَكيف تكون دَاعِيَة إِلَيْهِ والفتحات فِي الشواهد السَّابِقَة حركات إِعْرَاب ف (مثل) فِي الْآيَة الأولى حَال من ضمير (لحق) المستكن وَفِي الثَّانِيَة مصدر أَو حَال وفاعل يُصِيبكُم (الله) وَفِي الْبَيْت حَال و(غير) فِي الْمِثَال وَالْبَيْت حَال أَو مُسْتَثْنى و(دون) و(بَين) منصوبان على الظَّرْفِيَّة وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ هُوَ الْمُخْتَار (ص) وَلَا يحلق الرابط الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا إِلَّا نَادرا (ش) قَالَ ابْن مَالك كل مُضَاف إِلَى جملَة مُقَدّر الْإِضَافَة إِلَى مصدر من مَعْنَاهَا وَمن أجل ذَلِك لَا يعود مِنْهَا ضمير إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهَا كَمَا لَا يعود من الْمصدر فَإِن سمع ذَلِك عد نَادرا كَقَوْلِه: ٨٧٠ -
(مَضَت مِائَةٌ لِعَام وُلِدْتُ فيهِ )
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وَقَوله: ٨٧١ -
(وتسخن ليْلَةَ لَا يَسْتَطِيع نُباحًا بهَا الكلْبُ إلاّ هَريرا)
وَالْمَعْرُوف أَنه إِذا كَانَ فِي الْجُمْلَة ضمير فصلت عَن الْإِضَافَة وَجعلت صفة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨١]
[ ٢ / ٢٣٦ ]
٣ - الْمَفْعُول مَعَه
(ص) هُوَ التَّالِي وَاو المصاحبة وَالأَصَح أَنه مقيس فَقيل لَا يخْتَص وَالْجُمْهُور بِمَا صلح فِيهِ الْعَطف وَلَو مجَازًا والمبرد والسيرافي بِمَا كَانَ الثَّانِي مؤثرا للْأولِ وَهُوَ سَببه والخضراوي بِمَا فِي معنى مَا سمع (ش) الْمَفْعُول مَعَه هُوَ التَّالِي وَاو المصاحبة فَخرج غير التَّالِي واوا مِمَّا قد يُطلق عَلَيْهِ فِي اللُّغَة مَفْعُولا مَعَه كالمجرور ب (مَعَ) وببناء المصاحبة كجلست مَعَ زيد وبعتك الْفرس بلجامه والتالي وَاو الْعَطف فَإِن المصاحبة فِيهِ مفهومة من الْعَامِل السَّابِق لَا من الْوَاو وَهنا لَا تفهم إِلَّا من الْوَاو وَفِي كَون هَذَا الْبَاب مقيسا خلاف فبعض النَّحْوِيين يقْتَصر فِي مسَائِله على السماع وَنسبه جمَاعَة إِلَى الْأَكْثَرين قَالَ ابْن عُصْفُور وَمَعْنَاهُ أَنهم لَا يجيزونه إِلَّا حَيْثُ لَا يُرَاد بِالْوَاو معنى الْعَطف الْمَحْض لِأَن السماع إِنَّمَا ورد بِهِ هُنَاكَ وَالصَّحِيح اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهِ ثمَّ اخْتلف فقوم يقيسونه فِي كل شَيْء حَتَّى حَيْثُ يُرَاد بِالْوَاو معنى الْعَطف الْمَحْض نَحْو قَامَ زيد وعمرا وَحَيْثُ لَا يتَصَوَّر معنى الْعَطف أصلا نَحْو قعدت أَو ضحِكت أَو انْتَظَرْتُك وطلوع الشَّمْس وَعَلِيهِ ابْن مَالك وَالْجُمْهُور كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان خصوه بِمَا صلح فِيهِ معنى الْعَطف وَمعنى الْمَفْعُول بِهِ فَلَا يجوز حَيْثُ لَا يتَصَوَّر معنى الْعَطف لقِيَام الْأَدِلَّة على أَن وَاو (مَعَ) عطف فِي الأَصْل وَلَا حَيْثُ تمحض معنى الْعَطف لِأَن دُخُول معنى الْمَفْعُول بِهِ هُوَ الَّذِي سوغ خُرُوجه بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَطف من المشاكلة الَّتِي تؤثرها الْعَرَب على غَيرهَا إِلَى النصب
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وَسَوَاء صلح فِيهِ الْعَطف حَقِيقَة نَحْو جَاءَ الْبرد والطيالسة لِأَن الْمَجِيء يَصح مِنْهُمَا أَو مجَازًا نَحْو سَار زيد والنيل إِذْ يَصح عطفه على الْمجَاز من جِهَة أَنه لَا يُفَارق زيدا فِي حَال سيره كَمَا لَا يُفَارِقهُ من سائره وَقَالَ الْمبرد والسيرافي يُقَاس فِيمَا كَانَ الثَّانِي مؤثرا للْأولِ وَكَانَ الأول سَببا لَهُ نَحْو جَاءَ الْبرد والطيالسة فالبرد سَبَب لاستعمال الطيالسة وَجئْت وزيدا أَي كنت السَّبَب فِي مَجِيئه وَقَالَ ابْن هِشَام الخضراوي الِاتِّفَاق على أَن هَذَا مطرد فِي لفظ الاسْتوَاء والمجيء والصنع وَفِي كل لَفْظَة سَمِعت وَيَنْبَغِي عِنْدِي أَن يُقَاس على مَا سمع مَا فِي مَعْنَاهُ وَإِن لم يكن من لَفظه فيقاس (وصل) على (جَاءَ) و(وَافق) على (اسْتَوَى) و(فعلت) على (صنعت) وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَمَا لَيْسَ من ألفاظها ومعانيها لَا يَنْبَغِي أَن يجوز انْتهى
ناصب الْمَفْعُول مَعَه
(ص) وناصبه مَا سبقه من فعل أَو شُبْهَة وَقيل الْوَاو وَقَالَ الزّجاج مُضْمر بعْدهَا والكوفية الْخلاف والأخفش انتصب انتصاب الظّرْف وَالأَصَح ينصبه الْمُتَعَدِّي و(كَانَ) لَا معنوي كإشارة (ش) فِي ناصب الْمَفْعُول مَعَه أَقْوَال أَحدهَا وَهُوَ الْأَصَح أَنه مَا تقدمه من فعل أَو شُبْهَة نَحْو جَاءَ الْبرد والطيالسة واستوي المَاء والخشبة وأعجبني اسْتِوَاء المَاء والخشبة والناقة متروكة وفصيلها وَلست زائلا وزيدا حَتَّى نعل وَسَوَاء فِي الْفِعْل الْمُتَعَدِّي أَو اللَّازِم عِنْد الْأَكْثَرين نَحْو لَو خليت والأسد لأكلك وَنَحْو لَو تركت النَّاقة وفصيلها لرضعها
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وَقَالَ قوم لَا يكون إِلَّا مَعَ غير الْمُتَعَدِّي لِئَلَّا يلتبس بالمفعول بِهِ فَلَا يُقَال ضربتك وزيدا على أَنه مفعول مَعَه وَهل يكون مَعَ كَانَ النَّاقِصَة خلاف قَالَ قوم لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا معنى حدث تعدى بِالْوَاو وَالْجُمْهُور نعم لِأَن الصَّحِيح أَنَّهَا مُشْتَقَّة وَأَنَّهَا تدل على معنى سوء الزَّمَان وَقد قَالَ الشَّاعِر: ٨٧٢ -
(يكون وإيّاها بهَا مَثَلًا بَعْدِي )
وَقَالَ: ٨٧٣ -
(فكُونوا أَنْتُم وبَنِي أَبيكُم )
وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَنه لَا ينصبه الْعَامِل الْمَعْنَوِيّ كحرف التَّشْبِيه وَاسم الْإِشَارَة والظرف وَالْجَار وَالْمَجْرُور وَأَجَازَهُ أَبُو عَليّ وَغَيره نَحْو هَذَا لَك وأباه وَعَلِيهِ: ٨٧٤ -
(هَذَا ردَائىَ مَطْويًّا وسِرْبالاَ )
[ ٢ / ٢٣٩ ]
القَوْل الثَّانِي أَن ناصبه الْوَاو وَعَلِيهِ الْجِرْجَانِيّ لاختصاصها لما دخلت عَلَيْهِ من الِاسْم فَعمِلت فِيهِ ورد بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لاتصل الضَّمِير مَعهَا كَمَا يتَّصل بِأَن وَأَخَوَاتهَا وَبِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهَا إِذْ لَا يعْمل الْحَرْف نصبا إِلَّا وَهُوَ مشبة بِالْفِعْلِ الثَّالِث أَن نَصبه فعل مُضْمر بعد الْوَاو وَعَلِيهِ الزّجاج قَالَ فَإِذا قلت مَا صنعت وأباك فالتقدير ولابست أَبَاك وَإِنَّمَا لم يعْمل فِيهِ الْفِعْل السَّابِق لفصل الْوَاو وعورض بالْعَطْف فَإِن فصل الْوَاو فِيهِ لم يمْنَع من تسلط الْعَامِل وَبِأَن فِيمَا ذكره إِحَالَة للباب إِذْ يصير مَنْصُوبًا على أَنه مفعول بِهِ لَا مفعول مَعَه الرَّابِع أَن نَصبه بِالْخِلَافِ وَنسبه ابْن مَالك للكوفيين ورد بِأَن الْخلاف معنى من الْمعَانِي وَلم يثبت النصب بالمعاني الْمُجَرَّدَة من الْأَلْفَاظ وَبِأَنَّهُ لَو كَانَ الْخلاف ناصبا لقيل مَا قَامَ زيد لَكِن عمرا وَيقوم زيد لَا عمرا وَلم يقلهُ أحد من الْعَرَب قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا القَوْل لبَعض الْكُوفِيّين وَأَكْثَرهم والأخفش على أَن الْوَاو مهيئة لما بعْدهَا أَن ينْتَصب انتصاب الظّرْف لِأَن أصل جَاءَ الْبرد والطيالسة مَعَ الطيالسة فَلَمَّا حذفت مَعَ وَكَانَت منتصبة على الظّرْف ثمَّ أُقِيمَت الْوَاو مقَامهَا انتصب مَا بعْدهَا على انتصاب (مَعَ) الَّتِي وَقعت الْوَاو موقعها إِذْ لَا يَصح انتصاب الْحُرُوف كَمَا يرْتَفع مَا بعد إِلَّا الْوَاقِعَة موقع (غير) بارتفاع (غير) نَحْو: ﴿لَو كَانَ فِيهِمَاءَالِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] وَالْأَصْل غير الله
[ ٢ / ٢٤٠ ]
منع تقدمه على عَامله
(ص) وَلَا يقدم على عَامله وَلَا مصاحبه خلافًا لِابْنِ جني وَلَا يفصل بَين الْوَاو بظرف وَلَا يكون جملَة خلافًا لصدر الأفاضل (ش) الْمَفْعُول مَعَه لَا يتَقَدَّم على عَامله بِاتِّفَاق لِأَن أصل واوه للْعَطْف والمعطوف لَا يتَقَدَّم على عَامل الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِجْمَاعًا وَلَا يتَقَدَّم على مصاحبه أَيْضا لما ذكر وَأَجَازَهُ ابْن جني فَيُقَال استوي والخشبة المَاء لوروده فِي الْعَطف قَالَ: ٨٧٥ -
(عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللهِ السّلام )
وسماعه هُنَا قَالَ: ٨٧٦ -
(جَمَعْتَ وفُحْشًا غِيبَةً ونَمِيمَةً )
وَلِأَن بَاب المفعولية فِي التَّقْدِيم أوسع مجالا من بَاب التابعية وَإِنَّمَا الْمَانِع هُنَا من التَّقْدِيم الْحمل على ذَلِك فَإِذا جَاءَ فِي الأَصْل بقلة أَو اضطرار جَازَ هُنَا بِكَثْرَة وسعة
[ ٢ / ٢٤١ ]
وَلَا يجوز الْفَصْل بَين الْوَاو وَالْمَفْعُول مَعَه بظرف وَلَا بِغَيْرِهِ فَلَا يُقَال قَامَ زيد وَالْيَوْم عمرا وَإِن جَازَ الْفَصْل بالظرف بَين الْوَاو والعاطفة ومعطوفها لِأَن الْوَاو هُنَا نزلت منزلَة الْجَار مَعَ الْمَجْرُور فمنعوا الْفَصْل بَينهمَا وَزعم صدر الأفاضل أَن الْمَفْعُول مَعَه يكون جملَة وَخرج عَلَيْهِ قَوْلهم جَاءَ زيد وَالشَّمْس طالعة وفر من جعلهَا حَالا لِأَنَّهَا لَا تنْحَل إِلَى مُفْرد يبين هَيْئَة فَاعل وَلَا مفعول وَلَا هِيَ مُؤَكدَة وَأجِيب بِأَنَّهَا مؤولة بِالْحَال السَّبَبِيَّة أَي جَاءَ زيد طالعة الشَّمْس عِنْد مَجِيئه وَقيل تؤول بمنكر أَو نَحوه
أَقسَام الْمَفْعُول مَعَه
(ص) وَيجب الْعَطف بعد مُفْرد خلافًا للصيمري وَثَالِثهَا يجوز إِن أول بجملة وَالنّصب بعد ضمير مُتَّصِل لم يُؤَكد وَهُوَ فِي نَحْو مَالك وزيدا ب (كَانَ) مضمرة قبل الْجَار أَو بمصدر (لابس) بعد الْوَاو وَقَالَ السيرافي ب (لابس) فَإِن كَانَ مُنْفَصِلا أَو ظَاهرا رجح الْعَطف وأوجبه بَعضهم وَقد ينصب بعد (مَا) و(كَيفَ) بمقدر وَهُوَ (كَانَ) نَاقِصَة وَقيل تَامَّة وَقدر سِيبَوَيْهٍ مَعَ (مَا) (كنت) و(كَيفَ) تكون فَقَالَ ابْن ولاد مُتَعَيّن وَفرق والسيرافي لَا وَرجح النصب إِن خيف فَوَات الْمَعِيَّة فَإِن لم يصلح الْفِعْل لَهَا جَازَ إِضْمَار صَالح فَإِن لم تحسن (مَعَ) وَجب وَقيل تضمن معني يتسلط بِهِ ويستويان فِي مُضْمر أكد نَحْو رَأسه والحائط من لَك متعاطفين بإضمار الْفِعْل (ش) مسَائِل هَذَا الْبَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَطف وَالْمَفْعُول مَعَه خَمْسَة أَقسَام الأول مَا يجب فِيهِ الْعَطف وَلَا يجوز النصب على الْمَفْعُول مَعَه وَذَلِكَ شَيْئَانِ أَحدهمَا أَلا يتَقَدَّم الْوَاو إِلَّا مُفْرد نَحْو أَنْت ورأيك وكل رجل وضيعته وَالرِّجَال وأعضادها وَالنِّسَاء وأعجازها هَذَا قَول الْجُمْهُور
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وَجوز الصَّيْمَرِيّ فِيهِ النصب بِلَا تَأْوِيل وَجوز بَعضهم فِيهِ النصب على تَأْوِيل مَا قبل الْوَاو أَنه جملَة حذف ثَانِي جزأيها وَالتَّقْدِير كل رجل كَائِن وضيعته وَالثَّانِي أَن يتَقَدَّم الْوَاو جملَة غير متضمنة معنى فعل نَحْو قَوْلك أَنْت أعلم وَمَالك وَالْمعْنَى بِمَالك وَهُوَ عطف على (أَنْت) وَنسبَة الْعلم إِلَيْهِ مجَاز الثَّانِي مَا يجب فِيهِ النصب وَلَا يجوز فِيهِ الْعَطف وَذَلِكَ أَن تتقدم الْوَاو جملَة اسمية أَو فعلية متضمنة معنى الْفِعْل وَقبل الْوَاو ضمير مُتَّصِل مجرور أَو مَرْفُوع لم يُؤَكد بمنفصل نَحْو مَالك وزيدا وَمَا شَأْنك وزيدا وَمَا صنعت وأباك فَيتَعَيَّن النصب على الْمَفْعُول مَعَه وَلَا يجوز الْعَطف لامتناعه إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَالنّصب فِي الاسمية (بكان مضمرة) قبل الْجَار وَهُوَ اللَّام وشأن أَي مَا كَانَ شَأْنك وزيدا أَو بمصدر لابس منويا بعد الْوَاو أَي مَا شَأْنك وملابسة زيدا أَو ملابستك زيدا كَذَا نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ قَالَ أَبُو حَيَّان نقلا عَن شَيْخه ابْن الضائع وَهَكَذَا تَقْدِير معنى الْإِعْرَاب لِأَنَّهُ عِنْد سِيبَوَيْهٍ مفعول مَعَه وَتَقْدِير الملابسة مَفْعُولا بِهِ لَا مَفْعُولا مَعَه وَقَالَ السيرافي وَابْن خروف الْمُقدر فعل وَهُوَ (لابس) لِأَن الْمصدر لَا يعْمل مُقَدرا الثَّالِث مَا يخْتَار فِيهِ الْعَطف مَعَ جَوَاز النصب وَذَلِكَ أَن يكون الْمَجْرُور فِي الصُّورَة السَّابِقَة ظَاهرا أَو ضمير الْمَرْفُوع مُنْفَصِلا نَحْو مَا شَأْن عبد الله وَزيد وَمَا أَنْت وَزيد فَالْأَحْسَن جر زيد فِي الأول وَرَفعه فِي الثَّانِي لِإِمْكَان الْعَطف وَهُوَ الأَصْل وَيجوز فِيهِ النصب مَفْعُولا مَعَه وَمنعه بعض الْمُتَأَخِّرين كَابْن الْحَاجِب ورد بِالسَّمَاعِ قَالَ:
[ ٢ / ٢٤٣ ]
٨٧٧ -
(وَمَا أَنْتَ والسِّيْرَ فِي مَتْلَفٍ )
وَسمع مَا أَنْت وزيدا وَكَيف أَنْت وزيدا وَكَيف أَنْت وقصعة من ثريد قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَي مَا كنت وزيدا وَكَيف تكون وقصعة من ثريد لِأَن (كنت) و(تكون) يقعان هُنَا كثيرا انْتهى قَالَ الْفَارِسِي وَغَيره و(كَانَ) هَذِه المضمرة تَامَّة لِأَن النَّاقِصَة لَا تعْمل هُنَا فَكيف حَال هُنَا وَاخْتَارَهُ الشلوبين وَقَالَ أَبُو حَيَّان الصَّحِيح أَنَّهَا النَّاقِصَة وَأَنَّهَا تعْمل هُنَا فَكيف خَبَرهَا وَكَذَا (مَا) وَاخْتلف فِي تَقْدِير سِيبَوَيْهٍ مَعَ (مَا كنت) وَمَعَ (كَيفَ تكون) أذلك مَقْصُود لسيبويه أم لَا فَقَالَ السيرافي هُوَ غير مَقْصُود وَلَو عكس لأمكن ورد الْمبرد على سبيويه وَقَالَ يصلح فِي كل مِنْهُمَا الْمَاضِي والمستقبل وَتَابعه ابْن طَاهِر ورد ابْن ولاد على الْمبرد وَقَالَ إِنَّه لَا يجوز إِلَّا مَا قدره سِيبَوَيْهٍ لِأَن (مَا) دَخلهَا معنى التحقير وَالْإِنْكَار إِذْ يُقَال لمن أنكر عَلَيْهِ مُخَالطَة زيد أَو ملابسته مَا أَنْت وزيدا لَا لمن يَقع مِنْهُ ذَلِك وَلَا يُنكر إِلَّا مَا ثَبت وَاسْتقر دون مَا لم يَقع وَلَيْسَت لمُجَرّد الِاسْتِفْهَام وَأما كَيفَ فعلي بَابهَا من الِاسْتِفْهَام والمعني كَيفَ تكون إِذا وَقع كَذَا أَي على أَي حَال لكَون الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا يكون عَن الْمُسْتَقْبل
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الرَّابِع مَا يخْتَار فِيهِ النصب مَعَ جَوَاز الْعَطف وَذَلِكَ أَن يجْتَمع شُرُوط الْعَطف لَكِن يخَاف مِنْهُ فَوَات الْمَعِيَّة الْمَقْصُودَة نَحْو لَا تغتذ بالسمك وَاللَّبن وَلَا يُعْجِبك الْأكل والشبع أَي مَعَ اللَّبن وَمَعَ الشِّبَع لِأَن النصب يبين مُرَاد الْمُتَكَلّم والعطف لَا يُبينهُ وَكَذَا إِذا كَانَ فِيهِ تكلّف من جِهَة الْمَعْنى نَحْو: ٨٧٨ -
(فكونوا أنتمُ وبَنِي أَبيكُم مَكَان الكُلْيَتَيْن من الطِّحال)
فَإِن الْعَطف وَإِن حسن من حَيْثُ اللَّفْظ لكنه يُؤَدِّي إِلَى تكلّف فِي المعني إِذْ يصير التَّقْدِير كونُوا أَنْتُم وليكونوا هم وَذَلِكَ خلاف الْمَقْصُود فَإِن لم يصلح الْفِعْل للتسلط على تالي الْوَاو امْتنع الْعَطف عِنْد الْجُمْهُور وَجَاز النصب على الْمَعِيَّة وعَلى إِضْمَار الْفِعْل الصَّالح نَحْو: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ [يُونُس: ٧١] لَا يجوز أَن يَجْعَل: ﴿وشركاءكم﴾ مَعْطُوفًا لِأَن (أجمع) لَا ينصب إِلَّا الْأَمر والكيد وَنَحْوهمَا فَأَما أَن يَجْعَل مَفْعُولا مَعَه أَو مَفْعُولا ب (أَجمعُوا) مُقَدرا وَمثله: ﴿تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الْحَشْر: ٩] فالإيمان مفعول مَعَه أَو مفعول ب (اعتقدوا) مُقَدرا فَإِن لم يحسن وَالْحَالة هَذِه (مَعَ) مَوضِع (الْوَاو) تعين الْإِضْمَار وَامْتنع الْمَفْعُول مَعَه أَيْضا كَقَوْلِه: ٨٧٩ -
(وَزَجّجْن الحواجبَ والْعُيونَا )
[ ٢ / ٢٤٥ ]
لِأَن (زججن) غير صَالح للْعَمَل فِي الْعُيُون وَمَوْضِع الْوَاو غير صَالح ل (مَعَ) فَيقدر (وكحلن) وَذهب جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة والأصمعي وَأَبُو مُحَمَّد اليزيدي والمازني والمبرد إِلَى جَوَاز الْعَطف على الأول بتضمين الْعَامِل معنى يتسلط بِهِ
[ ٢ / ٢٤٦ ]
على المتعاطفين وَاخْتَارَهُ الْجرْمِي وَقَالَ يجوز فِي الْعَطف مَا لَا يجوز فِي الْإِفْرَاد نَحْو أكلت خبْزًا ولبنًا فَيضمن وزججن معنى حسن الْخَامِس مَا يجوز فِيهِ الْعَطف وَالْمَفْعُول مَعَه على السوَاء وَذَلِكَ إِذا أكد ضمير الرّفْع الْمُتَّصِل نَحْو مَا صنعت أَنْت وأباك وَنَحْو رَأسه والحائط أَي (خل) أَو (دع) وشأنك وَالْحج أَي عَلَيْك بمعني الزم وامرأ وَنَفسه أَي (دع) وَذَلِكَ مقيس فِي كل متعاطفين على إِضْمَار فعل لَا يظْهر فالمعية فِي ذَلِك والعطف جائزان وَالْفرق بَينهمَا من جِهَة المعني أَن الْمَعِيَّة يفهم مِنْهَا الْكَوْن فِي حِين وَاحِد دون الْعَطف لاحْتِمَاله مَعَ ذَلِك التَّقَدُّم والتأخر قَالَ أَبُو حَيَّان وَفِي تَمْثِيل سِيبَوَيْهٍ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَة رد على من يعْتَقد أَن الْمَفْعُول مَعَه لَا يكون إِلَّا مَعَ الْفَاعِل (ص) ويطابق الأول خبر وَحَال بعده وأوجبه ابْن كيسَان (ش) إِذا وَقع بعد الْمَفْعُول مَعَه خبر لما قبله أَو حَال طابق مَا قبله نَحْو كَانَ زيد وعمرا مُتَّفقا وَجَاء الْبرد والطيالسة شَدِيدا وَيجوز عدم الْمُطَابقَة لما قبل بِأَن تثني نَحْو كَانَ زيد وعمرا متفقين وَجَاء الْبرد والطيالسة شديدين وَمنع ذَلِك ابْن كيسَان وَأوجب الْمُطَابقَة للْأولِ قَالَ أَبُو حَيَّان وإياه نَخْتَار لِأَن بَاب الْمَفْعُول مَعَه بَاب ضيق وَأكْثر النَّحْوِيين لَا يقيسونه فَلَا يَنْبَغِي أَن نقدم على إجَازَة شَيْء من مسَائِله إِلَّا بِسَمَاع من الْعَرَب
[ ٢ / ٢٤٧ ]
الْمُسْتَثْنى
(ص) المستثني هُوَ الْمخْرج ب (إِلَّا) أَو إِحْدَى أخواتها بِشَرْط الإفادة فَإِن كَانَ بَعْضًا فمتصل وَإِلَّا فمنقطع يقدر ب (لَكِن) وَقَالَ الكوفية بسوى وَابْن يسعون (إِلَّا) فِيهِ مَعَ مَا بعْدهَا كَلَام مُسْتَأْنف وَلَا يَسْتَثْنِي بِفعل فَإِن حذف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَلهُ مَعَ (إِلَّا) مَا لَهُ مَعَ سُقُوطهَا وَلَا يكون بعد مصدر مُؤَكد قطعا وَلَا فِي غير نفي وَشبهه فِي الْأَصَح وَفِي لَازمه ك (لَوْلَا) وَلَو خلف وَجوز الزّجاج الْإِبْدَال فِي التحضيض وَقوم نصب مَا قَامَ إِلَّا زيدا وَإِن ذكر نصب ب (إِلَّا) أَو ب (مَا) قبلهَا أَو بِهِ بواسطتها أَو بِأَن مقدرَة بعْدهَا أَو بِأَن مُخَفّفَة من أَن ركبت إِلَّا مِنْهَا وَمن (لَا) أَو بِخِلَافِهِ للْأولِ أَو (بأستثني) أَقْوَال فَإِن كَانَ مُتَّصِلا مُؤَخرا منفيا أَو كمنفي اختير إتباعه بَدَلا وَقَالَ الكوفية عطفا وَلَا يشْتَرط إِفْرَاد الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَلَا عدم صلاحيته للْإِيجَاب وَلَا فِي نَصبه تَعْرِيف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَلَا يخْتَار النصب فِي متراخ وَلَا مَرْدُود بِهِ مُتَضَمّن الِاسْتِثْنَاء خلافًا لزاعميها فَإِن توَسط بَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَصفته فَكَذَلِك وَقيل النصب رَاجِح وَقيل مسَاوٍ وَقيل وَاجِب وإتباع مُنْقَطع صَحَّ إغناؤه ومتصل مُتَقَدم وَمُوجب لُغَة وَهل الْمُتَقَدّم بدل أَو مبدل أَو يُقَاس خلف
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وَلَا يتبع مجرور بزائد وَاسم لَا التبرئة على اللَّفْظ وَجوزهُ الكوفية فِي نكرَة لمجرور ب (من) والأخفش وَمَعْرِفَة وَإِن عَاد قبل صَالح للإتباع على مُبْتَدأ أَو مَنْسُوخ بِغَيْر زَالَ وأخواته ضمير خبر أَو وصف قَالَ أَبُو حَيَّان أَو حَال اتبع الْعَائِد جَوَازًا وَصَاحبه اخْتِيَارا وَكَذَا مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ (ش) عبرت بالمستثني كَابْن مَالك فِي (التسهيل) خلاف تَعْبِير النُّحَاة سِيبَوَيْهٍ فَمن بعده بِالِاسْتِثْنَاءِ لِأَن الْبَاب للمنصوبات والمستثني أَحدهَا لَا الِاسْتِثْنَاء كَمَا ترْجم فِي بَقِيَّة الْأَبْوَاب بالمفعول وَالْحَال دون المفعولية والحالية قَالَ أَبُو حَيَّان أجري ابْن مَالك الْبَاب على مَا قبله من الْمَفْعُول مَعَه فَكَمَا بوب لما بعد وَاو (مَعَ) بالمعفول مَعَه كَذَلِك بوب لما بعد (إِلَّا) وَشبههَا بالمستثنى وَحده الْمخْرج بإلا أَو إِحْدَى أخواتها تَحْقِيقا أَو تَقْديرا من مَذْكُور أَو مَتْرُوك بِشَرْط الْفَائِدَة فالمخرج شَامِل لجَمِيع المخصصات وبإلا يخرج مَا عدا الْمُسْتَثْنى مِنْهَا وتحقيقا هُوَ الْمُتَّصِل فَإِن بعض الْمخْرج مِنْهُ نَحْو قَامَ إخوانك إِلَّا زيدا وتقديرا هُوَ الْمُنْقَطع نَحْو: ﴿مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن﴾ [النِّسَاء: ١٥٧] فَإِن الظَّن وَإِن لم يدْخل فِي الْعلم تَحْقِيقا لِأَنَّهُ لَيْسَ بعضه فَهُوَ فِي تَقْدِير الدَّاخِل فِيهِ إِذْ هُوَ مستحضر بِذكرِهِ لقِيَامه مقَامه فِي كثير من الْمَوَاضِع فَهُوَ حِين اسْتثْنى مخرج مِمَّا قبله تَقْديرا وَمن هَذَا الْقَبِيل: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ [الْحجر: ٤٢] إِذا لحظ فِي الْإِضَافَة معنى الْإِخْلَاص: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم﴾ [هود: ٤٣] ﴿وَلَا تنْكِحُوا مَا نكح آباؤكم من النِّسَاء إِلَّا مَا قد سلف﴾ [النِّسَاء: ٢٢] لِأَن السَّابِق زَمَانه لَا يَصح دُخُوله وَمِثَال الْمَذْكُور مَا تقدم والمتروك مَا ضربت إِلَّا زيدا أَي أحدا وَقَوْلنَا بِشَرْط الْفَائِدَة لبَيَان أَن النكرَة لَا يسْتَثْنى مِنْهَا فِي الْمُوجب مَا لم تفد فَلَا يُقَال جَاءَ قوم إِلَّا رجلا وَلَا قَامَ رجال إِلَّا زيدا لعدم الْفَائِدَة فَإِن أَفَادَ جَازَ
[ ٢ / ٢٤٩ ]
نَحْو: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين﴾ [العنكبوت: ١٤] وَقَامَ رجال كَانُوا فِي دَارك إِلَّا رجلا والفائدة حَاصِلَة فِي النَّفْي للْعُمُوم نَحْو مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا رجلا أَو إِلَّا زيدا وَكَذَا لَا يسْتَثْنى من الْمعرفَة النكرَة الَّتِي لم تخصص نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا رجلا فَإِن تخصصت جَازَ نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا رجلا مِنْهُم ثمَّ الْمُنْقَطع يقدر عِنْد الْبَصرِيين ب (لَكِن) الْمُشَدّدَة لِأَنَّهُ فِي حكم جملَة مُنْفَصِلَة عَن الأولى فقولك مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا حمارا فِي تَقْدِير لَكِن فِيهَا حمارا على أَنه اسْتِدْرَاك مُخَالف مَا بعد (لَكِن) فِيهِ مَا قبلهَا غير أَنهم اتسعوا فأجروا (إِلَّا) مجْرى (لَكِن) وَلما كَانَت لَا يَقع بعْدهَا إِلَّا الْمُفْرد بِخِلَاف (لَكِن) فَإِنَّهُ لَا يَقع بعْدهَا إِلَّا كَلَام تَامّ لقبوه بِالِاسْتِثْنَاءِ تَشْبِيها بهَا إِذا كَانَت اسْتثِْنَاء حَقِيقَة وَتَفْرِيقًا بَينهَا وَبَين لَكِن والكوفيون يقدرونه ب (سوى) وَقَالَ قوم مِنْهُم أَبُو الْحجَّاج وَابْن يسعون إِلَّا مَعَ الِاسْم الْوَاقِع بعْدهَا فِي الْمُنْقَطع يكون كلَاما متسأنفا وَقَالَ فِي نَحْو قَوْله: ٨٨٠ -
(وَمَا بالرَّبْعِ مِنْ أَحِدٍ إلاّ الأوارِيَّ )
[ ٢ / ٢٥٠ ]
(إِلَّا) فِيهِ بِمَعْنى لَكِن والأواري اسْم لَهَا مَنْصُوب بهَا وَالْخَبَر مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ لَكِن الأواري بِالربعِ وَحذف خبر إِلَّا كَمَا حذف خبر لَكِن فِي قَوْله: ٨٨١ -
(ولكِنَّ زنْجيًّا عَظِيمَ المشَافِر )
قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يَسْتَوِي الْمُتَّصِل والمنقطع فِي الأدوات فَإِن الْأَفْعَال الَّتِي يَسْتَثْنِي بهَا لَا تقع فِي الْمُنْقَطع لَا تَقول مَا فِي الدَّار أحد خلا حمارا ثمَّ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ تَارَة يكون محذوفا وَتارَة يكون مَذْكُورا فَالْأول يجْرِي على حسب مَا يَقْتَضِيهِ الْعَامِل قبله من رفع أَو نصب أَو جر بحرفه لتفريغه لَهُ وَوُجُود (إِلَّا) كسقوطها نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيد وَمَا ضربت إِلَّا زيدا وَمَا مَرَرْت إِلَّا بزيد ﴿وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول﴾ [آل عمرَان: ١٤٤] وَمَا فِي الدَّار إِلَّا عَمْرو وَلَا يكون ذَلِك عِنْد أَكثر النُّحَاة إِلَّا فِي غير الْمُوجب وَهُوَ النَّفْي كَمَا مثل وَالنَّهْي والاستفهام نَحْو: ﴿وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق﴾ [النِّسَاء: ١٧١] ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ [الْبَقَرَة: ٨٣] ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الْأَنْعَام: ٤٧] وَجوز بَعضهم وُقُوعه فِي الْمُوجب أَيْضا نَحْو قَامَ إِلَّا زيد وَضربت إِلَّا زيدا ومررت إِلَّا بزيد وَالْجُمْهُور على مَنعه لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ الْكَذِب إِذْ تَقْدِيره ثُبُوت الْقيام وَالضَّرْب والمرور بِجَمِيعِ النَّاس إِلَّا زيدا وَهُوَ غير جَائِز بِخِلَاف النَّفْي فَإِنَّهُ جَائِز وَلَو كَانَ الْمُوجب لَازِما لَهُ نفي ك (لَو) و(لَوْلَا) فَذهب الْمبرد إِلَى جَوَاز التفريغ نَحْو لَوْلَا الْقَوْم إِلَّا زيدا لأكرمتك وَلَو كَانَ مَعنا إِلَّا زيد لأكرمتك وأباه غَيره لِأَن التفريغ يدْخل فِي الْجُمْلَة الثَّابِتَة وَأما الْجَواب الَّذِي هُوَ منفي فخارج عَمَّا دخلت فِيهِ إِلَّا وَأَجَازَ الزّجاج الْإِبْدَال فِي التحضيض إِجْرَاء لَهُ مجْرى النَّفْي نَحْو: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يُونُس: ٩٨]
[ ٢ / ٢٥١ ]
والتفريغ يكون فِي كل المعمولات من فَاعل ومفعول بِهِ وَغَيره إِلَّا الْمصدر الْمُؤَكّد فَإِنَّهُ لَا يكون فِيهِ وَلذَلِك أولُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن نظن إِلَّا ظنا﴾ [الجاثية: ٣٢] على حذف الْوَصْف أَي ظنا ضَعِيفا وَأَجَازَ الْكسَائي فِي نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيد مَعَ الرّفْع على الفاعلية النصب على الِاسْتِثْنَاء قَالَ ابو حَيَّان وَهُوَ مَبْنِيّ على مَا أجَازه من حذف الْفَاعِل وَجوز أَيْضا بِنَاء عَلَيْهِ الرّفْع على الْبَدَل من الْفَاعِل الْمَحْذُوف وَوَافَقَ الْكسَائي على إجَازَة النصب طَائِفَة وَاسْتَدَلُّوا بقوله: ٨٨٢ -
(لم يبْق إِلَّا المَجْدَ والقَصائِدَا غَيْرَكَ يَا ابْن الأكرمين وَالِدَا)
يرْوى بِنصب (الْمجد) و(غير) أَي لم يبْق أحد غَيْرك وَأجِيب ب أَن (غير) فَاعل مَرْفُوع والفتحة بِنَاء لِإِضَافَتِهِ إِلَى مَبْنِيّ وَالثَّانِي وَهُوَ الْمُسْتَثْنى من مَذْكُور ينصب على التَّفْصِيل الْآتِي وَفِي ناصبه أَقْوَال أَحدهَا أَنه (إِلَّا) وَصَححهُ ابْن مَالك وَعَزاهُ لسيبويه والمبرد وَاسْتدلَّ بِأَنَّهَا مُخْتَصَّة بِدُخُولِهَا على الِاسْم وَلَيْسَت كجزء مِنْهُ فَعمِلت فِيهِ ك (إِن) و(لَا) التبرئة الثَّانِي أَنه بِمَا قبل (إِلَّا) من فعل وَنَحْوه من غير أَن يعدى إِلَيْهِ بِوَاسِطَة إِلَّا وعزي لِابْنِ خروف لابتصاب (غير) بِهِ بِلَا وَاسِطَة إِذا وَقعت موقع إِلَّا الثَّالِث أَنه بِمَا قبل (إِلَّا) معدى إِلَيْهِ بواسطتها وَعَلِيهِ السيرافي وَابْن الباذش والفارسي وَابْن بابشاذ والرندي وَعَزاهُ الشلوبين للمحققين قِيَاسا على الْمَفْعُول مَعَه فَإِن ناصبه الْفِعْل بِوَاسِطَة الْوَاو وَنسبه ابْن عُصْفُور لسيبويه وَاخْتَارَهُ ابْن الضائع وَفرقُوا بَينه وَبَين (غير) بِأَن مَا بعد (إِلَّا) مشبه بالظرف الْمُخْتَص الَّذِي لَا يصل فِيهِ الْفِعْل إِلَّا بِوَاسِطَة حرف الْجَرّ و(غير)
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لإبهامها كالظرف الْمُبْهم يصل إِلَيْهِ الْفِعْل بِنَفسِهِ وقدح فِيهِ بِأَنَّهُ قد لَا يكون قبل إِلَّا فعل نَحْو الْقَوْم إخْوَتك إِلَّا زيدا الرَّابِع أَنه ب (أَن) مقدرَة بعد (إِلَّا) وَعَلِيهِ الْكسَائي فِيمَا نَقله السيرافي قَالَ التَّقْدِير إِلَّا أَن زيدا لم يقم الْخَامِس أَنه ب (إِن) مُخَفّفَة ركبت (إِلَّا) مِنْهَا وَمن (لَا) وَعَلِيهِ الْفراء قَالَ وَلِهَذَا رفع من رفع تَغْلِيبًا لحكم لَا) وَمن نصب غلب حكم (إِن) السَّادِس أَنه انتصب لمُخَالفَة الأول لِأَن الْمُسْتَثْنى مُوجب لَهُ الْقيام بعد نَفْيه عَن الأول أَو عَكسه وَعَلِيهِ الْكسَائي فِيمَا نَقله ابْن عُصْفُور السَّابِع أَنه ب (أستنثى) مضمرا وَعَلِيهِ الْمبرد والزجاج فِيمَا نَقله السيرافي وَلم يتَرَجَّح عِنْدِي قَول مِنْهَا فَلِذَا أرْسلت الْخلاف وأقواها الثَّلَاثَة الأول والأخير وَسَوَاء فِي نصب المستنثنى من الْمَذْكُور الْمُتَّصِل والمنقطع الْمُوجب وَغَيره نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا وَجَاء الْقَوْم إِلَّا حمارا وَمَا قَامَ أحد إِلَّا زيدا وَمَا فِي الدَّار أحد إِلَّا حمارا لَكِن يخْتَار الإتباع فِي الْمُتَّصِل الْمُؤخر الْمَنْفِيّ وَشبهه نَحْو مَا قَامَ أحد إِلَّا زيد وَمَا ضربت أحدا إِلَّا زيدا وَمَا مَرَرْت بِأحد إِلَّا زيد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله﴾ [آل عمرَان: ١٣٥] ﴿وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ [الْحجر: ٥٦] ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ [النِّسَاء: ٦٦] وَهُوَ بدل عِنْد الْبَصرِيين بدل بعض من كل لِأَنَّهُ على نِيَّة تكْرَار الْعَامِل وَعطف عِنْد الْكُوفِيّين و(إِلَّا) عِنْدهم حرف عطف لِأَنَّهُ مُخَالف للْأولِ والمخالفة لَا تكون فِي الْبَدَل وَتَكون فِي الْعَطف ب (بل) و(لَا) و(لَكِن) وَأجِيب بِأَن الْمُخَالفَة وَاقعَة فِي بدل الْبَعْض لِأَن الثَّانِي فِيهِ مُخَالف للْأولِ فِي الْمَعْنى وَقد قَالُوا مَرَرْت بِرَجُل لَا زيد وَلَا عَمْرو وَهُوَ بدل وَلَا عطف لِأَن من شَرط (لَا) العاطفة أَلا تكَرر وَقَالَ ابْن الضائع لَو قيل إِن الْبَدَل فِي الِاسْتِثْنَاء قسم على حِدته لَيْسَ من تِلْكَ الأبدال الَّتِي عينت فِي بَاب الْبَدَل لَكَانَ وَجها وَهُوَ الْحق وَحَقِيقَة الْبَدَل هُنَا أَنه يَقع موقع الأول ويبدل مَكَانَهُ انْتهى
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَزعم بعض النَّحْوِيين أَن الإتباع يخْتَص بِمَا يكون بِهِ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مُفردا وَقد رد عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ بقوله تَعَالَى ﴿وَلم يكن لَهُم شُهَدَاء إِلَّا أنفسهم﴾ [النُّور: ٦] (فشهداء) جمع وَقد أبدل مِنْهُ وَشرط بعض القدماء للإتباع عدم صَلَاحِية الْمُسْتَثْنى مِنْهُ للْإِيجَاب كَأحد وَنَحْوه ورد بِالسَّمَاعِ قَالَ تَعَالَى ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيل مِنْهُم﴾ [النِّسَاء: ٦٦] وَشرط الْفراء لجَوَاز النصب فِيمَا اختير فِيهِ الإتباع أَن يكون الْمُسْتَثْنى مِنْهُ معرفَة ورد بِالسَّمَاعِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١] فِيمَن نصب وَحكى سِيبَوَيْهٍ مَا مَرَرْت بِأحد إِلَّا زيدا وَمَا أَتَانِي أحد إِلَّا زيدا وَاخْتَارَ ابْن مَالك النصب فِي المتراخي نَحْو مَا ثَبت أحد فِي الْحَرْب ثباتا نفع النَّاس إِلَى زيدا وَلَا تنزل عَليّ أحد من بني تَمِيم إِن وافينهم إِلَّا قيسا قَالَ لِأَنَّهُ قد ضعف التشاكل بِالْبَدَلِ لطول الْفَصْل بَين الْبَدَل والمبدل مِنْهُ قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا وَالَّذِي ذكره لم يذكرهُ أَصْحَابنَا وَاخْتَارَ ابْن مَالك أَيْضا النصب فيمارد بِهِ كَلَام تضمني الِاسْتِثْنَاء كَقَوْل الْقَائِل قَامُوا إِلَّا زيدا وَأَنت تعلم أَن الْأَمر بِخِلَافِهِ فَتَقول مَا قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا فتنصب وَلَا ترفع لِأَنَّهُ غير مُسْتَقل وَالْبدل فِي حكم الِاسْتِقْلَال قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا أَيْضا لم يذكرهُ أَصْحَابنَا إِلَّا أَن ابْن عُصْفُور حكى نَحوه عَن ابْن السراج ورده وَإِذا أتبع الْمَجْرُور ب (من) أَو الْبَاء الزائدتين أَو اسْم (لَا) الجنسية تعين اعْتِبَار الْمحل نَحْو مَا فِي الدَّار من أحد إِلَّا زيد وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَلَيْسَ زيد بِشَيْء إِلَّا شَيْئا لَا يعبأ بِهِ وَلَا إِلَه إِلَّا الله
[ ٢ / ٢٥٤ ]
وَإِنَّمَا لم يجز الإتباع على اللَّفْظ لِأَنَّهَا لَا تعْمل فِي الْمعرفَة سوي الْبَاء وَلَا فِي الْمُوجب وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ فِي مجرور (من) إِذا كَانَ الْمُسْتَثْنى نكرَة وَأَجَازَ الْأَخْفَش وَلَو كَانَ معرفَة بِنَاء على رَأْيه من جَوَاز زِيَادَة (من) فِي الْمعرفَة والموجب وَأنْشد عَلَيْهِ قَوْله: ٨٨٣ -
(وَمَا بالرّبْع مِن أحد إلاّ الأواريِّ )
بالخفض وَعلم من الْقُيُود أَن الْمُتَّصِل والمنقطع الْمُقدم والمؤخر الْمُوجب لَا يخْتَار فِيهِ الإتباع بل يجب النصب فِي الثَّلَاثَة فِي اللُّغَة الشهيرة نَحْو ﴿مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن﴾ [النِّسَاء: ١٥٧] ٨٨٤ -
(وَمَا لِيَ إلاّ آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ )
[ ٢ / ٢٥٥ ]
﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٩] وَفِي لُغَة تَمِيم يتبع الْمُنْقَطع بِشَرْط صِحَة إغنائه عَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ نَحْو مَا فِي الدَّار أحد إِلَّا زيد قَالَ: ٨٨٥ -
(وبلدة لَيْسَ بهَا أَنيسُ إلاّ اليعافيرُ وإلاّ العيسُ)
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وَقد شبه سِيبَوَيْهٍ نصب الْمُقدم بنعت النكرَة إِذا تقدم عَلَيْهَا فَإِنَّهُ ينْتَصب على الْحَال بعد إتباعه فَإِن لم يَصح إغناؤه نَحْو مَا زَاد إِلَّا مَا نقص وَمَا نفع إِلَّا مَا ضرّ تعين نَصبه عِنْد جَمِيع الْعَرَب وَكَذَا إِن تقدم نَحْو مَا فِي الدَّار إِلَّا حمارا أحد وَفِي لُغَة يتبع الْمُقدم حكى سِيبَوَيْهٍ (مَا لي إِلَّا أَبوك أحد) قَالَ سِيبَوَيْهٍ فيجعلون (أحد) بَدَلا وَأَبُوك مبدلا مِنْهُ وَوَجهه الأبذي بِأَن الْبَدَل لَا يُمكن تَقْدِيمه وَقيل هُوَ بدل وَهُوَ فِي نِيَّة التَّأْخِير وَقَالَ ابْن الصَّائِغ (أحد بدل من (إِلَّا) مَعَ الِاسْم مجموعين وَهُوَ شَبيه بِبَدَل الشَّيْء من الشَّيْء لِأَن (مَا قَامَ إِلَّا أَبوك) فِي قُوَّة مَا قَامَ غير أَبِيك أحد فَيصح إِطْلَاقه عَلَيْهِ)
[ ٢ / ٢٥٧ ]
قَالَ ابْن عُصْفُور وَلَا يُقَاس على هَذِه اللُّغَة وَقد قاسه الْكُوفِيُّونَ والبغداديون وَابْن مَالك وَمن الْوَارِد مِنْهُ قَوْله: ٨٨٦ -
(إذَا لَمْ يَكُنْ إلاّ النّبيُّون شافِعُ )
وَقَوله: ٨٨٧ -
(فَلم يَبْقَ إلاَّ واحدٌ منهُمُ شفْرُ )
أما الْمُتَوَسّط بَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَصفته نَحْو مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا زيدا خير مِنْك وَمَا قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا الْعُقَلَاء وَمَا مَرَرْت بِأحد إِلَّا زيد خير مِنْك فَيجوز فِيهِ الإتباع بَدَلا وَالنّصب على الِاسْتِثْنَاء كالمتأخر والإتباع فِيهِ هُوَ الْمُخْتَار أَيْضا مثله للمشاكلة هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَاخْتلف النَّقْل عَن الْمَازِني فَالْمَشْهُور عَنهُ مُوَافقَة سِيبَوَيْهٍ وَنقل ابْن عُصْفُور عَنهُ أَنه يخْتَار النصب وَلَا يُوجِبهُ لِأَن الْمُبدل مِنْهُ منوي الطرح فَلَا يَنْبَغِي أَن يُوصف بعد ذَلِك وَنقل عَنهُ أَيْضا أَنه يُوجب النصب وَيمْنَع الْإِبْدَال فَحصل عَنهُ ثَلَاثَة أَقْوَال قَالَ أَبُو حَيَّان وَالنّصب حِينَئِذٍ أَجود من النصب مُتَأَخِّرًا وَنقل ابْن مَالك فِي (شرح الكافية) عَن الْمبرد اخْتِيَار النصب ثمَّ قَالَ وَعِنْدِي أَن النصب وَالْبدل مستويان لِأَن لكل وَاحِد مِنْهُمَا مرجحا فتكافئا وَفِي لُغَة يتبع الْمُؤخر الْمُوجب وَخرج عَلَيْهَا قِرَاءَة ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيل﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٩] فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيل
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَإِذا عَاد على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ الْعَامِل فِيهِ الِابْتِدَاء أَو أحد نواسخه ضمير قبل الْمُسْتَثْنى الصَّالح للإتباع أتبع الضَّمِير الْعَائِد جَوَازًا وَصَاحبه اخْتِيَار نَحْو مَا أحد يَقُول ذَلِك إِلَّا زيد وَمَا كَانَ أحد يجترئ عَلَيْك إِلَّا زيد وَمَا حسبت أحدا يَقُول ذَاك إِلَّا زيد فَيجوز فِي هَذِه الْأَمْثِلَة أَن يَجْعَل (زيد) تَابعا للمبتدأ أَو لاسم (كَانَ) أَو للْمَفْعُول الأول فَيكون بَدَلا مِنْهُ وَهُوَ الْمُخْتَار لِأَن المسوغ للإتباع هُوَ النَّفْي وَهُوَ أقرب إِلَى الظَّاهِر مِنْهُ إِلَى الضَّمِير وَيجوز أَن يَجْعَل تَابعا للمضمر فَيكون بَدَلا مِنْهُ لِأَن النَّفْي مُتَوَجّه عَلَيْهِ من جِهَة الْمَعْنى وَسَوَاء كَانَ الْعَائِد من الْخَبَر كَمَا تقدم أَو من الْوَصْف نَحْو مَا فيهم أحد اتَّخذت عِنْده يدا إِلَّا زيد وَمَا كَانَ فيهم أحد يَقُول ذَاك إِلَّا زيد قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْقِيَاس يَقْتَضِي إِجْرَاء الْحَال مجْرى الصّفة فِي ذَلِك نَحْو مَا إخْوَتك فِي الْبَيْت عاتبين عَلَيْك إِلَّا زيد فَيجوز إتباع زيد لإخوتك أَو للمضمر المستكن فِي (عاتبين) لِأَن الْحَال يتَوَجَّه عَلَيْهَا النَّفْي فِي الْمَعْنى وَسَوَاء فِي الْمَسْأَلَة الْمُتَّصِل أَو الْمُنْقَطع نَحْو مَا أحد يُقيم بدارهم إِلَّا الْوَحْش قَالَ: ٨٨٨ -
(فِي لَيْلَة لَا نَرَى بهَا أحَدًا يَحكى علينا إلاَّ كواكُبها)
فكواكبها بِالرَّفْع بدل من ضمير (يَحْكِي) وَهُوَ مُنْقَطع إِلَّا أَن أحدا وضميره خَاص بالعاقل فَلَو كَانَ الْعَائِد بعد الْمُسْتَثْنى نَحْو مَا أحد زيدا يَقُول ذَاك أَو الْمُسْتَثْنى غير صَالح للإتباع نَحْو مَا أحد ينفع إِلَّا الضّر وَلَا مَال يزِيد إِلَّا النَّقْص تعين النصب وَامْتنع الإتباع الْبَتَّةَ
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وَلَو كَانَ الْعَامِل غير مَا ذكر نَحْو مَا شكر رجل أكرمته إِلَّا زيد وَمَا مَرَرْت بِأحد أعرفهُ إِلَّا عَمْرو تعين إتباع الظَّاهِر وَامْتنع إتباع الضَّمِير إِذْ لَا تَأْثِير للنَّفْي فِي أكرمت وَأعرف وَكَذَا مَا زَالَ وَإِخْوَته من النواسخ نَحْو مَا زَالَ وَافد من بني تَمِيم يسترفدنا إِلَّا زيد لَا يجوز فِيهِ إِلَّا إتباع الظَّاهِر لِأَنَّهُ نفي مَعْنَاهُ الْإِيجَاب قَالَ أَبُو حَيَّان وَهل تخْتَص الْمَسْأَلَة بِالِاسْتِثْنَاءِ بإلا لم يمثل النحويون إِلَّا بهَا وَالظَّاهِر أَن (غير) كَذَلِك نَحْو مَا ظَنَنْت أحدا يَقُول ذَاك غير زيد بِالنّصب تبعا لأحد وَالرَّفْع تبعا للضمير قَالَ ابْن مَالك وَفِي حكم الظَّاهِر والمضمر من إتباع أَيهمَا شِئْت الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ نَحْو مَا جَاءَ أَخُو أحد إِلَّا زيد إِن شِئْت أتبعت الْمُضَاف فَترفع أَو الْمُضَاف إِلَيْهِ فتجر
منع تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى أول الْكَلَام
(ص) وَلَا يقدم أول الْكَلَام وَجوزهُ الكوفية والزجاج وَلَا بعد حرف نفي خلافًا للأبذي وَقدمه الْكسَائي عَلَيْهِ وَالْفراء إِلَّا مَعَ الْمَرْفُوع وَهِشَام مَعَ الدَّائِم وَفِي تَقْدِيمه على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وعامله متوسط كَلَام ثَالِثهَا يجوز إِن كَانَ الْعَامِل متصرفا (ش) الْجُمْهُور على منع تَقْدِيم المستثني أَو الْكَلَام مُوجبا كَانَ أَو منفيا فَلَا يُقَال إِلَّا زيدا قَامَ الْقَوْم وَلَا إِلَّا زيدا مَا أكل أحد طَعَاما وَلَا مَا إِلَّا زيدا قَامَ الْقَوْم لِأَنَّهُ لم يسمع من كَلَامهم وَلِأَن إِلَّا مشبهة ب (لَا) العاطفة وواو (مَعَ) وهما لَا يتقدمان وَجوز الكوفية والزجاج تَقْدِيمه وَاسْتَدَلُّوا بقوله: ٨٨٩ -
(خلا اللهَ لَا أَرْجُو سِوَاك وإنّما أَعُدُّ عِيالي شُعْبةً من عِيالِكَا)
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وَقَوله: ٨٩٠ -
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا طُوريُّ وَلَا خلا الجنَّ بهَا إنْسِيُّ)
ورد فِي (خلا) وَهِي فرع إِلَّا فَالْأَصْل أولى بذلك وَجوزهُ الأبذي فِي الْمَنْفِيّ بعد سبق حرف النَّفْي كَقَوْلِه وَلَا خلا الْجِنّ قَالَ لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم على الْكَلَام بجملته لسبق (لَا) النافية وَجوز الْكسَائي تَقْدِيمه على حرف النَّفْي أَيْضا وَأَجَازَهُ الْفراء إِلَّا مَعَ الْمَرْفُوع وَمنعه هِشَام إِلَّا مَعَ الدَّائِم أما تَقْدِيمه على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَعلي الْعَامِل فِيهِ إِذا لم يتَقَدَّم وتوسط بَين جزأي كَلَام فَفِيهِ مَذَاهِب أَحدهَا الْمَنْع مُطلقًا سَوَاء كَانَ الْعَامِل متصرفا أم غير متصرف فَلَا يُقَال الْقَوْم إِلَّا زيدا قَامُوا وَلَا الْقَوْم إِلَّا زيدا قائمون وَلَا الْقَوْم إِلَّا زيدا فِي الدَّار تَشْبِيها بالمفعول مَعَه قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا مَذْهَب من يرى أَن الْعَامِل فِي الْمُسْتَثْنى مَا تقدم من فعل وَشبهه وَالثَّانِي الْجَوَاز الْمُطلق وَصَححهُ بعض المغاربة لوروده قَالَ: ٨٩١ -
(أَلا كل شَيْء مَا خلا اللهَ باطِلُ )
فالاستثناء من ضمير (بَاطِل) و(بَاطِل) عَامل فِي ذَلِك الضَّمِير وَقَالَ: ٨٩٢ -
(كلُّ دِين يَوْمَ الْقِيَامَة عِنْد الله إِلَّا دينَ الحَنِيفَةِ بُورُ)
[ ٢ / ٢٦١ ]
وَالثَّالِث الْجَوَاز مَعَ الْمُتَصَرف وَالْمَنْع فِي غَيره وَعَلِيهِ الْأَخْفَش وَصَححهُ أَبُو حَيَّان لِأَن السماع إِنَّمَا ورد بالتقديم فِي الْمُتَصَرف فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَلَا يقدم على غَيره إِلَّا بثبت من الْعَرَب
عدم جَوَاز اسْتثِْنَاء شَيْئَيْنِ بأداة وَاحِدَة
(ص) مَسْأَلَة لَا يسْتَثْنى بأداة شَيْئَانِ دون عطف على الْأَصَح وَقيل قطعا وَالْخلاف فِي موهمه فَقيل لحن وَقيل صَحِيح على أَنَّهُمَا بدل ومعمول مُضْمر وَقيل بدلان (ش) لَا يَسْتَثْنِي بأداة وَاحِدَة دون عطف شَيْئَانِ فَلَا يُقَال أَعْطَيْت النَّاس إِلَّا عمرا الدَّنَانِير وَلَا مَا أَعْطَيْت أحدا درهما إِلَّا عمرا دانقا تَشْبِيها بواو (مَعَ) وحرف الْجَرّ فَإِنَّهُمَا لَا يصلان إِلَّا إِلَى مَعْمُول وَاحِد وَأَجَازَهُ قوم تَشْبِيها بواو الْعَطف حَيْثُ يُقَال ضرب زيد عمرا وَبشر خَالِدا وَقيل لم يقل أحد بِجَوَازِهِ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي صِحَة التَّرْكِيب فقوم قَالُوا بفساده وَإنَّهُ لحن وَقوم قَالُوا إِنَّه صَحِيح لَا على الِاسْتِثْنَاء بل على أَن الأول بدل وَالثَّانِي مَنْصُوب بِفعل مُضْمر من لفظ الْفِعْل الظَّاهِر وَالتَّقْدِير إِلَّا عمرا أَعْطيته الدَّنَانِير وأعطيته دانقا وَأخذ درهما وَضرب بَعْضًا وَقيل كِلَاهُمَا بدلان من الاسمين السَّابِقين قبل إِلَّا فيبدل من الْمَرْفُوع مَرْفُوع وَمن الْمَنْصُوب مَنْصُوب وَعَلِيهِ ابْن السراج وَقد ورد إِبْدَال اسْمَيْنِ فِي الْمُوجب فِي قَوْله: ٨٩٣ -
(فَلَمَّا قَرَعْنا النّبْعَ بالنَّبْع بَعْضَهُ ببَعْض . .)
أما تعدد المستثني مَعَ الْعَطف نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا وعمرا فَجَائِز اتِّفَاقًا
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الْمُسْتَثْنى الْوَارِد بعد جمل متعاطفة
(ص) والوارد بعد جمل متعاطفة للْكُلّ وَلَو اخْتلف الْعَامِل فِي الْأَصَح وَقيل إِن سبق لغَرَض وَقيل إِن عطف بِالْوَاو وَبعد مفردين يَصح لكل للثَّانِي فَإِن تقدم فللأول فَإِن كَانَ أَحدهمَا مَرْفُوعا وَلَو معنى فَلهُ مُطلقًا (ش) قَالَ أَبُو حَيَّان هَذِه الْمَسْأَلَة قل من تعرض لَهَا من النُّحَاة وَلم أر من تكلم عَلَيْهَا مِنْهُم سوى ابْن مَالك فِي (التسهيل) وإليها نَادَى فِي (شرح اللمع) قلت وَالْأَمر كَمَا قَالَ فَإِن المسالة بِعلم الْأُصُول أليق وَقد ذكرهَا أَبُو حَيَّان نَفسه فِي (الارتشاف) فَأَحْبَبْت إِلَّا أخلي كتابي مِنْهَا فَنَقُول إِذا ورد الِاسْتِثْنَاء بعد جمل عطف بَعْضهَا على بعض فَهَل يعود للْكُلّ فِيهِ مَذَاهِب أَحدهَا وَهُوَ الْأَصَح نعم وَعَلِيهِ ابْن مَالك إِلَّا أَن يقوم دَلِيل على إِرَادَة الْبَعْض قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾ [النُّور: ٦] الْآيَة فَقَوله ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ عَائِد إِلَى فسقهم وَعدم قبُول شَهَادَتهم مَعًا إِلَّا فِي الْجلد لما قَامَ عَلَيْهِ من الدَّلِيل وَسَوَاء اخْتلف الْعَامِل فِي الْجمل أم لَا بِنَاء على أَن الْعَامِل فِي الْمُسْتَثْنى إِنَّمَا هُوَ إِلَّا لَا الْأَفْعَال السَّابِقَة الثَّانِي أَنه يعود للْكُلّ إِن سيق الْكل لغَرَض وَاحِد نَحْو حبست دَاري على أعمامي ووقفت بستاني على أخوالي وسلبت سقايتي لجيراني إِلَّا أَن يسافروا وَإِلَّا فللأخيرة فَقَط نَحْو (أكْرم الْعلمَاء وأحبس دِيَارك على أقاربك وَأعْتق عبيدك إِلَّا الفسقة مِنْهُم) الثَّالِث إِن عطف بِالْوَاو عَاد للْكُلّ أَو بِالْفَاءِ أَو ثمَّ عَاد للأخيرة فَقَط وَعَلِيهِ ابْن الْحَاجِب الرَّابِع أَنه خَاص بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان الْخَامِس إِن اتَّحد الْعَامِل فللكل أَو اخْتلف ف للأخيرة خَاصَّة إِذْ لَا يُمكن عمل العوامل الْمُخْتَلفَة فِي مستثني وَاحِد وَعَلِيهِ البهاباذي بِنَاء على أَن عَامل الْمُسْتَثْنى الْأَفْعَال السَّابِقَة دون إِلَّا وَأما الْوَاو بعد مفردين وَهُوَ بِحَيْثُ يَصح لكل مِنْهُمَا فَإِنَّهُ للثَّانِي فَقَط كَذَا جزم بِهِ ابْن مَالك نَحْو غلب مائَة مُؤمن مِائَتي كَافِر إِلَّا اثْنَيْنِ
[ ٢ / ٢٦٣ ]
فَإِن تقدم الِاسْتِثْنَاء على أَحدهمَا تعين للْأولِ نَحْو ﴿قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا نصفه﴾ [المزمل: ٢ - ٣] ف (إِلَّا قَلِيلا) صَالح لكَونه من (اللَّيْل) وَمن (نصفه) لكنه تقدم على (نصفه) فاختص بِاللَّيْلِ لِأَن الأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء التَّأْخِير وَكَذَا لَو تقدم عَلَيْهِمَا مَعًا فَإِنَّهُ يكون للْأولِ نَحْو استبدلت إِلَّا زيدا من أَصْحَابنَا بأصحابكم فإلا زيدا مستثني من قَوْله (من أَصْحَابنَا) لَا من قَوْله (بأصحابكم) هَذَا إِن لم يكن أَحدهمَا مَرْفُوعا لفظا أَو معني فَإِن كَانَ اخْتصَّ بِهِ مُطلقًا أَولا كَانَ أَو ثَانِيًا نَحْو ضرب إِلَّا زيدا أَصْحَابنَا أصحابكم وملكت إِلَّا الأصاغر عبيدنا أبناءنا وَضرب إِلَّا زيدا أصحابكم أَصْحَابنَا وملكت إِلَّا الأصاغر أبناءنا عبيدنا فالأبناء فِي المثالين فَاعل من حَيْثُ الْمَعْنى لأَنهم المالكون فَإِن لم يَصح كَونه لكل مِنْهُمَا بل لأَحَدهمَا فَقَط تعين لَهُ نَحْو طلق نِسَاءَهُمْ الزيدون إِلَّا الحسينات وأصبى الزيدين نِسَاؤُهُم إِلَّا ذَوي النهى واستبدلت إِلَّا زيدا من إمائنا بعبيدنا
تكْرَار إِلَّا
(ص) وتكرر إِلَّا توكيدا فيبدل غير الأول مِنْهُ إِن كَانَ مغنيا عَنهُ وَإِلَّا عطف بِالْوَاو وَجوز الصَّيْمَرِيّ طرحها وَلغيره فَإِن أمكن اسْتثِْنَاء بعض من بعض فَكل لما يَلِيهِ وَقيل للْأولِ وَقيل الثَّانِي مُنْقَطع أَولا فَإِن فرغ الْعَامِل شغل بأحدها وَنصب غَيره وَإِلَّا نصب الْكل إِن تقدّمت اسْتثِْنَاء وَقَالَ ابْن السَّيِّد يجوز حَالا واستثناء الأول وحالية الْبَاقِي وَعَكسه وَغير وَاحِد إِن تَأَخَّرت وَله مَا لَهُ مُفردا وَجوز الأبذي نصب الْكل اسْتثِْنَاء ورفعها وأحدها نعتا أَو بَدَلا أَيْضا فِي النَّفْي وَحكمهَا معنى كَالْأولِ
[ ٢ / ٢٦٤ ]
(ش) إِذا كررت (إِلَّا) فلهَا حالان الأول أَن تكون للتَّأْكِيد فتعجل كَأَنَّهَا زَائِدَة لم تذكر وَيكون مَا بعد الثَّانِيَة بَدَلا مِمَّا بعد الأولى نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا مُحَمَّدًا إِلَّا أَبَا بكر وَهِي كنيته وَشرط هَذَا التّكْرَار أَن يكون الثَّانِي يُغني عَن الأول كَمَا أَن أَبَا بكر يُغني عَن ذكر مُحَمَّد فَإِن لم يكن يُغني عَنهُ عطف بِالْوَاو لمباينته للْأولِ نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا وَإِلَّا جعفرا وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله: ٨٩٤ -
(مَا لَكَ مِنْ شَيْخك إلاّ عَمَلُهْ إلاّ رَسِيمُهُ وإلاّ رَمَلُهْ)
والرسيم والرمل ضَرْبَان من الْعَدو والرمل لَا يُغني عَن قَوْله إِلَّا رسيمة فعطف بِالْوَاو وهما يغنيان عَن قَوْله إِلَّا عمله فَلم يعْطف إِلَّا رسيمه الْحَال الثَّانِي أَن تكَرر لغير تَأْكِيد فَإِن أمكن اسْتثِْنَاء بَعْضهَا من بعض فَفِيهِ مَذَاهِب أَحدهَا وَعَلِيهِ البصريون وَالْكسَائِيّ أَن الْأَخير يَسْتَثْنِي من الَّذِي قبله وَالَّذِي قبله بمستثني من الَّذِي قبله إِلَى أَن يَنْتَهِي إِلَى الأول نَحْو لَهُ على عشرَة إِلَّا تِسْعَة ثَمَانِيَة إِلَّا سَبْعَة فإلا سَبْعَة مُسْتَثْنى من ثَمَانِيَة يبْقى وَاحِد يَسْتَثْنِي من تِسْعَة وَهِي من عشرَة فيضم الأشفاع دَاخِلَة والأوتار خَارِجَة فالمقر بِهِ اثْنَان الثَّانِي أَنَّهَا كلهَا رَاجِعَة إِلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ الأول فَإِذا قَالَ لَهُ على مائَة إِلَّا عشرَة إِلَّا اثْنَيْنِ فالمقر بِهِ ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ وعَلى الأول الْمقر بِهِ اثْنَان وَتسْعُونَ الثَّالِث أَن الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي مُنْقَطع وَالْمقر بِهِ على هَذَا اثْنَان وَتسْعُونَ أَيْضا وَعَلِيهِ الْفراء وَالْمعْنَى عَلَيْهِ لَهُ عِنْدِي مائَة إِلَّا عشرَة سوى الِاثْنَيْنِ الَّتِي لَهُ عِنْدِي وَإِن لم يكن اسْتثِْنَاء بَعْضهَا من بعض فَإِن كَانَ الْعَامِل مفرغا شغل بِوَاحِد مِنْهَا أيا كَانَ مُتَقَدما أَو مُتَأَخِّرًا أَو متوسطا وَنصب مَا سواهُ نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيد إِلَّا عمرا إِلَّا بكرا وَلَك أَن ترفع بدل زيد عمرا أَو بكرا لَكِن الأول أولى وَإِن لم يكن مفرعا فَإِن تقدّمت نصبت الْجَمِيع على الِاسْتِثْنَاء نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيدا إِلَّا عمرا إِلَّا خَالِدا أحد
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَزعم ابْن السَّيِّد أَنه يجوز فِي ذَلِك أَرْبَعَة أوجه النصب على الِاسْتِثْنَاء كَمَا نَص عَلَيْهِ النحويون وَالنّصب على الْحَال قَالَ لِأَنَّهَا لَو تَأَخَّرت لجَاز كَونهَا صِفَات لِأَن إِلَّا يُوصف بهَا فَإِذا تقدّمت انتصبت على الْحَال وَجعل الأول حَالا وَالثَّانِي اسْتثِْنَاء وَعَكسه ورد بِأَن (إِلَّا) غير متمكنة فِي الْوَصْف بهَا فَلَا تكون صفة إِلَّا وَهِي تَابِعَة فِي اللَّفْظ وَلَا يجوز تَقْدِيمهَا أصلا وَإِن تَأَخَّرت فلأحدها مَا لَهُ مُفردا وللباقي النصب نَحْو قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا إِلَّا عمرا إِلَّا بكرا وَمَا جَاءَ أحد إِلَّا زيدا إِلَّا عمرا إِلَّا بكرا وَجوز الأبذي فِي الْإِيجَاب نصب الْجَمِيع على الِاسْتِثْنَاء كَمَا قَالَه النحويون وَرفع الْجَمِيع على الصّفة وَرفع أَحدهَا على الصّفة وَنصب الْبَاقِي على الِاسْتِثْنَاء كَمَا قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا تقدم إِن إِلَّا صفة فِي المكرر وَجوز فِي النَّفْي نصب الْجَمِيع على الِاسْتِثْنَاء وَرفع الْجَمِيع على الْبَدَل أَو النَّعْت وَرفع أَحدهمَا على الْوَجْهَيْنِ وَنصب الْبَاقِي على الِاسْتِثْنَاء وَحكم مَا بعد الأول من هَذَا النَّوْع حكم الأول من دُخُوله فِي غير الْمُوجب وَخُرُوجه من الْمُوجب
الِاسْتِثْنَاء من الْعدَد
(ص) وَيجوز اسْتثِْنَاء الْمسَاوِي خلافًا لقوم وَالْأَكْثَر وفَاقا لأبي عُبَيْدَة والسيرافي والكوفية وَعَلِيهِ (كلكُمْ جَائِع إِلَّا من أطعمته) إِلَّا الْمُسْتَغْرق خلافًا للفراء وَفِي الْعدَد ثَالِثهَا لَا يجوز عقد صَحِيح وَهُوَ من الْإِثْبَات نفي وَعَكسه خلافًا للكسائي ومباحث الِاسْتِثْنَاء من صناعَة الْأُصُولِيِّينَ (ش) قَالَ أَبُو حَيَّان اتّفق النحويون على أَنه لَا يجوز أَن يكون المستثني مُسْتَغْرقا للمستثنى مِنْهُ وَلَا كَونه أَكثر مِنْهُ إِلَّا أَن ابْن مَالك نقل عَن الْفراء جَوَاز لَهُ على ألف إِلَّا أَلفَيْنِ
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وَاخْتلفُوا فِي غير الْمُسْتَغْرق فَأكْثر النَّحْوِيين أَنه لَا يجوز كَون الْمُسْتَثْنى قدر الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَو أَكثر بل يكون أقل من النّصْف وَهُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور والأبذي وَأكْثر الْكُوفِيّين أَجَازُوا ذَلِك وَهُوَ مَذْهَب أبي عُبَيْدَة والسيرافي وَاخْتَارَهُ ابْن خروف والشلوبين وَابْن مَالك وَذهب بعض الْبَصرِيين وَبَعض الْكُوفِيّين إِلَى أَنه يجوز أَن يكون الْمخْرج النّصْف فَمَا دونه وَلَا يجوز أَن يكون أَكثر من ذَلِك وَيدل لجَوَاز الْأَكْثَر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾ [الْحجر: ٤٢] والغاوون أَكثر من الرَّاشِدين ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٠] وَحَدِيث مُسلم:
(يَا عبَادي كلم جَائِع إِلَّا من أطعمته) والمطعمون أَكثر قطعا ولجواز النّصْف قَوْله تَعَالَى: ﴿قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا نصفه﴾ [المزمل: ٢ - ٣] قَالَ أَبُو حَيَّان وَجَمِيع مَا اسْتدلَّ بِهِ مُحْتَمل التَّأْوِيل والمستقرأ من كَلَام الْعَرَب إِنَّمَا هُوَ الِاسْتِثْنَاء الْأَقَل وَاخْتلف النحويون فِي الِاسْتِثْنَاء من الْعدَد على مَذَاهِب أَحدهَا الْجَوَاز مُطلقًا وَاخْتَارَهُ ابْن الصَّائِغ وَالثَّانِي الْمَنْع مُطلقًا وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور لِأَن أَسمَاء الْعدَد نُصُوص فَلَا يجوز أَن ترد إِلَّا على مَا وضعت لَهُ وَالثَّالِث الْمَنْع إِن كَانَ عقدا نَحْو عِنْدِي عشرُون إِلَّا عشرَة وَالْجَوَاز إِن كَانَ غير عقد نَحْو لَهُ عشرَة إِلَّا اثْنَيْنِ ورد هَذَا وَمَا قبله بقوله تَعَالَى: ﴿فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ [العنكبوت: ١٤] وَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا يكَاد يُوجد اسْتثِْنَاء من عدد فِي شَيْء من كَلَام الْعَرَب إِلَّا فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة
[ ٢ / ٢٦٧ ]
قَالَ وَلم أَقف فِي شَيْء من دواوين الْعَرَب على اسْتثِْنَاء من عدد وَالْآيَة خرجت مخرج التكثير وَمذهب الْجُمْهُور أَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَمن الْإِثْبَات نفي فنحو قَامَ قوم إِلَّا زيدا وَمَا قَامَ أحد إِلَّا زيدا يدل الأول على نفي الْقيام عَن زيد وَالثَّانِي على ثُبُوته لَهُ وَخَالف فِي ذَلِك الْكسَائي وَقَالَ إِنَّه مسكوت عَنهُ لَا دلَالَة لَهُ على نَفْيه عَنهُ وَلَا ثُبُوته واستفادة الْإِثْبَات فِي كلمة التَّوْحِيد من عرف الشَّرْع وَبَقِيَّة مبَاحث الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُورَة فِي (الارتشاف) من علم الْأُصُول لَا تعلق لَهَا بالنحو فَلِذَا أضربنا عَن ذكرهَا هَا هُنَا
الاستنثاء ب (إِلَّا) وَالْوَصْف بهَا
(ص) مَسْأَلَة يُوصف ب (إِلَّا) وبتاليها جمع مُنكر قَالَ ابْن الْحَاجِب غير مَحْصُور أَو شبهه أَو ذُو أل الجنسية قَالَ الْأَخْفَش أَو غَيرهَا وسيبويه كل نكرَة وَقوم كل ظَاهر ومضمر وَقيل المُرَاد بِالْوَصْفِ الْبَيَان وَشَرطه أَن يَصح الِاسْتِثْنَاء وَقيل الْمُتَّصِل وَقيل الْبَدَل وَقيل أَن يتَعَذَّر وَألا يحذف موصوفها وَلَا يَليهَا (ش) الأَصْل فِي (إِلَّا) أَن تكون للاستثناء وَفِي (غير) أَن تكون وَصفا ثمَّ قد تحمل إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فيوصف ب (إِلَّا) وَيسْتَثْنى ب (غير) وَالْمَفْهُوم من كَلَام الْأَكْثَرين أَن المُرَاد الْوَصْف الصناعي وَقَالَ بَعضهم قَول النَّحْوِيين إِنَّه يُوصف بإلا يعنون بذلك أَنه عطف بَيَان وعَلى الأول الْوَصْف بهَا وبتاليها لَا بهَا وَحدهَا وَلَا بالتالي وَحده وَحكمه كالوصف بالجار وَالْمَجْرُور وَشرط الْمَوْصُوف أَن يكون جمعا مُنْكرا نَحْو جَاءَنِي رجال قرشيون أَلا زيد وَمِنْه: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] أَو مشبه الْجمع نَحْو مَا جَاءَنِي أحد إِلَّا زيد
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وَزَاد ابْن الْحَاجِب فِي (الكافية) بعد قَوْله جمع مُنكر غير مَحْصُور قَالَ النيلي وَهُوَ احْتِرَاز من الْعدَد نَحْو لَهُ على عشرَة إِلَّا درهما فَإِنَّهُ يتَعَيَّن فِيهِ الِاسْتِثْنَاء أَو ذَا أل الجنسية لِأَنَّهُ فِي معنى النكرَة نَحْو: ٨٩٥ -
(قَلِيل بهَا الأصْواتُ إلاّ بُغَامُها )
بِخِلَاف ذِي أل العهدية هَذَا مَا جزم بِهِ ابْن مَالك تبعا لِابْنِ السراج والمبرد وَجوز الْأَخْفَش أَن يُوصف بهَا الْمُعَرّف بأل العهدية وَجوز سِيبَوَيْهٍ أَن يُوصف بهَا كل نكرَة وَلَو مُفردا وَمثل ب (لَو كَانَ مَعنا رجل إِلَّا زيد) وَاخْتَارَهُ وَمَا قبله صَاحب (الْبَسِيط) وَجوز بعض المغاربة أَن يُوصف بهَا كل ظَاهر ومضمر ونكرة وَمَعْرِفَة وَقَالَ إِن الْوَصْف بهَا يُخَالف سَائِر الْأَوْصَاف وَمن شُرُوط الْوَصْف بهَا أَن لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء بِخِلَاف (غير) فَلَا يجوز عِنْدِي دِرْهَم إِلَّا جيد وَيجوز غير جيد كَذَا قَالَه ابْن مَالك وَغَيره وَقَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّه كالمجمع عَلَيْهِ إِلَّا أَن تَمْثِيل سِيبَوَيْهٍ ب (لَو كَانَ مَعنا رجل إِلَّا زيد) يُخَالِفهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز فِيهِ الِاسْتِثْنَاء وَكَذَا ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] لَا يجوز فِيهِ الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ لَا عُمُوم فِيهِ استغراقي ينْدَرج فِيهِ مَا بعد إِلَّا وَقد انْفَصل بعض أَصْحَابنَا عَن ذَلِك بِأَنَّهُ لَا يَعْنِي بِصِحَّة الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل بل أَعم مِنْهُ وَمن الْمُنْقَطع وَالْآيَة يَصح فِيهَا الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وَقد صرح الْمبرد والجرمي بِجَوَاز الْوَصْف بهَا حَيْثُ يَصح الْمُنْقَطع وَشَاهده قَوْله:
[ ٢ / ٢٦٩ ]
٨٩٦ -
(لَدَمٌ ضائِعٌ تغيّب عَنهُ أقربوه إلاّ الصَّبا والجنوبُ)
ف (أقربوه) مَوْصُوف بإلا الصِّبَا والجنوب وليسا من جنسه وَالْقَصِيدَة مَرْفُوعَة وَسَوَاء كَانَ الِاسْتِثْنَاء مِمَّا يجوز فِيهِ الْبَدَل أم لَا وَزعم الْمبرد أَن الْوَصْف بإلا لم يَجِيء إِلَّا فِيمَا يجوز فِيهِ الْبَدَل وَلذَلِك منع قَامَ إِلَّا زيد بِحَذْف الْمَوْصُوف وَجعل إِلَّا صفة لَهُ لِأَنَّهُ لَا يجوز فِيهِ الْبَدَل ورد بِالسَّمَاعِ قَالَ: ٨٩٧ -
(وكلّ أَخ مفارقهُ أَخُوه لَعَمرُ أَبيك إلاّ الفَرْقَدان)
ب (إِلَّا الفرقدان) صفة وَلَا يُمكن فِيهِ الْبَدَل وَأغْرب ابْن الْحَاجِب فَشرط فِي وُقُوع إِلَّا صفة أَن يتَعَذَّر الِاسْتِثْنَاء وَجعل الْبَيْت الْمَذْكُور شاذا وَمن شُرُوط الْوَصْف ب (إِلَّا) أَلا يحذف موصوفها بِخِلَاف (غير) فَلَا يُقَال جَاءَنِي إِلَّا زيد وَيُقَال جَاءَنِي غير زيد ونظيرها فِي ذَلِك الْجمل والظروف فَإِنَّهَا تقع صِفَات وَلَا يجوز أَن تنوب عَن موصوفاتها وَألا يَليهَا بِأَن تقدم عَلَيْهِ مَنْصُوبَة على الْحَال لِأَنَّهَا غير متمكنة فِي الْوَصْف كَمَا تقدم
(إِلَّا) عاطفة وزائدة
(ص) قَالَ الكوفية والأخفش وَترد عاطفة كالواو وَالْإِعْرَاب كالاستثناء والأصمعي وَابْن جني وزائدة
[ ٢ / ٢٧٠ ]
(ش) أثبت الْكُوفِيُّونَ والأخفش ل (إِلَّا) معنى ثَالِثا وَهُوَ الْعَطف كالواو وَخَرجُوا عَلَيْهِ ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٠] ﴿لَا يخَاف لدي المُرْسَلُونَ إِلَّا من ظلم﴾ [النَّمْل: ١٠ - ١١] أَي (وَلَا الَّذين ظلمُوا) وَلَا من ظلم وتأولهما الْجُمْهُور على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وَأثبت الْأَصْمَعِي وَابْن جني لَهَا معنى رَابِعا وَهُوَ الزِّيَادَة وَخَرجُوا عَلَيْهِ قَوْله: ٨٩٨ -
(حرَاجيجُ مَا تَنْفَكُّ إلاّ مُناخَةً )
وَخرج عَلَيْهِ ابْن مَالك: ٨٩٩ - (أرِي الدَّهر إلاَّ مَنْجَنُونًا بأهلِهِ )
وَأجِيب بِتَقْدِير (لَا) فِي الثَّانِي وَبِأَن (تنفك) تَامَّة فنفيها نفي و(مناخة) حَال (ص) وَلَا يَليهَا نعت مَا قبلهَا خلافًا للزمخشري ويليها فِي النَّفْي مضارع مُطلقًا وماض إِن وليت فعلا قيل أَو صَحِبت (قد) وَلَا يعْمل تَالِيهَا فِيمَا قبلهَا وَلَا عَكسه إِلَّا مستثني مِنْهُ أَو صفته قَالَ الْأَخْفَش أَو ظرف أَو حَال وَابْن الْأَنْبَارِي أَو مَرْفُوع وَالْكسَائِيّ مُطلقًا (ش) فِيهِ مسَائِل الأولى لَا يفصل بَين الْمَوْصُوف وَصفته بإلا فَلَا يُقَال جَاءَنِي رجل إِلَّا رَاكب لِأَنَّهُمَا كشيء وَاحِد فَلَا يفصل بَينهمَا بهَا كَمَا لَا يفصل بهَا بَين الصِّلَة والموصول وَلَا بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ وَلِأَن (إِلَّا) وَمَا بعْدهَا فِي حكم جملَة مستأنفة وَالصّفة لَا تسْتَأْنف وَلَا تكون فِي حكم المستأنف كَذَا ذكره ابْن مَالك تبعا للأخفش والفارسي
[ ٢ / ٢٧١ ]
وَذكره أَيْضا صَاحب (الْبَسِيط) ورد على الزَّمَخْشَرِيّ حَيْثُ جوز ذَلِك فِي الْمُفْرد نَحْو مَا مَرَرْت بِرَجُل إِلَّا صَالح وَفِي الْجُمْلَة نَحْو (مَا مَرَرْت بِأحد إِلَّا زيد خير مِنْهُ) ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم﴾ [الْحجر: ٤] بِأَنَّهُ مَذْهَب لَا يعرف لَا بَصرِي وَلَا كُوفِي وَقَالَ الصَّوَاب أَن الْجُمْلَة فِي الْآيَة والمثال حَالية وَإِنَّمَا لم تقس الصّفة على الْحَال لوضوح الْفرق بَينهمَا بِجَوَاز تَقْدِيم الْحَال على صَاحبه وَيُخَالِفهُ فِي الْإِعْرَاب والتنكير الثَّانِيَة يَلِي إِلَّا فِي النَّفْي فعل مضارع مُطلقًا سَوَاء تقدمها فعل أَو اسْم نَحْو مَا كَانَ زيد إِلَّا يضْرب عمرا وَمَا خرج زيد إِلَّا يجر ثَوْبه وَمَا زيد إِلَّا يفعل كَذَا وماض بِشَرْط أَن يتقدمها فعل نَحْو ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الْحجر: ١١] قَالَ ابْن مَالك ويغني عَن تَقْدِيم فعل اقتران الْمَاضِي بقد كَقَوْلِه: ٩٠٠ -
(وَمَا المَجدُ إلاّ قد تبيّن أنّهُ بندًى وحِلْم لَا يزَال مُؤثّلا)
لِأَنَّهَا تقربه من الْحَال فَأشبه الْمُضَارع والمضارع لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك لشبهه بِالِاسْمِ وَالِاسْم بإلا أولى لِأَن الْمُسْتَثْنى لَا يكون إِلَّا اسْما ومؤولا بِهِ وَإِنَّمَا سَاغَ وُقُوع الْمَاضِي بِتَقْدِيم الْفِعْل لِأَنَّهُ مَعَ النَّفْي يَجْعَل الْكَلَام بمعني كلما كَانَ كَذَا كَانَ كَذَا فَكَانَ فِيهِ فعلان كَمَا كَانَ مَعَ كلما وَقَالَ ابْن طَاهِر أجَاز الْمبرد وُقُوع الْمَاضِي مَعَ (قد) بِدُونِ تقدم فعل وَلم يذكرهُ من تقدم من النُّحَاة وَفِي (البديع) لَو قلت مَا زيد إِلَّا قَامَ لم يجز فَإِن دخلت (قد) أجازها قوم الثَّالِثَة الِاسْتِثْنَاء فِي حكم جملَة مستأنفة لِأَنَّك إِذا قلت جَاءَ الْقَوْم إِلَّا زيدا فكأنك قلت جَاءَ الْقَوْم وَمَا مِنْهُم زيد فمقتضي هَذَا أَلا يعْمل مَا بعد إِلَّا فِيمَا قبلهَا وَلَا مَا قبلهَا فِيمَا بعْدهَا فَلَا يقدم مَعْمُول تَالِيهَا عَلَيْهَا فَلَا يُقَال مَا زيد إِلَّا أَنا ضَارب
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَقَالَ الرماني لَا يُقَال مَا قَوْمك زيدا إِلَّا ضاربون لِأَن تقدم الِاسْم الْوَاقِع بعد إِلَّا عَلَيْهَا غير جَائِز فَكَذَا معموله لما تقرر من أَن الْمَعْمُول لَا يَقع إِلَّا حَيْثُ يَقع الْعَامِل وَلَا يُؤَخر مَعْمُول مَا قبلهَا عَنْهَا فَلَا يُقَال مَا ضرب إِلَّا زيد عمرا وَمَا ضرب إِلَّا زيدا عَمْرو وَمَا مر إِلَّا زيد بِعَمْرو إِلَّا على إِضْمَار عَامل يفسره مَا قبله ويستثني من هَذَا الْقسم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَصفته فَيجوز تأخيرهما كَمَا تقدم نَحْو مَا قَامَ إِلَّا زيدا أحد وَمَا مَرَرْت بِأحد إِلَّا زيدا خير من عَمْرو وَأَجَازَ الْكسَائي تَأْخِير الْمَعْمُول مَرْفُوعا كَانَ أَو مَنْصُوبًا أَو مجرورا وَاسْتدلَّ بقوله: ٩٠١ -
(فَمَا زَادَنِي إلاّ غرامًا كَلاَمُها )
وَقَوله: ٩٠٢ -
(وَمَا كفَّ إِلَّا ماجدٌ ضُرَّ بائس )
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿بِالْبَيِّنَاتِ والزبر﴾ [النَّحْل: ٤٣ - ٤٤] وَوَافَقَهُ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَرْفُوع فَقَط كَمَا تقدم فِي بَاب الْفَاعِل تَوْجِيهه وَوَافَقَهُ الْأَخْفَش فِي الظّرْف وَالْمَجْرُور وَالْحَال نَحْو مَا جلس إِلَّا زيد عنْدك وَمَا مر إِلَّا عَمْرو بك وَمَا جَاءَ إِلَّا زيد رَاكِبًا قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ الْمُخْتَار لِأَنَّهُ يتَسَامَح فِي الْمَذْكُورَات مَا لَا يتَسَامَح فِي غَيرهَا
غير
(ص) مَسْأَلَة يُوصف ب (غير) ويستثني جرا وَلها إِعْرَاب تلو (إِلَّا) وَفتحهَا مُطلقًا لُغَة وناصبها قَالَ الْجُمْهُور كَونهَا فضلَة والسيرافي السَّابِق والفارسي حَال فِيهَا معنى الِاسْتِثْنَاء
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَالْمُخْتَار أَنَّهَا قَائِمَة مقَام مضافها وَأَن أَصله النصب ب (أستثني) وَيجوز مُرَاعَاة الْمَعْنى فِي تَابع الْمُسْتَثْنى بهَا قيل وب (إِلَّا) وَالصّفة وَفِي الْعَطف ب (لَا) بعد (غير) خلف ويحذف تالي (إِلَّا) و(غير) بعد (لَيْسَ) قيل وَلم يكن (ش) تقدم أَن (غير) أَصْلهَا الْوَصْف وَأَنَّهَا مَحْمُولَة فِي الِاسْتِثْنَاء على إِلَّا والمستثني بهَا مجرور بإضافتها إِلَيْهِ وتعرب بِمَا للاسم الْوَاقِع بعد إِلَّا من وجوب نصب فِي الْمُوجب نَحْو قَامَ الْقَوْم غير زيد وَفِي الْمُنْقَطع وَفِي الْمُقدم نَحْو مَا جَاءَ الْقَوْم غير الْحمير وَمَا جَاءَ زيد غير أحد وَمن جَوَازه ورجحان الإتباع فِي الْمَنْفِيّ نَحْو مَا جَاءَ أحد غير زيد وَمن كَونه على حسب الْعَامِل فِي المفرغ نَحْو مَا جَاءَ غير زيد وَمَا رَأَيْت غير زيد وَمَا مَرَرْت بِغَيْر زيد وَبَعض بني أَسد وقضاعة يفتحها فِي الِاسْتِثْنَاء مُطلقًا وَإِذا انتصب على الِاسْتِثْنَاء فَفِي الناصب لَهَا أَقْوَال أَحدهَا وَعَلِيهِ المغاربة أَن انتصابها انتصب الِاسْم الْوَاقِع بعد إِلَّا والناصب لَهُ كَونه جَاءَ فضلَة بعد تَمام الْكَلَام وَذَلِكَ مَوْجُود فِي (غير) الثَّانِي وَعَلِيهِ السيرافي وَابْن الباذش أَنَّهَا مَنْصُوبَة بِالْفِعْلِ السَّابِق الثَّالِث وَعَلِيهِ الْفَارِسِي أَنَّهَا مَنْصُوبَة على الْحَال وفيهَا معنى الِاسْتِثْنَاء كَمَا أَن مَا عدا زيدا مُقَدّر بمصدر فِي مَوضِع الْحَال وفيهَا معنى الِاسْتِثْنَاء وَالَّذِي أختاره أَنَّهَا انتصبت لقيامها مقَام مضافها وَأَن أَصله النصب ب (أستثني) مضمرا وَهُوَ الَّذِي أميل إِلَيْهِ فِي أصل الِاسْتِثْنَاء أَن نَصبه بأستثني لَازم الْإِضْمَار وَجعلت إِلَّا عوضا عَن النُّطْق بِهِ وَإِذا عطف على الْمُسْتَثْنى بهَا جَازَ فِي الْمَعْطُوف مُرَاعَاة اللَّفْظ فيجر وَهُوَ الأجود نَحْو جَاءُوا غير زيد وَعَمْرو وَيجوز مُرَاعَاة المعني فينصب فِي نَحْو جَاءُوا غير زيد وعمرا وَيرْفَع فِي نَحْو مَا جَاءَ أحد غير زيد وَعَمْرو وَلَيْسَ ذَلِك عطفا على (غير) بل على الْمَجْرُور لِأَن أَصله النصب أَو الإتباع كَذَا قَالُوهُ وَهُوَ يُؤَيّد مَا اخترته من أَن (غير) قَائِمَة مقَام مضافها فِي الْإِعْرَاب ووجهوا منع عطفه على (غير) نَفسهَا بِأَنَّهَا يلْزم فِيهِ التَّشْرِيك فِي الْعَامِل فيستحيل المعني
[ ٢ / ٢٧٤ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَمَا ذَكرُوهُ فِي الْعَطف يَقْتَضِي جَرَيَانه فِي سَائِر التوابع من نعت وَبَيَان وتأكيد وَبدل نَحْو مَا جَاءَنِي غير زيد نَفسه أَو الْعَاقِل أَو أبي حَفْص أَو أَخِيك فَالْقِيَاس أَن يجوز فِي الْجَمِيع الْجَرّ وَالرَّفْع وَلم ينصبوا إِلَّا على الْعَطف إِلَّا أَن فِي لفظ ابْن عُصْفُور مَا يَقْتَضِي الْعُمُوم حَيْثُ عبر بالتابع فَقَالَ وَيجوز فِي تَابعه الْحمل على الْمَعْنى قَالَ وَقد صرح صَاحب الْبَسِيط بجريان ذَلِك أَيْضا فِي (غير) إِذا كَانَت صفة إِلَّا أَنه فِيهَا من الْحمل على المعني وَفِي الِاسْتِثْنَاء من الْحمل على الْموضع فَهُوَ فِي الِاسْتِثْنَاء أقوى وَذكره سِيبَوَيْهٍ أَيْضا وَقَالَ قوم إِنَّه خَاص بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يكون فِي الصّفة وَالظَّاهِر الأول قَالَ وَيجوز وَجه آخر وَهُوَ الْقطع على الِابْتِدَاء وَأما الْمَعْطُوف على الْمُسْتَثْنى بإلا فَلَا يجوز فِيهِ إِلَّا مشاركته فِي الْإِعْرَاب وَأَجَازَ قوم مِنْهُم ابْن خروف الْعَطف عَلَيْهِ بِالْجَرِّ نَحْو قَامُوا إِلَّا زيدا وَعَمْرو على أَن إِلَّا فِي معنى غير لِأَن مكانهما وَاحِد وأنشدوا عَلَيْهِ: ٩٠٣ -
(ومَا هَاجَ هَذَا الشّوْقَ إلاّ حمامةٌ تغَنّتْ على خَضْراءَ سمر قيودها)
يرْوى بِرَفْع لفظ (سمر) على لفظ (حمامة) وبالجر على معنى غير حمامة قَالَ أَبُو حَيَّان وَفِي هَذَا دَلِيل على إِجْرَاء النَّعْت مجْرى الْعَطف وَأَنَّهَا لَا تتقيد بِهِ والمانعون حملُوا الْجَرّ على الْجوَار وَإِذا كَانَت (غير) اسْتثِْنَاء فَفِي الْعَطف بعْدهَا ب (لَا) خلاف فَذهب أَبُو عُبَيْدَة والأخفش وَابْن السراج والزجاج والفارسي والرماني إِلَى جَوَاز ذَلِك فَيُقَال جَاءُوا غير زيد وَلَا عَمْرو إِمَّا على تَقْدِير زِيَادَة (لَا) وَإِمَّا على الْحمل على الْمَعْنى لِأَن الِاسْتِثْنَاء فِي معنى النَّفْي فَإِن قَوْلك جَاءَ الْقَوْم إِلَّا زيدا فِي معني جَاءَ الْقَوْم لَا زيد وَهُوَ هُنَا أولي لِأَن (غيرا) فِي أَصْلهَا تُعْطِي النَّفْي وَذهب الْفراء وثعلب إِلَى الْمَنْع كَمَا فِي إِلَّا إِذْ لَا يُقَال جَاءُوا إِلَّا زيدا وَلَا عمرا
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وَيجوز حذف مَا بعد (إِلَّا) وَبعد (غير) وَذَلِكَ بعد (لَيْسَ) خَاصَّة يُقَال جَاءَنِي زيد لَيْسَ إِلَّا أَو لَيْسَ غير أَي لَيْسَ الجائي إِلَّا هُوَ أَو غَيره وقبضت عشرَة لَيْسَ إِلَّا وَلَيْسَ غير أَي لَيْسَ الْمَقْبُوض غير ذَلِك أَو لَيْسَ غير ذَلِك مَقْبُوضا قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ هَذَا باستثناء من الأول لِأَنَّهُ يكون تَابعا لما لَيْسَ مبعضا وَلِأَن مَا بعد لَيْسَ هُوَ الأول كَيفَ كَانَ وَاخْتلف هَل يجوز الْحَذف مَعَ (لم يكن) فَأَجَازَهُ الْأَخْفَش وَابْن مَالك نَحْو لم يكن غير وَمنعه السيرافي لِأَن الأَصْل فِي بَاب كَانَ أَلا يجوز فِيهَا حذف الِاسْم وَلَا الْخَبَر ومجيء لَيْسَ إِلَّا وَلَيْسَ غير على خلاف الأَصْل
بيد
(ص) وَيسْتَثْنى ب (بيد) مُنْقَطِعًا لَازم النصب وَالْإِضَافَة إِلَى (أَن) وصلتها غَالِبا وَهِي بمعني (غير) وَقيل عَليّ من أجل وَيُقَال ميد وَجعلهَا ابْن مَالك حرفا (ش) من أدوات الِاسْتِثْنَاء (بيد) وَيُقَال ميد بإبدال بائها ميما وَهُوَ اسْم ملازم الْإِضَافَة إِلَى (أَن) وصلتها نَحْو (نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ بيد أَنهم أُوتُوا الْكتاب من قبلنَا) مَعْنَاهَا معنى (غير) فِي الْمَشْهُور إِلَّا أَنَّهَا لَا تقع مَرْفُوعَة وَلَا مجرورة بل مَنْصُوبَة وَلَا تقع صفة وَلَا اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا وَإِنَّمَا يسْتَثْنى بهَا فِي الِانْقِطَاع خَاصَّة قَالَ فِي الصِّحَاح (بيد) بمعني (غير) يُقَال إِنَّه كثير المَال بيد أَنه بخيل
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وَفِي الْمُحكم أَن هَذَا الْمِثَال حَكَاهُ ابْن السّكيت وَأَن بَعضهم فَسرهَا بمعني (على) وَقيل هِيَ بمعني من أجل وَخرج عَلَيْهِ حَدِيث:
(أَنا أفْصح من نطق بالضاد بيد أَنِّي من قُرَيْش) وَقَالَ ابْن مَالك وَغَيره إِنَّهَا فِيهِ بمعني (غير) على حد: ٩٠٤ -
(وَلاَعَيْبَ فِيهم غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم )
(الْبَيْت) وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة على مجيئها بِمَعْنى (من أجل) قَوْله: ٩٠٥ -
(عَمْدًا فَعَلْتَ ذَاك بَيْد أَنِّي أَخَافُ إنْ هَلَكْتُ أَنْ تُرنِّي)
حاشا وخلا وَعدا
(ص) وبحاشا وخلا وَعدا بِالنّصب أفعالا جامدة قيل بِلَا فَاعل وَالأَصَح أَنه ضمير الْبَعْض وَقيل الْمصدر والجر حروفا مُتَعَلقَة كَغَيْرِهَا أَو لَا كالزائد أَو محلهَا ك (غير) أَقْوَال
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وَنفي الْفراء حرفية (حاشا) والجر بلام مقدرَة وَالْأَكْثَرُونَ فعليتها وحرفية تَالِيهَا ويليان (مَا) وَهِي مَصْدَرِيَّة وَمن ثمَّ تعين النصب مَعهَا وَقيل زَائِدَة فتجر وَقيل بمعني الْمدَّة وَلَا تدخل على (حاشا) خلافًا لبَعْضهِم وَلَا إِلَّا مُطلقًا وَقيل يجوز إِن جرت وَقد تدخل على (خلا) و(عدا) مَعَ (مَا) وَترد (حاشا) فعلا متصرفا وَقيل لَام الْجَرّ فعلا أَو اسْما التَّنْزِيه مَبْنِيا إِلَّا فِي لُغَة أَو اسْم فعل أَقْوَال وَقد تحذف (عدا) بعد (مَا) نَحْو كل شَيْء مهه مَا النِّسَاء وَقَالَ الْفراء والأحمر (مَا) اسْتثِْنَاء (ش) من أدوات الِاسْتِثْنَاء (حاشا) و(خلا) و(عدا) وَينصب الْمُسْتَثْنى بهَا ويجر فَإِذا نصب كن أفعالا لِأَنَّهُنَّ لسن من قبيل الْأَسْمَاء العاملة ومدخولها لَا يَلِي العوامل كمدخول (إِلَّا) إِذْ لَا يُقَال مَا قَامَ الْقَوْم خلا زيد بِالرَّفْع فانتفت الاسمية والحرفية مَعًا وَهِي جامدة قَاصِرَة على لفظ الْمَاضِي فَلَا تتصرف بمضارع وَلَا أَمر وَإِذا جرت كن حُرُوف جر لِأَنَّهَا لم تباشر العوامل ك (غير) فَلَيْسَتْ أَسمَاء وَلَو كَانَت أفعالا لم تباشر الْجَرّ بِغَيْر وَاسِطَة حرفه وَهِي على هَذَا مُتَعَلقَة بِمَا قبلهَا من فعل أَو شبهه كَسَائِر حُرُوف الْجَرّ فمحلها مَعَ الْمَجْرُور نصب وَاخْتَارَ ابْن هِشَام فِي (الْمُغنِي) أَنَّهَا لَا تتَعَلَّق كالحروف الزَّائِدَة لِأَنَّهَا لَا توصل معنى الْفِعْل إِلَى الِاسْم بل تزيله عَنهُ وَلِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة إِلَّا وَهِي غير مُتَعَلقَة وَقيل موضعهَا نصب من تَمام الْكَلَام ك (غير) إِذا اسْتثْنِي بهَا وَمن النصب بهَا قَوْله: ٩٠٦ -
(حاشا قُرَيْشًا فَإِن اللهَ فَضَّلَهُم )
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَحكي: (اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلمن يسمعني حاشا الشَّيْطَان وَأَبا الْأَصْبَغ) وَقَوله: ٩٠٧ -
(وَلَا خلا الجنَّ بهَا إنْسِيُّ )
وَقَوله: ٩٠٨ -
(عدا سُلَيْمَى وَعدا أَباها )
وَمن الْجَرّ بهَا قَوْله: ٩٠٩ -
(مَنْ رامَها حَاشَا النّبيِّ وَرَهْطِه )
وَقَوله: ٩١٠ -
(حاشا أبي ثَوْبان إنّ بِهِ )
وَقَوله: ٩١١ -
(حَاشَايَ إنِّي مُسْلِمٌ مَعْذُورُ )
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وَقَوله: ٩١٢ -
(خلا اللهِ لَا أَرْجو سِواكَ وإنّما )
وَقَوله: ٩١٣ -
(عدا الشّمْطاء والطّفل الصّغير )
وَأنكر بعض الْكُوفِيّين مِنْهُم الْفراء حرفية (حاشا) وَقَالَ إِنَّهَا فعل أبدا لقَولهم حاشا يحاشي وَإِن الْجَرّ بعْدهَا بلام مقدرَة وَالْأَصْل حاشا لزيد لَكِن كثر الْكَلَام بهَا فأسقطوا اللَّام وخفضوا بهَا وَأنكر سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين فعليتها وَقَالُوا إِنَّهَا حرف دَائِما بِمَنْزِلَة (لَا) لَكِنَّهَا تجر المستثني وأنكروا أَيْضا حرفية (خلا) و(عدا) وَقَالُوا إنَّهُمَا فعلان بمعني الْمُفَارقَة والمجاوزة ضمنا معنى الِاسْتِثْنَاء والعذر لسيبويه أَنه لم يحفظ النصب ب (حاشا) وَلَا الْجَرّ ب (عدا) لقلته وَإِنَّمَا نَقله الْأَخْفَش وَالْفراء ثمَّ على فعلية هَذِه الْأَفْعَال ذهب الْفراء إِلَى أَن حاشا فعل لَا فَاعل لَهُ قَالَ أَبُو حَيَّان وَيُمكن القَوْل فِي خلا وَعدا بذلك ك (قَلما) لما أشربت بِهِ من معنى (إِلَّا) وَاتفقَ بَقِيَّة الْكُوفِيّين والبصريين على أَن فاعلها ضمير مستكن فِيهَا لَازم الْإِضْمَار
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ثمَّ قَالَ البصريون هُوَ عَائِد على الْبَعْض الْمَفْهُوم من الْكَلَام وَالتَّقْدِير قَامَ الْقَوْم عدا هُوَ أَي بَعضهم زيدا قَالَ الْكُوفِيُّونَ عَائِد على الْمصدر الْمَفْهُوم من الْفِعْل أَي عدا قيامهم زيدا وَهُوَ غير مطرد فِيمَا لم يتقدمه فعل أَو نَحوه وَلكَون الضَّمِير عَائِدًا على الْبَعْض أَو الْمصدر لم يثن وَلم يجمع وَلم يؤنث لِأَنَّهُ عَائِد على مُفْرد مُذَكّر وَتدْخل (مَا) على خلا وَعدا فَيتَعَيَّن النصب بعْدهَا لِأَنَّهَا مَصْدَرِيَّة فدخولها يعين الفعلية كَقَوْلِه: ٩١٤ -
(أَلاَ كلّ شَيْء مَا خلا اللهَ باطِلُ )
وَقَوله: ٩١٥ -
(تُمَلُّ النّدامى مَا عَدانِي فإنّني )
[ ٢ / ٢٨١ ]
وَزعم الْجرْمِي والربعي وَالْكسَائِيّ والفارسي وَابْن جني أَنه يجوز الْجَرّ على تَقْدِير (مَا) زَائِدَة قَالَ فِي الْمُغنِي فَإِن قَالُوهُ بِالْقِيَاسِ ففاسد لِأَن (مَا) لَا تزاد قبل حُرُوف الْجَرّ بل بعْدهَا أَو بِالسَّمَاعِ فشاذ بِحَيْثُ لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَقيل (مَا) ظرف بمعني الْمدَّة فمحله نصب وَالتَّقْدِير قَامَ الْقَوْم فِي وَقت مجاوزتهم زيدا أَو وَقت خلوهم و(مَا) المصدرية كثيرا مَا تكون ظرفا وَأَجَازَ بَعضهم دُخُول (مَا) المصدرية على (حاشا) بقلة تمسكا بقوله: ٩١٦ -
(رَأَيْتُ النّاسَ مَا حَاشا قُرَيْشًا فإنّا نَحْنُ أَفْضَلُهمْ فَعَالا)
وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ الْمَنْع وَذهب الْكسَائي إِلَى أَنه يجوز دُخُول إِلَّا على (حاشا) إِذا جرت وَحكي قَامَ الْقَوْم إِلَّا حاشا زيد وَمنع البصريون ذَلِك كَمَا إِذا نصبت لِأَنَّهُ جمع بَين أداتين لمعني وَاحِد والحكاية شَاذَّة لَا يُقَاس عَلَيْهَا وَترد (حاشا) فِي غير الِاسْتِثْنَاء فعلا متصرفا مُتَعَدِّيا تَقول حَاشِيَته بمعني استثنيته وَمِنْه الحَدِيث:
(مَا حاشى فَاطِمَة وَلَا غَيرهَا) وَقَالَ النَّابِغَة:
[ ٢ / ٢٨٢ ]
٩١٧ -
(ولاَ أُحاشِي من الأقْوام مِنْ أَحِدِ )
وَتَقَع حاشا قبل لَام الْجَرّ نَحْو حاشا لله وَهِي عِنْد الْمبرد وَابْن جني والكوفيين فعل قَالُوا لتصرفهم فِيهَا بالحذف قَالُوا حاش وحشا ولإدخالهم إِيَّاهَا على الْحَرْف قبل لَام الْجَرّ وَالصَّحِيح أَنَّهَا اسْم مصدر مرادف للتنزيه بِدَلِيل قِرَاءَة بَعضهم ﴿حَاشَا لِلَّهِ﴾ [يُوسُف: ٣١] بِالتَّنْوِينِ كَمَا يُقَال تَنْزِيها لله وَبَرَاءَة وَقِرَاءَة ابْن مَسْعُود (حاشا الله) بِالْإِضَافَة كمعاذ الله وأنما ترك التَّنْوِين فِي قِرَاءَة الْجُمْهُور لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة لشبهها بحاشا الحرفية لفظا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا اسْم فعل بمعني أَتَبرأ أَو تبرأت وحامله على ذَلِك بناؤها وَيَردهُ إعرابها فِي بعض اللُّغَات وَرُوِيَ من كَلَام الْعَرَب كل شَيْء مهة مَا النِّسَاء وذكرهن فخرجه ابْن مَالك على أَن صلَة (مَا) محذوفة وَهِي (عدا) حذفوها وأبقوا معمولها وَإِنَّمَا أضمر (عدا) لِأَنَّهَا مُتَّفق على فعليتها بِخِلَاف (حاشا) و(خلا) فَإِنَّهُمَا مُخْتَلف فِي فعليتهما فَكَانَ الْمُتَّفق على فعليته أولى بِأَن يكون هُوَ الْمَحْذُوف وَزعم الْفراء والأحمر أَن (مَا) يَسْتَثْنِي بهَا ك (إِلَّا) وخرجا عَلَيْهِ الْحِكَايَة الْمَذْكُورَة ورد بِأَن الِاسْتِثْنَاء بهَا غير مَحْفُوظ فَلَا يخرج عَلَيْهِ وَمعنى الْحِكَايَة كل شَيْء يسير مَا عدا النِّسَاء وذكرهن وخرجها السُّهيْلي على أَن (مَا) نَافِيَة كليس اسْتثْنِي بهَا
[ ٢ / ٢٨٣ ]
لَيْسَ وَلَا يكون
(ص) وبليس وَبلا يكون نصبا خَبرا وَلَا يقدمان أول الْكَلَام وَيجوز كَونهمَا صفة حَيْثُ صَحَّ الِاسْتِثْنَاء فيرفعان ضَمِيره المطابق (ش) من أدوات الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ وَلَا يكون وَهِي النَّاقِصَة لَا أُخْرَى ارتجلت للاستثناء وينصبان الْمُسْتَثْنى على أَنه خبر لَهما وَالِاسْم ضمير لَازم الاستتار كَمَا تقدم فِي مَبْحَث الضَّمِير نَحْو قَامَ القَوْل لَيْسَ زيدا وَخرج النَّاس لَا يكون عمرا و(لَا) قيد فِي يكون فَلَو نفيت ب (مَا) أَو (لما) أَو (لن) لم تقع فِي الِاسْتِثْنَاء وَمن شَوَاهِد (لَيْسَ) قَوْله: ٩١٨ -
(إذْ ذَهَب القومُ الكِرامُ لَيْسِ )
وَحَدِيث:
(يطبع الْمُؤمن على كل خلق لَيْسَ الْخِيَانَة وَالْكذب) وَقد يُوصف ب (لَيْسَ) وَلَا يكون حَيْثُ يَصح الِاسْتِثْنَاء بِأَن يكون نكرَة منفية قَالَ ابْن مَالك أَو مُعَرفا بلام الْجِنْس نَحْو مَا أَتَانِي أحد لَيْسَ زيدا وَمَا أَتَانِي رجل لَا يكون بشرا وأتاني الْقَوْم لَيْسُوا إخْوَتك قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا أعلم فِي ذَلِك خلافًا إِلَّا أَن الْمَنْقُول اخْتِصَاصه بالنكرة دون الْمُعَرّف بلام الْجِنْس وَلَا يجوز فِي النكرَة المثبتة نَحْو أَتَتْنِي امْرَأَة لَا تكون فُلَانَة إِذْ لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء مِنْهَا وَلَا فِي الْمعرفَة نَحْو جَاءَ الْقَوْم لَيْسُوا إخْوَتك بل يكونَانِ فِي مَوضِع نصب على الْحَال
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وَإِذا وصف بهما رفعا ضمير الْمَوْصُوف المطابق لَهُ فيبرز نَحْو مَا جَاءَتْنِي امْرَأَة لَيست أَو لَا تكون فُلَانَة وَمَا جَاءَنِي رجال لَيْسُوا زيدا أَو نسَاء لسن الهندات قَالَ السيرافي أَجَازُوا الْوَصْف بليس وَلَا يكون لِأَنَّهُمَا نَص فِي النَّفْي عَن الثَّانِي وَهُوَ معنى الِاسْتِثْنَاء وَلَيْسَ ذَلِك فِي عدا وخلا إِلَّا بالتضمن فَلم يُوصف بهما لِأَنَّهُمَا ليسَا موضعي جحد فَلَا يُقَال مَا أَتَتْنِي امْرَأَة عدت هندا أَو خلت دعدا
لَا سِيمَا
(ص) وَبلا سِيمَا عِنْد الْأَخْفَش وَأبي حَاتِم والنحاس وَالأَصَح لَيْسَ مَا بعْدهَا مستثني بل مُنَبّه على أولويته بِمَا نسب لما قبله وَقَالَ خطاب مسكوت عَنهُ و(سي) اسْم لَا وَقيل حَال وَقيل (لَا) زَائِدَة وَأَصله سوى وتخفف ياؤها خلافًا لِابْنِ عُصْفُور وتسكن فالمحذوف اللَّام أَو الْعين قَولَانِ فَإِن تَلَاهَا معرفَة جر بِالْإِضَافَة و(مَا) زَائِدَة يجوز حذفهَا خلافًا للخضراوي أَو رفع خبر مَحْذُوف و(مَا) مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة أَو نكرَة جَازَ النصب تمييزا ل (مَا) نكرَة تَامَّة وَقيل ظرفا أَو صلَة لَهَا وَقيل هِيَ كَافَّة وَقَالَ دريود يخْتَص الْجَرّ بِالتَّخْفِيفِ وَالرَّفْع بالتثقيل وَقد يَليهَا ظرف وَفعل وَشرط ف (مَا) كَافَّة وَفِي وجوب الْوَاو قبل (لَا) خلف وَيُقَال لَا تيما وتا سِيمَا (ش) عد الْكُوفِيُّونَ وَجَمَاعَة من الْبَصرِيين كالأخفش وَأبي حَاتِم والفارسي والنحاس وَابْن مضاء من أدوات الِاسْتِثْنَاء (لَا سِيمَا) وَوَجهه أَنَّك إِذا قلت قَامَ الْقَوْم لَا سِيمَا زيد فقد خالفهم زيد فِي أَنه أولى بِالْقيامِ مِنْهُم فَهُوَ مخالفهم فِي الحكم الَّذِي ثَبت لَهُم بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة قَالَ الخضراوي لما كَانَ مَا بعْدهَا بَعْضًا مِمَّا قبلهَا وخارجا عَنهُ بِمَعْنى الزِّيَادَة كَانَ اسْتثِْنَاء من الأول لِأَنَّهُ خرج عَنهُ بِوَجْه لم يكن لَهُ وَأقرب مَا يشبه بِهِ قَوْله:
[ ٢ / ٢٨٥ ]
٩١٩ -
(فَتًى كَمُلَتْ خيراتُهُ غَيْرَ أَنه جَوادٌ فَمَا يُبْقِي من المَال بَاقِيا)
لِأَن كَونه (جوادا) خير لَكِن زَاد فِي هَذَا الْخَيْر على غَيره بِمَا هُوَ خير وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَا تعد من أدوات الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ مشارك لَهُم فِي الْقيام وَلَيْسَ تَأْكِيد الْقيام فِي حَقه يُخرجهُ عَن أَن يكون قَائِما وَمِمَّا يبطل ذَلِك دُخُول الْوَاو عَلَيْهَا وَعدم صَلَاحِية إِلَّا مَكَانهَا بِخِلَاف سَائِر الأدوات فالمذكور بعْدهَا لَيْسَ مستثني بل مُنَبّه على أولويته بالحكم الْمَنْسُوب لما قبلهَا فَإِن تَلَاهَا معرفَة مجرور نَحْو لَا سِيمَا زيد فبالإضافة و(مَا) زَائِدَة وَزِيَادَة (مَا) بَين المضافين مسموعة وَيجوز حذفهَا نَحْو لَا سي زيد نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَزعم ابْن هِشَام الخضراوي أَنَّهَا زَائِدَة لَازِمَة لَا تحذف وَلَيْسَ كَمَا قَالَ أَو مَرْفُوع نَحْو لَا سِيمَا زيد فخبر مُبْتَدأ مَحْذُوف و(مَا) مَوْصُولَة بِمَعْنى الَّذِي مجرورة بِإِضَافَة (سي) إِلَيْهَا وَالْجُمْلَة صلَة وَالتَّقْدِير لَا سي الَّذِي هُوَ زيد وَأَجَازَ ابْن خروف أَن تكون (مَا) نكرَة مَوْصُوفَة وَالْجُمْلَة صفة وَإِن تَلَاهَا نكرَة جَازَ فِيهَا الْأَمْرَانِ وثالث وَهُوَ النصب وَقد رُوِيَ بالأوجه الثَّلَاثَة قَوْله: ٩٢٠ -
(وَلَا سيّما يَوْم بدَارةِ جُلْجُل )
وَاخْتلف فِي وَجه النصب فَقيل إِنَّه على التَّمْيِيز و(مَا) نكرَة تَامَّة غير مَوْصُوفَة فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة والمنصوب تَفْسِير لَهَا أَي وَلَا مثل شَيْء يَوْمًا
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وَقيل إِنَّه على الظّرْف و(مَا) بمعني الَّذِي وَهُوَ صلَة لَهَا أَي وَلَا مثل الَّذِي اتّفق يَوْمًا فَحذف للْعلم كَمَا قَالُوا رَأَيْت الَّذِي أمس أَي الَّذِي وَقع وَاتفقَ وَقيل إِن (مَا) حرف كَاف ل (سي) عَن الْإِضَافَة والمنصوب تَمْيِيز مثل قَوْلهم (على التمرة مثلهَا زيدا) وَاسْتَحْسنهُ ابْن مَالك والشلوبين وَقيل إِنَّهَا كَافَّة وَهُوَ ظرف قَالَه ابْن الصَّائِغ أَي وَلَا مثل مَا كَانَ لَك فِي يَوْم وَقد يَليهَا ظرف كَقَوْلِه: ٩٢١ -
(يَسُرُّ الكريمَ الحمدُ لَا سِيمَا لَدَى شَهَادة مَنْ فِي خَيْرِهِ يَتَقَلّبُ)
وَتقول يُعجبنِي الِاعْتِكَاف وَلَا سِيمَا عِنْد الْكَعْبَة وَلَا سِيمَا إِذا قرب الصُّبْح وَفعل كَقَوْلِه: ٩٢٢ -
(فُق النّاسَ فِي الْخَيْر لَا سِيَّما يُنيلك من ذِي الجَلال الرِّضا)
وَشرط كَقَوْلِه: ٩٢٣ -
(أرى النّيْك يجلو الهمّ والغَمّ والعمى وَلَا سيمّا إِن نِكْت بالمَرَس الضّخم)
وَمن أَحْكَام (لَا سِيمَا) أَنه لَا يَجِيء بعْدهَا الْجُمْلَة بِالْوَاو وَقَالَ أَبُو حَيَّان ولحن من المصنفين من قَالَ لَا سِيمَا وَالْأَمر كَذَا وَلَا تحذف (لَا) من لَا سِيمَا لِأَنَّهُ لم يسمع إِلَّا فِي كَلَام المولدين كَقَوْلِه: ٩٢٤ -
(سِيمّا من حَالَتْ الأحراس من دون مُناه )
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وَذكر ثَعْلَب أَنه يجب اقتران (لَا) بِالْوَاو كالبيت السَّابِق وَجوز غَيره حذفهَا كَقَوْلِه: ٩٢٥ -
(فِهْ بِالْعُقُودِ والأيْمان لَا سِيَمَا عقدٌ وفاءٌ بِهِ من أعظم القُرَبِ)
وَالْجُمْهُور على أَن (سي) اسْم لَا التبرئة وفتحته بِنَاء كهي فِي لَا رجل وَقَالَ الْفَارِسِي إِنَّه مَنْصُوب على الْحَال من الْجُمْلَة السَّابِقَة ورد بِوُجُوب تكْرَار (لَا) حِينَئِذٍ وبمنع الْوَاو إِذْ لَا يُقَال جَاءَ زيد وَلَا ضَاحِكا وَحكى فِي (البديع) عَن بَعضهم أَن (لَا) فِي لَا سِيمَا زَائِدَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ غَرِيب وأصل سي (سوى) فعينه وَاو سَاكِنة قلبت يَاء لسكونها وأدغمت فِي الْيَاء وَقد سمع تَخْفيف الْيَاء من (لَا سِيمَا) حَكَاهُ الْأَخْفَش وَابْن الْأَعرَابِي وَآخَرُونَ وَمِنْه الْبَيْت السَّابِق وَمنعه ابْن عُصْفُور حذرا من بَقَاء الِاسْم المعرب على حرفين وَإِذا خففت فَقَالَ ابْن جني الْمَحْذُوف لَام الْكَلِمَة وانفتحت الْيَاء بإلقاء حَرَكَة اللَّام عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَيَّان الأولى عِنْدِي أَن يكون الْمَحْذُوف الْعين وَإِن كَانَ أقل من حذف اللَّام وقوفا مَعَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ لَو كَانَ الْمَحْذُوف اللَّام لردت الْعين واوا لزوَال الْمُوجب لقلبها فَكَانَ يُقَال لَا سوما وَقد أبدلت الْعَرَب سين (سِيمَا) تَاء فَقَالُوا (لَا تيما) كَمَا قَالُوا فِي النَّاس النات وَقُرِئَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّات﴾ [النَّاس: ١] وأبدلت أَيْضا (لَا) تَاء فَقَالُوا (تا سِيمَا) كَمَا قَالُوا قَامَ زيد تا بل عَمْرو أَي لَا بل عَمْرو
[ ٢ / ٢٨٨ ]
مَا ألحق بِلَا سِيمَا
(ص) وَألْحق بِهِ (لَا مثل مَا) و(لَا سوا مَا) و(لَا تَرَ مَا) و(لَو تَرَ مَا) لَكِن لَا يجر تلو هذَيْن (ش) حكى ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره وَأَبُو الْحسن النساي (لَا مثل مَا) بِمَعْنى لَا سِيمَا وَأَنه يرفع مَا بعده ويجر كَمَا بعد لَا سِيمَا وَفِي (التسهيل) أَن (لَا سوا مَا) كَذَلِك فَيُقَال قَامَ الْقَوْم لَا سوا مَا زيد قَالَ أَبُو حَيَّان وإطلاقه يدل على جَوَاز الرّفْع والجر بعده أَيْضا وَقَالَ النَّسَائِيّ (لَا تَرَ مَا) و(لَا سِيمَا) و(لَا مثل مَا) بِمَعْنى وَاحِد وَذكر ابْن الْأَعرَابِي لَو تَرَ مَا بمعني لَا سِيمَا قَالَ إِلَّا انه لَا يكن بعْدهَا إِلَّا الرّفْع وَكَذَا قَالَ الآخر وَوَجهه أَن (تَرَ) فعل فَلَا يُمكن أَن تكون (مَا) بعْدهَا زَائِدَة وينجر تَالِيهَا بِالْإِضَافَة لِأَن الْفِعْل لَا يُضَاف فَتعين أَن تكون مَوْصُولَة وَهِي مفعول (تَرَ) وَزيد خبر مَحْذُوف و(تَرَ) بعد (لَا) مجزوم بهَا وَهِي ناهية وَالتَّقْدِير فِي قَامَ الْقَوْم لَا تَرَ مَا زيد لَا تبصر أَيهَا الْمُخَاطب الشَّخْص الَّذِي هُوَ زيد فَإِنَّهُ فِي الْقيام أولى بِهِ مِنْهُم أَو غير مجزوم وَلَا نَافِيَة وحذفت أَلفه شذوذا أَو للتركيب وَكَذَا بعد (لَو) وَالتَّقْدِير لَو تبصر الَّذِي هُوَ زيد لرأيته أولى بِالْقيامِ مِنْهُم قَالَه أَبُو حَيَّان
بله
(ص) وبله أثْبته أهل بَغْدَاد والكوفية وَسمع جر تَالِيهَا فَقيل ك (غير) مُنْقَطِعًا وَقيل مصدر مُضَاف وَقيل حرف جر ونصبه مَفْعُولا وَهِي مصدر أَو
[ ٢ / ٢٨٩ ]
اسْم فعل وَرَفعه مُبْتَدأ وَهِي ك (كَيفَ) وهاؤه تفتح وتكسر وَيُقَال بَهَل وبَهْل (ش) عد الْكُوفِيُّونَ والبغداديون من أَلْفَاظ الِاسْتِثْنَاء (بله) وَهِي بِمَعْنى (لَا سِيمَا) نَحْو أكرمت العبيد بله الْأَحْرَار عَليّ معنى أَن إكرام الْأَحْرَار يزِيد على إكرام العبيد وَأنكر ذَلِك البصريون لِأَن إِلَّا لَا تقع مَكَانهَا وَلِأَن مَا بعْدهَا لَا يكون إِلَّا من جنس مَا قبلهَا وَلِأَن حرف الْعَطف يجوز دُخُوله عَلَيْهَا قَالَ ابْن الصَّائِغ وَلَو صَحَّ دُخُول (لَا سِيمَا) و(بله) فِي أدوات الِاسْتِثْنَاء لدخلت فِيهَا (حتي) لِأَن مَا بعْدهَا يخْتَص بِصفة لم تثبت لما قبلهَا والجر لما بعْدهَا مجمع على سَمَاعه وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ فِيهِ النصب وَأنْكرهُ أَكثر الْبَصرِيين وهم محجوجون بِالسَّمَاعِ قَالَ جرير ٩٢٦ -
(وَهَلَ كُنت يَا ابْنَ القَيْن فِي الدّهر مالِكًا بِغَيْر بعير بَلْهَ مُهْريَّةً نُخُبا)
قَالَ قُطْرُب وَرُوِيَ بِرَفْع مَا بعْدهَا على أَنَّهَا بِمَعْنى (كَيفَ) وَقد رُوِيَ بِالْجَرِّ وَالنّصب وَالرَّفْع قَوْله ٩٢٧ -
(تَذَرُ الجماجمَ ضاحيًا هاماتُها بَلْه الأكُفّ كأنّها لم تُخْلَق)
وَإِذا جرت فَقَالَ بعض الْكُوفِيّين هِيَ اسْم بِمَعْنى (غير) والجر بإضافتها فَيكون اسْتثِْنَاء مُنْقَطِعًا
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَقَالَ الْفَارِسِي هِيَ مصدر لم ينْطق لَهُ بِفعل مُضَاف إِلَى مَا بعده وَهِي إِضَافَة نصب وَقَالَ الْأَخْفَش هِيَ حرف جر وَإِذا نصبت فالمنصوب مفعول و(بله) مصدر وضع مَوضِع الْفِعْل بِمَعْنى تركا أَو اسْم فعل بِمَعْنى دع وَإِذا رفعت فمبتدأ وبله الْخَبَر وَفِي هائها لُغَتَانِ الْفَتْح بِنَاء وَالْكَسْر على أصل التقاء الساكنين إِلَّا على المصدرية فالفتح إِعْرَاب وَقَالَت الْعَرَب فِي بله بهل بِفَتْح الْهَاء وسكونها
لمّا
(ص) وبلما بِمَعْنى إِلَّا قَلِيلا نَحْو ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ [الطارق: ٤] وَأنْكرهُ الْجَوْهَرِي وقاسه الزجاجي وَتوقف أَبُو حَيَّان وَتقدم اسْتثِْنَاء سوى وَدون (ش) قَالَ أَبُو حَيَّان تكون (لما) بِمَعْنى إِلَّا وَهِي قَليلَة الدّور فِي كَلَام الْعَرَب وَيَنْبَغِي أَلا يَتَّسِع فِيهَا بل يقْتَصر على التَّرْكِيب الَّذِي وَقع فِي كَلَام الْعَرَب نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ [الطارق: ٤] ﴿وَإِن كل لما جَمِيع لدينا محضرون﴾ [يس: ٣٢] فِي قِرَاءَة من شدد الْمِيم ف (إِن) نَافِيَة وَلما بِمَعْنى إِلَّا وَمِمَّنْ حكى أَن (لما) بِمَعْنى (إِلَّا) الْخَلِيل وسيبويه وَالْكسَائِيّ
[ ٢ / ٢٩١ ]
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: ﴿وَمَا مِنَّا لمّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أَي إِلَّا لَهُ وَقَالُوا نشدتك الله لما فعلت كَذَا وعمرك الله لما فعلت كَذَا وعزك الله وقعدك الله لما فعلت كَذَا وَلما مَعَ هَذِه بِمَعْنى إِلَّا وَقد يحذف نشدتك الله أَو سَأَلتك وَمَا أشبهه فَيُقَال بِاللَّه لما صنعت كَذَا أَي سَأَلتك أَو نشدتك بِاللَّه إِلَّا صنعت قَالَ الشَّاعِر: ٩٢٨ -
(قالتْ لَهُ بِاللَّه يَا ذَا البُرْدَيْنْ لمّا غَنِثْتَ نَفسًا أَو اثْنَيْنْ)
فَهَذِهِ التراكيب وَنَحْوهَا من المسموع يَنْبَغِي أَن يعْتَمد فِي مَجِيء لما بِمَعْنى إِلَّا وَزعم الزجاجي أَنه يُقَال لم يَأْتِ من الْقَوْم لما أَخُوك وَلم أر من الْقَوْم لما زيدا بِمَعْنى إِلَّا أَخُوك وَإِلَّا زيدا قَالَ أَبُو حَيَّان وَيَنْبَغِي أَن يتَوَقَّف فِي إجَازَة هَذِه التراكيب وَنَحْوهَا حَتَّى يثبت سماعهَا أَو سَماع نظائرها من لِسَان الْعَرَب وَزعم الْجَوْهَرِي أَن لما بِمَعْنى إِلَّا غير مَعْرُوف فِي اللُّغَة وَبَقِي من أدوات الِاسْتِثْنَاء (سوى) وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي الظروف وَكَذَا (دون) عِنْد من يرى الِاسْتِثْنَاء بهَا
[ ٢ / ٢٩٢ ]
الْحَال
(ص) الْحَال هُوَ فضلَة دَالَّة على هَيْئَة صَاحبه ونصبه نصب الْمَفْعُول بِهِ أَو الْمُشبه بِهِ أَو الظّرْف أَقْوَال ويغلب انْتِقَاله إِلَّا فِي مُؤَكدَة وَقيل يشْتَرط لُزُومهَا وانتقال غَيرهَا واشتقاقه ويغني وَصفه أَو تَقْدِير مُضَاف قبله أَو دلَالَته على سعر أَو مفاعلة نَحْو كَلمته فَاه إِلَى فِي وَهل هُوَ مصدر سد عَن الْحَال أَو تقدر (من) أَو جاعلا أَو حذف أَو نَاب أَقْوَال وَلَا يُقَاس خلافًا لهشام وَسمع رَفعه وَلَا يقدم الْمَجْرُور وَجوزهُ الكوفية رفعا وَيُؤَخر الْعَامِل على الْأَصَح أَو على تَرْتِيب كعلمته الْحساب بَابا بَابا وَنصب الثَّانِي قَالَ الْفَارِسِي بِالْأولِ وَابْن جني صفة لَهُ والزجاج تَأْكِيد وَأَبُو حَيَّان منصوبان بالعامل لِأَن مجموعهما الْحَال وَالْمُخْتَار عطف بفاء بمحذوفة لظهورها فِي
(لتتبعن سنَن من قبلكُمْ باعا فباعا) أَو على أصل أَو فرع أَو نوع أَو تَشْبِيه أَو تَقْسِيم أَو تَفْضِيل على نَفسه أَو غَيره (ش) الْحَال يذكر وَيُؤَنث وَهُوَ فضلَة دَال عل هَيْئَة صَاحبه نَحْو جَاءَ زيد ضَاحِكا ف (ضَاحِكا) فضلَة دَال على الْهَيْئَة الَّتِي جَاءَ عَلَيْهَا زيد
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَخرج بالفضلة الْعُمْدَة نَحْو زيد ضَاحِك وبدال على هَيْئَة سَائِر المنصوبات إِلَّا الْمصدر النوعي وبصاحبه نَحْو رجعت الْقَهْقَرِي فَإِنَّهُ يدل على هَيْئَة الرُّجُوع لَا على هَيْئَة الصاحب وَلَا يقْدَح فِي جعله فضلَة عدم الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فِي بعض الْمَوَاضِع نَحْو ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ بطشتم جَبَّارِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ١٣٠] لِأَنَّهُ عَارض كَمَا لَا يقْدَح فِي الْعُمْدَة عرُوض الِاسْتِغْنَاء عَنهُ وَاخْتلفُوا من أَي بَاب نصب الْحَال فَقيل نصب الْمَفْعُول بِهِ وَقيل نصب الشبيه بالمفعول بِهِ وَهُوَ الْأَرْجَح وَقيل نصب الظروف لِأَن الْحَال يَقع فِيهِ الْفِعْل إِذْ الْمَجِيء فِي وَقت الضحك أَو الْإِسْرَاع مثلا فَأَشْبَهت ظرف الزَّمَان ورد بِأَن الظّرْف أَجْنَبِي من الِاسْم وَالْحَال هِيَ الِاسْم الأول وَالْغَالِب فِي الْحَال المبينة أَن تكون منتقلة أَي وَصفا غير لَازم وَقد تكون ثَابِتَة نَحْو ﴿أنزل إِلَيْكُم الْكتاب مفصلا﴾ [الْأَنْعَام: ١١٤] ﴿قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمرَان: ١٨] ﴿خلق الله الزرافة يَديهَا أطول من رِجْلَيْهَا﴾ ولد زيد قَصِيرا خلق أشهل أما الْمُؤَكّدَة فَلَا يغلب فِيهَا الِانْتِقَال بل هُوَ الثُّبُوت فِيهَا كثيران نَحْو ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [الْبَقَرَة: ٩١] ﴿وَأَن هَذَا صِراطي مُسْتَقِيمًا﴾ الْأَنْعَام: ١٥٣ ﴿وَلَا تعثوا فس الأَرْض مفسدين﴾ الْبَقَرَة: ٦٠ ﴿وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ مَرْيَم: ١٥ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا من قَوْلهَا﴾ النَّمْل ١٩ وَقيل لَا تكون المبنية إِلَّا منتقلة وَمَا ورد من الثَّابِت كالأمثلة السَّابِقَة مَحْمُول على الْمُؤَكّدَة لِأَنَّهُ فِي حكم الْمَعْلُوم وَقيل لَا تكون الْمُؤَكّدَة إِلَّا غير منتقلة وَالْغَالِب فِي الْحَال أَن تكون وَصفا مشتقا إِمَّا من الْمصدر كاسم الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول أَو من الِاسْم غير الْمصدر كأظفر من الظفر ومستحجر من الْحجر ومستنسر من النسْر ويغني عَن الِاشْتِقَاق أُمُور أَحدهَا وَصفه نَحْو (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مَرْيَم: ١٧]
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الثَّانِي تَقْدِير مُضَاف قبله كَقَوْلِهِم (وَقع المصطرعان عدلي عير) أَي مثل عدلي الثَّالِث دلَالَة على سعر نَحْو بِعْت الشياه شَاة بدرهم وَالْبر قَفِيزا بدرهم وَالدَّار ذِرَاعا بدرهم أَي مسعرا الرَّابِع دلَالَته على مفاعلة نَحْو كَلمته فَاه إِلَى فِي أَي مشافهة وبعته يدا بيد أَي مناجزة ورأسا بِرَأْس أَي مماثلة وَقد اخْتلف فِي أَعْرَاب كَلمته فَاه إِلَى فِي فمذهب سِيبَوَيْهٍ مَا ذكر أَنه حَال على انه اسْم وضع مَوضِع الْمصدر أَي مشافهة الْمَوْضُوع الْحَال أَي مشافها وَتعقب بِأَن الِاسْم الَّذِي تنقل الْعَرَب إِلَى الْمصدر لابد أَن يكون نكرَة كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ ولابد أَن يكون لَهُ مصدر من لَفظه كالدهن وَالعطَاء وفاه إِلَى فِي لَيْسَ كَذَلِك وَمذهب الْأَخْفَش أَن أَصله من فِيهِ إِلَى فِي حذف الْجَار فنصب كَقَوْلِه ﴿وَلَا تعزموا عقدَة النِّكَاح﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٥] أَي على عقدَة وَتعقب بِأَنَّهُ لَا يعْهَد حذف الْجَرّ مُلْتَزما وَبِأَن مبدأ غَايَة الْمُتَكَلّم فَمه لَا فَم المكلم وَلَو كَانَ معنى (من) مَقْصُودا لقيل من فِي إِلَى فِيهِ إِذا أظهرت وَفِي إِلَى فِيهِ إِذا قدرت وَقد ورد فِي الحَدِيث
(أَقْرَأَنيهَا رسولُ الله
فاهُ إِلَى فِيّ) ومبدأ الإقراء من فَم النَّبِي
على مَا هُوَ الظَّاهِر فِي الْغَايَة على أَن الْفَارِسِي أجَاب عَنهُ فِي الْمِثَال الشهير بِأَنَّهُ من المفاعلة فَلَمَّا تضمن كَلمته معنى كلمني وكلمته صَحَّ ذَلِك لِأَن كلمني (من فِيهِ) صَحِيح أَي لَا
[ ٢ / ٢٩٥ ]
بِوَاسِطَة وَلَا بِكِتَابَة وَالْعرب إِذا ضمنت شَيْئا معنى شَيْء علقت بِهِ مَا يتَعَلَّق بذلك الشَّيْء وَمذهب الْكُوفِيّين أَن أَصله كَلمته جاعلا فَاه إِلَى (فِي) فَهُوَ مفعول بِهِ وَمذهب الْفَارِسِي أَنه حَال نائبة مناب (جاعلا) ثمَّ حذف وَصَارَ الْعَامِل فِيهَا (كَلمته) وَلَا يُقَاس على هَذَا التَّرْكِيب بل يقْتَصر فِيهِ على مورد السماع فَلَا يُقَال كَلمته وَجهه إِلَى وَجْهي وَلَا عينه إِلَى عَيْني وَأَجَازَ هِشَام الْقيَاس عَلَيْهِ فَأجَاز مَاشِيَته قدمه إِلَى قدمي وكافحته وَجهه إِلَى وَجْهي وصارعته جبهتة على جبهتي وجاورته بَيته إِلَى بَيْتِي وناضلته قوسه عَن قوسي وَنَحْو ذَلِك ورد بِأَن فِيهِ إِيقَاع جامد موقع مُشْتَقّ وَمَعْرِفَة موقع نكرَة ومركب مَوضِع مُفْرد وبأقل من هَذَا الشذوذ يمْتَنع الْقيَاس وَسمع كلمني زيد فوه إِلَى فِي بِالرَّفْع على أَنَّهَا جملَة حَالية وَلَا يجوز تَقْدِيم (إِلَى فِي) على (فَاه) نصب أَو رفع عِنْد الْبَصرِيين لِأَن الْجَار للتبيين ك (لَك) بعد (سقيا) وَهُوَ لَا يقدم وَجوز الكوفية تَقْدِيمه إِذا رفع وَيجوز تَقْدِيم كليهمَا وَتَأْخِير الْعَامِل فَيُقَال فَاه إِلَى فِي كلمت زيدا عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين لتصرف الْعَامِل وَاتفقَ الْكُوفِيُّونَ على مَنعه وتبعهم بعض الْبَصرِيين وعزي لسيبويه أَيْضا لِأَنَّهَا حَال متأولة لم تقو قُوَّة غَيرهَا وَلم يسمع فِيهَا تَقْدِيم وَلَو قيل فوه إِلَى فِي كلمني زيد لم يجز أَيْضا عِنْد الْكُوفِيّين قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا أحفظ عَن الْبَصرِيين نصا فِي ذَلِك وَالْقِيَاس يَقْتَضِي الْجَوَاز الْخَامِس دلَالَته على تَرْتِيب نَحْو ادخُلُوا رجلا رجلا أَي مرتبين وَاحِدًا بعد وَاحِد وعلمته الْحساب بَابا بَابا أَي مفصلا أَو مصنفا وَفِي نصب الثَّانِي من المكرر خلاف ذهب الْفَارِسِي إِلَى أَن الأول لما وَقع موقع الْحَال جَازَ أَن يعْمل فِي الثَّانِي وَذهب ابْن جني إِلَى أَنه فِي مَوضِع الصّفة للْأولِ وَتَقْدِيره بَابا ذَا بَاب حذف
[ ٢ / ٢٩٦ ]
(ذَا) وأقيم الثَّانِي مقَامه فَجرى عَلَيْهِ جَرَيَان الأول كَمَا تَقول زيد عَمْرو أَي مثل عَمْرو وَقيل هُوَ صفة بِلَا تَقْدِير لِأَن التَّفْصِيل لَا يفهم بِالْأولِ وَحده وَقَالَ الزّجاج الثَّانِي تَأْكِيد للْأولِ قيل وَهُوَ أولى لِأَن التّكْرَار للتَّأْكِيد ثَابت من كَلَامهم وَأما التكرير للتفصيل فَلم يثبت فِي مَوضِع وتُعقب بِأَنَّهُ لَو كَانَ تَأْكِيد لَأَدَّى مَا أدّى الأول وَقَالَ أَبُو حَيَّان الَّذِي أختاره أَن كليهمَا مَنْصُوب بالعامل السَّابِق لِأَن مجموعهما هُوَ الْحَال لَا أَحدهمَا وَمَتى اخْتلف بالوصفية أَو غَيرهَا لم يكن لَهُ مدْخل فِي الحالية إِذْ الحالية مستفادة مِنْهُمَا فصارا يعطيان معنى الْمُفْرد فأعطيا إعرابه وَهُوَ النّصْف وَنَظِير ذَلِك قَوْلهم هَذَا حُلْو حامض وَكِلَاهُمَا مَرْفُوع على الخبرية وَإِنَّمَا حصل الْخَبَر بمجموعهما فَلَمَّا نَاب مناب الْمُفْرد الَّذِي هُوَ (مز) أعربا إعرابه قَالَ وَلَو ذهب ذَاهِب إِلَى أَن النصب إِنَّمَا هُوَ بالْعَطْف على تَقْدِير حذف الْفَاء أَي رجلا فرجلا وبابا فبابا لَكَانَ وَجها حسنا عَارِيا عَن التَّكَلُّف لِأَن المعني ادخُلُوا رجلا بعد رجل وعلمته الْحساب بَابا بعد بَاب قلت وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي لظهورهما فِي بعض التراكيب كَحَدِيث:
(لتتبعن سنَن من قبلكُمْ باعا فباعا) قَالَ أَبُو حَيَّان والتكرار فِي مثل هَذَا لَا يدل على أَنه أُرِيد بِهِ شبع الْوَاحِد بل الِاسْتِغْرَاق لجَمِيع الرِّجَال والأبواب وَنَحْو ذَلِك السَّادِس دلَالَته على أصاله الشَّيْء نَحْو: ﴿أأسجد لمن خلقت طينا﴾ [الْإِسْرَاء: ٦١] وَهَذَا خاتمك حديدا وَهَذَا جبتك خَزًّا السَّابِع دلَالَته على فرعيته نَحْو هَذَا حديدك خَاتمًا الثَّامِن دلَالَته على نوعيته نَحْو هَذَا مَالك ذَهَبا التَّاسِع دلَالَته على تَشْبِيه نَحْو كرّ زيد أسدا أَي مشبها أسدا الْعَاشِر دلَالَته على تَقْسِيم نَحْو أقسم المَال عَلَيْهِم أَثلَاثًا أَو أَخْمَاسًا
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الْحَادِي عشر دلَالَته على تَفْضِيل باعتبارين نَحْو هَذَا بسرًا أطيب مِنْهُ رطبا الثَّانِي عشر دلَالَته على تَفْضِيل على غَيره ذكره ابْن مَالك فِي (كافيته) نَحْو أَحْمد طفْلا أجل من على كهلا
وُرُود الْحَال مصدرا
(ص) وَورد مصدرا فَأول بِوَصْف وَقيل بِحَذْف مُضَاف وَقيل مفعول مُطلق لما قبله وَقيل لمقدر هُوَ الْحَال وَلَا يُقَاس وَلَو نوع الْفِعْل فِي الْأَصَح نَحْو أَنْت الرجل علما وَزُهَيْر شعرًا وَالْمُخْتَار أَنَّهُمَا تمييزان وَأما علما فعالم وَالْمُخْتَار مفعول بِهِ وَقيل مطاق وَرَفعه لُغَة فَإِن عرف فراجح وَالنّصب مفعول لَهُ أَو بِهِ أَو مُطلق أَقْوَال وَلَا يَقع (أَن) أَو (أَن) وَالْفِعْل حَالا خلافًا لِابْنِ جني (ش) ورد الْحَال مصدرا بِكَثْرَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ أَكثر من وُرُوده نعتا فَمِنْهُ ﴿ادعهن يأتينك سعيا وَاعْلَم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] ﴿يُنْفقُونَ أَمْوَالهم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سرا وَعَلَانِيَة﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧٤] ﴿وادعوه خوفًا وَطَمَعًا﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٦] ﴿إِنِّي دعوتهم جهارا﴾ [نوح: ٨] وَقَالُوا قتلته صبرا وأتيته ركضا ومشيا وعدوا ولقيته فَجْأَة وكفاحا وعيانا وكلمته مشافهة وطلع بَغْتَة وَأخذت ذَلِك عَنهُ سَمَاعا فَاخْتلف النحويون فِي تَخْرِيج هَذِه الْكَلم وَمَا أشبههَا من المسموع فَذهب سِيبَوَيْهٍ وَجُمْهُور الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا مصَادر فِي مَوضِع الْحَال مؤولة بالمشتق أَي ساعيا وراكضا ومفاجئا ومسرا ومعلنا وخائفين وطائعين ومجاهرا ومصبورا وَكَذَا الْبَاقِي وَقَالَ بَعضهم هِيَ مصَادر على حذف مُضَاف أَي إتْيَان ركض وسير عَدو ولقاء فَجْأَة وَقيل هِيَ أَحْوَال على حذف مُضَاف أَي ذَا سعي وَذَا فَجْأَة
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وَقيل هِيَ مفاعيل مُطلقَة للأفعال السَّابِقَة نوعية وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ وَقيل هِيَ مفاعيل مُطلقَة لفعل مُقَدّر من لَفظهَا وَذَلِكَ الْفِعْل هُوَ الْحَال أَي أتيت أركض ركضا وَعَلِيهِ الْأَخْفَش والمبرد وَأجْمع البصريون والكوفيون على أَنه لَا يسْتَعْمل من ذَلِك إِلَّا مَا استعملته الْعَرَب وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره فَلَا يُقَال جَاءَ زيد بكاء وَلَا ضحك زيد اتكاء وشذ الْمبرد فَقَالَ يجوز الْقيَاس وَاخْتلف النَّقْل عَنهُ فَنقل عَنهُ قوم أَنه أجَاز ذَلِك مُطلقًا وَنقل عَنهُ آخَرُونَ أَنه أجَازه فِيمَا هُوَ نوع الْفِعْل نَحْو أَتَيْته سرعَة وَيسْتَثْنى ثَلَاثَة أَنْوَاع جوزوا الْقيَاس فِيهَا الأول مَا وَقع بعد خبر قرن بأل الدَّالَّة على الْكَمَال نَحْو أَنْت الرجل علما أَي الْكَامِل فِي حَال علم فَيُقَال أَنْت الرجل أدبا ونبلا وحلما قَالَ أَبُو حَيَّان وَعِنْدِي أَن النصب فِي هَذَا على التَّمْيِيز كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت الْكَامِل من حَيْثُ الْعلم لِأَن إِطْلَاق الرجل بِمَعْنى الْكَامِل مَعْرُوف وَالْأَصْل أَنْت الْكَامِل علمه الثَّانِي مَا وَقع بعد خبر يشبه بِهِ مبتدؤه نَحْو أَنْت زُهَيْر شعرًا فَيُقَال أَنْت حَاتِم جودا والأحنف حلما ويوسف حسنا قَالَ أَبُو حَيَّان والتمييز فِيهِ أظهر أَيْضا وَقد نصوا على أَنه تَمْيِيز فِي قَوْلك: زيد الْقَمَر حسنا وثوبك السلق خضرَة الثَّالِث مَا وَقع بعد أما نَحْو أما علما فعالم وَالْأَصْل فِيهِ أَن رجلا وصف عِنْده شخص بِعلم وَغَيره فَقَالَ الرجل للواصف أما علما فعالم يُرِيد مهما يذكر إِنْسَان فِي حَال علم فَالَّذِي وصفت عَالم كَأَنَّهُ مُنكر مَا وَصفه بِهِ من غير الْعلم فالناصب لهَذِهِ الْحَال هُوَ فعل الشَّرْط الْمَحْذُوف وَصَاحب الْحَال هُوَ الْمَرْفُوع بِفعل الشَّرْط وَيُقَال قِيَاسا عَلَيْهِ أما سمنا فسمين وَأما نبْلًا فنبيل وَذهب بَعضهم إِلَى أَن نصب (عَالما) فِي هَذَا الْمِثَال على أَنه مفعول بِهِ ب فعل الشَّرْط الْمُقدر فَيقدر مُتَعَدِّيا على حسب الْمَعْنى فَكَأَنَّهُ قَالَ مهما تذكر علما فَالَّذِي وصف عَالم
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَهَذَا مَذْهَب الْكُوفِيّين وَاخْتَارَهُ السيرافي وَابْن مَالك قَالَ لِأَنَّهُ لَا يخرج مِنْهُ شَيْء عَن أَصله إِذْ الحكم عَلَيْهِ بالحالية فِيهِ إِخْرَاج الْمصدر عَن أَصله وَوَضعه مَوضِع اسْم الْفَاعِل وَلِأَنَّهُ ورد فِيمَا لَيْسَ مصدرا سمع أما قُريْشًا فَأَنا أفضلهَا وَأما العبيد فذو عبيد وَذهب الْأَخْفَش إِلَى أَنه مفعول مُطلق مُؤَكد لناصبه وَهُوَ (عَالم) الْمُؤخر وَالتَّقْدِير (مهما يكن من شَيْء فالمذكور عَالم علما) فَلَزِمَ تَقْدِيمه كَمَا لزم تَقْدِيم الْمَفْعُول فِي ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ [الضُّحَى: ٩] وَالْأَصْل مهما يكن من شَيْء فاليتيم لَا تقهر وَرفع الْمصدر الْوَاقِع بعد أما جَائِز فِي لُغَة تَمِيم أما علم فعالم مَعَ ترجيحهم النصب فَإِن وَقع بعد (أما) معرفَة فالأرجح عِنْد المجازيين رَفعه وأوجبه بَنو تَمِيم نَحْو أما الْعلم فعالم أَي فَهُوَ عَالم وَيجوز نَصبه أَيْضا فِي لُغَة الْحجاز وَوَجهه سيبوبه بِأَن مفعول لَهُ لتعذر الْحَال بالتعريف والمصدر لِأَنَّهُ مُؤَكد والمؤكد لَا يكون معرفَة وَذهب الْأَخْفَش إِلَى أَنه مفعول مُطلق والكوفيون وَمن وافقهم إِلَى أَنه مفعول بِهِ كالقولين فِي الْمُنكر وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن أَن وَالْفِعْل وَإِن قدرت بمصدر لَا يجوز أَن تقع حَالا لِأَن الْعَرَب أجرتهَا مجْرى المعارف فِي بَاب الْإِخْبَار بكان وَلِأَن أَن للاستقبال والمستقبل لَا يكون حَالا وأجازة ابْن جني وَخرج عَلَيْهِ قَوْله ٩٢٩ -
(وَقَالُوا لَهَا لَا تُنكِحيه فإنّه لأوّل نَصْل أنْ يلاقِيَ مَجْمعَا)
[ ٢ / ٣٠٠ ]
تنكير الْحَال
(ص) مَسْأَلَة يجب تنكيره وَثَالِثهَا لَا إِن كَانَ فِيهِ معنى الشَّرْط وَورد بِاللَّامِ وَالْإِضَافَة وعلما فمؤول وَمِنْه الْعدَد من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة مُضَافا لضمير سَابق وتجعله بَنو تَمِيم توكيدا وَكَذَا مركبة فِي الْأَصَح وَالأَصَح أَن (وَحده) مَوضِع مصدر حَال وَقيل مصدر بِحَذْف الزِّيَادَة وَقيل من (وحد) وَقيل لَا فعل لَهُ وَقيل نصب ظرفا وَقيل بمضمر (ش) يجب فِي الْحَال التنكير لِأَنَّهَا خبر فِي الْمَعْنى وَلِئَلَّا يتَوَهَّم كَونهَا نعتا عِنْد نصب صَاحبهَا أَو خَفَاء إعرابها هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَجوز يُونُس والبغداديون تَعْرِيفهَا نَحْو جَاءَ زيد الرَّاكِب قِيَاسا على الْخَبَر وعَلى مَا سمع من ذَلِك وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ إِذا كَانَ فِي الْحَال معنى الشَّرْط جَازَ أَن يَأْتِي على صُورَة الْمعرفَة وَهِي مَعَ ذَلِك نكرَة نَحْو عبد الله المحسن أفضل مِنْهُ الْمُسِيء التَّقْدِير: إِذا أحسن أفضل مِنْهُ إِذا أَسَاءَ وَأَنت زيدا أشهر مِنْك عمرا أَي إِذا سميت وَسمع لذُو الرمة ذَا الرمة أشهر مِنْهُ غيلَان فَإِن لم يكن فِيهَا معنى الشَّرْط لم يجز أَن تَأتي معرفَة فِي اللَّفْظ نَحْو جَاءَ زيد الرَّاكِب والأولون قَالُوا الْمَنْصُوب فِي الأول بِتَقْدِير إِذا كَانَ وَفِي الآخرين بِفعل التَّسْمِيَة وَورد عَن الْعَرَب أَحْوَال مقترنة بِاللَّامِ كَقَوْلِهِم مَرَرْت بهم الْجَمَّاء الْغَفِير ٩٣٠ -
(فأرسلها العراكَ )
[ ٢ / ٣٠١ ]
وادخلوا الأول فَالْأول وَقُرِئَ ﴿ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ [المُنَافِقُونَ: ٨] وَهِي مؤولة على زِيَادَة اللَّام وَورد أَيْضا أَحْوَال مُضَافَة نَحْو (تفَرقُوا أيادي سبأ) فَأول بِتَقْدِير (مثل) أَو (تبددا لَا بَقَاء مَعَه) وطلبته جهدي وطاقتي ووحدي فَأول بِتَقْدِير جاهدا ومطيقا ومنفردا وَرجع عوده على بدئه أَي عَائِدًا وَمِنْه عِنْد الْحِجَازِيِّينَ الْعدَد من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة مُضَافا إِلَى ضمير مَا تقدم نَحْو مَرَرْت بهم ثَلَاثَتهمْ أَو خمستهم أَو عشرتهم وتأويله عِنْد سِيبَوَيْهٍ أَنه فِي مَوضِع مصدر وضع مَوضِع الْحَال أَي مثلثا أَو مخمسا لَهُم وَبَنُو تَمِيم يتبعُون ذَلِك لما قبله فِي الْإِعْرَاب توكيدا فعلي هَذَا يقدر ب (جَمِيعهم) وعَلى الأول ب (جَمِيعًا) وَهل يجْرِي ذَلِك فِي مركب الْعدَد قيل لَا وَالصَّحِيح الْجَوَاز فَيُقَال جَاءَ الْقَوْم خَمْسَة عشرهم والنسوة خَمْسَة عشرتهم بِالنّصب وَورد أَيْضا من الْحَال مَا هُوَ علم قَالُوا جَاءَت الْخَيل بداد وبداد علم جنس فَأول بمتبددة
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وَفِي (وَحده) مَذَاهِب قَالَ سِيبَوَيْهٍ والخليل هُوَ اسْم مَوْضُوع مَوضِع الْمصدر الْمَوْضُوع مَوضِع الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ إيحادا وإيحادا مَوضِع موحدا فِي الْمُتَعَدِّي ومتوحدا فِي اللَّازِم وَقَالَ قوم إِنَّه مصدر على حذف حُرُوف الزِّيَادَة من إِيجَاد وَاقع موقع الْحَال وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه مصدر لم يلفظ لَهُ بِفعل كالأخوة وَقيل إِنَّه مصدر بِلَا حذف لِأَنَّهُ سمع وحد يحد وَقَالَ يُونُس وَهِشَام إِنَّه مَنْصُوب انتصاب الظّرْف فَيجْرِي مجْرى (عِنْده) وَالْأَصْل فِي جَاءَ زيد وَحده على وَحده حذف الْجَار وَنصب على الظّرْف وَسمع جلسا على وحديهما وَالتَّقْدِير فِي زيد وَحده زيد مَوضِع التفرد وَهَذَا الْمِثَال مسموع وَهُوَ أقوى دَلِيل على ظرفيته حَيْثُ جَعَلُوهُ خَبرا لَا حَالا إِذْ لَا يجوز زيد جَالِسا وق وَقيل إِنَّه فِي زيد وَحده مَنْصُوب بِفعل مُضْمر أَي وحد وَحده كَمَا قَالُوا زيد إقبالا وإدبارا أَي يقبل وَيُدبر
صَاحب الْحَال
(ص) مَسْأَلَة لَا يَجِيء من نكرَة غَالِبا إِلَّا بمسوغ ابْتِدَاء قَالَ أَبُو حَيَّان: ودونه قِيَاسا وَقيل يخْتَص بِالْوَصْفِ وَشرط بَعضهم الْوَصْف بوصفين مَا لم يقدم أَو يكن جملَة بِالْوَاو وَالأَصَح أَنه فِي نَحْو فِيهَا قَائِما رجل من الْمُبْتَدَأ لَا ضمير الظّرْف وَيَجِيء من الْمُضَاف إِلَيْهِ مَفْعُوله قَالَ الْأَخْفَش وَابْن مَالك أَو جزؤه أَو كجزئه وَبَعْضهمْ مُطلقًا وَفِي مَجِيئه من المنادى ثَالِثهَا يجوز مُؤَكدَة لَا مبينَة (ش) لما كَانَت الْحَال خَبرا فِي الْمَعْنى وصاحبها مخبرا عَنهُ أشبه الْمُبْتَدَأ فَلم يجز مَجِيء الْحَال من النكرَة غَالِبا إِلَّا بمسوغ من مسوغات الِابْتِدَاء بهَا وَمن
[ ٢ / ٣٠٣ ]
النَّادِر قَوْلهم (عَلَيْهِ مائَة بيضًا) و(فِيهَا رجل قَائِما) وَاخْتَارَ أَبُو حَيَّان مَجِيء الْحَال من النكرَة بِلَا مسوغ كثيرا قِيَاسا وَنَقله عَن سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ دون الِاتِّبَاع فِي الْقُوَّة وَمن المسوغات النَّفْي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا أهلكنا من قَرْيَة إِلَّا وَلها كتاب مَعْلُوم﴾ [الْحجر: ٤] وَالنَّهْي نَحْو ٩٣١ -
(لَا يَرْكَبَنْ أحدٌ إِلَى الإحْجام يَوْمَ الوَغَى مُتَخَوِّفًا لحِمام)
والاستفهام نَحْو ٩٣٢ -
(يَا صَاح هَل حُمَّ عَيْشٌ باقِيًا فَتَري )
وَالْوَصْف نَحْو ﴿فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا﴾ [الدُّخان: ٤ - ٥] وبالآية رد على من قَالَ إِنَّه لَا يجوز إِلَّا أَن تكون النكرَة مَوْصُوفَة بوصفين وَالْإِضَافَة نَحْو: ﴿فِي أَرْبَعَة أَيَّام سَوَاء﴾ [فصلت: ١٠] ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الْأَنْعَام: ١١١] وَالْعَمَل نَحْو مَرَرْت بضارب هندا قَائِما وَقيل لَا يجوز فِي غير الْمَوْصُوف إِلَّا سَمَاعا
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فَإِن قدم الْحَال على صَاحبه النكرَة جَازَ وَإِن لم يكن لَهُ مسوغ تخلصا من تقدم الْوَصْف نَحْو هَذَا قَائِما رجل وَكَذَا إِن كَانَ جملَة مقرونة بِالْوَاو نَحْو ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة وَهِي خاوية على عروشها﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] ٩٣٤ -
(مَضَى زَمَنٌ والنَّاسُ يَسْتَشْفِعُون بِي )
وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَن صَاحب الْحَال فِي نَحْو (فِيهَا قَائِما رجل) هُوَ الْمُبْتَدَأ وَصَححهُ ابْن مَالك وَذهب قوم إِلَى أَن صَاحبه الضَّمِير المستكن فِي الْخَبَر بِنَاء على أَنه لَا يكون إِلَّا من الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَزعم ابْن خروف أَن الْخَبَر إِذا كَانَ ظرفا أَو مجرورا لَا ضمير فِيهِ عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْفراء إِلَّا إِذا تَأَخّر وَأما إِذا تقدم فَلَا ضمير فِيهِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ لجَاز أَن يُؤَكد ويعطف عَلَيْهِ ويبدل مِنْهُ كَمَا يفعل ذَلِك مَعَ الْمُتَأَخر وَحقّ صَاحب الْحَال أَلا يكون مجرورا بِالْإِضَافَة كَمَا لَا يكون صَاحب الْخَبَر لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ مكمل للمضاف وواقع مِنْهُ موقع التَّنْوِين فَإِن كَانَ الْمُضَاف بِمَعْنى الْفِعْل حسن جعل الْمُضَاف إِلَيْهِ صَاحب حَال لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى فَاعل أَو مفعول نَحْو ﴿إِلَيْهِ مرجعكم جَمِيعًا﴾ [يُونُس: ٤] وَعرفت قيام زيد مسرعا وَجوز بعض الْبَصرِيين وَصَاحب (الْبَسِيط) مَجِيء الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ مُطلقًا وَخَرجُوا عَلَيْهِ ﴿أَن دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين﴾ [الْحجر: ٦٦] وَقَوله ٩٣٤ -
(حَلَقُ الْحَدِيد مُضَاعَفًا يَتَلَهّبُ )
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وَجوزهُ الْأَخْفَش وَابْن مَالك إِن كَانَ الْمُضَاف جُزْءا مَا أضيف إِلَيْهِ أَو مثل جزئه نَحْو ﴿مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا﴾ [الْحجر: ٤٧] ﴿مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ [النِّسَاء: ١٢٥] لِأَنَّهُ لَو اسْتغنى بِهِ عَن الْمُضَاف وَقيل نَزَعْنَا مَا فيهم إخْوَانًا وأتبع إِبْرَاهِيم حَنِيفا لصَحَّ ورده أَبُو حَيَّان وَقَالَ إِن النصب فِي (إخْوَانًا) على الْمَدْح و(حَنِيفا) حل من (مِلَّة) بِمَعْنى دين أَو من الضَّمِير فِي (اتبع) قَالَ وَإِنَّمَا لم يجز الْحَال من الْمُضَاف إِلَيْهِ لما تقرر من أَن الْعَامِل فِي الْحَال هُوَ الْعَامِل فِي صَاحبهَا وعامل الْمُضَاف إِلَيْهِ اللَّام أَو الْإِضَافَة وَكِلَاهُمَا لَا يصلح أَن يعْمل فِي الْحَال وَفِي مَجِيء الْحَاء من المنادى مَذَاهِب
تَقْدِيم الْحَال على صَاحبه
(ص) وَيقدم على صَاحبه لَا مجرور بِإِضَافَة وَقيل إِلَّا بِوَصْف وَلَا مَنْصُوب بكأن وليت وَلَعَلَّ وَفعل تعجب وَلَا ضمير مُتَّصِل بصلَة أل أَو حرف وَيجب إِن أضيف لضمير ملابسه قيل أَو قرن بإلا وَمنعه البصريون على مجرور بِغَيْر زَائِد وَثَالِثهَا إِلَّا الضَّمِير والفعلية والكوفية على ظَاهر مَرْفُوع آخر رافعه ومنصوب وَقيل إِلَّا الفعلية (ش) الأَصْل فِي الْحَال التَّأْخِير عَن صَاحبهَا كالخبر وَيجوز تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ كَمَا يجوز فِيهِ سَوَاء كَانَ مَرْفُوعا كَقَوْلِه ٩٣٥ -
(فَسَقَى دِيَارَك غَيْرَ مُفْسِدِها صَوْبُ الغَمَام وديمةٌ تَهْمِى)
أم مَنْصُوبًا كَقَوْلِه
[ ٢ / ٣٠٦ ]
٩٣٦ -
(وَصَلتْ وَلم أَصْرمْ مُسِبِّبينَ أُسْرَتِي )
أم مجرورا بِحرف زَائِد نَحْو مَا جَاءَ عَاقِلا من أحد وَكفى معينا بزيد أَو أُصَلِّي نَحْو ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس﴾ [سبأ: ٢٨] هَذَا هُوَ الْأَصَح فِي الْجَمِيع أما الْمَجْرُور بِالْإِضَافَة فَلَا يجوز تَقْدِيم الْحَال عَلَيْهِ كعرفت قيام هِنْد مسرعة فَلَا يقدم (مسرعة) على (هِنْد) لِئَلَّا يفصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ وَلَا على (قيام) الَّذِي هُوَ الْمُضَاف لِأَن نِسْبَة الْمُضَاف إِلَيْهِ من الْمُضَاف كنسبة الصِّلَة من الْمَوْصُول فَلَا يقدم عَلَيْهِ شَيْء من معمولاته وَسَوَاء كَانَت الْإِضَافَة مَحْضَة كالمثال أم غير مَحْضَة نَحْو هَذَا شَارِب السويق ملتويا الْآن أَو غَدا كَمَا قَالَ ابْن هِشَام فِي (الْجَامِع) إِنَّه الْأَصَح وَأَجَازَ ابْن مَالك فِي الثَّانِي تَقْدِيم الْحَال على الْمُضَاف لِأَن الْإِضَافَة فِي نِيَّة الِانْفِصَال كَذَا ذكره فِي (شَرّ ح التسهيل) لكنه نقل ذَلِك فِي (شرح الْعُمْدَة) عَن بعض النَّحْوِيين وَقَالَ الْمَنْع عِنْدِي أولى وَمنع أَكثر النَّحْوِيين مِنْهُم الْبَصرِيين تَقْدِيم الْحَال على صَاحبهَا الْمَجْرُور بِحرف غير زَائِد سَوَاء كَانَ ظَاهرا أَو ضميرا فمنعوا مَرَرْت ضاحكة بهند ومررت ضَاحِكا بك وتأولوا الْآيَة بِأَن (كَافَّة) حَال من الْكَاف وعللوا الْمَنْع بِأَن تعلق الْعَامِل بِالْحَال ثَان لتَعَلُّقه بِصَاحِبِهِ فحقه إِذا تعدى لصَاحبه بِوَاسِطَة أَن يتعدي إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْوَاسِطَة لَكِن منع من ذَلِك خوف التباس الْحَال بِالْبَدَلِ وَأَن فعلا وَاحِدًا لَا يتَعَدَّى بِحرف بِحرف وَاحِد إِلَى شَيْئَيْنِ فَجعلُوا عوضا من الْإِشْرَاك فِي الْوَاسِطَة الْتِزَام التَّأْخِير وَبِأَن حَال الْمَجْرُور بِحرف شبية بِحَال عمل فِيهِ حرف جر مضمن معنى الِاسْتِقْرَار نَحْو زيد فِي الدَّار مُتكئا فَكَمَا لَا يجوز تَقْدِيم الْحَال على حرف الْجَرّ فِي مثل هَذَا لَا يقدم عَلَيْهِ هُنَا وَجوز الكوفية التَّقْدِيم إِن كَانَ صَاحب الْحَال ضميرا أَو ظَاهرا وَالْحَال فعل نَحْو مَرَرْت تضحك بهند ومنعوه إِذا كَانَ ظَاهرا وَهِي اسْم
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي الْإِجْمَاع على الْمَنْع حِينَئِذٍ وَلَيْسَ كَذَلِك فقد قَالَ بِالْجَوَازِ مُطلقًا الْفَارِسِي وَابْن كيسَان وَابْن برهَان وَصَححهُ ابْن مَالك وَمنع الْكُوفِيُّونَ أَيْضا التَّقْدِيم على الْمَرْفُوع الظَّاهِر الْمُؤخر رافعه فَلَا يجيزون مسرعا قَامَ زيد ويجيزون قَامَ مسرعا زيد لتقدم الرافع وَمنع الْكُوفِيُّونَ أَيْضا التَّقْدِيم على الْمَنْصُوب الظَّاهِر سَوَاء كَانَ الْحَال اسْما أَو فعلا فَلَا يجيزون لقِيت راكبة هندا وَلَا لقِيت تركب هِنْد وعللوه بِأَنَّهُ يُوهم كَون الِاسْم مَفْعُولا وَمَا بعده بدل مِنْهُ وَجوزهُ بَعضهم إِذا كَانَت الْحَال فعلا لَا اسْما لانْتِفَاء توهم المفعولية إِذْ لَا يتسلط الْفِعْل على الْفِعْل تسلط الْمَفْعُول بِهِ وَفِي (شرح الْعُمْدَة) لِابْنِ مَالك وَمَا يمْتَنع فِيهِ تَقْدِيم الْحَال على صَاحبهَا أَن يكون مَنْصُوبًا بكان أَو لَيْت أَو لَعَلَّ أَو فعل تعجب أَو اتَّصل بصلَة (أل) نَحْو القاصدك سَائِلًا زيد أَو اتَّصل بِفعل مَوْصُول بِهِ حرف نَحْو أعجبني أَن ضربت زيدا مؤدبا وَلم يتَعَرَّض لذَلِك فِي (التسهيل) وَقد يعرض للْحَال مَا يُوجب تَقْدِيمهَا على صَاحبهَا كإضافته إِلَى ضمير ملابسها نَحْو جَاءَ زَائِرًا هِنْد أَخُوهَا وَجَاء منقادا لعَمْرو صَاحبه وَجعل قوم من ذَلِك اقتران صَاحب الْحَال بإلا نَحْو مَا قدم مسرعا إِلَّا زيد
تَقْدِيم الْحَال على عَامله
(ص) وعَلى عَامله وَثَالِثهَا يمْنَع فِي نَحْو رَاكِبًا زيد جَاءَ وَرَابِعهَا إِن كَانَت فِي ظَاهر وَفِي الْمُؤَكّدَة خلاف الْمصدر وَيمْتَنع إِن كَانَ الْعَامِل فعلا غير متصرف أَو صلَة لأل أَو حرفا أَو مصدرا قَالَ ابْن مَالك أَو نعتا أَو أفعل تَفْضِيل أَو اتَّصل بلام ابْتِدَاء أَو قسم أَو أفهم تَشْبِيها خلافًا للكسائي أَو ضمن معنى الْفِعْل لَا حُرُوفه كإشارة وتنبيه وتمن وترج أَو قرن الْحَال بِالْوَاو وَثَالِثهَا يجوز إِن كَانَ فعلا (ش) فِي تَقْدِيم الْحَال على عَملهَا مَذَاهِب أَحدهَا الْمَنْع مُطلقًا وَعَلِيهِ الْجرْمِي تَشْبِيها بالتمييز
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وَالثَّانِي الْجَوَاز مُطلقًا إِلَّا مَا يَأْتِي اسْتِثْنَاؤُهُ وَهُوَ الْأَصَح وَعَلِيهِ الْجُمْهُور قِيَاسا على الْمَفْعُول بِهِ والظرف وَالْفرق بَينه وَبَين التَّمْيِيز أَن الْحَال يقتضيها الْفِعْل بِوَجْه فَقدمت كَمَا تقدم سَائِر الفضلات وَقد ورد بِهِ السماع قَالَ تَعَالَى ﴿خشعا أَبْصَارهم يخرجُون﴾ [الْقَمَر: ٧٠] وَسَوَاء كَانَت الْحَال مصدرا أَو غَيره مُؤَكدَة أم غير مُؤَكدَة وَفِي الْمُؤَكّدَة خلاف كالخلاف فِي الْمصدر الْمُؤَكّدَة وَمنع الْأَخْفَش رَاكِبًا زيد جَاءَ لبعدها عَن الْعَامِل وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الثَّالِث وَالرَّابِع وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ إِن كَانَت الْحَال من مَرْفُوع ظَاهر تَأَخَّرت وتوسطت والرافع قبلهَا وَلم يتَقَدَّم على الرّفْع وَالْمَرْفُوع مَعًا فَلَا يجوز رَاكِبًا جَاءَ زيد لِأَنَّهَا عِنْدهم فِي معنى الشَّرْط فيؤول إِلَى تَقْدِيم الْمُضمر على الظَّاهِر لفظا ورتبة وَإِن كَانَت من مَرْفُوع مُضْمر جَازَ تَأْخِيرهَا وتوسيطها وتقديمها على الرافع وَالْمَرْفُوع مَعًا نَحْو قَائِما فِي الدَّار وَأَنت وراكبا جِئْت وَإِن كَانَت من مَنْصُوب ظَاهر أَو مجرور ظَاهر لم يجز تَقْدِيمهَا كالمرفوع وَلَا توسطها حذرا من توهم الْمَفْعُول أَو مُضْمر جَازَ التَّقْدِيم نَحْو ضَاحِكا لقيتني هِنْد وضاحكا مرت بِي هِنْد وعَلى الْأَصَح يسْتَثْنى صور لَا يجوز فِيهَا التَّقْدِيم مِنْهَا أَن يكون الْعَامِل فعلا غير متصرف نَحْو مَا أحسن هندا متجردة فَلَا يُقَال متجردة مَا أحسن هندا أَو صفة غير مَحْضَة أَو صلَة لأل نَحْو الجائي مسرعا زيد فَلَا يجوز المسرعا جَاءَنِي زيد بِخِلَاف صلَة غَيرهَا فَيُقَال من الَّذِي خَائفًا جَاءَ أَو صلَة لحرف مصدري نَحْو يُعجبنِي أَن يقوم زيد مسرعا فَلَا يجوز أَن مسرعا يقوم زيد أَو مصدرا نَحْو يُعجبنِي ركُوب الْفرس مسرجا أَو نعتا نَحْو مَرَرْت بِرَجُل ذَاهِبَة فرسه مكسورا سرجها فَلَا يُقَال بِرَجُل مكسورا سرجها ذَاهِبَة فرسه كَذَا قَالَه ابْن مَالك
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وَقَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّه غَفلَة مِنْهُ ونصوص النَّحْوِيين على جَوَاز تَقْدِيم مَعْمُول النَّعْت عَلَيْهِ من مفعول بِهِ وَحَال وظرف ومصدر وَنَحْوهَا وَإِنَّمَا منعُوا تَقْدِيم الْمَعْمُول على المنعوت لَا على النَّعْت الْعَامِل فِيهِ فَيجوز فِي مَرَرْت بِرَجُل يركب الْفرس مسرجا مَرَرْت بِرَجُل مسرجا يركب الْفرس وَلَا يجوز مَرَرْت مسرجا بِرَجُل يركب الْفرس قَالَ وَأما الْمِثَال الَّذِي ذكره فَلم يمْتَنع فِيهِ تَقْدِيم (مكسورا سرجها) من جِهَة أَن الْعَامِل فِي (مكسورا) النَّعْت بل من جِهَة تَقْدِيم الْمُضمر على مَا يفسره وَقد نَص النحويون على منع تَقْدِيم الْمُضمر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَمَا أشبههَا وَأَنه مِمَّا يلْزم فِيهِ تَأْخِير الْحَال إِذْ لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يُفَسر فِيهَا الْمُضمر مَا بعده وَمن الصُّور المستثناة أَن يكون الْعَامِل أفعل التَّفْضِيل نَحْو زيد أكفاهم ناصرا لانحطاطه عَن دَرَجَة اسْم الْفَاعِل وَالصّفة المشبهة فَأشبه الجوامد أَو مُتَّصِلا بلام الِابْتِدَاء أَو لَام الْقسم نَحْو لأصبر محتسبا وَالله لأقومن طَائِعا أَو مفهم تَشْبِيه نَحْو زيد مثلك شجاعا وَزيد زُهَيْر شعرًا وَزيد الشَّمْس طالعة وَالْمَنْع فِي هَذِه الصُّورَة مَذْهَب الْبَصرِيين وَأَجَازَ الْكسَائي التَّقْدِيم فَقَالَ زيد شجاعا مثلك وَزيد طالعة الشَّمْس وَمِنْهَا أَن يكون الْعَامِل غير فعل وَلَا وصف فِيهِ معنى الْفِعْل وحروفه وَهُوَ الجامد المتضمن معنى مُشْتَقّ ك (أما) فِي مثل أما علما فعالم أَو اسْم الْإِشَارَة (وحروف) التَّنْبِيه نَحْو هَذَا زيد قَائِما يجوز كَون الْعَامِل فِي الْحَال حرف التَّنْبِيه وَأَن يكون الْإِشَارَة فعلي تَقْدِير الأول يجوز هَا قَائِما ذَا زيد وَلَا يجوز على تَقْدِير الثَّانِي وكحرف التَّمَنِّي وَهُوَ لَيْت والترجي وَهُوَ لَعَلَّ وَمِنْهَا أَن يكون الْحَال جملَة مَعهَا وَاو نَحْو جَاءَ زيد وَالشَّمْس طالعة فَلَا يجوز وَالشَّمْس طالعة جَاءَ زيد وَأَجَازَهُ الْكسَائي وَالْفراء وَهِشَام مُطلقًا وَأَجَازَهُ بَعضهم إِذا كَانَ الْعَامِل فعلا
[ ٢ / ٣١٠ ]
إِذا كَانَ عَامل الْحَال أفعل التَّفْضِيل
(ص) واغتفر بل وَجب على الْأَصَح توَسط أفعل بَين حَالين وَإِنَّمَا يجيئان مَعَه لمختلفي حَال أَو ذَات وَالأَصَح أَنه يعْمل فيهمَا (ش) كَانَ الْقيَاس إِذا كَانَ الْعَالم أفعل التَّفْضِيل وَاقْتضى حَالين أَن يتَأَخَّر الحالان عَنهُ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ يَقْتَضِي حَالا وَاحِدَة وَجب تَأْخِيرهَا عَنهُ وَلَا ينْتَصب مَعَ أفعل التَّفْضِيل إِلَّا الْمُخْتَلف الذَّات مُخْتَلف الْحَالين نَحْو زيد مُفردا أَنْفَع من عَمْرو معانا أَو مُتَّفقا الْحَال نَحْو زيد مُفردا أَنْفَع من عَمْرو مُفردا أَو إِلَّا المتحد الذَّات مُخْتَلف الْحَالين نَحْو هَذَا بسرا أطيب مِنْهُ رطبا وَزيد قَائِما أَخطب مِنْهُ قَاعِدا وَاخْتلف فِي الْعَامِل فِي هذَيْن الْحَالين فَالْأَصَحّ أَنه أفعل التَّفْضِيل ف (بسرا) حَال من الضَّمِير المستكن فِي (أطيب) و(رطبا) حَال من ضمير (مِنْهُ) وَالْعَامِل فيهمَا (أطيب) وَذهب الْمبرد وَطَائِفَة إِلَى أَنَّهُمَا منصوبان على إِضْمَار كَانَ التَّامَّة صلَة ل (إِذْ) فِي الْمَاضِي و(إِذا) فِي الْمُسْتَقْبل وهما حالان من ضميرهما وَقيل على إِضْمَار (كَانَ) و(يكون) النَّاقِصَة وعَلى الحالية فالمسموع من كَلَام الْعَرَب توَسط (أفعل) بَين هذَيْن الْحَالين فاقتصر الْجُمْهُور على مَا سمع فَقَالُوا لَا يجوز تأخيرهما عَن أفعل وَلَا تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ لِأَن الْقيَاس فِي أصل هَذِه الْمَسْأَلَة الْمَنْع لَوْلَا أَن السماع ورد بهَا إِذْ لَا يعْهَد نصب (أفعل) فضلتين بِدَلِيل أَنه لَا ينصب مفعولين فَلَمَّا وَردت أجريت كَمَا سَمِعت وَوَجهه الزّجاج بِأَنَّهُم أَرَادوا أَن يفصلوا بَين الْمفضل والمفضل عَلَيْهِ لِئَلَّا يَقع الالتباس وَلَا يعلم أَيهمَا الْمفضل فَلِذَا قدم الْمفضل وَأخر الْمفضل عَلَيْهِ وَأَجَازَ بعض المغاربة تَأْخِير الْحَالين عَن (أفعل) بِشَرْط أَن يَلِيهِ الْحَال الأولى مفصولة عَنهُ من الثَّانِيَة فَيُقَال هَذَا أطيب بسرا مِنْهُ رطبا وَزيد أَشْجَع أعزل من عَمْرو ذَا سلَاح
[ ٢ / ٣١١ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا حسن فِي الْقيَاس لكنه يحْتَاج إِلَى سَماع أما التَّأْخِير على غير هَذَا الْوَجْه نَحْو هَذَا أطيب مِنْهُ بسرا رطبا أَو التَّقْدِيم نَحْو هَذَا بسرا مِنْهُ رطبا أطيب فَلَا يجوز بِإِجْمَاع
إِذا كَانَ عَامل الْحَال ظرفا أَو مجرورا
(ص) فَإِن كَانَ الْعَامِل ظرفا لم يقدم على الْجُمْلَة وَثَالِثهَا يجوز إِن كَانَ مثله وَفِي تقدمه عَلَيْهِ لَا الْجُمْلَة الْأَقْوَال وَرَابِعهَا يجوز إِن كَانَت من مُضْمر مَرْفُوع وَقَالَ ابْن مَالك إِن كَانَت مثله قوي وَإِلَّا ضعف فَإِن تَأَخّر الْمُبْتَدَأ جَازَ اتِّفَاقًا (ش) إِذا كَانَ عَامل الْحَال ظرفا أَو مجرورا فَفِي جَوَاز تَقْدِيم الْحَال على الْجُمْلَة الَّتِي مِنْهَا الظّرْف وَالْمَجْرُور أَقْوَال أَحدهَا وَهُوَ الْأَصَح الْمَنْع مُطلقًا وَحكى فِيهِ ابْن طَاهِر الِاتِّفَاق فَلَا يُقَال قَائِما فِي الدَّار زيد وَالثَّانِي الْجَوَاز وَعَلِيهِ الْأَخْفَش وَالثَّالِث وَعَلِيهِ ابْن برهَان التَّفْضِيل بَين أَن يكون الْحَال أَيْضا ظرفا وحرف جر فَيجوز تَقْدِيمهَا نَحْو: ﴿هُنَالك الْولَايَة لله الْحق﴾ [الْكَهْف: ٤٤] ف (هُنَالك) ظرف مَكَان وَهُوَ حَال من ضمير (لله) الَّذِي هُوَ خبر (الْولَايَة) وَالْمَنْع فِي غير ذَلِك وَفِي توسطه بِأَن يقدم على الْعَامِل دون الْمُبْتَدَأ أَقْوَال أَحدهَا الْجَوَاز مُطلقًا وَصَححهُ ابْن مَالك نَحْو زيد مُتكئا فِي الدَّار وَزيد عِنْد هِنْد فِي بستانها وَالثَّانِي الْمَنْع مُطلقًا لضعف الْعَامِل وَعَلِيهِ الْجُمْهُور وَصَححهُ أَبُو حَيَّان ورد بِالسَّمَاعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وَالثَّالِث الْجَوَاز إِذا كَانَت من مُضْمر مَرْفُوع نَحْو أَنْت قَائِما فِي الدَّار وَالْمَنْع إِن كَانَت من ظَاهر وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ
[ ٢ / ٣١٢ ]
وَاخْتَارَ ابْن مَالك أَنه إِن كَانَت الْحَال اسْما صَرِيحًا ضعف التَّوَسُّط أَو ظرفا أَو مجرورا جَازَ التَّوَسُّط بِقُوَّة وَمحل الْخلاف مَا إِذا تقدم الْمُبْتَدَأ وَتَأَخر الْخَبَر فَإِن تَأَخّر الْمُبْتَدَأ وَتقدم الْخَبَر جَازَ توَسط الْحَال بَينهمَا بِلَا خلاف نَحْو فِي الدَّار عنْدك زيد وَفِي الدَّار قَائِما زيد
جَوَاز جعل مَا صلح للخبرية حَالا
(ص) وَإِن وَقع ظرف وَاسم يصلحان للخبرية فَإِن تقدم الظّرْف اختبر حَالية الِاسْم وَإِلَّا فخبريته وَقَالَ الْمبرد لَا فرق فَإِن تكَرر مُطلقًا رجحت الحالية وأوجبها الكوفية فَإِن كَانَ نَاقِصا فالخبرية مُطلقًا خلافًا لَهُم أَو تَامّ وناقص وبدئ بِأَيِّهِمَا جازا على الْأَصَح (ش) إِذا ذكر مَعَ الْمُبْتَدَأ اسْم وظرف أَو مجرور وَكِلَاهُمَا صالحان للخبرية بِأَن حسن السُّكُوت عَلَيْهِ جَازَ جعل كل مِنْهُمَا حَالا وَالْآخر خَبرا بِلَا خلاف لَكِن إِن تقدم الظّرْف أَو الْمَجْرُور على الِاسْم اختير عِنْد سِيبَوَيْهٍ والكوفيين حَالية الِاسْم وخبرية الظّرْف نَحْو فِيهَا زيد قَائِما لِأَنَّهُ من حَيْثُ تَقْدِيمه الأولى بِهِ أَن يكون عُمْدَة لَا فضلَة فَإِن لم يقدم اختير عِنْدهم خبرية الِاسْم نَحْو زيد فِي الدَّار قَائِم وَقَالَ الْمبرد التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير فِي هَذَا وَاحِد فَإِن كرر الظّرْف أَو الْمَجْرُور جَازَ الْوَجْهَانِ أَيْضا وَحكم برجحان الِاسْم تقدم الظّرْف أَو تَأَخّر لنزول الْقُرْآن بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدين فِيهَا﴾ [الْحَشْر: ١٧] وَادّعى الْكُوفِيُّونَ أَن النصب مَعَ التّكْرَار لَازم لِأَن الْقُرْآن نزل بِهِ لَا بِالرَّفْع وَأجِيب بِأَنَّهُ يدل على أَنه أَجود لَا وَاجِب على أَنه قد قرئَ فِي الْآيَتَيْنِ (خالِدون) و(خالِدين)
[ ٢ / ٣١٣ ]
فَإِن كَانَ الظّرْف أَو الْمَجْرُور غير مُسْتَغْنى بِهِ تعين خبرية الِاسْم وحالية الظّرْف مُطلقًا تكَرر أَو لَا نَحْو فِيك زيد رَاغِب وَزيد رَاغِب فِيك وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ نصب (رَاغِب) وَشبهه على الْحَال وَإِن اجْتمع ظرفان تَامّ وناقص جَازَ الرّفْع فِي النصب فِي الِاسْم سَوَاء بدأت بالتام نَحْو إِن عبد الله فِي الدَّار بك واثقا أَو واثق أَو نَاقص نَحْو إِن فِيك عبد الله فِي الدَّار رَاغِبًا أَو رَاغِب وَأوجب الْكُوفِيُّونَ الرّفْع فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّك حِين قدمت مَا هُوَ من تَمام الْخَبَر وصلته وَهُوَ (بك) و(فِيك) كَأَنَّك اخْتَرْت إِخْرَاج الِاسْم عَن الحالية إِلَى الخبرية (ص) مَسْأَلَة اخْتلف هَل يعْمل فِيهِ غير عَامل صَاحبه وَمنع السُّهيْلي عمل الْإِشَارَة والتنبيه وَأَبُو حَيَّان لَيْت وَلَعَلَّ وَبَعْضهمْ كَانَ وَالأَصَح جَوَاز تعدده لمفرد وَغَيره متفقين أَو لَا وَلَا يجمعان إِلَّا إِن صلح انْفِرَاد كل بالموصوف وَقيل يجوز فِي متضايفين وَفِي التَّفْرِيق يكون للأقرب وَالْمُخْتَار للأسبق وَلَا يفرد بعد (إِمَّا) وندر بعد (لَا) (ش) فِيهِ مسَائِل الأولى اخْتلف هَل يعْمل فِي الْحَال غير الْعَامِل فِي صَاحبه فالجمهور لَا كالصفة والموصوف وَجوزهُ ابْن مَالك بقلة كالتمييز والمميز وَالْخَبَر والمخبر عَنهُ وَخرج عَلَيْهِ: ﴿إِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٩٢] ف (أمتكُم) صَاحب الْحَال وَالْعَامِل فِيهِ إِن وَفِي الْحَال الْإِشَارَة الثَّانِيَة تقدم أَن العوامل المعنوية تعْمل فِي الْحَال كإشارة وَنَحْوهَا
[ ٢ / ٣١٤ ]
وَمنع السُّهيْلي عمل حرف التَّنْبِيه فِي الْحَال فَقَالَ (هَا) حرف ومعني الْحُرُوف لَا يعْمل فِي الظروف وَالْأَحْوَال قَالَ وَلَا يَصح أَن يعْمل فِيهِ اسْم الْإِشَارَة لِأَنَّهُ غير مُشْتَقّ من لفظ الْإِشَارَة وَلَا من غَيرهَا وَإِنَّمَا هُوَ كالمضمر وَلَا يعْمل (هُوَ) وَلَا (أَنْت) بِمَا فِيهِ من معنى الْإِضْمَار فِي حَال وَلَا ظرف وَالْعَامِل فِي مثل هَذَا زيد قَائِما إِنَّمَا هُوَ (انْظُر) مقدرَة دلّ عَلَيْهَا الْإِشَارَة لِأَنَّك أَشرت إِلَى الْمُخَاطب لينْظر وَقَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّه قريب لِأَنَّهُ فِيهِ أبقاء الْعَمَل للْفِعْل إِلَّا أَن فِيهِ تَقْدِير عَامل لم يلفظ بِهِ قطّ ثمَّ صرح بِاخْتِيَارِهِ وَاخْتَارَهُ أَيْضا صَاحب الْبَسِيط وَقَالَ أَبُو حَيَّان الصَّحِيح أَيْضا أَن (لَيْت) و(لَعَلَّ) وَبَاقِي الْحُرُوف لَا تعْمل فِي الْحَال وَلَا الظّرْف وَلَا يتَعَلَّق بهَا حرف جر إِلَّا (كَانَ) و(كَاف) التَّشْبِيه وَمنع بَعضهم عمل (كَانَ) أَيْضا فِي الْحَال نَقله صَاحب الْبَسِيط الثَّالِثَة يجوز تعدد الْحَال كالخبر والنعت سَوَاء كَانَ صَاحب الْحَال وَاحِدًا نَحْو جَاءَ زيد رَاكِبًا مسرعا أم مُتَعَددًا وَسَوَاء فِي المتعدد اتّفق إعرابه نَحْو جَاءَ زيد وَعَمْرو مُسْرِعين أم اخْتلف نَحْو لَقِي زيد عمرا ضاحكين هَذَا هُوَ الْأَصَح وَمذهب الْجُمْهُور وَزعم جمَاعَة مِنْهُم الْفَارِسِي وَابْن عُصْفُور أَن الْفِعْل الْوَاحِد لَا ينصب أَكثر من حَال وَاحِد لصَاحب وَاحِد قِيَاسا على الظّرْف وَاسْتثنى أفعل التَّفْضِيل فَإِنَّهُ يعْمل فِي حَالين كَمَا تقدم وَخَرجُوا الْمَنْصُوب ثَانِيًا على أَنه صفة للْحَال أَو حَال من الضَّمِير المستكن فِيهِ وَنسب أَبُو حَيَّان هَذَا القَوْل إِلَى كثير من الْمُحَقِّقين وعَلى الأول لَا يجمع الحالان حَتَّى يصلح انْفِرَاد كل وصف بالموصوف فَإِن اخْتلفَا فِي هَذَا الْمَعْنى لم يجمعا وَأَجَازَ الْكسَائي وَهِشَام أَن تَجِيء مَجْمُوعَة من مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ نَحْو لقِيت صَاحب النَّاقة طليحين على أَن طليحين حَال من الصاحب والناقة
[ ٢ / ٣١٥ ]
وتخرجيه عندنَا على أَنه حَال من صَاحب النَّاقة وَمن الْمَعْطُوف الْمُقدر أَي والناقة لِأَن الْحَال كالخبر والمضاف إِلَيْهِ لم يقْصد الْإِخْبَار عَنهُ إِنَّمَا الْإِخْبَار عَن الْمُضَاف وَإِن تعدد ذُو الْحَال وتفرق الحالان نَحْو لقِيت زيدا مصعدا منحدرا حمل الْحَال الأول على الِاسْم الثَّانِي لِأَنَّهُ يَلِيهِ وَالْحَال الثَّانِي على الِاسْم الأول ف (مصعدا) لزيد و(منحدرا) للتاء كَذَا قَالُوهُ ووجهوه بِأَن فِيهِ اتِّصَال أحد الْحَالين بِصَاحِبِهِ وعود مَا فِيهِ من ضمير إِلَى أقرب مَذْكُور واغتفر انْتِقَال الثَّانِي وعود ضَمِيره على الْأَبْعَد إِذْ لَا يُسْتَطَاع غير ذَلِك وَيجوز عكس هَذَا مَعَ أَمن اللّبْس فَإِن خيف تعين الْمَذْكُور أَولا وَفِي (التَّمْهِيد) الْعَرَب تجْعَل مَا تقدم من الْحَالين للْفَاعِل الَّذِي هُوَ مُتَقَدم وَمَا تَأَخّر للْمَفْعُول وَلَو جعلت الآخر للْأولِ لجَاز مَا لم يلبس قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الَّذِي ذكره صَاحب التَّمْهِيد مُخَالف لما قرر غَيره قلت وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي وَمِنْه قَوْله: ٩٣٧ -
(خرجْتُ بهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنا على أَثَريْنا ذَيْل مرْطٍ مُرحّلٍ)
[ ٢ / ٣١٦ ]
ف (أَمْشِي) لأوّل الاسمين و(تجر) لثانيهما وَيجب للْحَال إِذا وَقعت بعد (إِمَّا) أَن تردف بِأُخْرَى معادا مَعهَا إِمَّا (أَو) كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّا هديناه السَّبِيل إِمَّا شاكرا وَإِمَّا كفورا﴾ [الْإِنْسَان: ٣] وَقَول الشَّاعِر: ٩٣٨ -
(وَقد شَفّني أَلا يَزَالَ يروعُني خيالُك إمّا طَارقًا أَو مُغادِيَا)
وإفرادها بعد (إِمَّا) مَمْنُوع فِي النثر وَالنّظم وَبعد (لَا) نَادِر تَقول لَا رَاغِبًا وَلَا رَاهِبًا فتكرر وَقد تفرد كَقَوْلِه: ٩٣٩ -
(قَهَرْتُ العِدا لَا مُسْتَعِينا بعُصْبَةٍ وَلَكِن بأنْواع الخَدائع والْمَكْر)
أَقسَام الْحَال
(ص) مَسْأَلَة تقع موطئة ومؤكدة خلافًا لقوم إِمَّا لجملة من معرفتين جامدين لتعين أَو فَخر أَو تَعْظِيم أَو ضِدّه وتصاغر أَو تهديد فعاملها مُضْمر وَقيل الْمُبْتَدَأ أَو لعاملها فالأكثر مُخَالفَته لفظا زَاد ابْن هِشَام أَو لصَاحِبهَا أَو مقدرَة ومحكية وسببية (ش) للْحَال أَقسَام باعتبارات فتنقسم بِحَسب قَصدهَا لذاتها والتوطئة بهَا إِلَى قسمَيْنِ مَقْصُودَة وَهُوَ الْغَالِب وموطئة وَهِي الجامدة الموصوفة نَحْو: ﴿فتمثل لَهَا بشرا سويا﴾ [مَرْيَم: ١٧] وَتقول جَاءَنِي زيد رجلا محسنا وتنقسم بِحَسب التَّبْيِين والتأكيد إِلَى قسمَيْنِ
[ ٢ / ٣١٧ ]
مبينَة وَهُوَ الْغَالِب وتسمي مؤسسة أَيْضا وَهِي الَّتِي تدل على معنى لَا يفهم مِمَّا قبلهَا ومؤكدة وَهِي الَّتِي يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا بِدُونِهَا وإثباتها مَذْهَب الْجُمْهُور وَذهب الْمبرد وَالْفراء والسهيلي إِلَى إنكارها وَقَالُوا لَا تكون الْحَال إِلَّا مبينَة إِذْ لَا يَخْلُو من تَجْدِيد فَائِدَة مَا عِنْد ذكرهَا وعَلى إِثْبَاتهَا هِيَ ثَلَاثَة أَنْوَاع مُؤَكدَة لمضمون الْجُمْلَة وَشرط الْجُمْلَة كَون جزئيها معرفتين لِأَن التَّأْكِيد إِنَّمَا يكون للمعارف وكونهما جامدين لَا مشتقين وَلَا فِي حكمهمَا وفائدتهما إِمَّا بَيَان تعين نَحْو زيد أَخُوك مَعْلُوما نَحْو: ٩٤٠ -
(أَنا ابْنُ دَارةَ مَعْروفًا بَها نَسَبىِ )
أَو فَخر نَحْو أَنا فلَان شجاعا أَو كَرِيمًا أَو تَعْظِيم نَحْو هُوَ فلَان جَلِيلًا مهيبا أَو تحقير نَحْو هَل فلَان مأخوذا مقهورا أَو تصاغر نَحْو أَنا عَبدك فَقِيرا إِلَى عفوك أَو وَعِيد نَحْو أَنا فلَان مُتَمَكنًا فَاتق غَضَبي وَفِي عاملها أَقْوَال أَحدهَا أَنه مُضْمر تَقْدِيره إِذا كَانَ الْمُبْتَدَأ (أَنا أَحَق) أَو (أعرف) أَو (أعرفني) وَإِذا كَانَ غَيره (أحقه) أَو (أعرفهُ) الثَّانِي أَنه الْمُبْتَدَأ مضمنا معني التَّنْبِيه وَعَلِيهِ ابْن خروف الثَّالِث أَنه الْخَبَر مؤولا بمسمي وَعَلِيهِ الزّجاج ولظهور تكلّف الْقَوْلَيْنِ كَانَ الرَّاجِح الأول مُؤَكدَة لعاملها وَهِي الَّتِي يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا من صَرِيح لفظ عاملها فالأكثر أَن تخَالفه لفظا نَحْو: ﴿وليتم مُدبرين﴾ [التَّوْبَة: ٢٥] ﴿وَيَوْم يبْعَث حَيا﴾ [مَرْيَم: ١٥]
[ ٢ / ٣١٨ ]
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا﴾ [النَّمْل: ١٩] ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ [الْبَقَرَة: ٦٠] وَقد توافقه نَحْو: ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا﴾ [النِّسَاء: ٧٩] ﴿وسخر لكم اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره﴾ [النَّحْل: ١٢] قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي ومؤكدة لصَاحِبهَا وأهملها النحوييون نَحْو جَاءَ الْقَوْم طرا وفسرها فِي شرح الشذور بِأَنَّهَا الَّتِي يُسْتَفَاد مَعْنَاهَا من صَرِيح لفظ صَاحبهَا وتنقسم بِحَسب الزَّمَان إِلَى ثَلَاثَة مُقَارنَة وَهُوَ الْغَالِب نَحْو ﴿وَهَذَا بعلي شَيخا﴾ [هود: ٧٢] ومقدرة وَهِي المستقبلية كمررت بِرَجُل مَعَه صقر صائدا بِهِ غَدا أَي مُقَدرا ذَلِك وَمِنْه: ﴿فادخلوها خَالِدين﴾ [الزمر: ٧٣] ومحكية وَهِي الْمَاضِيَة نَحْو جَاءَ زيد أمس رَاكِبًا وتنقسم بِحَسب حُصُول مَعْنَاهَا إِلَى صَاحبهَا وَعَدَمه إِلَى قسمَيْنِ حَقِيقِيَّة وَهِي الْغَالِب وسببية كالنعت السببي نَحْو مَرَرْت بِالدَّار قَائِما ساكنها
وُقُوع الْحَال جملَة
(ص) مَسْأَلَة تقع جملَة خبرية غير ذَات اسْتِقْبَال وشرطية خلافًا للمطرزي فَفِي لُزُومهَا الْوَاو خلف وَجوز الْفراء الْأَمر والأمين الْمحلي النَّهْي فَإِن كَانَت مُؤَكدَة أَو معطوفة على الْحَال أَو صدرت بمضارع مُثبت أَو منفي ب (لَا) أَو مَاض تال إِلَّا أَو متلو بِأَو قيل أَو ذَات خبر مُشْتَقّ تقدم لَزِمَهَا ضمير صَاحبهَا
[ ٢ / ٣١٩ ]
وخلت من الْوَاو غَالِبا وَإِلَّا فهما أَو أَحدهمَا واجتماعهما فِي اسمية وَذَات لبس أَكثر من الضَّمِير فَقَط وَقيل حتم وَقد تَخْلُو عَنْهَا فَيقدر وَقَالَ ابْن جني لَا تغني عَنهُ الْوَاو أصلا وَتجب فِي مضارع بقد قيل وبلم الْوَاو وَفِي ماضي مُثبت متصرف عَار من الضَّمِير قد وَكَذَا مَعَه فَإِذا فقدت قدرت فِي الْأَصَح وَلَيْسَت الْوَاو عاطفة وَلَا أَصْلهَا الْعَطف فِي الْأَصَح (ش) تقع الْحَال جملَة خبرية خَالِيَة من دَلِيل اسْتِقْبَال أَو تعجب فَلَا تقع جملَة طلبية وَلَا تعجبية وَلَا ذَات السِّين أَو (سَوف) أَو (لن) أَو (لَا) وَجوز الْفراء وُقُوع جملَة الْأَمر تمسكا بِنَحْوِ: (وجدت النَّاس اخبر تقله) وَأجِيب بِأَنَّهُ على تَقْدِير مقولا فيهم وَجوز الْأمين الْمحلي وُقُوع جملَة النَّهْي نَحْو: ٩٤١ -
(اطْلُبْ وَلَا تَضْجَرَ مِنْ مَطْلَبٍ )
ورد بِأَن الْوَاو عاطفة وَمن الخبرية الشّرطِيَّة فَتَقَع حَالا خلافًا للمطرزي نَحْو أفعل هَذَا إِن جَاءَ زيد فَقيل بِلُزُوم الْوَاو وَقيل لَا تلْزم وَعَلِيهِ ابْن جني وَالْجُمْلَة الْوَاقِعَة حَالا إِمَّا ابتدائية نَحْو: ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ [الْبَقَرَة: ٣٦] ﴿خَرجُوا من دِيَارهمْ وهم أُلُوف﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٣] ٩٤٢ -
(نَظَرْتُ إلَيْهَا والنُّجوم كأنّها مصابيحُ رُهْبان تُشَبُّ لِقُفّال)
[ ٢ / ٣٢٠ ]
﴿وَإِن فريقا من الْمُؤمنِينَ لكارهون﴾ [الْأَنْفَال: ٥] ﴿وَطَائِفَة قد أهمتهم أنفسهم﴾ [آل عمرَان: ١٥٤] أَو مصدرة ب (لَا) التبرئة نَحْو: ﴿وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرَّعْد: ٤١] أَو ب (مَا) نَحْو: ٩٤٣ -
(فَرَأيْتُنا مَا بَيْنَنَا مِنْ حاجز )
أَو ب (أَن) نَحْو: ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك من الْمُرْسلين إِلَّا إِنَّهُم ليأكلون﴾ [الفرقانك ٢٠]
٩٤٤ -
(مَا أعْطَيَانِي وَلاَ سَأْلُتهُمَا إلاَّ وإنِّي لَحَاجزي كَرَمي)
أَو ب (كَأَن) نَحْو: ﴿نبذ فريق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١٠١] جَاءَ زيد وَكَأَنَّهُ أَسد أَو بمضارع مُثبت عَار من (قد) نَحْو: ﴿ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ [الْأَنْعَام: ١١٠] أَو مقرون (بقد) نَحْو: ﴿لم تؤذونني وَقد تعلمُونَ﴾ [الصَّفّ: ٥] أَو منفي ب (لَا) نَحْو: ﴿وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه﴾ [الْمَائِدَة: ٨٤] ٩٤٥ -
(عَهدْتُكَ لَا تَصْبُو وفيك شَبيبَةٌ )
[ ٢ / ٣٢١ ]
أَو ب (لم) نَحْو: ﴿فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء﴾ [آل عمرَان: ١٧٤] وخال مِنْهُمَا نَحْو: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٩٠] ﴿كَيفَ تكفرون بِاللَّه وكنتم أَمْوَاتًا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨] أَو بماض تال ل (إِلَّا) نَحْو: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الْحجر: ١١] أَو متلو ب (أَو) نَحْو: ٩٤٦ -
(كُنْ لِلَخليل نَصيرًا جَار أَوْ عَدلاَ )
لأضربنه ذهب أَو مكث قَالَ تَعَالَى: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الْأَنْعَام: ٩٣] وَلَا بُد للجملة الْوَاقِعَة حَالا من رابط وَهُوَ ضمير صَاحبهَا أَو الْوَاو وَيتَعَيَّن الضَّمِير فِي الْمُؤَكّدَة كَقَوْلِه: ٩٤٧ -
(خَالِي ابنُ كَبْشَةَ قَدْ عَلِمْت مَكَانَهُ )
وقولك هُوَ زيد لَا شكّ فِيهِ فَلَا يجوز الِاقْتِصَار على الْوَاو وَلَا دُخُولهَا مَعَ الضَّمِير وَيتَعَيَّن الضَّمِير أَيْضا فِي المصدرة بمضارع مُثبت عَار من (قد) أَو منفي ب (لَا) أَو مَاض بعد (إِلَّا) أَو بعده (أَو) كَمَا تقدم وَلَا تغني عَنهُ الْوَاو وَلَا تجامعه غَالِبا وَقد ورد دُخُولهَا مَعَه فِي قَوْلهم قُمْت وأصك عينه وَقَوله: ٩٤٨ -
(نَجَوْتُ وأرْهَنُهُم مَالِكًا )
[ ٢ / ٣٢٢ ]
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاستقيما وَلَا تتبعان﴾ [يُونُس: ٨٩] بتَخْفِيف النُّون ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ الْبَقَرَة: ١١٩] فَأول على حذف الْمُبْتَدَأ أَي وَأَنا أصك وَأَنا أرهنهم وأنتما لَا تتبعان وَأَنت لَا تسْأَل وَمَا عدا مَا ذكر من الْجمل السَّابِقَة يجوز فِيهِ الِاقْتِصَار على الضَّمِير وعَلى الْوَاو وَالْجمع بَينهمَا كَمَا تقدم من الْأَمْثِلَة لَكِن تلْزم الْوَاو فِي الْمُضَارع الْمُثبت المقرون بقد وَلَا يُغني عَنهُ الضَّمِير نَحْو: ﴿وَقد تعلمُونَ﴾ [الصَّفّ: ٥]
[ ٢ / ٣٢٣ ]
واجتماعهما فِي الاسمية أَكثر من الِاقْتِصَار على الضَّمِير وَمثلهَا المصدرة بليس نَحْو: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون ولستم بآخذيه﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٧] وَمن انْفِرَاد الْوَاو فِيهَا قَوْله: ٩٤٩ -
(دهم الشّتاءُ ولَسْتُ أَمْلكُ عُدَّة )
وَذهب الْفراء والزمخشري إِلَى أَنه لَا يجوز انْفِرَاد الضَّمِير فِي الاسمية إِلَّا ندورا شاذا بل لَا بُد مِنْهُ وَمن الْوَاو مَعًا وَذهب الْأَخْفَش إِلَى أَنه كَانَ خبر الْمُبْتَدَأ فِيهَا مشتقا مُتَقَدما لم يجز دُخُول الْوَاو عَلَيْهِ فَلَا يُقَال جَازَ زيد وَحسن وَجهه وَقَالَ ابْن مَالك وَقد تَخْلُو الاسمية من الْوَاو وَالضَّمِير مَعًا نَحْو مَرَرْت بِالْبرِّ قفيز بدرهم على حد السّمن منوان بدرهم وَقَالَ أَبُو حَيَّان هُوَ على تَقْدِير الضَّمِير كَمَا فِي الْمُشبه بِهِ وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام وَزَاد أَنه يقدر إِمَّا الضَّمِير كالمثال أَو الْوَاو كَقَوْلِه: ٩٥٠ -
(نَصَفَ النَّهارُ الماءُ غَامِرُهُ )
أَي وَالْمَاء وَذهب ابْن جني إِلَى أَنه لَا بُد من تَقْدِير الضَّمِير مَعَ الْوَاو فَإِذا قلت جَاءَ زيد وَالشَّمْس طالعة فالتقدير طالعة وَقت مَجِيئه ثمَّ حذف الضَّمِير ودلت عَلَيْهِ الْوَاو
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وَقد يجب انْفِرَاد الضَّمِير وَلَا يجوز الْإِتْيَان بِالْوَاو مَعَه وَذَلِكَ فِي الاسمية إِذا عطفت على حَال كَرَاهَة اجْتِمَاع حرفي عطف نَحْو جَاءَ زيد مَاشِيا أَو هُوَ رَاكب لَا يجوز أَو وَهُوَ رَاكب قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَاءَهَا بأسنا بياتا أَو هم قَائِلُونَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٤] قَالَ فِي الْبَسِيط وَكَذَا فِي الاسمية الْوَاقِعَة بعد إِلَّا لِأَن الِاتِّصَال يحصل بإلا نَحْو مَا ضربت أحدا إِلَّا عَمْرو خير مِنْهُ وَزعم ابْن خروف أَن الْمُضَارع الْمَنْفِيّ لَا بُد فِيهِ من الْوَاو كَانَ ضميرا أَو لم يكن ورد بِالسَّمَاعِ كالآية السَّابِقَة قَالَ ابْن مَالك والمنفي بلما كالمنفي بلم فِي الْقيام إِلَّا أَنِّي لم أَجِدهُ إِلَّا بِالْوَاو نَحْو: ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم﴾ [التَّوْبَة: ١٦] والمنفي ب (مَا) فِيهِ الْوَجْهَانِ أَيْضا نَحْو جَاءَ زيد وَمَا يضْحك أَو مَا يضْحك والمنفي ب (إِن) قَالَ أَبُو حَيَّان لَا أحفظه من كَلَام الْعَرَب وَالْقِيَاس يَقْتَضِي جَوَازه نَحْو جَاءَ زيد إِن يدْرِي كَيفَ الطَّرِيق قِيَاسا على وُقُوعه خَبرا فِي حَدِيث:
(فظل إِن يدْرِي كم صلى) وَيجب فِي الْمَاضِي الْمُثبت الْمُتَصَرف غير التَّالِي إِلَّا والمتلو ب (أَو) العاري من الضَّمِير قد مَعَ الْوَاو كَقَوْلِه: ٩٥١ -
(فجئتُ وَقد نضت لنوم ثيابَها )
[ ٢ / ٣٢٥ ]
فَإِن كَانَ جَامِدا كليس أَو منفيا فَلَا نَحْو جَاءَ زيد وَمَا طلعت الشَّمْس بِالْوَاو فَقَط وَجَاء زيد وَمَا درى كَيفَ جَاءَ بِالْوَاو وَالضَّمِير وَجَاء زيد مَا دري كَيفَ جَاءَ بالضمير فَقَط وَكَذَا التَّالِي إِلَّا أَو المتلو (بِأَو) وَإِن كَانَ مثبتا وَفِيه الضَّمِير وَجَبت (قد) أَيْضا لتقربه من الْحَال نَحْو: ﴿وَقد فصل لكم مَا حرم عَلَيْكُم﴾ [الْأَنْعَام: ١١٩] ﴿وَقد بَلغنِي الْكبر﴾ [آل عمرَان: ٤٠] فَإِن لم تكن ظَاهِرَة قدرت نَحْو: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ﴾ [النِّسَاء: ٩٠] ﴿هَذِه بضاعتنا ردَّتْ إِلَيْنَا﴾ [يُوسُف: ٦٥] هَذَا مَا جزم بِهِ الْمُتَأَخّرُونَ كَابْن عُصْفُور والأبذي والجزولي وَهُوَ قَول الْمبرد والفارسي قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح جَوَاز وُقُوع الْمَاضِي حَالا بِدُونِ (قد) وَلَا يحْتَاج لتقديرها لِكَثْرَة وُرُود ذَلِك وَتَأْويل الْكثير ضَعِيف جدا لأَنا إِنَّمَا نَبْنِي المقاييس الْعَرَبيَّة على وجود الْكَثْرَة وَهَذَا مَذْهَب الْأَخْفَش وَنَقله صَاحب اللّبَاب عَن الْكُوفِيّين وَابْن أصبغ عَن الْجُمْهُور ثمَّ هَذِه الْوَاو تسمى وَاو الْحَال والابتداء وَلَيْسَت عاطفة وَلَا أَصْلهَا الْعَطف وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَنَّهَا عاطفة كواو رب قَالَ وَإِلَّا لدخل العاطف عَلَيْهَا وقدرها سِيبَوَيْهٍ والأقدمون ب (إِذْ) وَلَا يُرِيدُونَ أَنَّهَا بمعني (إِذْ) إِذْ لَا يرادف الْحَرْف الِاسْم بل إِنَّهَا وَمَا بعْدهَا قيد للْفِعْل السَّابِق كَمَا إِن (إِذْ) كَذَلِك
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الْجُمْلَة الاعتراضية
(ص) وتشبه هَذِه الْجُمْلَة الاعتراضية الْوَاقِعَة بَين جزأي صلَة أَو إِسْنَاد أَو شَرط أَو قسم إو إِضَافَة أَو جر أَو صفة وموصوفها أَو حرف ومدخوله وتتميز بِجَوَاز الْفَاء وَلنْ وتنفيس وَكَونهَا طلبية وَعدم قيام مُفْرد مقَامهَا وَمن ثمَّ لَا مَحل لَهَا وَلَا للمستأنفة والمجاب بهَا قسم أَو شَرط غير جازم أَو غير مقترن بِالْفَاءِ أَو (إِذا) وَالصّفة قَالُوا والمفسرة الكاشفة حَقِيقَة مَا تليه صدرت بِحرف أَو لَا وَالْمُخْتَار أَنَّهَا بِحَسبِهِ وفَاقا للشلوبين وَأَنه لَا مَحل لتالي (حَتَّى) وَفِي أَفعَال الِاسْتِثْنَاء ومذ ومنذ خلف (ش) لما انقضي الْكَلَام على الْجُمْلَة الحالية وَكَانَ من الْجمل مَا يشبهها وَهِي الاعتراضية نبه عَلَيْهَا عَقبهَا وَذكر مَا تتَمَيَّز بِهِ عَنْهَا وَلما كَانَ وجود التَّمْيِيز كَونهَا لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب استطرد إِلَى ذكر بَقِيَّة الْجمل الَّتِي لَا مَحل لَهَا والاعتراضية هِيَ الَّتِي تفِيد تَأْكِيدًا وتسديدا للْكَلَام الَّذِي اعترضت بَين أَجْزَائِهِ وَفِي الْبَسِيط شَرطهَا أَن تكون مُنَاسبَة للجملة الْمَقْصُودَة بِحَيْثُ تكون كالتأكيد أَو التَّنْبِيه على حَال من أحوالها وَألا تكون معمولة لشَيْء من أَجزَاء الْجُمْلَة الْمَقْصُودَة وَألا يكون الْفَصْل بهَا إِلَّا بَين الْأَجْزَاء الْمُنْفَصِلَة بذاتها بِخِلَاف الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ لِأَن الثَّانِي كالتنوين مِنْهُ على أَنه قد سمع قطع بَينهمَا نَحْو لَا أَخا فَاعْلَم لزيد انْتهى والاعتراضية تقع بَين جزأي صلَة إِمَّا بَين الْمَوْصُول وصلته كَقَوْلِه: ٩٥٢ -
(ذَاكَ الَّذِي وأبيكَ يعْرفُ مَالِكًا )
أَو بَين أَجزَاء الصِّلَة نَحْو: ﴿وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات﴾ [يُونُس: ٢٧] الْآيَات فَإِن (وَتَرْهَقُهُمْ) عطف على (كسبوا) فَهِيَ من الصِّلَة وَمَا بَينهمَا اعْتِرَاض بَين بِهِ قدر جزائهم وَالْخَبَر جملَة (مَا لَهُم)
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وَبَين جزأي إِسْنَاد إِمَّا بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر كَقَوْلِه: ٩٥٣ -
(وفِيهنّ والأيّامُ يَعْثُرْنَ بالْفَتَى )
أَو بَين مَا أَصله الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر كَقَوْلِه ٩٥٤ -
(لَعلَّكَ والموعُودُ حقٌّ لِقاؤُهُ بَدا لَكَ فِي تِلْكَ القَلُوص بَدَاءُ)
وَقَوله: ٩٥٥ -
(يَا لَيْتَ شِعْري والمْنَى لَا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْري مُجْمَعُ)
وَقَوله: ٩٥٦ -
(إنّي وأَسْطَار سُطِرْنَ سَطْرًا لَقائِلٌ يَا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرَا)
وَقَوله: ٩٥٧ -
(أَرَانِي وَلَا كُفْرَان للهِ إنَما أُواخِي مِنَ الأقْوَام كُل بَخيل)
[ ٢ / ٣٢٨ ]
أَو بَين الْفِعْل ومرفوعه كَقَوْلِه: ٩٥٨ -
(وَقد أدْرَكَتْني والحَوادِثُ جَمّةٌ أَسِنّةُ قَوْم لَا ضعَافٍ وَلَا عُزْل)
أَو بَين الْفَاعِل ومفعوله كَقَوْلِه: ٩٥٩ -
(وبدّلتْ والدّهْرُ ذُو تَبَدُّل هَيْفًا دَبُورًا بالصّبا والشّمْأل)
وَبَين جزأي شَرط أَي بَين الشَّرْط وَجَوَابه نَحْو: ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤] وَبَين جزأي قسم أَي بَين الْقسم وَجَوَابه نَحْو: ﴿قَالَ فَالْحق وَالْحق أَقُول لأملأن﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] وَبَين جزأي إِضَافَة وَتقدم وَبَين جزأي جر أَي بَين الْجَار وَالْمَجْرُور نَحْو اشْتَرَيْته ب أرِي ألف دِرْهَم وَبَين جزأي صفة أَي بَين الصّفة وموصوفها نَحْو ﴿وَإنَّهُ لقسم لَو تعلمُونَ عَظِيم﴾ [الْوَاقِعَة: ٧٦] وَبَين الْحَرْف ومدخوله كَقَوْلِه: ٩٦٠ -
(لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ لَيْتَ شَبابًا بُوع فاشُتَرَيْتُ)
وَقَوله:
[ ٢ / ٣٢٩ ]
٩٦١ -
(كأنّ وقَدْ أَتْى حَوْلٌ جَدِيدٌ أَثافِيَهَا حَمَاماتٌ مُثُولُ)
وَقَوله: ٩٦٢ -
(وسوف إخالُ أَدْري )
وَقَوله: ٩٦٣ -
(أخالِدُ قَدْ واللهِ أَوْطَأتَ عَشْوَةً )
وَقَوله: ٩٦٤ -
(وَلَا أَراها تَزَال ظَالِمَةً )
وتتميز الاعتراضية من الحالية بِأُمُور أَحدهَا أَنه يجوز اقترانها بِالْفَاءِ كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٣٣٠ ]
٩٦٥ -
(واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْء يَنْفعُهُ أَنْ سَوْفَ يَأتِي كلُّ مَا قُدرا)
الثَّانِي أَنه يجوز اقترانها بِدَلِيل اسْتِقْبَال (لن) فِي (وَلنْ تَفعلُوا) وحرف التَّنْفِيس فِي (وسوف إخال) الثَّالِث أَنه يجوز كَونهَا طلبية كَقَوْلِه: ٩٦٦ -
(إنّ الثّمانِينَ وَبُلّغْتَها قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي إِلَى تَرْجُمانْ)
الرَّابِع أَنه لَا يقوم مقَامهَا مُفْرد بِخِلَاف جملَة الْحَال وَمن ثمَّ كَانَ مَحل جملَة الْحَال النصب وَلم يكن للاعتراضية مَحل من الْإِعْرَاب وَكَذَا سَائِر الْجمل الَّتِي لَا مَحل لَهَا إِنَّمَا سَببه عدم حُلُول مُفْرد محلهَا وَهِي المستأنفة الْوَاقِعَة ابْتِدَاء كَلَام لفظا وَنِيَّة نَحْو زيد قَائِم وَقَامَ زيد أَو نِيَّة لَا لفظا نَحْو رَاكِبًا جَاءَ زيد والمجاب بهَا الْقسم نَحْو: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٥٧] والواقعة جَوَاب شَرط غير جازم مُطلقًا كجواب (لَو) و(لَوْلَا) و(لما) و(كَيفَ) أَو شَرط جازم وَلم تقترن بِالْفَاءِ وَلَا بإذا الفجائية نَحْو إِن لم تقم أقِم وَإِن قُمْت قُمْت أما الأول فلظهور الْجَزْم فِي لفظ الْفِعْل وَأما الثَّانِي فَلِأَن الْمَحْكُوم لموضعه بِالْجَزْمِ الْفِعْل لَا الْجُمْلَة بأسرها والواقعة صلَة لاسم أَو حرف نَحْو جَاءَ الَّذِي قَامَ أَبوهُ وأعجبني أَن قُمْت والمفسرة وَهِي الكاشفة لحقيقة مَا تليه سَوَاء صدرت بِحرف التَّفْسِير نَحْو: ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن اصْنَع الْفلك﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٧] ٩٦٧ -
(وتَرْمِيَني بالطّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ )
[ ٢ / ٣٣١ ]
أم لم يصدر بِهِ نَحْو: ﴿إِن مثل عِيسَى عِنْد الله كَمثل آدم خلقه من تُرَاب﴾ [آل عمرَان: ٥٩] الْآيَة فجمله (خلقه) إِلَى آخِره تَفْسِير لمثل آدم ﴿هَل أدلكم على تِجَارَة تنجيكم﴾ [الصَّفّ: ١٠] ثمَّ قَالَ: ﴿تؤمنون﴾ [الصَّفّ: ١١] وَالْقَوْل بِأَن المفسرة لَا مَحل لَهَا من الْمَشْهُور وَقَالَ الشلوبين إِنَّه لَيْسَ على ظَاهره وَالتَّحْقِيق أَنَّهَا على حسب مَا كَانَت تَفْسِيرا لَهُ فَإِن كَانَ الْمُفَسّر لَهُ مَوضِع فَكَذَلِك هِيَ وَإِلَّا فَلَا وَمِمَّا لَهُ مَوضِع قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُ، اوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الْمَائِدَة: ٩] فَقَوله: (لَهُم مغْفرَة) فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ تَفْسِير للموعود بِهِ وَلَو صرح بالموعود بِهِ لَكَانَ مَنْصُوبًا وَكَذَلِكَ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ﴾ [الْقَمَر: ٤٩] ف (خلقناه) فسر عَاملا فِي (كل شَيْء) وَله مَوضِع كَمَا للمفسر لِأَنَّهُ خبر لإن وَهَذَا الَّذِي قَالَه الشلوبين هُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي وَعَلِيهِ تكون الْجُمْلَة عطف بَيَان أَو بَدَلا وَقد اخْتلف فِي جمل ألها مَحل أم لَا ومنشأ الْخلاف أَهِي مستأنفة أم لَا الأولى الْجُمْلَة بعد حَتَّى الابتدائية كَقَوْلِه: ٩٦٨ -
(حَتَّى ماءُ دِجْلةَ أَشْكَل )
فَقَالَ الْجُمْهُور أَنَّهَا مستأنفة فَلَا مَحل لَهَا وَقَالَ الزّجاج وَابْن درسْتوَيْه إِنَّهَا فِي مَوضِع جر بحتى ورد بِأَن حُرُوف الْجَرّ لَا تعلق عَن الْعَمَل
[ ٢ / ٣٣٢ ]
الثَّانِيَة جمل أَفعَال الِاسْتِثْنَاء لَيْسَ وَلَا يكون وخلا وَعدا وحاشا فَقَالَ السيرافي حَال إِذْ المعني قَامَ الْقَوْم خالين عَن زيد وَقَالَ قوم مستأنفة وَصَححهُ ابْن عُصْفُور إِذْ لَا رابط لَهَا بِذِي الْحَال الثَّالِثَة جملَة مذ ومنذ وَمَا بعدهمَا وَقد قدمت ذَلِك عِنْد شرحهما فِي الظروف وَعلم أَن مَا عدا مَا ذكر من الْجمل لَهُ مَحل من الْإِعْرَاب
إِجْرَاء الْحَال مجْرى الظّرْف فِي التَّرْكِيب
(ص) مسالة وَردت مِنْهُ أَلْفَاظ مركبة مِنْهَا مَا أَصله الْعَطف ك (شغر) وشذر ومذر وأخول أخول وَحَيْثُ بيث وَبَيت بَيت وَأما أَصله الْإِضَافَة كبادئ بَدْء وأيادي سبا فَقَالَ قوم مَبْنِيَّة كخمسة عشر وَقوم مركبة تركيب الْإِضَافَة وَحذف التَّنْوِين من الثَّانِي للإتباع (ش) لما كَانَت الْحَال شَبيهَة بالظرف حَتَّى قيل فِيهَا إِنَّهَا مفعول فِيهَا من حَيْثُ المعني وتوسعوا فِيهَا توسع الظروف أجريت مجْراهَا أَيْضا فِي الجريان كخمسة عشر وَهِي أَلْفَاظ مَحْفُوظَة لَا يُقَاس عَلَيْهَا فَمِنْهَا مَا أَصله الْعَطف نَحْو تفَرقُوا شغر بغر بمعني منتشرين وشذر مذر بِفَتْح أَولهمَا وكسره بمعني مُتَفَرّقين وأخول أخول فِي قَوْله: ٩٦٩ -
(سِقَاط شِرار القَيْن أَخْوَل أَخْوَلا ) ٥ بمعني مُتَفَرقًا وَتركت الْبِلَاد حَيْثُ بيث بمعني مبحوثة أَي بحث عَن أَهلهَا وَاسْتَخْرَجُوا مِنْهَا وَهُوَ جاري بَيت بَيت بمعني مقاربا ولقيته كَافَّة كفة بمعني مواجها وَمِنْهَا مَا أَصله الْإِضَافَة كبادئ بَدْء بمعني مبدوء بهَا وَتَفَرَّقُوا أيادي سبأ بمعني مثل أيادي سبأ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وَالَّذِي جزم بِهِ ابْن مَالك أَن هَذِه الْأَلْفَاظ مركبة تركيب خَمْسَة عشر مَبْنِيَّة على الْفَتْح للسبب الَّذِي بني لأَجله خَمْسَة عشر وَهُوَ تضمن معنى حرف الْعَطف فِي الْقسم الأول وَشبه مَا هُوَ مُتَضَمّن لَهُ فِي الثَّانِي وَذكر صَاحب الْبَسِيط أَنَّهَا لَيست بمبنية بل مُضَافَة وَإِنَّمَا حذف التَّنْوِين من الثَّانِي للإتباع وحركة الإتباع لَيست حَرَكَة إِعْرَاب فَهُوَ مخفوض فِي التَّقْدِير كَمَا أتبع الأول فِي يَا زيد بن عَمْرو للثَّانِي فِي حركته
منع حذف الْحَال وَجَوَاز حذف عَامله
(ص) مَسْأَلَة تحذف إِلَّا إِن حصر أَو نهي عَنهُ أَو كَانَ جَوَابا أَو نَاب عَنهُ خبر أَو عَن فعله وعامله لَا الْمَعْنَوِيّ عِنْد الْأَكْثَر وَيجب إِن جرى مثلا أَو بَين نقصا أَو زِيَادَة بتدريج مَعَ الْفَاء وَثمّ أَو كَانَ مؤكدا أَو نَائِبا أَو توبيخا (ش) الأَصْل فِي الْحَال أَن تكون جَائِزَة الْحَذف وَقد يعرض لَهَا مَا يمْنَع مِنْهُ ككونها جَوَابا نَحْو رَاكِبًا لمن قَالَ كَيفَ جِئْت أَو مَقْصُودا حصرها نَحْو لم أعده إِلَّا حرضا أَو نائبة عَن خبر نَحْو ضربي زيدا قَائِما عَن اللَّفْظ بِالْفِعْلِ نَحْو: هَنِيئًا لَك أَو مَنْهِيّا عَنهُ نَحْو: ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى﴾ [النِّسَاء: ٤٣] ﴿وَلَا تمش فِي الأَرْض مرحا﴾ [لُقْمَان: ١٨] وَيجوز حذف عاملها لقَرِينَة حَالية كَقَوْلِك للْمُسَافِر راشدا مهديا أَي تذْهب وللقادم مَسْرُورا أَي رجعت وللمحدث صَادِقا أَي تَقول أَو لفظية نَحْو رَاكِبًا لمن قَالَ كَيفَ جِئْت وبلي مسرعا لمن قَالَ لم ينْطَلق وَمِنْه ﴿بلَى قَادِرين﴾ [الْقِيَامَة: ٤] أَي نجمعها ويستثني مَا إِذا كَانَ الْعَامِل معنويا كالظرف وَالْمَجْرُور وَاسم الْإِشَارَة وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا يجوز حذفه عَن الْأَكْثَر فَهُوَ أم لَا لضَعْفه فِي نَفسه وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا عمل بالنيابة وَالْفرع لَا يُقَوي قُوَّة الأَصْل وَلِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ تجوزان تَنْزِيله منزلَة الْفِعْل وحذفه وَأَجَازَ الْمبرد الْحَذف فِي الظّرْف فَقَالَ فِي قَوْله: ٩٧٠ -
(وإذْ مَا مِثْلَهُمْ بَشَرُ )
[ ٢ / ٣٣٤ ]
إِن (مثلهم) حَال وَالتَّقْدِير وَإِذ مَا فِي الدُّنْيَا بشر مثلهم
وجوب حذف الْعَامِل
وقديجب حذف الْعَامِل كَأَن جرى مثلا كَقَوْلِهِم (حظيين بَنَات صلفين كنات) أَي عرفتهم أَو بَين نقصا أَو زِيَادَة بتدريج أَي شَيْئا فَشَيْئًا نَحْو بِعته بدرهم فَصَاعِدا أَو فسافلا أَي فَزَاد الثّمن صاعدًا أَو فَذهب صاعدا أَو فَانْحَطَّ سافلا وَشرط نصب هَذِه الْحَال أَن تكون مصحوبة بِالْفَاءِ أَو بثم وَالْفَاء أَكثر فِي كَلَامهم وَلَا يجوز أَن تكون بِالْوَاو لفَوَات معنى التدريج مَعهَا وَلَفْظَة (فسافلا) ذكرهَا ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم أرها لغيره فَإِن لم ينْقل عَن الْعَرَب فَهِيَ مَمْنُوعَة لِأَن حذف الْعَامِل فِي الْحَال وجوبا على خلاف الأَصْل وَمِمَّا الْتزم حذف عَامله الْحَال الْمُؤَكّدَة والنائبة عَن خبر والواقعة بَدَلا من اللَّفْظ بِفِعْلِهِ كهنيئا مريئا أَي ثَبت لَهُ ذَلِك والواقعة توبيخا نَحْو أقائما وَقد قعد النَّاس ألاهيا وَقد جد قرناؤك
[ ٢ / ٣٣٥ ]
٣ - التَّمْيِيز
(ص) التَّمْيِيز هُوَ نكرَة بِمَعْنى (من) رَافع لإبهام جملَة أَو مُفْرد عددا أَو مُبْهَم مِقْدَار أَو مماثلة أَو مُغَايرَة أَو تعجب بِالنَّصِّ على جنس المُرَاد بعد تَمام بِإِضَافَة أَو تَنْوِين أَو نون وَمنع الكوفية التَّمْيِيز بِمثل وَغَيره وَأَبُو ذب ب (مَا) فِي نعم والأعلم عَن التَّعَجُّب (ش) التَّمْيِيز وَيُقَال لَهُ الْمُمَيز والتبيين والمبين وَالتَّفْسِير والمفسر نكرَة فِيهِ معنى (من) الجنسية رَافع لإبهام جملَة نَحْو تصبب زيد عرقا أَو مُفْرد عددا نَحْو أحد عشر رجلا أَو مُبْهَم كمقدار كيل أَو وزن أَو مساحة أَو شبهها كمثال ذرة وذنوب مَاء ونحي سمنا أَو مماثلة نَحْو (مثل أحد ذَهَبا) أَو مُغَايرَة نَحْو لنا غَيرهَا شَاءَ أَو تعجب نَحْو ويحه رجلا وَمَا أَنْت جَارة وَيَا حسنها لَيْلَة وناهيك رجلا وَقَوْلِي بِالنَّصِّ على جنس المُرَاد يتَعَلَّق بِقَوْلِي رَافع لإبهام وَالْحَال والتمييز مشتركان فِي سَائِر الْقُيُود إِلَّا فِي كَونه بمعني (من) وَإِنَّمَا يَأْتِي التَّمْيِيز بعد تَمام بِإِضَافَة نَحْو: ﴿ملْء الأَرْض ذَهَبا﴾ [آل عمرَان: ٩١) ﴿أَو عدل ذَلِك صياما﴾ [الْمَائِدَة: ٩٥] أَو تَنْوِين ظَاهر كرطل زيتا أَو مُقَدّر كخمسة عشر أَو نون تَثْنِيَة كمنوين سمنا أَو نون جمع نَحْو ﴿بالأخسرين أعمالا﴾ [الْكَهْف: ١٠٣] أَو شبه الْجمع نَحْو ثَلَاثِينَ لَيْلَة وشملت النكرَة كل نكرَة
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وَقد اخْتلف فِي نكرات مِنْهَا مثل فَمنع الْكُوفِيُّونَ التَّمْيِيز بهَا لإبهامها فَلَا يبين بهَا وَأَجَازَهُ سِيبَوَيْهٍ فَيَقُول لي عشرُون مثله وَحكى لي ملْء الدَّار أَمْثَاله وَمِنْهَا (غير) فَمنع الْفراء التَّمْيِيز بهَا لِأَنَّهَا أَشد إبهاما وَأَجَازَهُ يُونُس وسيبويه لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من فَائِدَة إِذْ أَفَادَ أَن عِنْده مَا لَيْسَ بمماثل لهَذَا وَهَذَا الْمِقْدَار فِيهِ تَخْصِيص وَمِنْهَا (مَا) فِي بَاب نعم وَأَجَازَ الْفَارِسِي أَن تكون نكرَة تَامَّة بمعني شَيْء وتنتصب تمييزا وَتَبعهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَمنع ذَلِك قوم مِنْهُم أَبُو ذَر مُصعب بن أبي بكر الْخُشَنِي وَذهب الأعلم فِيمَا تقدم أَنه مَنْصُوب عَن التَّعَجُّب إِلَّا أَنه مِمَّا انتصب عَن تَمام الْكَلَام
ناصب التَّمْيِيز وجاره
(ص) وناصبه مُمَيزَة تَشْبِيها (بأفعل من) أَو باسم الْفَاعِل قَولَانِ وتجره الْإِضَافَة إِن حذف التَّنْوِين أَو النُّون وَلَا يحذف غَيره إِلَّا مُضَاف يُغني عَنهُ التَّمْيِيز وَتجب إِضَافَة مفهم مِقْدَار إِن كَانَ فِي الثَّانِي معنى اللَّام أَو جُزْء ويختار فِي نَحْو جُبَّة خَز وَيجوز نَصبه تمييزا وَحَالا وَإِظْهَار (من) مَعَ كل تَمْيِيز إِلَّا (أفعل) وَالْعدَد وَنعم ومنقول فَاعل ومفعول وَهِي تبعيض وَقيل زَائِدَة وَإِن كَانَ الْمِقْدَار من جِنْسَيْنِ جَازَ عطف أَحدهمَا خلافًا للفراء (ش) تَمْيِيز الْمُفْرد ينصبه مميزه كعشرين ميلًا وَعشْرين درهما ورطل وقفيز وذراع فِي رَطْل زيتا وقفيز برا وذراع ثوبا وَجَاز لمثل هَذِه أَن تعْمل وَإِن كَانَت جامدة لِأَن عَملهَا على طَرِيق التَّشْبِيه وَاخْتلف البصريون فِي الَّذِي شبهت بِهِ فَقيل باسم الْفَاعِل فِي طلبَهَا اسْما بعْدهَا وَقيل (بأفعل من) فِي طلبَهَا اسْما بعْدهَا على طَرِيق التَّبْيِين مُلْتَزما فِيهِ
[ ٢ / ٣٣٧ ]
التنكير قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ أقوي لِأَن اسْم الْفَاعِل لَا يعْمل إِلَّا مُعْتَمدًا وَيعْمل فِي النكرَة وَغَيرهَا ويجر التَّمْيِيز بِإِضَافَة مَا قبله إِلَيْهِ إِن حذف التَّنْوِين أَو النُّون نَحْو رَطْل زَيْت وإردب شعير ومنوا سمن وَلَا يحذف شَيْء غير التَّنْوِين أَو النُّون إِلَّا مُضَاف إِلَيْهِ صَالح لقِيَام التَّمْيِيز مقَامه نَحْو زيد أَشْجَع النَّاس رجلا فَيُقَال أَشْجَع رجل فَإِن لم يصلح لذَلِك نَحْو لله دره رجلا وويحه رجلا لم يجز الْحَذف فَلَا يُقَال لَهُ در رجل وَلَا وَيْح رجل والمقادير إِذا أُرِيد بهَا الْآلَات الَّتِي يَقع بهَا التَّقْدِير لَا يجوز إِلَّا إضافتها نَحْو عِنْدِي منوا سمن وقفيز بر وذراع ثوب يُرِيد الرطلين اللَّذين يُوزن بهما السّمن والمكيال الَّذِي يُكَال بِهِ الْبر والآلة الَّتِي يذرع بهَا الثَّوْب وَإِضَافَة هَذَا النَّوْع على معنى (اللَّام) لَا على معنى (من) وَكَذَا تجب الْإِضَافَة فِيمَا ميز بِجُزْء مِنْهُ نَحْو غُصْن ريحَان وَثَمَرَة نَخْلَة وَحب رمان وسعف مقل هَذَا إِن لم تَتَغَيَّر تَسْمِيَته بالتبعيض بِأَن بَقِي على اسْمه الأول فَإِن تَغَيَّرت كجبة خَز وَخَاتم فضَّة وسوار ذهب فَإِنَّهَا أَسمَاء حَادِثَة بعد التَّبْعِيض وَالْعَمَل الَّذِي هيأها للهيئات اللائقة بهَا فلك فِي هَذَا النَّوْع الجرّ بِالْإِضَافَة وَالنّصب على التَّمْيِيز أَو الْحَال وَالْإِضَافَة أرجح لِأَن الْحَال يحوج إِلَى التَّأْوِيل بمشتق كَمَا تقدم والتمييز بَاب ضَعِيف لكَونه فِي خَامِس رُتْبَة من الْفِعْل لِأَن النصب فِيهِ على التَّشْبِيه ب (أفعل من) و(أفعل من) مشبه بِالصّفةِ المشبهة وَهِي مشبهة باسم الْفَاعِل وَهُوَ بِالْفِعْلِ فَلَا يحسن إِلَّا عِنْد تعذر الْإِضَافَة وَإِذا كَانَ الْمِقْدَار مخلطا من جِنْسَيْنِ فَقَالَ الْفراء لَا يجوز عطف أَحدهمَا على الآخر بل تَقول عِنْدِي رَطْل سمنا عسلا إِذا أردْت أَن عنْدك من السّمن وَالْعَسَل مِقْدَار رَطْل لِأَن تَفْسِير الرطل لَيْسَ للمسن وَحده وَلَا للعسل وَحده وَإِنَّمَا هُوَ مجموعهما فَجعل سمنا عسلا اسْما للمجموع على حد قَوْلهم هَذَا حُلْو حامض
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَذهب غَيره إِلَى أَن الْعَطف بِالْوَاو لِأَن الْوَاو الجامعة تصير مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا بِمَنْزِلَة شَيْء وَاحِد أَلا ترى أَنَّك تَقول هَذَانِ زيد وَعَمْرو فصيرت الْوَاو الجامعة زيدا وعمرا خَبرا عَن (هَذَانِ) وَلَا يُمكن أَن يكون زيد على انْفِرَاده خَبرا وَلَا عَمْرو على انْفِرَاده وَكَذَلِكَ زيد وَعَمْرو قائمان وَقَالَ بعض المغاربة الْأَمْرَانِ سائغان الْعَطف وَتَركه وَيجوز إِظْهَار (من) مَعَ كل تَمْيِيز ذكر فِي هَذَا الْفَصْل أَو غَيره نَحْو (ملْء الأَرْض من ذهب) وإردب من قَمح ولي أَمْثَالهَا من إبل وَغَيرهَا من شَاءَ وويحه من رجل وَللَّه دره من فَارس وحسبك من رجل و(مَا أَنْت من جَارة) قَالَ: ٩٧١ -
(يَا سيدًا مَا أنْتَ مِنْ سَيِّدٍ )
وَقَالَ: ٩٧٢ فَيَا لَكَ مِنْ لَيْل ويستثني الْعدَد فَلَا يُقَال عشرُون من دِرْهَم مَا لم يخرج عَن التَّمْيِيز بالتعريف نَحْو عشرُون من الدَّرَاهِم وأفعل التَّفْضِيل فَلَا يُقَال فِي زيد أَكثر مَالا من مَال وَنعم فَلَا يُقَال فِي نعم رجل زيد من رجل وَالْمَنْقُول عَن فَاعل ومفعول وهما من تَمْيِيز الْجُمْلَة فَلَا يُقَال طَابَ زيد من نفس وَلَا فجرت الأَرْض من عُيُون
[ ٢ / ٣٣٩ ]
و(من) الْمَذْكُورَة فِيهَا قَولَانِ أَحدهمَا أَنه للتَّبْعِيض وَصَححهُ ابْن عُصْفُور وَالثَّانِي أَنَّهَا زَائِدَة قَالَ فِي الارتشاف وَيُؤَيِّدهُ الْعَطف على موضعهَا نصبا فِي قَوْله: ٩٧٣ -
(طافَتْ أُمامةُ بالرُّكْبان آونةً يَا حُسْنَهُ من قَوام مَا ومُنْتَقَبَا)
تَمْيِيز الْجُمْلَة
(ص) مَسْأَلَة مُمَيّز الْجُمْلَة ناصبة مَا فِيهَا من فعل وَشبهه وَقَالَ ابْن عُصْفُور هِيَ وَيكون مَنْقُولًا من فَاعل ومبتدأ ومفعول وَأنْكرهُ الشلوبين والأبذي وَابْن أبي الرّبيع ومشبها بِهِ وَهُوَ بعد أفعل فَاعل معنى حَقِيقَة أَو مجَازًا وَمِنْه نَحْو حَسبك بِهِ فَارِسًا وَللَّه دره رجلا ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ [النِّسَاء: ٧٩] فَإِن صَحَّ أَن يخبر بِهِ عَمَّا قبله فَلهُ أَو لملابسه الْمُقدر وَإِن دلّ على هَيْئَة وعني بِهِ الأول جَازَ كَونه حَالا وَإِظْهَار (من) (ش) تَمْيِيز الْجُمْلَة مَا ينْتَصب عَن تَمام الْكَلَام فَتَارَة يكون مَنْقُولًا من فَاعل نَحْو طَابَ زيد نفسا (﴿واشتعل الرَّأْس شيبا﴾ [مَرْيَم: ٤] وَالْأَصْل طابت نفس زيد واشتعل شيب الرَّأْس وَتارَة من الْمُبْتَدَأ نَحْو ﴿أَنا أَكثر مِنْك مَالا﴾ [الْكَهْف: ٣٤] وَالْأَصْل مَالِي أَكثر من مَالك
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وَتارَة من الْمَفْعُول بِنَحْوِ: ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ [الْقَمَر: ١٢] وَالْأَصْل فجرنا عُيُون الأَرْض هَذَا مَذْهَب الْمُتَأَخِّرين وَبِه قَالَ ابْن عُصْفُور وَابْن مَالك وَقَالَ الأبذي هَذَا الْقسم لم يذكرهُ النحويون وَإِنَّمَا الثَّابِت كَونه مَنْقُولًا عَن الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول الَّذِي لم يسم فَاعله وَقَالَ الشلوبين (عيُونا) فِي الْآيَة نصب على الْحَال الْمقدرَة لَا التَّمْيِيز وَلم يثبت كَون التَّمْيِيز مَنْقُولًا من الْمَفْعُول فَيَنْبَغِي أَلا يُقَال بِهِ وَقَالَ ابْن أبي الرّبيع (عيُونا) نصب على الْبَدَل من الأَرْض وَحذف الضَّمِير أَي عيونها أَو على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي بعيون وَتارَة يكون مشبها بالمنقول نَحْو امْتَلَأَ الْإِنَاء مَاء وَنعم زيد رجلا وَوجه الشّبَه أَن (امْتَلَأَ) مُطَاوع (مَلأ) فكأنك قلت مَلأ المَاء الْإِنَاء ثمَّ صَار تمييزا بعد أَن كَانَ فَاعِلا وَالْأَصْل نعم الرجل ثمَّ أضمر وَصَارَ بعد أَن كَانَ فَاعِلا تمييزا والتمييز بعد أفعل التَّفْضِيل فَاعل فِي المعني إِمَّا حَقِيقَة أَو مجَازًا وَمن تَمْيِيز الْجُمْلَة فِيمَا نَقله أَبُو حَيَّان عَن النَّحْوِيين مُنْكرا على ابْن مَالك حَيْثُ جعله من تَمْيِيز الْمُفْرد قَوْلهم حَسبك بِهِ فَارِسًا وَللَّه دره رجلا وَمِنْه عِنْد ابْن مَالك وَغَيره ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ [النِّسَاء: ٧٩] وَفِي ناصب تَمْيِيز الْجُمْلَة قَولَانِ أصَحهمَا مَا فِيهَا من فعل وَشبهه لوُجُود مَا أصل الْعَمَل لَهُ وَعَلِيهِ سِيبَوَيْهٍ والمازني والمبرد والزجاج والفارسي وَصحح ابْن عُصْفُور أَن الْعَامِل فِيهِ نفس الْجُمْلَة الَّتِي انتصب عَن تَمامهَا لَا الْفِعْل وَلَا الِاسْم الَّذِي جري مجْرَاه كَمَا أَن تَمْيِيز الْمُفْرد ناصبه نفس الِاسْم الَّذِي انتصب عَن تَمَامه وَمَتى صَحَّ الْإِخْبَار بالتمييز عَمَّا قبله نَحْو كرم زيد أَبَا فَإِنَّهُ يَصح أَن يَقع أَب خَبرا لزيد فَتَقول زيد أَب فلك فِيهِ وَجْهَان عوده إِلَيْهِ بِأَن يكون هُوَ الْأَب أَي مَا أكْرمه من أَب وعَلى هَذَا لَا يكون مَنْقُولًا عَن الْفَاعِل وَيجوز دُخُول (من) عَلَيْهِ وَعوده إِلَى ملابسه الْمُقدر بِأَن يكون الْأَب أَبَا زيد لَا زيدا نَفسه أَي مَا أكْرم أَبَاهُ وعَلى هَذَا يكون مَنْقُولًا عَن الْفَاعِل وَلَا يجوز دُخُول (من) عَلَيْهِ وَإِن دلّ التَّمْيِيز على هَيْئَة وعني بِهِ الأول نَحْو كرم زيد ضيفا إِذا أُرِيد أَن زيدا هُوَ الضَّيْف جَازَ أَن يكون ضيفا مَنْصُوبًا على الْحَال لدلالته على هَيْئَة وعَلى
[ ٢ / ٣٤١ ]
التَّمْيِيز لصلاحية (من) وَيجوز حِينَئِذٍ إِظْهَار (من) مَعَه وَهُوَ الأجود رفعا لتوهم الحالية نَحْو كرم زيد من ضيف فَإِن لم يعن بِهِ الأول على قصد كرم ضيف زيد تعين النصب تمييزا وامتنعت الحالية وَلم يجز دُخُول (من) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَاعل فِي الأَصْل
مُطَابقَة تَمْيِيز الْجُمْلَة مَا قبله فِي الْإِفْرَاد وفرعيه
(ص) ويطابق مَا قبله اتَّحد معنى أم لَا مَا لم يلْزم إِفْرَاده لإفراد مَعْنَاهُ أَو كَانَ مصدرا لم يقْصد اخْتِلَاف أَنْوَاعه وَيلْزم الْجمع بعد مُفْرد مباين لَا يُفِيد مَعْنَاهُ (ش) يلْزم فِي تَمْيِيز الْجُمْلَة الْمُطَابقَة لما قبله فِي الْإِفْرَاد وفرعيه إِن اتحدا معنى نَحْو كرم زيد رجلا وكرم الزيدان رجلَيْنِ وكرم الزيدون رجَالًا وَكَذَا إِن لم يتحدا من حَيْثُ الْمَعْنى نَحْو حسن الزيدون وُجُوهًا إِلَّا أَن يلْزم إِفْرَاد التَّمْيِيز لإفراد مَعْنَاهُ نَحْو كرم الزيدون أصلا إِذا كَانَ أصلهم وَاحِدًا و(أصل) لم يتحد من حَيْثُ الْمَعْنى بالزيدين إِلَّا أَنه لإفراد مَدْلُوله يلْزم إِفْرَاده لِأَن الْجمع يُوهم اخْتِلَاف أصولهم أَو يكون التَّمْيِيز مصدرا لم يقْصد اخْتِلَاف أَنْوَاعه نَحْو زكي الزيدون سعيا فَإِن قصد اخْتِلَاف الْأَنْوَاع فِي الْمصدر لاخْتِلَاف محاله جَاءَ التَّمْيِيز جمعا نَحْو ﴿بالأخسرين أعمالا﴾ [الْكَهْف: ١٠٣] لِأَن أَعْمَالهم مُخْتَلفَة الْمحَال هَذَا خسر بِكَذَا وَهَذَا خسر بِكَذَا وكقولك تخَالف النَّاس أَو تفاوتوا أذهانا وَيلْزم جمع التَّمْيِيز بعد مُفْرد مباين إِذا كَانَ معنى الْجمع يفوت بِقِيَام الْمُفْرد مقَامه نَحْو نظف زيد ثيابًا إِذْ لَو قيل ثوبا لتوهم أَن لَهُ ثوبا وَاحِدًا نظيفا
توَسط التَّمْيِيز
(ص) وَيجوز توسيطه بَين متصرف وفَاقا لَا تَقْدِيمه اخْتِيَارا وَجوزهُ قوم على فعل متصرف غير (كفى) وَالْفراء على اسْم شبه بِهِ الأول
[ ٢ / ٣٤٢ ]
(ش) يجوز توَسط التَّمْيِيز بَين الْفِعْل ومرفوعه بِلَا خلاف نَحْو طَابَ نفسا زيد قَالَ وَكَذَا قِيَاسه الْجَوَاز بَين الْفِعْل ومنصوبه نَحْو فجرت عيُونا الأَرْض وَأما تَقْدِيمه على الْفِعْل فَمَنعه ابْن عُصْفُور جزما بِنَاء على أَن الناصب لَهُ لَيْسَ هُوَ الْفِعْل وَإِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَة بأسرها والقائلون بِأَن الناصب لَهُ مَا فِيهَا من فعل وَشبهه اخْتلفُوا فَمنع سِيبَوَيْهٍ وَالْأَكْثَرُونَ من الْبَصرِيين والكوفيين والمغاربة تَقْدِيمه فَلَا يُقَال نفسا طَابَ زيد كَمَا يمْتَنع التَّقْدِيم فِي تَمْيِيز الْمُفْرد وَمَا ورد من ذَلِك فضرورة وَجوزهُ الْكسَائي والمبرد والمازني والجرمي وَطَائِفَة وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك بِشَرْط كَون الْفِعْل متصرفا لوروده قَالَ: ٩٧٤ -
(وَمَا كَانَ نَفْسًا بالفراق تَطيبُ )
وَقِيَاسًا على سَائِر الفضلات ويستثني من الْمُتَصَرف كفي فَلَا يُقَال شَهِيدا كفي بِاللَّه بِإِجْمَاع ذكره أَبُو حَيَّان
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فَإِن كَانَ الْفِعْل جَامِدا امْتنع بِإِجْمَاع فَلَا يُقَال مَا رجلا أحسن زيدا كَذَا وَلَا رجلا أحسن بزيد كَمَا يمْتَنع إِذا كَانَ عَامله جَامِدا بِإِجْمَاع نعم اسْتثْنِي من مَحل الْإِجْمَاع فِي الثَّانِي صُورَة وَهُوَ التَّمْيِيز بعد اسْم شبه بِهِ الأول نَحْو زيد الْقَمَر حسنا فَإِن الْفراء جوز فِيهِ التَّقْدِيم فَيُقَال زيد حسنا الْقَمَر
جَوَاز تَعْرِيف التَّمْيِيز
(ص) وَجوز الْكُوفِيُّونَ وَابْن الطراوة تَعْرِيفه وَتَأَول البصرية مَا ورد (ش) البصريون على اشْتِرَاط تنكير التَّمْيِيز وَذهب الْكُوفِيُّونَ وَابْن الطراوة إِلَى أَنه يجوز أَن يكون معرفَة كَقَوْلِه: ٩٧٥ -
(وَطِبْتَ النّفْسَ يَا قيْسُ عَنْ عَمْرو )
وَقَوله: ٩٧٦ -
(عَلامَ مُلِئْتَ الرُّعْبَ والحربُ لم تَقِدْ )
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وَقَوْلهمْ سفه زيد نَفسه وألم رَأسه و﴿بطرت معيشتها﴾ [الْقَصَص: ٥٨] والأولون تأولوا ذَلِك على زِيَادَة اللَّام والمضافات نصبت على التَّشْبِيه بالمفعول بِهِ أَو على إِسْقَاط الْجَار أَي فِي نَفسه وَفِي رَأسه وَفِي معيشتها
مُفَارقَة الْحَال التَّمْيِيز
(ص) وَلَا يَتَعَدَّد وَالْجُمْهُور لَا يكون مؤكدا ويحذف لقَرِينَة أَو قصد الْإِبْهَام لَا الْمُمَيز مَا لم يوضع غَيره مَوْضِعه (ش) فَارق التَّمْيِيز الْحَال فِي أَنه لَا يَتَعَدَّد بِخِلَافِهَا وَفِي أَنه لَا يكون مؤكدا وَالْحَال تكون مُؤَكدَة كَذَا قَالَه الْجُمْهُور وَذكر ابْن مَالك أَن التَّمْيِيز قد يكون مؤكدا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا﴾ [التَّوْبَة: ٣٦] وَأجِيب بِأَن شهرا وَإِن أكد مَا فهم من (إِن عدَّة الشُّهُور) إِلَّا أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَامله وَهُوَ اثْنَا عشر مُبين وَيجوز حذف التَّمْيِيز إِذا قصد أبقاء الْإِبْهَام أَو كَانَ فِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهِ وَلَا يجوز حذف الْمُمَيز لِأَنَّهُ يزِيل دلَالَة الْإِبْهَام إِلَّا أَن يوضع غَيره مَوْضِعه كَقَوْلِهِم مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا وَقد يحذف من غير بدل كَقَوْلِهِم تالله رجلا أَي تالله مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا
تَمْيِيز الْأَعْدَاد
(ص) مَسْأَلَة مُمَيّز الْعدَد إِن كَانَ مَا بَين عشرَة وَمِائَة مُفْرد مَنْصُور وَأَجَازَ الْفراء جمعه وَإِضَافَة عشْرين وأخواته لُغَة أَو عشرَة فَمَا دونهَا مَجْمُوع مُضَاف إِلَيْهِ إِلَّا إِن كَانَ (مائَة) وَقد يجمع وَفِي اسْم الْجمع وَالْجِنْس
[ ٢ / ٣٤٥ ]
ثَالِثهَا إِن اسْتعْمل للقلة جَازَ قِيَاسا أَو مائَة فَمَا فَوْقهَا فمفرد مُضَاف وَجمعه مَعهَا ضَرُورَة وَقَالَ الْفراء سَائِغ وَيجوز جَرّه بِمن ونصبه مَعَ مائَة وَمِائَتَيْنِ وَألف ضَرُورَة وَأَجَازَ ابْن كيسَان وَلَا يُمَيّز وَاحِد وَاثْنَانِ دون شذوذ أَو ضَرُورَة وَلَا يجمع تَمْيِيز كَثْرَة إِن أمكن قلَّة غَالِبا وَلَا يفصل من الْعدَد اخْتِيَارا وينعت حملا عَلَيْهِ وعَلى الْعدَد وَيتَعَيَّن الثَّانِي فِي الْجمع السَّالِم ويغني الْعدَد عَن تَمْيِيزه إِضَافَة لغيره (ش) حولت ذكر تَمْيِيز الْأَعْدَاد من بَاب الْعدَد إِلَى هُنَا للمناسبة الظَّاهِرَة خُصُوصا وَقد تقدم فِي صدر الْبَاب أَن من أَنْوَاع تَمْيِيز الْمُفْرد تَمْيِيز الْعدَد فَأَقُول الْعدَد إِن كَانَ وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ لم يحْتَج إِلَى تَمْيِيز اسْتغْنَاء بِالنَّصِّ على الْمُفْرد والمثني فَيُقَال رجل ورجلان لِأَنَّهُ أخصر وأجود وَلَا يُقَال وَاحِد رجلا وَلَا اثْنَا رجل وَأما قَوْلهم شربت قدحا وأثنيه وشريت اثْنَي مد الْبَصْرَة فشاذ وَقَوله: ٩٧٧ -
(ظَرْفُ عَجُوز فِيهِ ثنتا حنظل )
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فضرورة وَإِن كَانَ ثَلَاثَة فَمَا فَوْقهَا إِلَى الْعشْرَة ميز مَجْمُوع مجرور بِإِضَافَة الْعدَد إِلَيْهِ نَحْو ثَلَاثَة أَثوَاب وَثَلَاث لَيَال وَعشرَة أشهر وَعشر سِنِين مَا لم يكن التَّمْيِيز لفظ (مائَة) فيفرد غَالِبا نَحْو ثَلَاث مائَة وَقد يجمع أَيْضا نَحْو ثَلَاث مئين أما الْألف فتجمع الْبَتَّةَ نَحْو إِلَى اسْم الْجمع نَحْو ثَلَاث الْقَوْم أَو اسْم الْجِنْس نَحْو ثَلَاثَة آلَاف وَهل يجوز ثَلَاث نحل أَقْوَال: أَحدهَا نعم وَيُقَاس إِن كَانَ قَلِيلا وَعَلِيهِ الْفَارِسِي وَصَححهُ صَاحب الْبَسِيط إِضَافَته لشبهه بِالْجمعِ ولوروده قَالَ: ٩٧٨ -
(ثَلاَثَةُ أنْفُسِ تَعَالَى وثلاثُ ذَوْدٍ )
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط﴾ [النَّمْل: ٤٨] وَالثَّانِي لَا ينقاس وَعَلِيهِ الْأَخْفَش وَابْن مَالك وَغَيرهمَا وَالثَّالِث التَّفْرِقَة بَين مَا يسْتَعْمل من اسْم الْجمع للقلة فَيجوز أَو للكثرة فَلَا يجوز وَعَلِيهِ الْمَازِني وعَلى الْمَنْع طَريقَة أَن يبين ب (من) فَيُقَال ثَلَاثَة من الْقَوْم وَأَرْبَعَة من الطير وَثَلَاث من النَّحْل وَهُوَ فِي اسْم الْجِنْس آكِد من اسْم الْجمع وَإِن كَانَ أحد عشر إِلَى تِسْعَة وَتِسْعين ميز بمفرد مَنْصُوب نَحْو: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يُوسُف: ٤] ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الْبَقَرَة: ٦٠] (وَوَاعَدْنَا مُوسَى
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٢] ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٥٥] وَلَا يجوز جمعه عِنْد الْجُمْهُور وَجوزهُ الْفراء نَحْو عِنْدِي أحد عشر رجَالًا وَقَامَ ثَلَاثُونَ رجَالًا وَخرج عَلَيْهِ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٦٠] قَالَ الْكسَائي وَمن الْعَرَب من يضيف الْعشْرين وأخواته إِلَى التَّمْيِيز نكرَة وَمَعْرِفَة فَيَقُول عشرو دِرْهَم وأربعو ثوب وَإِن كَانَ مائَة فَمَا فَوْقهَا ميز بمفرد مجرور بِالْإِضَافَة نَحْو مائَة رجل وَمِائَتَا عَام وَألف إِنْسَان وَجمعه مَعَ الْمِائَة ضَرُورَة وَجوزهُ الْفراء فِي السعَة وَخرج عَلَيْهِ قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الْكَهْف: ٢٥] بِإِضَافَة مائَة وَيجوز جَرّه ب (من) فَيُقَال ثَلَاث مائَة من السنين وَنصب الْمُفْرد مَعَ مائَة وَمِائَتَيْنِ وَألف ضَرُورَة قَالَ ٩٧٩ -
(إذَا عَاشَ الفتَى مائَتَيْن عَاما )
وَأَجَازَ ابْن كيسَان أَن يُقَال فِي السعَة الْمِائَة دِينَار وَالْألف درهما وَبَقِي مسَائِل الأولى لَا يجب التَّمْيِيز مَعَ (ثَلَاثَة) وَنَحْوهَا جمع كَثْرَة مَا أمكن جمع الْقلَّة غَالِبا وَمن جموع الْقلَّة جمع التَّصْحِيح قَالَ تَعَالَى: ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [الْبَقَرَة ٢٩] و﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ [يُوسُف: ٤٣ - ٤٦] ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ يُوسُف: ٤٣ - ٤٦] و﴿تِسْعَ آيَاتٍ﴾ [الْإِسْرَاء: ١٠١] وَمن الْقَلِيل: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [الْبَقَرَة:
[ ٢ / ٣٤٨ ]
٢٦١ -] و﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] ﴿ثَمَانِي حجج﴾ [الْقَصَص: ٢٧] فَإِن لم يكن جمع الْقلَّة بِأَن لم يسْتَعْمل تعين جمع الْكَثْرَة نَحْو ثَلَاثَة رجال الثَّانِي لَا يجوز الْفَصْل بَين التَّمْيِيز وَالْعدَد إِلَّا فِي ضَرُورَة كَقَوْلِه: ٩٨٠ -
(فِي خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ جُمَادَى لَيلَةً )
وَقَوله: ٩٨١ -
(ثَلَاثُونَ لِلْهَجْر حَوْلًا كمِيلا )
وَقَوله: ٩٨٢ -
(وعِشْرون مِنْهَا أصْبعًا مِنْ وَرائِنَا )
الثَّالِثَة إِذا جِيءَ بنعت مُفْرد أَو جمع تكسير جَازَ الْحمل فِيهِ على التَّمْيِيز وعَلى الْعدَد نَحْو عِنْدِي عشرُون رجلا صَالحا أَو صَالح وَعِشْرُونَ رجلا كراما أَو كرام فَإِن كَانَ جمع سَلامَة تعين الْحمل على الْعدَد نَحْو عشرُون رجلا صَالِحُونَ ذكره فِي الْبَسِيط
[ ٢ / ٣٤٩ ]
الرَّابِعَة يُغني عَن تَمْيِيز الْعدَد إِضَافَته إِلَى غَيره نَحْو خُذ عشرتك وعشري زيد لِأَنَّك لم تضف إِلَى غير التَّمْيِيز إِلَّا وَالْعدَد عِنْد السَّامع مَعْلُوم النَّجس فاستغني عَن الْمُفَسّر وَقد قَالَ الشَّاعِر: ٩٨٣ -
(وَمَا أَنْت أَم مَا رسُوم الدِّيار وسِتُّوك قد قَارَبَتْ تَكْمُل)
تَمْيِيز كم الاستفهامية
(ص) مَسْأَلَة مُمَيّز (كم) الاستفهامية مَنْصُوب وَفِي جَرّه ثَالِثهَا يجوز إِن جرت وَهُوَ ب (من) مقدرَة وَقَالَ الزّجاج بإضافتها وَلَا يكون جمعا خلافًا للكوفيين مُطلقًا وللأخفش فِيمَا أُرِيد بِهِ الْأَصْنَاف وَيجوز فَصله وحذفه (ش) ختمت الْكَلَام فِي التَّمْيِيز بأنواع مِنْهُ لم تجر عَادَتهم بذكرها فِي هَذَا الْبَاب كَمَا ذكرت تَمْيِيز الْأَعْدَاد وَذَلِكَ (كم) الاستفهامية والخبرية وكأين وَكَذَا وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَن مَعَانِيهَا فِي مَبْحَث الأدوات فمميز (كم) الاستفهامية مُفْرد مَنْصُوب كمميز عشْرين وأخواته نَحْو كم شخصا سما وَقَالَ ابْن مَالك لما كَانَت الاستفهامية بِمَنْزِلَة عدد مقرون بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام أشبهت الْعدَد الْمركب فأجريت مجْرَاه بِأَن جعل مميزها كمميزة فِي النصب والإفراد وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كَونه جمعا مُطلقًا كَمَا يجوز ذَلِك فِي (كم) الخبرية نَحْو كم غلمانا لَك ورد بِأَنَّهُ لم يسمع
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَأَجَازَهُ الْأَخْفَش إِذا أردْت بِالْجمعِ أصنافا من الغلمان تُرِيدُ كم عنْدك من هَذِه الْأَصْنَاف وَاخْتَارَهُ بعض المغاربة فَقَالَ كم الاستفهامية لَا تفسر بِالْجمعِ إِنَّمَا هُوَ بِشَرْط أَن يكون السُّؤَال بهَا عَن عدد الْأَشْخَاص وَأما إِن كَانَ السُّؤَال عَن الْجَمَاعَات فيسوغ تمييزها بِالْجمعِ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك بِمَنْزِلَة الْمُفْرد وَذَلِكَ نَحْو كم رجَالًا عنْدك تُرِيدُ كم جمعا من الرِّجَال إِذا أردْت أَن تسْأَل عَن عدد أَصْنَاف الْقَوْم الَّذين عِنْده لَا عَن مبلغ أشخاصهم ويسوغ باسم الْجِنْس نَحْو كم بطا عنْدك تريدكم صنفا من البط عنْدك وَهل يجوز جر تَمْيِيز كم الاستفهامية حملا على الخبرية مَذَاهِب أَحدهَا لَا وَالثَّانِي نعم وَالثَّالِث الْجَوَاز بِشَرْط أَن يدْخل على (كم) حرف جر نَحْو على كم جذع بَيْتك مَبْنِيّ ثمَّ الْجَرّ حِينَئِذٍ ب (من) مقدرَة حذفت تَخْفِيفًا وَصَارَ الْحَرْف الدَّاخِل على (كم) عوضا عَنْهَا هَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه وَالْفراء وَالْجَمَاعَة وَخَالف الزّجاج فَقَالَ إِنَّه بِإِضَافَة (كم) لَا بإضمار (من) ورده أَبُو الْحسن الأبذي بِأَنَّهُم حِين خفضوا بعْدهَا لم يخفضوا إِلَّا بعد تقدم حرف جر فكونهم لم يتعدوا هَذَا دَلِيل لقوم الْجَمَاعَة وَيجوز فصل تَمْيِيز (كم) الاستفهامية فِي الِاخْتِيَار وَإِن لم يجز فِي عشْرين وَإِخْوَته إِلَّا اضطرارا وَيكثر بالظرف وَالْمَجْرُور وَقد يفصل بعاملها وبالخبر نَحْو كم ضربت رجلا وَكم أَتَاك رجلا وَلَكِن اتِّصَاله هُوَ الأَصْل والأقوى وَمِمَّا وَجه بِهِ جَوَاز الْفَصْل فِيهَا أَنَّهَا لما لَزِمت الصَّدْر ونظيرها من الْأَعْدَاد الَّتِي ينصب تمييزها لَيْسَ كَذَلِك بل يَقع صدر أَو غير جعل هَذَا الْقدر من التَّصَرُّف فِيهَا عوضا من ذَلِك التَّصَرُّف الَّذِي سلبته وَيجوز حذف تمييزها نَحْو كم ضربت رجلا على أَن رجلا مفعول ضربت والتمييز مَحْذُوف وَكم رجل جَاءَك أَي كم مرّة أَو يَوْمًا وَرجل مُبْتَدأ وَمَا بعده الْخَبَر
[ ٢ / ٣٥١ ]
تَمْيِيز كم الخبرية
(ص) والخبرية مجرورة بإضافتها وَقيل ب (من) وَينصب إِن فصل ودونه لُغَة وجره مَفْعُولا بظرف ضَرُورَة وَثَالِثهَا يجوز إِن كَانَ نَاقِصا وبجملة ثَالِثهَا يجوز فِي الشّعْر فَقَط وَيكون جمعا وَقيل شَاذ على معنى الْوَاحِد وَقيل إِن لم ينصب وَالأَصَح جَوَاز حذفه وَثَالِثهَا إِن لم يقدر مُضَافا وَرَابِعهَا يفتح إِن لم يقدر مَنْصُوبًا وَمنع نَفْيه فيهمَا (ش) تَمْيِيز (كم) الخبرية مجرور وَيكون مُفردا وجمعا قَالَ: ٩٨٤ -
(كم عَمّةٍ لَك يَا جريرُ وخالةٍ )
وَقَالَ: ٩٨٥ -
(كَمْ مُلوكٍ باد مُلْكُهُمُ )
[ ٢ / ٣٥٢ ]
والإفراد أَكثر من الْجمع وأفصح حَتَّى زعم بَعضهم أَن تمييزها بِالْجمعِ شَاذ وَعَلِيهِ العكبري فِي شرح الإفصاح وَقيل يكون الْجمع على معنى الْوَاحِد فَإِذا قلت كم رجال كَأَنَّك قلت كم جمَاعَة من الرِّجَال ثمَّ الْجَرّ بإضافتها إِلَيْهِ عِنْد الْبَصرِيين وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: بِمن مقدرَة حذفت وأبقي عَملهَا كَمَا فِي قَوْله: ٩٨٦ -
(رَسْم دَار وقَفْتُ فِي طَلَلِهْ )
وَضعف بِأَن إِضْمَار حرف الْجَرّ وإبقاء عمله إِنَّمَا يكون فِي ضَرُورَة أَو شذوذ فَإِن فصل نصب حملا على الاستفهامية كَقَوْلِه: ٩٨٧ -
(كم نالني مِنْهُمُ فَضْلًا على عَدَم )
[ ٢ / ٣٥٣ ]
وَرُبمَا ينصب غير مفصول رُوِيَ (كم عمَّة لَك) الْبَيْت بِالنّصب وَذكر بَعضهم أَن النصب بِلَا فصل لُغَة تَمِيم وَذكره سِيبَوَيْهٍ عَن بعض الْعَرَب قَالَ أَبُو حَيَّان وَهِي لُغَة قَليلَة وَإِذا نصب بفصل أَو بِغَيْر فصل جَازَ كَونه أَيْضا مُفردا أَو جمعا كَمَا إِذا جر هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَذهب الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ وَابْن هِشَام الخضراوي إِلَى أَنَّهَا إِذا نصب تمييزها الْتزم فِيهِ الْإِفْرَاد لِأَن الْعَرَب التزمته فِي كل تَمْيِيز مَنْصُوب عَن عدد أَو كِنَايَة ككم الاستفهامية وكأين وَكَذَا ورد بِأَن ذَلِك فِيمَا يجب نَصبه لَا فِيمَا يجوز نَصبه وجره وَهل يجوز جَرّه مَعَ الْفَصْل بظرف أَو مجرور مَذَاهِب: أَصَحهَا لَا لما فِيهِ من الْفَصْل بَين المتضايفين وَذَلِكَ مَمْنُوع إِلَّا فِي ضَرُورَة نَحْو: ٩٨٨ -
(كَمْ بجُودٍ مُقْرفٍ نَالَ العُلَى وكريم بُخْلُهُ قَدْ وَضَعَهْ)
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَالثَّانِي نعم وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ بِنَاء على رَأْيهمْ أَن الْجَرّ بِمن مضمرة وَيُونُس بِنَاء على رَأْيه من جَوَاز الْفَصْل بَين المتضايفين فِي الِاخْتِيَار بذلك وَالثَّالِث الْجَوَاز إِن كَانَ الظّرْف أَو الْمَجْرُور نَاقِصا نَحْو كم بك مَأْخُوذ أَتَانِي وَكم الْيَوْم جَائِع جَاءَنِي وَالْمَنْع إِن كَانَ تَاما ورد بِأَن الْعَرَب لم تفرق بَين الظّرْف التَّام والناقص فِي الْفَصْل بل تجريهما مجْرى وَاحِدًا فَإِن كَانَ الْفَصْل بجملة لم يجز الْجَرّ فِي كَلَام وَلَا فِي شعر عِنْد الْبَصرِيين لِأَن الْفَصْل بِالْجُمْلَةِ بَين المتضايفين لَا يجوز الْبَتَّةَ وَجوزهُ الْكُوفِيُّونَ فيهمَا بِنَاء على أَن الْجَرّ بِمن لَا بِالْإِضَافَة وَجوزهُ الْمبرد فِي الشّعْر فَقَط وَرُوِيَ قَوْله: ٩٨٩ -
(كَمْ نَالَنِي مِنْهُمُ فَضْل على عَدَم )
بِالْجَرِّ وَيجوز حذف تَمْيِيز (كم) الخبرية وَلَا يجوز كَون الْمُمَيز منفيا لَا فِي الاستفهامية وَلَا فِي الخبرية لَا يُقَال كم لَا رجلا جَاءَك وَلَا كم لَا رجل صَحِبت نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَأَجَازَ ذَلِك بعض النَّحْوِيين نعم يجوز الْعَطف عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ نَحْو كم فرس ركبت لَا فرسا وَلَا فرسين أَي كثيرا من الأفراس ركبت لَا قَلِيلا
تَمْيِيز كأين
(ص) ومميز كأين بِمن غَالِبا وَقَالَ ابْن عُصْفُور لَازِما وَمَعَ فقدها بإضمارها وَقيل بِالْإِضَافَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يجمع وحذفه سَائِغ أَو ضَعِيف أَو مَمْنُوع أَقْوَال وَالأَصَح أَلا يفصل
[ ٢ / ٣٥٥ ]
(ش) مُمَيّز كأين الْأَكْثَر جَرّه بِمن ظَاهِرَة قَالَ تَعَالَى: ﴿وكأين من آيَة﴾ [يُوسُف: ١٠٥] ﴿وكأين من نَبِي﴾ [آل عمرَان: ١٤٦] ﴿وكأين من دَابَّة﴾ [العنكبوت: ٦٠] قَالَ ابْن حَيَّان وَيظْهر من كلا سِيبَوَيْهٍ أَن (من) هُنَا لتأكيد الْبَيَان فَهِيَ زَائِدَة قَالَ وَقد يُقَال إِنَّهَا تزاد فِي غير الْوَاجِب فَيُقَال إِن هَذَا روعي فِيهِ أَصله من الِاسْتِفْهَام وَهُوَ غير وَاجِب وَينصب قَلِيلا قَالَ الشَّاعِر: ٩٩٠ -
(وكَائِنْ لنَا فَضْلًا عَلَيْكُمْ ونِعْمَةً )
وَقَالَ: ٩٩١ -
(اطْرُدِ اليَأس بالرَّجَا فَكَأيِّنْ آلِمًا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسر)
وَزعم ابْن عُصْفُور أَن جَرّه بِمن لَازم وَأَنه لَا ينصب قَالَ فِي الْمُغنِي وَيَردهُ نَص سِيبَوَيْهٍ على خِلَافه وَيجوز جَرّه مَعَ فقد (من) قَالَ أَبُو حَيَّان إِلَّا أَنه لَا يحفظ فَإِن جَاءَ كَانَ على إِضْمَار (من) وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وَالْكسَائِيّ وَلَا يحمل على إِضَافَة كأين كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن كيسَان لِأَنَّهُ لَا يجوز إضافتها إِذْ المحكى لَا يُضَاف وَلِأَن فِي آخرهَا تنوينا فَهُوَ مَانع من الْإِضَافَة أَيْضا وَقد قَالَ سِيبَوَيْهٍ إِن جرها أحد من الْعَرَب فعسي أَن يجرها بإضمار (من) انْتهى وَقَالَ ابْن خروف يكون فِي مميزها النصب وَيجوز الْجَرّ ب (من) وَبِغير (من) بفصل وَبِغير فصل
[ ٢ / ٣٥٦ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان ومقتضي الِاسْتِقْرَار أَن تَمْيِيز (كأين) لَا يكون جمعا فَلَيْسَتْ كَمثل (كم) الخبرية فِي ذَلِك وَاخْتلف فِي جَوَاز حذفه فجوزه الْمبرد وَالْأَكْثَرُونَ وَقَالَ صَاحب الْبَسِيط إِنَّه ضَعِيف للُزُوم (من) فَفِيهِ حذف عَامل ومعمول قَالَ أَبُو حَيَّان وَمن يَقُول بِجَوَاز حذفه لَا يلْتَزم أَنه حذف وَهُوَ مجرور بِمن بل حذف وَهُوَ مَنْصُوب كَمَا حذف من (كم) الاستفهامية وَهُوَ مَنْصُوب والأفصح اتِّصَال تَمْيِيز (كأين) بهَا وَكَذَا وَقعت فِي الْقُرْآن وَيجوز الْفَصْل بَينهمَا بِالْجُمْلَةِ وبالظرف قَالَ: ٩٩٢ -
(وكائِنْ رَدَدْنًا عَنْكُمُ مِنْ مُدَجّج )
وَقَالَ: ٩٩٣ -
(وكائِنْ بالأباطح مِنْ صَديق )
تَمْيِيز كَذَا
(ص) ومميز (كَذَا) لَا يجر بِمن وفَاقا وَلَا بِالْإِضَافَة وَلَا الْبَدَلِيَّة وَلَا يرفع وَلَا يجمع خلافًا لزاعميها (ش) مُمَيّز (كَذَا) لَا يكون إِلَّا مُفردا مَنْصُوبًا قَالَ الشَّاعِر: ٩٤٤ -
(عِدِ النّفْسَ نُعْمَى بَعْد بُوساك ذَاكرًا كَذَا وَكَذَا لُطْفًا بِهِ نُسِيَ الْجُهْدُ)
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَلَا يجوز جَرّه بِمن اتِّفَاقًا وَلَا بِالْإِضَافَة خلافًا للكوفيين وأجازوا فِي غير تكْرَار وَلَا عطف أَن يُقَال كَذَا ثوب وَكَذَا أَثوَاب قِيَاسا على الْعدَد الصَّرِيح ورد بِأَن المحكى لَا يُضَاف وَبِأَن فِي آخرهَا اسْم الْإِشَارَة وَاسم الْإِشَارَة لَا يُضَاف وَأَجَازَ بَعضهم كَذَا دِرْهَم بِالْجَرِّ على الْبَدَل وَجوز الْكُوفِيُّونَ الرّفْع بعد (كَذَا) قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ خطأ لِأَنَّهُ لم يسمع وجوزوا الْجمع بعد الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة
[ ٢ / ٣٥٨ ]
نواصب الْمُضَارع
أَن
(ص) نواصب الْمُضَارع (أَن) يُقَال (عَن) وَهِي الموصولة بالماضي خلافًا لِابْنِ طَاهِر لَا بعد يَقِين غير مؤول فِي الْأَصَح وَيجوز فِي تلو (ظن) الرّفْع مُخَفّفَة وَكَذَا خوف تَيَقّن مخوفه فِي الْأَصَح وَالأَصَح لَا تعْمل زَائِدَة وَلَا يتَقَدَّم مَعْمُول معمولها وَثَالِثهَا يجوز مَعَ أُرِيد وَعَسَى وَلَا يفصل وَقيل يجوز بظرف وَقيل بِشَرْط وترفع إهمالا على الْأَصَح وَعَن الْكسَائي لَا يُقَاس وَلَا تجزم وَحَكَاهُ الرُّؤَاسِي واللحياني وَأَبُو عُبَيْدَة لُغَة وَتَقَع مُبْتَدأ وخبرا ومعمول حرف نَاسخ وَجَاز ولكان وَظن وَبَعض المغاربة وَفعل غير الْجَزْم ومضاف خلافًا لِابْنِ الطراوة لَا بِمَعْنى (الَّذِي) خلافًا لِابْنِ الذكي (ش) لما أنهيت منصوبات الْأَسْمَاء عقبت بمنصوبات الْأَفْعَال كَمَا ذكر عقب المرفوعات الْمُضَارع الْمَرْفُوع فنواصب الْفِعْل الْمُضَارع أَرْبَعَة أحرف
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أَحدهَا (أَن) وَهِي أم الْبَاب قَالَ أَبُو حَيَّان بِدَلِيل الِاتِّفَاق عَلَيْهَا وَالِاخْتِلَاف فِي (لن) و(إِذن) و(كي) وَيُقَال فِيهَا (عَن) بإبدال الْهمزَة عينا وَأَن هَذِه الناصبة للمضارع هِيَ الَّتِي توصل بالماضي فِي نَحْو: ﴿أَن كَانَ ذَا مَال وبنين﴾ [الْقَلَم: ١٤] وبالأمر فِي نَحْو كتبت إِلَيْهِ أَن قُم وبالنهي فِي نَحْو كتبت إِلَيْهِ أَلا تفعل وَزعم أَبُو بكر بن طَاهِر أَنَّهَا غَيرهَا فَتكون (أَن) على مذْهبه مُشْتَركَة أَو متجوزا بهَا وَاسْتدلَّ لذَلِك بأمرين أَحدهمَا أَنَّهَا تخلص للاستقبال فَلَا تدخل على الْمَاضِي كالسين وسوف وَكَذَا الْأَمر وَالثَّانِي أَنا لَو فَرضنَا دُخُولهَا على الْمَاضِي لوَجَبَ أَن تصيره بِصِيغَة الْمُضَارع كلم لما دخلت على الْمَاضِي قلبت صيغته إِلَى الْمُضَارع لتعمل فِيهِ وَشرط نصب الْمُضَارع بعد (أَن) أَلا تقع بعد فعل يَقِين كعلم وَتحقّق وتيقن وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ المخففة من الثَّقِيلَة نَحْو: ﴿علم أَن سَيكون﴾ [المزمل: ٢٠] خلافًا للفراء حَيْثُ جوز أَن تلِي أَن الناصبة للمضارع لفظ الْعلم وَمَا فِي مَعْنَاهُ مستدلا بِقِرَاءَة ﴿أَفلا يرَوْنَ أَلا يرجع إِلَيْهِم﴾ [طه: ٨٩] بِالنّصب وَهِي بمعني أَفلا يعلمُونَ وَبقول جرير: ٩٩٥ -
(نَرْضَى عَن الله أنّ النّاس قَدْ عَلِمُوا ألاّ يُدانِينَا مِنْ خَلْقهِ أحَدُ)
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وَأجِيب بِأَن الْعلم إِنَّمَا يمْتَنع وُقُوع أَن الناصبة بعده إِذا بَقِي على مَوْضِعه الْأَصْلِيّ أما إِذا أول بِالظَّنِّ وَاسْتعْمل اسْتِعْمَاله فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ ذَلِك وَالدَّلِيل على اسْتِعْمَال الْعلم بمعني الظَّن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ [الممتحنة: ١٠] فَإِن المُرَاد بِالْعلمِ فِيهِ الظَّن الْقوي إِذْ الْقطع بإيمانهن غير متوصل إِلَيْهِ وَمنع الْمبرد النصب أَيْضا فِي المؤول بِالظَّنِّ فَقولِي فِي الْأَصَح رَاجع إِلَى المستثني والمستثني مِنْهُ جَمِيعًا وَيجوز فِي الْوَاقِعَة بعد الظَّن الرّفْع على أَنَّهَا المخففة من الثَّقِيلَة وَهُوَ قَلِيل وَالْأَكْثَر فِي لِسَان الْعَرَب النصب بعده قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا﴾ [العنكبوت: ٢] وَقُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾ [الْمَائِدَة: ٧١] قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ فِي الْوَاقِعَة بعد الشَّك إِلَّا النصب وَفِي الْوَاقِعَة بعد فعل خوف تَيَقّن مخوفه نَحْو خفت أَلا تقوم وَخفت أَلا تكرمني قَولَانِ أصَحهمَا جَوَاز الرّفْع كَمَا بعد الظَّن وَقد سمع قَالَ أَبُو محجن: ٩٩٦ -
(أَخَاف إِذا مَا مِتّ أنْ لَا أذْوقُها )
[ ٢ / ٣٦١ ]
وَالثَّانِي تعين النصب وَعَلِيهِ الْمبرد وَلَا تعْمل أَن الزَّائِدَة عِنْد الْجُمْهُور لِأَنَّهَا لَا تخْتَص بِدَلِيل دُخُولهَا على الْفِعْل الْمَاضِي فِي قَوْله: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير﴾ [يُوسُف: ٩٦] وَلَا يعْمل إِلَّا الْمُخْتَص وَجوز الْأَخْفَش إعمالها حملا لَهَا على المصدرية وَقِيَاسًا على الْبَاء الزَّائِدَة حَيْثُ تعْمل الْجَرّ وَفرق بِأَن الْبَاء الزَّائِدَة تخْتَص بِالِاسْمِ وَلَا يجوز تَقْدِيم مَعْمُول مَعْمُول أَن الناصبة عَلَيْهَا لِأَنَّهَا حرف مصدري ومعمولها صلَة لَهَا ومعمولة من تَمام الصِّلَة فَكَمَا لَا تتقدم الصِّلَة لَا يتَقَدَّم معمولها هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين وَجوز الْفراء تَقْدِيمه لقَوْله: ٩٩٧ -
(كَانَ جَزائي بالعصًا أنْ أُجْلَدا )
فَقَوله (بالعصا) مُتَعَلق ب (أجلد) وَأجِيب بندوره أَو تَأْوِيله على تَقْدِير مُتَعَلق دلّ عَلَيْهِ الْمَذْكُور وَنقل ابْن كيسَان عَن الْكُوفِيّين الْجَوَاز فِي نَحْو طَعَامك أُرِيد أَن آكل وطعامك عَسى أَن آكل وَلَا يجوز فصل أَن الناصبة من الْفِعْل لَا بظرف وَلَا بمجرور وَلَا قسم وَلَا غير ذَلِك هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور وَجوزهُ بَعضهم بالظرف وَشبهه نَحْو أُرِيد أَن عِنْدِي تقعد وَأُرِيد أَن فِي الدَّار تقعد قِيَاسا على أَن الْمُشَدّدَة حَيْثُ يجوز ذَلِك فِيهَا بِجَامِع مَا اشْتَركَا فِيهِ من المصدرية وَالْعَمَل وَجوزهُ الْكُوفِيُّونَ بِالشّرطِ نَحْو أردْت أَن إِن تزرني أزورك بِالنّصب مَعَ تجويزهم الإلغاء أَيْضا وَجزم أزورك جَوَابا وَيجوز إهمال (أَن) حملا على أُخْتهَا مَا المصدرية فيرفع الْفِعْل بعْدهَا وَخرج عَلَيْهِ قِرَاءَة ﴿أَن يتم الرضَاعَة﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٣] بِالرَّفْع وَقيل لَا وَأَن الْمَرْفُوع بعْدهَا الْفِعْل مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة لَا المصدرية وَعَلِيهِ الْكُوفِيُّونَ
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وَلَا يجوز الْجَزْم ب (أَن) عِنْد الْجُمْهُور وَجوزهُ بعض الْكُوفِيّين قَالَ الرُّؤَاسِي من الْكُوفِيّين فصحاء الْعَرَب ينصبون بِأَن وَأَخَوَاتهَا الْفِعْل ودونهم قوم يرفعون بهَا ودونهم قوم يجزمون بهَا وَأنْشد على الْجَزْم: ٩٩٨ -
(أُحَاذِرُ أنْ تَعْلَمْ بهَا فَتَرُدّها )
وَمِمَّنْ حكى الْجَزْم بهَا لُغَة من الْبَصرِيين أَبُو عُبَيْدَة واللحياني وَزَاد أَنَّهَا لُغَة بني صباح ثمَّ لما كَانَت أَن مَعَ معمولها فِي تَقْدِير الِاسْم تسلط عَلَيْهَا الْعَامِل الْمَعْنَوِيّ واللفظي فَتَقَع مُبْتَدأ نَحْو: ﴿وَأَن تَصُومُوا خير لكم﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٤] وَخبر مُبْتَدأ نَحْو الْأَمر أَن تفعل كَذَا وَلَا يكون مبتدؤها إِلَّا مصدرا فَإِن وَقع جثة أول ومعمولا لحرف نَاسخ نَحْو إِن عِنْدِي أَن تخرج وَلَا بُد أَن يكون أحد الجزأين مصدرا إِلَّا فِي لَعَلَّ فَيجوز أَن يكون جثة نَحْو لَعَلَّ زيد أَن يخرج حملا على (عسي)
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ومعمولا بِحرف جر وَيكثر حذفه ومعمولا لَكَانَ وَأَخَوَاتهَا اسْما وخبرا نَحْو كَانَ أَن تقعد خيرا من قيامك وَتَكون عُقُوبَتك أَن أعزلك ومعمولا لظن وَأَخَوَاتهَا مَفْعُولا أَولا وَثَانِيا نَحْو ظَنَنْت أَن تقوم خيرا من أَن تقعد وَقَوله: ٩٩٩ -
(إِنِّي رَأَيْت من المكارم حَسْبَكُم أَن تَلْبَسُوا خَزّ الثِّيابِ وتَشْبَعُوا)
أَي لبس الثِّيَاب ومعمولا لبَعض أَفعَال المقاربة ولغيرها من أَفعَال غير الْجَزْم نَحْو طلبت مِنْك أَن تقوم وَأَرَدْت أَن تفعل وبدا لي أَن أقوم بِخِلَاف أَفعَال الْجَزْم لَا يُقَال فعلت أَن أقوم أَي الْقيام وَلَا أَعطيتك أَن تأمن أَي الْأمان ومعمولا لاسم مُضَاف نَحْو إِنَّه أهل أَن يفعل ومخافة أَن تفعل وأجيء بعد أَن تقوم وَقبل أَن تخرج وَقَالَ ابْن الطراوة لَا يجوز أَن يُضَاف إِلَى أَن ومعمولها لِأَن مَعْنَاهَا التَّرَاخِي فَمَا بعْدهَا فِي جِهَة الْإِمْكَان وَلَيْسَ بِثَابِت وَالنِّيَّة فِي الْمُضَاف إِثْبَات عينه بِثُبُوت عين مَا أضيف إِلَيْهِ فَإِذا كَانَ مَا أضيف إِلَيْهِ غير ثَابت فِي نَفسه فَإِن ثُبُوت غَيره محَال
لن
(ص) (لن) بسيطة وَقَالَ الْخَلِيل من (لَا أَن) وَالْفراء لَا النافية أبدلت نونا وَإِنَّمَا تنصب مُسْتَقْبلا وتفيد نَفْيه وَكَذَا التَّأْكِيد لَا التَّأْبِيد على الْمُخْتَار
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَقَالَ بعض البيانين لنفي مَا قرب وَالْمُخْتَار وفَاقا لِابْنِ عُصْفُور ترد للدُّعَاء وَيقدم مَعْمُول معمولها خلافًا للأخفش الصَّغِير وَلَا يفصل اخْتِيَار وَجوزهُ الْكسَائي بقسم ومعمول وَالْفراء بِشَرْط وأظن وتهمل وَحكى اللحياني الْجَزْم بهَا (ش) الثَّانِي من نواصب الْمُضَارع (لن) وَالْجُمْهُور أَنَّهَا حرف بسيط لَا تركيب فِيهَا وَلَا إِبْدَال وَقَالَ الْخَلِيل وَالْكسَائِيّ إِنَّهَا مركبة من (لَا أَن) فأصلها (لَا أَن) حذفت الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كَمَا حذفت فِي قَوْلهم ويلمه وَالْأَصْل ويل أمه ثمَّ حذفت الْألف لالتقاء الساكنين ألف (لَا) وَنون (أَن) فَصَارَت (لن) وَالْحَامِل لَهما على ذَلِك قربهَا فِي اللَّفْظ من (لَا أَن) وَوُجُود معنى (لَا) و(أَن) فِيهَا وَهُوَ النَّفْي والتخليص للاستقبال وَقَالَ الْفراء هِيَ لَا النافية أبدل من ألفها نون وَحمله على ذَلِك اتِّفَاقهمَا فِي النَّفْي وَنفي المستقيل وَجعل (لَا) أصلا لِأَنَّهَا أقعد فِي النَّفْي من (لن) لِأَن (لن) لَا تَنْفِي إِلَّا الْمُضَارع وَقد ذكرت رد الْقَوْلَيْنِ فِي حَاشِيَة الْمُغنِي وتنصب (لن) الْمُسْتَقْبل أَي أَنَّهَا تخلص الْمُضَارع إِلَى الِاسْتِقْبَال وتفيد نَفْيه ثمَّ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور أَنَّهَا تنفيه من غير أَن يشْتَرط أَن يكون النَّفْي بهَا آكِد من النَّفْي بِلَا وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ فِي مفصله إِلَى أَن (لن) لتأكيد مَا تعطيه (لَا) من نفي الْمُسْتَقْبل قَالَ تَقول لَا أَبْرَح الْيَوْم مَكَاني فَإِذا أكدت وشددت قلت لن أَبْرَح الْيَوْم قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا أَبْرَح حَتَّى أبلغ مجمع الْبَحْرين﴾ [الْكَهْف: ٦٠] وَقَالَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض حَتَّى يَأْذَن لي أبي﴾ [يُوسُف: ٨٠] وَذهب الزَّمَخْشَرِيّ فِي أنموذجه إِلَى أَنَّهَا تفِيد تأبيد النَّفْي قَالَ فقولك لن أَفعلهُ كَقَوْلِك لَا أَفعلهُ أبدا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿لن يخلقوا ذبابا﴾ [الْحَج: ٧٣] قَالَ ابْن مَالك وَحمله على ذَلِك اعْتِقَاده فِي (لن تراني)
[ ٢ / ٣٦٥ ]
أَن الله لَا يري وَهُوَ بَاطِل ورده غَيره بِأَنَّهَا لَو كَانَت للتأبيد لم يُقيد منفيها بِالْيَوْمِ فِي ﴿فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا﴾ [مَرْيَم: ٢٦] وَلم يَصح التَّوْقِيت فِي قَوْله ﴿لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] ولكان ذكر (الْأَبَد) فِي قَوْله ﴿وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا﴾ [الْبَقَرَة: ٩٥] تكْرَار إِذْ الأَصْل عَدمه وَبِأَن استفادة التَّأْبِيد فِي آيَة ﴿لن يخلقوا ذبابا﴾ [الْحَج: ٧٣] من خَارج وَقد وَافقه على إِفَادَة التَّأْبِيد ابْن عَطِيَّة وَقَالَ فِي قَوْله ﴿لن تراني﴾ [الْأَعْرَاف: ١٤٣] لَو بَقينَا على هَذَا النَّفْي لتضمن أَن موسي لَا يرَاهُ أبدا وَلَا فِي الْآخِرَة لَكِن ثَبت فِي الحَدِيث الْمُتَوَاتر
(أَن أهل الْجنَّة يرونه) وَوَافَقَهُ على إِفَادَة التَّأْكِيد جمَاعَة مِنْهُم ابْن الخباز بل قَالَ بَعضهم إِن مَنعه مُكَابَرَة فَلِذَا اخترته دون التَّأْبِيد وَأغْرب عبد الْوَاحِد الزملكاني فَقَالَ فِي كِتَابه (التِّبْيَان فِي الْمعَانِي وَالْبَيَان) إِن (لن) لنفي مَا قرب وَلَا يَمْتَد معنى النَّفْي فِيهَا قَالَ وسر ذَلِك أَن الْأَلْفَاظ مشاكلة للمعاني (وَلَا) آخرهَا ألف وَالْألف يكون امتداد الصَّوْت بهَا بِخِلَاف النُّون وَنقل ذَلِك عَنهُ ابْن عُصْفُور وَأَبُو حَيَّان ورداه وَالْجُمْهُور على أَن الْفِعْل بعد (لن) لَا يخرج عَن كَونه خَبرا كحاله بعد سَائِر حُرُوف النَّفْي غير لَا وَذهب قوم إِلَى أَنه قد يخرج بعد (لن) إِلَى الدُّعَاء كحاله بعد لَا قَالَ الشَّاعِر فِي (لَا):
[ ٢ / ٣٦٦ ]
١٠٠٠ -
(وَلَا زالَ مُنْهَلًاّ بجَرْعَائِكِ الْقَطْرُ )
وَقَالَ فِي لن: ١٠٠١ -
(لن تَزالوا كذلِكُم ثمَّ لَا زلْت لكم خَالِدًا خُلودَ الجبَال)
وَهَذَا القَوْل اخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي لِأَن عطف الدُّعَاء فِي الْبَيْت قرينَة ظَاهِرَة فِي أَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ دُعَاء لَا خبر وَتقدم مَعْمُول مَعْمُول (لن) عَلَيْهَا جَائِز خلاف مَعْمُول مَعْمُول (أَن) إِذْ لَا مَصْدَرِيَّة فِيهَا وَقد قَالُوا إِن (لن أضْرب) نفي ل (سأضرب) فَكَمَا جَازَ زيدا سأضرب جَازَ زيدا لن أضْرب وَمنعه الْأَخْفَش الصَّغِير أَبُو الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الْبَغْدَادِيّ لِأَن النَّفْي لَهُ صدر الْكَلَام فَلَا يقدم مَعْمُول معموله عَلَيْهِ كَسَائِر حُرُوف النَّفْي وَلَا يجوز الْفَصْل بَين (لن) وَبَين الْفِعْل فِي الِاخْتِيَار لِأَنَّهَا مَحْمُولَة على سيفعل وَكَذَلِكَ لم يجز لن تفعل وَلَا تضرب زيدا بِنصب (تضرب) لِأَن الْوَاو كالعامل فَلَا يفصل بَينهَا ويبن الْفِعْل ب (لَا) كَمَا لَا يُقَال لن لَا تضرب زيدا هَذَا مَذْهَب الْبَصرِيين وَهِشَام وَاخْتَارَ الْكسَائي الْفَصْل بالقسم ومعمول الْفِعْل نَحْو لن وَالله أكْرم زيدا وَلنْ زيدا أكْرم وَوَافَقَهُ الْفراء على الْقسم وَزَاد جَوَاز الْفَصْل ب (أَظن) نَحْو لن أَظن أزورك بِالنّصب وبالشرط نَحْو لن إِن تزرني أزورك بِالنّصب وَجوز الإلغاء والجزم جَوَابا قَالَ أَبُو حَيَّان وَأَصْحَاب الْفراء لَا يفرقون بَين لن وَالْفِعْل اخْتِيَارا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن (لن) وَأَخَوَاتهَا من الْحُرُوف الناصبة للأفعال بِمَنْزِلَة إِن وَأَخَوَاتهَا من الْحُرُوف الناصبة للأسماء فَكَمَا لَا يجوز الْفَصْل بَين إِن وَاسْمهَا لَا يجوز بَين لن وَأَخَوَاتهَا وَالْفِعْل بل الْفَصْل بَين عوامل الْأَفْعَال وَالْأَفْعَال أقبح مِنْهُ بَين عوامل الْأَسْمَاء والأسماء لِأَن عوامل الْأَفْعَال أَضْعَف من عوامل الْأَسْمَاء
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وَحكى اللحياني الْجَزْم بلن لُغَة وَأنْشد عَلَيْهِ: ١٠٠٢ -
(لنْ يَخِبِ الْآن مِنْ رجَائِكَ مَنْ حرّك مِنْ دُون بَابكَ الْحَلَقَهْ)
كي
(ص) كي إِن كَانَت الموصولة فالنصب بهَا عِنْد الْجُمْهُور أَو الجارة فبأن مضمرة وَجوز الكوفية إظهارها وتتعين الأولى بعد اللَّام وَالثَّانيَِة قبلهَا وتترجح مَعَ إِظْهَار أَن وَأنكر الكوفية كَونهَا جَارة وَقوم كَونهَا ناصبة وَلَا تفِيد الناصبة عِلّة وَلَا تتصرف بل تجر بِاللَّامِ وَيجوز تَأْخِير معلولها والفصل بِلَا النافية وَمَا الزَّائِدَة وَبِهِمَا لَا بِغَيْر ذَلِك وَجوزهُ الْكسَائي بمعمول وَقسم وَشرط وَلَا عمل وَابْن مَالك وَولده وتعمل وَلَا يقدم مَعْمُول منصوبها وَلَا على الْمَعْمُول فِي الْأَصَح وَجوز الكوفية والمبرد النصب ب (كَمَا) (ش) الثَّالِث من نواصب الْمُضَارع كي وَمذهب سِيبَوَيْهٍ والأكثرين أَنَّهَا حرف مُشْتَرك فَتَارَة تكون حرف جر بِمَعْنى اللَّام فتفهم الْعلَّة وَتارَة تكون حرفا تنصب الْمُضَارع بعده وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فمذهب سِيبَوَيْهٍ أَنَّهَا تنصب بِنَفسِهَا وَمذهب الْخَلِيل والأخفش أَن (أَن) مضمرة بعْدهَا وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ فَلَا تكون جَارة فِي الِاسْم وَقيل إِنَّهَا مُخْتَصَّة بِالِاسْمِ فَلَا تكون ناصبة للْفِعْل
[ ٢ / ٣٦٨ ]
وَاحْتج من قَالَ إِنَّهَا مُشْتَركَة بِأَنَّهُ سمع من كَلَام الْعَرَب جِئْت لكَي أتعلم وَسمع من كَلَامهم كيمه فَأَما لكَي أتعلم فَهِيَ ناصبة بِنَفسِهَا لدُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهَا وَلَيْسَت فِيهِ حرف جر لِأَن حرف الْجَرّ لَا يدْخل على حرف الْجَرّ وَأما كيمه فَهِيَ حرف جر بمعني اللَّام كَأَنَّهُ قَالَ لمه وَوجه الِاسْتِدْلَال من هَذَا اللَّفْظ أَنه قد تقرر من لِسَان الْعَرَب أَن (مَا) الاستفهامية إِذا دخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ حذفت ألفها نَحْو بِمَ وَلم وفيم وَعم فَإِذا وقف عَلَيْهَا جَازَ أَن تلحقها هَاء السكت وَيدل أَيْضا على أَنَّهَا جَارة دُخُولهَا على (مَا) المصدرية كَقَوْلِه: ١٠٠٣ -
(يُراد الْفَتى كَيْما يَضُرُّ ويَنْفَعُ )
فَرفع الْفِعْل على معني يُرَاد الفتي للضر والنفع وَأما جِئْت كي أتعلم فَيحمل عِنْدهم أَن تكون الناصبة بِنَفسِهَا إِذْ قد ثَبت أَنَّهَا تنصب بِنَفسِهَا فَتكون بمعني أَن وَاللَّام الْمُقْتَضِيَة للتَّعْلِيل محذوفة كَمَا تحذف فِي جِئْت أَن تعلم وَيحْتَمل عِنْدهم أَن تكون الجارة وَتَكون أَن مضمرة بعْدهَا كَمَا أضمرت بعد غَيرهَا من الْحُرُوف عَليّ مَا سَيَأْتِي بَيَانه وَيَبْنِي على هَذَا الْمَذْهَب فرع وَهُوَ أَنه هَل يجوز أَن تدخل كي على (لَا) أم لَا يجوز وَالْجَوَاب أَنَّك إِن قدرتها الجارة لم يجز لِأَن (كي) كاللام فَلَا تدخل عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ (أَن) كَمَا فِي اللَّام نَحْو ﴿لِئَلَّا يعلم﴾ [الْحَدِيد: ٢٩] وَإِن قدرتها الناصبة جَازَ نَحْو كَيْلا تقدم
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وَهِي إِذا كَانَت ناصبة لَا يفهم مِنْهَا السَّبَبِيَّة لِأَنَّهَا مَعَ الْفِعْل بعْدهَا بِتَأْوِيل الْمصدر كَأَن وَلَا تتصرف تصرف (أَن) فَلَا تقع مُبتَدأَة وَلَا فاعلة وَلَا مفعولة وَلَا مجرورة بِغَيْر اللَّام وتتعين الناصبة بعد اللَّام نَحْو جِئْت لكَي أتعلم لِئَلَّا يجمع بَين حرفي جر وَدخُول اللَّام على الناصبة لكَونهَا مَوْصُولَة كَأَن وَلذَلِك شبه سِيبَوَيْهٍ إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى وتتعين الجارة إِذا جَاءَت قبل اللَّام نَحْو جِئْت كي لأقرأ فكي حرف جر وَاللَّام تَأْكِيد لَهَا وَأَن مضمرة بعْدهَا وَلَا يجوز أَن تكون كي ناصبة للفصل بَينهَا وَبَين الْفِعْل بِاللَّامِ وَلَا يجوز الْفَصْل بَين الناصبة وَالْفِعْل بالجار وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا يجوز أَن تكون كي زَائِدَة لِأَن (كي) لم يثبت زيادتها فِي غير هَذَا الْموضع فَيحمل هَذَا عَلَيْهِ وَهَذَا التَّرْكِيب أَي مَجِيء (كي) قبل اللَّام نَادِر وَمِنْه قَول الطرماح: ١٠٠٤ -
(كَادُوا بنَصْر تَميم كَيْ ليَلْحَقَهُمْ )
وإضمار (أَن) بعد الجارة على جِهَة الْوُجُوب فَلَا يجوز إظهارها عِنْد الْبَصرِيين إِلَّا فِي ضَرُورَة وَجوزهُ الْكُوفِيُّونَ فِي السعَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْمَحْفُوظ إظهارها بعد (كي) الموصولة بِمَا كَقَوْلِه: ١٠٠٥ -
(كَيْمَا أنْ تَغُرّ وتَخْدَعا )
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وَلَا أحفظ من كَلَامهم جِئْت كي أَن تكرمني وَمَعَ إِظْهَار اللَّام نَحْو جِئْت لكيما أَن تقوم يتَرَجَّح كَونهَا جَارة مُؤَكدَة للام على كَونهَا ناصبة مُؤَكدَة بِأَن لِأَن (أَن) هِيَ الَّتِي وليت الْفِعْل وَهِي أم الْبَاب وَمَا كَانَ أصلا فِي بَابه لَا يَجْعَل تَأْكِيدًا لما لَيْسَ أصلا مَعَ مَا فِيهِ من الْفَصْل بَين الناصب وَالْفِعْل وَاللَّام أصل فِي بَاب الْجَرّ فَكَانَت كي توكيدا لَهَا وَلَا يجوز أَن تكون كي تَأْكِيدًا ل (أَن) لِأَن التَّأْكِيد فِي غير المصادر لَا يتَقَدَّم على الْمُؤَكّد وَمن أَحْكَام كي أَنه لَا يمْتَنع تَأْخِير معلولها فَيجوز أَن تَقول كي تكرمني جئْتُك سَوَاء كَانَت الناصبة أَو الجارة وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي الْمَعْنى مفعول من أَجله وَتقدم الْمَفْعُول من أَجله سَائِغ قَالَ أَبُو حَيَّان وَأَجْمعُوا على أَنه يجوز الْفَصْل بَينهَا وَبَين معمولها ب (لَا) النافية نَحْو: ﴿كي لَا يكون دولة﴾ [الْحَشْر: ٧] وب (مَا) الزَّائِدَة كَقَوْلِه: ١٠٠٦ -
(تُريدِين كَيْما تَجْمَعِيني وخَالِدًا )
وَبِهِمَا مَعًا كَقَوْلِه: ١٠٠٧ -
(أَردْتُ لِكَيْما لَا تريِ لِيَ عِشْرةً ومَنْ ذَا الَّذِي يُعْطَى الكمالَ فَيَكْمُلُ)
وَأما الْفَصْل بِغَيْر (مَا) فَلَا يجوز عِنْد الْبَصرِيين وَهِشَام وَمن وَافقه من الْكُوفِيّين فِي الِاخْتِيَار وَجوزهُ الْكسَائي بمعمول الْفِعْل الَّذِي دخلت عَلَيْهِ وبالقسم
[ ٢ / ٣٧١ ]
وبالشرط فَيبْطل عَملهَا فَتَقول أزورك كي وَالله تزورني وأكرمك كي غلامي تكرم وأزورك كي إِن تكافئ أكرمك وَاخْتَارَ ابْن مَالك وَولده جَوَاز الْفَصْل بِمَا ذكر مَعَ الْعَمَل قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ مَذْهَب ثَالِث لم يسبقا إِلَيْهِ وَتقدم مَعْمُول معمولها مَمْنُوع وَله ثَلَاث صور أَحدهَا تقدمه على الْمَعْمُول فَقَط نَحْو جِئْت كي النَّحْو أتعلم وَالثَّانيَِة على كي فَقَط نَحْو جِئْت النَّحْو كي أتعلم وَالثَّالِثَة على الْمَعْلُول أَيْضا نَحْو النَّحْو جِئْت كي أتعلم وَعَلِيهِ الْمَنْع فِي الأول للفصل وَفِي الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة أَن كي من الموصولات ومعمول الصِّلَة لَا يتَقَدَّم على الْمَوْصُول وَإِن كَانَت جَارة فَأن مضمرة وَهِي مَوْصُولَة أَيْضا وَفِي الصُّورَة الثَّانِيَة خلاف للكسائي قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يبعد أَن يُجزئ فِي الثَّالِثَة لكنه لم ينْقل وَأثبت الْكُوفِيُّونَ من حُرُوف النصب (كَمَا) بمعني (كَيْمَا) وَوَافَقَهُمْ الْمبرد وَاسْتَدَلُّوا بقوله: ١٠٠٨ -
(وطَرْفك إمّا جئتنا فاصْرفنّهُ كَمَا يَحْسِبُوا أنَّ الهَوَى حَيْثُ تَنْظُرُ)
وَأنكر ذَلِك البصريون وتأولوا مَا ورد على أَن الأَصْل (كَيْمَا) حذفت ياؤه ضَرُورَة أَو الْكَاف الجارة كفت بِمَا وَحذف النُّون من الْفِعْل ضَرُورَة
[ ٢ / ٣٧٢ ]
إِذن
(ص) إِذن الْجُمْهُور أَنَّهَا حرف بسيط وَقَالَ الْخَلِيل من (إِذْ أَن) والرندي (إِذْ أَن) وَقوم اسْم وَأَنَّهَا تنصب بِنَفسِهَا لَا بِأَن المضمرة وتليها جملَة اسمية وَخبر ذِي خبر وَإِنَّمَا تنصب مُسْتَقْبلا وَليهَا مصدرة وَالرَّفْع حِينَئِذٍ لغية أنكرها الْكُوفِيُّونَ فَإِن وليت عاطفا قل النصب أَو ذَا خبر امْتنع وَجوزهُ هِشَام بعد مُبْتَدأ وَالْكسَائِيّ بعد اسْمِي أَن وَكَانَ ويفصل بقسم حذف جَوَابه وَلَا النافية وَجوزهُ ابْن بابشاذ بِنِدَاء وَدُعَاء وَابْن عُصْفُور والأبذي بظرف وَالْكسَائِيّ وَهِشَام وَالْفراء بمعمول ثمَّ اخْتَار الرّفْع وَالْكسَائِيّ النصب وَجوز تقدمه مَعَ الْعَمَل ودونه وَالْفراء وأبطله وَلَا نَص للبصرية قَالَ أَبُو حَيَّان وَمُقْتَضى قواعدهم الْمَنْع وَمَعْنَاهَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْجَواب وَالْجَزَاء قَالَ الشلوبين دَائِما والفارسي غَالِبا وَلَا يحذف مَعْمُول ناصب دونه وَلَا لدَلِيل على الْأَصَح (ش) اخْتلف النحويون فِي حَقِيقَة (إِذن) فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهَا حرف بسيط وَذهب قوم إِلَى أَنَّهَا اسْم ظرف وَأَصلهَا إِذْ الظَّرْفِيَّة لحقها التَّنْوِين عوضا من الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا ونقلت إِلَى الجزائية فَبَقيَ فِيهَا معنى الرَّبْط وَالسَّبَب وَلِهَذَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ مَعْنَاهَا الْجَواب وَالْجَزَاء فَقَالَ الشلوبين دَائِما فِي كل مَوضِع وَقَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي غَالِبا فِي أَكثر الْمَوَاضِع كَقَوْلِك لمن قَالَ أزورك إِذن أكرمك فقد أَجَبْته وَجعلت إكرامه جَزَاء زيارته أَي إِن تزرني أكرمتك
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قَالَ وَقد تتمحض للجواب كَقَوْلِك لمن قَالَ أحبك إِذن أصدقك إِذْ لَا مجازاة هُنَا والشلوبين يتَكَلَّف فِي جعل مثل هَذَا جَزَاء أَي إِن كنت قلت ذَلِك حَقِيقَة صدقتك وَذهب الْخَلِيل إِلَى أَنَّهَا حرف تركب من (إِذْ) و(أَن) وَغلب عَلَيْهَا حكم الحرفية ونقلت حَرَكَة الْهمزَة إِلَى الذَّال ثمَّ حذفت وَالْتزم هَذَا النَّقْل فَكَأَن المعني إِذا قَالَ الْقَائِل أزورك فَقلت إِذْ أَن أكرمك قلت حِينَئِذٍ زيارتي وَاقعَة وَلَا يتَكَلَّم بِهَذَا وَذهب أَبُو عَليّ عمر بن عبد الْمجِيد الرندي إِلَى أَنَّهَا مركبة من (إِذا) و(أَن) لِأَنَّهَا تُعْطِي مَا تُعْطِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا فتعطي الرَّبْط كإذا وَالنّصب كَأَن ثمَّ حذفت همزَة أَن ثمَّ ألف إِذا لالتقاء الساكنين وعَلى الأول فَهِيَ ناصبة للمضارع بِنَفسِهَا عِنْد الْأَكْثَرين لِأَنَّهَا تقلبه إِلَى الِاسْتِقْبَال وَقَالَ الزّجاج والفارسي الناصب أَن مضمرة بعْدهَا لَا هِيَ لِأَنَّهَا غير مُخْتَصَّة إِذْ تدخل على الْجمل الابتدائية نَحْو إِذن عبد الله يَأْتِيك وتليها الْأَسْمَاء مَبْنِيَّة على غير الْفِعْل ولنصبها الْمُضَارع ثَلَاثَة شُرُوط أَحدهَا كَونه مُسْتَقْبلا فَلَو قيل لَك أحبك فَقلت إِذن أَظُنك صَادِقا رفعت لِأَنَّهُ حَال وَمن شَأْن الناصب أَن يخلص الْمُضَارع للاستقبال ثَانِيهَا أَن يَليهَا فَيجب الرّفْع فِي نَحْو إِذن زيد يكرمك للفصل وَيغْتَفر الْفَصْل بالقسم وَبلا النافية خَاصَّة لِأَن الْقسم تَأْكِيد لربط إِذن و(لَا) لم يعْتد بهَا فاصلة فِي أَن فَكَذَا فِي إِذن قَالَ الشَّاعِر: ١٠٠٩ -
(إذَنْ وَاللهِ نَرْمِيَهُمْ بحَرْبٍ )
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وَجوز أَبُو الْحسن طَاهِر بن بابشاذ الْفَصْل بَينهمَا بالنداء وَالدُّعَاء نَحْو إِذن يَا زيد أحسن إِلَيْك وَإِذن يغْفر الله لَك يدْخلك الْجنَّة قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يَنْبَغِي أَن يقدم على ذَلِك إِلَّا بِسَمَاع من الْعَرَب وَأَجَازَ ابْن عُصْفُور والأبذي الْفَصْل بالظرف نَحْو إِذن غَدا أكرمك وَأَجَازَ الْكسَائي وَابْن هِشَام وَالْفراء الْفَصْل بمعمول الْفِعْل وَالِاخْتِيَار عِنْد الْكسَائي حِينَئِذٍ النصب وَعند هِشَام الرّفْع نَحْو إِذن فِيك أَرغب وأرغب وَإِذن صَاحبك أُكُرِمُ وُكُرِمَ فَلَو قدمت مَعْمُول الْفِعْل على إِذن نَحْو زيدا إِذن أكْرم فَذهب الْفراء إِلَى أَنه يبطل عَملهَا وَأَجَازَ الْكسَائي إِذْ ذَاك الرّفْع وَالنّصب قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا نَص أحفظه عَن الْبَصرِيين فِي ذَلِك ومقتضي اشتراطهم التصدير فِي عَملهَا أَلا تعْمل وَالْحَالة هَذِه لِأَنَّهَا غير مصدرة وَيحْتَمل أَن يُقَال تعْمل لِأَنَّهَا وَإِن لم تصدر لفظا فَهِيَ مصدرة فِي النِّيَّة لِأَن النِّيَّة بالمفعول التَّأْخِير ثَالِثهَا أَن تكون مصدرة فَلَا تنصب مُتَأَخِّرَة نَحْو أكرمك إِذن بِلَا خلاف لِأَن الْفِعْل الْمَنْصُوب لَا يجوز تَقْدِيمه على ناصبه وَأما المتوسطة فَإِن افْتقر مَا بعْدهَا إِلَى مَا قبلهَا افتقار الشَّرْط لجزائه نَحْو إِن تزرني إِذن أكرمك أَو الْقسم لجوابه نَحْو: ١٠١٠ -
(لَئِنْ عَاد لي عَبْدُ العَزيز بمِثْلِها وأمْكَنَنِي مِنْهَا إذَنْ لَا أُقِيلُها)
أَو الْخَبَر للمخبر عَنهُ نَحْو زيد إِذن يكرمك امْتنع النصب فِي الصُّور كلهَا وَفِي الْأَخِيرَة خلاف فَأجَاز هِشَام النصب بعد مُبْتَدأ كالمثال وَأَجَازَهُ الْكسَائي بعد اسْم إِن نَحْو:
[ ٢ / ٣٧٥ ]
١٠١١ -
(إِنِّي إذنْ أَهْلِكَ أَو أطِيرَا )
وَبعد اسْم كَانَ نَحْو كَانَ عبد الله إِذن يكرمك وَوَافَقَ الْفراء الْكسَائي فِي إِن وَخَالفهُ فِي كَانَ فَأوجب الرّفْع وَنَصّ الْفراء على تعين الرّفْع بعد ظن نَحْو ظَنَنْت زيدا إِذن يكرمك قَالَ أَبُو حَيَّان وَقِيَاس قَول الْكسَائي جَوَاز النصب أَيْضا وَإِن وليت عاطفا قل النصب وَالْأَكْثَر فِي لِسَان الْعَرَب إلغاؤها قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا لَا يلبثُونَ خِلافك إِلَّا قَلِيلا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٦] ﴿فَإِذا لَا يُؤْتونَ النَّاس نقيرا﴾ [النِّسَاء: ٥٣] وَقُرِئَ شاذا (لَا يَلْبَثُوا) و(لَا يؤتوا) فَمن ألغي راعي تقدم حرف الْعَطف وَمن أعمل راعي كَون مَا بعد العاطف جملَة مستأنفة وإلغاء (إِذن) مَعَ اجْتِمَاع الشُّرُوط لُغَة لبَعض الْعَرَب حَكَاهَا عِيسَى بن عمر وتلقاها البصريون بِالْقبُولِ وَوَافَقَهُمْ ثَعْلَب وَخَالف سَائِر الْكُوفِيّين فَلم يجر أحد مِنْهُم الرّفْع بعْدهَا قَالَ أَبُو حَيَّان وَرِوَايَة الثِّقَة مَقْبُولَة وَمن حفظ حجَّة على من لم يحفظ إِلَّا أَنَّهَا لُغَة نادرة جدا وَلذَلِك أنكرها الْكسَائي وَالْفراء على اتساع حفظهما وَأَخذهمَا بالشاذ والقليل
[ ٢ / ٣٧٦ ]
ونواصب الْمُضَارع لَا يجوز أَن يحذف معمولها وَتبقى هِيَ لَا اقتصارا وَلَا اختصارا فَلَو قيل أَتُرِيدُ أَن تخرج لم يجز أَن تجيب بِقَوْلِك (أُرِيد أَن) وتحذف (أخرج) وَأَجَازَهُ بعض المغاربة مستدلا بِمَا وَقع فِي صَحِيح البُخَارِيّ (فَيذْهب كَيْمَا فَيَعُود ظَهره طبقًا وَاحِدًا) يُرِيد كَيْمَا يسْجد قَالَ وَهَذَا كَقَوْلِهِم جِئْت وَلما قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ مثله لِأَن حذف الْفِعْل بعد لما للدليل جَائِز مَنْقُول فِي فصيح الْكَلَام وَلم ينْقل من نَحْو هَذَا شَيْء من كَلَام الْعَرَب
لَام الْجُحُود
(ص) مَسْأَلَة تنصب (أَن) مضمرة لُزُوما بعد لَام الْجُحُود الْمُؤَكّدَة وَلَيْسَت لَام كي على الصَّحِيح وَهِي المسبوقة بِكَوْن مَاض لفظا أَو معنى منفي بِمَا أول لم قيل أَو أَخَوَات كَانَ قيل أَو ظن قيل أَو كل فعل وَحذف الْخَبَر مَعهَا حتم غَالِبا وَزعم الكوفية النصب بهَا فمدخولها الْخَبَر وَهِي زَائِدَة للتَّأْكِيد وثعلب بقيامها مقَام (أَن) والفهري لَا يرفع مدخولها ضمير السببي وَجوز قوم إِظْهَار (أَن) مَعَ حذفهَا وَقوم دونه وَلَا تلِي مُفردا (ش) (أَن) أم الْبَاب فَلهَذَا تنصب ظَاهِرَة ومضمرة وَلها إِذا أضمرت حالان حَال وجوب وَحَال جَوَاز فَالْأول بعد نَوْعَيْنِ من الْحُرُوف أَحدهمَا مَا هُوَ حرف جر وَالْآخر مَا هُوَ حرف عطف فَالْأول حرفان أَحدهمَا اللَّام الَّتِي يسميها النحويون لَام الْجُحُود وَمذهب الْبَصرِيين أَن النصب بعْدهَا بِأَن مضمرة وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن الناصب هُوَ لَام الْجُحُود نَفسهَا وَذهب ثَعْلَب إِلَى أَن اللَّام هِيَ الناصبة لقيامها مقَام أَن
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وَعلي الأول لَا يجوز إِظْهَار أَن لِأَن إِيجَابه كَانَ زيد سيقوم فَجعلت اللَّام فِي مُقَابلَة السِّين فَكَمَا لَا يجوز أَن يجمع بَين أَن الناصبة وَبَين السِّين فَكَذَلِك كَرهُوا أَن يجمعوا بَين اللَّام وَأَن فِي اللَّفْظ وَأَجَازَ بعض الْكُوفِيّين إظهارها بِفَتْح اللَّام تَأْكِيدًا كَمَا جَازَ ذَلِك فِي (كي) نَحْو مَا كَانَ زيد لِأَن يقوم قَالَ أَبُو حَيَّان وَيحْتَاج إِلَى سَماع من الْعَرَب وَأَجَازَ بعض النُّحَاة حذف اللَّام وَإِظْهَار (أَن) نَحْو ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى﴾ [يُونُس: ٣٧] أَي ليفتري وأوله المانعون بِأَن (أَن) وَمَا بعْدهَا فِي تَأْوِيل الْمصدر وَالْقُرْآن أَيْضا مصدر فَأخْبر بمصدر عَن مصدر وَلَام الْجُحُود عِنْد الْبَصرِيين تسمي مُؤَكدَة لصِحَّة الْكَلَام بِدُونِهَا إِذْ يُقَال فِي مَا كَانَ زيد ليفعل مَا كَانَ زيد يفعل لَا لِأَنَّهَا زَائِدَة إِذْ لَو كَانَت زَائِدَة لما كَانَ لنصب الْفِعْل بعْدهَا وَجه صَحِيح قَالَ أَبُو حَيَّان وَمن أغرب المنقولات مَا نَقله بعض أَصْحَابنَا عَن أبي الْبَقَاء من أَن اللَّام فِي نَحْو قَوْله ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم﴾ [الْأَنْفَال: ٣٣] هِيَ لَام كي وَهَذَا نَظِير من سمي اللَّام فِي مَا جئْتُك لتكرمني لَام الْجُحُود بل قَول هَذَا أشبه لِأَن اللَّام جَاءَت بعد جحد لُغَة وَإِن كَانَ لَيْسَ الْجحْد المصطلح عَلَيْهِ فِي لَام الْجُحُود وَأما أَن تسمي هَذِه لَام كي فسهو من قَائِله وَإِنَّمَا تقع لَام الْجُحُود بعد كَون منفي بِمَا أَو لم دون إِن وَلما هُوَ مَاض لفظا نَحْو ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم﴾ [الْأَنْفَال: ٣٣] أَو معنى نَحْو لم يكن زيد ليقوم وَمذهب الْبَصرِيين أَن خبر كَانَ حِينَئِذٍ مَحْذُوف وَأَن هَذِه اللَّام مُتَعَلقَة بذلك الْخَبَر الْمَحْذُوف وَأَن الْفِعْل لَيْسَ بِخَبَر بل الْمصدر المنسبك من أَن المضمرة وَالْفِعْل الْمَنْصُوب بهَا فِي مَوضِع جر وَالتَّقْدِير مَا كَانَ الله مرِيدا لكذا وَالدَّلِيل على هَذَا التَّقْدِير أَنه قد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض كَلَام الْعَرَب قَالَ: ١٠١٢ -
(سَمَوْتَ ولَمْ تكُنْ أهْلًا لِتَسْمُو )
[ ٢ / ٣٧٨ ]
فَصرحَ بالْخبر الَّذِي هُوَ أَهلا مَعَ وجود اللَّام وَالْفِعْل بعْدهَا وَمذهب الْكُوفِيّين أَن الْفِعْل فِي مَوضِع نصب على أَنه الْخَبَر وَاللَّام زَائِدَة للتَّأْكِيد وَذهب بعض النَّحْوِيين إِلَى أَن لَام الْجُحُود تكون فِي أَخَوَات كَانَ قِيَاسا عَلَيْهَا نَحْو مَا أصبح زيد ليضْرب عمرا وَلم يصبح زيد ليضْرب عمرا وَزعم بَعضهم أَنَّهَا تكون فِي ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا نَحْو مَا ظَنَنْت زيدا ليضْرب عمرا وَلم أَظن زيدا ليضْرب عمرا قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا كُله تركيب لم يسمع فَوَجَبَ مَنعه وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا تدخل فِي كل فعل منفي تقدمه فعل نَحْو مَا جِئْت لتكرمني قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا فَاسد لِأَن هَذِه لَام كي وَالْفرق بَينهمَا من وُجُوه كَثِيرَة ستأتي
حَتَّى
(ص) وَبعد حَتَّى الجارة وزعمها الْفراء غَيرهَا وَالنّصب بهَا وَالْكسَائِيّ بهَا والجر بإلي مضمرة جَوَازًا وَقوم ناصبة جَارة بِنَفسِهَا تَشْبِيها بِأَن وَإِلَى وَعَلَيْهَا يجوز إِظْهَار (أَن) وعَلى الْأَصَح قد يظْهر مَعَ مَعْطُوف منصوبها وَمَعْنَاهَا كي أَو إِلَى قَالَ الخضراوي وَابْن مَالك أَو إِلَّا وَإِنَّمَا تنصب مُسْتَقْبلا وجوبا إِن كَانَ حَقِيقَة وَإِلَّا فجوازا وترفع الْحَال أَو المؤول كَذَلِك بِأَن يكون مسببا عَمَّا قبلهَا فضلَة صَالحا لحلول الْفَاء محلهَا وَالأَصَح تعين النصب مَعَ فعل غير مُوجب وقلما لَا (كثر مَا) و(طالما) وَرُبمَا جوزه الْكسَائي لرفع مُسْتَقْبل غير سَبَب وَنصب حَال مسبب وَالنّصب بهَا مُطلقًا لُغَة وَلَا تفصل وَجوزهُ الْأَخْفَش وَابْن السراج بظرف وَشرط مَاض
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وَهِشَام بقسم ومفعول وجر والأخفش وَابْن مَالك تَعْلِيقهَا (ش) الْحَرْف الثَّانِي حَتَّى وَكَونهَا الجارة وَالنّصب بعْدهَا ب (أَن) لَازِمَة الْإِضْمَار وجوبا هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَاسْتَدَلُّوا بثبات كَونهَا جَارة للاسم بِدَلِيل حذف (مَا) الاستفهامية بعْدهَا نَحْو: ١٠١٣ -
(فحتّام حتّامَ العناءُ المُطَوَّلُ )
وَإِذا ثَبت ذَلِك انْتَفَى كَونهَا ناصبة للْفِعْل لما تقرر من أَن عوامل الْأَسْمَاء لَا تكون عوامل فِي الْأَفْعَال لِأَن ذَلِك ينفى الِاخْتِصَاص وَاخْتلف الْكُوفِيُّونَ فَذهب الْفراء إِلَى أَنَّهَا ناصبة بِنَفسِهَا وَلَيْسَت الجارة وَعِنْده أَن الْجَرّ بعْدهَا إِنَّمَا هُوَ لنيابتها مناب إِلَيّ وَذهب الْكسَائي إِلَى أَنَّهَا ناصبة بِنَفسِهَا أَيْضا وَأَنَّهَا جَارة بإضمار إِلَيّ وَهَذَا عكس مَذْهَب الْبَصرِيين ثمَّ إِنَّه جوز إِظْهَار (إِلَى) بعْدهَا فَقَالَ الْجَرّ بعد حَتَّى يكون بإلي مظهرة ومضمرة وَذهب بعض الْكُوفِيّين إِنَّهَا ناصبة بِنَفسِهَا ك أَن أَو جَارة بِنَفسِهَا أَيْضا قَالُوا لَو قلت وَمَعَ قَول الْكُوفِيّين إِنَّهَا ناصبه بِنَفسِهَا أَجَازُوا إِظْهَار أَن بعْدهَا قَالُوا لَو قلت لأسيرين حَتَّى أَن أصبح الْقَادِسِيَّة جَازَ وَكَانَ النصب بحتي وَأَن توكيد كَمَا أَجَازُوا ذَلِك فِي لَام الْجُحُود وعَلى قَول الْبَصرِيين لَا تظهر وَقد تظهر فِي الْمَعْطُوف على منصوبها لِأَن الثواني تحْتَمل مَا لَا تحتمله الْأَوَائِل كَقَوْلِه: ١٠١٤ -
(حتّي يكونَ عَزِيزًا من نُفُوسهم أَو أَن يبينَ جَمِيعًا وَهُوَ مخْتارُ)
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وَفِيه دَلِيل لقَولهم إِن (أَن) مضمرة بعْدهَا وحتي هَذِه هِيَ المرادفة لكَي الجارة أَو إِلَى بِخِلَاف الابتدائية الَّتِي لَا ترادف وَاحِدًا مِنْهُمَا فالمرادفة ل (كي) نَحْو أسلمت حَتَّى أَدخل الْجنَّة فَهِيَ هُنَا حرف تَعْلِيل والمرادفة لإلي نَحْو ﴿قَالُوا لن نَبْرَح عَلَيْهِ عاكفين حَتَّى يرجع إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١] فَهِيَ هُنَا حرف غَايَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَالَّذِي ذكره مُعظم النَّحْوِيين فِي معنى حَتَّى هَذِه أَنَّهَا تكون للتَّعْلِيل أَو الْغَايَة فَهِيَ تنصب عِنْدهم على أحد هذَيْن الْمَعْنيين وَزَاد ابْن مَالك أَن تكون مرادفة ل (إِلَّا أَن) فَتكون للاستثناء وَأنْشد عَلَيْهِ: ١٠١٥ -
(لَيْسَ العطاءُ من الفُضُول سماحةً حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد أغنانا ابْنه عَن الرَّد عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَقَالَ إِنَّه يَصح فِيهِ تَقْدِير (إِلَى أَن) وَإِذا احْتمل أَن تكون حتي فِيهِ للغاية فَلَا دَلِيل فِي الْبَيْت على أَن حتي بِمَعْنى إِلَّا أَن وَقَالَ ابْن هِشَام الخضراوي فِي حَدِيث
(كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة حتي يكون أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ) عِنْدِي أَنه يجوز أَن يكون (على الْفطْرَة) حَالا من الضَّمِير ويولد فِي مَوضِع خبر وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَّا أَن المنقطعة كَأَنَّهُ قَالَ إِلَّا أَن يكون أَبَوَاهُ والمعني لَكِن أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ قَالَ وَقد ذكر النحويون هَذَا الْمَعْنى فِي أَقسَام (حتي) وَمِنْه قَوْله:
[ ٢ / ٣٨١ ]
١٠١٦ -
(واللهِ لَا يَذْهَب شَيْخِي بَاطِلاَ حَتَّى أبيرَ مالِكًا وكَاهِلاَ)
المعني إِلَّا أَن أبير وَهُوَ مُنْقَطع بِمَعْنى لَكِن أبير انْتهى وَإِنَّمَا ينصب الْمُضَارع بعد حتي إِذا كَانَ مُسْتَقْبلا نَحْو لأسيرن حَتَّى أصبح الْقَادِسِيَّة أَو مَاضِيا فِي حكم الْمُسْتَقْبل نَحْو سرت حَتَّى أَدخل الْمَدِينَة فَهَذَا مؤول بالمستقبل نظرا إِلَى أَنه غَايَة لما قبل حتي فَهُوَ مُسْتَقْبل بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ حَالا أَو مؤولا بِهِ رفع وَذَلِكَ بِأَن يكون مَا قبلهَا سَببا لما بعْدهَا وَلَا يكونَانِ متصلي الْوُقُوع فِيمَا مضى بل مَا قبل حتي وَقع ومضي وَمَا بعْدهَا فِي حَال الْوُقُوع وعلامة ذَلِك صَلَاحِية جعل الْفَاء مَكَان حتي نَحْو قَوْلهم مرض فلَان حَتَّى لَا يرجونه أَي فَهُوَ الْآن لَا يرجي وَضرب أمس حَتَّى لَا يَسْتَطِيع أَن يَتَحَرَّك الْيَوْم والمؤول بِالْحَال أَن يكون مَا بعد حتي لم يَقع لكنك مُتَمَكن من إِيقَاعه فِي الْحَال نَحْو سرت حَتَّى أَدخل الْمَدِينَة أَي فَأَنا الْآن مُتَمَكن من دُخُول الْمَدِينَة لَا أمنع من ذَلِك وَشرط الرّفْع أَيْضا أَن يكون مَا بعْدهَا فضلَة فَلَو كَانَ وَاقعا خبر الْمُبْتَدَأ أَو خبر كَانَ أَو نَحْوهمَا وَجب نَصبه نَحْو كَانَ سيري حَتَّى أدخلها لِأَنَّهُ لَو رفع كَانَت حَتَّى حرف ابْتِدَاء فيبقي الْمخبر عَنهُ بِلَا خبر وَأَجَازَ الْكسَائي رفع الْمُسْتَقْبل إِذا كَانَ غير مسبب عَمَّا قبل نَحْو سرت حتي تطلع الشَّمْس وَنصب الْحَال إِذا كَانَ مسببا عَمَّا قبل وَجوزهُ فِي قَول حسان: ١٠٠٧ -
(يُغْشَوْنَ حتّى مَا تَهرُّ كِلابُهُم )
ورد بِعَدَمِ السماع وبمخالفته للْقِيَاس بِأَن النواصب من مخلصات الْمُضَارع للاستقبال
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَيتَعَيَّن النصب عِنْد سِيبَوَيْهٍ والأكثرين بعد فعل غير مُوجب وَهُوَ الْمَنْفِيّ وَمَا فِيهِ الِاسْتِفْهَام وقلما نَحْو مَا سرت حَتَّى أَدخل الْمَدِينَة وقلما سرت حَتَّى أدخلها إِذا أردْت بقلما النَّفْي الْمَحْض وأسرت حَتَّى تدخل الْمَدِينَة وَإِنَّمَا لم يجز الرّفْع لِأَنَّهُ على معنى السَّبَبِيَّة للْأولِ فِي الثَّانِي وَالْأول منفي لم يَقع فَلَا يكون نفي السَّبَب مُوجبا لوُجُود مسببه وَخَالف الْأَخْفَش فجوز الرّفْع على أَن أصل الْكَلَام مُوجب وَهُوَ سرت حَتَّى أَدخل الْمَدِينَة ثمَّ أدخلت أَدَاة النَّفْي على الْكَلَام بأسره فنفت أَن يكون سير كَانَ عِنْد دُخُول فكأنك قلت مَا وَقع السّير الَّذِي كَانَ سَببا لدُخُول الْمَدِينَة وَاتَّفَقُوا على أَن الرّفْع فِي ذَلِك غير مسموح وَإِنَّمَا أجَازه الْأَخْفَش وَمن تبعه قِيَاسا وَلَو أُرِيد بقلما التقليل لَا النَّفْي فَكَذَلِك عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَجوز أَبُو عَليّ والرماني وَجَمَاعَة الرّفْع بعْدهَا وَذهب طَائِفَة من القدماء إِلَى امْتنَاع الرّفْع أَيْضا بعد (كثر مَا) و(طالما) و(رُبمَا) نَحْو كثر مَا سرت حَتَّى أدخلها وطالما سرت حَتَّى أدخلها وَرُبمَا سرت حَتَّى أدخلها إِلْحَاقًا لَهَا بقلما إِلَّا أَن السّير لما كَانَ مَجْهُول الْعدَد غير مَعْلُوم الْمَرَاتِب صَار بِمَنْزِلَة مَا لَيْسَ بِوَاجِب وعارضه سِيبَوَيْهٍ بقَوْلهمْ مَرَرْت غير مرّة حَتَّى أدخلها لأَنهم كَانُوا يجيزون الرّفْع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَفِيه (غير مرّة) الَّذِي من أَجله صَار السّير عِنْدهم لَيْسَ مَعْلُوما وَحكي الْجرْمِي فِي (الفرخ) أَن من الْعَرَب من ينصب بحتي فِي كل شَيْء قَالَ أَبُو حَيَّان وَهِي لُغَة شَاذَّة وَمن أَحْكَام حَتَّى أَنَّهَا لَا يفصل بَينهمَا وَبَين الْفِعْل بِشَيْء وَجوز الْأَخْفَش وَابْن السراج فصلها بالظرف نَحْو أقعد حتي عنْدك يجْتَمع النَّاس وبشرط مَاض نَحْو أصحبك حتي إِن قدر الله أتعلم الْعلم
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وَجوزهُ هِشَام بالقسم وَالْمَفْعُول وَالْجَار وَالْمَجْرُور نَحْو واصبر حتي إِلَيْك تَجْتَمِع النَّاس وَأَجَازَ الْأَخْفَش وَابْن مَالك تَعْلِيقهَا قبل الشَّرْط الْمَذْكُور جَوَابه نَحْو أصحبك حَتَّى إِن تحسن إِلَى أحسن إِلَيْك قَالَ أَبُو حَيَّان وَيَعْنِي بِالتَّعْلِيقِ هَذَا إبِْطَال الْعَمَل قَالَ وَذَلِكَ كَمَا أجَاز الْكسَائي وَمن أَخذ بمذهبه ذَلِك فِي (كي) نَحْو جِئْت كي إِن تكافئني أكافئك فَيرد على الْأَخْفَش فِي (حَتَّى) بِمَا رد بِهِ على الْكسَائي فِي (كي) انْتهى
أَو
(ص) وَبعد (أَو) بِمَعْنى (إِلَى أَن) أَو (إِلَّا أَن) وَقيل النصب بهَا وَقيل بِالْخِلَافِ وَلَا يفصل خلافًا للأخفش (ش) النَّوْع الثَّانِي مِمَّا يضمر بعده (أَن) حرف الْعَطف وَهُوَ ثَلَاثَة أَحدهَا (أَو) إِذا وَقعت موقع (إِلَى أَن) أَو (إِلَّا أَن) نَحْو لألزمنك أَو تقضيني حَقي وَقَوله: ١٠١٨ -
(لأسْتَسْهلَنّ الصّعبَ أوْ أُدْركَ المُنَى )
أَي إِلَى أَن تقضيني حَقي وَإِلَّا أَن أدْرك فَإِن لم يَقع موقعها لم يلْزم الْإِضْمَار نَحْو: ١٠١٩ -
(وَلَوْلَا رجالٌ مِنْ رزام أعِزّةٌ وآلُ سُبَيْع أَو أسُوءَك عَلْقمَا)
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وَمَا ذكر من أَن النصب بعد (أَو) بإضمار أَن هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَلذَلِك لَا يتَقَدَّم مَعْمُول الْفِعْل عَلَيْهَا وَلَا يفصل بَينهَا وَبَين الْفِعْل لِأَنَّهَا حرف عطف وَذهب الْفراء وَقوم من الْكُوفِيّين إِلَى أَن الْفِعْل انتصب بِالْخِلَافِ أَي مُخَالفَة الثَّانِي للْأولِ من حَيْثُ لم يكن شَرِيكا لَهُ فِي الْمَعْنى وَلَا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَذهب الْكسَائي وَأَصْحَابه والجرمي إِلَى أَن الْفِعْل انتصب بِأَو نَفسهَا وَذهب بعض النَّحْوِيين إِلَى أَن النصب هُنَا بِمَعْنى مَا وَقع موقعه لِأَنَّهُ وَقع موقع (إِلَى أَن) أَو (إِلَّا أَن) فانتصب كنصبه قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا ضَعِيف جدا وَنقل ابْن مَالك عَن الْأَخْفَش أَنه جوز الْفَصْل بَين أَو وَالْفِعْل بِالشّرطِ نَحْو لألزمنك أَو إِن شَاءَ الله تقضيني حَقي
فَاء السَّبَب
(ص) وَبعد فَاء السَّبَب جَوَابا لأمر خلافًا لشذوذ لَا اسْم فعل وَثَالِثهَا إِن اشتق أَو لنهي أَو دُعَاء بِفعل أصيل قَالَ الْكسَائي أَو بِخَبَر أَو لاستفهام مُطلقًا وَقيل إِن لم يكن عَن الْمسند إِلَيْهِ وَقيل إِن لم يتَضَمَّن وُقُوع الْفِعْل فَإِن أخبر عَن تاليه بِغَيْر مُشْتَقّ فالرفع أَو سبقه ظرف جَازَ أَو قد يحذف السَّبَب بعده وَقيل يخْتَص بالإثبات أَو للنَّفْي مُطلقًا وَمِنْه (قَلما) و(قد) فِيمَا حُكيَ أَو عرض أَو تحضيض أَو تمن قَالَ الكوفية وَابْن مَالك أَو رَجَاء أَو غير أَو كَأَن عَارِية من تشيبه وجوزوا سبق ذَا الْجَواب سَببه وَتَأْخِير معموله وَالْجُمْهُور لَا وَلَا ينصب بعد جملَة اسمية وَثَالِثهَا ينصب بِشَرْط وصف أَو ظرف مَحل الْفِعْل (ش) الثَّانِي الْفَاء إِذا كَانَت متضمنة معنى التسبيب وَكَانَت هِيَ ومدخولها جَوَابا لأحد أُمُور أَحدهَا الْأَمر نَحْو اضْرِب زيدا فيستقيم قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا نعلم خلافًا فِي نصب الْفِعْل جَوَابا لِلْأَمْرِ إِلَّا مَا نقل عَن الْعَلَاء بن سيابة قَالُوا وَهُوَ
[ ٢ / ٣٨٥ ]
معلم الْفراء إِنَّه كَانَ لَا يُجِيز ذَلِك وَهُوَ محجوج بِثُبُوتِهِ عَن الْعَرَب وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ لأبي النَّجْم: ١٠٢٠ -
(يَا ناقُ سيري عَنقا فَسِيحَا إِلَى سُلَيْمان فنَسْتَريحَا)
إِلَّا أَن يتأوله ابْن سيابة على أَنه من النصب فِي الشّعْر فَيكون مثل قَوْله: ١٠٢١ -
(سأترك مَنْزلي لبني تَميم وألحقُ بالحجاز فَأسْتَريحَا)
قَالَ وَلَا يبعد هَذَا التَّأْوِيل ولمنعه وَجه من الْقيَاس وَهُوَ إِجْرَاء الْأَمر مجري الْوَاجِب فَكَمَا لَا يجوز ذَلِك فِي الْوَاجِب كَذَلِك لَا يجوز فِي الْأَمر وَمن إِجْرَاء الْأَمر مجري الْوَاجِب بَاب الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهُ لَا يجوز فِيهِ الْبَدَل كَمَا لَا يجوز فِي الْوَاجِب وَذَلِكَ بِخِلَاف النَّفْي وَالنَّهْي فَإِنَّهُ يجوز فيهمَا ذَلِك وَإِلَى هَذَا أَشرت بِقَوْلِي خلافًا لشذوذ وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن يكون الْأَمر بِصَرِيح الْفِعْل فَإِن دلّ عَلَيْهِ بِخَبَر أَو اسْم فعل لم يجز النصب على الصَّحِيح لِأَنَّهُ غير مسموع وَجوزهُ الْكسَائي قِيَاسا نَحْو حَسبك الحَدِيث فينام النَّاس وصه فأحدثك وَفصل ابْن جني وَابْن عُصْفُور فأجازا النصب بعد اسْم فعل الْأَمر إِذا كَانَ مشتقا كنزال من النُّزُول ودراك من الْإِدْرَاك ورده بدر الدّين بن مَالك بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَونه مشتقا مَا يسوغ تَأَوَّلَه بِالْمَصْدَرِ فَإِن الْمُصَحح للنصب فِي نَحْو نزال فَأنْزل هُوَ صِحَة تَأَول فعل الْأَمر
[ ٢ / ٣٨٦ ]
بِالْمَصْدَرِ من قبل أَن فعل الْأَمر يَصح أَن يَقع فِي صلَة أَن بمصدر لَهَا كَمَا فِي نَحْو أوعزت إِلَيْهِ بِأَن أفعل وَلَا يَصح ذَلِك فِي اسْم الْفِعْل الْمُشْتَقّ من الْمصدر كَمَا لَا يَصح فِي غير الْمُشْتَقّ فَلَا فرق بَينهمَا فِي امْتنَاع نصب الْجَواب قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّوَاب أَن ذَلِك لَا يجوز لِأَنَّهُ غير مسموع من كَلَام الْعَرَب الثَّانِي النَّهْي نَحْو ﴿لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم﴾ [طه: ٦١] ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل﴾ [طه: ٨١] الثَّالِث الدُّعَاء بِفعل أصيل فِي ذَلِك نَحْو ﴿رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا﴾ [يُونُس: ٨٨] ١٠٢٢ -
(ربِّ وَفِّقْنِي فَلَا أعْدِلَ عَنْ سَنَن السّاعِيْنَ فِي خَيْر سَنَنْ)
وَاحْترز (بِفعل) من الدُّعَاء بِالِاسْمِ نَحْو سقيا لَك ورعيا و(بأصيل) من الدُّعَاء الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِلَفْظ الْخَبَر نَحْو رَحْمَة الله زيدا فيدخله الْجنَّة وَأَجَازَ الْكسَائي نَصبه الرَّابِع الِاسْتِفْهَام سَوَاء كَانَ بِحرف نَحْو ﴿فَهَل لنا من شُفَعَاء فيشفعوا لنا﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٣] أَو باسم نَحْو من يدعوني فأستجيب لَهُ متي تسير فأرافقك كَيفَ تكون فأصحبك أَيْن بَيْتك فأزورك قَالَ أَبُو حَيَّان وَزعم بعض النَّحْوِيين أَن الِاسْتِفْهَام إِذا كَانَ عَن الْمقْرض لَا عَن الْقَرْض فَلَا يَصح النصب بعد الْفَاء على الْجَواب وَمنع النصب فِي نَحْو أَزِيد يقرضني فأسأله وَقَالَ لَا يَصح هَذَا الْجَواب قَالَ وَهُوَ محجوج بِقِرَاءَة ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا فيضاعفه لَهُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٥] بِالنّصب وَوجه الدّلَالَة من الْآيَة أَن الْفِعْل وَقع صلَة فَلَيْسَ مستفهما عَنهُ وَلَا هُوَ خبر عَن مستفهم عَنهُ بل هُوَ صلَة للْخَبَر وَإِذا جَازَ النصب
[ ٢ / ٣٨٧ ]
بعد (من ذَا الَّذِي يقْرض) لكَونه فِي معني (من يقْرض) فجوازه بعد (من يقْرض) و(أَزِيد يقْرض فأسأله) أَحْرَى وَأولى وَقيد ابْن مَالك الِاسْتِفْهَام بِكَوْنِهِ لَا يتَضَمَّن وُقُوع الْفِعْل فَإِن تضمنه لم يجز النصب نَحْو لم ضربت زيدا فيجازيك لِأَن الضَّرْب قد وَقع قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الشَّرْط لم أر أحدا يَشْتَرِطه وَقَالَ بدر الدّين بن مَالك إِن أَبَاهُ اقتدي فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بِمَا ذكره أَبُو عَليّ فِي الإغفال ردا على الزجلاج حَيْثُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لم تلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتمون الْحق﴾ [آل عمرَان: ٧١] لَو قَالَ (وتكتموا الْحق) لجَاز على معني لم تجمعون بَين ذَا وَذَا وَلَكِن الَّذِي فِي الْقُرْآن أَجود فِي الْإِعْرَاب انْتهى قَالَ أَبُو حَيَّان ورد أبي على عَليّ الزّجاج فِي هَذَا غير مُتَوَجّه وَإِذا تقدم اسْم غير اسْم اسْتِفْهَام وَأخْبر عَنهُ بِغَيْر مُشْتَقّ نَحْو هَل أَخُوك زيد فَأكْرمه فالرفع وَلَا ينصب فَإِذا تقدمه ظرف أَو مجرور نَحْو أَفِي الدَّار زيد فتكرمه جَازَ النصب لِأَن الْمَجْرُور نَاب مناب الْفِعْل وَقد يحذف السَّبَب بعد الِاسْتِفْهَام لدلَالَة الْجَواب عَلَيْهِ وَفهم الْكَلَام نَحْو متي فأسير مَعكُمْ أَي متي تسير جزم بِهِ ابْن مَالك فِي (التسهيل) وَنَقله أَبُو حَيَّان عَن الْكُوفِيّين ثمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يكون فِي اسْتِفْهَام الاستثبات بِأَن يَقُول الْقَائِل اسير فَتَقول لَهُ متي فَإنَّك لَو اقتصرت على قَوْلك (متي) جَازَ بِخِلَاف أَن يكون ابْتِدَاء اسْتِفْهَام فَإِنَّهُ لَا يجوز وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الْفِعْل مدلولا عَلَيْهِ بسابق الْكَلَام فَكَأَنَّهُ ملفوظ بِهِ فَيجوز بِهَذَا المعني الْخَامِس النَّفْي سَوَاء كَانَ مَحْضا نَحْو ﴿لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا﴾ [فاطر: ٣٦] أم مؤولا بِأَن دخلت عَلَيْهِ أَدَاة الإستفهام التقريري نَحْو ألم تأتنا فتحدثنا وَيجوز فِي هَذَا الْقسم أَعنِي المؤول الْجَزْم وَالرَّفْع أَيْضا كَقَوْلِه: ١٠٢٣ -
(ألَم تَسْأل الرَّبْع القَواءَ فَيَنْطِقُ )
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وَمن المؤول مَا نقض بإلا نَحْو مَا تَأْتِينَا فتحدثنا إِلَّا بِخَير قَالَ أَبُو حَيَّان والتقليل المُرَاد بِهِ النَّفْي كالنفي فِي نصب جَوَابه نَحْو قَلما تَأْتِينَا فتحدثنا كَمَا كَانَ كَذَلِك فِي مَسْأَلَة (حَتَّى) نَحْو قَلما سرت حَتَّى أدخلها وَذكر ابْن سَيّده وَابْن مَالك أَنه رُبمَا نفي بقد فنصب الْجَواب بعْدهَا وَحكى بعض الفصحاء (قد كنت فِي خير فتعرفه) بِالنّصب وَيُرِيد مَا كنت فِي خير فتعرفه السَّادِس الْعرض سمع أَلا تقع المَاء فتسبح أَي فِي المَاء فَحذف الْحَرْف وعدي الْفِعْل وَقَالَ الشَّاعِر: ١٠٢٤ -
(يَا ابْنَ الكِرام أَلا تَدْنُوَ فتُبْصِرَ مَا قَدْ حَدَّثُوك فَمَا رَاء كَمَنْ سَمِعَا)
السَّابِع التحضيض سمع هلا أمرت فتطاع وَقَالَ الشَّاعِر:
[ ٢ / ٣٨٩ ]
١٠٢٥ -
(لَوْلَا تَعُوجينَ يَا سَلْمى على دَنِفٍ فتُخْمِدِي نارَ وَجْدٍ كَاد يُفْنِيه)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْعرض والتحضيض مقاربان وَالْجَامِع بَينهمَا التَّنْبِيه على الْفِعْل إِلَّا أَن التحضيض فِيهِ زِيَادَة تَأْكِيد وحث على الْفِعْل فَكل تحضيض عرض لِأَنَّك إِذا حضضته على فعل فقد عرضته عَلَيْهِ وَلذَلِك يُقَال فِي (هلا) عرض إِذْ لَا يَخْلُو مِنْهُ وَألا مُخَفّفَة لمُجَرّد الْعرض الثَّامِن التَّمَنِّي نَحْو ﴿يَا لَيْتَني كنت مَعَهم فأفوز﴾ [النِّسَاء: ٧٣] وَاخْتلف النُّحَاة فِي الرَّجَاء هَل لَهُ جَوَاب فينتصب الْفِعْل بعد الْفَاء جَوَابا لَهُ فَذهب البصريون إِلَى أَن الترجي فِي حكم الْوَاجِب وَأَنه لَا ينصب الْفِعْل بعد الْفَاء جَوَابا لَهُ وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز ذَلِك قَالَ ابْن مَالك وَهُوَ الصَّحِيح لثُبُوته فِي النثر وَالنّظم قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يدْريك لَعَلَّه يزكّى أَو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ [عبس: ٣، ٤] وَقَالَ ﴿لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع﴾ [غَافِر: ٣٦، ٣٧] فِي قِرَاءَة من نصب فيهمَا وَقَالَ أَبُو حَيَّان يُمكن تَأْوِيل الْآيَتَيْنِ بِأَن النصب فيهمَا من الْعَطف على التَّوَهُّم لِأَن خبر لَعَلَّ كثر فِي لِسَان الْعَرَب دُخُول أَن عَلَيْهِ وَفِي شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ لأبي الْفضل الصفار خَالَفنَا الْكُوفِيُّونَ فِي (غير) فأجازوا بعْدهَا النصب لِأَن مَعْنَاهَا النَّفْي نَحْو أَنا غير آتٍ فأكرمك لِأَن مَعْنَاهُ مَا أَنا آتٍ فأكرمك قَالَ وَهَذَا لَا يجوز لِأَن (غيرا) مَعَ الْمُضَاف إِلَيْهَا اسْم وَاحِد و(مَا) بِخِلَافِهَا لِأَنَّك تقدر بعْدهَا الْمصدر فَتَقول لَكِن كَذَا وَمَا يكون كَذَا و(غير) لَا يتَصَوَّر فِيهَا ذَلِك لِأَنَّهَا مَعَ مَا بعْدهَا اسْم فَلَا يفصل مِنْهَا ويحذف لشَيْء آخر لِأَن فِي ذَلِك إِزَالَة لوضعها وَأَشَارَ بدر الدّين بن مَالك إِلَى أَن أَبَاهُ وَافق الْكُوفِيّين فِي ذَلِك قَالَ أَبُو حَيَّان وَزعم الْكُوفِيُّونَ أَن (كَأَن) إِذا خرجت عَن التَّشْبِيه جَازَ النصب بعد الْفَاء نَحْو كَأَنِّي بزيد يَأْتِي فتكرمه لِأَن مَعْنَاهُ مَا هُوَ إِلَّا يَأْتِي فتكرمه قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَالُوا لَا يحفظه البصريون وَلَا يكون (كَأَن) أبدا للتشبيه وَفِي
[ ٢ / ٣٩٠ ]
(التسهيل) يلْحق بِالنَّفْيِ التَّشْبِيه الْوَاقِع موقعه نَحْو كَأَنَّك وَال علينا فتشتمنا تَقْدِيره مَا أَنْت وَال علينا فتشتمنا قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا شَيْء قَالَه الْكُوفِيُّونَ قَالَ ابْن السراج وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ وَمنع البصريون من تقدم هَذَا الْجَواب على سببيه لِأَن الْفَاء عِنْدهم للْعَطْف وَجوز الْكُوفِيُّونَ فَيُقَال مَا زيد فتكرمه يأتينا لِأَن الْفَاء عِنْدهم لَيست للْعَطْف فَقولِي وجوزوا أَي الكوفية وَجوز الْكُوفِيُّونَ أَيْضا تَأْخِير مَعْمُول السَّبَب بعد الْفَاء والمنصوب نَحْو مَا زيد يكرم فنكرمه أخانا تُرِيدُ مَا زيد يكرم أخانا فنكرمه وَمنع أَكثر النَّحْوِيين النصب بِنَاء على أَن الْفَاء عاطفة على مصدر متوهم فَكَمَا لَا يجوز الْفَصْل بَين الْمصدر ومعموله فَكَذَا لَا يجوز بَين (يكرم) ومعموله لِأَنَّهُ فِي تَقْدِير الْمصدر وَإِن تقدّمت جملَة اسمية نَحْو مَا زيد قادم فتحدثنا فَأكْثر النَّحْوِيين على أَنه لَا يجوز النصب لِأَن الاسمية لَا تدل على الْمصدر وَذهب طَائِفَة إِلَى جَوَازه وَقَالَ أَبُو حَيَّان الصَّحِيح الْجَوَاز بِشَرْط أَن يقوم مقَام الْفِعْل ظرف أَو مجرور أَو اسْم فَاعل أَو مفعول ليدل ذَلِك على الْمصدر المتوهم نَحْو مَا أَنْت عندنَا فنكرمك وَمَا أَنْت منا فنحسن إِلَيْك وَمَا زيد مكرم لنا فنكرمه وَمَا زيد يكرم فنكرمه فَإِن كَانَ اسْما لَا دلَالَة فِيهِ على الْمصدر نَحْو مَا أَنْت زيد فنكرمه لم يجز النصب وَيتَعَيَّن الْقطع أَو الْعَطف وَالْقطع أحسن لِأَن الْعَطف ضَعِيف لعدم المشاكلة من حَيْثُ إِنَّه عطف جملَة فعلية على اسمية قَالَ ويدلك على أَن الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف تجْرِي مجري الْفِعْل فِي الدّلَالَة على الْمصدر أَن الْعَرَب نصبت بعد الْجَار وَالْمَجْرُور وجزمت الْفِعْل بعد الظّرْف ووصلت الْمَوْصُول وأدخلت الْفَاء فِي خبر (مَا) الموصولة بالمجرور كَمَا أدخلتها فِي خَبَرهَا إِذا كَانَت مَوْصُولَة بِالْفِعْلِ قَالَ الفرزدق: ١٠٢٦ -
(مَا أنْتَ مِنْ قَيْس فَتَنْبَحَ دُونَها )
[ ٢ / ٣٩١ ]
وَقَالَ الآخر: ١٠٢٧ -
(مَكَانكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي )
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله﴾ [النَّحْل: ٥٣]
وَاو الْجمع
(ص) وَبعد وَاو الْجمع جَوَابا لما مر وَتوقف أَبُو حَيَّان فِي الدُّعَاء وَالْعرض والتحضيض والرجاء وتميز بحلول مَعَ وَالْفَاء بِتَقْدِير شَرطهَا قبلهَا أَو حَال محلهَا (ش) الثَّالِث الْوَاو إِذا كَانَ للْجمع فِي الزَّمَان أَو الْمَعِيَّة الَّتِي هِيَ أحد محتملاتها وَكَانَت هِيَ ومدخولها جَوَابا للمواضع السَّابِقَة فِي الْفَاء مِثَال الْأَمر قَوْله: ١٠٢٨ -
(فَقلت ادْعِي وأدْعُوَا إنّ أنْدي لِصَوْت أَن يُنادِيَ دَاعِيان)
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وَالنَّهْي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق﴾ [الْبَقَرَة: ٤٢] وَقَول أبي الْأسود ١٠٢٩ -
(لَا تَنْه عَن خُلُق وتأتِيَ مِثْلَهُ )
وَالدُّعَاء قَوْلك (رب اغْفِر لي ويوسع على فِي الرزق) والاستفهام مَا أنْشدهُ بعض النُّحَاة قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا أَدْرِي أهوَ مسموع أم مَصْنُوع
[ ٢ / ٣٩٣ ]
١٠٣٠ -
(أتبيتُ رَيّانَ الجُفُون من الكرَي وأبيتَ مِنْكَ بلَيْلةِ الْملْسُوع)
وَالنَّفْي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ [آل عمرَان: ١٤٢] أَي وَلما يجْتَمع علم بِالْجِهَادِ وَعلم بِالصبرِ والمؤول قَول الحطيئة: ١٠٣١ -
(ألم أك جارَكُمْ ويكونَ بَيْني وبَيْنكُمُ المودَّةُ والأخَاءُ)
وَالْعرض قَوْلك أَلا تنزل فتصيب خيرا أَي الا تجمع بَين النُّزُول وإصابة الْخَيْر والتحضيض قَوْلك هلا تَأْتِينَا وتكرمنا أَي هلا تجمع لنا بَين إتياننا وإكرامنا وَالتَّمَنِّي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾ [الْأَنْعَام: ٢٧] فِي قِرَاءَة من نصب والرجاء قَوْلك لعَلي سأجاهد وأغنم قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا أحفظ النصب جَاءَ بعد الْوَاو بعد الدُّعَاء وَالْعرض والتحضيض والرجاء فَيَنْبَغِي أَلا يقدم على ذَلِك إِلَّا بِسَمَاع قَالَ ومقتضي كَلَام ابْن مَالك جَوَاز ذَلِك مَعَ التَّشْبِيه الْوَاقِع موقع النَّفْي وَمَعَ الْمَنْفِيّ بهَا وَيحْتَاج ذَلِك إِلَى سَماع من الْعَرَب وتميز وَاو الْجمع من الْفَاء بتحتم تَقْدِير (مَعَ) موضعهَا وَلَا يَنْتَظِم مِمَّا قبلهَا وَمَا بعْدهَا شَرط وَجَزَاء أَلا تري أَن قَوْلك لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن لَا يَنْتَظِم مِنْهُ إِن تَأْكُل السّمك تشرب اللَّبن وَلَا إِن تَأْكُل السّمك تشرب اللَّبن بِخِلَاف
[ ٢ / ٣٩٤ ]
الْفَاء فَإِنَّهَا فِي جَوَاب غير النَّفْي أَو فِي جَوَاب النَّفْي الَّذِي تدخل عَلَيْهِ همزَة الِاسْتِفْهَام للتقرير فينتظم مِنْهُ شَرط وَجَزَاء لِأَن مَا بعْدهَا مسبب عَمَّا قبلهَا أَلا تري أَن معنى ﴿لَا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم﴾ [طه: ٦١] إِن افتريتم أسحتكم وَكَذَا لَيْت لي مَالا فأنفق مِنْهُ مَعْنَاهُ إِن وجدت مَالا أنْفق مِنْهُ قَالَ أَبُو حَيَّان وتلخص من ذَلِك أَن قَوْلهم تقع الْوَاو فِي جَوَاب كَذَا وَكَذَا إِنَّمَا هُوَ على جِهَة الْمجَاز لَا الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا إِذا كَانَت بِمَعْنى (مَعَ) لَا تكون جَوَابا وَلَا متهيأ مِمَّا هِيَ مِنْهُ أَن يَنْتَظِم مِنْهُ شَرط وَجَزَاء وتميز فَاء الْجَواب من الْوَاو بِتَقْدِير شَرط قبلهَا كَمَا مر أَو حَال مَكَانهَا وَذَلِكَ أَن هَذِه الْفَاء تقع إِمَّا قبل مسيب انتفي سَببه فَيصح حِينَئِذٍ أَن تقدر بِشَرْط قبل الْفَاء كَمَا إِذا قصدت الْإِخْبَار بِنَفْي الحَدِيث لانْتِفَاء الْإِتْيَان قلت مَا تَأْتِينَا فتحدثنا فَيصح أَن يُقَال مَا تَأْتِينَا وَإِن تأتنا تحدثنا وَأما بَين أَمريْن أُرِيد نفي اجْتِمَاعهمَا فَيصح أَن يقدر حَال مَكَانهَا فَإِذا قصدت أَن تَنْفِي اجْتِمَاع الحَدِيث والإتيان فَقلت مَا تَأْتِينَا فتحدثنا صَحَّ أَن يُقَال مَا تَأْتِينَا مُحدثا فالنفي الدَّاخِل على الْفِعْل الْمُقَيد بِالْحَال لم ينفه مُطلقًا إِنَّمَا نَفَاهُ بِقَيْد حَاله فَهُوَ نفي الْجمع بَينهمَا وَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُود من النصب على أحد معنييه
الْعَطف بِالْفَاءِ وَالْوَاو وأو
(ص) وَإِذا عطف بهما أَو بِأَو على فعل قبل أَو قصد الِاسْتِئْنَاف بَطل إِضْمَار أَن وَفِيهِمَا خلَافهَا وربعها النصب بنيابها عَن الشَّرْط وخامسها بِانْتِفَاء مُوجب الرّفْع والجزم (ش) إِذا عطف بِالْفَاءِ وَالْوَاو أَو بِأَو على فعل قبل أَي قبل الْفِعْل الَّذِي ولي الْفَاء أَو الْوَاو أَو قصد الِاسْتِئْنَاف أَي الْقطع عَن الْفِعْل الَّذِي قبله فَيكون إِذْ ذَاك الْفِعْل خَبرا لمبتدأ مَحْذُوف بَطل إِضْمَار أَن لِأَن الْعَطف يُشْرك الثَّانِي مَعَ الأول فِي رَفعه أَو نَصبه أَو جزمه والاستئناف إِن كَانَ بعد الْوَاو وَالْفَاء فَهُوَ جزم فِي الْإِخْبَار وَإِن كَانَ بعد أَو فَفِيهَا نوعع من الإضراب لِأَنَّك إِذا قلت الزم زيدا أَو يقضيك حَقك وَجَعَلته
[ ٢ / ٣٩٥ ]
مستأنفا فالمعني أَو هُوَ يقضيك حَقك أَي يقضيكه على كل حَال سَوَاء لَزِمته أم لم تلْزمهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ بل يقضيك حَقك وَإِذا عطف مَا بعد الْفَاء وَالْوَاو على مَا يَصح عَلَيْهِ الْعَطف من الْفِعْل قبلهَا لم يكن معنى الْعَطف كمعنى النصب فَإِذا قلت مَا تَأْتِينَا فتحدثنا بِالرَّفْع على معنى الْعَطف عَليّ تَأْتِينَا فَكل وَاحِد من الْفِعْلَيْنِ مَقْصُود نَفْيه وَكَأن أَدَاة النَّفْي مَنْطُوق بهَا بعد الْفَاء فَإِذا قلت مَا تَأْتِينَا فتحدثنا بِالنّصب كَانَ انتقاء الحَدِيث مسببا عَن انْتِفَاء الْإِتْيَان وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون﴾ [المرسلات: ٣٦] وَمَا ذكر من أَن النصب بعد الْفَاء وَالْوَاو بإضمار أَن هُوَ مَذْهَب الْبَصرِيين وَفِيهِمَا المذهبان الْآخرَانِ السابقان فِي أَو وَفِي الْفَاء وَالْوَاو مذهبان زائدان أَحدهمَا قَالَه ثَعْلَب إِنَّمَا نصبا لِأَنَّهُمَا دلا على شَرط لِأَن معنى هلا تزورني فأحدثك إِن تزرني أحَدثك فَلَمَّا نابت عَن الشَّرْط ضارعت (كي) فلزمت الْمُسْتَقْبل وعملت عمله وَالثَّانِي قَالَه هِشَام إِنَّه لما لم يعْطف على مَا قبله لم يدْخلهُ الرّفْع وَلَا الْجَزْم لِأَن مَا قبله من الْفِعْل لَا يَخْلُو من أحد هذَيْن وَلما لم تسْتَأْنف بَطل الرّفْع أَيْضا فَلَمَّا لم يستقم رفع الْمُسْتَقْبل مَعهَا وَلَا جزمه لانْتِفَاء موجبهما لم يبْق إِلَّا النصب
حذف الْفَاء
(ص) وتحذف الْفَاء فَيجوز رفع تَالِيهَا حَالا أَو وَصفا أَو استئنافا وجزمه وَهل هُوَ بِمَا قبلهَا مضمنا معنى الشَّرْط أَو نَائِبا عَن جملَته أَو بِأَن أَو اللَّام مضمرة أَو مَبْنِيّ أَقْوَال وَيجوز بعد أَمر بِخَبَر وَاسم وَالأَصَح مَنعه بعد نفي وَبعد أَمر وَنهي لَا يصلح إِن تفعل وَإِلَّا تفعل وَثَالِثهَا رَدِيء وَرَابِعهَا يجوز حملا على اللَّفْظ لَا الْجَواب (ش) تنفرد الْفَاء بِأَنَّهَا إِذا حذفت جَازَ فِيمَا بعْدهَا أَن يرفع إِذا لم يرد بِمَا قبله شَرط مَقْصُودا بِهِ الْحَال إِن كَانَ قبله مَا يكون حَالا مِنْهُ نَحْو لَيْت زيدا يقدم
[ ٢ / ٣٩٦ ]
يزورنا أَو النَّعْت إِن كَانَ قبله مَا يحتاد أَن ينعَت نَحْو لَيْت لي مَالا أنْفق مِنْهُ أَو الِاسْتِئْنَاف قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَوله تَعَالَى ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي البَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَتَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] يحْتَمل الْحَال وَيحْتَمل الِاسْتِئْنَاف أَي غير خَائِف أَو إِنَّك لَا تخَاف وَأَن يجْزم نَحْو ﴿قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣١] ﴿وَقل لعبادي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أحسن﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٣] ﴿قل للْمُؤْمِنين يغضوا من أَبْصَارهم﴾ [النُّور: ٣٠] وَتقول (لَا تعص الله يدْخلك الْجنَّة) رب وفقني أطعك أَلا تنزل تصب خيرا لَيْت لي مَالا أنْفق مِنْهُ قَالَ أَبُو حَيَّان وجزمه بعد الترجي غَرِيب جدا وَالْقِيَاس يقبله قَالَ الشَّاعِر: ١٠٣٢ -
(لعلّ الْتِفاتًا مِنْك نَحْوي مُيَسّرٌ يَمِلْ بك مِنْ بعْدِ القساوة للْيُسْر)
وَسَوَاء فِي جَوَاز الْجَزْم بعد الْأَمر الصَّرِيح والمدلول عَلَيْهِ بِخَبَر نَحْو اتقِي الله امْرُؤ فعل الْخَيْر يثب عَلَيْهِ أَي ليتق أَو اسْم فعل نَحْو حَسبك الحَدِيث ينم النَّاس لِأَن مَعْنَاهُ اكتف ينم النَّاس ونزال أكرمك وَعَلَيْك زيدا يحسن إِلَيْك قَالَ أَبُو حَيَّان وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا الْفِعْل الخبري لفظا الأمري معني لَا ينقاس إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف على السماع والمسموع اتقِي الله امْرُؤ فعل الْخَيْر يثب عَلَيْهِ انْتهى فَإِن لم يحسن إِقَامَة (إِن يفعل) مقَام الْأَمر وَإِلَّا يفعل مقَام النَّهْي لم يجْزم جوابهما مِثَاله أحسن إِلَى لَا أحسن إِلَيْك يرفع على الِاسْتِئْنَاف لِأَنَّك لَو قدرته إِن تحسن إِلَى لَا أحسن إِلَيْك لم يُنَاسب أَن يكون شرطا وَجَزَاء لِأَن مقتضي الْإِحْسَان لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ عدم الْإِحْسَان وَكَذَلِكَ لَا تقرب الْأسد يَأْكُلك إِذْ لَا يَصح تَقْدِير إِلَّا تقرب الْأسد يَأْكُلك فَيتَعَيَّن الرّفْع هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين وَجوز الْكسَائي الْجَزْم فيهمَا وَنسبه ابْن عُصْفُور للكوفيين وَذكر أَبُو عمر الْجرْمِي فِي (الفرخ) أَنه يجوز على رداءة وقبح
[ ٢ / ٣٩٧ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَفِيه مَذَاهِب آخر أَنه يجوز الْجَزْم لَا على أَنه جَوَاب بل حملا على اللَّفْظ لِأَن الأول مجزوم وَإِلَى هَذَا ذهب الْأَخْفَش أما النَّفْي فَلَا يجوز الْجَزْم بعده على الصَّحِيح لِأَنَّهُ خبر مَحْض فَلَيْسَ فِيهِ شبه بِالشّرطِ كَمَا فِي الْبَوَاقِي وَعَن أبي الْقَاسِم الزجاجي أَنه أجَاز الْجَزْم فِي النَّفْي وَقَالَ بَعضهم نَخْتَار فِيهِ الرّفْع وَيجوز الْجَزْم وَهُوَ مُوَافق لإِطْلَاق بَعضهم أَن كل مَا ينصب فِيهِ بِالْفَاءِ يجْزم وَلم يسْتَثْن النَّفْي قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يرد بِالْجَزْمِ فِي النَّفْي سَماع من الْعَرَب وَحَيْثُ جزم فِي الْبَوَاقِي فَقَالَ ابْن مَالك فِي شرح الكافية هُوَ بِمَا قبلهَا من الْأَمر وَالنَّهْي وسائرها على تضمن معنى الطّلب معنى (إِن) كَمَا فِي أَسمَاء الشَّرْط نَحْو من يأتني أكْرمه فأغني ذَلِك التَّضْمِين عَن تَقْدِير لَفظهَا بعد الطّلب قَالَ وَهَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه وَقد رد وَلَده هَذَا الْمَذْهَب فَقَالَ تضمن هَذِه الْأَشْيَاء معني الشَّرْط ضَعِيف لِأَن التَّضْمِين زِيَادَة بتغيرالوضع والإضمار زِيَادَة بِغَيْر تَغْيِير فَهُوَ أسهل وَلِأَن التَّضْمِين لَا يكون إِلَّا لفائدة وَلَا فَائِدَة فِي تضمين الطّلب معنى الشّرك لِأَنَّهُ يدل عَلَيْهِ بالالتزام فَلَا فَائِدَة فِي تَضْمِينه بِمَعْنَاهُ ورده أَيْضا ابْن عُصْفُور فَقَالَ التَّضْمِين يَقْتَضِي أَن يكون الْعَامِل جملَة وَلَا يُوجد عَامل جملَة فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع قَالَ أَبُو حَيَّان وَأَقُول إِن التَّضْمِين لَا يجوز أصلا لِأَن المضمن شَيْئا يصير لَهُ دلَالَة على ذَلِك الشَّيْء بعد أَن لم يكن لَهُ دلَالَة عَلَيْهِ مَعَ إِرَادَة مَدْلُوله الْأَصْلِيّ فَإِذا قلت من يأتيني أته فَمن ضمنت معنى الْحَرْف ودلت على مدلولها من الِاسْم فَصَارَت لَهَا دلالتان دلَالَة مجازية وَهِي معني إِن وَدلَالَة حَقِيقَة وَهِي مَدْلُول الشَّخْص الْعَاقِل وَمَا هُنَا فقولك ائْتِنِي أكرمك يكون فِيهِ تضمين ائْتِنِي معني إِن تأتني فتضمنت معنى إِن ومعني الْفِعْل الْمَعْمُول لَهَا وَذَلِكَ معنى مركب ودلت على
[ ٢ / ٣٩٨ ]
١ - مَعْنَاهَا الْأَصْلِيّ من الطِّبّ وَهُوَ دلَالَته الْحَقِيقَة وَلَا يُوجد فِي لِسَان الْعَرَب تضمين لمعنيين إِنَّمَا يكون التَّضْمِين لمعني وَاحِد وَلَا يُقَال إِنَّه تضمن معنى (إِن) وَحدهَا لِأَن فعل الطّلب لَيْسَ قَابلا لتضمن معنى (إِن) لتنافيهما من حَيْثُ إِن فعل الطّلب يَقْتَضِي مَدْلُوله من الطّلب وَإِن يَقْتَضِي مَعْنَاهَا أَن يكون الْفِعْل خَبرا وَلَا يكون الشَّيْء الْوَاحِد طلبا وخبرا انْتهى وَمِمَّنْ قَالَ بالتضمين ابْن خروف وَذهب الْفَارِسِي والسيرافي إِلَى أَن الْجَزْم بِهَذِهِ الْأَشْيَاء لَا على جِهَة التَّضْمِين بل على جِهَة أَنَّهَا نابت مناب الشَّرْط بِمَعْنى أَنه حذفت جملَة الشَّرْط وأنيبت هَذِه منابها فِي الْعَمَل وَنَظِيره قَوْلهم ضربا زيدا فَإِن (ضربا) نَاب عَن اضْرِب فنصب زيدا لَا أَنه ضمن الْمصدر معنى فعل الْأَمر بل ذَلِك على طَرِيق النِّيَابَة وَكَذَا زيد فِي الدَّار أَبوهُ ارْتَفع (أَبوهُ) بالجار وَالْمَجْرُور لِأَنَّهُ نَاب مناب كَائِن لَا أَنه ضمن مَعْنَاهُ فَيكون جزمه إِذْ ذَاك لنيابته مناب الْجَازِم لَا لعضمن الْجَازِم لِأَن الْجَازِم بطرِيق التَّضْمِين جازم بِحَق الأَصْل وَكَذَا تَقول الْجَازِم فِي من يأتني أكْرمه إِنَّه هُوَ لفظ اسْم الشَّرْط وَهَذَا مَا صَححهُ ابْن عُصْفُور وَذهب أَكثر الْمُتَأَخِّرين إِلَى أَنه مجزوم بِشَرْط مُقَدّر بعد هَذِه الْأَشْيَاء لدلَالَة مَا قبل وَمَا بعد عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير مثلا ائْتِنِي إِن تأتني أكرمك قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الَّذِي نختاره وَلَا حَاجَة إِلَى التَّضْمِين وَلَا إِلَى النِّيَابَة قَالَ وَقد حُكيَ بعض أَصْحَابنَا مذهبا رَابِعا وَهُوَ أَنه مجزوم بلام مقدرَة فَإِذا قَالَ أَلا تنزل تصب خيرا فَمَعْنَاه لتصب خيرا قَالَ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا يطرد فِي مَوَاضِع الْجَزْم إِلَّا بتجوز كثير وَزعم الْفراء والمازني والزجاج أَن (يقيموا) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣١] وَشبهه مَبْنِيّ لوُقُوعه مقوع (أقِيمُوا) وَهُوَ مَعْمُول القَوْل
إِضْمَار أَن بعد الْوَاو وَالْفَاء وَغَيرهمَا
(ص) مَسْأَلَة قد تضمر (أَن) بعد وَاو وَفَاء قيل وأو قيل وَثمّ بَين شَرط وَجَزَاء أَو بعدهمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَبعد فعل شكّ قيل وَقسم قيل وَحصر
[ ٢ / ٣٩٩ ]
بإنما فَإِن كَانَ بإلا أَو الْفِعْل مثبتا خَالِيا من الشَّرْط فضرورة وَيرْفَع منفي بِلَا صَالح لكَي وَجوز الكوفية وَابْن مَالك جزمه اخْتِيَارا ويثلث مَعْطُوف على مَنْصُوب بعد جَزَاء (ش) ينصب الْفِعْل بإضمار (أَن) جَوَازًا إِذا وَقع بَين شَرط وَجَزَاء بعد الْفَاء وَالْوَاو وَزَاد بَعضهم بعد أَو وَزَاد الْكُوفِيُّونَ بعد (ثمَّ) وَالْأَحْسَن التَّشْرِيك فِي الْجَزْم مِثَاله إِن تأتني فتحدثني أحسن إِلَيْك وَمن يأتني ويحدثني أحسن إِلَيْهِ وَإِن تزرني أَو تحسن إِلَى أحسن إِلَيْك وَقُرِئَ: ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ [النِّسَاء: ١٠٠] بِالنّصب وَإِنَّمَا كَانَ التَّشْرِيك فِي الْجَزْم أحسن لِأَن الْعَطف إِذْ ذَاك يكون على ملفوظ بِهِ وَهُوَ الْفِعْل السَّابِق وَالنّصب يكون الْعَطف فِيهِ على تَقْدِير الْمصدر المتوهم من الْفِعْل السَّابِق وَقَوْلِي بَين شَرط وَجَزَاء أحسن من قَول (التسهيل) بَين مجزومي أَدَاة شَرط لِأَنَّهُ لَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن يكون فعلا الشَّرْط مضارعين أَو ماضيين وَلَا يلْزم أَيْضا أَن يكون مذكورين بل لَو كَانَ الْجَزَاء محذوفا جَازَ النصب كَقَوْلِه: ١٠٣٣ -
(فَلَا يَدْعُنِي قومِي صَرِيحًا لِحُرّةٍ وإنْ كُنْتُ مقتولًا ويَسْلَمَ عامِرُ)
فَقَوله وَيسلم عَامر وَاقع بَين شَرط مَذْكُور وَجَزَاء مَحْذُوف أَي فَلَا يدعني قومِي لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ وَكَذَا لَو وَقع ذَلِك بعد تَمام الشَّرْط وَالْجَزَاء جَازَ نَصبه وَالْأَحْسَن جزمه وَيجوز رَفعه أَيْضا استئنافا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٤] قرئَ بجزم (يغْفر) ونصبه وَرَفعه وَمثله قَوْله تَعَالَى: (وِإن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وَيُكَفِّرُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧١] قرئَ (يكفر) بِالثَّلَاثَةِ وَإِذا نصبت الْفِعْل بعد فعل الْجَزَاء وعطفت فعلا آخر فلك فِيهِ أَيْضا الرّفْع وَالنّصب والجزم نَحْو إِن تأتني أحسن إِلَيْك وأزورك وَأكْرم أَخَاك فَيجوز رفع (أكْرم) استئنافا ونصبه عطفا على لفظ (أزورك) وجزمه عطفا على مَوْضِعه لِأَنَّهُ يجوز فِيهِ أَن يكون مَجْزُومًا قَالَ أَبُو حَيَّان وَذهب بعض النَّحْوِيين إِلَى أَنه يجوز النصب بعد أَفعَال الشَّك نَحْو حسبته شَتَمَنِي فأثب عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن الْفِعْل غير الْمُحَقق قريب من الْمَنْفِيّ فَألْحق بِهِ فِي النصب بعده قَالَ وَقد اضْطربَ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة ابْن عُصْفُور فَأَجَازَهُ فِي شرح القانون وَمنعه فِي شرح الْجمل الْكَبِير قَالَ وَالصَّحِيح جَوَاز ذَلِك وَإِلَيْهِ ذهب سِيبَوَيْهٍ قَالَ وَزَاد بعض أَصْحَابنَا من مَوَاضِع النصب بعد الْفَاء وَالْوَاو النصب بعدهمَا بعد جَوَاب الْقسم لِأَنَّهُ غير وَاجِب وَجَوَابه كجواب كجواب الشَّرْط فَمَا جَازَ فِيهِ نَحْو أقسم لتقوم فَيضْرب زيدا وَلَتَقُومَنَّ فتضربه قَالَ وَهَذَا الْمَذْهَب لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ فِي الْقسم وَقِيَاس قَوْله فِي الشَّرْط يَقْتَضِيهِ على ضعيفه قَالَ أَبُو حَيَّان وَمَا ذهب إِلَيْهِ هَذَا الذَّاهِب لَا يجوز لِأَنَّهُ لم يسمع من كَلَام الْعَرَب على كَثْرَة الْأَقْسَام على ألسنتهم بل المسموع أَنَّك إِذا عطفت على جَوَاب الْقسم كَانَ حكمه حكم الْجَواب فَمَا جَازَ فِي الْجَواب جَازَ فِي الْمَعْطُوف انْتهى وَزَاد ابْن مَالك فِي مَوَاضِع النصب بعد الْفَاء وَالْوَاو النصب بعدهمَا بعد حصر (بإنما) كَقِرَاءَة ابْن عَامر: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ١١٧] بِالنّصب قَالَ ابْنه وَهَذَا نَادِر لَا يكَاد يعثر على مثله إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَغَيره جعل الْآيَة من جَوَاب الْأَمر وَهُوَ (كن) وَإِن لم يكن أمرا فِي الْحَقِيقَة لكنه على صورته فعومل مُعَامَلَته
[ ٢ / ٤٠١ ]
فَإِن كَانَ الْحصْر بإلا نَحْو مَا أَنْت إِلَّا تَأْتِينَا فتحدثنا لم يجز النصب إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَكَذَا نصب الْفِعْل الخبري الْمُثبت الْخَالِي من أَدَاة الشَّرْط قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد يجوز النصب فِي الْوَاجِب فِي اضطرار الشّعْر ونصبه فِي الِاضْطِرَار من حَيْثُ النصب فِي غير الْوَاجِب وَلَك أَن تجْعَل أَن العاملة وَأنْشد على ذَلِك قَوْله: ١٠٣٤ -
(سأتْرْك منْزلي لبني تَميم وألْحَقُ بالحجاز فَأسْتَريحَا)
قَالَ ابْن مَالك وَيجوز فِي الْمَنْفِيّ ب (لَا) الصَّالح قبلهَا (كي) الرّفْع والجزم سَمَاعا عَن الْعَرَب قَالَ ابْنه فَقَوْل الْعَرَب (ربطت الْفرس لَا تَنْفَلِت وأوثقت العَبْد لَا يفر) حُكيَ الْفراء أَن الْعَرَب ترفع هَذَا وتجزمه قَالَ وَإِنَّمَا جزم لِأَن تَأْوِيله إِن لم أربطه فَجزم على التَّأْوِيل قَالَ أَبُو حَيَّان وَمَا ادعياه وَلم يحكيا فِيهِ خلافًا خالفا فِيهِ الْخَلِيل وسيبويه وَسَائِر الْبَصرِيين وَفِي شرح الْجمل الصَّغِير لِابْنِ عُصْفُور أجَاز الْكُوفِيُّونَ جزمه جَوَابا للْفِعْل الْوَاجِب إِذا كَانَ سَببا للمجزوم نَحْو زيد يَأْتِي الْأَمِير لَا يقطع اللص وَهَذَا عندنَا يجب رَفعه وَلَا يجْزم إِلَّا ضَرُورَة وَفِي كتاب سِيبَوَيْهٍ سَأَلته يَعْنِي الْخَلِيل عَن آتِي الْأَمِير لَا يقطع اللص فَقَالَ الْجَزَاء هَا هُنَا خطأ لَا يكون الْجَزَاء أبدا حَتَّى يكون الْكَلَام الأول غير وَاجِب إِلَّا أَن يضْطَر الشَّاعِر وَلَا نعلم هَذَا جَاءَ فِي الشّعْر الْبَتَّةَ انْتهى
إِضْمَار أَن بعد لَام كي جَوَازًا
(ص) مَسْأَلَة تضمر جَوَازًا بعد لَام كي مَا لم تقترن بِلَا فَيجب الْإِضْمَار وَقَالَ الكوفية هِيَ الناصبة وَقَالَ ثَعْلَب قِيَامهَا مقَام أَن وَابْن كيسَان تقدر أَن أَو كي وَفتحهَا لُغَة وَبعد عاطف فعل على اسْم صَرِيح وَاو أَو فَاء أَو ثمَّ أَو
[ ٢ / ٤٠٢ ]
(أَو) وَلَا يحذف سوي مَا مر إِلَّا ندورا وَلَا يُقَاس فِي الْأَصَح وَقيل يجوز وَلَا نصب (ش) الْحَال الثَّانِي مَا تضمر أَن فِيهِ جَوَازًا وَذَلِكَ فِي موضِعين أَحدهمَا بعد لَام الْجَرّ غير الجحودية نَحْو جِئْت لأكرمك فالفعل مَنْصُوب بعد هَذِه اللَّام بِأَن مضمرة وَيجوز إظهارها نَحْو جِئْت لِأَن أكرمك وتسمي هَذِه اللَّام لَام كي بِمَعْنى أَنَّهَا للسبب كَمَا أَن (كي) للسبب يعنون إِذا كَانَت جَارة تكون جَارة وَتَكون ناصبة بِمَعْنى (أَن) وَلَا يعنون بذلك أَن (كي) تقدر بعْدهَا فَتكون للنصب بإضمار (كي) لَا بإضمار أَن وَإِن كَانَ يجوز أَن ينْطق ب (كي) بعْدهَا فَتَقول جِئْت لكَي أكرمك لِأَن (كي) لم يثبت إضمارها فِي غير هَذَا الْموضع فَحمل هَذَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ثَبت إِضْمَار (أَن) فَلَزِمَ أَن يكون الْمُضمر هُنَا (أَن) وَزعم أَبُو الْحسن بن كيسَان والسيرافي أَنه يجوز أَن يكون الْمُضمر (أَن) وَيجوز أَن يكون (كي) وحملهما على ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ من أَن الْعَرَب أظهرت بعْدهَا (أَن) تَارَة وكي تَارَة وَزعم أهل الْكُوفَة أَن النصب فِي الْفِعْل بِهَذِهِ اللَّام نَفسهَا كَمَا زَعَمُوا ذَلِك فِي لَام الْجُحُود الْمُتَقَدّمَة وَأَن مَا ظهر بعْدهَا من أَن وكي هُوَ مُؤَكد لَهَا وَلَيْسَت لَام الْجَرّ الَّتِي تعْمل فِي الْأَسْمَاء لَكِنَّهَا لَام تشْتَمل على معنى كي فَإِذا رَأَيْت (كي) مَعَ اللَّام فالنصب للام وكي مُؤَكدَة وَإِذا انْفَرَدت (كي) فَالْعَمَل لَهَا وَزعم ثَعْلَب أَن اللَّام بِنَفسِهَا تنصب الْفِعْل كَمَا قَالَ الْكُوفِيُّونَ إِلَّا أَنه قَالَ لقيامها مقَام (أَن) قَالَ أَبُو حَيَّان وَذَلِكَ بَاطِل لِأَنَّهُ قد ثَبت كَونهَا من حُرُوف الْجَرّ وعوامل الْأَسْمَاء لَا تعْمل إِلَّا فِي الْأَسْمَاء فَإِن اقْترن الْفِعْل ب (لَا) بعد اللَّام تعين الْإِظْهَار كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يعلم أهل الْكتاب﴾ [الْحَدِيد: ٢٩] قَالَ أَبُو حَيَّان وَسَوَاء كَانَت لَا نَافِيَة أَو زَائِدَة
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وَلَا يجوز الْفَصْل بَين لَام كي وَالْفِعْل الْمَنْصُوب إِلَّا بهَا وَإِنَّمَا سَاغَ ذَلِك لِأَنَّهَا حرف جر و(لَا) قد يفصل بهَا بَين الْجَار وَالْمَجْرُور فِي فصيح الْكَلَام نَحْو غضِبت من لَا شَيْء وَجئْت بِلَا زَاد وَيلْزم إِذْ ذَاك إِظْهَار أَن ليَقَع الْفَصْل بَين المتماثلين لأَنهم لَو قَالُوا جِئْت للا تغْضب كَانَ فِي ذَلِك قلق فِي اللَّفْظ ونبوة فِي النُّطْق فتجنبوه بِإِظْهَار (أَن) وَحكم لَام كي الْكسر وَفتحهَا لُغَة تَمِيم الْموضع الثَّانِي بعد عطف بِالْوَاو أَو الْفَاء أَو ثمَّ أَو (أَو) على اسْم صَرِيح كَقَوْلِه: ١٠٣٥ -
(لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وتقرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَى مِنْ لُبْس الشُّفُوفِ)
وَقَوله: ١٠٣٦ -
(لَوْلا تَوقُّعُ مُعْتَرٍّ فأرْضِيَهُ مَا كُنْتُ أوثرُ إترابًا على تَرَبِ)
وَقَوله: ١٠٣٧ -
(إنِّي وَقْتِلي سُلَيكًا ثمَّ أَعْقِلَهُ كالثّوْر يُضْرَبُ لما عافَتِ البَقَرُ)
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل﴾ [الشورى: ٥١] وَشَمل الِاسْم الْمصدر وَغَيره كَقَوْلِه: ١٠٣٨ -
(ولوْلا رجالٌ من رزام أعزّةٌ وآلُ سُبيْع أوْ أسُوءَكَ عَلْقمَا)
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وَاحْترز بِالصَّرِيحِ من الْعَطف على الْمصدر المتوهم فَإِنَّهُ يجب فِيهِ إِضْمَار (أَن) كَمَا تقدم وَلَا تنصب (أَن) محذوفة فِي غير الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة إِلَّا نَادرا وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنه يجوز حذفهَا فِي غير الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب أَكْثَرهم إِلَى أَنه يجب رفع الْفِعْل إِذا حذفت وَعَلِيهِ أَبُو الْحسن وَجعل مِنْهُ قَوْله: ١٠٣٩ -
(أَلا أَيُّهَذَا الزَّاجري أَحْضُرُ الوغى )
يُرِيد أَن أحضر قيل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿أفغير الله تأمروني أعبد﴾ [الزمر: ٦٤] أَي أَن أعبد وَوَجهه أَن الْعَامِل إِذا نسخ عَاملا وَحذف رَجَعَ الأول لِأَن لَفظه هُوَ النَّاسِخ وَذهب أَبُو الْعَبَّاس إِلَى أَنه إِذا حذفت (أَن) بَقِي عَملهَا قَالَ لِأَن الْإِضْمَار لَا يزِيل الْعَمَل كَمَا فِي (رب) وَأكْثر العوامل وَأنْشد عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الْبَيْت السَّابِق أحضر بِالنّصب وَقَوله: ١٠٤٠ -
(وهمّ رجالٌ يَشْفعوا لي فَلم أجدْ شَفِيعًا إِلَيْهِ غَيْرَ جُودٍ يُعادِلُه)
وَقَوله: ١٠٤١ -
(ونَهْنَهتُ نَفْسي بَعْدَمَا كِدْت أَفْعَلَهْ )
وَحكي من كَلَامهم خُذ اللص قبل يأخذك ومره يحفرها وَقَرَأَ الْحسن: ﴿تأمروني أعبد﴾ [الزمر: ٦٤] وَقَرَأَ الْأَعْرَج: ﴿ويسفك الدِّمَاء﴾ [الْبَقَرَة: ٣٠]
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وَاخْتلف النُّحَاة فِي الْقيَاس على مَا سمع من ذَلِك فَذهب الْكُوفِيُّونَ وَبَعض الْبَصرِيين إِلَى الْقيَاس عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح قصره على السماع لِأَنَّهُ لم يرد مِنْهُ إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ نزر فَلَا يَنْبَغِي أَن يَجْعَل ذَلِك قانونا كليا يُقَاس عَلَيْهِ فَلَا يجوز الْحَذف وَإِقْرَار الْفِعْل مَنْصُوبًا وَلَا مَرْفُوعا ويقتصر فِي ذَلِك على مورد السماع
خَاتِمَة
(ص) خَاتِمَة ترد (أَن) زَائِدَة وَلَيْسَت المخففة وَلَا تفِيد غير توكيد على الْأَصَح فيهمَا بعد (لما) وَبَين قسم وَلَو وزعمها ابْن عُصْفُور رابطة وسيبويه فِي قَول موطئة وَأَبُو حَيَّان مُخَفّفَة وشذوذا بعد كي وقاسه الكوفية وكاف الْجَرّ وَإِذا ومفسرة وأنكرها الكوفية بَين جملتين فِي الأولى معنى قَول لَا لَفظه قيل أَو لَفظه عَارِية من جَازَ فَإِن وَليهَا مضارع مُثبت جَازَ رَفعه ونصبه أَو مَعَ لَا جازا والجزم قَالَ الكوفية والأصمعي وشرطية قيل ونافية قيل وَبِمَعْنى لِئَلَّا قيل وَإِذ مَعَ الْمَاضِي قيل والمضارع (ش) لما انْقَضى الْكَلَام فِي أَحْكَام (أَن) الناصبة للمضارع وَكَانَ لفظا مُشْتَركا بَين المصدرية والزائدة والتفسيرية وَغير ذَلِك على مَا ذهب إِلَيْهِ بَعضهم تمم الْكَلَام وَختم الْبَاب بِذكر بَقِيَّة موَاضعهَا وَهِي سِتَّة أَحدهَا الزِّيَادَة وَأَن الزَّائِدَة حرف ثنائي بسيط مركب من الْهمزَة وَالنُّون فَقَط وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا هِيَ الثَّقِيلَة خففت فَصَارَت مُؤَكدَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا تفِيد عندنَا غير التَّأْكِيد وَزعم الزَّمَخْشَرِيّ أَنه ينجر مَعَ إِفَادَة التوكيد معنى أخر فَيُقَال فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] دخلت (أَن)
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فِي هَذِه الْقِصَّة وَلم تدخل فِي قصَّة إِبْرَاهِيم فِي قَوْله: ﴿وَلَقَد جَاءَت رسلنَا إِبْرَاهِيم بالبشرى قَالُوا سَلاما﴾ [هود: ٦٩] تَنْبِيها وتأكيدا فِي أَن الْإِسَاءَة كَانَت تعقب الْمَجِيء فَهِيَ مُؤَكدَة للاتصال واللزوم وَلَا كَذَلِك فِي قصَّة إِبْرَاهِيم إِذْ لَيْسَ الْجَواب فِيهِ كَالْأولِ وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ دخلت منبهة على السَّبَب وَأَن الْإِسَاءَة كَانَت لأجل الْمَجِيء لِأَنَّهَا قد تكون للسبب فِي قَوْلك جِئْت أَن تُعْطِي أَي للإعطاء قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ لَا يعرفهُ كبراء النَّحْوِيين ومواقع زيادتها بعد لما كالآية وَبَين الْقسم وَلَو كَقَوْلِه: ١٠٤٢ -
(أما واللهِ أنْ لَو كُنْتَ حُرًّا )
وَزعم ابْن عُصْفُور فِي المقرب أَنَّهَا حرف يرْبط جملَة الْقسم بجملة الْمقسم عَلَيْهِ وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أَنَّهَا زَائِدَة وَنَصّ فِي مَوضِع آخر على أَنَّهَا بِمَنْزِلَة لَام الْقسم الموطئة وَقَالَ أَبُو حَيَّان الَّذِي يذهب إِلَيْهِ فِي (أَن) هَذِه غير هَذِه الْمذَاهب الثَّلَاثَة وَهُوَ أَنَّهَا المخففة من الثَّقِيلَة وَهِي الَّتِي وصلت ب (لَو) كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ [الْجِنّ: ١٦] وَتَقْدِيره أَنه إِذا قيل أقسم أَن لَو كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا
[ ٢ / ٤٠٧ ]
فَمَعْنَاه أقسم أَنه لَو كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَيكون فعل الْقسم قد وصل إِلَيْهَا على إِسْقَاط حرف الْجَرّ أَي أقسم على أَنه لَو كَانَ فصلاحية أَن الْمُشَدّدَة مَكَانهَا يدل على أَنَّهَا مُخَفّفَة مِنْهَا وتزاد شذوذا بعد (كي) وقاسه الْكُوفِيُّونَ نَحْو جِئْت لكَي أَن أكرمك قَالُوا وَلَا مَوضِع ل (أَن) لِأَنَّهَا مُؤَكدَة للام كَمَا أكدتها كي وَبعد كَاف الْجَرّ كَقَوْلِه: ١٠٤٣ -
(وَيَوْما تُوافينا بوَجْهٍ مُقَسّم كَأَن ظَبْيةٍ تعطو إِلَى وارق السّلمْ)
وَبعد إِذا كَقَوْلِه: ١٠٤٤ -
(فأمهله حَتَّى إِذا أنْ كأنّهُ مُعاطى يدٍ فِي لُجّة المَاء غامِرُ)
الْموضع الثَّانِي التَّفْسِير أثْبته البصريون وَأنكر الْكُوفِيُّونَ كَون ذَلِك من مَعَانِيهَا وَهِي عِنْدهم الناصبة للْفِعْل قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح لِأَنَّهَا غير مفتقرة إِلَى مَا قبلهَا وَلَا يَصح أَن تكون المصدرية إِلَّا بتأويلات بعيدَة وَالْكَلَام على مَذْهَب الْبَصرِيين فَنَقُول أجريت أَن فِي التَّفْسِير مجْرى أَي لَكِن تفارقها فِي أَنَّهَا لَا تدخل على مُفْرد لَا يُقَال مَرَرْت بِرَجُل أَن صَالح وَكَأَنَّهُم أَبقوا عَلَيْهَا مَا كَانَ لَهَا من الْجُمْلَة وَهِي فِي هَذَا غير مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ بل تكون مفسرة للجملة الاسمية والفعلية نَحْو كتبت إِلَيْهِ أَن افْعَل وَأرْسل إِلَيْهِ أَن مَا أَنْت وَهَذَا وَمِنْه ﴿ونودوا أَن تلكم الْجنَّة﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٣] ول (أَن) التفسيرية شَرْطَانِ أَحدهمَا أَن تكون مفسرة لما يتَضَمَّن القَوْل أَو يحْتَملهُ لَا لقَوْل مُصَرح بِهِ أَو مَحْذُوف أَو فعل متأول بِمَعْنى القَوْل فَإِن صرح بالْقَوْل خلصت الْجُمْلَة للحكاية
[ ٢ / ٤٠٨ ]
دون (أَن) وَكَذَلِكَ إِن كَانَ القَوْل منويا وَتقدم فعل مؤول بِهِ لكنه إِذا لم يتَأَوَّل كَانَت أَن دَاخِلَة للتفسير بِخِلَاف الْمُصَرّح والمقدر فَإِنَّهَا تَجِيء بعده (أَن) وَذكر ابْن عُصْفُور فِي شرح الْجمل الصَّغِير أَن أَن تَأتي تَفْسِيرا بعد صَرِيح القَوْل وَفِي الْبَسِيط اخْتلف فِي تَفْسِير صَرِيح القَوْل فَأَجَازَهُ بَعضهم وَحمل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله﴾ [الْمَائِدَة: ١١٧] وَمِنْهُم من يمْنَع فِي الصَّرِيح ويجيز فِي الْمُضمر كَقَوْلِك كتبت إِلَيْهِ أَن قُم الشَّرْط الثَّانِي أَلا تتَعَلَّق بِالْأولِ لفظا فَلَا تكون معمولة وَلَا مَبْنِيَّة على غَيرهَا وَلذَلِك لم تكن تفسيرية فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله﴾ [يُونُس: ١٠] لِأَنَّهَا وَاقعَة خَبرا للمبتدأ وَلَا فِي قَوْلهم كتبت إِلَيْهِ بِأَن قُم لِأَنَّهَا معمولة لحرف الْجَرّ فَإِن لم تأت بِحرف الْجَرّ جَازَ فِيهَا الْوَجْهَانِ وَإِن ولي (أَن) الصَّالِحَة للتفسير مضارع مُثبت نَحْو أوحيث إِلَيْهِ أَن يفعل كَانَ فِيهِ الرّفْع على أَنَّهَا حرف تَفْسِير وَالنّصب على أَنَّهَا مَصْدَرِيَّة أَو مَعَه (لَا) نَحْو أَشرت إِلَيْهِ أَن لَا يفعل كَانَ فِيهِ الْأَمْرَانِ لما ذكر والجزم أَيْضا على النَّهْي وَتَكون (أَن) فِيهِ تَفْسِيرا الْموضع الثَّالِث الشَّرْط بِمَعْنى (إِن) أثْبته الْكُوفِيُّونَ والأصمعي وَاسْتَدَلُّوا بقوله: ١٠٤٥ -
(أتغضب إِن أُذْنا قُتَيْبَةَ حُزَّتا جهارًا وَلم تَغْضَب لِقتْل ابْن خازم)
[ ٢ / ٤٠٩ ]
قَالُوا لصِحَّة وُقُوع (أَن) موقعها وَامْتِنَاع أَن تكون أَن الناصبة لِأَنَّهَا لَا تفصل بَين الْفِعْل أَو المخففة لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم عَلَيْهَا فعل تَحْقِيق وَلَا شكّ وَقَالَ الْخَلِيل بل هِيَ الناصبة وَقَالَ الْمبرد هِيَ المخففة من الثَّقِيلَة على تَقْدِير أتغضب من أجل أَنه أذنا ثمَّ حذف الْجَار وخفف الرَّابِع النَّفْي أثْبته بَعضهم وَخرج عَلَيْهِ: ﴿قل إِن الْهدى هدى الله أَن يُؤْتى أحد﴾ [آل عمرَان: ٧٣] أَي لَا يُؤْتِي وَأنْكرهُ الْجُمْهُور الْخَامِس بِمَعْنى لِئَلَّا أثْبته بَعضهم وَخرج عَلَيْهِ: ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ [النِّسَاء: ١٧٦] أَي لِئَلَّا تضلوا قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح الْمَنْع وَتَأْويل الْآيَة: كَرَاهَة أَن تضلوا السَّادِس بِمَعْنى إِذْ أثْبته بَعضهم مَعَ الْفِعْل الْمَاضِي قيل وَمَعَ الْفِعْل الْمُضَارع وَجعل مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿بل عجبوا أَن جَاءَهُم مُنْذر مِنْهُم﴾ [ق: ٢] وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم﴾ [الممتحنة: ١] أَي إِذْ آمنتم قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء بل (أَن) فِي الْآيَتَيْنِ مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير بل عجبوا لِأَن جَاءَهُم وَكَذَلِكَ ﴿يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم﴾ [الممتحنة: ١] وَقد انْقَضى القَوْل فِي شرح الْكتاب الثَّانِي من كتَابنَا جمع الْجَوَامِع وَهَذَا الْقدر إِلَى هُنَا نصف الْكتاب وَاعْلَم أَنِّي يما شرعت فِي شَرحه كنت بدأت أَولا بشرح النّصْف الثَّانِي فَكتبت من أول الْكتاب الثَّالِث إِلَى بِنَاء جمع التكسير على طَريقَة المزج ثمَّ بدا لي أَن أغير الأسلوب فشرحت من أَوله على النمط الْمُتَقَدّم وَكَانَ فِي نيتي الِاسْتِمْرَار على هَذِه الطَّرِيقَة إِلَى آخر الْكتاب وإلغاء الْقطعَة الَّتِي كتبتها أَولا ممزوجة ثمَّ لما ضَاقَ الزَّمَان عَن ذَلِك أبقيت كل قِطْعَة على حكمهَا وضممت هَذِه الْقطعَة إِلَى تِلْكَ ووصلت بَينهمَا وَلَا يضير كَون الشَّرْح على أسلوبين نصفه بِلَا مزج وَنصفه ممزوج ونعود هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَى تَكْمِلَة بَقِيَّة الْكتاب من جمع التكسير إِلَى آخِره على طَريقَة أَوله وَالله الْمُوفق
[ ٢ / ٤١٠ ]
١ - الْكتاب الثَّانِي فِي المجرورات وَمَا حمل عَلَيْهَا وَهِي المجزومات
المجرورات الْحُرُوف الْإِضَافَة
الجوازم
الْحُرُوف غير العاطفة
[ ٢ / ٤١١ ]
صفحة فارغة
[ ٢ / ٤١٢ ]
١ - الْكتاب الثَّالِث فِي المجرورات وَمَا حمل عَلَيْهَا وَهِي المجزومات
المجرورات
وَمَا يستتبعها من ذكر أدوات الشَّرْط غير الجازمة وَمَا استطرد إِلَيْهِ من ذكر بَقِيَّة حُرُوف الْمعَانِي الْمرتبَة على حُرُوف المعجم وَآخِرهَا نون التوكيد وعقب بخاتمة من التَّنْوِين (الْجَرّ إِمَّا بِحرف أَو إِضَافَة) لَا ثَالِث لَهما وَمن زَاد (التّبعِيَّة) فَهُوَ رَأْي الْأَخْفَش مَرْجُوح عِنْد الْجُمْهُور كَمَا سَيَأْتِي فَإِن قلت الْجَرّ بِالْإِضَافَة أَيْضا رَأْيه وَهُوَ مَرْجُوح قلت نعم وَلَكِن المُرَاد الْجَرّ الْكَائِن بِسَبَبِهَا أَو فِيهَا على رَأْي سِيبَوَيْهٍ من أَن الْجَار الْمُضَاف وعَلى رَأْي ابْن مَالك أَنه الْحَرْف الْمُقدر لَا جَار سواهُ
الْحُرُوف
(الْحُرُوف) أَي هَذَا مَبْحَث حُرُوف الْجَرّ وسيمت بِهِ قَالَ ابْن الْحَاجِب لِأَنَّهَا تجر معنى الْفِعْل إِلَى الِاسْم وَقَالَ الرضي بل لِأَنَّهَا تعْمل إِعْرَاب الْجَرّ كَمَا قيل حُرُوف النصب وحروف الْجَزْم وَكَذَا قَالَ الرضي وتسيمها الْكُوفِيُّونَ حُرُوف الْإِضَافَة لِأَنَّهَا تضيف الْفِعْل إِلَى الِاسْم أَي توصله إِلَيْهِ وتربطه بِهِ
[ ٢ / ٤١٣ ]
وحروف الصِّفَات لِأَنَّهَا تحدث صفة فِي الِاسْم فقولك جَلَست فِي الدَّار دلّت (فِي) على أَن الدَّار وعَاء للجلوس وَقيل لِأَنَّهَا تقع صِفَات لما قبلهَا من النكرات وَإِنَّمَا عملت لما تقدم من اختصاصها بِمَا دخلت عَلَيْهِ فَأَشْبَهت الْفِعْل وَلم تعْمل رفعا لِأَنَّهُ إِعْرَاب الْعمد ومدخولها فضلَة وَلَا نصبا لِأَن مَحل مدخولها نصب بِدَلِيل الرُّجُوع إِلَيْهِ فِي الضَّرُورَة وَلَو نصبت لاحتمل أَنه بِالْفِعْلِ وَدخل الْحَرْف لإضافة مَعْنَاهُ إِلَى الِاسْم كَمَا فِي مَا ضربت إِلَّا زيدا فَتعين عَملهَا الْجَرّ
إِلَى
(إِلَى) لَهُ معَان فَيكون (لانْتِهَاء الْغَايَة مُطلقًا) أَي زَمَانا نَحْو ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٧] ومكانا نَحْو ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ [الْإِسْرَاء: ١] قَالَ الرضي وَمعنى قَوْلهم انْتِهَاء الْغَايَة وابتداؤها نهايتها ومبدؤها (قَالَ ابْن مَالك) فِي التسهيل (والتبيين) قَالَ فِي شَرحه وَهِي المبينة لفاعلية مجرورها بعد مَا يُفِيد حبا أَو بغضا من فعل تعجب أَو اسْم تَفْضِيل نَحْو ﴿رب السجْن أحب إِلَيّ﴾ [يُوسُف: ٣٣] قَالَ (وبمعني فِي) أَي الظَّرْفِيَّة لقَوْله تَعَالَى ﴿ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾ [النِّسَاء: ٨٧] أَي فِيهِ وَذكره جمَاعَة فِي قَوْله: ١٠٤٦ -
(فَلَا تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنّنِي إِلَى النَّاس مَطْلِيُّ بِهِ القارُ أجْرَبُ)
قَالَ (و) بِمَعْنى (اللَّام) نَحْو ﴿وَالْأَمر إِلَيْك﴾ [النَّمْل: ٣٣] أَي لَك وَقيل هِيَ لانْتِهَاء الْغَايَة أَي منته إِلَيْك (و) قَالَ (الكوفية) وَطَائِفَة من البصرية (و) بِمَعْنى (مَعَ) أَي الْمَعِيَّة وَذَلِكَ إِذا ضممت شَيْئا إِلَى آخر فِي الحكم بِهِ أَو عَلَيْهِ أَو التَّعَلُّق كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ [الصَّفّ: ١٤] وَقَوله (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
[ ٢ / ٤١٤ ]
المَرَافِقِ﴾ [الْمَائِدَة: ٦] وَقَوْلهمْ (الذود إِلَى الذود إبل) وَلَا يجوز إِلَى زيد مَال تُرِيدُ مَعَ زيد مَال قَالَ الرضي وَالتَّحْقِيق أَن (إِلَى) هَذِه للانتهاء فَقَوله (إِلَى الْمرَافِق) أَي مُضَافَة إِلَيْهَا والذود إِلَى الذود أَي مُضَافَة إِلَى الذود وَقَالَ غَيره وَمَا ورد من ذَلِك مؤول على أَصْلهَا وَالْمعْنَى فِي قَوْله (من أَنْصَارِي إِلَى الله) من يضيف نصرته إِلَى نصْرَة الله و(إِلَى) حِينَئِذٍ أبلغ من (مَعَ) لِأَنَّك لَو قلت من ينصرني مَعَ فلَان لم يدل على أَن فلَانا وَحده ينصرك وَقيل التَّقْدِير من ينصرني حَال كوني ذَاهِبًا إِلَى الله (و) بِمَعْنى (من) كَقَوْلِه: ١٠٤٧ -
(تَقول وَقد عَالَيْتُ بالكُور فَوْقها أيُسْقَى فَلَا يَرْوَي إليَّ ابنُ أحْمَرا)
أَي مني (و) بِمَعْنى (عِنْد) كَقَوْلِه: ١٤٠٨ -
(أم لَا سبيلَ إِلَى الشّباب وذكْرُهُ أشهى إِلَى من الرَّحيق السّلْسَل)
أَي أشهي عِنْدِي كَذَا مثل ابْن مَالك وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي ونازعه ابْن الدماميني بِأَنَّهُ تقدم أَن الْمُتَعَلّقَة بِمَا يفهم حبا أَو بغضا من فعل تعجب أَو تَفْضِيل مَعْنَاهَا التَّبْيِين فعلى هَذَا تكون (إِلَى) فِي الْبَيْت مبينَة لفاعلية مجرورها لَا قسما آخر
[ ٢ / ٤١٥ ]
وَأجَاب شَيخنَا الإِمَام الشمني بِأَن تِلْكَ شَرطهَا كَون التَّعَجُّب والتفضيل من نفس الْحبّ والبغض وَهِي هُنَا مُتَعَلقَة بتفضيل من الشَّهْوَة (و) قَالَ أَبُو الْحسن (الْأَخْفَش: و) بِمَعْنى (الْبَاء) نَحْو ﴿وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٤] أَي بشياطينهم (و) قَالَ (الْفراء) تكون (زَائِدَة) للتوكيد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَفْئِدَة من النَّاس تهوي إِلَيْهِم﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣٧] بِفَتْح الْوَاو أَي تهواهم وَغَيره خرجها على تضمين تهوي معنى تميل أَو على أَن الأَصْل تهوي بِالْكَسْرِ فقلبت الكسرة فَتْحة وَالْيَاء ألفا كَمَا قيل فِي ﴿نَاصِيَة كَاذِبَة خاطئة﴾ [العلق: ١٦] ناصاة ذكره ابْن مَالك قَالَ ابْن هِشَام وَفِيه نظر لِأَن شَرط هَذِه اللُّغَة تحرّك الْيَاء فِي الأَصْل وَأجَاب ابْن الصَّائِغ بِأَن أصل هَذِه الْيَاء الْحَرَكَة وسكونها عَارض للاستثقال
الْبَاء
(الْبَاء: مَكْسُورَة) مُطلقًا (وَقيل: تفتح مَعَ الظَّاهِر) فَيُقَال بزيد قَالَ أَبُو حَيَّان حَكَاهُ أَبُو الْفَتْح عَن بَعضهم (للإلصاق) وَيُقَال الإلزاق قَالَ فِي (شرح اللب) وَهُوَ تعلق أحد الْمَعْنيين بِالْآخرِ قَالَ أَبُو حَيَّان قَالَ أَصْحَابنَا هِيَ نَوْعَانِ أَحدهمَا الْبَاء الَّتِي لَا يصل الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول إِلَّا بهَا نَحْو سطوت بِعَمْرو
[ ٢ / ٤١٦ ]
ومررت بزيد قَالَ والإلصاق فِي مَرَرْت بزيد مجَاز لما الْتَصق الْمُرُور بمَكَان بِقرب زيد جعل كَأَنَّهُ ملتصق بزيد وَالْآخر الْبَاء الَّتِي تدخل على الْمَفْعُول المنتصب بِفِعْلِهِ إِذا كَانَت تفِيد مُبَاشرَة الْفِعْل للْمَفْعُول نَحْو أَمْسَكت بزيد الأَصْل أَمْسَكت زيدا فأدخلوا الْبَاء ليعلموا أَن إمساكك إِيَّاه كَانَ بِمُبَاشَرَة مِنْك لَهُ بِخِلَاف نَحْو أَمْسَكت زيدا بِدُونِ الْبَاء فَإِنَّهُ يُطلق على الْمَنْع من التَّصَرُّف بِوَجْه مَا من غير مُبَاشرَة قيل والإلصاق معنى لَا يُفَارق الْبَاء وَلِهَذَا لم يذكر لَهَا سِيبَوَيْهٍ معنى غَيره زَاد غَيره (والتعدية) وتسمي بَاء النَّقْل أَيْضا وَهِي المعاقبة للهمزة فِي تصيير الْفَاعِل مَفْعُولا وَأكْثر مَا تعدِي الْفِعْل الْقَاصِر تَقول فِي ذهب زيد ذهبت بزيد وأذهبته وَمِنْه ﴿ذهب الله بنورهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٧] وَقد تكون مَعَ الْمُتَعَدِّي نَحْو: ﴿دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض﴾ [الْحَج: ٤٠] وصككت الْحجر بِالْحجرِ وَالْأَصْل دفع بعض النَّاس بَعْضًا وصك الْحجر الْحجر (والسببية والاستعانة) جمع بَينهمَا ابْن مَالك فِي الألفية وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَفسّر الثَّانِيَة بالداخلة على آلَة الْفِعْل نَحْو كتبت بالقلم وَمثل الأولى بِنَحْوِ: ﴿ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل﴾ [الْبَقَرَة: ٥٤] وَقَالَ الرضي السَّبَبِيَّة فرع الِاسْتِعَانَة وَلذَا اقْتصر عَلَيْهَا أَعنِي الِاسْتِعَانَة ابْن مَالك فِي الْكِفَايَة الْكُبْرَى وَحذف السَّبَبِيَّة وَعكس فِي التسهيل فاقتصر على السَّبَبِيَّة وَقَالَ فِي شَرحه بَاء السَّبَبِيَّة هِيَ الدَّاخِلَة على صَالح للاستغناء بِهِ عَن فَاعل معد لَهَا مجَازًا نَحْو: ﴿فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢] فَلَو قصد إِسْنَاد الْإِخْرَاج إِلَى المَاء وَقيل أنزل مَاء أخرج من الثمرات رزقا لصَحَّ وَحسن لكنه مجَاز وَالْآخر حَقِيقَة وَمِنْه كتبت بالقلم وَقطعت بالسكين فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال كتب الْقَلَم وَقطع السكين والنحويون يعبرون عَن هَذِه الْبَاء بباء الِاسْتِعَانَة وآثرت على ذَلِك التَّعْبِير بالسببية من أجل الْأَفْعَال المنسوبة إِلَيْهِ تَعَالَى فَإِن اسْتِعْمَال السَّبَبِيَّة فِيهَا يجوز وَاسْتِعْمَال الِاسْتِعَانَة فِيهَا لَا يجوز انْتهى
[ ٢ / ٤١٧ ]
وَقَالَ أَبُو حِين مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَالك من أَن بَاء الِاسْتِعَانَة مدرجة فِي بَاب السَّبَبِيَّة قَول انْفَرد بِهِ وأصحابنا فرقوا بَين بَاء السَّبَبِيَّة وباء الِاسْتِعَانَة فَقَالُوا بَاء السَّبَبِيَّة هِيَ الَّتِي تدخل على سَبَب الْفِعْل نَحْو مَاتَ زيد بالحب وبالجوع وَحَجَجْت بِتَوْفِيق الله وباء الِاسْتِعَانَة هِيَ الَّتِي تدخل على الِاسْم الْمُتَوَسّط بَين الْفِعْل ومفعوله الَّذِي هُوَ آلَة نَحْو كتبت بالقلم ونجرت الْبَاب بالقدوم وبريت الْقَلَم بالسكين وخضت المَاء برجلي إِذْ لَا يَصح جعل الْقَلَم سَببا للكتابة وَلَا الْقدوم سَببا للنجارة وَلَا السكين سَببا للبري وَلَا الرجل سَببا للخوض بل السَّبَب غير هَذَا (والظرفية) وَهِي الَّتِي يحسن موضعهَا من) نَحْو: ﴿نصركم الله ببدر﴾ [آل عمرَان: ١٢٣] ﴿نجيناهم بِسحر﴾ [الْقَمَر: ٣٤] (والمصاحبة) وَهِي كَمَا قَالَ ابْن مَالك الَّتِي يحسن موضعهَا (مَعَ) ويغني عَنْهَا وَعَن مصحوبها الْحَال نَحْو: ﴿اهبط بِسَلام﴾ [هود: ٤٨] أَي مَعَ سَلام ﴿قد جَاءَكُم الرَّسُول بِالْحَقِّ﴾ [النِّسَاء ١٧٠] أَي مَعَ الْحق ومحقا ﴿فسبح بِحَمْد رَبك﴾ [النَّصْر: ٣] أَي مَعَ حَمده وحامدا وَهَذَا الْمعَانِي الْخَمْسَة تجامع الإلصاق كَمَا نَقله أَبُو حَيَّان عَن الْأَصْحَاب وَضم إِلَيْهَا بَاء الْقسم وَلذَا ذكرتها مُتَوَالِيَة خلاف صَنِيع التسهيل (والغاية) نَحْو: ﴿وَقد أحسن بِي﴾ [يُوسُف: ١٠٠] أَي إِلَيّ ﴿وَكذا الْبَدَل﴾ وَهِي الَّتِي يحسن موضعهَا بدل (والتبعيض) وَهِي الَّتِي يحسن موضعهَا (من) (على الصَّحِيح) فيهمَا مِثَال الأول قَول عمر ﵁: (كلمة مَا يسرني أَن لي بهَا الدُّنْيَا) أَي بدلهَا وَقَول الحماسي ١٠٤٩ -
(فليت لي بهم قوما إِذا ركبُوا شنّوا الإغارة فُرْسانًا ورُكْبانا)
وَمِثَال الثَّانِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ [الْإِنْسَان: ٦] أَي مِنْهَا وَقَوله: ١٠٥ -
(شَربْنَ بِمَاء البَحْر )
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَقَول الآخر: ١٠٥١ -
(شُرْبَ النّزيف بَبْرد مَاء الحَشْرَج )
وَهَذَا الْمَعْنى أثْبته الْكُوفِيُّونَ والأصمعي والفارسي والعتبى وَابْن مَالك وَالْأول الْمُتَأَخّرُونَ وأنكرهما جمَاعَة وَقَالُوا فِي أَمْثِلَة الأول الْبَاء للسَّبَبِيَّة وَأولُوا أَمْثِلَة الثَّانِي بِأَن (يشرب) و(شربن) و٠ شرب) ضمن معنى يروي وَنَحْوه وَقيل المعني يشرب بهَا الْخمر كَمَا تَقول شربت المَاء بالعسل قَالَ بَعضهم وَلَو كَانَت الْبَاء للتَّبْعِيض لصَحَّ زيد بالقوم تُرِيدُ من الْقَوْم وقبضت بِالدَّرَاهِمِ أَي من الدَّرَاهِم (قَالَ ابْن مَالك) فِي التسهيل (وَالتَّعْلِيل) قَالَ فِي شَرحه وَهِي الَّتِي يحسن موضعهَا اللَّام غَالِبا نَحْو: ﴿فبظلم من الَّذين هادوا﴾ [النِّسَاء: ١٦٠] ﴿إِن الْمَلأ يأتمرون بك﴾ [الْقَصَص: ٢٠]
[ ٢ / ٤١٩ ]
قَالَ واحترزت بِقَوْلِي غَالِبا من قَول الْعَرَب غضِبت لفُلَان إِذا غضِبت من أَجله وَهُوَ حَيّ وغضبت بِهِ إِذا غضِبت من أَجله وَهُوَ ميت قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يذكر أَصْحَابنَا هَذَا المعني وَكَأن التَّعْلِيل وَالسَّبَب عِنْدهم شَيْء وَاحِد قَالَ وَيدل لذَلِك أَن الْمَعْنى الَّذِي سمى بِهِ بَاء السَّبَب مَوْجُود فِي بَاب التَّعْلِيل لِأَنَّهُ يصلح أَن ينْسب الْفِعْل لما دخلت عَلَيْهِ بَاء التَّعْلِيل كَمَا يَصح ذَلِك فِي بَاء السَّبَب فَتَقول ظلم أَنفسكُم اتخاذكم الْعجل وَأما ﴿يأتمرون بك﴾ [الْقَصَص: ٢٠] فالباء فِيهِ ظرفية أَي يأتمرون فِيك أَي يتشاورون فِي أَمرك لأجل الْقَتْل انْتهى وَهَذَا هُوَ الْحق قَالَ أَيْضا (والمقابلة) قَالَ وَهِي الدَّاخِلَة على الأعواض والأثمان قَالَ وَقد تسمي بَاء الْعِوَض نَحْو اشْتريت الْفرس بِأَلف وكافأت الْإِحْسَان بِضعْف وَالظَّاهِر أَنَّهَا دَاخِلَة فِي بَاء الْبَدَل (و) قَالَ (الكوفية وبمعني عَليّ) أَي الاستعلاء وَجزم بِهِ ابْن مَالك نَحْو (﴿إِن تأمنه بقنطار﴾ [آل عمرَان: ٧٥] أَي عَلَيْهِ بِدَلِيل ﴿إِلَّا كَمَا أمنتكم على أَخِيه﴾ [يُوسُف: ٦٤] ﴿وَإِذا مروا بهم يتغامزون﴾ [المطففين: ٣٠] أَي عَلَيْهِم بِدَلِيل: ﴿وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم﴾ [الصافات: ١٣٧] ١٠٥٢ -
(أربٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ لقد ذلّ من بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالبُ)
قَالُوا (و) بِمَعْنى (عَن وَفِي اختصاصها بالسؤال خلاف) فَقيل تخْتَص بِهِ وَظَاهر كَلَام أبي حَيَّان أَن الكوفية كلهم عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الْفرْقَان: ٥٩] بِدَلِيل: ﴿يسْأَلُون عَن أنبائكم﴾ [الْأَحْزَاب: ٢٠] وَقَول عَلْقَمَة: ١٠٥٣ -
(فإنْ تَسْألُوني بالنِّساء فإنني بَصِير بأدْواء النِّساء طبيبُ)
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وَقيل لَا وَعَلِيهِ ابْن مَالك نَحْو ﴿يسْعَى نورهم بَين أَيْديهم وبأيمانهم﴾ [الْحَدِيد: ١٢] ﴿تشقق السَّمَاء بالغمام﴾ [الْفرْقَان: ٢٥] والبصرية أَنْكَرُوا هَذَا الْمَعْنى وَأولُوا الْآيَة وَالْبَيْت على أَن الْمَعْنى اسْأَل بِسَبَبِهِ خَبِيرا وبسبب النِّسَاء لِتَعْلَمُوا حالهن أَو تضمين السُّؤَال معني الاعتناء والاهتمام قَالُوا وَلَو كَانَت الْبَاء بِمَعْنى (عَن) لجَاز أطعمته بجوع وسقيته بعيمة تزيد عَن جوع وَعَن عيمة قَالَ ابْن هِشَام فِي التَّأْوِيل الأول بعد لِأَن الْمَجْرُور بِالْبَاء هُوَ الْمَسْئُول عَنهُ وَلَا يَقْتَضِي قَوْلك سَأَلت بِسَبَبِهِ أَن الْمَجْرُور هُوَ الْمَسْئُول عَنهُ (و) قَالَ ابْن هِشَام (الخضراوي: و) بِمَعْنى (الْكَاف) دَاخِلَة على الِاسْم حَيْثُ يُرَاد التَّشْبِيه نَحْو لقِيت بزيد الْأسد وَرَأَيْت بِهِ الْقَمَر أَي لقِيت بلقائي إِيَّاه الْأسد أَي شبهه قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح أَنَّهَا للسبب أَي بِسَبَب لِقَائِه وَسبب رُؤْيَته (وتزاد توكيدا فِي مَوَاضِع) سِتَّة هِيَ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول والمبتدأ وَالْخَبَر وَالْحَال والتوكيد وَهِي مَذْكُورَة فِي محالها وَمن غَرِيب زيادتها أَنَّهَا تزاد فِي الْمَجْرُور كَقَوْلِه: ١٠٥٤ -
(فأصْبَحْنَ لَا يَسْألْنَهُ عَنْ بِمَا بِهِ )
(قَالَ ابْن مَالك: و) تزاد (عوضا) وَمثله بقوله:
[ ٢ / ٤٢١ ]
١٠٥٥ -
(وَلَا يُؤَاتِيك فِيمَا نابَ من حَدَثٍ إلاَّ أخُو ثِقَةٍ فَانْظُر بِمن تَثِقُ)
قَالَ أَرَادَ من تثق فَزَاد الْبَاء قبل (من) عوضا (وَحَكَاهُ) أَيْضا (فِي عَن وعَلى) وَأنْشد قَوْله: ١٠٥٦ -
(أَتَجْزَعُ إنْ نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُها فهلاَّ الَّتِي عَن بَين جنبَيْك تَدْفع)
أَي فَهَلا عَن الَّتِي بَين جنبيك تدفع فَحذف (عَن) وزادها بعد الَّتِي عوضا وَقَول الآخر: ١٠٥٧ -
(إنَّ الْكَرِيم وأبيكِ يَعْتَمِلْ إنْ لم يَجدْ يَومًا على مَنْ يَتّكِلْ)
أَي إِن لم يجد من يتكل عَلَيْهِ فَحذف (عَلَيْهِ) وَزَاد (على) قبل (من) عوضا (وقاسه فِي (إِلَى) و(فِي) و(اللَّام) و(من) فَقَالَ فِي الشَّرْح يجوز عِنْدِي أَن يُعَامل بِهَذِهِ الْمُعَامَلَة (من) و(اللَّام) و(إِلَى) و(فِي) قِيَاسا على (عَن) و(على) و(الْبَاء) فَيُقَال عرفت مِمَّن عجبت وَلمن قلت وَإِلَى من أدّيت وفيمن رغبت وَالْأَصْل عرفت من عجبت مِنْهُ وَمن قلت لَهُ وَمن أدّيت إِلَيْهِ وَمن رغبت فِيهِ فَحذف مَا بعد من وَزيد مَا قبلهَا عوضا (ورده أَبُو حَيَّان) أَي الْعِوَض بأنواعه فَقَالَ فِي الأبيات المستشهد بهَا لَا يتَعَيَّن فِيهَا التَّأْوِيل الْمَذْكُور لاحْتِمَال أَن يكون الْكَلَام تمّ عِنْد قَوْله فَانْظُر أَي فَانْظُر
[ ٢ / ٤٢٢ ]
لنَفسك وَلما قدم أَنه لَا يواتيه إِلَّا أَخُو ثِقَة استدرك على نَفسه فاستفهم على سَبِيل الْإِنْكَار على نَفسه حَيْثُ قرر وجود أخي ثِقَة فَقَالَ بِمن تثق أَي لَا أحد يوثق بِهِ فالباء فِي ب (من) مُتَعَلقَة ب (تثق) وَكَذَا الْبَيْت الآخر يحْتَمل تَمام الْكَلَام عِنْد قَوْله إِن لم يجد يَوْمًا أَي أَنه إِذا لم يجد مَا يَسْتَعِين بِهِ اعتمل بِنَفسِهِ ثمَّ قَالَ على من يتكل وَمن استفهامية أَي لَا أحد يتكل عَلَيْهِ فعلي مُتَعَلقَة بيتكل وَلم يؤول الْبَيْت الثَّانِي وَقَالَ فِي الْمَقِيس هَذَا الَّذِي أجَازه قِيَاسا لم يثبت الأَصْل الَّذِي يُقَاس عَلَيْهِ أَلا ترى إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من التَّأْوِيل فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ وَلَو كَانَت لَا تحْتَمل التَّأْوِيل لكَانَتْ من الشذوذ والندور والبعد من الْأُصُول بِحَيْثُ لَا يُقَاس عَلَيْهَا وَلَا يلْتَفت إِلَيْهَا قَالَ وَقد نَص سِيبَوَيْهٍ على أَن (عَن) و(على) لَا يزادان لَا عوضا وَلَا غير عوض
حَتَّى
(حتي كإلى) فِي انْتِهَاء الْغَايَة (لَكِن) (إِلَى) أمكن مِنْهَا وَلذَلِك خالفتها فِي أَشْيَاء الأول أَنَّهَا (تفِيد تقضي الْفِعْل شَيْئا فَشَيْئًا) وَلذَا لَا يجوز كتبت حَتَّى زيد وَأَنا حتي عَمْرو وَيجوز كتبت إِلَى زيد وَأَنا إِلَى عَمْرو أَي هُوَ غايتي كَمَا فِي حَدِيث مُسلم
(أَنا بك وَإِلَيْك) (و) الثَّانِي أَنَّهَا (لَا تقبل الِابْتِدَاء) لِضعْفِهَا فِي الْغَايَة فَلَا يُقَال سرت من الْبَصْرَة حَتَّى الْكُوفَة كَمَا يُقَال إِلَى الْكُوفَة (و) الثَّالِث أَنَّهَا (لَا تجر إِلَّا آخرا) أَي آخر جُزْء نَحْو أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا (قَالَ الْأَكْثَر: أَو ملاقيا لَهُ) أَي مُتَّصِلا بِهِ نَحْو ﴿سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ [الْقدر: ٥] وَلَا يجوز سرت حَتَّى نصف اللَّيْل بِخِلَاف (إِلَى) وَمُقَابل الْأَكْثَر قَول السيرافي وَجَمَاعَة إِنَّهَا لَا تجر إِلَّا الآخر فَقَط دون الْمُتَّصِل بِهِ
[ ٢ / ٤٢٣ ]
قَالَ الرضي وَهُوَ مَرْدُود بِالْآيَةِ (خلافًا لِابْنِ مَالك) إِذْ قَالَ فِي التسهيل وَشَرحه وَالْتزم الزَّمَخْشَرِيّ كَون مجرورها آخر جُزْء أَو ملاقي آخر جُزْء وَهُوَ غير لَازم بِدَلِيل قَوْله: ١٠٥٨ -
(عيَّنَتْ لَيْلةً فَمَا زلتُ حَتَّى نِصْفِها راجيًا فَعُدْتُ يَؤُوسا)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَمَا نَقله الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ قَول أَصْحَابنَا وَمَا اسْتدلَّ بِهِ لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم الْعَامِل فِيهَا حَتَّى مَا يكون مَا بعْدهَا جزاءا لَهُ فِي الْجُمْلَة المغياة بحتي فَلَيْسَ الْبَيْت نظر مَا مثل بِهِ أَصْحَابنَا وَلَو صرح فَقَالَ مَا زلت راجيا وَصلهَا تِلْكَ اللَّيْلَة حتي نصفهَا كَانَ ذَلِك حجَّة على الزَّمَخْشَرِيّ وَنحن نقُول إِذا لم يتَقَدَّم فِي الْجُمْلَة المغياة بحتي مَا يَصح أَن يكون مَا بعْدهَا آخر جُزْء جَازَ أَن تدخل على مَا لَيْسَ بِهِ وَلَا ملاقيا لَهُ وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن ابْن مَالك جزم بِاشْتِرَاط ذَلِك فِي الكافية الرَّابِع أَنَّهَا لَا تجر إِلَّا (ظَاهرا خلافًا للمبرد والكوفية) فِي تجويزهم جرها الْمُضمر مستدلين بِنَحْوِ قَوْله: ١٠٥٩ -
(فَلَا واللهِ لَا يلْفَى أنَاسٌ فِتًى حتّاك يَا ابْنَ أبي زيادِ)
وَالْجُمْهُور قَالُوا إِنَّه ضَرُورَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَمن أجَاز جرها الْمُضمر أدخلها على الْمُضْمرَات المجرورة كلهَا قَالَ وَلَا يَنْبَغِي الْقيَاس على (حتاك) فِي هَذَا الْبَيْت فَيُقَال ذَلِك فِي سَائِر الضمائر قَالَ وانتهاء الْغَايَة فِي (حتاك) هُنَا لَا أفهمهُ وَلَا أَدْرِي مَا يَعْنِي هُنَا بحتاك فَلَعَلَّ هَذَا الْبَيْت مَصْنُوع انْتهى وَمثل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي بقوله:
[ ٢ / ٤٢٤ ]
١٠٦٠ -
(أتَتْ حَتّاك تَقْصِدُ كُلَّ فجٌّ تُرَجّى مِنْك أنْها لَا تَخيب)
قَالَ وَاخْتلف فِي عِلّة الْمَنْع فَقيل هِيَ أَن مجرورها لَا يكون إِلَّا بَعْضًا لما قبلهَا أَو كبعض مِنْهُ فَلم يُمكن عود ضمير الْبَعْض على الْكل قَالَ وَيَردهُ أَنه قد يكون ضمير حَاضر كَمَا فِي الْبَيْت فَلَا يعود على مَا تقدم وَأَنه قد يكون ضميرا غَائِبا عَائِدًا على مَا تقدم غير الْكل كَقَوْلِك زيد ضربت الْقَوْم حتاه وَقيل الْعلَّة خشيَة التباسها بالعاطفة فَإِنَّهَا تدخل عَلَيْهِ على الْأَصَح قَالَ وَيَردهُ أَنَّهَا لَو دخلت عَلَيْهِ لقيل فِي العاطفة قَامُوا حتي أَنْت وأكرمتهم حتي إياك بِالْفَصْلِ لِأَن الضَّمِير لَا يتَّصل إِلَّا بعامله وَفِي الخافضة حتاك بالوصل كَمَا فِي الْبَيْت وَحِينَئِذٍ فَلَا التباس وَقيل الْعلَّة أَنَّهَا لَو دخلت عَلَيْهِ قلبت ألفها يَاء كَمَا فِي إِلَيّ وَهِي فرع عَن (إِلَى) فَلَا تحْتَمل ذَلِك وَإِلَّا ساوي الْفَرْع الأَصْل قَالَ شَيخنَا الإِمَام الشمني وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم بطلَان هَذَا اللَّازِم أَن فرعية حَتَّى عَن إِلَى إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَعْنى وَالْعَمَل وَذَلِكَ يُوجب أَلا يحْتَمل مَا يحْتَملهُ إِلَى فيهمَا لَا فِي غَيرهمَا وَقَالَ الشاطبي قَالَ سِيبَوَيْهٍ استغنوا عَن الْإِضْمَار فِي (حتي) بقَوْلهمْ حتي ذَاك وبالإضمار فِي (إِلَى) لِأَن الْمَعْنى وَاحِد كَمَا استغنوا ب (ترك) عَن (وذر) و(ودع) (وإمالتها وعتي) بإبدال حائها عينا) (لُغَة) الأولي يمنية وَالثَّانِي هذلية قَالَ ابْن مَالك قَرَأَ ابْن مَسْعُود ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ عَتَّى حِينٍ﴾ [يُوسُف: ٣٥] فَكتب إِلَيْهِ عمر إِن الله أنزل هَذَا الْقُرْآن عَرَبيا وأنزله بلغَة قُرَيْش فَلَا تقرئهم بلغَة هُذَيْل
[ ٢ / ٤٢٥ ]
(وَمنع البصرية جر مَا لَا يصلح) أَن يكون (غَايَة لما قبلهَا) وأوجبوا فِيهِ الرّفْع على أَنَّهَا ابتدائية نَحْو الْعجب حَتَّى الْخَزّ يلبس زيد وَجوز جَرّه الْكسَائي (و) الْفراء وَمنعُوا أَيْضا الْجَرّ فِيمَا إِذا تَلا الِاسْم بعْدهَا جملَة اسمية وَمَا بعْدهَا غير شريك لما قبلهَا فِي الْمَعْنى (نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد فَتركت) وَحَتَّى زيد أَبوهُ مَضْرُوب وَجوز جَرّه الكوفية (و) منع (الكوفية) الْجَرّ فِيمَا إِذا تَلا الِاسْم الَّذِي بعْدهَا فعل عَامل فِي ضَمِيره نَحْو ضربت الْقَوْم (حَتَّى زيد ضَربته) وَقَالُوا لَا يجوز حَتَّى يُقَال فضربته وَجوزهُ البصرية فيهمَا وجوزوا فِي الأول أَيْضا الْعَطف والابتداء (و) منع (الْكل) الْجَرّ فِيمَا إِذا تلاه اسْم مُفْرد نَحْو ضربت الْقَوْم (حَتَّى زيد مَضْرُوب) وأوجبوا الِابْتِدَاء وجوزوهما والعطف فِيمَا إِذا تلاه ظرف أَو مجرور نَحْو الْقَوْم عنْدك حَتَّى زيد عنْدك وَالْقَوْم فِي الدَّار حَتَّى زيد فِي الدَّار أَو جملَة اسمية وَمَا بعْدهَا شريك لما قبلهَا فِي الْمَعْنى نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد هُوَ مَضْرُوب وجوزوا الْجَرّ والعطف فِيمَا إِذا تلاه فعل عَامل فِي ضمير مَا قبل حَتَّى نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد ضربتهم فَإِن كَانَ فِي ضَمِيره وَهُوَ غير شريك فالابتداء وَالْحمل على الْإِضْمَار نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيد ضربت أَخَاهُ وأوجبوا الْعَطف فِيمَا إِذا قَامَت عَلَيْهِ قرينَة نَحْو ضربت الْقَوْم حَتَّى زيدا أَيْضا فأيضا تدل على إِرَادَة تكَرر الْفِعْل وَهَذَا الْمَعْنى لَا يُعْطِيهِ إِلَّا الْعَطف كَأَنَّك قلت ضربت الْقَوْم حَتَّى ضربت زيدا أَيْضا (وَزعم الْفراء الْجَرّ) بحتى (نِيَابَة) عَن إِلَى لَا بِنَفسِهَا كَمَا جرت الْوَاو نِيَابَة عَن رب قَالَ وَرُبمَا أظهرُوا (إِلَى) فِي بعض الْمَوَاضِع قَالُوا (جَاءَ الْخَبَر حَتَّى إِلَيْنَا) جمعُوا بَينهمَا بِتَقْدِير إِلْغَاء أَحدهمَا كَمَا جمعُوا بَين اللَّام وكي (وَتَكون) حَتَّى (حرف ابْتِدَاء) أَي حرفا تبتدأ بعده الْجمل أَي تسْتَأْنف وَحِينَئِذٍ (تليه الجملتان) الاسمية كَقَوْل جرير:
[ ٢ / ٤٢٦ ]
١٠٦١ -
(فَمَا زَالَت القَتْلى تمُجُّ دماءَها بدجلةَ حَتَّى ماءُ دجلَة أشْكلُ)
وَقَول الفرزدق: ١٠٦٢ -
(فواعجبًا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّني )
والفعلية المضارعة كَقِرَاءَة نَافِع: ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ [الْبَقَرَة: ٢١٤] والماضية نَحْو: ﴿حَتَّى عفوا﴾ [الْأَعْرَاف: ٩٥] والمصدرة بِشَرْط نَحْو ﴿وابتلوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذا بلغُوا النِّكَاح﴾ [النِّسَاء: ٦] (خلافًا لِابْنِ مَالك فِي زَعمه) أَنَّهَا (جَارة قبل) الْفِعْل (الْمَاضِي) بإضمار (أَن) بعْدهَا على تَأْوِيل الْمصدر قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد وهم فِي ذَلِك وَقَالَ ابْن هِشَام لَا أعرف لَهُ فِي ذَلِك سلفا وَفِيه تكلّف إِضْمَار من غير ضَرُورَة (و) خلافًا (وَله وللأخفش) أبي الْحسن (فِي) زعمهما (أَنَّهَا) جَارة (قبل إِذا) وَأَن إِذا فِي مَوضِع جر بهَا وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا حِينَئِذٍ ابتدائية وَإِذا فِي مَوضِع نصب بشرطها أَو جوابها قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ معنى قَوْلهم حرف ابْتِدَاء أَنه يصحبها الْمُبْتَدَأ دَائِما بل مَعْنَاهُ أَنَّهَا بصدد أَن يَقع بعْدهَا الْمُبْتَدَأ كَمَا قَالُوا هَل ويل وَلَكِن من حُرُوف الِابْتِدَاء وَإِن كَانَ يَقع بعْدهَا غير الْمُبْتَدَأ وَإِنَّمَا كَانَ يَقع الْمَعْنى أَنَّهَا تصلح أَن يَقع بعْدهَا الْمُبْتَدَأ
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وَمَا تقدم فِي تَفْسِيره أخذا من ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أولي وأقعد ثمَّ قَالَ قَالَ بعض شُيُوخنَا ضَابِط حتي أَنَّهَا إِذا وَقع بعْدهَا اسْم مُفْرد مجرور أَو مضارع مَنْصُوب فحرف جر وَاسم مَرْفُوع أَو مَنْصُوب فحرف عطف أَو جملَة فحرف ابْتِدَاء وَتقدم من بَاب الْحَال أَنه لَا مَحل لهَذِهِ الْجُمْلَة على الْأَصَح (مَسْأَلَة: متي دلّت قرينَة على دُخُول الْغَايَة) أَي الَّتِي بعد إِلَيّ وحتي فِي حكم مَا قبلهَا (أَو) على (عَدمه) أَي عدم دُخُوله فَوَاضِح أَنه يعْمل بِهِ فَالْأول نَحْو قَرَأت الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره وبعتك الْحَائِط من أَوله إِلَى آخِره دلّ ذكر الآخر وَجعله غَايَة على الِاسْتِيفَاء ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ [الْمَائِدَة: ٦] دلّت السّنة على دُخُول الْمرَافِق فِي الْغسْل: ١٠٦٣ - ألْفَى الصّحِيفَة كي يُخفِّفَ رَحْله والزَّادَ حَتَّى نَعْله أَلْقَاهَا)
وَالثَّانِي نَحْو ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٧] دلّ النَّهْي عَن الْوِصَال على عدم دُخُول اللَّيْل فِي الصَّوْم ﴿فنظرة إِلَى ميسرَة﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٠] فَإِن الْغَايَة لَو دخلت هُنَا لوَجَبَ الإنظار حَال الْيَسَار أَيْضا وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى عدم الْمُطَالبَة وتفويت حق الدَّائِن ١٠٦٤ -
(سقى الحيا الأرْضَ حَتَّى أمْكُن عُزيتْ لَهُم فَلَا زَالَ عَنْهَا الخيرُ مجذوذا)
دلّ على عدم الدُّخُول دُعَاء الشَّاعِر على مَا بعد حتي بِانْقِطَاع الْخَيْر عَنهُ
[ ٢ / ٤٢٨ ]
(وَإِلَّا) أَي وَإِن لم تقم قرينَة تدل على الدُّخُول وَلَا عدمهَا (فثالثها) أَي الْأَقْوَال (وَهُوَ الْأَصَح) ورأي الْجُمْهُور (تدخل مَعَ حتي دون إِلَيّ) حملا على الْغَالِب فِي الْبَابَيْنِ لِأَن الْأَكْثَر مَعَ الْقَرِينَة عدم الدُّخُول فِي (إِلَى) وَالدُّخُول فِي (حتي) فَوَجَبَ الْحمل عَلَيْهِ عِنْد التَّرَدُّد وأولها يدْخل فيهمَا وَثَانِيهمَا لَا فيهمَا وَاسْتدلَّ الْقَوْلَانِ فِي اسْتِوَاء حتي وَإِلَى بقوله تَعَالَى ﴿فمتعناهم إِلَى حِين﴾ [الصافات: ١٤٨] وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﴿عتي حِين﴾ ﴿وَرَابِعهَا يدْخل مَعَهُمَا﴾ أَي مَعَ إِلَى وحتي (إِن كَانَ من الْجِنْس) و(لَا) يدْخل (إِن لم يكن) نَحْو إِنَّه لينام اللَّيْل حَتَّى الصَّباح أَو إِلَيّ الصَّباح نَقله أَبُو حَيَّان فِي حتي عَن الْفراء والرماني وَجَمَاعَة وَابْن هِشَام فِي إِلَى غير المسمي قَائِله وَهُوَ قَول الأندلسي فِيمَا نَقله الرضي (فَإِن كَانَت حتي عاطفة دخلت وفَاقا) نَحْو أكلت السَّمَكَة حتي رَأسهَا قَالَ ابْن هِشَام وَوهم من ادعِي الِاتِّفَاق فِي دُخُول الْغَايَة فِي حتي مُطلقًا وَإِنَّمَا هُوَ فِي العاطفة وَالْخلاف فِي الخافضة مَشْهُور قَالَ وَالْفرق أَن العاطفة بِمَنْزِلَة الْوَاو
رب
(رب) بِضَم الرَّاء وَتَشْديد الْبَاء وَفتحهَا (وَيُقَال رب) بِفَتْح الرَّاء (وَرب) بضَمهَا (وربت) بِالضَّمِّ وَفتح الْبَاء وَالتَّاء (وربت) بِسُكُون التَّاء (وربت) بِفَتْح الثَّلَاثَة (وربت) بِفَتْح الْأَوَّلين وَسُكُون التَّاء وَتَخْفِيف الْبَاء فِي هَذِه (السَّبْعَة وربتا) بِالضَّمِّ وَفتح الْبَاء الْمُشَدّدَة (وَرب) بِالضَّمِّ وبالسكون (وَرب) بِالْفَتْح والسكون فَهَذِهِ سبع عشرَة لُغَة حَكَاهَا مَا عدا (ربتا) ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَحكي ابْن مَالك مِنْهَا عشرا وَزَاد أَبُو حَيَّان (ربتا) وَزعم أَبُو الْحسن عَليّ (بن فضال) الْمُجَاشِعِي فِي كتاب الهوامع والعوامل أَنَّهَا ثنائية الْوَضع سَاكِنة الثَّانِي كهل وبل وَقد وَأَن فتح التَّاء مُخَفّفَة دون
[ ٢ / ٤٢٩ ]
الْبَاء ضَرُورَة لَا لُغَة وَأَن فتح الرَّاء مُطلقًا أَي فِي الْجَمِيع مشددا ومخففا مَعَ التَّاء ودونها (شَاذ) وَالْجُمْهُور على أَنَّهَا ثلاثية الْوَضع وَأَن التَّخْفِيف الْمَذْكُور وَفتح الرَّاء لُغَة مَعْرُوفَة (و) زعم الكوفية وَابْن الطراوة أَنَّهَا اسْم مَبْنِيّ لِأَنَّهَا فِي التقليل مثل (كم) فِي التكثير وَهِي اسْم بِإِجْمَاع وللإخبار عَنْهَا فِي قَوْله: ١٠٦٥ -
(إنْ يَقْتُلُوكَ فإنّ قَتْلَكَ لَم يَكُنْ عارًا عَلَيْك ورُبَّ قتل عارُ)
ف (رب) عِنْدهم مُبْتَدأ و(عَار) خَبره قَالَ وَتَكون معمولة بجوابها كإذا فيبتدأ بهَا فَيُقَال رب رجل أفضل من عَمْرو وَيَقَع مصدرا كرب ضَرْبَة ضربت وظرفا كرب يَوْم سرت ومفعولا بِهِ كرب رجل ضربت وَاخْتَارَ الرضي أَنَّهَا اسْم لِأَن معنى رب رجل فِي أصل الْوَضع قَلِيل فِي هَذَا الْجِنْس كَمَا أَن معنى كم رجل كثير من هَذَا الْجِنْس لَكِن قَالَ إعرابه أبدا رفع على أَنه مُبْتَدأ لَا يُخَيّر لَهُ كَمَا اخْتَارَهُ فِي قَوْلهم أقل رجل يَقُول ذَلِك إِلَّا زيدا لتناسبهما فِي معنى الْقلَّة قَالَ فَإِن كفت ب (مَا) فَلَا مَحل لَهَا حِينَئِذٍ لكَونهَا كحرف النَّفْي الدَّاخِل على الْجُمْلَة وَمنع ذَلِك البصريون بِأَنَّهَا لَو كَانَت اسْما لِجَار أَن يتعدي إِلَيْهَا الْفِعْل بِحرف الْجَرّ فَيُقَال بِرَبّ رجل عَالم مَرَرْت وَأَن يعود عَلَيْهَا الضَّمِير ويضاف إِلَيْهَا وَذَلِكَ وَجَمِيع عَلَامَات الِاسْم منتفية عَنْهَا وَأجِيب عَن الْبَيْت الأول بِأَن الْمَعْرُوف وَبَعض قتل عَار وَإِن صحت تِلْكَ الرِّوَايَة فعار خبر مَحْذُوف أَي هُوَ عَار كَمَا صرح بِهِ فِي قَوْله: ١٠٦٦ -
(يَا رُبّ هيجا هِيَ خَيْرٌ مِنْ دَعَهْ )
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وَالْجُمْلَة صفة الْمَجْرُور أَو خَبره إِذْ هُوَ فِي مَوضِع مُبْتَدأ قَالَ أَبُو عَليّ وَمن الدَّلِيل على أَنَّهَا حرف لَا اسْم أَنهم لم يفصلوا بَينهَا وَبَين الْمَجْرُور كَمَا فصلوا بَين كم وَبَين مَا تعْمل فِيهِ وَفِي مفادها أَقْوَال أَحدهَا أَنَّهَا للتقليل دَائِما وَهُوَ قَول الْأَكْثَر قَالَ فِي الْبَسِيط كالخليل وسيبويه وَعِيسَى بن عمر وَيُونُس وَأبي زيد وَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء وَأبي الْحسن الْأَخْفَش والمازني وَابْن السراج والجرمي والمبرد والزجاج والزجاجي والفارسي والرماني وَابْن جني والسيرافي والصيمري وَجُمْلَة الْكُوفِيّين كالكسائي وَالْفراء وَابْن سَعْدَان وَهِشَام وَلَا مُخَالف لَهُم إِلَّا صَاحب الْعين انْتهى ثَانِيهَا للتكثير دَائِما وَعَلِيهِ صَاحب (الْعين) وَابْن درسْتوَيْه وَجَمَاعَة وَرُوِيَ عَن الْخَلِيل ثَالِثهَا وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْدِي وفَاقا للفارابي أبي نصر وَطَائِفَة أَنَّهَا للتقليل غَالِبا والتكثير نَادرا وَرَابِعهَا عَكسه أَي للتقليل قَلِيلا وللتكثير كثيرا جزم بِهِ فِي التسهيل وَاخْتَارَهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وخامسها مَوْضُوعَة (لَهما) من غير غَلَبَة فِي أَحدهمَا نقلة أَبُو حَيَّان عَن بعض الْمُتَأَخِّرين وسادسها لم تُوضَع لوَاحِد مِنْهُمَا بل هِيَ حرف إِثْبَات لَا يدل على تَكْثِير وَلَا تقليل وَإِنَّمَا يفهم ذَلِك من خَارج وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان وسابعها أَنَّهَا للتكثير فِي مَوضِع المباهاة والافتخار وللتقليل فِيمَا عدا ذَلِك وَهُوَ قَول الأعلم وَابْن السَّيِّد
[ ٢ / ٤٣١ ]
وَقيل هِيَ لمبهم الْعدَد تكون تقليلا وتكثيرا قَالَه ابْن الباذش وَابْن طَاهِر فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أَقْوَال حَكَاهَا أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل وَمن وُرُودهَا للتكثير قَوْله تَعَالَى ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين﴾ [الْحجر: ٢] فَإِنَّهُ يكثر مِنْهُم تمني ذَلِك وَحَدِيث البُخَارِيّ
(يَا رب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة) وَمن مَوَاضِع الْفَخر قَول عمَارَة بن عقيل: ١٠٦٧ -
(فإنْ تَكُن الأيّامُ شَيَّبْنَ مَفْرقى وأكْثَرْنَ أشجاني وفَلّلن مِنْ غربي)
وَقَول الآخر: ١٠٦٨ -
(فيا رب يَوْم قد لَهْوتُ ولَيْلةٍ بآنِسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثال)
وَمن وُرُودهَا للتقليل: ١٠٦٩ -
(أَلا رُبّ مَولودٍ وَلَيْسَ لَهُ ابٌ وَذي ولد لم يَلْدَهُ أَبَوَانِ)
(وَذي شمة غَرَّاء فِي حُرّ وَجهه مجلّلةٍ لَا تنقضى لِأَوَانِ)
أَرَادَ عِيسَى وآدَم وَالْقَمَر وتصدر وجوبا غَالِبا قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْمرَاد تصديرها على مَا تتَعَلَّق بِهِ فَلَا يُقَال لقِيت رب رجل عَالم لَا أول الْكَلَام فقد وَقعت خَبرا ل (إِن) و(أَن) المخففة من الثَّقِيلَة وجوابا (للو) قَالَ: ١٠٧٠ -
(أماويُّ إنِّي رُبَّ واحِد أمِّه ملكْتُ فَلَا أسْرٌ لَدَيَّ وَلَا قَتْلُ)
وَقَول الآخر:
[ ٢ / ٤٣٢ ]
١٠٧١ -
(تَيَقَّنْتُ أنْ رُبّ أمْرئ خِيلَ خائِنًا أمينٌ وخوّان يُخَال أَمينا)
وَقَالَ: ١٠٧٢ -
(وَلَو علم الأقوامُ كَيفَ خَلَفْتُهُمْ لَرُبّ مُفَدِّ فِي القُبور وحامِدِ)
قَالَ شَيخنَا الإِمَام الشمني وَيحْتَمل أَن يعد ذَلِك ضَرُورَة وَلَا تجر غير نكرَة مَعهَا معربا كَأَن أَو مَبْنِيا كَقَوْلِه: ١٠٧٣ -
(رُبَّ مَنْ أنضجْتُ غَيْظًا قَلْبَهُ قد تمنّى لِيَ موْتًا لم يُطَعْ)
خلافًا لبَعْضهِم فِي تَجْوِيز جرها الْمُعَرّف بأل محتجا بقوله: ١٠٧٤ -
(رُبّما الجامِل المُؤَبّل فِيهمْ وعناجيحُ بَيْنَهُن المِهَارُ)
بجر الجامل وَأجَاب الْجُمْهُور بِأَن الرِّوَايَة بِالرَّفْع وَإِن صحت بِالْجَرِّ خرج على زِيَادَة (أل) وَلِأَنَّهَا إِمَّا للقلة أَو للكثرة وَغير النكرَة لَا يحتملها لِأَن الْمعرفَة إِمَّا للقلة فَقَط كالمفرد والمثني أَو للكثرة فَقَط كالجمع وَمَا لَا يحتملها لَا يحْتَاج إِلَى عَلامَة يصير بهَا نصا
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وَفِي وجوب نَعته أَي مجرورها خلف فَقَالَ الْمبرد وَابْن السراج والفارسي والعبدي وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين وعزي للبصريين يجب لِأَن (رب) أجريت مجْرى حرف النَّفْي حَيْثُ لَا تقع إِلَّا صَدرا وَلَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا مَا يعْمل فِي الِاسْم بعْدهَا بِخِلَاف سَائِر حُرُوف الْجَرّ وَحكم حرف النَّفْي أَن يدْخل على جملَة فالأقيس فِي مجرورها أَن يُوصف بجملة لذَلِك وَقد يُوصف بِمَا يجْرِي مجْراهَا من ظرف أَو مجرور أَو اسْم فَاعل أَو مفعول وَجزم بِهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَاخْتَارَهُ الرضي وَقَالَ الْأَخْفَش وَالْفراء والزجاج وَأَبُو الْوَلِيد الوحشي وَابْن طَاهِر وَابْن خروف لَا يجب وتضمنها الْقلَّة أَو الْكَثْرَة يقوم مقَام الْوَصْف وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَتَبعهُ أَبُو حَيَّان وَمنع كَونهَا لَا تقع إِلَّا صَدرا بِمَا تقدم وَكَون مَا يعْمل فِيمَا بعْدهَا لَا يتَقَدَّم مقتضيا لشبهها بِحرف النَّفْي بِأَن لنا مَا لَا يتَقَدَّم على الْمَجْرُور الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وَلَا يلْزم أَن يكون جَارِيا مجْرى النَّفْي نَحْو بكم دِرْهَم تَصَدَّقت على الخبرية ويجر مُضَافا إِلَيْهِ ضمير مجرورها مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بِالْوَاو خَاصَّة رب رجل وأخيه رَأَيْت وسوغ ذَلِك كَون الْإِضَافَة غير مَحْضَة فَلم تفد تعريفا وَقَالَ الْجُزُولِيّ لِأَنَّهُ يغْتَفر فِي التَّابِع مَا لَا يغْتَفر فِي الْمَتْبُوع قَالَ الرضي وَلَو كَانَ كَذَلِك لجَاز رب غُلَام وَالسَّيِّد وَلَا يجوز ذَلِك فِي غير الْعَطف من التوابع وَلَا فِي الْعَطف بِغَيْر الْوَاو وَفِي الْقيَاس فِي الْمَعْطُوف بِالْوَاو خلف فَأَجَازَهُ الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَأَبُو حَيَّان وقصره سِيبَوَيْهٍ على المسموع أما مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي من مُبَاشرَة (رب) للمضاف إِلَيْهِ الضَّمِير حَيْثُ قَالَ لأعرابية ألفلان أَب أَو أَخ فَقَالَت (رب أَبِيه وَرب أَخِيه) تُرِيدُ رب أَب لَهُ وَرب أَخ لَهُ تَقْديرا للانفصال لكَون أَب وَأَخ من الْأَسْمَاء الَّتِي يجوز الْوَصْف بهَا فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وتجر ضميرا وَيجب كَونه مُفردا مذكرا وَإِن كَانَ الْمُمَيز مثني أَو جمعا أَو مؤنثا وَكَونه يفسره نكرَة مَنْصُوبَة مُطَابقَة للمعني الَّذِي يَقْصِدهُ الْمُتَكَلّم
[ ٢ / ٤٣٤ ]
(تليه) غير مفصولة عَنهُ فَيُقَال ربه رجلا وربه رجلَانِ وربه رجَالًا وربه امْرَأَة وربه امْرَأتَيْنِ وربه نسَاء قَالَ: ١٠٧٥ -
(ربه امْرَأ بكَ نَالَ أمْنَع عِزّةٍ وغِنًى بُعَيْدَ خَصاصَةٍ وَهَوان)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَسمع جَرّه فِي قَوْله: ١٧٠٦ -
(وَرُبّهُ عَطِبٍ أَنْقَذَتَ من عَطَبهْ )
على نِيَّة (من) وَهُوَ شَاذ وَجوز الكوفية مطابقته إِلَى الضَّمِير لَهَا أَي النكرَة المفسرة فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع والتأنيث قِيَاسا وسماعا قَالَ: ١٠٧٧ -
(ربّه فتية دَعَوْتُ إِلَى مَا يُورث المَجْد دَائِما فأجَابُوا)
قَالَ ابْن عُصْفُور وَذَلِكَ لَا يجوز عندنَا لِأَن الْعَرَب استغنت بتثنية التَّمْيِيز وَجمعه عَنهُ كَمَا استغنوا بِتَرْكِهِ من (وذر) و(ودع) قَالَ أَبُو حَيَّان وَمن ذهب إِلَى وجوب وصف مجرور رب لم يُقَال بِهِ هُنَا قَالَ ابْن أبي الرّبيع لِأَنَّهُ استغني بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْإِضْمَار من التفخيم عَن الْوَصْف فَصَارَ قَوْلك ربه رجلا بِمَنْزِلَة رب رجل عَظِيم لَا أقدر على وَصفه وَالأَصَح أَنه أَي هَذَا الضَّمِير معرفَة جري مجري النكرَة فِي دُخُول رب عَلَيْهِ لما أشبههَا فِي أَنه غير معِين وَلَا مَقْصُود
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه نكرَة وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور لوُقُوعه موقع النكرَة وكأنك قلت رب شَيْء ثمَّ فسرت الشي الَّذِي تريده بِقَوْلِك رجلا قَالَ بِخِلَاف الضَّمِير الْعَائِد على نكرَة مُقَدّمَة نَحْو لقِيت رجلا فضربته لِأَنَّهُ نَائِب مناب معرفَة إِذْ الأَصْل فَضربت الرجل أَو مُتَأَخِّرَة وَهُوَ وَاقع موقع معرفَة نَحْو نعم رجلا زيد فَالضَّمِير فِي نعم وَاقع موقع ظَاهر معرف بأل أَو مُضَاف إِلَى مَا هِيَ فِيهِ (و) الْأَصَح (أَنه) أَي جر رب الضَّمِير لَيْسَ قَلِيلا وَلَا شاذا بل جَائِز بِكَثْرَة فصيحا وَقَالَ ابْن مَالك هُوَ قَلِيل وَفِي بعض كتبه شَاذ قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ بِصَحِيح إِلَّا إِن عني بالشذوذ شذوذ الْقيَاس وبالقلة بِالنِّسْبَةِ إِلَى جرها الظَّاهِر فَإِنَّهُ أَكثر من جرها الضَّمِير (و) الْأَصَح أَنَّهَا زَائِدَة فِي الْإِعْرَاب لَا المعني قَالَ أَبُو حَيَّان وَيدل عَلَيْهِ قَوْلهم رب رجل عَالم يَقُول ذَلِك فلولا أَن رب زَائِدَة فِي الْإِعْرَاب مَا جَازَ ذَلِك لما يلْزم من تعدِي فعل الْمُضمر الْمُتَّصِل إِلَى ظَاهره فَجعل رب رجل فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ هُوَ الَّذِي سوغ ذَلِك وَإِن كَانَت تدل على معني لِأَن الزَّائِد مِنْهُ مَا لَا يتَغَيَّر المعني بزواله وَهُوَ الزَّائِد للتوكيد وَمِنْه مَا يتَغَيَّر ويسمي زَائِدا اصْطِلَاحا بِاعْتِبَار تخطي الْعَامِل إِلَيْهِ كَقَوْلِهِم جِئْت بِلَا زَاد فَإِن النُّحَاة قَالُوا لَا زَائِدَة وَلَو أزيلت لتغير المعني وَمُقَابل الْأَصَح قَول ابْن أبي الرّبيع إِنَّهَا غير زَائِدَة لِأَنَّهَا تحرز معني والزائدة لَا تحرز وَإِنَّمَا يكون مؤكدا (و) الْأَصَح بِنَاء على أَنَّهَا زَائِدَة فِي الْإِعْرَاب أَن مَحل مجرورها على حسب الْعَامِل بعْدهَا فَهُوَ نصب فِي نَحْو رب رجل صَالح لقِيت وَرفع فِي نَحْو رب رجل عِنْدِي وَرفع أَو نصب فِي نَحْو رب رجل صَالح لَقيته لَا لَازم النصب بِالْفِعْلِ الَّذِي بعْدهَا أَو بعامل مَحْذُوف خلافًا للزجاج ومتابعيه فِي قَوْلهم بذلك لما يلْزم عَلَيْهِ من تعيدي الْفِعْل الْمُتَعَدِّي بِنَفسِهِ إِلَى مَفْعُوله بوساطة رب وَهُوَ لَا يحْتَاج إِلَيْهَا وعَلى الأول فيعطف عَلَيْهِ أَي على مَحل مجرورها كَمَا يعْطف على لَفظه قَالَ: ١٠٧٨ -
(وسِنٍّ كَسُنّيْق سناءً وسُنّمًا ذَعَرْتُ بمدلاح الهجير نَهوض)
[ ٢ / ٤٣٦ ]
فعطف (سنما) على مَحل (سنّ) لِأَنَّهُ فِي مَوضِع نصب بذعرت أَرَادَ ذعرت بِهَذَا الْفرس النهوض ثورا وبقرة والسنم بقرة الْوَحْش بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح النُّون الْمُشَدّدَة (و) الْأَصَح أَنَّهَا تتَعَلَّق كَسَائِر حُرُوف الْجَرّ وَقَالَ الرماني وَابْن طَاهِر لَا تتَعَلَّق بِشَيْء كالحروف الزَّائِدَة وَالأَصَح أَن التَّعَلُّق بالعامل الَّذِي يكون خَبرا لمجرورها أَو عَاملا فِي مَوْضِعه أَو مُفَسرًا لَهُ قَالَه أَبُو حَيَّان وَقَالَ ابْن هِشَام قَول الْجُمْهُور إِنَّهَا معدية لِلْعَامِلِ إِن أَرَادوا الْمَذْكُور فخطأ لِأَنَّهُ يتعدي بِنَفسِهِ أَو محذوفا تَقْدِيره حصل أَو نَحوه كَمَا صرح بِهِ جمَاعَة فَفِيهِ تَقْدِير مَا معنى الْكَلَام مستغن عَنهُ وَلم يلفظ بِهِ فِي وَقت فَقولِي وَالأَصَح منصب على مَسْأَلَتي التَّعَلُّق وَكَونه بالعامل مَعًا كَمَا قَرّرته وَمُقَابِله فِي الثَّانِيَة قَول الْجَمَاعَة الْمَذْكُورين (ثمَّ) على التَّعْلِيق (قَالَ لكذة) الْأَصْبَهَانِيّ (حذفه لحن) مَمْنُوع وَقَالَ مَا ورد من ذَلِك مَصْنُوع (و) قَالَ الْخَلِيل وسيبويه نَادِر كَقَوْل الشماخ: ١٠٧٩ -
(ودَوِّيَةٍ قَفْر تُمشّى نَعامُها كمشْي النّصارى فِي خِفَاف اليَرَنْدَج)
أَي قطعتها قَالَ أَبُو حَيَّان وَمِمَّا يرد قَول (لكذة) قَوْلهم رب رجل قَامَ وَرب ابْن خير من ابْن وَقَول الشَّاعِر: ١٠٨٠ -
(أَلا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لَك ناصِح ومؤتمن بِالْغَيْبِ غيرُ أَمِين)
(و) قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي والجزولي كثير وَبِه جزم ابْن الْحَاجِب وَرَابِعهَا وَاجِب نَقله صَاحب الْبَسِيط عَن بَعضهم قَالَ لِأَنَّهُ مَعْلُوم كَمَا حذف من (بِسم الله) وتالله لَأَفْعَلَنَّ وخامسها قَالَ ابْن أبي الرّبيع يجب حذفه إِن قَامَت الصّفة مقَامه نَحْو رب رجل يفهم هَذِه الْمَسْأَلَة أَي وجدته فَإِن لم تقم مقَامه جَازَ الْحَذف وَعَدَمه
[ ٢ / ٤٣٧ ]
سَوَاء كَانَ هُنَاكَ دَلِيل أم لَا كَأَن تسمع إنْسَانا يَقُول مَا رَأَيْت رجلا عَالما فَتَقول رب رجل عَالم رَأَيْت وَلَك حذف رَأَيْت وَكَأن يَقُول ذَلِك ابْتِدَاء غير جَوَاب وَيجب كَونه أَي الْفِعْل الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ رب مَاضِيا معني قَالَه الْمبرد والفارسي وَابْن عُصْفُور وَقَالَ أَبُو حَيَّان إِنَّه الْمَشْهُور ورأي الْأَكْثَرين وَقيل يَأْتِي حَالا أَيْضا فَلَا يُقَال رب قَائِله رجل سيقوم قَالَه ابْن السراج (وَقيل: و) يَأْتِي مُسْتَقْبلا أَيْضا قَالَه ابْن مَالك كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿رُبمَا يود الَّذين كفرُوا﴾ [الْحجر: ٢] وَقَول هِنْد أم مُعَاوِيَة: ١٠٨١ -
(يَا رب قَائِلًَ غَدًا يَا لَهْفَ أُمِّ مُعاوَيَهْ)
والأولون تأولوا الْآيَة على أَنه مَوضِع الْمَاضِي على حد ﴿وَنفخ فِي الصُّور﴾ [الْكَهْف: ٩٩، وَيس: ٥١، وَالزمر: ٦٨، وق: ٢٠] قَالَ ابْن هِشَام وَفِيه تكلّف لاقْتِضَائه أَن الْفِعْل الْمُسْتَقْبل عبر بِهِ عَن مَاض متجوز بِهِ عَن الْمُسْتَقْبل قَالَ وَالدَّلِيل على صِحَة اسْتِقْبَال مَا بعْدهَا قَوْله يَا رب قائلة غَدا وَأجَاب شَيخنَا الإِمَام الشمني بِأَنَّهُ لَا تكلّف لأَنهم قَالُوا إِن هَذِه الْحَالة الْمُسْتَقْبلَة جعلت بِمَنْزِلَة الْمَاضِي المتحقق فَاسْتعْمل مَعهَا رُبمَا المختصة بالماضي وَعدل إِلَى لفظ الْمُضَارع لِأَنَّهُ كَلَام من لَا خلف فِي إخْبَاره فالمضارع عِنْده بِمَنْزِلَة الْمَاضِي فَهُوَ مُسْتَقْبل فِي التَّحْقِيق مَاض بِحَسب التَّأْوِيل وَأما الْبَيْت فَأجَاب أَبُو حَيَّان بِأَنَّهُ من بَاب الْوَصْف بالمستقبل لَا من بَاب تعلق (رب) بِمَا بعْدهَا قَالَ وَنَظِيره قَوْلك رب مسيء الْيَوْم يحسن غَدا أَي رب رجل يُوصف بِهَذَا وَلَا يسبقها متعلقها لِأَن لَهَا الصَّدْر وَقد يسْبق بألا وَيَا وَاقعَة صَدرا جَوَاب شَرط غَالِبا كَقَوْلِه: ١٠٨٢ -
(أَلا رُبّ مأخوذٍ بإجُرَام غَيره فَلَا تَسْأمَنْ هجْرانَ مَنْ كَانَ مُجْرما)
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وَقَوله: ١٠٨٣ -
(فَإِن أُمْس مَكْروبًا فيا رُبّ فتية )
وَمن سبقها بيا لَا فِي جَوَاب شَرط حَدِيث
(يَا رب كاسية)
على
عَليّ للاستعلاء حسا نَحْو ﴿وَعَلَيْهَا وعَلى الْفلك تحملون﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٢٢] أَو معنى نَحْو ﴿فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] ﴿وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] قَالَ ابْن مَالك وَمِنْه الْمُقَابلَة للام المفهمة مَا يجب كَقَوْلِه: ١٠٨٤ -
(فَيَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ لَنا )
وَمَا وَقع بعد (وَجب) أَو شبهه أَو كبر أَو صَعب وَنَحْوه مِمَّا فِيهِ ثقل أَو دلّ على تمكن نَحْو ﴿أُولَئِكَ على هدى من رَبهم﴾ [الْبَقَرَة: ٥] (أَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت) قَالَ الكوفية والعتبي وَابْن مَالك وبمعني مَعَ أَي المصاحبة نَحْو ﴿وَآتى المَال على حبه﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٧] أَي مَعَ حبه ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ [الرَّعْد: ٦] أَي مَعَ ظلمهم (و) بِمَعْنى (فِي) أَي الظَّرْفِيَّة نَحْو ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٢] أَي فِي ملكه ﴿وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة﴾ [الْقَصَص: ١٥] أَي فِي حِين (و) بِمَعْنى (من) نَحْو ﴿إِذا اكتالوا على النَّاس﴾ [المطففين: ٢] ي من النَّاس ﴿لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥، ٦] أَي مِنْهُم بِدَلِيل الحَدِيث
(احفظ عورتك إِلَّا من زَوجتك وَمَا ملكت يَمِينك) (و) بِمَعْنى (عَن) أَي الْمُجَاوزَة نَحْو:
[ ٢ / ٤٣٩ ]
١٠٨٥ -
(إِذا رضيت على بَنو قشَيْر )
(و) بِمَعْنى الْبَاء نَحْو ﴿حقيق على أَن لَا أَقُول على الله﴾ [الْأَعْرَاف: ١٠٥] أَي بِأَن كَمَا قَرَأَ أبي (و) بِمَعْنى (اللَّام) أَي التَّعْلِيل نَحْو ﴿ولتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٥] أَي وَلأَجل هدايته هِدَايَة إيَّاكُمْ والبصريون قَالُوا لَو كَانَ لَهَا هَذِه الْمعَانِي لوقعت موقع هَذِه الْحُرُوف فَكنت تَقول وليت عَلَيْهِ أَي عَنهُ وكتبت على الْقَلَم أَي بِهِ وَجَاء زيد على عَمْرو أَي مَعَه وَالدِّرْهَم على الصندوق أَي فِيهِ وَأخذت على الْكيس أَي مِنْهُ وَأولُوا مَا تقدم على التَّضْمِين وَنَحْوه فضمن (تتلو) معنى (تَقول) و(رَضِي) معنى (عطف) و(اكتالوا) معنى (حكمُوا) فِي الْكَيْل و(حافظون) معنى قاصرون و(حقيق) معنى حَرِيص و(لتكبروا) معنى تحمدوا (وحذفها وزيادتها ضَرُورَة) كَقَوْلِه ١٠٨٦ - تحن فتبدي مَا بهَا من صبَابَة وأخفى الَّذِي لَوْلَا الأسى لقضانى أَي لقضي عَليّ وَقَوله
[ ٢ / ٤٤٠ ]
١٠٨٧ - أبي الله إِلَّا أَن سرحة مَالك على كل أفنان الْعضَاة تروق ف (على) زَائِدَة لِأَن (راق) يتعدي بِنَفسِهِ وَجوز ابْن مَالك زيادتها فِي النثر كَحَدِيث
(من حلف على يَمِين) أَي يَمِينا وَقَالَ أَبُو حَيَّان هُوَ على تضمين حلف بِمَعْنى (جسر) وَجوز الْأَخْفَش حذفهَا وَنصب تَالِيهَا مَفْعُولا نَحْو ﴿وَلَكِن لَا تواعدوهن سرا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٥] أَي على سر ﴿لأقعدن لَهُم صراطك الْمُسْتَقيم﴾ [الْأَعْرَاف: ١٦] أَي على صراطك وزعمها ابْن الطراوة وَأَبُو عَليّ الْفَارِسِي والشلوبين اسْما دَائِما معربا لِأَنَّهَا لَا يظْهر فِيهَا عَلامَة الْبناء من شبه الْحَرْف إِذْ لَا حرف فِي مَعْنَاهَا وَقلة تصرفها لَا يُوجب لَهَا الْبناء قَالَ ابْن خروف وَهُوَ الْقيَاس وَقيل مَبْنِيا ك (هَذَا) بِدَلِيل أَن (على) الِاسْم على رَأْي الْجُمْهُور مَبْنِيَّة وَكَذَا (عَن) وَالْكَاف ومذ ومنذ اسْما لتضمنها معنى الْحَرْف الَّذِي يكونه لِأَنَّهَا بِمَعْنى وَاحِد فَحملت عَلَيْهَا (على) طردا للباب قَالَ صَاحب الإفصاح وَهَذَا هُوَ الْوَجْه وَالْقِيَاس وزعمها الْأَخْفَش اسْما إِذا كَانَ مجرورها وفاعل متعلقها ضميري مسمي وَاحِد كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ [الْأَحْزَاب: ٣٧] وَقَول الشَّاعِر ١٠٨٨ -
(هَوِّن عَلَيْك فَإِن الْأُمُور بكفّ الإلهِ مَقادِيرُها)
[ ٢ / ٤٤١ ]
لِأَنَّهُ لَا يتَعَدَّى فعل الْمُضمر الْمُتَّصِل إِلَى ضميرَة الْمُتَّصِل فِي غير بَاب ظن وفقد وَعدم كَمَا تقدم قَالَ أَبُو حَيَّان وَابْن هِشَام وَفِيه نظر لِأَنَّهَا لَو كَانَت اسْما حِينَئِذٍ لصَحَّ حُلُول (فَوق) محلهَا وَلِأَنَّهَا لَو لَزِمت اسميتها لما ذكر لزم الحكم باسمية إِلَى فِي نَحْو ﴿فصرهن إِلَيْك﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] ﴿واضمم إِلَيْك﴾ [الْقَصَص: ٣٢] ﴿وهزي إِلَيْك﴾ [مَرْيَم: ٢٥] قَالَ فليتخرج هَذَا كُله على التَّعَلُّق بِمَحْذُوف كَمَا فِي (سقيا) لَك أَو على حذف مُضَاف أَي هون على نَفسك واضمم إِلَى نَفسك انْتهى قَالَ ابْن الدماميني وَقد يُقَال لَا نسلم أَن مَا كَانَ بِمَعْنى شَيْء وَيصِح حُلُوله مَحَله وأجراه أَي أجْرى الْأَخْفَش مَا قَالَه فِي (على) من اسميتها فِي الْحَالة الْمَذْكُورَة كَقَوْل امْرِئ الْقَيْس ١٠٨٩ -
(دَعْ عَنْك نَهْبًا صِيح فِي حَجَراتِه )
وَقَول أبي نواس ١٠٩٠ -
(دَعْ عَنْك لَوْمِي فإنَّ اللوم إغراءُ )
قَالَ ابْن هِشَام وَقد تقدم مَا فِيهِ قَالَ وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا لَيست اسْما أَنه لَا يَصح حُلُول الْجَانِب محلهَا
[ ٢ / ٤٤٢ ]
عَن
عَن للمجاوزة وَهِي الأَصْل وَلِهَذَا عدي بهَا صد وَأعْرض وأضرب وانحرف وَعدل وَنهى ونأي وحرف ورحل وَاسْتغْنى وَرغب وَنَحْوهَا وَمِنْه بَاب الرِّوَايَة والإخبار لِأَن الْمَرْوِيّ والمخبر بِهِ مجَاز لمن أَخذ عَنهُ قَالَ الكوفية وَابْن قُتَيْبَة وَابْن مَالك والاستعانة كالباء نَحْو ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى﴾ [النَّجْم: ٣] أَي بِهِ وَالتَّعْلِيل نَحْو ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة﴾ [التَّوْبَة: ١١٤] ﴿وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا عَن قَوْلك﴾ [هود: ٥٣] وَبِمَعْنى عَليّ أَي الاستعلاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِنَّمَا يبخل عَن نَفسه﴾ [مُحَمَّد: ٣٨] وَقَول الشَّاعِر ١٠٩١ -
(لاهِ ابنُ عمكَ لَا أَفْضَلْتَ فِي حَسَبٍ عنِّي وَلَا أَنْتَ ديّاني فَتَخْزُوني)
أَي على وَبِمَعْنى بعد نَحْو ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ [الانشقاق: ١٩] أَي بعد طبق ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ [النِّسَاء: ٤٦، والمائدة: ١٣] بِدَلِيل ﴿من بعد موَاضعه﴾ [الْمَائِدَة: ٤١] ﴿عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠] والبصريون قَالُوا هِيَ للمجاوزة فِي الْجَمِيع وَلَو كَانَت لَهَا مَعَاني هَذِه الْحُرُوف لجَاز أَن تقع موقعها فَيُقَال زيد عَن الْفرس أَي عَلَيْهِ وَجئْت عَن الْعَصْر أَي بعده وَتكلم عَن خير أَي بِهِ بل التَّقْدِير مَا صدر نطقة عَن الْهَوِي وَمَا كَانَ
[ ٢ / ٤٤٣ ]
اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم إِلَّا صادرا عَن موعدة وَمَا نَحن بتاركي آلِهَتنَا صادرين عَن قَوْلك وَضمن يبخل معنى يرغب وأفضلت معنى انْفَرَدت قَالَ بعض شُيُوخنَا قَالَ أَبُو حَيَّان ووقوعها بِمَعْنى بعد لتقارب معنى البعدية والمجاوزة لِأَن الشَّيْء إِذا جَاءَ بعد الشَّيْء فقد عدا وقته وجاوزه قَالَ أَبُو حَيَّان قَالَ بعض شُيُوخنَا وَيَنْبَغِي على قَوْلهم أَنَّهَا بِمَعْنى بعد أَن تكون حِينَئِذٍ ظرفا قَالَ وَلَا أعلم أحدا قَالَ إِنَّهَا اسْم إِلَّا إِذا دخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ وَبِمَعْنى فِي أَي الظَّرْفِيَّة كَقَوْلِه ١٠٩٢ -
(وآس سرَاةَ الحَيِّ حَيْثُ لَقِيتَهُمْ وَلَا تَكْ عَنْ حَمْل الرِّباعة وانيا)
أَي (فِي) كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تنيا فِي ذكري﴾ [طه: ٤٢] ورد بِأَن تَعديَة (وني) ب (عَن) مَعْرُوف وَفرق بَين وني عَنهُ ووني فِيهِ بِأَن معنى الأول جاوزه وَلم يدْخل فِيهِ وَالثَّانِي دخل فِيهِ وفتر زَاد ابْن مَالك وَالْبدل نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ [الْبَقَرَة: ٤٨] وَحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ
(صومي عَن أمك) وَزَاد ابْن هِشَام فِي المغنى وَمعنى من نَحْو ﴿يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ [الشورى: ٢٥] ﴿نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا﴾ [الْأَحْقَاف: ١٦] بِدَلِيل ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [الْمَائِدَة: ٢٧] الْآيَة (و) بِمَعْنى (الْبَاء) وَفرق بَينه وَبَين الِاسْتِعَانَة وَمثله بِالْآيَةِ السَّابِقَة وَمثل الِاسْتِعَانَة بِنَحْوِ رميت عَن الْقوس لأَنهم يَقُولُونَ (رميت بِالْقَوْسِ) حَكَاهُ الْفراء وزيادتها ضَرُورَة كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٤٤ ]
١٠٩٣ -
(فأصْبَحْنَ لَا يَسْألْنَهُ عَنْ بِمَا بِهِ )
(خلافًا لأبي عبيد) حَيْثُ أجزها فِي الِاخْتِيَار وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره﴾ [النُّور: ٦٣] أَي أمره
فِي
فِي للظرفية مَكَانا وزمانا وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ [الرّوم: ٢، ٣، ٤] حَقِيقَة كالآية (ومجازا) نَحْو: ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٩] ﴿لقد كَانَ فِي يُوسُف وَإِخْوَته آيَات﴾ [يُوسُف: ٧] قَالَ الكوفية وَابْن قُتَيْبَة وَابْن مَالك وَمعنى الْبَاء نَحْو: ﴿يذرؤكم فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] أَي بِسَبَبِهِ ١٠٩٤ -
(بَصِيرُون فِي طَعْن الأبَاهر والكُلَي )
أَي بطعن (و) بِمَعْنى (عَليّ) نَحْو ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ [طه: ٧١] أَي عَلَيْهَا (و) بِمَعْنى (مَعَ) أَي المصاحبة نَحْو ﴿ادخُلُوا فِي أُمَم﴾
[ ٢ / ٤٤٥ ]
[الْأَعْرَاف: ٣٨] أَي مَعَهم ﴿فَخرج على قومه فِي زينته﴾ [الْقَصَص: ٧٩] (و) بِمَعْنى (من) كَقَوْلِه: ١٠٩٥ -
(وَهل يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أحدثُ عصره ثلاثينَ شَهْرًا فِي ثلاثَةِ أحْوال)
أَي مِنْهَا (و) بِمَعْنى (إِلَى) نَحْو ﴿فَردُّوا أَيْديهم فِي أَفْوَاههم﴾ [إِبْرَاهِيم: ٩] أَي إِلَيْهَا زَاد ابْن مَالك وَالتَّعْلِيل كَحَدِيث:
(إِن امْرَأَة دخلت النَّار فِي هرة حبستها)
(فِي النَّفس مائَة من الْإِبِل)
(الْحبّ فِي الله والبغض فِي الله من الْإِيمَان) بِدَلِيل الحَدِيث الآخر:
(أَن تحب لله وَتبْغض لله) والمقايسة وَهِي الدَّاخِلَة بَين مفضول سَابق وفاضل لَاحق نَحْو ﴿فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل﴾ [التَّوْبَة: ٣٨] وَقَول الْخضر لمُوسَى
(مَا علمي وعلمك فِي علم الله إِلَّا كَمَا غمس هَذَا الطَّائِر بمنقاره من الْبَحْر) والبصريون قَالُوا لَا تكون إِلَّا للظرفية وَمَا لَا تظهر فِيهِ حَقِيقَة فَهِيَ مجازية وَهل تزاد أَقْوَال أَحدهَا نعم فِي الِاخْتِيَار وَغَيره نَحْو ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسم الله﴾ [هود: ٤١] ثَانِيهَا لَا وَلَا فِي الضَّرُورَة ثَالِثهَا وَهُوَ رَأْي الْفَارِسِي تزاد ضَرُورَة لَا اخْتِيَارا كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٤٦ ]
١٠٩٦ -
(أَنا أَبُو سَعْدٍ إذَا الليلُ دَجَا يُخَالُ فِي سَوَادِه يَرَنْدَجَا)
أَي يخال سوَاده
الْكَاف
الْكَاف للتشبيه نَحْو زيد كالأسد وَالتَّعْلِيل أثْبته قوم قَالَ ابْن هِشَام وَهُوَ الْحق سَوَاء جردت نَحْو ﴿ويكأنه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ [الْقَصَص: ٨٢] أَي أعجب لِأَنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ أَو وصلت بِمَا المصدرية نَحْو ﴿واذكروه كَمَا هدَاكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٨] ونفاه الْأَكْثَرُونَ وَثَالِثهَا تفيده إِن كفت بِمَا كحكاية سِيبَوَيْهٍ (كَمَا أَنه لَا يعلم فيتجاوز الله عَنهُ وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك قَالَ الكوفية والأخفش والاستعلاء وحكوا أَن بَعضهم قيل لَهُ كَيفَ أَصبَحت فَقَالَ كخير أَي على خير وَكن كَمَا أَنْت أَي على مَا أَنْت عَلَيْهِ وَغَيرهم قَالَ هِيَ للتشبيه على حذف مُضَاف أَي كصاحب خير وعَلى أَن (مَا) مَوْصُولَة أَي كَالَّذي هُوَ أَنْت (و) قَالَ السيرافي وَابْن الخباز فِي النِّهَايَة والمبادرة إِذا اتَّصَلت ب (مَا) نَحْو صل كَمَا يدْخل الْوَقْت وَسلم كَمَا تدخل قَالَ ابْن هِشَام وَهُوَ غَرِيب جدا
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وتزاد توكيدا قَالَ فِي التسهيل إِن أَمن اللّبْس نَحْو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أَي لَيْسَ مثله شَيْء وَإِلَّا لزم إِثْبَات الْمثل وَهُوَ محَال وَبَعْضهمْ قَالَ الزَّائِد لفظ الْمثل وَالْأول أولى بل القَوْل بِزِيَادَة الِاسْم لم يثبت وجرها الْمُضمر ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١٠٩٧ -
(وَإِن يكُ إنْسًا مَا كها الإنْسُ تَفْعل )
أَي مَا مثلهَا وَقَوله: ١٠٩٨ -
(فَلَا تري بَعْلًا وَلَا حلائِلا كَهُ وَلَا كَهُنَّ إلاّ حاظِلا)
وَعبارَة التسهيل ودخولها على ضمير الْغَائِب الْمَجْرُور قَلِيل قَالَ أَبُو حَيَّان وَمعنى كَلَامه يفهم جَوَازه على قلته واختصاصه بالغائب وَالْمَجْرُور وأصحابنا خصوه وأطلقوا الْمُضمر وأنشدوا فِي دُخُولهَا على ضمير الْمُتَكَلّم وحركتها حِينَئِذٍ الْكسر ١٩٩٩ -
(وَإِذا الحرْبُ شَمّرَتْ لم تكن كِي حِين تَدْعُو الكُمَاةُ فِيهَا نَزَال)
وحكوا فِيهِ وَفِي الْمُخَاطب عَن الْحسن أَنا كك وَأَنت كي وَفِي الْمَرْفُوع: ١١٠٠ -
(قلت إِنِّي كَأَنْت ثُمّة لمّا )
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وَفِي الْمَنْصُوب ١١٠١ -
(فأحْسِنُ وأجمل فِي أسيرك إِنَّه ضعيفٌ وَلم يأسِر كإيّاك آسِرُ)
وحكوا أَنْت كأنا وكهو انْتهى فَلِذَا عبرت بِمَا تقدم وَإِنَّمَا لم تجره اخْتِيَارا اسْتغْنَاء عَنْهَا بِمثل وَشبهه كَمَا استغنوا فِيهِ ب (إِلَى) عَن (حَتَّى) نَص عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَتَقَع اسْما مرادفة لمثل جَارة أَيْضا ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ والمحققون لَا تقع كَذَلِك إِلَّا ضَرُورَة وَحِينَئِذٍ فتجر بالحرف كَقَوْلِه: ١١٠٢ -
(يَضْحكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ المُنْهَمِّ )
١١٠٣ -
(بكا للَّقَوْةِ الشّغْواء جُلْتُ فَلم أكُنْ )
وبالإضافة كَقَوْلِه: ١١٠٤ -
(تَيّمَ القلْبَ حُبُّ كَالْبَدْر لَا بَلْ فاق حُسْنًا مَنْ تَيَّمَ الْقَلبَ حُبّا)
وَتَقَع فاعلة كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٤٩ ]
١١٠٥ -
(هَلْ تنتهون ولَنْ يَنْهَى ذَوي شَطَطٍ كالطَّعْن يذهبُ فِيهِ الزَّيتُ والفُتُل)
ومبتدأ كَقَوْلِه: ١١٠٦ - بِنَا كالجَوَى مِمَّا نَخافُ وقَدْ نَري شِفَاء الْقُلُوب الصاّدياتِ الحوَائِم)
وَاسم (كَانَ) كَقَوْلِه: ١١٠٧ (لَو كَانَ فِي قلبِي كَقدْر قلامة فضلا لغيرك مَا أتتك رسالتي) ١١٠٨ -
(لَا يبرمون إِذا مَا الأفْقُ جَلّله برْدُ الشتَاء من الإمحال كالأدَم)
وَذَلِكَ فِي الشّعْر كثير جدا وَلم يرد فِي النثر فاختص بِهِ (و) قَالَ أَبُو الْحسن (الْأَخْفَش) وَأَبُو عَليّ (الْفَارِسِي) تقع كَذَلِك اخْتِيَارا كثيرا نظرا إِلَى كَثْرَة السماع وعَلى هَذَا يجوز فِي زيد كالأسد أَن تكون الْكَاف فِي مَوضِع رفع والأسد مخفوضا بِالْإِضَافَة وعَلى ذَلِك كثير من المعربين مِنْهُم الزَّمَخْشَرِيّ قَالَ ابْن هِشَام وَلَو صَحَّ ذَلِك لسمع فِي الْكَلَام مثل مَرَرْت بكالأسد
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وَقَالَ أَبُو حَيَّان تقع اخْتِيَارا قَلِيلا قَالَ لِأَنَّهُ تصرف فِيهَا بِكَثْرَة وُرُودهَا فاعلة اسْم كَانَ ومفعولة ومبتدأة ومجرورة بِحرف وَإِضَافَة وَهَكَذَا شَأْن الْأَسْمَاء المتصرفة يتقلب عَلَيْهَا وجود الْإِسْنَاد وَالْإِعْرَاب وَقَالَ أَبُو جَعْفَر بن مضاء هِيَ اسْم أبدا لِأَنَّهَا بِمَعْنى مثل وَمَا هُوَ بِمَعْنى اسْم فَهُوَ اسْم ورده الْأَكْثَرُونَ بمجيئها على حرف وَاحِد وَلَا يكون على ذَلِك من الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة إِلَّا مَحْذُوف مِنْهُ أَو شَاذ وبورود زيادتها وَلَا تزاد إِلَّا الْحُرُوف وَقَالَ قوم هِيَ اسْم إِذا زيدت ورد بِأَن زِيَادَة الِاسْم لم تثبت
٣ - كي
كي لتعليل وتختص بِمَا الاستفهامية وَأَن وَمَا المصدريتين فَلَا تجر غَيرهَا كَقَوْلِهِم من السُّؤَال عَن الْعلَّة كيمه وقولك جِئْت كي تكرمني وَقَوله ١١٠٩ -
(يُرَجّى الفَتى كَيْمَا يَضُرّ وينفع )
وَقد تقدم فِي نواصب الْمُضَارع أَن الكوفية أَنْكَرُوا كَونهَا جَارة مَعَ دَلِيله ورده
٣ - اللَّام
اللَّام للْملك نَحْو ﴿لله مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ [الصَّفّ: ١] والاختصاص نَحْو ﴿إِن لَهُ أَبَا﴾ [يُوسُف: ٧٨] ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة﴾ [النِّسَاء: ١١] الْجنَّة للْمُؤْمِنين والسرج للْفرس وَهَذَا الشّعْر لفُلَان والاستحقاق وَهِي الْوَاقِعَة بَين معنى وَذَات نَحْو (الْحَمد لله) ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] و﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾ [الْمَائِدَة: ٤١] قَالَ ابْن هِشَام وَبَعْضهمْ يَسْتَغْنِي بالاختصاص عَن ذكر الْملك والاستحقاق ويمثله بالأمثلة الْمَذْكُورَة ويرجحه أَن فِيهِ تقليلا للاشتراك وَفرق بَعضهم بَين الِاسْتِحْقَاق والاختصاص بِأَن الأول أخص إِذْ هُوَ شهِدت بِهِ الْعَادة وَقد يخْتَص الشَّيْء بالشَّيْء من غير شَهَادَة عَادَة إِذْ لَيْسَ من لَازم الْبشر أَن يكون لَهُ ولد
[ ٢ / ٤٥١ ]
وَالتَّمْلِيك نَحْو وهبت لزيد دِينَارا أَو شبهه نَحْو ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا﴾ [النَّحْل: ٧٢] وَالنّسب نَحْو لزيد عَم هُوَ لعَمْرو خَال والتبليغ وَهِي الجارة لاسم السَّامع لقَوْل أَو مَا فِي مَعْنَاهُ نَحْو قلت لَهُ وأذنت لَهُ وفسرت لَهُ والتبيين وَهِي أَقسَام مَا يبين الْمَفْعُول من الْفَاعِل بِأَن يَقع بعد فع تعجب أَو اسْم تَفْضِيل من حب أَو بغض تَقول مَا أجبني وَمَا أبغضني فَإِن قلت لفُلَان فَأَنت فَاعل الْحبّ والبغض وَهُوَ مفعول لَهما فَإِن قلت إِلَى فلَان فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ ذكره ابْن مَالك قَالَ ابْن هِشَام وَليكن ذَلِك أَيْضا فِي معنى إِلَيّ وَمَا يبين فاعليه غير ملتبسة بمفعولية أَو مفعولية غير ملتبسة بفاعلية ومصحوب كل مِنْهُمَا إِمَّا غير مَعْلُوم مِمَّا قبلهَا أَو مَعْلُوم وَلَكِن استؤنف بَيَانه تَقْوِيَة للْبَيَان وتوكيدا لَهُ وَاللَّام فِي ذَلِك مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف فَالْأول نَحْو تَبًّا لزيد وريحا لَهُ وَالثَّانِي نَحْو سقيا وجدعا لَهُ والتعجب إِمَّا مَعَ الْقسم وَهِي الدَّاخِلَة على اسْم الله تَعَالَى نَحْو ١١١٠ -
(للهِ يبْقى على الأيّام ذُو حِيَدٍ )
أَو مُجَردا عَنهُ وَهِي المستعملة فِي النداء نَحْو ١١١١ -
(فيا لَكَ من لَيْل كأنَّ نُجُومَهُ بِكُل مغار الفَتْل شُدَّت بيذبل)
[ ٢ / ٤٥٢ ]
وَبِمَعْنى عِنْد نَحْو كتبته لخمس خلون قَالَ ابْن جني وَمِنْه قِرَاءَة الجحدري ﴿بل كذبُوا بِالْحَقِّ لما جَاءَهُم﴾ [ق: ٥] بِكَسْر اللَّام وَتَخْفِيف الْمِيم قَالَ الْأَخْفَش والصيرورة وتسمي لَام الْعَاقِبَة وَلَام الْملك نَحْو ﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا﴾ [الْقَصَص: ٨] ١١١٢ -
(لدوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَراب )
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالتَّعْلِيل نَحْو ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم﴾ [آل عمرَان: ٨١] الْآيَة فِي قِرَاءَة حَمْزَة بِكَسْر اللَّام ﴿وَإنَّهُ لحب الْخَيْر لشديد﴾ [العاديات: ٨] ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ [قُرَيْش: ١] وَمعنى إِلَيّ نَحْو ﴿بِأَن رَبك أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] ﴿كل يجْرِي لأجل مُسَمّى﴾ [الرَّعْد: ٢] (سمع الله لمن حَمده) أَي اسْتمع إِلَيْهِ وَبِمَعْنى عَليّ نَحْو ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ [الْإِسْرَاء: ١٠٧] ﴿وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿وَإِن أسأتم فلهَا﴾ [الْإِسْرَاء: ٧] و(اشترطي لَهُم الْوَلَاء) وَبِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِه ١١١٣ -
(فَلَمَّا تفرَّقَنا كأنِّي ومالِكًا لِطُول اجْتماع لم نَبتْ لَيْلةً مَعَا)
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وَبِمَعْنى من كَقَوْل جرير ١١١٤ -
(لنا الْفَضْلُ فِي الدُّنيا وأَنْفُكَ رَاغِمٌ ونَحنُ لكم يَوْمَ القِيامَةِ أَفْضَلُ)
وقولك سَمِعت لَهُ صراخا وَبِمَعْنى فِي نَحْو ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٤٧] ﴿لَا يجليها لوَقْتهَا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٨٧] وَبِمَعْنى بعد نَحْو ﴿أقِم الصَّلَاة لدلوك الشَّمْس﴾ [الْإِسْرَاء: ٧٨]
(صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته) وَقَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الكافية وَبِمَعْنى عَن من القَوْل نَحْو ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا﴾ [الْأَحْقَاف: ١١] الْآيَة أَي عَنْهُم وَلَيْسَ الْمَعْنى أَنهم خاطبوا بِهِ الْمُؤمنِينَ وَإِلَّا لقَالَ مَا سبقتمونا إِلَيْهِ قَالَ ابْن الصَّائِغ وَفِيه نظر لجَوَاز أَن يكون من بَاب الْحِكَايَة وَجعلهَا ابْن مَالك وَغَيره للتَّعْلِيل وَقوم للتبليغ وَمن ذَلِك ﴿قَالَت أخراهم لأولاهم رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا﴾ [الْأَعْرَاف: ٣٨] ﴿وَلَا أَقُول للَّذين تزدري أعينكُم لن يُؤْتِيهم الله خيرا﴾ [هود: ٣١] ١١١٥ -
(كضَرائر الْحَسْناء قُلْنَ لِوَجْهها حَسَدًا وبُغْضًا إِنَّه لَدَمِيمُ)
وَقَالَ ابْن مَالك فِي (الْخُلَاصَة) و(الكافية) والتعدية وَمثل لَهُ فِي شرحها بقوله تَعَالَى ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا﴾ [مَرْيَم: ٥] وَمثل ابْنه بِقَوْلِك قلت لَهُ كَذَا وَلم يذكرهُ فِي التسهيل وَلَا شَرحه بل فِيهِ أَن اللَّام فِي الْآيَة لشبه التَّمْلِيك وَفِي الْمِثَال للتبليغ قَالَ ابْن هِشَام والأولي عِنْدِي أَن يمثل للتعدية بِنَحْوِ
[ ٢ / ٤٥٤ ]
مَا أضْرب زيدالعمرو وَمَا أضربه لبكر وَقَالَ الرضي الشاطبي لم يذكر أحد من الْمُتَقَدِّمين هَذَا الْمَعْنى للام فِيمَا أعلم وَأَيْضًا فالتعدية لَيست من الْمعَانِي الَّتِي وضعت الْحُرُوف لَهَا وَإِنَّمَا ذَلِك أَمر لَفْظِي مَقْصُوده إِيصَال الْفِعْل الَّذِي لَا يسْتَقلّ بالوصول بِنَفسِهِ إِلَى الِاسْم فيتعدي إِلَيْهِ بواسطته وَهَذَا الْقَصْد يشْتَرك فِيهِ جَمِيع الْحُرُوف لِأَنَّهَا وضعت لتوصيل الْأَفْعَال إِلَى الْأَسْمَاء والتوكيد وَهِي الزَّائِدَة بَين المتضايفين نَحْو لَا أَبَا لزيد وَلَا أَخا لَهُ وَلَا غُلَام لَهُ و١١١٦ -
(يَا بُوْسَ للْحَرْب )
وَالأَصَح أَن الْجَرّ حِينَئِذٍ بهَا لَا بالمضاف لِأَنَّهَا أقرب أَو الْفِعْل الْمُتَعَدِّي ومفعوله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يكون ردف﴾ [النَّمْل: ٧٢] وَقَول الشَّاعِر ١١١٧ -
(ومَلَكْتَ مَا بَيْن العِراق وَيثْرب مُلْكًا أَجَارَ لِمُسْلم ومُعَاهد)
والتقوية فِي مفعول عَامل ناصب وَاحِد ضعف بِالتَّأْخِيرِ نَحْو ﴿للرؤيا تعبرون﴾ [يُوسُف: ٤٣] ﴿للَّذين هم لرَبهم يرهبون﴾ [الْأَعْرَاف: ١٥٤] وبكونه فرعا فِي الْعَمَل نَحْو ﴿فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ﴿مُصدقا لما مَعَهم﴾ [الْبَقَرَة ٩١] ﴿نزاعة للشوى﴾ [المعارج ١٦] قَالَ فِي شرح الكافية وَلَا يفعل ذَلِك بمعتد إِلَى اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ إِن زيدت فيهمَا لزم تَعديَة فعل وَاحِد إِلَى مفعولين بِحرف وَاحِد وَلَا نَظِير لَهُ أَو فِي أَحدهمَا لزم التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح وإيهام غير الْمَقْصُود وَوَافَقَهُ أَبُو حَيَّان قَالَ ابْن هِشَام والأخير مَمْنُوع لِأَنَّهُ إِذا تقدم أَحدهمَا دون الآخر وزيدت اللَّام فِي الْمُقدم لم يلْزم ذَلِك وَقد قَالَ الْفَارِسِي فِي قَوْله
[ ٢ / ٤٥٥ ]
تَعَالَى ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٨] بِإِضَافَة كل إِنَّه من هَذَا وَالْمعْنَى الله مول كل ذِي وجهة وجهته وَقَالُوا فِي قَوْله ١١١٨ -
(هَذَا سُراقة لِلْقُرْآنِ يَدْرسُهُ )
إِن الْهَاء مفعول مُطلق لَا ضمير الْقُرْآن وَقد دخلت اللَّام فِي أحد المفعولين الْمُقدم بل وَدخلت فِي أحد الْمُتَأَخِّرين فِي قَول ليلى ١١١٩ -
(أحجّاجُ لَا تُعْطِ العُصاةَ مناهُمُ وَلَا اللهُ يُعْطِي للعُصاة مُناها)
قَالَ لكنه شَاذ لقُوَّة الْعَامِل انْتهى وَالْأَشْهر كسرهَا أَي لَام الْجَرّ مَعَ كل ظَاهر إِلَّا المستغاث كَمَا سبق إِلَّا مَعَ الْمُضمر فالأشهر فتحهَا غير الْيَاء وَمُقَابل الْأَشْهر أَن بعض الْعَرَب يفتحها مَعَ الظَّاهِر مُطلقًا فَتَقول المَال لزيد وَبَعْضهمْ إِذا دخلت على الْفِعْل وَقُرِئَ ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم﴾ [الْأَنْفَال: ٣٣] وخزاعة تكسرها مَعَ الْمُضمر وَإِنَّمَا كسرت هِيَ وَالْبَاء وَإِن كَانَ الأَصْل فِي الْحَرْف الْوَاحِد بِنَاؤُه على الْفَتْح تَخْفِيفًا لموافقة معمولها وَلم تكسر الْكَاف لِأَنَّهَا تكون اسْما أَيْضا فَكَانَ جرها لَيْسَ بِالْأَصَالَةِ وَلِئَلَّا تلبس بلام الِابْتِدَاء وَنَحْوهَا وَبقيت فِي الْمُضمر على الأَصْل لِأَنَّهُ يتَمَيَّز ضمير الْجَرّ من غَيره وَلم يعول فِي الظَّاهِر على الْفرق بالإعراب لعدم اطراده إِذْ قد يكون مَبْنِيا وموقوفا عَلَيْهِ
[ ٢ / ٤٥٦ ]
لَعَلَّ
لَعَلَّ والجر بهَا لُغَة عقيلية حَكَاهَا أَبُو زيد والأخفش وَالْفراء قَالَ شَاعِرهمْ ١١٢٠ -
(لعلَّ أبي المِغْوار مِنْك قَريبُ )
وَقد أنكرها قوم مِنْهُم الْفَارِسِي وَتَأَول الْبَيْت على أَن الأَصْل لَعَلَّه لأبي المغوار جَوَاب قريب فَحذف مَوْصُوف (قريب) وَضمير الشَّأْن وَلَام لَعَلَّ الثَّانِيَة تَخْفِيفًا وأدغم الأولي فِي لَام الْجَرّ وَمن ثمَّ كَانَت مَكْسُورَة وَمن فتح فَهُوَ على لُغَة المَال لزيد وَهَذَا تكلّف كثير مَرْدُود بِنَقْل الْأَئِمَّة وفيهَا حِينَئِذٍ أَي إِذا جرت فتح الآخر وكسره كَمَا ذكر مَعَ حذف الأول ودونه أَي عل وَلَعَلَّ وَحكم محلهَا ومجرورها كرب فَالْأَصَحّ أَنَّهَا تتَعَلَّق بالعامل وَقيل لَا تَنْزِيلا لَهَا منزلَة الزَّائِد وَأَن مَحل مجرورها على حسب مَا بعْدهَا فَفِي الْبَيْت الْمَذْكُور مَحَله رفع بِالِابْتِدَاءِ وَقَرِيب خَبره لعا بِمَعْنى لَعَلَّ نقل الْفراء وَابْن الْأَنْبَارِي الْجَرّ بهَا قَالَ الْفراء وَفِي خَبَرهَا الرّفْع وَالنّصب
[ ٢ / ٤٥٧ ]
لَوْلَا
لَوْلَا الامتناعية إِذا تَلَاهَا ضمير جر نَحْو لولاي ولولاك ولولاه قَالَ ١١٢١ -
(وكَمْ مَوْطِن لَوْلايَ طِحْتَ كَمَا هَوى )
وَقَالَ ١١٢٢ -
(لَوْلاك فِي ذَا الْعَام لم أَجْجُج )
وَقَالَ ١١٢٣ -
(لَوْلاكُمُ ساغَ لَحْمي عِنْدها وَدمِي )
وَقَالَ ١١٢٤ - ولَوْلاَهُ مَا قَلّتْ لديَّ الدّراهِمُ )
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وَقَالَ ١١٢٥ -
(فلولاهُمُ لَكُنْتُ كحُوتِ بَحْر )
فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور مَوْضِعه جر بهَا واختصت بِهِ كَمَا اخْتصّت (حتي) و(الْكَاف) بِالظَّاهِرِ قَالُوا وَلَا جَائِز أَن يكون مَرْفُوعا لِأَنَّهَا لَيست ضمائر رفع وَلَا مَنْصُوبًا وَإِلَّا لجَاز وَصلهَا بنُون الْوِقَايَة مَعَ يَاء الْمُتَكَلّم كالياء الْمُتَّصِلَة بالحروف وَلِأَنَّهُ كَانَ حَقّهَا أَن تجر الِاسْم مُطلقًا لَكِن منع من ذَلِك شبهها بِمَا اخْتصَّ بِالْفِعْلِ من أدوات الشَّرْط فِي ربط جملَة بجملة فأرادوا التَّنْبِيه على مُوجب الْعم فجروا بهَا الْمُضمر وَقَالَ الْأَخْفَش والكوفية مَوْضِعه رفع على الِابْتِدَاء إنابة لضمير الْجَرّ عَن ضمير الرّفْع كَمَا عكسوا فِي أَنا كَأَنْت وَأَنت كأنا وَلَوْلَا غير جَاره لِأَن الْمُضمر فرع الظَّاهِر وَهِي لَا تجر الأَصْل فَكيف تجر الْفَرْع وَمَا قيل من أَنَّهَا مُخْتَصَّة بِالِاسْمِ مَمْنُوع وَإِنَّمَا هِيَ دَاخِلَة على الْجُمْلَة الابتدائية وَقَالَ الْمبرد هُوَ لحن ورد بِاتِّفَاق أَئِمَّة الْبَصرِيين والكوفيين على رِوَايَته عَن الْعَرَب وَلَا يعْطف عَلَيْهِ بِالْجَرِّ بل يتَعَيَّن الرّفْع نَحْو لولاك وَزيد لِأَنَّهَا لَا تجر الظَّاهِر وَخرج بالامتناعية التحضيضية فَلَا يَليهَا غير الْفِعْل الْبَتَّةَ
مَتى
مَتى والجر بهَا لُغَة لهذيل بِمَعْنى من كَقَوْلِه
[ ٢ / ٤٥٩ ]
١١٢٦ -
(شَربْنَ بِمَاء البَحْر ثمَّ تَرَفّعَت مَتى لُجَج خَضْر لَهُنَّ نَئِيجُ)
وَتَأْتِي بِمَعْنى وسط حُكيَ وَضعته مَتى كمي أَي وَسطه وَإِذا كَانَت بِمَعْنى (وسط) فَهِيَ اسْم أَو (من) فحرف جزم بِهِ ابْن هِشَام وَغَيره
من
من مَبْنِيَّة على السّكُون مَكْسُورَة الأول قَالَ ابْن درسْتوَيْه وَكَانَ حَقه الْفَتْح لَكِن قصد الْفرق بَينهَا وَبَين من الاسمية قَالَ الْكسَائي وَالْفراء أَصْلهَا منا فحذفت الْألف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال واستدلا بقوله ١١٢٧
(بذلنا مازنَ الخَطّى فِيهمْ وكُلَّ مُهنّدٍ ذكَر حُسام)
(مِنَا إِن ذرَّ قرْنُ الشّمس حَتَّى أغاب شريدَهُمْ قترُ الظّلام)
قَالَ فَرد (من) إِلَى أَصْلهَا لما احْتَاجَ إِلَى ذَلِك فعلي هَذَا هِيَ ثلاثية وَالْجُمْهُور أَنَّهَا ثنائية وَأولُوا الْبَيْت على أَن (منا) مصدر مني يمني إِذا قدر اسْتعْمل ظرفا كخفوق النَّجْم أَي تَقْدِير إِن ذَر قرن الشَّمْس وموازنته إِلَى أَن غربت وَقَالَ ابْن مَالك هُوَ لُغَة لبَعض الْعَرَب وَقَالَ أَبُو حَيَّان ضَرُورَة لابتداء الْغَايَة مُطلقًا أَي مَكَانا وزمانا وَغَيرهمَا نَحْو ﴿من الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ [الْإِسْرَاء: ١] ﴿أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم﴾ [التَّوْبَة: ١٠٨]
[ ٢ / ٤٦٠ ]
(مُطِرْنَا من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة) ﴿خَلَقْنَاكُمْ من تُرَاب ثمَّ من نُطْفَة﴾ [الْحَج: ٥] الْآيَة: (من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى هِرقل) وخصها البصرية إِلَّا الْأَخْفَش والمبرد وَابْن درسْتوَيْه بِالْمَكَانِ وأنكروا وُرُودهَا للزمان قَالَ ابْن مَالك وَغير مَذْهَبهم هُوَ الصَّحِيح لصِحَّة السماع بذلك وَكَذَا قَالَ أَبُو حَيَّان لِكَثْرَة ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب نظما ونثرا وَتَأْويل مَا كثر وجوده لَيْسَ بجيد وَقَالَ الرضي الْمَقْصُود من معنى الِابْتِدَاء فِي (من) أَن يكون الْفِعْل المعدي بهَا شَيْئا ممتدا كالسير وَالْمَشْي وَيكون الْمَجْرُور بِمن الشَّيْء الَّذِي مِنْهُ ابْتَدَأَ ذَلِك الْفِعْل نَحْو سرت من الْبَصْرَة أَو يكون الْفِعْل أصلا للشَّيْء الممتد نَحْو تبرأت من فلَان وَخرجت من الدَّار لِأَن الْخُرُوج لَيْسَ ممتدا لحصوله ب الِانْفِصَال وَلَو بِأَقَلّ خطْوَة وَلَيْسَ (التأسيس) فِي الْآيَة حَدثا ممتدا وَلَا أصلا لَهُ بل هُوَ حدث وَاقع فِيمَا بعد (من) فَهِيَ بِمَعْنى (فِي) ثمَّ قَالَ وَالظَّاهِر مَذْهَب الْكُوفِيّين إِذْ لَا منع من قَوْلك نمت من أول اللَّيْل إِلَى آخِره وَهُوَ كثير الِاسْتِعْمَال قَالَ وضابطها أَن يحسن فِي مقابلتها (إِلَى) أَو مَا يُفِيد فائدتها نَحْو أعوذ بِاللَّه مِنْك إِذْ الْمَعْنى ألتجئ إِلَيْهِ فالباء أفادت معنى الِانْتِهَاء والتبعيض وَهِي الَّتِي تسد (بعض) مسدها نَحْو ﴿مِنْهُم من كلم الله﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﴿حَتَّى تُنفِقُوا بَعَض مِا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمرَان: ٩٢] والتبيين للْجِنْس وَكَثِيرًا بعد (مَا) و(مهما) وهما بهَا أولي
[ ٢ / ٤٦١ ]
لإفراط إبهامها نَحْو ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك﴾ [فاطر: ٢] ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٦] ﴿مهما تأتنا بِهِ من آيَة﴾ [الْأَعْرَاف: ١٣٢] وَمن وُقُوعهَا بعد غَيرهمَا ﴿وَيلبسُونَ ثيابًا خضرًا من سندس﴾ [الْكَهْف: ٣١] ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ [الْحَج: ٣٠] وأنكرهما طَائِفَة فَمن أنكر التَّبْعِيض الْمبرد والأخفش الصَّغِير وَابْن السراج والجرجاني والزمخشري وَقَالُوا هِيَ للابتداء وَأنكر الثَّانِي أَكثر المغاربة وَقَالُوا فِي الْآيَة هِيَ للتَّبْعِيض وَفِي الثَّانِيَة للابتداء والمعني فَاجْتَنبُوا من الرجس والأوثان وَهُوَ عبادتها وَكَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ قَالَ الرضي وَهُوَ بعيد لِأَن الْأَوْثَان نفس الرجس فَلَا تكون مبدأ لَهُ قَالَ ابْن مَالك وللتعليل نَحْو ﴿مِّمَّا خَطِايَاهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] وَالْبدل وَهِي الَّتِي يصلح محلهَا لفظ بدل نَحْو ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ [التَّوْبَة: ٣٨] ﴿لجعلنا مِنْكُم مَلَائِكَة فِي الأَرْض يخلفون﴾ [الزخرف: ٦٠]
(وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد) أَي بدلك والفصل وَهِي الدَّاخِلَة على ثَانِي المتضايقين نَحْو ﴿حَتَّى يُمَيّز الْخَبيث من الطّيب﴾ [آل عمرَان: ١٧٩] ورد بِأَن الْفَصْل مُسْتَفَاد من الْعَامِل وَهُوَ الْعلم وماز وَأَن الظَّاهِر كَونهَا للابتداء أَو الْمُجَاوزَة وَبِمَعْنى عَن نَحْو ﴿قد كُنَّا فِي غَفلَة من هَذَا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٩٧] ﴿فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٢] وَبِمَعْنى عَليّ نَحْو ﴿ونصرناه من الْقَوْم﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٧٧] وَبِمَعْنى الْبَاء نَحْو ﴿ينظرُونَ من طرف خَفِي﴾ [الشورى: ٤٥]
[ ٢ / ٤٦٢ ]
(و) قَالَ (الكوفية و) بِمَعْنى (فِي) نَحْو ﴿إِذا نُودي للصَّلَاة من يَوْم الْجُمُعَة﴾ [الْجُمُعَة: ٩] (و) بِمَعْنى (إِلَى) نَحْو رَأَيْته من ذَلِك الْموضع فَجَعَلته غَايَة لرؤيتك أَي محلا للابتداء والانتهاء وَقربت مِنْهُ أَي إِلَيْهِ (قيل و) بِمَعْنى (عِنْد) قَالَ أَبُو عُبَيْدَة نَحْو ﴿لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا﴾ [آل عمرَان: ١٠] قيل (و) بمعني (رُبمَا) إِذا اتَّصَلت مَعَ (مَا) قَالَه السيرافي وَابْن خروف وَابْن طَاهِر والأعلم كَقَوْلِه: ١١٢٨ -
(وإنّا لِمِمّا نَضْرب الكَبْشَ ضَرْبةً على رَأسه تُلْقى اللِّسَان من الفَم)
وَالْأَكْثَرُونَ قَالُوا إِنَّهَا فِي الْأَمْثِلَة كلهَا ابتدائية (تَنْبِيه) علم مِمَّا حُكيَ عَن الْبَصرِيين فِي هَذِه الأحرف من الِاقْتِصَار على بِمَعْنى وَاحِد لكل حرف أَن مَذْهَبهم أَن أحرف الْجَرّ لَا يَنُوب بَعْضهَا عَن بعض بِقِيَاس كَمَا أَن أحرف الْجَزْم كَذَلِك وَمَا أوهم ذَلِك فإمَّا مؤول تَأْوِيلا يقبله اللَّفْظ أَو على تضمين الْفِعْل معنى فعل يتعدي بذلك الْحَرْف أَو على النِّيَابَة شذوذا والأخير محمل الْبَاب كُله عِنْد غَيرهم بِلَا شذوذ وَهُوَ أقل تعسفا (وتزاد) للتنصيص على الْعُمُوم من نكرَة لَا تخْتَص بِالنَّفْيِ نَحْو مَا جَاءَنِي من رجل وللتوكيد قَالَ الْأَخْفَش من البصرية وَالْكسَائِيّ وَهِشَام من الكوفية مُطلقًا أَي فِي النَّفْي والإيجاب والنكرة والمعرفة وَاخْتَارَهُ فِي التسهيل وَشَرحه قَالَ لصِحَّة السماع بذلك كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يغْفر لكم من ذنوبكم﴾ [الْأَحْقَاف: ٣١] ﴿وَلَقَد جَاءَك من نبإ الْمُرْسلين﴾ [الْأَنْعَام: ٣٤] وَحَدِيث:
(إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون﴾ وَقَول الشَّاعِر:
[ ٢ / ٤٦٣ ]
١١٢٩ -
(وكنْتُ أرِي كَالْمَوْت مِنْ بَين ساعةٍ فيكف ببَيْن كَانَ موعِدَهُ الحشْرُ)
أَي وَكنت أرِي بَين سَاعَة كالموت وَقَوله: ١١٣٠ -
(ويكثرُ فيهِ مِنْ حَنين الأباعِر )
(و) قَالَ بَعضهم أَي الكوفية فِي نكرَة منفية كَانَت أم مُوجبَة سمع (قد كَانَ من مطر) (و) قَالَ قوم مِنْهُم الْفَارِسِي فِي نكرَة شَرط كَقَوْلِه: ١١٣١ -
(ومَهْما تَكُنْ عِنْد امْرئ من خَلِيقة وإنْ خَالها تَخْفى على النّاس تُعْلم)
(و) قَالَ الْجُمْهُور فِي نكرَة ذَات نفي بِأَيّ حرف كَانَ من حُرُوفه أَو نهي نَحْو: ﴿مَا لكم من إِلَه غَيره﴾ [الْأَعْرَاف: ٥٩، ٦٥، ٧٣] ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا﴾ [الْأَنْعَام: ٥٩] لَا تضرب من أحد أَو اسْتِفْهَام بهل نَحْو ﴿هَل ترى من فطور﴾ [الْملك: ٣] وَلَا غَيرهَا من سَائِر الأدوات كَيفَ وَنَحْوهَا إِذْ لم تحفظ قَالَه أَبُو حَيَّان قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف (وَفِي) إِلْحَاق الْهمزَة بهل وَلَا نظر أحفظه من كَلَام الْعَرَب وَظَاهر كَلَام شَيْخه الرضي الشاطبي الْإِلْحَاق لِأَنَّهُ قَالَ لَا تدخل من مَعَ كل أَدَاة اسْتِفْهَام كأين وَمَتى مَعَ هَل وَمَا يقوم مقَامهَا من استدعاء الْجَواب بِالنَّفْيِ ثمَّ الْجُمْهُور أولو مَا اسْتدلَّ بِهِ الْأَولونَ بِأَن
[ ٢ / ٤٦٤ ]
التَّقْدِير بعض ذنوبكم وَلَقَد جَاءَك من نبأ نبأ فَحذف الْمَوْصُوف أَو هون أَي جَاءَ من الْخَبَر كَائِنا من نبأ أَو الْقُرْآن وَمَا بعده حَال وَقد كَانَ هُوَ أَي كَائِن من جنس الْمَطَر أَو قصد بِهِ الْحِكَايَة كَأَنَّهُ سُئِلَ هَل كَانَ من مطر فَأُجِيب على نمطه وَأَنه من أَشد النَّاس أَي الشَّأْن وَقس عَلَيْهِ (تَنْبِيه) شَرط ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن تكون المزيدة فِيهِ أَيْضا فَاعِلا أَو مَفْعُولا بِهِ أَو مُبْتَدأ كَمَا مثلت قَالَ وأهمل أَكْثَرهم هَذَا الشَّرْط فيلزمهم زيادتها فِي الْخَبَر والتمييز وَالْحَال المنفيات وهم لَا يجيزون ذَلِك انْتهى وَقد سبقه إِلَى مَعْنَاهُ الرضي الشاطبي نقلا عَن ابْن أبي الرّبيع وَغَيره وتفيد إِذا زيدت فِي الْحَالة الْمَذْكُورَة توكيدا وَقَالَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش الصَّغِير ابْتِدَاء للغاية قَالَ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ النَّفْي من هَذَا النَّوْع ثمَّ عرض أَن يقْتَصر بِهِ عَلَيْهِ وتنفرد من (بجر بله) كَحَدِيث البُخَارِيّ:
(عَن أبي هُرَيْرَة يَقُول الله أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر ذخْرا من بله مَا اطلعتم عَليّ) وَالْمَعْرُوف نَصبه أَو فَتحه كَمَا تقدم على أَن فِي بعض طرق الحَدِيث (من بله) بِفَتْح الْهَاء مَبْنِيَّة (وجر عِنْد) نَحْو (﴿رَحْمَة من عندنَا﴾ [الْكَهْف: ٦٥] قَالَ الحريري وَغَيره وَقَول الْعَامَّة ذهبت إِلَى عِنْده وَقَول بعض المريدين: ١١٣٢ -
(كل عندٍ لَك عِنْدِي لَا يُسَاوِي نِصْفَ عِنْدِي)
لحن
[ ٢ / ٤٦٥ ]
(و) يجر (مَعَ) قرئَ ﴿هَذَا ذكر من معي﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٤] وَحكي سيبيوه ذهبت من مَعَه (و) يجر لدن نَحْو ﴿وَحَنَانًا من لدنا﴾ [مَرْيَم: ١٣] (و) يجر قبل وَبعد نَحْو ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ [الرّوم: ٤] (و) يجر (عَن وعَلى) كَقَوْلِه: ١١٣٣ -
(مِنْ عَن يَمِيني مرّةً وأمامي )
وَقَوله: ١١٣٤ -
(مِنْ عَلَيْهِ بَعدما تَمَّ ظِمْؤُها )
وهما اسمان حِينَئِذٍ بمعني جَانب وَفَوق مبنيان على الْأَصَح وَبِه جزم ابْن الْحَاجِب قَالَ لحُصُول مُقْتَضى الْبناء وَهُوَ مشابهة الْحَرْف فِي لَفظه وأصل مَعْنَاهُ وَنقل أَبُو حَيَّان عَن بعض أشياخه أَنَّهُمَا معربان وَلَا يُنَافِي فِي رجحته هُنَا مَا سبق تَرْجِيحه من إعرابها على القَوْل باسميتها لعدم الْعلَّة هُنَاكَ إِذْ لَا حرف حِينَئِذٍ بمعناها تشبه بِهِ وَلذَا حُكيَ بَعضهم الِاتِّفَاق على إعرابها حِينَئِذٍ مَعَ حِكَايَة الْخلاف هُنَا وَقَالَ الكوفية حرفان بقيا على حرفيتهما قَالُوا أَيْضا وَتدْخل من (على كل) حرف (جَار إِلَّا من وَاللَّام وَالْبَاء وَفِي وَسمع جر عَن بلعى) فِي بَيت وَاحِد وَهُوَ قَوْله:
[ ٢ / ٤٦٦ ]
١١٣٥ -
(على عَن يَمِيني مرَّت الطّيرُ سُنّحًا )
وَالأَصَح أَنَّهَا أَي من (فِي قبل وَبعد) ابتدائية وَهُوَ قَول الْجُمْهُور وَاسْتشْكل بِأَنَّهَا لَا ترد عِنْدهم للزمان وَأجِيب بِأَنَّهُمَا غير متأصلين فِي الظَّرْفِيَّة وَإِنَّمَا هما فِي الأَصْل صفتان للزمان إِذْ أصل جِئْت قبلك جِئْت زَمَانا قبل زمن مجيئك فَجعل ذَلِك فيهمَا وَقَالَ ابْن مَالك وَجَمَاعَة هِيَ فيهمَا زَائِدَة بِنَاء على مَا اخْتَارَهُ من زيادتها فِي الْإِيجَاب (و) الْأَصَح أَنَّهَا (فِي فعل) التَّفْضِيل ابتدائية وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ فَفِي نَحْو زيد أفضل من عَمْرو لابتداء الِارْتفَاع وَشر مِنْهُ لابتداء الانحطاط إِذْ لَا يَقع بعْدهَا (إِلَى) وَقَالَ ابْن مَالك وَابْن ولاد للمجاوزة وَكَأَنَّهُ قيل جَاوز زيد عمرا فِي الْفضل أَو الشَّرّ أَي ابْتِدَاء التَّفْضِيل مِنْهُ قَالَ ابْن هِشَام وَلَو صَحَّ ذَلِك لوقع موضعهَا (عَن) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْكَشَّاف وَالطِّيبِي فِي حَاشِيَته وَترد من اسْما مَفْعُولا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢] أعرب من مَفْعُولا لأخرج وَرِزْقًا مَفْعُولا لأَجله قَالَ وَكَذَا حَيْثُ كَانَت للتَّبْعِيض فَهِيَ فِي مَوضِع الْمَفْعُول بِهِ قَالَ الطَّيِّبِيّ وَإِذا قدرت (من) مَفْعُولا كَانَت اسْما ك (عَن) فِي قَوْله من عَن يَمِينه
[ ٢ / ٤٦٧ ]
(تَنْبِيه) ترد (إِلَى) أَيْضا اسْما بِمَعْنى النِّعْمَة وَجمعه الآلاء و(فِي) اسْما بِمَعْنى (الْفَم) مجرورا و(كي) اسْما مُخْتَصرا من (كَيفَ) كَمَا قيل فِي سَوف سو وَمَتى اسْما بِمَعْنى وسط كَمَا تقدم وَمَرَّتْ أحرف فِي مَبْحَث الِاسْتِثْنَاء وَهِي بيد وحاشا وخلا وَعدا وبله (و) فِي الظروف وَهِي مذ ومنذ وَمَعَ على خلف وتفصيل فأغني عَن إِعَادَتهَا هُنَا
مَسْأَلَة
مسالة لَا يحذف الْجَار وَيبقى عمله اخْتِيَارا وَإِن وَقع فضرورة كَقَوْلِه: ١١٣٦ - ) إِذا قيل أيُّ النّاس شَرّ قَبيلَة أشَارَتْ كُلَيْبٍ بالأكُفِّ الأصابعْ)
وَقَوله: ١١٣٧ -
(وكريمةٍ مِنْ آل قَيس أَلَفْتُه حَتَّى تَبذَّخ فارْتقى الْأَعْلَام)
أَي إِلَى كُلَيْب وَفِي الْأَعْلَام أَو نَادِر لَا يُقَاس عَليّ كَحَدِيث البُخَارِيّ:
(صَلَاة الرجل فِي جمَاعَة تضعف على صلَاته فِي بَيته وسوقه خمس وَعشْرين ضعفا) أَي بِخمْس (إِلَّا مَعَ كم) كَمَا تقدم فِي مَبْحَث التَّمْيِيز (أَو رب بعد) الْفَاء و(الْوَاو العاطفة كثيرا) جدا حَتَّى قَالَ أَبُو حَيَّان لَا يحْتَاج إِلَى مِثَال فَإِن دواوين الْعَرَب ملأى مِنْهُ والتأويل قَلِيل: كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٦٨ ]
١١٣٨ -
(فمثِلكِ حُبْلَى قد طرقْتُ ومرضع )
١١٣٩ -
(بَلْ بَلَدٍ مِلْءُ الفِجاج قَتَمُهْ)
(وَقيل الْجَرّ بِالثَّلَاثَةِ) أَي الْوَاو وَالْفَاء وبل أما الأول فقاله الْمبرد والكوفية قَالُوا وَلَا تنكر أَن يكون للحرف الْوَاحِد معَان وَيدل لذَلِك مجيئها فِي أول القصائد كَقَوْل رؤبة: ١١٤٠ -
(وقاتِم الأعْمَاق خَاوي المُخْتَرَقَنْ )
فَلَيْسَتْ عاطفة ورد بِأَنَّهَا لَو كَانَت بِمَنْزِلَة (رب) وَلَيْسَت عاطفة لدخل عَلَيْهَا وَاو الْعَطف كَمَا يدْخل على رب وَلَا يُقَال كَرهُوا اتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ لأَنهم
[ ٢ / ٤٦٩ ]
أدخلوها على وَاو الْقسم وَأما الِابْتِدَاء بهَا فِي القصائد لِإِمْكَان عطفه على مَا فِي خاطره مِمَّا يُنَاسب مَا عطف عَلَيْهِ بِدَلِيل قَول زُهَيْر أول قصيدة: ١١٤١ -
(دع ذَا وعدّ الْقَوْل فِي هَرم )
فَأَشَارَ ب (ذَا) إِلَى مَا فِي نَفسه وَأما حِكَايَة الْخلاف فِي التَّأْوِيل فقد وَقع فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام نقلا عَن الْمبرد فِي (الْفَاء) وَعَن بَعضهم فِي (بل) وَفِي الارتشاف نقلا عَن بَعضهم فيهمَا لَكِن ابْن مَالك وَابْن عُصْفُور وَغَيرهمَا قَالُوا لَا خلاف فِي أَن الْجَرّ فيهمَا بِرَبّ محذوفة لَا بهما وَأقرهُ أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل وَادّعى الرضي أَن الْجَرّ بِرَبّ محذوفة بعد الثَّلَاثَة خَاص بالشعر (قيل) وتجر رب محذوفة بعد (ثمَّ) أَيْضا نَقله أَبُو حَيَّان عَن صَاحب الْكَافِي قَالَ وَسبب ذَلِك أَن هَذِه الأحرف من حُرُوف الْعَطف جَامِعَة فِي الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَمَا عَداهَا إِنَّمَا يجمع فِي اللَّفْظ (و) الْجَرّ بهَا محذوفة (دونهَا) أَي دون الْحُرُوف الْمَذْكُورَة (أقل) كَقَوْلِه: ١١٤٢ -
(رسم دَار وقَفْتُ فِي طَلَلِهْ كِدْتُ أقضِي الحياةَ من جَلَلِهْ)
قَالَ ابْن مَالك أَو غَيرهَا أَي غير رب قد تجر محذوفا فِي جَوَاب مَا يضمر مثله كزيد فِي جَوَاب من قَالَ بِمن مَرَرْت وبل زيد لمن قَالَ مَا مَرَرْت بِأحد وَمِنْه حَدِيث
(أقربهم مِنْك بَابا) لمن قَالَ (فَإلَى أَيهمَا أهدي) أَو فِي مَعْطُوف عَلَيْهِ أَي على مَا تضمنه بِحرف مُتَّصِل نَحْو فِي الدَّار زيد وَالْقصر عَمْرو أَي وَفِي الْقصر وَمِنْه ﴿وَفِي خَلقكُم وَمَا يبث من دَابَّة آيَات لقوم يوقنون وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ [الجاثية: ٤، ٥] الْآيَة أَو مُنْفَصِلا بِلَا كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٧٠ ]
١١٤٣ -
(مَا لِمُحبِّ جَلَدٌ أنْ يَهْجُرَا وَلَا حَبيبٍ رَأفَةٌ فَيَجْبُرا)
(أَو لَو) كَقَوْلِه: ١١٤٤ -
(مَتى عُذْتُمُ بِنَا وَلَو فئةٍ مِنّا )
وَإِن كَانَ الْمُعْتَاد فِي مثل هَذَا النصب كَقَوْلِهِم آتني بِدَابَّة وَلَو حمارا (أَو) فِي مقرون بعده أَي بعد مَا تضمنته بِالْهَمْزَةِ نَحْو أَزِيد بن عَمْرو فِي جَوَاب مَرَرْت بزيد (أَو هلا) نَحْو هلا دِينَار فِي جَوَاب جِئْت بدرهم حَكَاهُمَا الْأَخْفَش أَو إِذا وَالْفَاء الجزائيتين نَحْو مَرَرْت بِرَجُل صَالح إِلَّا صَالح فطالح حَكَاهُ يُونُس أَي إِلَّا أَمر بِصَالح فقد مَرَرْت بطالح وَفِي الصَّحِيح (من كَانَ عِنْده طَعَام اثْنَيْنِ فليذهب بثالث وَإِن أَرْبَعَة فخامس أَو سادس) قَالَ فِي التسهيل وَيُقَاس على جَمِيعهَا خلافًا للفراء فِي الصُّورَة الأولى لقَوْل الْعَرَب خير بِالْجَرِّ لمن قَالَ كَيفَ أَصبَحت بِحَذْف الْبَاء وَبَقَاء عَملهَا لِأَن معنى كَيفَ بِأَيّ حَال فَجعلُوا معنى الْحَرْف دَلِيلا فَلَو لفظ بِهِ لكَانَتْ الدّلَالَة أقوى وَجَوَاز الْجَرّ أولي قَالَ أَبُو حَيَّان وَيَنْبَغِي أَن يثبت فِي جَوَاز هَذِه الصُّور لِأَن أَصْحَابنَا نصوا على أَنه لَا يجوز حذف الْجَار وإبقاء عمله إِلَّا إِذا عوض مِنْهُ وَذَلِكَ فِي بَاب كم وَالْقسم وَجعلُوا قَول الْعَرَب (خير) من الشاذ الَّذِي لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَقد صرح صَاحب الْبَسِيط بِوُجُوب إِعَادَة الْجَار بعد الْهمزَة فَيُقَال أبزيد فِي جَوَاب مَرَرْت بزيد انْتهى
[ ٢ / ٤٧١ ]
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ أَو الْبَاء (تَنْبِيه) قَالَت الْعَرَب (لاه أَبوك) يُرِيدُونَ لله أَبوك قَالَ سِيبَوَيْهٍ حذف لَام الْجَرّ وأل وَهُوَ شَاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ ثمَّ قَالُوا لهي أَبوك قلبوا وأبدلوا من الْألف يَاء وَهُوَ مَبْنِيّ لتَضَمّنه معنى لَام الْجَرّ المحذوفة كَمَا بني أمس لتَضَمّنه معنى لَام التَّعْرِيف على الْفَتْح لخفته على الْيَاء وَقَالَ ابْن ولاد بل أَصله إِلَه أَبوك حذفت الْهمزَة ثمَّ قَالُوا لهي بِالْقَلْبِ تَشْبِيها للألف الزَّائِدَة بالأصلية وَقَالَ الْمبرد المحذوفة لَام التَّعْرِيف وَلَام الأَصْل والباقية لَام الْجَرّ قَالَ لِأَن حرف الْجَرّ لمعني وَعلة وحذفه وإبقاء عمله شَاذ فَالْحكم بِحَذْف غَيره أولى أما لَام التَّعْرِيف فَوَاضِح إِذْ لَا معنى لَهَا هُنَا لصيرورة الْكَلِمَة علما فَلم يفْتَقر إِلَيْهَا وَأما لَام الأَصْل فقد عهد حذف بعض الْأُصُول تَخْفِيفًا ك (يَد) و(دم)
فصل الْجَار من الْمَجْرُور وتأخيره عَنهُ
(وفصله) أَي الْجَار (من مجروره وتأخيره عَنهُ) كِلَاهُمَا ضَرُورَة أما الأول فَيكون بظرف كَقَوْلِه: ١١٤٥ -
(إنَّ عَمْرًا لَا خَيْر فِي الْيَوْمَ عَمْرٍ و)
وبجار ومجرور كَقَوْلِه: ١١٤٦ -
(رُبَّ فِي النَّاس مُوسِر كعديم وعديم يخال ذَا أَيْسَار)
ومفعول كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٧٢ ]
١١٤٧ -
(وأقطع بالخرْقَ الهَبُوع المُراجم )
أَي وأقطع الْخرق بالهبوع وَسمع فِي النثر بقسم حُكيَ الْكسَائي اشْتَرَيْته بوالله دِرْهَم وقاسه تِلْمِيذه عَليّ بن الْمُبَارك الْأَحْمَر فِي رب نَحْو رب وَالله رجل عَالم لَقيته قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يبعد ذَلِك إِلَّا أَن الِاحْتِيَاط أَلا يقدم عَلَيْهِ إِلَّا بِسَمَاع وَأما الثَّانِي وَقيل يجوز فصل رب بقسم قَالَه عَليّ بن الْمُبَارك الْأَحْمَر نَحْو رب وَالله رجل صَالح صحبته وَالأَصَح الْمَنْع
اتِّصَال مَا بِحرف الْجَرّ
مَسْأَلَة فِي اتِّصَال (مَا) بِحرف الْجَرّ تزاد (مَا) بعد (عَن) فَلَا تكف أصلا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠] وَقَول الشَّاعِر: ١١٤٨ -
(وأَعْلَمُ أنني عمّا قريبٍ )
(و) بعد الْيَاء وَمن فيكفان بقلة ويليهما حِينَئِذٍ الْفِعْل كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٧٣ ]
١١٤٩ -
(فَلَئِنْ صِرْتَ لَا تَحِيرُ جَوابًا لَبَما قد تَرَى وَأَنت خَطِيبُ)
وَقَوله: ١١٥٠ -
(وإِنَّا لَمِمّا نَضْرب الكبْشَ ضَرْبةً )
وَالْأَكْثَر عدم الْكَفّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فبمَا رَحْمَة من الله﴾ [آل عمرَان: ١٥٩] ﴿فبمَا نقضهم ميثاقهم﴾ [النِّسَاء: ١٥٥] ﴿مِمَّا خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥] وَمَسْأَلَة كف من بقلة ذكرهَا ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَلم يذكر ذَلِك ابْن مَالك فِي التسهيل وَلَا أَبُو حَيَّان بل سويا بَينهمَا وَبَين (عَن) نعم فِي (سبك المنظوم) لِابْنِ مَالك وتقترن مَا بِالْبَاء وَالْكَاف فتكفهن وتفيدان مَعَ مَا تقليلا كربما ذكره ابْن مَالك فِي التسهيل فِي الْبَاء وَقَالَ فَمَعْنَى لبما قد تري وَأَنت خطيب رُبمَا اري والسيرافي وَغَيره فِي من وَجزم بِهِ فِي سبك المنظوم وَأنْكرهُ أَبُو حَيَّان أَي إفادتهما التقليل حِينَئِذٍ وَقَالَ مَا ورد من ذَلِك مؤول (و) تزاد (مَا) بعد رب فالغالب الْكَفّ وإيلاؤها حِينَئِذٍ الْمَاضِي لِأَن التكثير والتقليل إِنَّمَا يكون فِيمَا عرف حَده والمستقبل مَجْهُول قَالَ: ١١٥١ -
(رُبّما أوْفَيتُ فِي عَلَم تَرْفَعَنْ ثَوْبي شَمَالاتُ)
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وَقد يَليهَا الْمُضَارع نَحْو ﴿رُبمَا يود﴾ [الْحجر: ٢] وَقد يَليهَا الْجُمْلَة الاسمية نَحْو: ١١٥٢ -
(رُبّما الجامل المؤبّل فيهم )
وَقد لَا يكف نَحْو: ١١٥٣ -
(رُبّما ضَرْبةٍ بسَيفٍ صقيل )
وَقيل يتَعَيَّن بعْدهَا الفعلية إِذا كفت قَالَ الْفَارِسِي وَأول الْبَيْت على أَن (مَا) نكرَة مَوْصُوفَة بجملة حذف مبتدؤها أَي رب شَيْء هُوَ الجامل وَقد لَا يحذف الْفِعْل بعْدهَا كَقَوْلِه: ١١٥٤ -
(فَذَلِك إنْ يَلْق المنيّية يَلْقَها حميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فربّما)
(و) قد تلْحق التَّاء بهَا وَلَا تكف كَقَوْلِه: ١١٥٥ -
(مأويّ يَا رُبّتَما غارةٍ )
(و) تزداد (مَا) بعد (الْكَاف فتكف) غَالِبا ويليها حِينَئِذٍ الْجمل الاسمية والفعلية كَمَا صرح بِهِ فِي الارتشاف نقلا عَن النِّهَايَة كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٧٥ ]
١١٥٦ -
(أَخ ماجدٌ لم يُخْزني يَوْمَ مَشْهدٍ كَمَا سيفُ عَمْرو لم تَخُنْهُ مضاربُهْ)
وَقَوله: ١١٥٧ -
(ألم تَرَ أَن البَغْلَ يتبعُ إلْفَه كَمَا عامِرٌ واللؤمُ مؤتِلفَان)
وَقد لَا يكف كَقَوْلِه: ١١٥٨ -
(وننصر مَوْلَانَا ونَعْلَمُ أنّهُ كَمَا النَّاس مَجْرومٌ عَلَيْهِ وجارم)
وَقَوله: ١١٥٩ -
(لَا تَشْتُم النّاسَ كَمَا لَا تُشْتَمُ )
وَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا يكف أصلا وَأول الأبيات الْوَارِدَة فِي ذَلِك على أَن (مَا) مَصْدَرِيَّة منسبكة من الْجُمْلَة بعْدهَا بمصدر بِنَاء على جَوَاز وَصلهَا بالاسمية وَمحله حِينَئِذٍ جر
[ ٢ / ٤٧٦ ]
حُرُوف الْقسم
حُرُوف الْقسم الجارة أَي هَذَا مبحثها وأفردت بترجمة لاخْتِصَاص الْقسم بِأَحْكَام وفروع
بَاء الْقسم
أَحدهَا الْبَاء وَهِي الأَصْل أَي أصل أحرفه وَإِن كَانَت الْوَاو أَكثر اسْتِعْمَالا مِنْهَا لِأَنَّهَا للإلصاق فَهِيَ تلصق فعل الْقسم بالمقسم بِهِ وَمن ثمَّ أَي من هُنَا وَهُوَ كَون الْبَاء الأَصْل اخْتصَّ بهَا الطّلب والاستعطاف فَلَا يقسم فيهمَا بغَيْرهَا نَحْو بِاللَّه أَخْبرنِي وَبِاللَّهِ هَل قَامَ زيد أَي أَسأَلك بِاللَّه مستحلفا وَجَاز إِظْهَار الْفِعْل أَي فعل الْقسم مَعهَا نَحْو ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ [النُّور: ٥٣] كَمَا يجوز إضماره نَحْو: ﴿فبعزتك لأغوينهم﴾ [ص: ٨٢] بِخِلَاف غَيرهَا (و) جَازَ حذفهَا لَا غَيرهَا من أحرفه فينصف تَالِيهَا بإضمار فعل الْقسم قَالَ ابْن خروف وَابْن عُصْفُور أَو فعل آخر ك (الزم) وَنَحْوه وَيرْفَع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف وَرُوِيَ بهما قَوْله: ١١٦٠ -
(فَقلت يمينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعِدًا )
وَلَا تجر خلافًا لمن جوز الْجَرّ بالحرف الْمَحْذُوف وهم الْكُوفِيُّونَ وَبَعض الْبَصرِيين أَو منع النصب إِلَّا فِي حرفين قَضَاء الله وكعبة الله وَهُوَ بعض أَئِمَّة
[ ٢ / ٤٧٧ ]
الْكُوفِيّين قَالَ لِأَن فعل الْقسم لَا يعْمل ظَاهرا إِلَّا بِحرف فيكف يكون مضمرا أقوى مِنْهُ مظْهرا وَأجِيب باتساعهم فِي هَذَا الْبَاب كثيرا أما الحرفان الْمَذْكُورَان فجوز نصبهما وَأنْشد: ١١٦١ -
(لَا كَعْبَةَ الله مَا هَجَرْتُكُم إلاّ وَفِي النَّفس مِنْكُمُ أرَبُ)
فَإِن كَانَ الْمقسم بِهِ الله وَعوض عَن حذف الْبَاء هَاء محذوفة الْألف لالتقاء الساكنين أَو ثَابِتَة لِأَن الثَّانِي مشدد فَنزل منزلَة دَابَّة مَعَ وصل أَلفه وقطعها نَحْو هَا الله هَا ألله هألله هالله أَو عوض همزَة ممدودة مَفْتُوحَة نَحْو آللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ قَالَ أَبُو حَيَّان وأصحابنا يعبرون عَن هَذِه الْهمزَة بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام وَلَيْسَ استفهاما حَقِيقَة وَقَالَ الرضي بل هُوَ اسْتِفْهَام حَقِيقِيّ وَقد يكون إنكارا أَو لم يعوض وَلَكِن قطع أَلفه نَحْو الله لَأَفْعَلَنَّ جر ويقل الْجَرّ فِيهِ بِدُونِهِ أَي التعويض حكى سِيبَوَيْهٍ (آللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ) وَحكى غَيره (كلا الله لأخْرجَن) وأنشدوا: ١١٦٢ -
(أَلا رُبَّ مَنْ تَغْتَشُّه لَك نَاصح )
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي هَذَا اللَّفْظ فَقَط لِأَن اسْتِعْمَاله فِي الْقسم أَكثر من غَيره وَلِهَذَا لحقه أَنْوَاع من التَّغْيِير قَالُوا (وَله لَا أفعل) وَهل هُوَ أَي الْجَرّ حَال التعويض بِالْعِوَضِ أَي بِالْعِوَضِ من الْهمزَة أَو (هَا) (أَو) بالحرف الْمَحْذُوف مِنْهُ فالأخفش وَجَمَاعَة من الْمُحَقِّقين على الأول فِي شرح الكافية وَهُوَ قوي لِأَنَّهُ شَبيه بتعويض الْوَاو من الْبَاء وَالتَّاء من الْوَاو وَلَا خلاف فِي كَون الْجَرّ بهما فَكَذَا يَنْبَغِي فِي هَا والهمزة وَصحح فِي التسهيل وَشَرحه الثَّانِي وَإِن
[ ٢ / ٤٧٨ ]
كَانَ لَا يلفظ بِهِ كَمَا كَانَ النصب بعد الْفَاء وَالْوَاو وَاو وكي وَاللَّام بِأَن المحذوفة وَإِن كَانَت لَازِمَة الْحَذف وَعَزاهُ فِي الْبَسِيط إِلَى الْكُوفِيّين وَمُقْتَضى كَلَام شرح الكافية تَضْعِيفه وَلم يُصَرح أَبُو حَيَّان بترجيح وَاحِد من الْقَوْلَيْنِ أَو عوض غَيره أَي غير لفظ (الله) شَيْئا مِمَّا ذكر نصب حتما نَحْو الْعَزِيز لَأَفْعَلَنَّ بِهِ
تَاء الْقسم
الثَّانِي أَي ثَانِي حُرُوف الْقسم (التَّاء وتختص بِاللَّه) نَحْو: ﴿تالله تفتؤا﴾ [يُوسُف: ٨٥] فَلَا تجر غَيره لَا ظَاهرا وَلَا مضمرا لفرعيتها وشذت فِي الرَّحْمَن وَرب الْكَعْبَة وربي وحياتك سمع تالرحمن وترب الْكَعْبَة وتربي وتحياتك
لَام الْقسم
الثَّالِث أَي الثَّالِث من حُرُوف الْقسم (اللَّام يكون لما فِيهِ معنى التَّعَجُّب) وَغَيره كَقَوْلِهِم لله لَا يُؤَخر الْأَجَل أَي تالله وَقَوله: ١١٦٣ -
(لله يبْقى على الْأَيَّام ذُو حيد)
وَاو الْقسم
الرَّابِع أَي الرَّابِع من حُرُوف الْقسم (الْوَاو وتختص) بِالظَّاهِرِ فَلَا تجر ضميرا بِخِلَاف الْبَاء قَالَ (بك رب أقسم لَا بغيرك) وَلَا يظْهر مَعهَا الْفِعْل أَي فعل الْقسم بل يضمر وجوبا نَحْو: ﴿وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ [يس: ٢ٍ] ﴿وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ [الْأَنْعَام: ٢٣] خلافًا لِابْنِ كيسَان من تجويزه إِظْهَار
[ ٢ / ٤٧٩ ]
الْفِعْل مَعَ الْوَاو فَيُقَال حَلَفت وَالله لأقومن قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يحفظ ذَلِك فَإِن جَاءَ فمؤول على أَن حَلَفت كَلَام تَامّ ثمَّ أُتِي بعده بالقسم وَلَا يَجْعَل وَالله مُتَعَلقَة بحلفت (وَلَا) يظْهر الْفِعْل أَيْضا (مَعَ التَّاء وَاللَّام) بِلَا خلاف بل يجب إضماره كَمَا تقدم (وَهل هِيَ) أَو الْوَاو (العاطفة أَو بدل من الْبَاء أَو التَّاء) بدل مِنْهَا خلاف فَجزم الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن مَالك فِي شرحي الكافية والتسهيل وَنَقله أَبُو حَيَّان عَن الْجُمْهُور بِأَنَّهَا بدل من الْبَاء لتقارب مَعْنَاهُمَا لِأَن الْوَاو جمع وَالْبَاء للإلصاق وَهُوَ جمع فِي المعني وَلِأَنَّهُمَا من حُرُوف مقدم الْفَم وَأَن التَّاء بدل من الْوَاو كَمَا أبدلت مِنْهَا فِي نَحْو اتَّصل واتصف وتراث وتجاه وَقَالَ السُّهيْلي وَغَيره بل الْوَاو هِيَ العاطفة كواو (رب) عطفت على مُقَدّر ويقويه أَنَّهَا لَا تدخل على مُضْمر وَكَذَلِكَ العاطفة وَأَنَّهَا لَو كَانَت بَدَلا من الْبَاء لم يختلفا فِي الْحَرَكَة كَمَا لم تخْتَلف حَرَكَة الْهمزَة المبدلة من الْوَاو فِي إشاح ووشاح وَأَنَّهَا لم تُوجد قطّ بَدَلا مِنْهَا لِأَنَّهَا لَيست من مخرجها وَلما بَينهمَا من المضادة إِذْ فِي الْوَاو لين وَفِي الْبَاء شدَّة قَالَ ويضعف عِنْدِي أَن تكون التَّاء بَدَلا من الْوَاو لما فِيهَا من معنى الْعَطف وَلَيْسَ ذَلِك فِي التَّاء وَلِأَن التَّاء إِنَّمَا أبدلت مِنْهَا حَيْثُ كثرت زيادتها فِي تصاريف الْكَلِمَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يقوم دَلِيل على صِحَة شَيْء من هَذِه الْمذَاهب وَلَو كَانَ أَصْلهَا الْعَطف لم يدْخل عَلَيْهَا وَاو الْعَطف فِي قَوْله: ١١٦٤ -
(أرقْتُ وَلم تَهْجَع لعَيْنِي هَجْعَةٌ وَوَاللَّه مَا دهري بعُسْر وَلَا سَقَمْ)
قَالَ وَمِمَّنْ ذهب إِلَى أَن التَّاء حرف مُسْتَقل غير بدل من الْوَاو قطرب وَغَيره
[ ٢ / ٤٨٠ ]
أَيمن
الْخَامِس أَي الْخَامِس من حُرُوف الْقسم (أَيمن) بِفَتْح الْهمزَة وَضم الْمِيم وَيُقَال فِيهِ (إيمن) بالكسرة فالضم (وأيمن) بفتحهما (وإيمن) بِالْكَسْرِ فالفتح (وإيم) بِالْكَسْرِ وَالضَّم لُغَة لسليم (وأيم) بِالْفَتْح وَالضَّم لُغَة لتميم (وإيم) بكسرتين (وهيم) بِفَتْح الْهَاء مبدلة من الْهمزَة وَالضَّم قَالَ أَبُو حَيَّان وَهِي أغرب لغاتها (وإيم) بكسرتين (وَأم) بِفتْحَتَيْنِ (وَأم) بِالْفَتْح وَالضَّم (وَأم) بِالْفَتْح وَالْكَسْر (وإم) بِالْكَسْرِ وَالضَّم لُغَة أهل الْيَمَامَة (وإم) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح (وَمن مثلث الحرفين) أَي الْمِيم وَالنُّون أَي بفتحهما وكسرهما وضمهما (وم مثلثا) حكى الْفَتْح الْهَرَوِيّ وَالْكَسْر وَالضَّم الْكسَائي والأخفش وَأَن رجلا من بني العنبر سُئِلَ مَا الدهدران فَقَالَ م رَبِّي الْبَاطِل فَهَذِهِ عشرُون لُغَة حكى ابْن مَالك مِنْهَا بضع عشرَة وَالسَّبَب فِي كَثْرَة تصرفهم فِيهَا كَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَالأَصَح أَنه اسْم وَقَالَ الرماني والزجاج هُوَ حرف جر قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ خلاف شَاذ وَثَالِثهَا من وم بلغاتهما حرفان وليسا بَقِيَّة (أَيمن) وَجزم بِهِ ابْن مَالك فِي كِتَابه سبك المنظوم لِأَنَّهُمَا لَو كَانَا مِنْهَا لم يستعملا إِلَّا مَعَ الله كأعين وَقد استعملتا مَعَ غَيره حكى من رَبِّي لَأَفْعَلَنَّ وَلِأَن الِاسْم المعرب لَا يجوز حذفه حَتَّى يبْقى على حرف وَاحِد ورد بِأَن كَثْرَة تصرفهم فِيهَا اقْتضى ذَلِك وَهُوَ أولى من إِثْبَات حرف جر لم يسْتَقرّ فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع (و) الْأَصَح أَن همزَة وصل بِدَلِيل سُقُوطهَا بعد متحرك كَقَوْلِه: ١١٦٥٠
(فَقَالَ فريقُ الْقَوْم لَا وفريقُهم نَعْم وفريقٌ لَيْمُنُ اللهِ لَا نَدْري)
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ قطع بِنَاء على أَنه عِنْدهم جمع يَمِين وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهَا مَفْتُوحَة وَلَا تكون همزَة وصل مَفْتُوحَة وإبدالها هَاء فِي بعض اللُّغَات وَأَجَابُوا عَن حذفهَا فِي الدرج بِأَنَّهُ تَخْفيف لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَلَا تبدل من الْوَصْل
[ ٢ / ٤٨١ ]
وَثَالِثهَا همز (أيم قطع) بِخِلَاف (أَيمن) حكى عَن الْأَخْفَش قَالَ همزَة أَيمن قد علمت أَنَّهَا وصل وَلَا أحمل عَلَيْهَا (أيم) لِأَن همزَة الْوَصْل لَيست مطردَة فِي الْأَسْمَاء (و) الْأَصَح أَنه مُعرب لعدم سَبَب الْبناء قَالَ الْكُوفِيُّونَ مَبْنِيّ لشبهه الْحَرْف فِي عدم التَّصَرُّف إِذْ لم يسْتَعْمل فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع الَّتِي تسْتَعْمل فِيهَا الْأَسْمَاء إِلَّا فِي الِابْتِدَاء خَاصَّة كالحرف وَثَالِثهَا إيم الْمَكْسُورَة مَبْنِيّ وَأَصله السّكُون كسر لالتقاء الساكنين وعَلى الأول هِيَ جَرّه إِعْرَاب بواو قسم مقدرَة وَرَابِعهَا من وم مبنيان لِأَنَّهُمَا على وضع الْحَرْف وحركة الثَّانِي لضَرُورَة الِابْتِدَاء وَالْأول لالتقاء الساكنين فِي الِاسْم بعْدهَا (و) الْأَصَح بِنَاء على الْإِعْرَاب (أَنه لَازم الرّفْع) إِذْ لم يرو عَن الْعَرَب إِلَّا بذلك وَقَالَ ابْن درسْتوَيْه يجوز جَرّه بواو الْقسم (و) الْأَصَح على الرّفْع أَنه مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي قسمي وَقَالَ ابْن عُصْفُور هُوَ خبر والمحذوف مُبْتَدأ (و) الْأَصَح أَنه مُضَاف (لله والكعبة وَالْكَاف وَالَّذِي) وَالْأول هُوَ الْغَالِب وَالْبَاقِي كَقَوْلِهِم أَيمن الْكَعْبَة وَقَول عُرْوَة بن الزبير أيمنك لَئِن ابْتليت لقد عافيت وَقَوله
:
(وأيم الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) وَقَالَ الْفَارِسِي لَا يُضَاف إِلَّا إِلَى الله والكعبة وَقَالَ ابْن هِشَام لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الله فَقَط أما أضافته لغير مَا ذكر فشاذ أنْشد الْكسَائي: ١١٦٦ -
(لَيْمُنْ أبيهمْ لَبِئْسَ الْعذرَة اعْتَذَرُوا )
(و) الْأَصَح (أَنه مُفْرد) وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ هُوَ جمع يَمِين على أفعل كأفلس لِأَن بِنَاء أفعل لَا يُوجد فِي الْأَسْمَاء مُفردا ورد بِأَنَّهُ لَو كَانَ جمعا للزمت همزته الْفَتْح وَالْقطع وميمه الضَّم ولجاء مَرْفُوعا ومنصوبا
[ ٢ / ٤٨٢ ]
(و) الْأَصَح على الْإِفْرَاد (أَنه مُشْتَقّ من الْيمن) وَبِه جزم ابْن مَالك فِي شرح الكافية وَحكي ابْن طَاهِر عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه مُشْتَقّ من الْيَمين (و) الْأَصَح (أَن م لَيست بَدَلا عَن الْوَاو وَلَا أَصْلهَا من وَلَا أَيمن) وَقيل هِيَ بدل من الْوَاو كالتاء لِكَوْنِهِمَا شفهيتين ورد بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك للزمت الْفَتْح كالتاء وَبِأَن إِبْدَال التَّاء من الْوَاو مَعْرُوف مطرد كاتصف واتصل وَغير مطرد كتراث وتجاه وَلم تبدل الْمِيم مِنْهَا إِلَّا فِي مَوضِع شَاذ وَهُوَ فَم وَفِيه مَعَ شذوذه خلاف وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ هِيَ من الدَّاخِلَة على رَبِّي حذفت نونها ورده ابْن مَالك بِأَنَّهَا لَو كَانَت لجَاز دُخُولهَا على رَبِّي كالأصل وَأجَاب أَبُو حَيَّان بِأَنَّهُ قد سمع ذَلِك كَمَا تقدم وَقيل أَصْلهَا أَيمن حذف مِنْهَا حَتَّى بقيت الْمِيم
جملَة الْقسم
مَسْأَلَة الْقسم جملَة لفظا كأقسمت بِاللَّه أَو تَقْديرا ك (بِاللَّه) إنشائية كَمَا ذكر أَو خبرية كأشهد لعَمْرو خَارج وَعلمت لزيد قَائِم مُؤَكدَة لخبرية أُخْرَى تالية غير تعجب فَخرج بالمؤكدة لأخرى نَحْو زيد قَائِم زيد قَائِم فَإِنَّهُ يصدق عَلَيْهَا جملَة مُؤَكدَة لَيست أُخْرَى بل هِيَ هِيَ وبالخبرية غَيرهَا فَلَا تقع مقسمًا عَلَيْهَا وبالباقي التعجبية بِنَاء على الصَّحِيح أَنَّهَا خبرية وتتلقى أَي تسْتَقْبل بِمَعْنى تجاب فِي الْإِثْبَات بلام مَفْتُوحَة مَعَ الاسمية والفعلية مَعَ التَّنْفِيس أَو لَا نَحْو: ﴿ثمَّ لنَحْنُ أعلم﴾ [مَرْيَم: ٧٠] ﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ [يُوسُف: ٣٢] ﴿ولسوف يعطيك رَبك﴾ [الضُّحَى: ٥] وَالله لسيقوم زيد وَقد تكسر مَعَ الْفِعْل فِي لُغَة نَحْو وَالله لتفعلن ومنعها أَي اللَّام الْفراء مَعَ السِّين لِأَنَّهُ لم يسمع بِخِلَاف (سَوف (وَالْفرق أَن اللَّام كالجزء مِمَّا تدخل عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي دُخُولهَا إِلَى توالي أَربع حركات فِيمَا هُوَ
[ ٢ / ٤٨٣ ]
كالكلمة الْوَاحِدَة وَهُوَ مرفوض فِي كَلَامهم وَأجِيب باغتفار ذَلِك كَمَا قَالُوا وَالله لكذب زيد (و) يتلَقَّى أَيْضا فِي الْإِثْبَات (بِأَن) الْمَكْسُورَة مثقلة ومخففة سَوَاء كَانَ فِي خَبَرهَا اللَّام نَحْو: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّآ﴾ [اللَّيْل: ٤] ﴿إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ﴾ [الطارق: ٤] أم لَا وَقيل إِن كَانَ فِي خَبَرهَا اللَّام جَازَ تلقيه بِهِ وَإِلَّا فَلَا لَان الْقَصْد بذلك إِفَادَة التَّأْكِيد الَّذِي لأَجله الْقسم وَقيل لَام كي قَالَه الْأَخْفَش وَمثل بقوله: ﴿يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم﴾ [التَّوْبَة: ٦٢] وَقَول الشَّاعِر: ١١٦٨ -
(إِذا قَالَ قدْني قلت بِاللَّه حِلْفةً لِتُغْنِي عني ذَا إنائك أجمعًا)
وَوَافَقَهُ الْفَارِسِي فِي العسكريات وَرجع فِي البصريات والتذكرة وَأجَاب عَن الْآيَة بِأَنَّهُ لم يرد الْقسم بل الْخَبَر فَإِنَّهُم يحلفُونَ بِاللَّه مَا عابوا النَّبِي ليرضوا الْمُؤمنِينَ وَعَن الْبَيْت بِأَنَّهُ كَذَلِك أَي حَلَفت لتغنيني عني أَو بِأَن الْجَواب مَحْذُوف لدلَالَة الْحل أَي لتشربن قيل وبل قَالَه بعض القدماء وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿وَالْقُرْآن ذِي الذّكر بل الَّذين كفرُوا﴾ [ص: ١، ٢] قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ رَأْي بَاطِل وَالْجَوَاب فِي الْآيَة مَحْذُوف أَو كم أهلكنا وَحذف اللَّام لطول الْفَصْل فِيهِ قيل وَأَن الْمَفْتُوحَة قَالَه ابْن عُصْفُور فِي المقرب وَاسْتدلَّ بقوله: ١١٦٨ -
(أما وَالله أَن لَو كنت حرًّا وَمَا بالحُرّ أَنْت وَلَا الْعَتِيق)
ورده ابْن الصَّائِغ وَقَالَ بل جَوَاب الْقسم جَوَاب لَو أَي مَا يكون جوابها لَوْلَا الْقسم قَالَ أَبُو حَيَّان وَقد رَجَعَ عَن ذَلِك ابْن عُصْفُور
[ ٢ / ٤٨٤ ]
(و) يتلَقَّى (فِي النَّفْي بِمَا وَلَا وَإِن) قَالَ ابْن مَالك فِي شرح الكافية وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الاسمية والفعلية إِلَّا أَن الاسمية إِذا نفيت بِلَا وَقدم الْخَبَر أَو كَانَ الْمخبر عَنهُ معرفَة لزم تكرارها فِي غير الضَّرُورَة نَحْو وَالله لَا زيد فِي الدَّار وَلَا عَمْرو ولعمري لَا أَنا هاجرك وَلَا مهينك قَالَ أَبُو حَيَّان وَغلط فِي أَن الْجُمْلَة الاسمية لَا تَنْفِي بِلَا قَالَ وَلَا يَنْفِي بهَا أَيْضا الْمَاضِي فَلَا تَقول وَالله لَا قَامَ زيد لَكِن فِي شرح التسهيل والكافية لِابْنِ مَالك أَنه يَنْفِي بهَا كَقَوْلِه: ١١٦٩ -
(ردُوا فَوالله لَا ذُدْنَاكُمُ أبدا )
ومثاله ب (مَا): ﴿وَلَئِن أتيت الَّذين أُوتُوا الْكتاب بِكُل آيَة مَا تبعوا قبلتك﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٥] وب (إِن): ﴿وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد﴾ [فاطر: ٤١] (قيل وَلنْ وَلم) فِي الفعلية كَقَوْل أبي طَالب: ١١٧٠ -
(وَالله لن يَصِلوا إِلَيْك بجَمْعِهِم )
وَحكى الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ لأعرابي أَلَك بنُون قَالَ نعم وخالقهم لم تقم عَن مثلهم منجبة وَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا سلف لِابْنِ مَالك فِي تجويزه ذَلِك إِلَّا مَا حكى عَن ابْن جني أَنه زعم أَنه يتلَقَّى بهما فِي الضَّرُورَة وَهُوَ غلط من ابْن جني انْتهى فَظَاهره أَنه لَا يجوز عِنْده لَا فِي الضَّرُورَة وَلَا غَيرهَا فَنَشَأَ من ذَلِك قَول مفصل حكيته بِقَوْلِي: وَثَالِثهَا ضَرُورَة وَرَابِعهَا يجوز (بلم دون لن) نَقله أَبُو حَيَّان عَن مُحَمَّد بن خلصة الضَّرِير قَالَ وَلنْ وَإِن كَانَت ك (لَا) فِي نَفسِي الْمُسْتَقْبل إِلَّا أَنَّهَا نفي ل سيفعل فَلَمَّا كَانَت فِي مُقَابلَة السِّين لم يتلق بهَا كالسين
[ ٢ / ٤٨٥ ]
وَعِنْدِي عَكسه وَهُوَ جَوَاز التلقي بلن دون لم لِأَنَّهَا للماضي وَالْقسم بالمستقبل أَجْدَر وَلِأَن الْمِثَال السَّابِق يظْهر فِيهِ الْحمل على الِاسْتِئْنَاف وَتَمام الْكَلَام عِنْد وخالقهم وَالْبَيْت لَا يحْتَملهُ وَمَا قَالَه من إلحاقها بِالسِّين مَرْدُود لِأَن الْحَرْف المتلقى بِهِ جعل لتأكيد الْجُمْلَة الْمقسم عَلَيْهَا وَلَا تَأْكِيد فِي السِّين وَلنْ يُفِيد تَأْكِيد النَّفْي فالتلقي بهَا حسن حِينَئِذٍ (و) يتلَقَّى (فِي الطّلب بِهِ) أَي بِالطَّلَبِ أَدَاة أَو فعلا كَقَوْلِه: ١١٧١ -
(برَبّكَ هَل للصّبَ عنْدك رأفة )
وَقَوله: ١١٧٢ -
(بعَيْنَيْك يَا سلْمَى ارْحَمي ذَا صبَابةٍ )
وَقَوله: ١١٧٣ -
(رُقَىَّ بعَمْركُم لَا تَهْجُرينا )
(أَو لما) نَحْو: ١١٧٤ -
(قالَتْ لَهُ بِاللَّه يَا ذَا البُرْدَيْنْ لمَّا غَنِثْتَ نفسا أَو اثْنَيْن)
(أَو إِلَّا) نَحْو: ١١٧٥ -
(بِاللَّه ربِّكِ إِلَّا قُلْتِ صادِقةً هَل فِي لقائِك لِلمشْغُوف من طَمع)
[ ٢ / ٤٨٦ ]
(أَو إِن وَتلْزم اللَّام مَعَ النُّون) الشَّدِيدَة أَو الْخَفِيفَة فِي مضارع مُسْتَقْبل كَمَا تقدم مِثَاله بِخِلَاف غير الْمُسْتَقْبل كالحال نَحْو وَالله لأظنك صَادِقا وَلَا حَاجَة إِلَى تَقْيِيده بالمثبت كَمَا فِي التسهيل لِأَن اللَّام لَا تدخل غَيره إِلَّا شذوذا كَمَا سَيَأْتِي والاكتفاء بِأَحَدِهِمَا أَي بِاللَّامِ أَو النُّون إِن لم يفصل بَينه وَبَين اللَّام ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١١٧٦ -
(تألّى ابنُ أوْس حِلْفةً لِيَرُدَّني )
وَقَوله: ١١٧٧ -
(وقتيل مُرَّةَ أثأَرنَّ فإنّه )
خلافًا لأبي عَليّ الْفَارِسِي والكوفية فِي تجويزهم ذَلِك فِي الِاخْتِيَار قَالَ أَبُو حَيَّان وَوهم الخضرواوي فَادّعى الْإِجْمَاع على الْمَنْع فَإِن فصل جَازَ وفَاقا إِمَّا بمعمول مقدم نَحْو ﴿وَلَئِن متم أَو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ [آل عمرَان: ١٥٨] أَو حرف تَنْفِيس نَحْو ﴿ولسوف يعطيك﴾ [الضُّحَى: ٥] و(قد) نَحْو وَالله لقد أقوم غَدا (و) تلْزم (اللَّام مَعَ قد وَلَو مقدرَة فِي مَاض مُثبت غير جامد) نَحْو: ﴿تالله لقد آثرك الله﴾ [يُوسُف: ٩١] (وَلَو) كَانَ بَعيدا من الْحَال خلافًا لِابْنِ عُصْفُور
[ ٢ / ٤٨٧ ]
فِي مَنْعَة قد حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا للتقريب من زمن الْحَال أما الْمَنْفِيّ فَلَا تدخله اللَّام وَكَذَا الْخَالِي من قد إِذا لم تقدر كَخَبَر إِن الْمَاضِي والجامد لَا يقْتَرن بقد كَقَوْلِه: ١١٧٨ -
(يَمينًا لَنِعْمَ السيِّدان وُجدْتُمَا )
(وشذ) دُخُول اللَّام (مَعَ رُبمَا وَبِمَا) فِي الْمَاضِي كَقَوْلِه: ١١٧٩ -
(لَئِن نَزَحَتْ دارٌ لِلَيْلى لرُبّما غَنينا بِخَير والديارُ جَمِيعُ)
١١٨٠ - (فلئن بَان أَهله بِمَا كَانَ يؤهل)
وأوله أَبُو حَيَّان على تَقْدِير فعل بعد اللَّام أَي لبان بِمَا (و) شَذَّ دُخُولهَا (مَعَ مضارع بِأحد الثَّلَاثَة) أَي قد وَرُبمَا وَبِمَا كَقَوْلِه: ١١٨١ -
(لَئِن أمست رُبُوعهم يَبابًا لقد تَدْعُو الوفودُ لَهَا وفُودا)
وَقَوله: ١١٨٢ -
(فلئن تغيّر مَا عَهدْتُ وأصْبَحت صَدفتْ فَلَا بَذْلٌ وَلَا مَيْسور)
(لَبما يُساعِفُ فِي اللِّقاء وَلِيها فَرحٌ بِقرب مَزارها مَسْرُورُ)
(و) شَذَّ دُخُولهَا مَعَ (منفي) كَقَوْلِه: ١١٨٣ -
(أما والّذي لَو شَاءَ لم يَخْلُق النّوَي لَئِن غِبْتِ عَن عَيْني لما غِبْتِ عَن قلبِي)
[ ٢ / ٤٨٨ ]
(و) شَذَّ حذفهما أَي اللَّام وَقد من الْمَاضِي ذِي الشُّرُوط (أَو) حذف أَحدهمَا أَي قد فَقَط إِذا لم يقدر أَو اللَّام فَقَط كَقَوْلِه: ١١٨٤٠
(حَلَفت لَهَا بِاللَّه حَلْفة فَاجر لنامُوا فَمَا إِن من حَدِيث وَلَا صَال)
وَقَوله: ١١٨٥ -
(تاللَّهِ قدْ علمت قيس إِذْ قذفت )
(أَو) حذف اللَّام من الاسمية كَقَوْل أبي بكر وَالله أَنا كنت أظلم مِنْهُ وَقَوْلِي حَيْثُ لَا طول رَاجع إِلَى الاسمية والماضي مَعًا فَإِن كَانَ فِي الْكَلَام طول حسن الْحَذف للام أَو قد أَو هما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ [الشَّمْس: ١] إِلَى قَوْله: ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ [الشَّمْس: ٩] وَقَالَ: ﴿وَالسَّمَاء ذَات البروج﴾ [البروج: ١] إِلَى قَوْله: ﴿قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود﴾ [البروج: ٤] وَقَالَ الشَّاعِر: ١١٨٦ -
(ورَبِّ السَّمَوَات العُلى وبروجها وَالْأَرْض وَمَا فِيهَا المُقدَّر كَائِنُ)
أَو نافيها أَي الاسمية كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٤٨٩ ]
١١٨٧ -
(فوَاللَّه مَا نِلْتم وَلَا نيل مِنْكُم بمعتدل وفْق وَلَا مُتقَاربِ)
أَرَادَ مَا نلتم فَحذف مَا النافية وَأبقى الموصولة لدلَالَة الْبَاء والعطف عَلَيْهَا ونافي الْمَاضِي كَقَوْلِه: ١١٨٨ -
(فَإِن شِئُتِ آليتُ بَين المقَام والرُّكن وَالْحجر الْأسود)
(نَسيتُكِ مَا دَامَ عَقْلي معي أمدُّ بِهِ أَمَدَ السّرمَدِ)
أَرَادَ لَا نسيتك وَيجوز بِلَا شذوذ حذف لَا النافية مَعَ مضارع لم يُؤَكد بالنُّون نَحْو ﴿تالله تفتؤأ﴾ [يُوسُف: ٨٥] أَي لَا تفتؤ للْعلم بِأَن الْإِثْبَات غير مُرَاد لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُرَاد لجيء بِاللَّامِ وَالنُّون بِخِلَاف الْمُؤَكّد بهَا لِأَنَّهُ يلتبس حِينَئِذٍ بالمثبت لَا (مَا) على الْأَصَح لعدم وُرُوده وَلما فِيهِ من الإلباس إِذا لم يعلم هَل الْقسم على النَّفْي فِي الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال وَقيل يجوز حملا على لَا وَتدْخل اللَّام كَأَن كَقَوْل إعرابي مَا هَذِه القنمة وَالله لكأنها على حششة القنمة الرَّائِحَة الرَّديئَة والحششة جمع حش (لَا إِن وَأَن) وَإِذا تقدم الْقسم (على لَو أَو لَوْلَا) وَلم يُؤْت إِلَّا بِجَوَاب وَاحِد فالمحذوف جَوَابه أَو جوابهما خلاف فَنقل أَبُو حَيَّان عَن الْجُمْهُور أَنه جوابهما وَأَن الْمَذْكُور جَوَابه كَمَا إِذا تقدم على أَدَاة الشَّرْط وَإِن لزم أَن يكون مَاضِيا لِأَنَّهُ مغن عَن جوابهما وَنقل عَن مُقْتَضى كَلَام التسهيل فِي الجوازم أَنه جَوَابه وَالْمَذْكُور جوابهما وَقد صرح بذلك فِي الكافية وَعَن مُقْتَضى كَلَامه هُنَا أَنه لَا حذف وَأَن (لَو)
[ ٢ / ٤٩٠ ]
و(لَوْلَا) ومدخولهما جَوَاب الْقسم حَيْثُ قَالَ وتصدر فِي الشَّرْط الِامْتِنَاع ب (لَو) أَو لَوْلَا وَنقل عَن بَعضهم أَنه إِن لم يصلح جَوَابا للقسم بِأَن نفي ب (لم) نَحْو وَالله لَو قَامَ زيد لم يقم عَمْرو أَو ب (مَا) مَعَ اللَّام نَحْو وَالله لَو قَامَ عَمْرو مَا قَامَ زيد تعين جعله للو وَهُوَ تَقْيِيد لمحل الْخلاف لَا قولا آخر وَمن أَمْثِلَة الْمَسْأَلَة قَوْله: ١١٨٩ -
(واللهِ لَوْلاَ اللهُ مَا اهْتَدَيْنا )
وَقَوله: ١١٩٠ -
(فواللهِ لَو كُنّا شُهودًا وغِبْتُمُ إِذن لَملأنَا جَوْفَ جيرَانِهم دَما)
أَو توالي شَرط وَقسم وتقدمهما طَالب خبر فَالْجَوَاب للشّرط تقدم أَو تَأَخّر ختما تَفْصِيلًا لَهُ بِلُزُوم الِاسْتِغْنَاء بجوابه عَن جَوَاب الْقسم لِأَن سُقُوطه مخل بِالْجُمْلَةِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لمُجَرّد التَّأْكِيد نَحْو زيد وَالله إِن تقم وَزيد إِن يقم وَالله أقِم وَقيل جَوَازًا حَكَاهُ أَبُو حَيَّان فَيُقَال عَلَيْهِ زيد وَالله إِن قَامَ لأقومن وَقيل يجوز رَفعه وحذفهما حَكَاهُ (أَو لَا) أَي لم يتقدمهما طَالب خبر فَالْجَوَاب للسابق فِي الْأَصَح قسما كَانَ أَو شرطا وَجَوَاب الآخر مَحْذُوف نَحْو وَالله إِن قَامَ زيد لأقومن وَإِن يقم وَالله أقِم وَجوز الْفراء وَابْن مَالك جعل الْجَواب للشّرط وَإِن تَأَخّر كَقَوْلِه: ١١٩١ -
(لَئِنْ كَانَ مَا حَدِّثتُهُ اليومَ صادِقًا أصُمْ فِي نَهَار القيظ للشمس باديًا)
[ ٢ / ٤٩١ ]
وَجعل ابْن مَالك الْجَواب للقسم الْمُؤخر إِن اقْترن بِالْفَاءِ لدلالته على الِاسْتِئْنَاف كَقَوْلِه: ١١٩٢ -
(فإمَّا أعِشْ حَتَّى أَدُبُّ على الْعَصَا فوَاللَّه أَنْسَى لَيْلتي بالمَسَالِم)
ورده أَبُو حَيَّان بِأَن الْقسم مَعَ جَوَابه جَوَاب الشَّرْط وَلذَا اقْترن بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ جَوَاب الْقسم أَو سبق الْقسم وَحده طَالب خبر أَو طَالب صلَة بني على أَيهمَا شِئْت فَإِن بني عَلَيْهِمَا أَي طَالب الْخَبَر أَو الصِّلَة فَجَوَابه مَحْذُوف لدلَالَة الْخَبَر أَو الصِّلَة عَلَيْهَا وَإِلَّا فَهُوَ وَجَوَابه الْخَبَر أَو الصِّلَة نَحْو زيد وَالله يقوم وَجَاءَنِي الَّذِي وَالله يقوم وَزيد وَالله ليقومن وَجَاءَنِي الَّذِي وَالله ليقومن وَحَيْثُ أُغني الْجَواب عَن جَوَاب الشَّرْط لزم كَونه مُسْتَقْبلا لِأَنَّهُ مغن عَن مُسْتَقْبل ودال عَلَيْهِ (و) لزم كَون (فعل الشَّرْط مَاضِيا وَلَو معني) كالمضارع الْمَنْفِيّ بلم غَالِبا لِأَن جَوَاب الشَّرْط لَا يحذف إِلَّا حَيْثُ كَانَ فعله كَذَلِك فَلَا يجوز أَن يُقَال وَالله إِن يقم زيد لأقومن وَلَا وَالله إِن لم يقم لأقومن وَلَا وَالله إِن قَامَ زيد لقمت إِلَّا أَن أوقع الْمَاضِي موقع الْمُسْتَقْبل كَقَوْلِه: ﴿وَلَئِن أرسلنَا ريحًا فرأوه مصفرا لظلوا﴾ [الرّوم: ٥١] أَي ليظللن وَإِذا كَانَ للمقسم عَلَيْهِ جَوَاب شَرط مُسْتَقْبل مَسْبُوق بقسم ملفوظ أَو مُقَدّر قرنت الأداة الشّرطِيَّة إِن أَو غَيرهَا بِلَا مَفْتُوحَة نَحْو: ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن أَمرتهم ليخرجن﴾ [النُّور: ٥٣] ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ﴾ [الْأَحْزَاب: ٦٠] وَهَذِه اللَّام تسمى الموطئة لِأَنَّهَا وطأت الْجَواب للقسم الْمَذْكُور قبلهَا أَي مهدته لَهُ والمؤذنة لِأَنَّهَا آذَنت بِأَن الْجَواب بعْدهَا مَبْنِيّ على قسم قبلهَا لَا على الشَّرْط أَي أعلمت بذلك وَيجوز حذفهَا مَا دَامَ لم يحذف الْقسم فَإِن حذف لم تحذف غَالِبا لتدل عَلَيْهِ وَمن الْقَلِيل: (وَإِنْ لَّمْ
[ ٢ / ٤٩٢ ]
يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [الْمَائِدَة: ٧٣] ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٣] قَالَ أَبُو حَيَّان فَإِن كَانَ الْفِعْل الْوَاقِع جَوَابا منفيا (بِلَا) لم يجز أصلا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا دلَالَة فى اللَّفْظ على الْقسم الْمَحْذُوف وَلَا يُوجد فِي كَلَامهم إِن قَامَ زيد لَا يقوم زيد وَمن دُخُولهَا على غير إِن قَوْله: ١١٩٣ -
(ولَما رُزقْتَ ليأتِيَنّك سَيبُهُ )
وَقَوله: ١١٩٤ -
(لمتَي صَلحْتَ لَيُقْضَيَنْ لَك صالحٌ )
قَالَ وَقد شبه بَعضهم (إِذْ) ب (إِن) فَأدْخل عَلَيْهَا هَذِه اللَّام قَالَ: ١١٩٥ -
(غَضِبَتْ على وَقد شربت بجزَّة فلإذْ غَضِبْتِ لأشَرَبَنْ بخَرُوفِ)
وَالْجَوَاب المقرون بِمَا أَو إِن الْمُؤَكّدَة أَو اللَّام مَعَ اسْم لَا يقدم مَعْمُول عَلَيْهِ مُطلقًا بِلَا خلاف كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان فَإِذا قلت وَالله مَا يقوم زيد الْآن أَو وَالله إِن زيدا قَائِم الْآن أَو وَالله لزيد قَائِم الْآن لم يجز تَقْدِيم الْآن أَو هِيَ أَي اللَّام مَعَ مضارع فَكَذَلِك لَا يجوز التَّقْدِيم مُطلقًا صَححهُ أَبُو حَيَّان وَقيل يجوز مُطلقًا ظرفا كَانَ أَو مَفْعُولا وَهُوَ رَأْي الْفراء وَأبي عُبَيْدَة واستدلا بقوله ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقُّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ﴾ [ص: ٨٤، ٨٥] أَي حَقًا
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وَثَالِثهَا يقدم الظّرْف وَالْمَجْرُور دون الْمَفْعُول وَهُوَ رَأْي ابْن مَالك وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿عَمَّا قَلِيل ليصبحن نادمين﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٤٠] وَيَقَع الْقسم بَين منفيين توكيدا لنفي الْمَحْلُوف عَلَيْهِ كَقَوْلِه: ١١٩٦ -
(أَخِلاَّي لَا تَنْسوا مَواثيق بَيْنَنا فإنّيَ لَا وَالله مَا زلْتُ ذاكِرا)
وَقد يُغني النَّفْي السَّابِق عَن النَّفْي الْمُبَاشر للجواب كَقَوْلِه: ١١٩٧ -
(فَلَا واللهِ نادَى الحيُّ ضَيْفِي )
أَي مَا نَادَى ويغني عَنهُ أَي عَن الْقسم بِأَن يحذف الْجَواب لدَلِيل يدل عَلَيْهِ وَقيل وَعَلِيهِ ابْن مَالك إِن وَقع بعد لقد نَحْو ﴿وَلَقَد صدقكُم الله وعده﴾ [آل عمرَان: ١٥٢] أَو لَئِن نَحْو: ﴿لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم﴾ [الْحَشْر: ١٢] أَو مصاحبا لإما مَفْتُوحَة ونونا للتوكيد نَحْو: ﴿لأُغَذَّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدا﴾ [النَّمْل: ٢١] وَقيل وَعَلِيهِ أَبُو حَيَّان إِن كَانَ الْجَواب بِاللَّامِ أَو إِن الْمُشَدّدَة فَإِن كَانَ بِغَيْرِهِمَا ك (مَا) وَلَا وَإِن فَلَا (و) يُغني عَن الْجَواب بِحَذْف معموله نَحْو ﴿والنازعات﴾ [النازعات: ١] إِلَى قَوْله: ﴿يَوْم ترجف الراجفة﴾ [النازعات: ٦] أَي ليبْعَثن وَقسم مَسْبُوق بِحرف جَوَاب نَحْو: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الْأَحْقَاف: ٣٤] وقولك لمن قَالَ أتفعل كَذَا أَي وَالله أَو نعم وَالله أَو أجل وَالله
[ ٢ / ٤٩٤ ]
١١٩٨ -
(قَالُوا قُهرْتَ فقلْتُ جَيْر لَيْعْلَمَنْ عمّا قَلِيل أيُّنا المقهورُ)
كسرا أَي مكسورا بِنَاء لالتقاء الساكنين وبفتح تَخْفِيفًا ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ اسْما لدُخُول التَّنْوِين عَلَيْهَا فِي قَوْله: ١١٩٩ -
(وقائلةٍ أسِيتَ فَقلت جَيْر )
بِمَعْنى حَقًا فَيكون مصدرا وَقيل أبدا فَيكون ظرفا كعوض وبنيت لقلَّة تمكنها إِذْ لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الْقسم قَالَه صَاحب الملخص (و) قَالَ (قوم حرف جَوَاب) بِمَعْنى نعم وَصَححهُ ابْن مَالك قَالَ لِأَن كل مَوضِع تقع فِيهِ يصلح أَن يَقع فِيهِ نعم وَلَيْسَ كل مَوضِع تقع فِيهِ يصلح أَن يَقع فِيهِ حَقًا فإلحاقها ب نعم أولى لِأَنَّهَا أشبه بهَا لفظا أَو اسْتِعْمَالا وَلذَلِك بنيت وَلَو وَافَقت حَقًا فِي الاسمية أعربت ولجاز أَن يصحبها الْألف وَاللَّام كَمَا أَن حَقًا كَذَلِك وَلَو لم تكن بِمَعْنى نعم لم تعطف عَلَيْهَا فِي قَوْله: ١٢٠٠ -
(أبي كَرمًا لَا آلِفًا جَيْر أَو نعم بِأَحْسَن إِيفَاء وأَنْجَز مَوْعدِ)
وَلم تؤكد فِي قَوْله: ١٢٠١ -
(وَقُلْنَ على البرْدِيّ أوَّلُ مَشْرَبٍ نَعْم جَيْر إنْ كانَت رواءَ أسافِله)
وَلَا قوبل بهَا (لَا) فِي قَوْله:
[ ٢ / ٤٩٥ ]
١٢٠٢ -
(إِذا تَقول لَا ابْنة العُجَيْر تَصْدقُ لَا إِذا تَقول جَير)
قَالَ وَأما تنوينها فضرورة أَو ترنم زَاد الْفَارِسِي أَو شَاذ كتنوين اسْم الْفِعْل فِي قَوْلهم فدَاء لَك بِكَسْر الْهمزَة وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل أَبُو حَيَّان وَابْن هِشَام والرضي وَقَالَ إِنَّمَا صَحَّ وُقُوعهَا قسما بِجَامِع أَن التَّصْدِيق توكيد وتوثيق كالقسم قَالَ ابْن الدماميني وَلقَائِل أَن يمْنَع لُزُوم الْإِعْرَاب لَو كَانَت بِمَعْنى حَقًا وَدخُول أل وَسَنَده مَا الَّتِي بِمَعْنى شَيْء وَنَحْوهَا وَسبب الْبناء حِينَئِذٍ موافقتا ل جير الحرفية لفظا وَكَونهَا مُؤَكدَة فِي الْبَيْت الْمَذْكُور لاحْتِمَال أَن يكون المعني نعم يحِق ذَلِك حَقًا وَأجَاب شَيخنَا الإِمَام الشمني عَن الأول بِأَن اللُّزُوم لعدم مشابهتها الْحَرْف حِينَئِذٍ بِوَجْه من الْوُجُوه الْمُقْتَضِيَة للْبِنَاء بِخِلَاف مَا بِمَعْنى شَيْء فَإِنَّهَا مشابهة لَهُ فِي الْوَضع قَالَ وَقَوله إِن سَبَب بنائها موافقتها لجير الحرفية فِيهِ نظر فَإِن الْقَائِل باسمية جير لَا يثبت جيرا أُخْرَى حرفا حَتَّى تكون هَذِه مشابهة لَهَا انْتهى (و) قَالَ قوم اسْم فعل حَكَاهُ صَاحب الملخص وَاخْتَارَهُ فِيمَا نقل أَبُو حَيَّان قَالَ لِأَن تنوينها للتنكير وَهُوَ لَا يُوجد إِلَّا فِي اسْم الْفِعْل أَو الصَّوْت وتنوين ضَرُورَة كالبيت السَّابِق
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وَقد يُجَاب بهَا دونه أَي دون قسم كَمَا يجب ب (نعم) و(أجل) كَقَوْلِه: ١٢٠٣ -
(قَالَت أَرَاك هَارِبا للجوْر مِنْ هدّة السُّلطان قلت جَيْر)
لَا جرم
(و) يُغني عَن الْقسم أَيْضا (لَا جرم) حكى الْفراء أَن الْعَرَب تَقول لَا جرم لآتينك وَلَا جرم لقد أَحْسَنت فاستغنوا بهَا عَن الْقسم قَاصِدين بهَا معنى (حَقًا) وَأَصلهَا بِمَعْنى لَا بُد
عوض
قَالَ الكوفية ويغني عَن الْقسم أَيْضا عوض فَيُقَال عوض لَأَفْعَلَنَّ قَالَ أَبُو حَيَّان والبصريون لَا يعْرفُونَ الْقسم بِهِ وَإِن ذكره الزجاجي وَيجمع بَين أَيْمَان توكيدا سَوَاء اخْتلف حرف الْقسم أم لَا لَكِن إِن اخْتلف الْحَرْف لم يُؤْت بِالثَّانِي حَتَّى يوف الأول جَوَابه فَيُقَال تالله لَأَفْعَلَنَّ بِالْكَعْبَةِ لَأَفْعَلَنَّ خلافًا للأخفش فِي تجويزه الْمُوَالَاة فَيُقَال وَالله تالله بِاللَّه لَا أفعل كَمَا يُقَال وَالله وَالله لَا أفعل
الْقسم غير الصَّرِيح
مَسْأَلَة من الْقسم غير صَرِيح وَهُوَ مَا لَا يعلم بِمُجَرَّد لَفظه كَون النَّاطِق بِهِ مقسمًا كعلمت نَحْو: ﴿علمُوا لمن اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٢] قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمِنْه قَوْلهم علم الله وَشهِدت نَحْو: ﴿شهد الله أَنه﴾ [آل عمرَان: ١٨] فِي رِوَايَة الْكسر ﴿نشْهد إِنَّك لرَسُول الله﴾
[ ٢ / ٤٩٧ ]
[المُنَافِقُونَ: ١] وجاهدت وأوثقت وَأخذت وَمِنْه ﴿وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِين أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمرَان: ١٨٧] وَهَذِه الْأَلْفَاظ فِي الْخَبَر ونشدتك الله وعمرتك الله بِالتَّشْدِيدِ وعمرك الله بِضَم الرَّاء وَفتحهَا مَعَ ضم الْعين وقعدك الله بِفَتْح الْقَاف وَكسرهَا وقعيدك الله وعزمت فِي الطّلب وَقد تقدم أَن جَوَاب الطّلب يتلَقَّى بِهِ أَو بلما أَو إِلَّا أَو إِن وَمن أمثلته هُنَا قَوْلهم أنْشدك الله إِلَّا فعلت وَفِي الصَّحِيح
(الله إِلَّا قضيت بَيْننَا بِكِتَاب الله) وَقَوله: ١٢٠٤ -
(عَمَّرتُكِ الله إلاَّ مَا ذَكَرْتِ لنا هَل كُنْتِ جارَتنا أيّامَ ذِي سَلَم)
وَقَوله: ١٢٠٥ -
(يَا عَمْرَكِ الله إلاَّ قُلْتِ صَادِقَة أصَادِقًا وصْفهُ الْمَجْنُون أَو كذبَّا)
وَقَوله: ١٢٠٦ -
(عَمْرك اللهُ يَا سعادُ عِديني بَعْضَ مَا أَبتغي وَلَا تُؤْيسيني)
وَقَوله: ١٢٠٧ -
(عَمرك الله أما تَعْرفُنِي أَنا حَرَّاثُ المنايا فِي الفَزعْ)
وَقَوله:
[ ٢ / ٤٩٨ ]
١٢٠٨ -
(قعيدَكما اللهُ الَّذِي أَنْتُمَا لَهُ ألم تَسْمَعا بالبيضَتَيْن المناديا)
وَقَوله: ١٢٠٩ -
(قعِيدَكِ أَن لَا تُسْمِعيني مَلامَةً وَلَا تَنْكَئِي قَرْحَ الْفُؤَاد فَيَيْجَعَا)
وَيجوز حذف نشدت فَيُقَال بِاللَّه لما فعلت وَمِنْه قَوْله: ١٢١٠ -
(قَالَت لَهُ بِاللَّه يَا ذَا البُرُدَيْنْ لما غنثت نَفسًا أَو اثْنَيْن)
(و) يجوز حذف (الْبَاء فينتصب تَالِيهَا) نَحْو نشدتك الله لما فعلت وَالْأَصْل بِاللَّه وَمعنى نشدتك بِاللَّه إِلَّا فعلت أَقْسَمت بِهِ لَا ترى إِلَّا فَاعِلا أَي سَأَلتك وَطلبت مِنْك من نَشد الضَّالة طلبَهَا (و) معنى عمرك الله يعمرك أَي عمرك تعميرا وَهُوَ مخفف عمرتك الله بِحَذْف الزَّوَائِد سَأَلت بتعميرك أَي بإقرارك لَهُ بِالْبَقَاءِ كَمَا أَن عمرك الله أَحْلف بِبَقَاء الله ودوامه فَإِن لم يرد بهما الْقسم فَالْمَعْنى سَأَلت الله أَن يُطِيل عمرك وَقيل المُرَاد بِهِ ضد الْخُلُو من عمر الرجل منزلَة كَأَنَّهُ أَرَادَ تذكير الْقلب بِذكر الله تَأْكِيدًا للصدق وَالتَّقْدِير ذكرتك بِاللَّه تذكيرا يعمر الْقلب فَلَا يَخْلُو مِنْهُ (و) معنى (قعدك الله وقعيدك الله مَعَك) أَي رَقِيب عَلَيْك وحفيظ وَقيل مقاعدك وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَضمن الْقسم قَالَ فِي الصِّحَاح على معنى يصاحب الله الَّذِي هُوَ صَاحب كل نحوي
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وَقيل هما مصدران بِمَعْنى المراقبة وَالتَّقْدِير أقسم بمراقبتك الله وَنصب (الْجَلالَة) فِي الْجَمِيع على إِسْقَاط الْجَار
المجرورات / الْإِضَافَة
(الْإِضَافَة) أَي هَذَا مبحثها هِيَ فِي اللُّغَة الإمالة وَمِنْه ضَاقَتْ الشَّمْس للغروب مَالَتْ أَو أضفت ظَهْري إِلَى الْحَافِظ أملته إِلَيْهِ مُضَاف السهْم عَن الهدف عدل وأضفته إِلَى فلَان ألجأته والمضاف فِي الْحَرْب المحاط بِهِ والمضاف الملزق بالقوم وضافه الْهم نزل بِهِ وتضايف الْوَادي تضايق كَأَنَّهُ مَال أحد جانبيه إِلَى الآخر وأضفت من الْأَمر أشفقت وَفِي الِاصْطِلَاح (نِسْبَة تقييدية بَين اسْمَيْنِ توجب لثانيهما الْجَرّ) فَخرج بالتقييدية الإسنادية نَحْو زيد قَائِم وَبِمَا بعده نَحْو قَامَ زيد وَلَا ترد الْإِضَافَة إِلَى الْجمل لِأَنَّهَا فِي تَأْوِيل الِاسْم وبالأخير الْوَصْف نَحْو زيد الْخياط وَتَصِح بِأَدْنَى مُلَابسَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لم يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّة أَو ضحاها﴾ [النازعات: ٤٦] لما كَانَت العشية وَالضُّحَى طرفِي النَّهَار صحت إِضَافَة أَحدهمَا إِلَى الآخر وَقَوْلهمْ (كَوْكَب الخرقاء) أضيف إِلَيْهَا لِأَنَّهَا كَانَت تنتبه وَقت طلوعه (وَالأَصَح أَن الأول) هُوَ (الْمُضَاف وَالثَّانِي) هُوَ (الْمُضَاف إِلَيْهِ) وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ لِأَن الأول هُوَ الَّذِي يُضَاف إِلَى الثَّانِي فيستفيد مِنْهُ تَخْصِيصًا وَغَيره وَقيل عَكسه وَثَالِثهَا يجوز فِي كل مِنْهُمَا كل مِنْهُمَا (وتجري) هَذِه الْأَقْوَال (فِي الْمسند والمسند إِلَيْهِ) فَقيل الْمسند الأول مُبْتَدأ كَانَ أَو غَيره والمسند إِلَيْهِ الثَّانِي وَقيل عَكسه وَقيل يجوز أَن يُقَال كل مِنْهُمَا فِي الأول وَالثَّانِي وَالأَصَح قَول رَابِع أَن الْمسند الْمَحْكُوم بِهِ والمسند إِلَيْهِ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ (و) يجْرِي أَيْضا فِي (الْبَدَل والمبدل مِنْهُ) وَالأَصَح هُنَا أَن الثَّانِي الْبَدَل وَالْأول الْمُبدل مِنْهُ كَمَا يُؤْخَذ من مبحثه
[ ٢ / ٥٠٠ ]
(و) الْأَصَح (أَن الْجَرّ) فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ (بالمضاف) قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ الْقيَاس أَلا يعْمل من الْأَسْمَاء إِلَّا مَا أشبه الْفِعْل وَالْفِعْل لَا حَظّ لَهُ فِي عمل الْجَرّ لَكِن الْعَرَب اختصرت حُرُوف الْجَرّ فِي مَوَاضِع وأضافت الْأَسْمَاء بَعْضهَا إِلَى بعض فناب الْمُضَاف مناب حرف الْجَرّ فَعمل عمله وَيدل لَهُ اتِّصَال الضمائر بِهِ وَلَا تتصل إِلَّا بعاملها وَقَالَ الزّجاج وَابْن الْحَاجِب هُوَ بالحرف الْمُقدر لِأَن الِاسْم لَا يخْتَص (و) قَالَ الْأَخْفَش بِالْإِضَافَة المعنوية قَالَ الْجُمْهُور وتقدر اللَّام قَالَ فِي شرح الكافية وَمَعْنَاهَا هُوَ الأَصْل وَلذَا يحكم بِهِ مَعَ صِحَة تقديرها وَامْتِنَاع تَقْدِير غَيرهَا نَحْو دَار زيد وَمَعَ صِحَة تقديرها وَتَقْدِير غَيرهَا نَحْو يَد زيد وَعند امْتنَاع تقديرها وَتَقْدِير غَيرهَا نَحْو عِنْده وَمَعَهُ وَمِنْه إِضَافَة كل إِلَى مَا بعْدهَا (و) قَالَ (قوم و) يقدر (من إِن كَانَ الأول بعض الثَّانِي وَصَحَّ الْإِخْبَار بِهِ عَنهُ) كَثوب خَز وَخَاتم فضَّة فالثوب بعض الْخَزّ والخاتم بعض الْفضة وَيصِح أَن يُطلق على كل اسْم الْخَزّ وَالْفِضَّة وَمِنْه إِضَافَة الْعدَد إِلَى الْمَعْدُود والمقدر إِلَى المقدرات على الصَّحِيح بِخِلَاف يَد زيد وَعين عَمْرو فبالإضافة فِيهِ بِمَعْنى اللَّام إِذْ لَا يَصح إِطْلَاق اسْم الثَّانِي فِيهِ على الأول (قيل أَو لم يَصح) ذَلِك اكْتِفَاء بِكَوْنِهِ بَعْضًا وَهُوَ رَأْي ابْن كيسَان والسيرافي واستدلا بظهورها فِي قَوْله: ١٢١١ -
(فالْعَيْنُ مني كأنْ غَرْبٌ تُحطَّ بِهِ )
وَقَوله: ١٢١٢ -
(كأنَّ على الكفّين مِنْه إِذا انْتحي )
[ ٢ / ٥٠١ ]
ورده ابْن مَالك بِأَن الْفضل ب (من) لَا يدل على أَن الْإِضَافَة بمعناها وَقد فصل بهَا مَا لَيْسَ بِجُزْء قَالَ: ذ ١٢١٣ -
(وإنَّ حَدِيثًا مِنْكَ لَو تعلمينه )
وَأنكر قوم الْإِضَافَة بِمَعْنى (من) أصلا وَقَالُوا الْإِضَافَة بِمَعْنى اللَّام لِأَن الْخَزّ مُسْتَحقّ للثوب كَمَا أَنه أَصله (و) قَالَ الْجِرْجَانِيّ وَابْن الْحَاجِب فِي كافيته وَابْن مَالك فِي كتبه (و) تقدر (فِي) حَيْثُ كَانَ ظرفا لَهُ قَالَ فِي شرحي الكافية والتسهيل قد أغفلها أَكثر النَّحْوِيين وَهِي ثَابِتَة فِي الفصيح كَقَوْلِه: ﴿أَلد الْخِصَام﴾ [الْبَقَرَة: ٢٠٤] ﴿مكر اللَّيْل وَالنَّهَار﴾ [سبأ: ٣٣] ﴿تربص أَرْبَعَة أشهر﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٦] ﴿يَا صَاحِبي السجْن﴾ [يُوسُف: ٣٩، ٤٠] وَفِي الحَدِيث:
(فَلَا تَجِدُونَ أعلم من عَالم المدنية) فَمَعْنَى (فِي) فِي هَذِه الْأَمْثِلَة ظَاهر وَلَا يَصح تَقْدِير غَيرهَا إِلَّا بتكلف قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا أعلم أحدا ذهب إِلَى هَذِه الْإِضَافَة غَيره وَهُوَ مَرْدُود فقد قَالَ بهَا الْجَمَاعَة المذكورون مَعَه كَمَا صرحت بنقله عَنْهُم تَقْوِيَة لِابْنِ مَالك ورد الدعْوَة تفرده وَصرح ابْن الْحَاجِب فِي مقدمته بِأَن تَقْدِير (فِي) أقل من (اللَّام) و(من) وَكَذَا قَالَ ابْن مَالك وَزَاد أَن تَقْدِير (من) أقل من تَقْدِير (اللَّام) (و) قَالَ (الكوفية و) يقدر (عِنْد) نَحْو هَذِه نَاقَة رقود الْحَلب أَي رقود عِنْد الْحَلب وَأجَاب أَبُو حَيَّان بِأَن هَذَا وَمَا قدر فِيهِ من بَاب الصّفة المشبهة وَالْأَصْل رَفعه على الفاعلية مجَازًا للْمُبَالَغَة (و) قَالَ أَبُو حَيَّان لَا تَقْدِير أصلا لَا للام وَلَا
[ ٢ / ٥٠٢ ]
لغَيْرهَا وَإِنَّمَا الْإِضَافَة تفِيد الِاخْتِصَاص وجهاته مُتعَدِّدَة بَين كل جِهَة مِنْهَا الِاسْتِعْمَال فَإِذا قلت غُلَام زيد وَدَار عَمْرو فالإضافة للْملك أَو سرج الدَّابَّة فاللاستحقاق أَو شيخ أَخِيك فلمطلق الِاخْتِصَاص وَيخْتَص التَّقْدِير عِنْد من قَالَ بِهِ بالمحضة وَقيل تقدر اللَّام فِي غَيرهَا لظهورها فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمنهمْ ظَالِم لنَفسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] ﴿حافظات للغيب﴾ [النِّسَاء: ٣٤] ﴿مُصدق لما مَعَهم﴾ [الْبَقَرَة: ٨٩] ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ورد بِعَدَمِ اطراده إِذْ لَا يسوغ فِي الصّفة المشبهة (و) الْمَحْضَة (هِيَ الَّتِي تفِيد تعريفا) إِذا كَانَ الْمُضَاف إِلَيْهِ معرفَة أَو تَخْصِيصًا إِذا كَانَ نكرَة قَالَ أَبُو حَيَّان هَكَذَا قَالُوا وَلَيْسَ بِصَحِيح لِأَنَّهُ من جعل الْقسم قسيما وَذَلِكَ أَن التَّعْرِيف تَخْصِيص فَهُوَ قسم مِنْهُ وَالصَّوَاب أَنَّهَا تفِيد التَّخْصِيص فَقَط وَأقوى مراتبه التَّعْرِيف انْتهى وَهُوَ بحث لَفْظِي وَفِي مفَاد إِضَافَة الْجمل أَي الْإِضَافَة إِلَيْهَا احْتِمَالَانِ لصَاحب الْبَسِيط وَجه التَّخْصِيص أَن الْجمل نكرات وَوجه التَّعْرِيف أَنَّهَا فِي تَأْوِيل الْمصدر الْمُضَاف فِي التَّقْدِير إِلَى فَاعله أَو مَفْعُوله هَكَذَا حَكَاهُمَا أَبُو حَيَّان بِلَا تَرْجِيح ثمَّ قَالَ وَفِي التَّعْرِيف نظر لِأَن تَقْدِير الْمصدر تَقْدِير معنى كَمَا فِي همزَة التَّسْوِيَة فَلَا يلْتَفت إِلَى الْإِضَافَة فِيهِ كَمَا لَا يتعرف قَوْلك غُلَام رجل وَأَنت تُرِيدُ وَاحِدًا بِعَيْنِه وَأَيْضًا فَلَا يلْزم فِي الْمصدر أَن يقدر مُضَافا بل قد يقدر منونا عَاملا انْتهى وَغَيرهَا أَي غير الْمَحْضَة مَا لَا يُفِيد وَاحِدًا مِنْهُمَا بل تَخْفِيفًا فِي اللَّفْظ بِحَذْف التَّنْوِين وَشبهه فَمِنْهُ أَي من غير الْمَحْضَة إِضَافَة غير وَمثل وَشبه وخدن بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُهْملَة بِمَعْنى صديق وَنَحْو بِمَعْنى مثل وناهيك وحسبك من رجل أَي كافيك وَمَا فِي مَعْنَاهَا كترب بمعني لِدَة وَضرب وند فِي معنى مثل وشرعك وبجلك وقطك وقدك فِي معنى حَسبك فَهَذِهِ الْأَسْمَاء نكرات وَإِن أضيف إِلَى معرفَة إِمَّا لِأَنَّهَا على نِيَّة التَّنْوِين قصدا للتَّخْفِيف كالوصف كَمَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ والمبرد وَهُوَ صَرِيح الْمَتْن وَجزم بِهِ ابْن مَالك فِي (حسب) وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا مُرَاد بهَا اسْم الْفَاعِل أَو لِأَنَّهَا شَدِيدَة الْإِبْهَام كَمَا قَالَ ابْن السراج والسيرافي وَغَيرهمَا وَجزم بِهِ ابْن مَالك فِي غير وَمثل وَنَحْوهمَا لِأَنَّك إِذا قلت غير زيد فَكل شَيْء إِلَّا زيد غَيره وَمثل زيد فَمثله كثير
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وَاحِد فِي طوله وَآخر فِي عمله وَآخر فِي صَنعته وَآخر فِي حسنه وَهَذَا لَا يكَاد يكون لَهُ نِهَايَة وَنقض هَذَا بِأَن كَثْرَة المتماثلين والمغايرين لَا توجب التنكير كَمَا أَن كَثْرَة غلْمَان زيد لَا توجب كَون غُلَام زيد نكرَة بل يجب بالوقوع على وَاحِد مَعْهُود للمخاطب وَقَالَ الْأَخْفَش يجوز أَن يكون السَّبَب فِي ذَلِك كَون أول أحوالها الْإِضَافَة لِأَنَّهَا لَا تسْتَعْمل مفصولة عَنْهَا لَا يُقَال هَذَا مثل لَك وَلَا غير لَك وَأول أَحْوَال الِاسْم التنكير فَلذَلِك كَانَت نكرَة مُطلقًا وَكَذَا وَاحِد أمه وَعبد بَطْنه وَأَبُوك فِي لُغَة لبَعض الْعَرَب حَكَاهَا أَبُو عَليّ فِي الْأَوَّلين والأصمعي فِي الْأَخير حَيْثُ أَدخل عَلَيْهَا (رب) فِي قَول حَاتِم ١٢١٤ -
(أماويّ إِنِّي رُبَّ وَاحِد أمّه )
وَقَوْلها رب أَبِيه رب أَخِيه قَالَ أَبُو حَيَّان كَأَنَّهُ لوحظ فِي وَاحِد أمة معنى مُفْرد أمه وَفِي عبد بَطْنه خَادِم بَطْنه وَالضَّمِير فيهمَا لَا يرجع إِلَى وَاحِد وَلَا عبد بل إِلَى غَيرهمَا مِمَّا تقدم وَفِي أَبِيه وأخيه مُنَاسِب لَهُ بالأبوة والأخوة وَالْأَشْهر اسْتِعْمَال مَا ذكر معرفَة وَقيل وَمِنْه أَيْضا الظروف سَوَاء أضيفت إِلَى مُفْرد أم جملَة حَكَاهُ أَبُو حَيَّان عَن بَعضهم وَيعرف مَا ذكر من (غير) وَمَا بعده إِن تعين المغاير والمماثل كَأَن وَقع (غير) بَين ضدين نَحْو ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين﴾ [الْفَاتِحَة: ٧] وقولك مَرَرْت بالكريم غير الْبَخِيل والجامد غير المتحرك أَو قَارن مثلا مِمَّا يشْعر بمماثلة خَاصَّة وَقَالَ الْمبرد لَا يتعرف (غير) بِحَال لِأَن كل من خالفك فَهُوَ غَيْرك حَقِيقَة وَالَّذِي يماثلك من كل وَجه قد يتَعَيَّن أَن يكون وَاحِدًا قَالَ أَبُو حَيَّان ورد بِأَنَّهُ قد يكون معرفَة بِاعْتِبَار أَنه نِهَايَة فِي الْمُغَايرَة كَمَا يكون نِهَايَة فِي الْمثل وَمِنْه أَي غير الْمَحْضَة إِضَافَة الصّفة أَي اسْم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وأمثلة الْمُبَالغَة وَالصّفة المشبهة إِلَى معمولها الْمَرْفُوع بهَا فِي الْمَعْنى أَو الْمَنْصُوب لِأَنَّهَا فِي تَقْدِير الِانْفِصَال وَلذَلِك وصف بهَا النكرَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَديا بَالغ الْكَعْبَة﴾ [الْمَائِدَة: ٩٥] وَوَقعت حَالا فِي قَوْله ﴿ثَانِي عطفه﴾ [الْحَج: ٩] وَدخل عَلَيْهِ رب فِي قَول جرير:
[ ٢ / ٥٠٤ ]
١٢١٥ -
(يَا رُبَّ غابطنا لَو كَانَ يَطْلُبُكُمْ )
وَذكر ابْن مَالك فِي نكته على الحاجية أَنَّهَا قد تفِيد التَّخْصِيص أَيْضا فَإِن ضَارب زيد أخص من ضَارب قَالَ ابْن هِشَام وَهَذَا سَهْو فَإِن ضَارب زيد أَصله ضَارب زيدا لَا ضَارب فَقَط فالتخصيص حَاصِل بالمعمول قبل الْإِضَافَة وَفهم من تَقْيِيد الْإِضَافَة بِكَوْنِهَا إِلَى الْمَعْمُول اشْتِرَاط كَونهَا بِمَعْنى الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال فَإِن كَانَت بِمَعْنى الْمَاضِي فإضافتها مَحْضَة لِأَنَّهَا لَيست فِي تَقْدِير الِانْفِصَال قيل وَمِنْه إِضَافَة الْمصدر إِلَى مَرْفُوعَة أَو مَنْصُوبَة قَالَه ابْن برهَان وَعلله بِأَن الْمَجْرُور بِهِ مَرْفُوع الْمحل أَو منصوبه فَأشبه الصّفة وَابْن الطراوة وَعلله بِأَن عمله بالنيابة عَن الْفِعْل فَهُوَ أقوى من الصّفة العاملة بالشبه بِدَلِيل اختصاصها بِبَعْض الأزمنه دونه وَإِذا كَانَ أقوى كَانَ أولى أَن يحكم لَهُ بِحكم الْفِعْل فِي عدم التَّعْرِيف وَالأَصَح لَا ورد الِاسْتِدْلَال لِأَنَّهُ لم ينب مناب الْفِعْل وَحده بل مَعَ أَن والموصول مَحْكُوم بتعريفه فَكَذَلِك مَا وَقع موقعه وبانتقاء لَوَازِم التنكير من دُخُول (رب) وَآل ونعته بالنكرة وبورود نَعته وتأكيده بالمعرفة فِي قَوْله
[ ٢ / ٥٠٥ ]
١٢١٦ -
(إنّ وَجْدِي بك الشّدِيدَ أَرَانِي )
وَقَوله: ١٢١٧ -
(فَلَو كَانَ حُبِّي أمَّ ذِي الوَدْع كُلَّهُ )
وَبِأَن تَقْدِير الِانْفِصَال فِي الصّفة للضمير الْمُسْتَتر فِيهَا وَهُوَ بِخِلَافِهِ (قيل و) مِنْهُ إِضَافَة اسْم التَّفْضِيل قَالَه الْكُوفِيُّونَ والفارسي وَأَبُو الْكَرم بن الدباس والجزولي وَابْن عُصْفُور وَابْن أبي الرّبيع قَالَ الْفَارِسِي لِأَنَّهُ يَنْوِي بهَا الِانْفِصَال لكَونهَا تُضَاف إِلَى جمَاعَة هُوَ أَحدهمَا وَإِلَّا لزم إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه إِذْ لَا يَنْفَكّ أَن يكون بعض الْجُمْلَة الْمُضَاف إِلَيْهَا وَلِأَن فِيهِ معنى الْفِعْل وَلِهَذَا نصب الظّرْف وتعدى تَارَة بِنَفسِهِ وَتارَة بِحرف جر وَالأَصَح أَنَّهَا مَحْضَة إِذْ لَا يحفظ ووروده حَالا وَلَا تمييزا وَلَا بعد رب وأل قَالَ سِيبَوَيْهٍ الْعَرَب لَا تَقول هَذَا زيد أسود النَّاس لِأَن الْحَال لَا يكون إِلَّا نكرَة وَثَالِثهَا إِن نوى معنى (من) فَغير مَحْضَة لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِي حكم الِانْفِصَال وَإِلَّا فمحضة قَالَ لَهُ ابْن السراج وَنزل قَول سِيبَوَيْهٍ على الثَّانِي وَقَول الْكُوفِيّين على الأول فَإِن قصد تَعْرِيفهَا أَي الصّفة المضافة إِلَى معمولها بِأَن قصد الْوَصْف بهَا من غير اخْتِصَاص بِزَمَان دون زمَان تعرفت وَلذَا وصف بهَا الْمعرفَة فِي قَوْله تَعَالَى:
[ ٢ / ٥٠٦ ]
﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ [الْفَاتِحَة: ٤] ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾ [الْأَنْعَام: ٩٥] ﴿غَافِر الذَّنب﴾ [غَافِر: ٣] (إِلَّا) الصّفة المشبهة فَلَا تتعرف لِأَن الْإِضَافَة فِيهَا نقل عَن أصل وَهُوَ الرّفْع بِخِلَافِهَا فِي غَيرهَا فَهِيَ عَن فرع وَهُوَ النصب وَلِأَنَّهُ إِذا قصد تَعْرِيفهَا أَدخل عَلَيْهَا اللَّام وَزعم الكوفية والأعلم فَقَالُوا إِنَّهَا تتعرف بِقَصْدِهِ إِذا الْإِضَافَة لَا تمنع مِنْهُ (وَمن ثمَّ) أَي من هُنَا وَهُوَ أَن إِضَافَة الصّفة إِلَى معمولها لَا تفِيد تعريفا بل تَخْفِيفًا جَازَ اقتران هَذَا الْمُضَاف دون غَيره من المضافات (بأل) لِأَن الْمَحْذُوف فِي غَيره من اجْتِمَاع أداتي تَعْرِيف مُنْتَفٍ فِيهِ وَإِنَّمَا يقرن بهَا هَذَا (إِن كَانَ مثنى أَو جمعا على حَده) نَحْو الضاربا زيد والضاربو زيد قَالَ الشَّاعِر: ١٢١٨ -
(لَيْسَ الأخلاَّءُ بالمُصْغِي مَسامِعِهم )
وَقَالَ: ١٢١٩ -
(إِن يَغْنَيَا عَنّي المُسْتوطِنا عَدَن )
(أَو أضيف لمقرون بهَا) نَحْو الضَّارِب الرجل وَقَوله تَعَالَى: ﴿والمقيمي الصَّلَاة﴾ [الْحَج: ٣٥] (أَو) أضيف إِلَى (مُضَاف إِلَيْهِ) أَي إِلَى مقرون بهَا نَحْو القاصد بَاب الْكَرِيم (وَكَذَا) إِن أضيف إِلَى (ضمير هِيَ فِي مرجعه على الْأَصَح) نَحْو الضَّارِب الرجل والشاتمة وَقَوله:
[ ٢ / ٥٠٧ ]
١٢٢٠ -
(الودُّ أنْتِ المُسْتَحِقّة صَفْوهِ )
وَقَوله: ١٢٢١ -
(الْوَاهِب المائةِ الهجان وعَبْدِها )
وَمنع الْمبرد هَذِه الصُّورَة وَأوجب النصب قيل أَو إِلَى ضمير مَا نَحْو الضاربك والضاربي والضاربه قَالَه الرماني والمبرد والزمخشري وَمنع سِيبَوَيْهٍ والأخفش ذَلِك وَجعلا مَوضِع الضَّمِير نصبا كَمَا لَو كَانَ مَوْضِعه ظَاهرا فَإِنَّهُ يتَعَيَّن نَصبه قَالَ الْفراء أَو أضيف إِلَى (معرفَة) مَا نَحْو الضَّارِب زيد بِخِلَاف الضَّارِب رجل وَلَا مُسْتَند لَهُ فِي السماع (و) قَالَ الكوفية أَو أضيف عدد إِلَى مَعْدُود نَحْو الثَّلَاثَة الأثواب قَالَ ابْن مَالك وحجتهم السماع وَأما البصريون فاستندوا فِي الْمَنْع إِلَى الْقيَاس لِأَنَّهُ من بَاب الْمَقَادِير فَكَمَا لَا يجوز الرطل زَيْت لَا يجوز هَذَا الْجُمْهُور على أَنه لَا يُضَاف اسْم لمرادفه ونعته ومنعوته ومؤكده لِأَن الْمُضَاف يتعرف أَو يتخصص بالمضاف إِلَيْهِ وَالشَّيْء لَا يتعرف وَلَا يتخصص إِلَّا بِغَيْرِهِ والنعت عين المنعوت وَكَذَا مَا ذكر بعده (إِلَّا بِتَأْوِيل) كَقَوْلِهِم سعيد كرز أَي مُسَمّى هَذَا اللقب وخشرم دبر أَي الَّذِي لَهُ ذَا الِاسْم لِأَنَّهُمَا اسمان للنحل وَصَلَاة الأولى وَمَسْجِد الْجَامِع و﴿دين الْقيمَة﴾ [الْبَيِّنَة: ٥] أَي السَّاعَة الأولى وَالْيَوْم أَو الْوَقْت الْجَامِع وَالْملَّة الْقيمَة وسحق عِمَامَة وجرد قطيفة
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الأَصْل عِمَامَة سحق وقطيفة جرد قدم وَجعل نوعا مُضَافا إِلَى الْجِنْس كخاتم فضَّة وَيَوْم يَوْم وَلَيْلَة لَيْلَة وَشرط الكوفية فِي الْجَوَاز اخْتِلَاف اللَّفْظ فَقَط من غير تَأْوِيل تَشْبِيها بِمَا اخْتلف لَفظه وَمَعْنَاهُ كَيَوْم الْخَمِيس و﴿شهر رَمَضَان﴾ [الْبَقَرَة ١٦٥] و﴿وعد الصدْق﴾ [الْأَحْقَاف: ١٦] و﴿حق الْيَقِين﴾ [الْوَاقِعَة: ٩٥] و﴿مَكْرَ السَّيِّيءِ﴾ [فاطر: ٤٣] و﴿يَا نسَاء الْمُؤْمِنَات﴾ كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي النَّعْت والعطف والتأكيد نَحْو: ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] ١٢٢٢ -
(كَذِبًا ومَيْنا )
﴿كلهم أَجْمَعُونَ﴾ [الْحجر: ٣٠] (و) قَالَ أَبُو حَيَّان لَا يتَعَدَّى السماع بل يقْتَصر عَلَيْهِ فَلَا يُقَاس وَهل هِيَ أَي هَذِه الْإِضَافَة مَحْضَة أَو لَا أَو وَاسِطَة بَينهمَا أَقْوَال: الأول قَالَه جمَاعَة وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان لِأَنَّهُ لَا يَقع بعد (رب) وَلَا (أل) وَلَا ينعَت بنكرة وَلَا ورد نكرَة فَلَا يحفظ (صَلَاة أولى) و(مَسْجِد جَامع) وَالثَّانِي قَالَه الْفَارِسِي وَابْن الدباس وَغَيرهمَا لشبهه بِحسن الْوَجْه وَأَمْثَاله لِأَن الأَصْل فِي (صَلَاة الأولى) وَنَحْوه (الصَّلَاة الأولى) على النَّعْت ثمَّ أزيل عَن حَده كَمَا أَن أصل حسن الْوَجْه (حسن وَجهه) فأزيل عَن الرّفْع وَالثَّالِث قَالَه ابْن مَالك قَالَ لِأَن لَهَا اعتبارين اتِّصَال من وَجه أَن الأول غير مفصول بضمير منوي وانفصاله من وَجه أَن الْمَعْنى لَا يَصح إِلَّا بتكلف خُرُوجه عَن الظَّاهِر قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يسْبقهُ أحد إِلَى ذكر هَذَا الْقسم الثَّالِث (ثمَّ تجْرِي) هَذِه الْأَقْوَال فِيمَا ألغي فِيهِ مُضَاف نَحْو:
[ ٢ / ٥٠٩ ]
١٢٢٣ -
(إِلَى الحوْل ثُمّ اسْمُ السّلام عَلَيْكما )
أَو مُضَاف إِلَيْهِ نَحْو: ١٢٢٤ -
(أَقَامَ ببَغْدادِ العِراق وشَوْقُه لأهل دِمشْق الشّام شَوْقٌ مُبرِّحُ)
وَلَا يقدم على الْمُضَاف مَعْمُول مُضَاف إِلَيْهِ لِأَنَّهُ من تَمَامه كَمَا لَا يتَقَدَّم الْمُضَاف إِلَيْهِ على الْمُضَاف وَجوزهُ الْكسَائي على أفعل نَحْو أَنْت أخانا أول ضَارب وَاقْتصر فِي التسهيل على ذكر الْمِثَال وَأَن ثعلبا حَكَاهُ عَنهُ قَالَ أَبُو حَيَّان فَهَل هُوَ مُخْتَصّ بِلَفْظ (أول) أَو (عَام) فِي كل أفعل تَفْضِيل يحْتَاج إِلَى تَحْرِير النَّقْل فِي ذَلِك وَلَا يظْهر فَوق بَين (أول) وَغَيره فَيجوز هَذَا بِاللَّه أفضل عَارِف وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز شَيْء من ذَلِك لعدم سَماع ذَلِك من كَلَامهم ولمخالفة الْأُصُول وَجوز الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن مَالك التَّقْدِيم على غير النافية مُطلقًا نَحْو: زيد عمرا غير ضَارب قَالَ: ١٢٢٥ -
(فَتى هُوَ حَقًّا غيرُ مُلْغ فَرِيضَة وَلَا تَتّخِذْ يَوْمًا سواهُ خَلِيلًا)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح أَنه لَا يجوز ذَلِك وَالْبَيْت نَادِر لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَجوزهُ قوم على غير (إِن كَانَ) الْمَعْمُول ظرفا أَو مجرورا لتوسعهم فِيهِ كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥١٠ ]
١٢٢٦ -
(إنَّ امْرَءًا خَصّني يَوْمًا مَوَدَّتَه على التّنائِي لَعِنْدي غَيرُ مَكْفُور)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح الْمَنْع لِاتِّحَاد الْعلَّة فِي ذَلِك وَفِي الْمَفْعُول أما (غير) الَّتِي لم يرد بهَا نفي فَلَا يجوز التَّقْدِيم عَلَيْهَا بِاتِّفَاق فَلَا يُقَال أكْرم الْقَوْم زيدا غير مشاتم وَجوز قوم التَّقْدِيم على حق كَقَوْلِه: ١٢٢٧ -
(فإنْ لَا أكُنْ كُلَّ الشُجاع فإنّني بِضَرْب الطُّلَى والهام حقُّ عليم)
قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح الْمَنْع لندور هَذَا الْبَيْت وَإِمْكَان تَأْوِيله وَجوز قوم التَّقْدِيم على (مثل) نَقله ابْن الْحَاج نَحْو أَنا زيدا مثل ضَارب وَقد يكْتَسب الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ تأنيثا وتذكيرا إِن صَحَّ حذفه وَلم يخْتل الْكَلَام بِهِ وَكَانَ بَعْضًا من الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو كبعض مِنْهُ كَقَوْلِهِم قطعت بعض أَصَابِعه وَقُرِئَ: ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ [يُوسُف: ١٠] وَقَوله: ١٢٢٨ -
(كَمَا شَرقَتْ صدْرُ القَنَاةِ من الدَّم )
وَقَوله:
[ ٢ / ٥١١ ]
١٢٢٩ -
(رؤيةُ الْفِكر مَا يَؤُول لَهُ الأمْرُ مُعينٌ على اجْتناب التّواني)
بِخِلَاف مَا إِذا لم يَصح لَو حذف فَلَا يُقَال قَامَت غُلَام هِنْد وَلَا أمة زيد جَاءَ أَو صَحَّ وَلم يكن بَعْضًا وَلَا كبعض فَلَا يُقَال أعجبتني يَوْم الْجُمُعَة وَلَا جَاءَت يَوْم عَاشُورَاء
أَسمَاء لَازِمَة الْإِضَافَة
مَسْأَلَة فِي أَسمَاء لازمت الْإِضَافَة لاحتياجها إِلَيْهَا فِي فهم مَعْنَاهَا لزم الْإِضَافَة مُطلقًا حمادى وقصارى بِضَم أولاهما وقصرهما بِمَعْنى الْغَايَة يُقَال قصاراك أَن تفعل كَذَا أَي غايتك وَآخر أَمرك وَحكى الْجَوْهَرِي فِيمَا فتح الْقَاف وَقصر أَيْضا قَالَ: ١٢٣٠ -
(قَصْرُ الْجَدِيد إِلَى بلَى والْعَيْشُ فِي الدّنيا انْقِطَاعُه)
(و) لزم الْإِضَافَة إِلَى ضمير وحد فَلَا يُضَاف إِلَى ظَاهر وَسَوَاء ضمير الْغَائِب وَغَيره وَتجب مطابقته لما قبله نَحْو: ﴿إِذا دعِي الله وَحده﴾ [غَافِر: ١٢] ١٢٣١ -
(والذّنْبَ أخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وَحْدِي .)
١٢٣٢ -
(وكُنْتَ إذْ كُنْتَ إلهي وحْدَكا )
[ ٢ / ٥١٢ ]
وَقَوله: ١٢٣٣ -
(أعاذِلَ هَل يَأْتِي القبائلَ حظَّها من الْمَوْت أم خُلِّي لنا الموتُ وَحْدنا)
لَازم النصب على الْمصدر لفعل من لَفظه حكى الْأَصْمَعِي وحد الرجل يحد إِذا انْفَرد وَقيل لم يلفظ بِفِعْلِهِ كالأبوة والأخوة والخؤولة وَقيل مَحْذُوف الزَّوَائِد من إيحاد وَقيل نَصبه على الْحَال لتأويله بموحد وَقيل على حذف حرف الْجَرّ وَالْأَصْل على وَحده (و) لَازم الْإِفْرَاد والتذكير لِأَنَّهُ مصدر (وَقد يثنى) شذوذا أَو يجر بعلى سمع جلسا على وحديهما وَقُلْنَا ذَلِك وحدينا واقتضيت كل دِرْهَم على حَده وَجلسَ على وَحده أَو إِضَافَة نَسِيج وقريع بِوَزْن كريم وجحيش وعيير مصغرين إِلَيْهِ ملحقات بالعلامات على الْأَصَح يُقَال هُوَ نَسِيج وَحده وقريع وَحده إِذا قصد قلَّة نَظِيره فِي الْخَيْر وَأَصله فِي الثَّوْب لِأَنَّهُ إِذا كَانَ رفيعا لم ينسج على منواله والقريع السَّيِّد وَهُوَ جحيش وَحده وعيير وَحده إِذا قصد قلَّة نَظِيره فِي الشَّرّ وهما مصغر عير وَهُوَ الْحمار وجحش وَهُوَ وَلَده يذم بهما الْمُنْفَرد بِاتِّبَاع رَأْيه وَيُقَال (هما نسيجا وَحدهمَا) و(هم نسجاء وحدهم) و(هِيَ نسيجة وَحدهَا) وَهَكَذَا وَقيل لَا يتَّصل بنسيج وإخواته العلامات فَيُقَال هما نَسِيج وَحدهمَا وَهَكَذَا و(قريع) لم يذكرهَا فِي التسيهل وَذكرهَا أَبُو حَيَّان وَشَيْخه الشاطبي (رجيل وَحده) وَلزِمَ الْإِضَافَة إِلَى معرفَة مثناة لفظا أَو (معنى تفريقه) مَعْطُوفًا بِالْوَاو فَقَط (ضَرُورَة كلا وكلتا) نَحْو: وكلا الرجلَيْن ﴿كلتا الجنتين﴾ [الْكَهْف: ٣٣] ١٢٣٤ -
(كِلانا غنِيٌّ عَن أَخِيه حَياتَهُ )
[ ٢ / ٥١٣ ]
١٢٣٥ -
(إنّ للخير وللشرّ مَدًى وكِلا ذَلِك وَجْهٌ وقَبَلْ)
وَمن تفريقه بِالْوَاو: ١٢٣٦ -
(كلا أخي وخليلي وَاجدِي عَضُدًا )
وَقَالَ الكوفية أَو نكرَة محدودة بِنَاء على جَوَاز توكيدها سمع: (كلتا جاريتين عنْدك مَقْطُوعَة يَدهَا وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي وَإِلَى مُفْرد إِن كررت كلا نَحْو كلاي وكلاك محسنان (و) لزم الْإِضَافَة ذُو وفروعه أَي ذَوا وذوو وَذَات وذاتا وَذَوَات (وألوا وَأولَات إِلَى اسْم جنس) قِيَاسا كذي علم وَذي حسن (﴿وَأشْهدُوا ذَوي عدل﴾ [الطَّلَاق: ٢] ﴿ذواتا أفنان﴾ [الرَّحْمَن: ٤٨] وَإِلَى علم سَمَاعا نَحْو ذُو يزن وَذُو رعين وَذُو الكلاع وَذُو سلم وَذُو عَمْرو وَذُو تَبُوك وَقيل قِيَاسا قَالَه الْفراء وَالْغَالِب إلغاؤها أَي كَونهَا ملغاة أَي زَائِدَة حِينَئِذٍ وَقد لَا تلغى نَحْو (أَنا الله ذُو بكة) أَي صَاحب (بكة) وَالْمُخْتَار جَوَازهَا أَي إضافتها إِلَى ضمير كَمَا يفهم من كَلَام أبي حَيَّان أَن الْجُمْهُور عَلَيْهِ كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥١٤ ]
١٢٣٧ -
(إنّما يَعْرفُ ذَا الفَضْل من النّاس ذَوُوهُ)
وَقَوله: ١٢٣٨ -
(أبار ذَوي أرُومَتِها ذَوُوهُ )
وَقَوله: ١٢٣٩ -
(رجوناه قُدْمًا من ذَويك الأفاضل )
خلافًا للكسائي والنحاس والزبيدي والمتأخرين فِي مَنعهم ذَلِك إِلَّا فِي الشّعْر وَجزم بِهِ الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح وَفِي رُؤُوس الْمسَائِل بعد نَقله الْمَنْع عَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورين وَأَجَازَهُ غير هَؤُلَاءِ وَقد اسْتعْمل جمع (ذِي) مَقْطُوعًا عَن الْإِضَافَة إِلَى فِي قَوْله: ١٢٤٠ -
(فَلَا أعْنِي بذَلك أسفليكمْ ولكنّي أُرِيد بِهِ الذَّوينا)
وَجمع مَا تقدم لزم الْإِضَافَة معنى ولفظا (و) لزم الْإِضَافَة معنى لَا لفظا فَيجوز الْقطع على نِيَّتهَا
[ ٢ / ٥١٥ ]
أل
(آل) وَأَصله أول قلبت واوه ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا بِدَلِيل قَوْلهم أويل وَقيل أهل أبدلت هاؤه همزَة ثمَّ الْهمزَة ألفا لسكونها بعد همزَة مَفْتُوحَة بِدَلِيل أهيل وَإِنَّمَا يُضَاف (إِلَى علم عَالم غَالِبا) كَقَوْلِه: ١٢٤١ -
(نَحن آلُ اللهِ فِي بَلْدَتنَا لم نَزْل آلًا على عهد إِرَمْ)
وَمن إِضَافَته إِلَى علم غَيره: ١٢٤٢ -
(من الجُرْد من آل الْوَجِيه ولاحق )
وهما علما فرس وَإِلَى الْجِنْس آل الصَّلِيب وَالصَّحِيح جَوَازه إِلَى ضمير كَقَوْلِه: ١٢٤٣ -
(وانصُر على آل الصَّليبِ وعابديه اليومَ آلَكْ)
وَقيل لَا يجوز وعزي للكسائي والنحاس والزبيدي
كل وَبَعض
وَلزِمَ الْإِضَافَة معنى أَيْضا (كل وَبَعض وَالْجُمْهُور) على (أَنَّهُمَا) عِنْد التجرد مِنْهَا (معرفتان بنيتها) لِأَنَّهُمَا لَا يكونَانِ أبدا إِلَّا مضافين فَلَمَّا نَوَيْت تعرف من جِهَة الْمَعْنى (وَمن ثمَّ) أَي من هُنَا وَهُوَ كَونهمَا عِنْد الْقطع معرفتين بنيتها أَي من أجل ذَلِك (امْتنع وقوعهما حَالا وتعريفهما بَال خلافًا للأخفش وَأبي عَليّ) الْفَارِسِي
[ ٢ / ٥١٦ ]
وَابْن درسْتوَيْه فِي قَوْلهم بِأَنَّهُمَا نكرتان وأنهما معرفان بأل وينصبان على الْحَال قِيَاسا على نصف وَسدس وَثلث فَإِنَّهَا نكرات بِإِجْمَاع وَهِي فِي الْمَعْنى مضافات وحكوا مَرَرْت بهم كلا بِالنّصب على الْحَال وَهَذَا القَوْل مَشْهُور عَن الْأَوَّلين وظفرت بنقله عَن ابْن درسْتوَيْه أَيْضا فِي كتاب (لَيْسَ) لِابْنِ خالويه فَذَكرته تَقْوِيَة لَهما
أَي
(و) لزم الْإِضَافَة معنى أَيْضا (أَي) بأقسامها فَتكون نفس مَا تُضَاف إِلَيْهِ (وَهِي مَعَ النكرَة ككل وَمَعَ الْمعرفَة كبعض وَمن ثمَّ) أَي من هُنَا وَهُوَ كَونهَا مَعَ الْمعرفَة كبعض أَي من أجل ذَلِك (لم تضف لمفرد معرفَة إِلَّا مكررة أَو منويا بهَا الْأَجْزَاء) ليَصِح فِيهَا معنى البعضية نَحْو: ١٢٤٤ -
(أيِّي وأَيُّكَ فارسُ الأحْزابِ )
وَنَحْو أَي زيد حسن أَي أَي أَجْزَائِهِ فَإِن لم يكن تعين إضافتها إِلَى نكرَة أَو مثنى نَحْو أَي رجل وَأي الزيدين عنْدك هَذَا حكم شَامِل لأي بأنواعها وَتقدم مَا يخْتَص بِكُل نوع مِنْهَا فِي مَبْحَث الْمَوْصُول (وَمر كثير) مِمَّا لزم الْإِضَافَة فِي المصادر والظروف وَالِاسْتِثْنَاء (فَلم نعده) حذرا من التّكْرَار مَسْأَلَة أضيف للْفِعْل آيَة بِمَعْنى عَلامَة مَعَ (مَا) المصدرية أَو النافية ودونهما تَشْبِيها لَهَا بالظرف كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥١٧ ]
١٢٤٥ -
(بآيةِ تُقْدِمون الْخيل شُعْثًا )
وَقَوله: ١٢٤٦ -
(أَلِكْنِي إِلَى سَلْمى بآيةِ أوْمأتْ )
وَقَوله: ١٢٤٧ -
(بآيةِ مَا تُحبُّون الطّعاما )
وَقَوله: ١٢٤٨ -
(بآيةِ مَا كَانُوا ضعافًا وَلَا عُزْلا )
[ ٢ / ٥١٨ ]
وَقيل هُوَ على حذف مَا المصدرية وَالْإِضَافَة إِلَى الْمصدر المؤول قَالَ ابْن جني وعَلى الأول (مَا) الْمَوْجُودَة زَائِدَة وَيُؤَيِّدهُ عدم تصريحهم بِالْمَصْدَرِ أصلا وإضافتها إِلَى الْجُمْلَة الاسمية فِي قَوْله: ١٢٥ -
(بِآيَة الخالُ مِنْهَا عِنْد بُرْقُعِها )
وَقيل لَا يطرد ذَلِك بل يقْتَصر فِيهِ على السماع قَالَه الْمبرد (و) أضيف إِلَيْهِ أَيْضا (ذُو فِي قَوْلهم اذْهَبْ) بِذِي تسلم (أَو افْعَل بِذِي تسلم) وَهِي بِمَعْنى صَاحب (أَي بِذِي سلامتك) وَالْمعْنَى فِي وَقت ذِي سَلامَة فالباء بِمَعْنى فِي وَقيل للمصاحبة أَي أَفعلهُ مقرنا بسلامتك كَمَا تَقول افعله بسعادتك وَقيل للقسم أَي بِحَق سلامتك وهلا هُوَ خبر فِي معنى الدُّعَاء أَي وَالله يسلمك و(قيل ذُو مَوْصُولَة) أعربت على لُغَة و(تسلم) صلتها وَالْمعْنَى اذْهَبْ فِي الْوَقْت الَّذِي تسلم فِيهِ ثمَّ حذف الْجَار اتساعا فَصَارَ تسلمه ثمَّ الضَّمِير (وَيلْحق الْفِعْلَيْنِ الْفُرُوع) فَيُقَال اذْهَبَا بِذِي تسلمان واذهبوا بِذِي تسلمون واذهبي بِذِي تسلمين مَسْأَلَة (يحذف الْمُضَاف لدَلِيل) جَوَازًا نَحْو: ﴿أَو كصيب﴾ [الْبَقَرَة: ١٩] أَي كأصحاب صيب ﴿أَو كظلمات فِي بَحر﴾ [النُّور: ٤٠] أَي كذل ظلمات بِدَلِيل ﴿يجْعَلُونَ أَصَابِعهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٩] ﴿يَغْشَاهُ موج﴾ [النُّور: ٤٠] ودونه ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١٢٥ -
(عَشِيَّة فَرَّ الحارثيُّون بَعْدَمَا قضى نَحْبه فِي ملتقى الْقَوْم هوْبرُ)
يُرِيد ابْن هوبر
[ ٢ / ٥١٩ ]
وَإِنَّمَا يُقَاس إِذا لم يستبد الثَّانِي بِنِسْبَة الحكم نَحْو: ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ [يُوسُف: ٨٢] أَي أَهلهَا ﴿وأشربوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ [الْبَقَرَة: ٩٣] أَي حبه فَإِن جَازَ استبداده بِهِ اقْتصر فِيهِ على السماع وَلم يقس خلافًا لِابْنِ جني فِي قَوْله بِالْقِيَاسِ مُطلقًا فَأجَاز جَلَست زيدا على تَقْدِير جُلُوس زيد وَقد يحذف متضايفان وَثَلَاثَة نَحْو: ﴿فَإِنَّهَا من تقوى الْقُلُوب﴾ [الْحَج: ٣٢] أَي فَإِن تعظيمها من أَفعَال ذَوي تقَوِّي ﴿قَبْضَة من أثر الرَّسُول﴾ [طه: ٩٦] أَي أثر حافر فرس الرَّسُول ﴿فَكَانَ قاب قوسين﴾ [النَّجْم: ٩] أَي مِقْدَار مَسَافَة قربه مثل قاب ثمَّ الْأَفْصَح نِيَابَة الثَّانِي أَي الْمُضَاف إِلَيْهِ عَن الْمُضَاف فِي أَحْكَامه من الْإِعْرَاب كَمَا تقدم والتذكير نَحْو: ١٢٥١ -
(يَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريصَ عَلَيْهمُ بَرَدَى يُصفّقُ بالرّحيق السّلسَل)
أَي مَاء بردى وَإِلَّا لقَالَ تصفق وَهُوَ نهر بِدِمَشْق أَلفه للتأنيث والتأنيث نَحْو: ١٢٥٢ -
(والمسْكُ من أرْدانِها نافِحَهْ )
أَي رَائِحَته وعود ضَمِيره نَحْو: ﴿وَتلك الْقرى أهلكناهم﴾ [الْكَهْف: ٥٩] أَي أَهلهَا وَغير ذَلِك كَحَدِيث:
(إِن هذَيْن حرَام على ذُكُور أمتِي) أَي اسْتِعْمَال هذَيْن
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وَفِي نيابته عَنهُ فِي التنكير إِذا كَانَ الْمُضَاف الْمَحْذُوف مثلا خلف فَقَالَ ابْن مَالك تبعا للخليل نعم وَلذَلِك نصب على الْحَال نَحْو (تفَرقُوا أيادي سبأ) أَي مثلهَا أَو ركب مَعَ (لَا) كَحَدِيث:
(إِذا هلك كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده وَإِذا هلك قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده) وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ لَا وَيجوز إبْقَاء جَرّه إِن عطف على مماثل للمحذوف أَو مُقَابل لَهُ فَالْأول نَحْو: ١٢٥٣ -
(أَكُلَّ امْرئ تَحْسبين امْرَءًا ونار تَوقَّدُ باللّيل نَارا)
أَي وكل نَار وَالثَّانِي نَحْو: ﴿تُرِيدُونَ عرض الدُّنْيَا وَالله يُرِيد الْآخِرَة﴾ [الْأَنْفَال: ٦٧] أَي مَا فِي الْآخِرَة وَشرط ابْن مَالك للْجُوَاز اتِّصَال العطب كَمَا مثل أَو فَصله بِلَا نَحْو ١٢٥٤ - ﴿وَلم أَرَ مِثْلَ الْخَيْر يَتْركُهُ الْفَتى وَلَا الشرِّ يَأْتِيهِ امرؤٌ وَهُوَ طائِعُ﴾
وَلم يَشْتَرِطه الْأَكْثَرُونَ كَمَا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة (و) شَرط قوم سبق نفي أَو اسْتِفْهَام كَمَا تقدم فِي الْأَمْثِلَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح جَوَازه مَعَ عدمهما كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥٢١ ]
١٢٥٥ -
(لَوَ أنَّ طَبِيب الْإِنْس والجنِّ دَاوَيا الّذِي بِي من عَفْراءَ مَا شَفَيَاني)
وَقَوله: ١٢٥٦ -
(كل مُثْر فِي رهطه ظاهِرُ العِزْز وَذي غُرْبَةٍ وفقر مَهينُ)
(و) الْجَرّ (دون عطف ضَرُورَة) كَقَوْلِه: ١٢٥٧ -
(الآكِلُ المالَ الْيَتِيم بَطَرَا )
أَي مَال الْيَتِيم خلافًا للكوفية فِي تجويزهم ذَلِك فِي الِاخْتِيَار حكوا أطعمونا لَحْمًا سمينا شَاة أَي لحم شَاة فقاسوا عَلَيْهِ نَحْو يُعجبنِي ضرب زيد أَي ضرب زيد والبصريون حملُوا ذَلِك على الشذوذ ويحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ منويا وَيكثر هَذَا الْحَذف فِي الْأَسْمَاء التَّامَّة ويقل فِي غَيرهَا كقبل وَبعد وَنَحْوهمَا وَقَالَ ابْن عُصْفُور لَا يُقَاس إِلَّا فِي مُفْرد مضافه زمَان وَقد يبْقى الْمُضَاف بِلَا تَنْوِين إِن عطف هُوَ على مُضَاف لمثله أَو عطف عَلَيْهِ مُضَاف لمثله فَالْأول نَحْو حَدِيث البُخَارِيّ عَن أبي بَرزَة:
(غزوت مَعَ رَسُول الله
سبع غزوات أَو ثَمَانِي) بِفَتْح الْيَاء بِلَا تَنْوِين وَالثَّانِي نَحْو حَدِيث أَنه
قَالَ
(تحيضين فِي علم الله سِتَّة أَو سَبْعَة أَيَّام) وَخَصه الْفراء بالمصطحبين كَالْيَدِ وَالرجل نَحْو قطع الله يَد وَرجل من قَالَهَا وَالنّصف وَالرّبع وَقبل وَبعد بِخِلَاف نَحْو دَار وَغُلَام فَلَا يُقَال اشْتريت دَار وَغُلَام زيد
[ ٢ / ٥٢٢ ]
قَالَ ابْن مَالك وَقد ينفى بِلَا تَنْوِين من غير عطف كَقِرَاءَة ابْن مُحَيْصِن (﴿فَلَا خوف عَلَيْهِم﴾ [الْبَقَرَة: ٣٨] أَي لَا خوف شَيْء عَلَيْهِم وَقَوله: ١٢٥٨ -
(سُبحانَ مِنْ علقمةَ الفاخر )
الْفَصْل بَين المتضايفين
مَسْأَلَة لَا يفصل بَين المتضايفين أَي الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ اخْتِيَارا لِأَنَّهُ من تَمَامه ومنزل مِنْهُ منزلَة التَّنْوِين إِلَّا بمفعوله وظرفه على الصَّحِيح كَقِرَاءَة ابْن عَامر: ﴿قتل أَوْلَادهم شركاؤهم﴾ [الْأَنْعَام: ١٣٧] وَقُرِئَ ﴿مخلف وعده رسله﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٧] وَحَدِيث البُخَارِيّ:
(هَل أَنْتُم تاركو لي صَاحِبي) وَقَوله: (ترك يَوْمًا نَفسك وهواها سعي لَهَا فِي رداها) وَقَوله: ١٢٥٩ -
(كناحِتِ يَوْمًا صَخْرةٍ بعسِيل )
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وَقيل لَا يجوز بهما وعَلى الْمَفْعُول أَكثر النَّحْوِيين ورد فِي الظّرْف بِأَنَّهُ يتوسع فِيهِ وَفِي الْمَفْعُول بِثُبُوتِهِ فِي السَّبع المتواترة وَحسنه كَون الْفَاصِل فضلَة فَإِنَّهُ يصلح بذلك لعدم الِاعْتِدَاد وَكَونه غير أَجْنَبِي من الْمُضَاف ومقدر التَّأْخِير وَخرج بمفعوله وظرفه الْمَفْعُول والظرف الأجنبيان فالفصل بهما ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١٢٦٠ -
(تُسْقي امتياحًا ندي المسواكَ ريقتِها )
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وَقَوله: ١٢٦١ -
(كَمَا خْطَّ الكتابُ بكفِّ يًوْمًا يَهُوديٍّ . .)
وَقَوله:
[ ٢ / ٥٢٥ ]
١٢٦٢ -
(هما أخَوا فِي الحرْب من لَا أَخا لَهُ )
وَجوزهُ أَي الْفَصْل الكوفية مُطلقًا بالظرف وَالْمَجْرُور وَغَيرهمَا (و) جوزه يُونُس بالظرف وَالْمَجْرُور غير المستقل وَجوزهُ ابْن مَالك بقسم حكى الْكسَائي هَذَا غُلَام وَالله زيد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِن الشَّاة لتجتر فَتسمع صَوت وَالله رَبهَا وَإِمَّا كَقَوْلِه: ١٢٦٣ -
(هما خُطّتا إمّا إسار ومِنّهٍ وَإِمَّا دَم والمَوْتُ بالحُرِّ أجْدرُ)
ذكرهَا فِي الكافية وَالْأول فِي الْخُلَاصَة وَلَا ذكر لَهما فِي التسهيل وَيجوز الْفَصْل ضَرُورَة لَا اخْتِيَارا بنعت نَحْو: ١٢٦٤ -
(منِ ابْن أبي شيْخ الأباطِح طَالِبِ )
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ونداء قَالَ فِي شرح الكافية كَقَوْلِه: ١٢٦٥ -
(كأنّ برْذَوْن أَبَا عِصام زيدٍ حمارٌ دُقَّ باللِّجام)
أَرَادَ كَأَن برذون زيد يَا أَبَا عِصَام وَقَالَ ابْن هِشَام يحْتَمل أَن يكون (أَبَا) هُوَ الْمُضَاف إِلَيْهِ على لُغَة الْقصر وَزيد بدل أَو عطف بَيَان وَمثله أَبُو حَيَّان بقول زُهَيْر ١٢٦٦ -
(وفاقُ كَعْبُ بُجَير منْقِذ لَكَ مِنْ تَعْجيل تَهْلكَةٍ والخُلْدِ فِي سَقَرا)
أَي يَا كَعْب وفاعل يتَعَلَّق بالمضاف أَو غَيره كَقَوْلِه: ١٢٦٧ -
(مَا إنْ وَجدْنا لِلْهَوى من طِبِّ وَلَا عَدِمْنا قَهْرَ وَجْدٌ صَبِّ)
وَقَوله: ١٢٦٨ -
(أنْجَبَ أيّامَ والِدَاهُ بِهِ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْم مَا نَجَلا)
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وَفعل ملغي كَقَوْلِه: ١٢٦٩ -
(بأيِّ تراهُمُ الأرضينَ حَلُّوا )
أَي بِأَيّ الْأَرْضين تراهم حلوا ومفعول لَهُ أَي من أَجله كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥٢٨ ]
١٢٧٠ -
(أشمُّ كأنّهُ رجُلٌ عَبوسُ مُعاودُ جُرْأةً وَقْتِ الهوادي)
أَي معاود وَقت الهوادي جرْأَة
الْمُضَاف للياء
مَسْأَلَة الْمُضَاف للياء بِكَسْر آخِره لمناسبة الْيَاء إِلَّا مثنى ومجموعا على حَده وَمَا حمل عَلَيْهِمَا ومعتلا لَا يجْرِي مجْرى الصَّحِيح فيسكن آخِره وَهُوَ الْألف من الأول والأخير وَالْوَاو من الثَّانِي وَالْيَاء من الثَّلَاثَة ثمَّ تُدْغَم فِي يَاء الْإِضَافَة الْيَاء الَّتِي فِي آخر الْكَلِمَة وَالْوَاو بعد قَلبهَا يَاء وَيكسر مَا قبلهَا إِن كَانَ ضما للمجانسة نَحْو وزيدي وقاضي ومسلمي وتسلم الْألف فَلَا تقلب فِي الْمثنى كزيداي والمقصور كعصاي ومحياي وقلبها يَاء فِي الْمَقْصُورَة لُغَة لهذيل وَغَيرهم كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان كَقَوْلِه: ١٢٧١ -
(سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لهَوَاهُمُ )
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وَقَرَأَ الْحسن (يَا بَشْرَايَ﴾ [يُوسُف: ١٩] (و) قَلبهَا (فِي لَدَى وَإِلَى وعَلى) الاسمين أَكثر وَأشهر فِي اللُّغَات من السَّلامَة نَحْو لدي وَعلي الشَّيْء وَإِلَى وَبَعض الْعَرَب يَقُول لداي وعلاي نَقله أَبُو حَيَّان مُعْتَرضًا بِهِ على صَاحب التَّمْهِيد فِي نَفْيه ذَلِك ثمَّ الْيَاء الْمُضَاف إِلَيْهَا فِي غير الْمُفْرد الصَّحِيح تفتح كَمَا تقدم وَقد تكسر مَعَ الْمَقْصُور قَرَأَ الْحسن: ﴿عصاي﴾ [طه: ١٨] (و) قد تكسر المدغمة فِي جمع أَو غَيره كَقِرَاءَة حَمْزَة ﴿بمصرخي﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٢] وَقَول الشَّاعِر:
[ ٢ / ٥٣٠ ]
١٢٧٢ -
(على لعَمْروا نعْمةٌ بعد نعْمَةٍ )
سمع بِكَسْر الْيَاء (و) الْيَاء فِيهِ أَي فِي الْمُفْرد الصَّحِيح تفتح وتسكن أَي يجوز كل مِنْهُمَا وَفِي الأَصْل مِنْهُمَا خلاف قيل الْفَتْح أصل لِأَنَّهُ حرف وَاحِد فقياسه التحريك بِهِ ثمَّ سكن تَخْفِيفًا وَجزم بِهِ ابْن مَالك فِي سبك المنظوم وَقيل السّكُون أصل لِأَنَّهُ حرف عِلّة ضمير فَوَجَبَ السّكُون كواو ضربوا وَلِأَن بِنَاء الْحَرْف على حَرَكَة إِنَّمَا هُوَ لتعذر الِابْتِدَاء بِهِ والمتصل بِغَيْرِهِ لَا تعذر فِيهِ وَقل حذفهَا أَي الْيَاء مَعَ كسر المتلو أَي مَا قبلهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فبشر عباد الَّذين﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] بِحَذْف الْيَاء وصلا ووقفا خطا (و) قل قَلبهَا ألفا كَقَوْلِه: ١٢٧٣ -
(أطوِّف مَا أُطوِّف ثمَّ آوي إِلَى أُمّا ويَرْويني النقيعُ)
وَخَصه ابْن عُصْفُور بِالضَّرُورَةِ وَأطلق غَيره جَوَازه (و) قل حذفهَا أَي الْألف مَعَ فتح المتلو بِهِ دَالا عَلَيْهَا كَقَوْلِه: ١٢٧٤ -
(ولستُ بمدْرك مَا فَاتَ منِّي بلَهْفَ وَلَا بليَتَ وَلَا لَوَ أنِّي)
[ ٢ / ٥٣١ ]
قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء وَمَعَ ضمه كَقَوْلِه: ١٢٧٥ -
(ذَريني إنّما خَطَئي وصَوْبي عليّ وَإِنَّمَا أهْلكْتُ مالُ)
أَي مَالِي وَأنْكرهُ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ وَقَالَ الْمَعْنى فِي الْبَيْت إِن الَّذِي أهلكته مَال لَا عرض قَالَ ابْن مَالك فَإِن كَانَت الْإِضَافَة غير مَحْضَة كإضافة مكرمي مرَادا بِهِ الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال فَلَا حذف وَلَا قلب لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ فِي نِيَّة الِانْفِصَال فَلم تمازح مَا اتَّصَلت بِهِ فتشبه يَاء قَاض فِي جَوَاز الْحَذف فَلَا حَظّ لَهَا فِي غير الْفَتْح والسكون قَالَ أَبُو حَيَّان وَغَيره من النَّحْوِيين لم يذكرُوا هَذَا الْقَيْد ثمَّ نَقله فِي الارتشاف عَن الْمجَالِس لثعلب وَالنِّهَايَة فَإِن نُودي الْمُضَاف للياء لَا بعد سَاكن فَفِيهَا أَي الْيَاء لُغَات أشهرها الْحَذف وأبقاء الْكسر دَالا عَلَيْهَا لِأَن المنادى كثير التَّغْيِير لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال نَحْو: ﴿يَا عباد فاتقون﴾ [الزمر: ١٦] فالإبقاء سَاكِنة يَلِيهِ فمفتوحة نَحْو ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] فقلبها ألفا يَلِيهِ نَحْو: ﴿يَا حسرتى على مَا فرطت﴾ [الزمر: ٥٦] فحذفها أَي الْألف مَعَ فتح المتلو اسْتغْنَاء بِهِ عَنْهَا كَمَا استغنوا بِالْكَسْرِ على الْيَاء وَهَذَا الْوَجْه أجَازه الْأَخْفَش والمازني والفارسي وَمنعه الْأَكْثَرُونَ قَالَ أَبُو حَيَّان وَيحْتَاج إِلَى سَماع من الْعَرَب فِي النداء فَمَعَ ضمه أَي المتلو حَيْثُ لَا لبس يحصل بالمنادي الْمُفْرد قرئَ ﴿قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١١٢] ﴿قَالَ رب السجْن أحب إِلَيّ﴾ [يُوسُف: ٣٣] أَي إِلَى يَا رب وَحكي سِيبَوَيْهٍ يَا قوم لَا تَفعلُوا وَيَا رب اغْفِر لي
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وَوجه بِأَنَّهُ لما حذف المعاقب للتنوين بني على الضَّم كَمَا بني مَا لَيْسَ بمضاف إِذا حذف تنوينه قَالَ أَبُو حَيَّان وَالظَّاهِر أَن حكمه فِي الإتباع حِينَئِذٍ حكم الْمَبْنِيّ على الضَّم غير الْمُضَاف لَا حكم الْمُضَاف للياء وَأنْكرهُ أَي الضَّم ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ وَقَالَ إِنَّمَا أجَازه سِيبَوَيْهٍ فِيمَا كثير إِرَادَة الْإِضَافَة فِيهِ وَقَالَ خطاب الماردي هُوَ رَدِيء قَبِيح لِأَنَّهُ يلتبس الْمُضَاف بِغَيْرِهِ أما بعد سَاكن مدغم أَو غَيره فَلَا سَبِيل إِلَى نَحْو يَا قَاضِي وَبني فَإِن كَانَ الْمُضَاف إِلَى الْيَاء فِي النداء أما أَو عَمَّا مَعَ ابْن وَابْنَة قل إِثْبَاتهَا وقلبها ألفا ثَابِتَة حَتَّى لَا يكَاد يُوجد إِلَّا فِي ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١٢٧٦ -
(يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي )
وَقَوله: ١٢٧٧ -
(يَا ابْنَةَ عَمَّا لَا تَلُومي واهْجَعي)
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وَغلب الْحَذف لِكَثْرَة اسْتِعْمَالهَا فِي النداء مَعَ كسر الْمِيم دلَالَة على الْيَاء المحذوفة وَفتحهَا دلَالَة على الْألف المحذوفة المنقلبة على الْيَاء الْمُقدر فتح مَا قبلهَا لَا تركيبا خلافًا لسيبويه وَأَصْحَابه فِي قَوْلهم إِنَّه مركب مَبْنِيّ كَأحد عشر وبعلبك قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنْؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] قرئَ فِي السَّبع بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح قَالَ قوم وَمَعَ ضمهَا أما غير أم وَعم مَعَ ابْن وَابْنَة فَلَا يحذف مِنْهُ الْيَاء كيا أخي وَيَا ابْن خَالِي وتزيد أم وَأب على الْحَذف والإبقاء وَالْقلب بوجوهها بقلبها أَي الْيَاء تَاء مَكْسُورَة وَهُوَ الْأَكْثَر ومفتوحة وَبهَا قرئَ فِي السَّبع قيل ومضمومة قَالَ الْفراء والنحاس وَحكى الْخَلِيل يَا أمت لَا تفعلي وَمنعه الزّجاج وَالأَصَح أَنَّهَا توصل أَي التَّاء عوض من الْيَاء أَو الْألف وَمن ثمَّ أَي من أجل ذَلِك لَا يَجْتَمِعَانِ اخْتِيَارا إِذْ لَا يجمع بَين الْعِوَض والمعوض وَقَوْلهمْ يَا أبتا بِالْألف وَهِي الَّتِي توصل بآخر المنادى لبعد أَو استغاثة لَا المبدلة من الْيَاء كَالَّتِي فِي حسرتا وَأَجَازَ كثير من الْكُوفِيّين الْجمع بَينهمَا أَو ندب المنادى الْمُضَاف للياء فعلى السّكُون أَي على لُغَة من أثبتها سَاكِنة تفتح أَو تقلب فتحذف لِاجْتِمَاع أَلفَيْنِ نَحْو واعبديا واعبدا وعَلى لُغَة الْفَتْح تفتح فَقَط وتزاد الْألف وَلَا تحْتَاج إِلَى عمل ثَان لِأَن الْيَاء مهيأة لمباشرة الْألف بِفَتْحِهَا وعَلى لُغَة غَيره أَي الْحَذف مَعَ كسر المتلو أَو فَتحه أَو ضمه وَالْقلب ألفا تقلب ألفا وتحذف الْألف الندبة لِاجْتِمَاع أَلفَيْنِ وَقد يسْتَغْنى بالكسرة فِي المنادى فَلَا يجب رد الْيَاء فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ الْمَنْدُوب عِنْد الْجُمْهُور فَيُقَال يَا غُلَام واحيباه خلافًا للفراء فِي إِيجَابه الرَّد فَتَقول يَا غلامي واحييباه وَيُقَال فِي إِضَافَة ابنم إِلَى الْيَاء ابنمي وَيُقَال فِي فَم فِي برد الْوَاو الَّتِي هِيَ الأَصْل وقلبها يَاء وإدغامها فِي الْيَاء وَقل فمي وَقيل لَا يجوز إِلَّا فِي الضَّرُورَة لِأَن الْإِضَافَة ترد إِلَى الأَصْل وَاسْتدلَّ ابْن مَالك وَأَبُو حَيَّان على جَوَاز إبْقَاء الْمِيم بِحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ
(لخلوف فَم الصَّائِم) (و) يُقَال فِيهِ
[ ٢ / ٥٣٤ ]
فِي لُغَة التَّضْعِيف (فمي) وَالْقصر (فماي) وَيُقَال فِي أَب وَإِخْوَته أبي وَأخي وحمي وهني بِلَا رد لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمل كالإضافة إِلَى غير الْيَاء نَحْو إِن هَذَا أخي وَجوز الكوفية والمبرد وَابْن مَالك أَن يُقَال أبي برد اللَّام كَقَوْلِه: ١٢٧٨ -
(كأنْ أبيِّ كَرَمًا وسودا يُلْقِي على ذِي اللّبَد الجديدا)
زَاد ابْن مَالك وَأخي قَالَ وَلم أجد لَهُ شَاهدا لَكِن أجيزه قِيَاسا على أبي كَمَا فعل الْمبرد وَيُقَال على الْمُخْتَار فِي ذِي ذِي لِأَن الأَصْل فِي الرّفْع ذَوي قلبت الْوَاو يَاء وأدغمت فِيهَا كالجر وَالنّصب وَمُقَابل الْمُخْتَار هُوَ منع إضافتها إِلَى الضَّمِير
الْجَرّ بالمجاورة
خَاتِمَة فِي سَبَب للجر ضَعِيف أثبت الْجُمْهُور من الْبَصرِيين والكوفيين الْجَرّ بالمجاورة للمجرور فِي نعت كَقَوْلِهِم هَذَا جُحر ضَب خرب وتوكيد كَقَوْلِهِم: ١٢٧٩ -
(يَا صَاحِ بلِّغ ذَوي الزَّوجات كُلِّهِمُ )
بجر كلهم على الْمُجَاورَة لِأَنَّهُ توكيد لِذَوي الْمَنْصُوب لَا لِلزَّوْجَاتِ وَإِلَّا لقَالَ كُلهنَّ زَاد قوم وَعطف نسق كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأْرْجُلِكُمْْ﴾ [الْمَائِدَة: ٦] فَإِنَّهُ مَعْطُوف على وَأَيْدِيكُمْ لِأَنَّهُ مَوْصُول قَالَ أَبُو حَيَّان وَذَلِكَ
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ضَعِيف جدا وَلم يحفظ من كَلَامهم قَالَ وَالْفرق بَينه وَبَين النَّعْت والتوكيد أَنَّهُمَا تابعان بِلَا وَاسِطَة فهما أَشد مجاورة من الْعَطف المفصول بِحرف الْعَطف وَأجِيب عَن الْآيَة بِأَن الْعَطف فِيهَا على الْمَجْرُور الْمَمْسُوح إِشَارَة إِلَى مسح الْخُف وَزَاد ابْن هِشَام فِي شرح الشذور وَعطف بَيَان وَقَالَ لَا يمْتَنع فِي الْقيَاس جَرّه على الْجوَار لِأَنَّهُ كالنعت والتوكيد فِي مجاورة الْمَتْبُوع أما الْبَدَل فَقَالَ أَبُو حَيَّان لَا يحفظ من كَلَامهم وَلَا خرج عَلَيْهِ أحد شَيْئا قَالَ وَسَببه أَنه مَعْمُول لعامل آخر غير الْعَامِل الأول على الْأَصَح وَلذَلِك يجوز إِظْهَاره إِذا كَانَ حرف جر بِإِجْمَاع فبعدت مُرَاعَاة الْمُجَاورَة وَنزل منزلَة جملَة أُخْرَى وَكَذَا قَالَ ابْن هِشَام وَأنْكرهُ أَي الْجَرّ بالمجاورة مُطلقًا السيرافي وَابْن جني وَقَالَ الأول الأَصْل هَذَا جُحر ضَب خرب الْجُحر مِنْهُ كمررت بِرَجُل حسن الْوَجْه مِنْهُ ثمَّ حذف الضَّمِير للْعلم بِهِ ثمَّ أضمر الْجُحر فَصَارَ خرب وَقَالَ الثَّانِي أَصله خرب جُحْره نَحْو حسن وَجهه ثمَّ نقل الضَّمِير فَصَارَ خرب الْجُحر ثمَّ حذف ورد بِأَن إبراز الضَّمِير حِينَئِذٍ وَاجِب للإلباس وَبِأَن مَعْمُول هَذِه الصّفة لِضعْفِهَا لَا يتَصَرَّف فِيهِ بالحذف وقصره الْفراء على السماع وَمنع الْقيَاس على مَا جَاءَ مِنْهُ فَلَا يجوز هَذِه جحرة ضَب خربة بِالْجَرِّ وَخَصه قوم بالنكرة كالمثال ورد بِمَا حَكَاهُ أَبُو مَرْوَان كَانَ وَالله من رجال الْعَرَب الْمَعْرُوف لَهُ بذلك
[ ٢ / ٥٣٦ ]
وَخَصه الْخَلِيل بِغَيْر المثني أَي بالمفرد وَالْجمع فَقَط قيل (و) بِغَيْر (الْجمع) أَيْضا بالمفرد فَقَط لَا يجوز عَلَيْهِمَا هَذَانِ جُحر ضَب خربين وَلَا على الثَّانِي هَذِه جحرة ضَب خربة وَالْجَوَاز فِي الْمثنى معزو إِلَى سبيويه قَالَ أَبُو حَيَّان وَقِيَاسه الْجَوَاز فِي الْجمع وَالْمَانِع قَالَ لم يرد إِلَّا فِي الْإِفْرَاد وَهُوَ قريب من رَأْي الْفراء
[ ٢ / ٥٣٧ ]
الجوزام
أَي هَذَا مبحثها
لَام الطّلب
أَي أَحدهَا لَام الطّلب أمرا كَانَ نَحْو: ﴿فلينفق﴾ [الطَّلَاق: ٧] أَو دُعَاء نَحْو: ﴿ليَقْضِ علينا رَبك﴾ [الزخرف: ٧٧] وحركتها الْكسر لضَرُورَة الِابْتِدَاء وَفتحهَا لُغَة لسليم طلبا للخفة وَقيل إِنَّمَا تفتح على هَذِه اللُّغَة إِن فتح تَالِيهَا بِخِلَاف مَا إِذا انْكَسَرَ نَحْو لتيذن أَو ضم نَحْو لتكرم وَقيل إِنَّمَا تفتح عَلَيْهَا إِن استؤنفت أَي لم تقع بعد الْوَاو أَو الْفَاء أَو ثمَّ حَكَاهَا الْفراء وتسكن أَي يجوز تسكينها رُجُوعا إِلَى الأَصْل فِي الْمَبْنِيّ ومشاكله عَملهَا تلو وَاو وَفَاء وَثمّ نَحْو ﴿فليستجيبوا﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٦] ﴿ثمَّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا﴾ [الْحَج: ٢٩] ﴿وليتمتعوا﴾ [العنكبوت: ٦٦] وَقُرِئَ بِالتَّحْرِيكِ فِي الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة فَقَط وَقيل يقل مَعَ ثمَّ لِأَن التسكين إِنَّمَا كثر فِي الْأَوَّلين لشدَّة اتصالهما بِمَا بعدهمَا لِكَوْنِهِمَا على حرف فصارا مَعَه ككلمة وَاحِدَة فَخفف بِحَذْف الْكسر وَمن ثمَّ حملت عَلَيْهِمَا فَلَا تبلغ فِي الْكَثْرَة مبلغهما وَقيل هُوَ مَعهَا ضَرُورَة لَا يجوز فِي الِاخْتِيَار قَالَه خطاب وَأنكر قِرَاءَة حَمْزَة وَهُوَ مَرْدُود قَالَ أَبُو حَيَّان مَا قرئَ بِهِ فِي السَّبْعَة لَا يرد وَلَا يُوصف بِضعْف وَلَا بقلة
[ ٢ / ٥٣٨ ]
وَتلْزم اللَّام فِي أَمر فعل غير الْفَاعِل الْمُخَاطب أَي فِي الْغَائِب والمتكلم وَالْمَفْعُول نَحْو ليقمْ زيد ﴿ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢] قومُوا فلأصل لكم لتعن بحاجتي وَثقل فِي أَمر مُتَكَلم لِأَن أَمر الْإِنْسَان لنَفسِهِ قَلِيل الِاسْتِعْمَال وتقل اللَّام فِي أَمر فَاعل مُخَاطب نَحْو ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ [يُونُس: ٥٨] وَحَدِيث لِتَأْخُذُوا مَصَافكُمْ وَالْأَكْثَر أمره بِصِيغَة افْعَل قَالَ الرضي فَإِن كَانَ الْمَأْمُور جمَاعَة بَعضهم غَائِب فَالْقِيَاس تَغْلِيب الْحَاضِر فيؤتي بالصيغة ويقل الْإِتْيَان بِاللَّامِ وحذفها أَي اللَّام فِيهِ أَقْوَال أَحدهَا يجوز مُطلقًا حَتَّى فِي الِاخْتِيَار بعد قَول أَمر وَهُوَ رَأْي الْكسَائي قَالَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣١] أَي ليقيموا ثَانِيهَا لَا يجوز مُطلقًا وَلَا فِي الشّعْر وَهُوَ رَأْي الْمبرد ثَالِثهَا وَهُوَ الصَّحِيح يجوز فِي الشّعْر فَقَط كَقَوْلِه: ١٢٨٠ -
(مُحَمّد تَفْدِ نَفْسَك كُلُّ نَفْس )
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وَلَا يجوز فِي الِاخْتِيَار سَوَاء تقدم أَمر بالْقَوْل أَو قَول غير أَمر أم لم يتقدمه والجزم فِي الْآيَة لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر أَو جَوَاب شَرط مَحْذُوف كَمَا سَيَأْتِي وَرَابِعهَا يجوز فِي الِاخْتِيَار بعد قَول وَلَو كَانَ غير أَمر نَحْو قلت لزيد يضْرب عمرا أَي ليضْرب وَلَا يجوز غَيره إِلَّا ضَرُورَة وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَجعله أقل من حذفهَا بعد قَول أَمر وَاسْتدلَّ فِيهِ بقوله: ١٢٨١ -
(قلت لبوَّابٍ لَدَيْهِ دارها تِيذَنْ فَإِنِّي حَمْؤُها وجارُها)
قَالَ وَلَيْسَ بضرورة لتمكنه من أَن يَقُول أيذن أَو تيذن إِنِّي وَلَا تفصل اللَّام عَمَّا عملت فِيهِ لَا بمعموله وَلَا بِغَيْرِهِ قَالَ أَبُو حَيَّان وَهِي أَشد اتِّصَالًا من حُرُوف الْجَرّ لِأَنَّهُ قد رُوِيَ فِيهِ الْفَصْل وَلم يجز ذَلِك مِنْهَا لِأَن عَامل الْجَزْم أَضْعَف من عَامل الْجَرّ
لَا الطلبية
أَي الثَّانِي (لَا الطلبية) أَي الْمَطْلُوب بهَا التّرْك سَوَاء النَّهْي نَحْو: ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] وَالدُّعَاء نَحْو: ﴿لَا تُؤَاخِذنَا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٦] (وَلَيْسَ أَصْلهَا (لَا) النافية) والجزم بلام الْأَمر مقدرَة قبلهَا وحذفت كَرَاهَة اجْتِمَاع لامين (وَلَا) أَصْلهَا (لَام الْأَمر) زيدت عَلَيْهَا ألف ففتحت لأَجلهَا (خلافًا
[ ٢ / ٥٤٠ ]
لزاعم ذَلِك) وَهُوَ السُّهيْلي فِي الأولى وَبَعْضهمْ فِي الثَّانِيَة قَالَ أَبُو حَيَّان لِأَن ذَلِك دَعْوَى لَا دَلِيل على صِحَّتهَا (وَجزم فعل الْمُتَكَلّم بهَا قَلِيل جدا) كَقَوْلِه
(لَا أَلفَيْنِ أحدكُم مُتكئا على أريكته يَأْتِيهِ الْأَمر مِمَّا أمرت بِهِ) الحَدِيث رَوَاهُ كَذَا وَالْأَكْثَر أَن يكون الْمنْهِي بهَا فعل الْغَائِب والمخاطب قَالَ الرضي على السوَاء وَلَا تخْتَص بالغائب كاللام وَفِي الارتشاف الْأَكْثَر كَونهَا للمخاطب ويضعف كَونهَا للْغَائِب كالمتكلم وَمن أمثلته: ﴿فَلَا يسرف فِي الْقَتْل﴾ [الْإِسْرَاء: ٣٣] ﴿لَا يتَّخذ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمرَان: ٢٨] (وفصلها) من الْفِعْل (بمعمول مجزومها) نَحْو لَا الْيَوْم يضْرب زيد (قَلِيل أَو ضَرُورَة خلف) حَكَاهُ فِي الارتشاف وَمِنْه قَوْله: ١٢٨٢ -
(وَقَالُوا أخَانا لَا تَخشّع لظَالِم عَزِيز وَلَا ذَا حقّ قَوْمِك تَظْلِم)
أَي وَلَا تظلم ذَا حق قَوْمك قَالَ فِي شرح الكافية وَهَذَا رَدِيء لِأَنَّهُ شَبيه بِالْفَصْلِ بَين حرف الْجَرّ وَالْمَجْرُور (وَجوز ابْن عُصْفُور والأبذي حذفه) أَي مجزومها وإبقاءها لدَلِيل نَحْو اضْرِب زيدا إِن أَسَاءَ وَإِلَّا فَلَا وَتوقف أَبُو حَيَّان فَقَالَ يحْتَاج إِلَى سَماع عَن الْعَرَب
لم
٣ - أَي الثَّالِث (لم) وَهِي حرف نفي (وتختص بمصاحبة أدوات الشَّرْط) نَحْو إِن تقم لم أقِم بِخِلَاف (لما) فَلَا تصاحبها قَالَ الرضي كَأَنَّهُ لكَونهَا
[ ٢ / ٥٤١ ]
فاصلة قَوِيَّة بَين الْعَامِل الْحرفِي وَشبهه وَقَالَ غَيره لِأَن مثبتها وَهُوَ (قد فعل) لَا يصحبها بِخِلَاف مُثبت لم (وَجَوَاز انْفِصَال نَفيهَا عَن الْحَال) لِأَنَّهَا لمُطلق الانتفاء فَتكون للمتصل بِهِ نَحْو: ﴿وَلم أكن بدعائك رب شقيا﴾ [مَرْيَم: ٤] وَلغيره نَحْو: ﴿لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ [الْإِنْسَان: ١] وَلِهَذَا جَازَ لم يكن ثمَّ كَانَ وَدخُول الْهمزَة عَلَيْهَا بِخِلَاف اللَّام وَلَا وَالْأَكْثَر كَونهَا أَي الْهمزَة الدَّاخِلَة عَلَيْهَا للتقرير أَي حمل الْمُخَاطب على الْإِقْرَار أَي الِاعْتِرَاف بِثُبُوت مَا بعْدهَا نَحْو: ﴿ألم نشرح لَك صدرك﴾ [الشَّرْح: ١] وَلِهَذَا عطف عَلَيْهِ الْمُوجب (وَضعنَا) ورفعنا) وَقد يَجِيء لغيره كالإبطاء نَحْو: ﴿ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع﴾ [الْحَدِيد: ١٦] والتوبيخ نَحْو: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم﴾ [فاطر: ٣٧] وَقد تدخل على (لما) لَكِن دُخُولهَا على (لم) أَكثر وفصلها عَن الْفِعْل بمعمول مجزومها وحذفه أَي مجزومه كِلَاهُمَا ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١٢٨٣ -
(فأضحت مَغَانِيها قِفارًا رسُومُها كأنْ لَمْ سِوى أهْل من الْوَحْش تُؤْهَل)
وَقَوله: ١٢٨٤ -
(احْفَظُ وَدِيعَتك الَّتِي استُودِعُتها يَوْم الأعازب إنْ وَصَّلتَ وإنْ لَم)
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وَلَا يجوزان فِي الِاخْتِيَار وَقد تهمل فَلَا تجزم حملا على (مَا) وَقيل (لَا) كَقَوْلِه: ١٢٨٥ -
(لَوْلَا فَوارسُ من نُعم وأُسْرَتُهُمْ يَوْمَ الصُّلَيْفاء لم يُوفُونَ بالجار)
وَهل هُوَ ضَرُورَة أَو لُغَة خلاف وَالنّصب بهَا لُغَة حَكَاهَا اللحياني وَقُرِئَ ﴿ألم نشرح﴾ [الشَّرْح: ١]
لما
(٤) أَي الرَّابِع (لما) قَالَ الْأَكْثَر هِيَ مركبة من لم الجازمة وَمَا الزَّائِدَة كَمَا فِي (أما) وَقَالَ بَعضهم هِيَ بسيطة وَيجب اتِّصَال نَفيهَا بِالْحَال ويعبر عَن ذَلِك بالاستغراق فقولك (لما يقم) دَلِيل على انْتِفَاء الْقيام إِلَى زمن الْإِخْبَار وَلِهَذَا لَا يجوز ثمَّ قَامَ بل وَقد يقوم
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وَقيل يغلب ذَلِك وَلَا يجب فقد لَا يتَّصل بِهِ وَقيل إِنَّمَا يكون لنفي الْمَاضِي الْقَرِيب من الْحَال دون الْبعيد وَهَذَا القَوْل أخص من الأول وَجزم بِهِ ابْن هِشَام فَلَا يُقَال لما يكن زيد فِي الْعَام الْمَاضِي وَقَالَ الأندلسي شَارِح الْمفصل هِيَ (كلم) تحْتَمل الِاتِّصَال والانفصال وَيكون منفيها متوقعا ثُبُوته نَحْو: ﴿لما يَذُوقُوا عَذَاب﴾ [ص: ٨] أَي لم يذوقوه إِلَى الْآن وذوقه لَهُم متوقع بِخِلَاف (لم) فَلَا يكون منفيها متوقعا وَلِهَذَا يُقَال لم يقْض مَا لَا يكون دون (لما) وَهَذَا معنى قَوْلهم (لم) لنفي فعل وَلما لنفي قد فعل ويحذف مجزومها لدَلِيل كَقَوْلِه: ١٢٨٦ -
(فَجئْت قُبورُهم بَدْءًا ولمّا فنادْيتُ الْقُبُور فَلم يُجبْنَهُ)
وَتقول شارفت الْمَدِينَة وَلما أَي وَلما أدخلها قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا أحسن مَا يخرج عَلَيْهِ قِرَاءَة ﴿وَإِنَّ كُلًاّ لَّمَّا﴾ [هود: ١١١] أَي لما ينقص من عمله بِدَلِيل: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] قَالَ وَقد خرجه على ذَلِك ابْن الْحَاجِب وَمُحَمّد ابْن مَسْعُود الغزني فِي البديع لكنه قدره (لما يوقنوا) بِدلَالَة: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ﴾ [هود: ١١٠] قَالَ وَإِنَّمَا جَازَ فِي (لما) دون (لم) لِأَنَّهُ يقوم بِنَفسِهِ بِسَبَب أَنه مركب من (لم) و(مَا) وَكَأن (مَا) عوض من الْمَحْذُوف انْتهى وَقَالَ غَيره لِأَن مثبتها وَهُوَ (قد فعل) يجوز فِيهِ ذَلِك بِأَن يقْتَصر على قد كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥٤٤ ]
١٢٨٧ -
(وكَأنْ قَدِ )
وفصله مِنْهَا ضَرُورَة وَأَجَازَهُ الْفراء بِشَرْط إِن فيهمَا أَي فِي لم وَلما نَحْو لم أَو لما إِن تزرني أزرك وَمنعه هِشَام
أدوات الشَّرْط
وَمِنْهَا أَي الجوازم أدوات الشَّرْط وَهِي (إِن) أم الْبَاب (وَمَا وَمن وَمهما) بِمَعْنى (مَا) وَقيل أَعم مِنْهَا (وَهِي بسيطة وَزنهَا فعلى وألفها تَأْنِيث) وَلذَا لم تنون بَاقِيَة على التنكير أَو يُسمى بهَا أَو إِلْحَاق وَزَالَ تنوينها للْبِنَاء أَو مركبة من مَا الجزائية وَمَا الزَّائِدَة كَمَا قيل فِي (مَتى مَا) و(أما) ثمَّ أبدلت الْهَاء من الْألف الأولى دفعا للتكرار لتقاربهما فِي الْمَعْنى وَهُوَ رَأْي الْخَلِيل وَاخْتَارَهُ الرضي قِيَاسا على أخوتها (أَو) مركبة من (مَه) بِمَعْنى كف (وَمَا الشّرطِيَّة) وَهُوَ رَأْي الْأَخْفَش والزجاج ورد بِأَنَّهُ لَا معنى للكف هُنَا إِلَّا على بعد وَهُوَ أَن يُقَال فِي مهما تفعل أفعل إِنَّه رد لكَلَام مُقَدّر كَأَنَّهُ قيل لَا تقدر على مَا أفعل (أَو) هِيَ (مَه) الْمَذْكُورَة وأضيفت لما الشّرطِيَّة وَهُوَ رَأْي سبيويه أَقْوَال قَالَ أَبُو حَيَّان الْمُخْتَار أَولهَا وَهُوَ البساطة لِأَنَّهُ لم يقم على التَّرْكِيب دَلِيل وَقَول أَصْلهَا (ماما) دَعْوَى أصل لم ينْطق بِهِ فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع
[ ٢ / ٥٤٥ ]
مَتى وأيان
(وَمَتى وأيان) وهما ظرفا زمَان للْعُمُوم نَحْو مَتى تقم أقِم وأيان تقم أقِم وَكسر همزَة (إيان لُغَة) لسليم (وَأنكر قوم جزمها لقلته) وَكَثْرَة وُرُوده أستفهاما نَحْو: ﴿أَيَّانَ مرْسَاها﴾ [النازعات: ٤٢] ﴿أَيَّانَ يبعثون﴾ [النَّحْل: ٢١] قَالَ أَبُو حَيَّان وَمِمَّنْ لم يحفظ الْجَزْم بهَا سِيبَوَيْهٍ لَكِن حفظه أَصْحَابه وتختص إِذا وَردت فِي الِاسْتِفْهَام بمستقبل كَمَا تقدم فَلَا يستفهم بهَا عَن الْمَاضِي كَذَا قَالَ ابْن مَالك وَأَبُو حَيَّان وَلم يحكيا فِيهَا خلافًا وَأطلق السكاكي والقزويني فِي الْإِيضَاح كَونهَا للزمان ومثلا بأيان جِئْت وَهُوَ يشْعر بِأَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الْمَاضِي وَالصَّوَاب خِلَافه وَقد قَيده فِي تلخيصه نعم نقل عَن عَليّ بن عِيسَى الربعِي أَنَّهَا تخْتَص بمواقع التفخيم نَحْو: ﴿أَيَّانَ يَوْم الدّين﴾ [الذاريات: ١٢] ﴿أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة﴾ [الْقِيَامَة: ٦] وَالْمَشْهُور أَنَّهَا لَا تخْتَص بِهِ بِخِلَاف مَتى إِذا استفهم بهَا فَإِنَّهَا يَليهَا الْمَاضِي والمستقبل
حَيْثُمَا أَيْن وأنى
(وحيثما أَيْن أَنى) وَالثَّلَاثَة ظروف للمكان عُمُوما وَقد تخرج (أَيْن) عَن الشّرطِيَّة فَتَقَع استفهاما بِخِلَاف (حَيْثُمَا)
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وَتَقَع (أَنى) استفهاما بِمَعْنى (مَتى) نَحْو: ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ [الْبَقَرَة ٢٢٣] وَبِمَعْنى من أَيْن نَحْو: ﴿أَنى لَك هَذَا﴾ [آل عمرَان: ٣٧] وَبِمَعْنى كَيفَ نَحْو: ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٩] وَاخْتَارَ أَبُو حَيَّان فِي الْآيَة الأولى أَنَّهَا شَرْطِيَّة أُقِيمَت فِيهَا الْأَحْوَال مقَام الظروف المكانية وَالْجَوَاب مَحْذُوف
أَي
(وَأي) وَهِي بِحَسب مَا تُضَاف إِلَيْهِ فَإِن أضيفت إِلَى ظرف مَكَان فظرف مَكَان نَحْو أَي جِهَة تجْلِس أَجْلِس أَو زمَان أَو مفعول أَو مصدر فَكَذَلِك وَهِي لعُمُوم الْأَوْصَاف
إِذْ مَا
(وَإِذ مَا وَأنكر قوم الْجَزْم بهَا) وخصوه بِالضَّرُورَةِ كإذا
مَا وَمهما
(وَلَا ترد (مَا) وَلَا (مهما) للزمان) وَقيل تردان لَهُ وَجزم بِهِ الرضي قَالَ نَحْو مَا تجْلِس من الزَّمَان أَجْلِس فِيهِ وَمهما تجْلِس من الزَّمَان أَجْلِس فِيهِ وَحمل عَلَيْهِ بَعضهم قَوْله: ١٢٨٨ -
(مَهْمَا تُصِبْ أُفُقًا من بَارِقِ تَشِم )
[ ٢ / ٥٤٧ ]
أَي أَي وَقت تصب بارقا من أفق فَقلب وَاسْتدلَّ لَهُ ابْن مَالك بقوله: ١٢٨٩ -
(وإنّك مَهما تُغْطِ بَطْنَك سُؤْلَهُ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أَجْمَعَا)
ورد بِجَوَاز كَونهَا للمصدر أَي إِعْطَاء كثيرا أَو قَلِيلا (وَلَا) ترد (مهما حرفا) بل تلْزم الاسمية وَقَالَ خطاب والسهيلي ترد حرفا بِمَعْنى (إِن) كَقَوْلِه: ١٢٩٠ -
(ومَهْمَا تكن عِنْد امْرئ من خَلِيقَة وإنْ خَالها تَخْفَى على النَّاس تُعْلم)
إِذْ لَا مَحل لَهَا وَأجِيب بِأَنَّهَا خبر (تكن) و(خَلِيقَة) اسْمهَا أَو مُبْتَدأ وَاسم (تكن) ضميرها (وَمن خَلِيقَة) تَفْسِيره والظرف خبر (وَلَا) ترد (مهما استفهاما) وَقيل ترد لَهُ قَالَه ابْن مَالك كَقَوْلِه: ١٢٩١ -
(مَهْما لِيَ اللّيْلَةَ مَهْما لِيَهْ )
فمهما مبتدأه خَبره (لي) وَأجِيب بِاحْتِمَال أَن (مَه) اسْم فعل واستؤنف الِاسْتِفْهَام ب (مَا) وَحدهَا (وَلَا تجر) مهما بِحرف وَلَا إِضَافَة فَلَا يُقَال على مهما تكن أكن وَلَا جِهَة مهما تقصد أقصد وَقَالَ ابْن عُصْفُور يجوز ذَلِك كَسَائِر الأدوات
[ ٢ / ٥٤٨ ]
إِن بِمَعْنى إِذْ وَإِذا
(وَلَا) ترد (إِن بِمَعْنى إِذْ) وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ ترد بمعناها نَحْو: ﴿وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ [الْمَائِدَة: ٥٧] ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله﴾ [الْفَتْح: ٢٧] إِذْ لَا يَصح هُنَا معنى (إِن) وَهُوَ الشَّك وَأجِيب بِأَنَّهَا فِي الأولى شَرط جِيءَ بهَا للتهيج كَقَوْلِك لابنك إِن كنت ابْني فَلَا تفعل كَذَا وَفِي الثَّانِيَة لتعليم الْعباد كَيفَ يَتَكَلَّمُونَ إِذا أخبروا عَن الْمُسْتَقْبل أَو إِن أَصله الشَّرْط ثمَّ صَار يذكر للترك (و) لَا ترد بِمَعْنى (إِذا) وَقَالَ قوم ترد بمعناها وتأولوا عَلَيْهِ الْآيَتَيْنِ السابقتين لِأَن إِذا تحْتَاج إِلَى جَوَاب كَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ إِن والشيئان إِذا تقاربا فَرُبمَا وَقع أَحدهمَا موقع الآخر (وَلَا تهمل) (إِن) فيرفع مَا بعْدهَا وَقيل نعم حملا على (لَو) قَالَه ابْن مَالك كَحَدِيث:
(فَإنَّك إِن لَا ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك)
إهمال مَتى
(وَلَا) تهمل (مَتى) وَقيل نعم حملا على إِذا كَحَدِيث البُخَارِيّ:
(وَإنَّهُ مَتى يقوم مقامك لَا يسمع النَّاس) قَالَ ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا شَيْء غَرِيب ثمَّ تكلم فِي استدلاله بِمَا أثر فِي الحَدِيث على إِثْبَات الْأَحْكَام النحوية
[ ٢ / ٥٤٩ ]
المجازاة بكيف
(وَلَا يجازي بكيف) وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ وَكثير يجازى بهَا معنى لَا عملا وَيجب كَون فعلَيْهَا متفقي اللَّفْظ وَالْمعْنَى نَحْو كَيفَ تصنع أصنع وَلَا يجوز كَيفَ تجْلِس أذهب بالِاتِّفَاقِ (وَلَا تجزم بهَا) وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وقطرب نعم مُطلقًا وَقوم إِن اقترنت بِمَا نَحْو كيفكما تكن أكن (وَلَا) يجْزم (بِحَيْثُ وَإِذ) مجردين من (مَا) وَأَجَازَهُ الْفراء قِيَاسا على (أَيْن) وَأَخَوَاتهَا ورد بِأَنَّهُ لم يسمع فيهمَا إِلَّا مقرونين بهَا بِخِلَافِهَا (وَلَا) يجْزم الْمُسَبّب عَن صلَة الَّذِي وَعَن النكرَة الموصوفة وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ تَشْبِيها بِجَوَاب الشَّرْط فَيُقَال الَّذِي يأتيني أحسن إِلَيْهِ وكل رجل يأتيني أكْرمه وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك خلافًا لزاعميها أَي الْأَقْوَال فِي الْمسَائِل الْأَرْبَعَة عشرَة وَقد بيّنت (أدوات الشَّرْط) كلهَا (أَسمَاء إِلَّا إِن) فَإِنَّهَا حرف بالِاتِّفَاقِ والبواقي متضمنة مَعْنَاهَا فَلِذَا بيّنت أدوات الشَّرْط كلهَا أَسمَاء إِلَّا أَن فَإِنَّهَا حرف بالِاتِّفَاقِ والبواقي متضمنة مَعْنَاهَا فَلِذَا بيّنت إِلَّا أيا فَإِنَّهَا معربة (وَفِي إِذْ مَا خلف) فَذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَنَّهَا حرف كَإِن وَذهب الْمبرد وَابْن السراج والفارسي إِلَى أَنَّهَا اسْم ظرف زمَان وَأَصلهَا إِذْ الَّتِي هِيَ ظرف لما مضى فزيد عَلَيْهَا (مَا) وجوبا فِي الشَّرْط فَجزم بهَا وَاسْتدلَّ سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهَا لما ركبت مَعَ (مَا) صَارَت مَعهَا كالشيء الْوَاحِد فَبَطل دلالتها على مَعْنَاهَا الأول بالتركيب وَصَارَت حرفا وَنَظِير ذَلِك أَنهم حِين ركبُوا (حب) مَعَ (ذَا) فَقَالُوا حبذا زيد بَطل معنى: (حب) من الفعلية وَصَارَت مَعَ (ذَا) جُزْء كلمة وَصَارَت حبذا كلهَا اسْما بالتركيب وَخرجت عَن أصل وَضعهَا بِالْكُلِّيَّةِ (وتقتضي) أدوات الشَّرْط (جملتين الأولى شَرط وَالثَّانيَِة جَزَاء وَجَوَاب) أَي يُسمى كل مِنْهُمَا بِمَا ذكر قَالَ أَبُو حَيَّان وَالتَّسْمِيَة بالجزاء وَالْجَوَاب مجَاز وَوَجهه أَنه شابه الْجَزَاء من حَيْثُ كَونه فعلا مترتبا على فعل آخر فَأشبه الْفِعْل الْمُرَتّب على فعل آخر ثَوابًا عَلَيْهِ أَو عقَابا الَّذِي هُوَ حَقِيقَة الْجَزَاء وشابه الْجَواب من حَيْثُ كَونه لَازِما عَن القَوْل الأول فَصَارَ كالجواب الْآتِي بعد كَلَام السَّائِل
[ ٢ / ٥٥٠ ]
(فَإِن كَانَا) أَي الشَّرْط وَالْجَزَاء (فعلين فَالْأَحْسَن أَن يَكُونَا مضارعين) كَمَا مر لظُهُور تَأْثِير الْعَمَل فيهمَا (ثمَّ) أَن يَكُونَا ماضيين للمشاكلة فِي عدم التأثر نَحْو: ﴿إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم﴾ [الْإِسْرَاء: ٧] (ثمَّ) أَن يكون الأول مَاضِيا وَالثَّانِي مضارعا لِأَن فِيهِ الْخُرُوج من الأضعف إِلَى الْأَقْوَى وَهُوَ من عدم التأثر إِلَى التأثر نَحْو إِن قَامَ أقِم (ثمَّ) أَن يكون الأول مضارعا وَالثَّانِي مَاضِيا وَهَذَا الْقسم أجَازه الْفراء فِي الِاخْتِيَار وَتَبعهُ ابْن مَالك (وَخَصه سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِه: ١٢٩٢ -
(إِن تَصْرمُونا وصَلْنَاكُم وإنْ تَصِلُوا ملأتُمُ أنْفُس الأعْداء إرْهَاباَ)
وَيجب استقبالهما لِأَن أدوات الشَّرْط من شَأْنهَا أَن تقلب الْمَاضِي إِلَى الِاسْتِقْبَال وتخلص الْمُضَارع لَهُ
لَو
(و(وَلَو) كَإِن) إِذا وَقعت شرطا فَإِنَّهَا كَذَلِك تقلب مَعْنَاهَا إِلَى الْمُسْتَقْبل فِي الْأَصَح كَغَيْرِهَا نَحْو ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ [الْمَائِدَة: ٦] قَالَ أَبُو حَيَّان وَنقل عَن الْمبرد أَنه زعم أَن (إِن) تبقى على مدلولها من الْمُضِيّ وَلَا تغير أدوات الشَّرْط دلالتها عَلَيْهِ نَحْو: ﴿إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾ [الْمَائِدَة: ١١٦] ﴿إِن كَانَ قَمِيصه قد﴾ [يُوسُف: ٢٦] (وَذَا الْفَاء مَعَ قد) ظَاهِرَة أَو مقدرَة حَال كَونه جَوَابا فِي الْأَصَح وَذكر ابْن مَالك تعبا للجزولي وَغير أَن الْفِعْل المقرون بِالْفَاءِ وَقد ظَاهِرَة أَو مقدرَة يكون جَوَاب الشَّرْط وَهُوَ ماضي اللَّفْظ وَالْمعْنَى نَحْو: ﴿إِن يسرق فقد سرق أَخ لَهُ﴾ [يُوسُف: ٧٧] ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصه قد من دبر فَكَذبت﴾ [يُوسُف: ٢٧] أَي فقد كذبت قَالَ أَبُو حَيَّان وَذَلِكَ مُسْتَحِيل من حَيْثُ إِن الشَّرْط يتَوَقَّف عَلَيْهِ مشروطه
[ ٢ / ٥٥١ ]
فَيجب أَن يكون فِي الْخَارِج أَو فِي الذِّهْن وَذَلِكَ محَال فيتأول مَا ورد من ذَلِك على حذف الْجَواب أَي إِن سرق فتأس فقد سرق أَخ لَهُ من قبل وَمثله ﴿وَإِن يُكذِّبُوك فقد كذبت رسل﴾ [فاطر: ٤] أَي فتسل فقد كذبت قَالَ وَسمي الْمَذْكُور جَوَابا لِأَنَّهُ مغن عَنهُ بِحَيْثُ لَا يجامعه لِكَثْرَة مَا اسْتعْمل كَذَلِك محذوفا (وَإِنَّمَا يصدر الشَّرْط بِفعل مضارع غير دُعَاء وَلَا ذِي تَنْفِيس مُثبت أَو مَعَ لَا أَو لم) نَحْو إِن تقم أقِم (إِن لَا يكنه فَلَا خير لَك فِي قَتله) ﴿فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤] وَلَا يصدر بمضارع دُعَاء أَو مقرون بِالسِّين أَو سَوف (أَو) يصدر بِفعل مَاض عَار من قد وحرف نفي وَدُعَاء وجمود نَحْو إِن قَامَ زيد قُمْت وَلَا يصدر بماض مقرون بقد أَو بِحرف نفي أَو ذِي دُعَاء أَو جامد وَلَا بِفعل الْأَمر الْبَتَّةَ (وَلَو) كَانَ الْفِعْل (مضمرا فسره فعل) بعد معموله فَإِنَّهُ يجوز تصدير الشَّرْط بِهِ نَحْو: ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ [التَّوْبَة: ٤٦] التَّقْدِير إِن استجارك أحد من الْمُشْركين استجارك ف (استجارك) الْمُتَأَخر فسرت الأولى المضمرة وارتفع (أحد) على الفاعلية بهَا (وَكَونه) وَالْحَالة هَذِه مضارعا دون لم ضَرُورَة كَقَوْلِه: ١٢٩٣ -
(يُثْنِي عَلَيْكَ وَأَنت أهلُ ثَنائِهِ ولَدَيْكَ إنْ هُو يَستَزدْك مَزيدُ)
وَالِاخْتِيَار أَن يكون عِنْد الْإِضْمَار وَالتَّفْسِير إِمَّا مَاضِيا كَمَا تقدم أَو مضارعا مَقْرُونا بلم كَقَوْلِه: ١٢٩٤ -
(فَإِن أَنْت لم يَنْفَعْك عِلْمُك فانْتَسِبْ )
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وَقَوله: ١٢٩٥ -
(فإنْ هُوَ لم يَحْمِل على النّفْسِ ضَيْمَها )
وَكَذَا تَقْدِيم الِاسْم على إِضْمَار الْفِعْل قبله وَالتَّفْسِير بعده (مَعَ غير إِن) من الأدوات ضَرُورَة والشائع وُقُوع ذَلِك مَعَ إِن وَحدهَا كَمَا تقدم واختصت بذلك لِأَنَّهَا أم الْبَاب وأصل أدوات الشَّرْط وَمن الضَّرُورَة قَوْله: ١٢٩٦ -
(فَمَنْ نَحن نُؤمِنْه يَبتْ وَهُوَ آمنٌ)
وَقَوله: ١٢٩٧ -
(فَمَتَى واغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّوهُ وتُعْطفْ عَلَيْهِ كَأسُ السّاقِي)
وَقَوله: ١٢٩٨ -
(أيْنما الرِّيحُ تُمَيِّلْهَا تَمِلْ )
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وَجوزهُ الْكسَائي اخْتِيَارا مَعَ من وَإِخْوَته فَأجَاز نَحْو من زيدا يضْرب أضربه (و) جوزه قوم من الْكُوفِيّين فِي غير الْمَرْفُوع أَي الْمَنْصُوب وَالْمَجْرُور لِأَنَّهُمَا فَضله ومنعوه فِي الْمَرْفُوع (و) جوزه قوم مِنْهُم فِي الْمَرْفُوع أَيْضا إِن لم يُمكن عود ضمير على الشَّرْط كَمَا فِي (مَتى) و(أَيْنَمَا) فَإِن أمكن عود الضَّمِير عَلَيْهِ لم يجز تَقْدِيم الِاسْم لَا تَقول من هُوَ يضْرب زيدا أضربه لِأَن الْمُضمر هُوَ من وَاخْتَارَ هَذَا الْمَذْهَب الْأَخير أَبُو عَليّ صَاحب الْمُهَذّب قَالَ أَبُو حَيَّان وَالصَّحِيح الْمَنْع لِأَن الفضلة والعمدة سيان إِذْ فِيهِ الْفَصْل بجملة بَين الأداة وَالْفِعْل وَفِي الْفَصْل بَين من وَأَخَوَاتهَا وَالْفِعْل بعطف وتوكيد خلف كُوفِي أجَازه الْكسَائي وَمنعه الْفراء قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه قَوَاعِد الْبَصرِيين وَشرط الْجَواب الإفادة فَلَا يكون بِمَا لَا يُفِيد كَخَبَر الْمُبْتَدَأ فَلَا يجوز إِن يقم زيد يقم كَمَا لَا يجوز فِي الِابْتِدَاء زيد زيد فَإِن دخله معنى يُخرجهُ للإفادة جَازَ نَحْو إِن لم تُطِع الله عصيت أُرِيد بِهِ التَّنْبِيه على الْعقَاب فَكَأَنَّهُ قَالَ وَجب عَلَيْك مَا وَجب على العَاصِي كَمَا جَازَ فِي الِابْتِدَاء نَحْو: ١٢٩٩ -
(أَنا أَبُو النّجْم وَشِعْري شِعْري )
وَمِنْه
(وفمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله) الحَدِيث وتدخله الْفَاء إِن لم يَصح تَقْدِيره شرطا بِأَن كَانَ جملَة اسمية كَقَوْلِه: ١٣٠٠ -
(إنْ تَرْكَبُوا فرُكُوبُ الخَيْل عَادَتُنا )
[ ٢ / ٥٥٤ ]
أَو فعل أَمر نَحْو: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني﴾ [آل عمرَان: ٣١] أَو دُعَاء نَحْو إِن مَاتَ زيد فيرحمه الله أَو فرحمه الله أَو مَقْرُونا بِحرف تَنْفِيس نَحْو: ﴿من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم﴾ [الْمَائِدَة: ٥٤] أَو بِحرف نفي غير لَا وَلم نَحْو إِن قَامَ زيد فَمَا يقوم أَو فَلَنْ يقوم عَمْرو أَو بعد نَحْو ﴿إِن يسرق فقد سرق﴾ [يُوسُف: ٧٧] أَو جامد نَحْو: ﴿إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧١] ﴿إِن تَرَنِ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي﴾ [الْكَهْف: ٣٩، ٤٠] إِن أقبل زيد فَمَا أحْسنه قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذِه الْفَاء هِيَ فَاء السَّبَب الكائنة فِي الْإِيجَاب فِي نَحْو قَوْلك يقوم زيد فَيقوم عَمْرو وكما يرْبط بهَا عِنْد التَّحْقِيق يرْبط بهَا عِنْد التَّقْدِير وَلَا يجوز غَيرهَا من حُرُوف الْعَطف لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الرَّبْط السببي وسيقت هُنَا للربط لَا للتشريك وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا هِيَ هُنَا عاطفة جملَة على جملَة فَلم تخرج عَن الْعَطف قَالَ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نظر انْتهى (وَفِي) جَوَاز حذفهَا أَي الْفَاء أَقْوَال أَحدهَا يجوز ضَرُورَة واختيارا نَقله أَبُو حَيَّان عَن بعض النَّحْوِيين وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ [الْأَنْعَام: ١٢١] ثَانِيهَا الْمَنْع فِي الْحَالين قَالَ أَبُو حَيَّان فِي محفوظي قَدِيما أَن الْمبرد منع من حذف الْفَاء فِي الضَّرُورَة وَأَنه زعم فِي قَوْله: ١٣٠١ -
(من يَفْعل الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها )
[ ٢ / ٥٥٥ ]
أَن الرِّوَايَة من يفعل الْخَيْر فالرحمن يشكره قَالَ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ على تَقْدِير صِحَة الرِّوَايَة لَا يطعن ذَلِك فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى ثَالِثهَا وَهُوَ الْأَصَح يجوز ضَرُورَة وَيمْتَنع فِي السعَة وَهُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وينوب عَنْهَا فِي الْأَصَح إِذا الفجائية فِي جملَة اسمية غير طلبية وَلَا منفية قَالَ أَبُو حَيَّان النُّصُوص متظافرة فِي الْكتب على الْإِطْلَاق فِي الرَّبْط بإذا وَلَكِن السماع إِنَّمَا ورد فِي (إِن) قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون﴾ [الرّوم: ٣٦] فَيحْتَاج فِي إِثْبَات ذَلِك فِي غير (إِن) من الأدوات إِلَى سَماع وَاحْترز بالاسمية من الفعلية فَإِن إِذا لَا تدخل عَلَيْهَا لَا يجوز إِن قَامَ زيد إِذا يقوم عَمْرو وَبِغير الطلبية فَلَا يجوز إِن يعْص زيد إِذا ويل لَهُ وَإِن أطَاع إِذا سَلام عَلَيْهِ وَبِغير المنفية من المنفية فَلَا يجوز إِن يقم زيد إِذا مَا عَمْرو قَائِم وَإِنَّمَا تدخل الْفَاء فِي الصُّور كلهَا وَمُقَابل الْأَصَح فِي الْمَتْن قَول الْأَخْفَش لَا أرى إِذا بِمَنْزِلَة الْفَاء إِلَّا رديا لَا تَقول إِن تأتني إِذا أكرمك كَمَا تَقول فَأَنا أكرمك وَلَكِن أرى الْآيَة على حذف الْفَاء أَي (فَإِذا هم يقنطون) ورده أَبُو حَيَّان بِأَن حذف الْفَاء فِيمَا يلْزمه الْفَاء لم يَجِيء فِي كَلَامهم إِلَّا فِي الشّعْر وَلَو جَازَ حذف الْفَاء رفعت فِي قَوْلك إِن تقم أقوم وَلم يَجِيء مِنْهُ شَيْء فَالصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ الْخَلِيل وسيبويه انْتهى (وَمن ثمَّ) أَي من هُنَا وَهُوَ أَن (إِذا) نائبة عَن الْفَاء أَي من أجل ذَلِك لَا يَجْتَمِعَانِ لِأَن المعوض لَا يجْتَمع مَعَ الْعِوَض فَلَا يُقَال إِن يقم زيد فَإِذا عَمْرو قَائِم
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وَيرْفَع الْجَواب وجوبا إِن قرن بِالْفَاءِ سَوَاء كَانَ فعل الشَّرْط مَاضِيا نَحْو ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ﴾ [الْمَائِدَة: ٩٥] أم مضارعا نَحْو ﴿فَمَنْ يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا﴾
[الْجِنّ: ١٣] رفع لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ من جملَة اسمية وَهُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره فَهُوَ ينْتَقم الله مِنْهُ فَهُوَ لَا يخَاف قَالُوا وَلَوْلَا ذَلِك الحكم بِزِيَادَة الْفَاء لَكَانَ الْفِعْل ينجزم وَلَكِن الْعَرَب التزمت فِيهِ الرّفْع فَعلم أَنَّهَا غير زَائِدَة (و) يرفع الْجَواب جَوَازًا إِن كَانَ الشَّرْط فعلا مَاضِيا نَحْو إِن قَامَ زيد يقوم عَمْرو وَقَوله: ١٣٠٢ -
(وَإِن أَتَاهُ خليلٌ يَوْم مَسْألةٍ يَقولُ لَا غائِبٌ مَالِي وَلَا حَرمُ)
وَمن شَوَاهِد الْجَزْم قَوْله تَعَالَى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ [هود: ١٥] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرِةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا نعلم خلافًا فِي جَوَاز الْجَزْم وَأَنه فصيح مُخْتَار إِلَّا مَا ذكره صَاحب كتاب الْإِعْرَاب عَن بعض النَّحْوِيين أَنه لَا يَجِيء فِي الْكَلَام الفصيح وَإِنَّمَا يَجِيء مَعَ كَانَ لِأَنَّهَا أصل الْأَفْعَال قَالَ وَالَّذِي نَص عَلَيْهِ الْجَمَاعَة أَن ذَلِك لَا يخْتَص بهَا بل سَائِر الْأَفْعَال فِي ذَلِك مثلهَا وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ للفرزدق: ١٣٠٣ -
(دسّتْ رَسُولًا بأنَّ الْقَوْم إنْ قَدَرُوا عَلَيْك يَشْفُوا صدُورًا ذاتَ توغير)
[ ٢ / ٥٥٧ ]
قَالَ وَأما الرّفْع فَهُوَ مسموع وَنَصّ بعض أَصْحَابنَا أَنه أحسن من الْجَزْم وَاخْتلف فِي تَخْرِيجه فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ إِنَّه على نِيَّة التَّقْدِيم وَالْجَوَاب مَحْذُوف وَقَالَ الْمبرد والكوفيون إِنَّه الْجَواب وَإنَّهُ على حذف الْفَاء وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ الْجَواب لَا على إِضْمَار الْفَاء وَلَا على نِيَّة التَّقْدِيم وَلَكِن لما لم يظْهر لأداة الشَّرْط تَأْثِير فِي فعلة لكَونه مَاضِيا ضعف عَن الْعَمَل فِي فعل الْجَواب (وَإِلَّا) بِأَن كَانَ الشَّرْط مضارعا فضرورة يرفع الْجَواب كَقَوْلِه: ١٣٠٤ -
(يَا أقْرَعَ بنَ حَابِس يَا أقرَعُ إنّكَ إِن يُصْرعْ أَخُوك تُصْرعُ)
وَالِاخْتِيَار جزمه قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ [الطَّلَاق: ٢] وَإِذا رفع فمذهب سِيبَوَيْهٍ أَنه على نِيَّة التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير إِن كَانَ قبله مِمَّا يُمكن أَن يَطْلُبهُ كالبيت وَإِلَّا فعلى إِضْمَار الْفَاء نَحْو إِن تأتني آتِيك إِذا جَاءَ فِي الشّعْر وَمذهب الْمبرد أَنه على إِضْمَار الْفَاء فِي الْحَالين لِأَنَّهُ جَوَاب فِي الْمَعْنى قد وَقع فِي مَحَله فَلَا يَنْوِي بِهِ التَّقْدِيم وجازمه أَي الْجَواب الأداة عملت فِيهِ كَمَا عملت فِي الشَّرْط بِاتِّفَاق لاقتضائها إيَّاهُمَا فَعمِلت فيهمَا كَمَا عملت كَانَ وَظن وَإِن فِي جزئيها هَذَا مَذْهَب الْمُحَقِّقين من الْبَصرِيين وَعَزاهُ السيرافي لسيبويه وَاخْتَارَهُ الْجُزُولِيّ وَابْن عُصْفُور والأبذي وَقيل جازمه فعل الشَّرْط قَالَه الْأَخْفَش وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك لِأَنَّهُ مستدع لَهُ بِمَا أحدثت فِيهِ الأداة من الْمَعْنى والاستلزام ورد بِأَن النَّوْع لَا يعْمل إِذْ لَيْسَ أَحدهمَا بأولي من الآخر وَإِنَّمَا يعْمل بمزية وَهُوَ أَن يضمن الْعَامِل من غير النَّوْع أَو شبهه كعمل الْأَسْمَاء فِي الْأَسْمَاء وَقيل جازمه (هما) أَي الأداة وَالْفِعْل مَعًا وَنسب أَيْضا للأخفش قَالَ الْمَجْمُوع هُوَ الطَّالِب فَهُوَ الْعَامِل قَالَ وباطل أَن يكون الْعَمَل ل (إِن) لِأَن الْجَزْم نَظِير الْجَرّ فَإِذا كَانَ الْجَار وَهُوَ أقوى لَا يعْمل عملين فأحري أَلا يعمله الْجَازِم
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ورد بِأَن الْجَار لَا يَقْتَضِي معمولين والجازم يقتضيهما فَيعْمل فيهمَا وَبِأَن كل عَامل مركب من شَيْئَيْنِ لَا يجوز حذف أَحدهمَا كإذما وحيثما وَقد يحذف فعل الشَّرْط دون الأداة فَدلَّ على أَن الْعَامِل لَيْسَ مركبا مِنْهُمَا وَبِأَن الْجَازِم لَا يحذف معموله وَالْجَوَاب يجوز حذفه فَلَو كَانَ الْعَامِل مَجْمُوع الأداة وَالشّرط لزم أبقاء الْجَازِم مَعَ حذف معموله بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْعَامِل الأداة وَحذف فَإِنَّهَا تكون قد أخذت مَعْمُولا وَاحِدًا فَلَا يقبح وَقيل جازمه الْجوَار قَالَه الْكُوفِيُّونَ قِيَاسا على الْجَرّ بالجوار قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الْخلاف لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَائِدَة وَلَا حكم نطقي وَقيل فعل الْجَواب مَبْنِيّ وَفعل الشَّرْط مُعرب وَقيل هُوَ وَالشّرط أَيْضا مبنيان وَالْقَوْلَان للمازني اسْتدلَّ على بنائهما بِأَن الْفِعْل لَا يَقع موقع الِاسْم فِي المحلين فَلَا يكون معربا بِنَاء على أَن سَبَب إِعْرَاب الْمُضَارع وُقُوعه موقع الِاسْم وَاسْتدلَّ لبِنَاء الْجَواب فَقَط بِأَنَّهُ لم يكن لَهُ عَامل فَكَانَ مَبْنِيا لِأَنَّهُ لم يَصح عِنْده عمل مَا تقدمه فِيهِ قَالَ أَبُو حَيَّان والمازني فِي رَأْيه مُخَالف لجَمِيع النَّحْوِيين البصريون قَالُوا لأداة الشَّرْط الصَّدْر أَي صدر الْكَلَام فَلَا يسبقها مَعْمُول معمولها أَي لَا يجوز تَقْدِيم شَيْء من معمولات فعل الشَّرْط وَلَا فعل الْجَواب عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عِنْدهم كأداة الِاسْتِفْهَام وَمَا النافية وَنَحْوهمَا مِمَّا لَهُ الصَّدْر وَلَا يعْمل مَا قبلهَا فِيمَا بعْدهَا وَإِنَّمَا تقع مستأنفة أَو مَبْنِيَّة على ذِي خبر أَو نَحوه وَجوز الْكسَائي تَقْدِيم مَعْمُول فعل الشَّرْط أَو الْجَواب على الأداة نَحْو خيرا إِن تفعل يثبك الله وَخيرا إِن أتيتني تصب قَالَ أَبُو حَيَّان وتحتاج إجَازَة هَذَا التَّرْكِيب إِلَى سَماع من الْعَرَب غير مَعْمُول فعل الْجَواب الْمَرْفُوع فَإِنَّهُ يجوز تَقْدِيمه نَحْو خيرا إِن أتيتني تصب وسوغ ذَلِك أَنه لَيْسَ فعل جَوَاب حَقِيقَة بل هُوَ فِي نِيَّة التَّقْدِيم وَالْجَوَاب مَحْذُوف وَالتَّقْدِير تصيب خيرا إِن أتيتني قَالَ أَكْثَرهم أَي البصريون وَلَا الْجَواب أَيْضا لَا يجوز تَقْدِيمه على الأداة لِأَنَّهُ ثَان أبدا عَن الأول مُتَوَقف عَلَيْهِ
[ ٢ / ٥٥٩ ]
وَقَالَ الْأَخْفَش يجوز تَقْدِيمه عَلَيْهَا كمذهب الْكُوفِيّين مَاضِيا كَانَ أَو مضارعا نَحْو قُمْت إِن قُمْت وأقوم إِن قُمْت وَثَالِثهَا يجوز تَقْدِيم الْجَواب إِن كَانَ مضارعا وَيمْتَنع إِن كَانَ مَاضِيا وَعَلِيهِ الْمَازِني لِأَن الْمُضَارع هُوَ الأَصْل فَلم يكثر فِيهِ التَّجَوُّز بِخِلَاف الْمَاضِي فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ بِأَن عبر بصيغته عَن الْمُسْتَقْبل فَإِن قدم وَحقه التَّأْخِير كثر التَّجَوُّز وَرَابِعهَا يجوز تَقْدِيم الْجَواب (إِن كَانَا) أَي الشَّرْط وَالْجَوَاب ماضيين بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الشَّرْط وَحده مَاضِيا وَوجه أَن لما لم يظْهر للأداة فِيهِ عمل إِذا تَأَخّر جَازَ تَقْدِيمه لِأَنَّهُ مقدما كحاله مُؤَخرا فَكَانَ كَأَنَّمَا لم يعْمل فِيهِ بِخِلَاف الْمُضَارع فَإِنَّهُ متأثر بهَا فَصَارَ تَقْدِيمه على الْجَازِم كتقديم الْمَجْرُور على الْجَار (قيل وَلَا) يسْبق الْجَواب المجزوم معموله قَالَ الْفراء وَالصَّحِيح جَوَازه وَعَلِيهِ سِيبَوَيْهٍ وَالْكسَائِيّ نَحْو إِن تأتني خيرا تصب وعَلى الأول وَهُوَ مَذْهَب الْأَكْثَر من منع تَقْدِيم الْجَواب على الأداة مُطلقًا إِن تقدم شبهه فدليله وَلَيْسَ إِيَّاه وَشَرطه اخْتِيَار مُضِيّ الشَّرْط لفظا أَو معنى بِأَن كَانَ مضارعا مقترنا بلم (فِي الْأَصَح) نَحْو قُمْت إِن قُمْت وأقوم إِن قُمْت وأقوم إِن لم تقم قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَكَذَا جري فِي كَلَامهم وَأما الشّعْر فَمحل ضَرُورَة واتساع وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ سوي الْفراء أَن يحذف جَوَاب الشَّرْط فِي الِاخْتِيَار وَفعل الشَّرْط مُسْتَقْبل قِيَاسا على الْمَاضِي فأجازوا أَنْت ظَالِم إِن تفعل فَإِن لم يكن فعل الشَّرْط مَاضِيا تقريعا على الْأَصَح (وَهُوَ مَعَ مَا، أَو من، أَو أَي صرن موصولات) أَي حكم لَهُنَّ بذلك الَّذِي هُوَ من مَعَانِيهَا اخْتِيَارا وَزَالَ حكم الشّرطِيَّة لزوَال شَرطهَا وَهُوَ الْمُضِيّ فَيَنْتَفِي الْجَزْم نَحْو أَي من يأتيني وَزيد يحب مَا تحبه وَأكْرم أَيهمْ يحبك وَحِينَئِذٍ فتأتي أَحْكَام الموصولات من جَوَاز عمل مَا قبلهَا فِيهَا وَحكم الضَّمِير الْعَائِد عَلَيْهَا وصلتها وَغير ذَلِك وَأما فِي الشّعْر فَيجوز بَقَاء الشّرطِيَّة والجزم وَكَذَا إِن أضيف لَهُنَّ أَي لمن وَمَا وَأي زمَان يجب لَهُنَّ فِي السعَة أَن يكن موصولات نَحْو أَتَذكر إِذْ من يأتينا نأتيه وَلَا يجوز الْجَزْم عِنْد سِيبَوَيْهٍ والجرمي والمازني لِأَن أَسمَاء الأحيان لَا تُضَاف إِلَى
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الْجُمْلَة الشّرطِيَّة المصدرة ب (إِن) فَكَذَا الاتصاف على مَا تضمن معنى إِن خلافًا للزيادي أبي إِسْحَاق فِي ذَهَابه إِلَى جَوَاز الْجَزْم اخْتِيَارا كَقَوْلِه: ١٣٠٥ -
(على حِينَ مَنْ تَلْبَثْ عَلَيْهِ ذَنُوبهُ يَرثْ شِرْبُهُ إذْ فِي المقَام تَداثُرُ)
والأولون قَالُوا هُوَ ضَرُورَة (و) يجْرِي هَذَا الحكم وَهُوَ وجوب الرّفْع وَامْتِنَاع الْجَزْم مُطلقًا أَي فِي الِاخْتِيَار والضرورة إِذا وقعن بعد بَاب كَانَ وَإِن نَحْو من كَانَ يأتينا نأتيه وَإِن من يأتينا نأتيه وليت من يحسن إِلَيْنَا نحسن إِلَيْهِ لِأَن الشَّرْط لَا يعْمل فِيهِ عَامل قبله (وَلَكِن) المخففة نَحْو وَلَكِن من يزورني أَزورهُ وَإِذا المفاجأة نَحْو مَرَرْت بزيد فَإِذا من يزوره يحسن إِلَيْهِ (وَمَا) النافية نَحْو مَا من يأتينا نُعْطِيه لِأَن (مَا) لَا تَنْفِي الْجُمْلَة الشّرطِيَّة (وَهل) نَحْو هَل من يأتينا نأتيه لِأَن (هَل) لَا يستفهم بهَا عَن الْجمل الشّرطِيَّة (قيل والهمزة) قَالَ يُونُس قِيَاسا على هَذَا وَالأَصَح جَوَاز الْجَزْم بعْدهَا وَكَون من شَرْطِيَّة لِأَنَّهُ توسع فِيهَا فاستفهم بهَا عَن الْجُمْلَة الشّرطِيَّة كَمَا استفهم بهَا عَن غير ذَلِك نَحْو أإن تأتني آتِك فَلَمَّا حسن ذَلِك فِي (إِن) حسن فِي أخواتها نَحْو أَمن يأتنا نأته مَسْأَلَة يحذف الْجَواب لدَلِيل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أئن ذكرْتُمْ﴾ [يس: ١٩] أَي تطيرتم وَقَوله: ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت﴾ [الْأَنْعَام: ٣٥] الْآيَة أَي فافعل وَيكثر الْحَذف لتقدم شبهه على الأداة كَمَا مر (و) لتقدم جَوَاب قسم يدل عَلَيْهِ
[ ٢ / ٥٦١ ]
(و) يحذف الشَّرْط وَهُوَ أقل من حذف الْجَواب نَص عَلَيْهِ ابْن مَالك فِي شرح الكافية وَمِنْه ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك﴾ [التَّوْبَة: ٦] وَقَوْلهمْ (إِن خيرا فَخير) (وَقيل) إِنَّمَا يجوز حذفه (إِن عوض) مِنْهُ (لَا) وَعَلِيهِ ابْن عُصْفُور والأبذي كَقَوْلِه: ١٣٠٦ -
(فطَلِّقْها فَلَسْتَ لَهَا بكُفء وإلاَّ يَعْلُ مَفْرقَك الْحُسَام)
أَي وَإِلَّا تطلقها قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهَا لَو كَانَت عوضا من الْفِعْل الْمَحْذُوف لم يجز الْجمع بَينهمَا مَعَ أَنه يجوز نَحْو وَإِلَّا يسيء فَلَا تضربه فَهِيَ فِي نَحْو ذَلِك نَافِيَة لَا عوض وَورد الْحَذف وَهُوَ مُثبت كَمَا تقدم ويحذفان أَي الشَّرْط وَالْجَوَاب (مَعَ إِن) دون سَائِر الأدوات واختصت بذلك لِأَنَّهَا أم الْبَاب وَلِأَنَّهُ لم يرد فِي غَيرهَا قَالَ: ١٣٠٧ - ﴿قَالَت بناتُ الحيِّ يَا سلمى وإنْ كَانَ فَقِيرا مُعْدمًا قَالَت وإنْ﴾
أَي وَإِن كَانَ كَمَا تَصِفِينَ فزوجنيه قَالَ أَبُو حَيَّان وَكَذَا حذف الْجَواب وَحده وَالشّرط وَحده لَا أحفظه بعد غير (إِن) قَالَ إِلَّا أَن ابْن مَالك أنْشد فِي شرح الكافية وَزعم أَنه حذف فِيهِ فعل الشَّرْط بعد مَتى وَهُوَ قَوْله:
[ ٢ / ٥٦٢ ]
١٣٠٨ -
(مَتى تُؤْخَذوا قسرًا بظِنّة عَامر وَلَا يَنْجُ إلاّ فِي الصِّفاد يزيدُ)
(وَقيل) حذفهما مَعًا ضَرُورَة قَالَه ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان وَتبع فِيهِ ابْن عُصْفُور قَالَ وَلم ينص غَيرهمَا على أَن ذَلِك ضَرُورَة بل أطْلقُوا الْجَوَاز إِذا فهم الْمَعْنى قلت وَقد ورد فِي النثر فِي عدَّة من الْآثَار (لَا الأداة) أَي لَا يجوز حذف أَدَاة الشَّرْط (وَلَو) كَانَت (إِن فِي الْأَصَح) كَمَا لَا يجوز حذف غَيرهَا من الجوازم وَلَا حذف حرف الْجَرّ وَجوز بَعضهم حذف (إِن) فيرتفع الْفِعْل وَتدْخل الْفَاء إشعارا بذلك وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿تحبسونهما من بعد الصَّلَاة فيقسمان بِاللَّه﴾ [الْمَائِدَة: ١٠٦] وَإِن توالى شَرْطَانِ فَصَاعِدا من غير عطف فَالْأَصَحّ أَن الْجَواب للسابق ويحذف جَوَاب مَا بعده لدلَالَة الأول وَجَوَابه عَلَيْهِ وَمِنْهُم من جعل الْجَواب للأخير وَجَوَاب الأول الشَّرْط الثَّانِي وَجَوَابه وَجَوَاب الثَّانِي الشَّرْط الثَّالِث وَجَوَابه وَهَكَذَا على إِضْمَار الْفَاء فَإِذا قَالَ إِن جَاءَ زيد إِن أكل زيد إِن ضحك فَعَبْدي حر فعلى الْأَصَح الضحك أول ثمَّ الْأكل ثمَّ الْمَجِيء فَإِذا وَقع على هَذَا التَّرْتِيب ثَبت عتقه وعَلى مُقَابِله عَكسه فَإِذا وَقع الْمَجِيء ثمَّ الْأكل ثمَّ الضحك لزم الْعتْق فَإِن كَانَ عطف فَالْجَوَاب لَهما مَعًا وَمِنْه ﴿وَإِن تؤمنوا وتتقوا يُؤْتكُم﴾ [مُحَمَّد: ٣٦] الْآيَة (و) الْأَصَح (أَن الْأَحْسَن) حِينَئِذٍ (مَجِيء) فعل الشَّرْط الثَّانِي مَاضِيا بِنَاء على أَن الْجَواب للسابق وَأَن جَوَاب الثَّانِي مَحْذُوف لما مر من أَنه لَا يحذف جَوَاب الشَّرْط فِي الِاخْتِيَار حَتَّى يكون فعله مَاضِيا وعَلى أَن الْجَواب للمتأخر لَا يحْتَاج إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ غير مَحْذُوف الْجَواب (و) الْأَصَح (أَنه) أَي الشَّرْط الثَّانِي مُقَيّد للْأولِ تَقْيِيد الْحَال الْوَاقِعَة موقعه قَالَه ابْن مَالك قَالَ فقولك من أجابني إِن دَعوته أَحْسَنت إِلَيْهِ فِي تَقْدِير من أجابني دَاعيا لَهُ وَقَول الشَّاعِر:
[ ٢ / ٥٦٣ ]
١٣٠٩ -
(إِن تَسْتَغِيثوا بِنَا إِن تُذْعَروا تَجدوا مِنّا معاقِلَ عِزٍّ زانَها كَرَمُ)
فِي التَّقْدِير إِن تستغيثوا بِنَا مذعورين قَالَ أَبُو حَيَّان وَغير ابْن مَالك جعله مُتَأَخِّرًا فِي التَّقْدِير فَكَأَنَّهُ قَالَ من أجابني أَحْسَنت إِلَيْهِ إِن دَعوته فَمن أجابني هُوَ جَوَاب (إِن) فِي الْمَعْنى حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ إِن دَعَوْت من أجابني أَحْسَنت إِلَيْهِ فَإِذا وَقع دعاءه لشخص فَأَجَابَهُ ذَلِك الشَّخْص بعد دُعَائِهِ إِيَّاه لزم الْإِحْسَان لِأَن جَوَاب الشَّرْط فِي التَّقْدِير بعد الشَّرْط وَكَذَا الْبَيْت تَقْدِيره على هَذَا إِن تذعروا فَإِن تستغيثوا بِنَا تَجدوا فَأول الشَّرْط يصير جَزَاء وَإِن توَسط الْجَزَاء وَالشّرط مضارع وَافقه أَي الشَّرْط معني حَال كَونه غير صفة وَصَحَّ حذفه أبدل مِنْهُ مِثَال إِن تأتني تمش أكرمك (وَإِلَّا) بِأَن لم يُوَافقهُ معنى (رفع حَالا) نَحْو إِن تأتني تضحك أحسن إِلَيْك والماضي كالمضارع فِي ذَلِك وَإِنَّمَا فرضت الْمَسْأَلَة فِيهِ كالتسهيل لِأَنَّهُ فِيهِ يظْهر الْأَثر مِثَاله إِن أتيتني مشيت أكرمك وَإِن تأتني قد ضحِكت أحسن إِلَيْك وَاحْترز بِغَيْر صفة عَن الْوَاقِع صفة نَحْو إِن يأتني رجل يعرف النَّحْو أكْرمه (فَيعرف) فِي مَوضِع الصّفة لرجل ولصحة الْحَذف من خبر كَانَ وَثَانِي ظَنَنْت نَحْو إِن تكن تحسن إِلَى أحسن إِلَيْك وَإِن تَظُنُّنِي أصدق أصدقك فالمتوسط لَا بدل وَلَا حَال بل فِي مَوضِع نصب على أَنه خبر ومفعول وَمِنْه قَول زُهَيْر: ١٣١٠ -
(وَمن لَا يَزَلْ يَسْتحمِلُ النّاسَ نَفْسَه وَلَا يُغْنِها يَوْمًا من الدَّهر يُسْأم)
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وتزاد (مَا) توكيدا (فِي إِن) وَمِنْه ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٠٠] ﴿وَإِمَّا ينسينك﴾ [الْأَنْعَام: ٦٨] قَالَ أَبُو حَيَّان وَذَلِكَ فِي الْقُرْآن كثير وَلم يَأْتِ فِيهِ إِلَّا وَالْفِعْل مُؤَكد بالنُّون وَأما فِي لِسَان الْعَرَب فقد جَاءَ أَيْضا بِغَيْر نون كثيرا قَالَ: ١٣١١ -
(زعمت تُماضِرُ أنّني إمّا أمُتْ يَسْدُدْ أُبَيْنُوها الأصاغِرُ خَلّني)
(و) فِي أَي غير مُضَافَة لضمير بِأَن لم تضف أصلا أَو أضيفت لظَاهِر وَمِنْه ﴿أيا مَا تدعوا﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] ﴿أَيّمَا الْأَجَليْنِ قضيت﴾ [الْقَصَص: ٢٨] (و) فِي (أَيْن ومتي) قَالَ تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾ [النِّسَاء: ٧٨] وَقَالَ الشَّاعِر: ١٣١٢ -
(مَتى مَا تَلْقَنِي فَرْدَين ترجُفْ )
(وَكَذَا أَيَّانَ) فِي الْأَصَح قَالَ: ١٣١٣ -
(فأيّان مَا تَعْدِلْ بِهِ الرِّيحُ تَنْزل )
[ ٢ / ٥٦٥ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان وَزعم بعض أَصْحَابنَا أَنَّهَا لَا تزاد فِيهَا وَلَيْسَ بِصَحِيح لوُرُود السماع بِهِ (لَا (مَا) و(من) و(أَنِّي) فِي الْأَصَح) وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى جَوَاز زيادتها بعْدهَا فَيجوز من مَا يكرمني أكْرمه
إِعْرَاب أَسمَاء الشَّرْط وَأَسْمَاء الِاسْتِفْهَام
مَسْأَلَة فِي إِعْرَاب أَسمَاء الشَّرْط وَأَسْمَاء الِاسْتِفْهَام إِذا وَقعت الأداة الشّرطِيَّة على مَكَان أَو زمَان فظرف أَي فَهِيَ فِي مَوضِع نصب على الظّرْف نَحْو مَتى تقم أقِم و﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت﴾ [النِّسَاء: ٧٨] (أَو) على حدث فمفعول مُطلق نَحْو. . وَإِلَّا فَإِن وَقع بعْدهَا فعل لَازم نَحْو من يقم أقِم مَعَه فمبتدأ خَبره فعل الشَّرْط وَفِيه ضميرها وَقيل هُوَ وَالْجَوَاب مَعًا لِأَن الْكَلَام لَا يتم إِلَّا بِالْجَوَابِ فَكَانَ دَاخِلا فِي الْخَبَر ورد بِأَنَّهُ أَجْنَبِي من الْمُبْتَدَأ أَو مُتَعَدٍّ وَاقع عَلَيْهَا نَحْو من يضْرب زيدا أضربه وَمن تضرب أضربه (فمفعول بِهِ أَو) وَاقع على ضميرها نَحْو من يضْربهُ زيد أضربه وَمن تضربه أضربه أَو متعلقها نَحْو من يضْرب يَد أَخَاهُ أضربه فاشتغال أَي فَالْمَسْأَلَة من بَاب الِاشْتِغَال فَيجوز فِي أَدَاة الشَّرْط أَن يكون فِي مَوضِع رفع على الِابْتِدَاء وَأَن يكون فِي مَوضِع نصب بِفعل مُضْمر يفسره الظَّاهِر بعْدهَا وَمثلهَا فِي هَذَا التَّفْصِيل أَسمَاء الِاسْتِفْهَام
لَو
مَسْأَلَة لَو شَرط للماضي غَالِبا وَقد ترد للمستقبل ك (إِن) وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وليخش الَّذين لَو تركُوا من خَلفهم ذُرِّيَّة ضعافا﴾ [النِّسَاء: ٩] وَقَول تَوْبَة:
[ ٢ / ٥٦٦ ]
١٣١٤ - وَلَو أنَّ ليلى الأخيليّةَ سَلّمتْ عليَّ ودوني جَنْدّلٌ وصفائحُ)
(لسلَّمتُ تَسْلِيم البشَاشةِ أَو زَقا إِلَيْهَا صَدًي مِنْ دَاخل الْقَبْر صائِحُ)
وَقيل دَائِما قَالَ بدر الدّين بن مَالك وَعَلِيهِ أَكثر الْمُحَقِّقين قَالَ وورود شَرطهَا فِي الْآيَة وَالْبَيْت مُسْتَقْبلا فِي نَفسه أَو بِقَيْد لَا يُنَافِي امْتِنَاعه فِيمَا مضى لِامْتِنَاع غَيره وَلَا يحوج إِلَى إِخْرَاج (لَو) عَمَّا عهد فِيهَا من مَعْنَاهَا إِلَى غَيره وَقَالَ أَبُو حَيَّان متعقبا عَلَيْهِ وُرُود (لَو) فِي الْمُسْتَقْبل قد قَالَه النحويوون فِي غير مَوضِع وجزمها لفعلها ضَرُورَة لَا يحسن فِي الِاخْتِيَار لعدم تمكنها بِكَوْنِهَا للمضي وَمن الضَّرُورَة قَوْله: ١٣١٥ -
(لَو يشَأْ طارَ بهَا ذُو مَيْعَة )
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وَقيل بل هُوَ (لُغَة) لقوم فيطرد عِنْدهم فِي الْكَلَام وَقيل مَمْنُوع لَا يجوز لَا فِي كَلَام وَلَا فِي الشّعْر حكى الْأَقْوَال الثَّلَاثَة أَبُو حَيَّان وَاخْتلفت عِبَارَات النُّحَاة فِي مَعْنَاهَا حَتَّى قَالَ بَعضهم إِن النُّحَاة لم يفهموا لَهَا معني قَالَ سِيبَوَيْهٍ هِيَ حرف لما كَانَ سيقع لوُقُوع غَيره أَي أَنَّهَا تَقْتَضِي فعلا مَاضِيا كَأَنَّهُ يتَوَقَّع ثُبُوته لثُبُوت غَيره والمتوقع غير وَاقع فَكَأَنَّهُ قَالَ حرف يَقْتَضِي فعلا امْتنع لِامْتِنَاع مَا كَانَ يثبت لثُبُوته (و) قَالَ المعربون هِيَ حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع أَي تدل على امْتنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره وَاخْتلف فِي المُرَاد بذلك قيل المُرَاد امْتنَاع الأول أَي الشَّرْط للثَّانِي أَي الِامْتِنَاع للجواب ذكره ابْن الْحَاجِب فِي (أَمَالِيهِ) بحثا من عِنْده وَوَجهه بِأَن انْتِفَاء السَّبَب لَا يدل على انْتِفَاء مسببه لجَوَاز أَن يكون ثمَّ أَسبَاب أخر قَالَ وَيدل على هَذَا ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] فَإِنَّهَا مسوقة لنفي التَّعَدُّد فِي الْآلهَة بامتناع الْفساد لَا أَن امْتنَاع الْفساد لِامْتِنَاع الْآلهَة لِأَنَّهُ خلاف الْمَفْهُوم من مساق أَمْثَال هَذِه الْآيَة وَلِأَنَّهُ لَا يلْزم من انْتِفَاء الْآلهَة انْتِفَاء الْفساد لجَوَاز وُقُوع ذَلِك وَإِن لم يكن تعدد فِي الْآلهَة لِأَن المُرَاد بِهِ فَسَاد نظام الْعَالم عَن حَالَته وَذَلِكَ جَائِز أَن يَفْعَله الْإِلَه الْوَاحِد سُبْحَانَهُ انْتهى وَتَابعه على ذَلِك ابْن الخباز وَقيل عَكسه أَي المُرَاد أَن جَوَاب (لَو) مُمْتَنع لِامْتِنَاع شَرطه فقولك لَو جِئْت لأكرمتك دَال على امْتنَاع الْإِكْرَام لِامْتِنَاع الْمَجِيء وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ النَّاس مِمَّن أثبت الِامْتِنَاع فِيهَا وَهُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الأفهام واستنكر ابْن هِشَام فِي (الْمُغنِي) مقَالَة ابْن الْحَاجِب وَمن تبعه (ثمَّ إفادتها) لذَلِك قيل (نطقا) أَي بالمنطوق وَقَالَ بدر الدّين بن مَالك فِي تَكْمِلَة شرح التسهيل وَشَيخنَا الْعَلامَة محيي الدّين الكافيجي ﵀ فِيمَا سمعناه من لَفظه حَال تدريسه (للْمُغني) فهما أَي بِالْمَفْهُومِ
[ ٢ / ٥٦٨ ]
قَالَ أَبُو حَيَّان كَأَن (لَو) عِنْد سِيبَوَيْهٍ لَهَا مَنْطُوق وَمَفْهُوم كَمَا أَن (أَن) لَهَا مَنْطُوق وَمَفْهُوم فَإِذا قلت لَو أكلت لشبعت فَعنده أَن الشِّبَع كَانَ يَقع لوُقُوع الْأكل وَلَو قلت إِن قَامَ زيد قَامَ عَمْرو فمنطوقه تَعْلِيق وجود قيام عَمْرو على تَقْدِير وجود قيام زيد وَتارَة يكون الْمَفْهُوم مرَادا وَتارَة يكون غير مُرَاد فَنظر غير سِيبَوَيْهٍ إِلَى الْمَفْهُوم فَقَالُوا إِذا قلت لَو أكلت لشبعت امْتنع الشِّبَع لِامْتِنَاع الْأكل وسيبويه نظر إِلَى الْمَنْطُوق فاطرد لَهُ فِي جَمِيع مواردها وَقيل هِيَ حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع وَإِن كَانَ بعْدهَا مثبتان وَإِلَّا بِأَن كَانَ بعْدهَا منفيان فوجود أَي فحرف وجود لوُجُود فَإِن كَانَ الأول منفيا وَالثَّانِي مثبتا فحرف وجود لِامْتِنَاع أَو عَكسه فحرف امْتنَاع لوُجُود قَالَ أَبُو حَيَّان وَالسَّبَب فِي ذَلِك عِنْد هَذَا الْقَائِل أَن الْمَنْفِيّ بعد (لَو) مُوجب والموجب منفي قَالَ هَذَا وَقَول من قَالَ حرف امْتنَاع لِامْتِنَاع يرجعان إِلَى معنى وَاحِد أَلا ترى أَنَّهَا إِذا كَانَت حرف امْتنَاع لزم من ذَلِك إِذا كَانَ مَا بعْدهَا مُوجبا أَن يمْتَنع وجود الثَّانِي لِامْتِنَاع وجود الأول أَو منفيا لزم امْتنَاع نفي الثَّانِي لِامْتِنَاع نفي الأول أَو الأول منفيا وَالثَّانِي مُوجبا لزم امْتنَاع وجود الثَّانِي لِامْتِنَاع نفي الأول فَيكون الأول إِذْ ذَاك مُوجبا وَالثَّانِي منفيا أَو الأول مُوجبا وَالثَّانِي منفيا لزم امْتنَاع نفي الثَّانِي لِامْتِنَاع وجود الأول فَيكون الأول إِذْ ذَاك منفيا وَالثَّانِي مُوجبا فَهُوَ اخْتِلَاف عبارَة وَقد رد الْقَوْلَانِ بِعَدَمِ امْتنَاع الْجَواب فِي مَوَاضِع كَثِيرَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله﴾ [لُقْمَان: ٢٧] وَقَول عمر (نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) لِأَن عدم النّفُوذ مَحْكُوم بِهِ سَوَاء وجد الشَّرْط أم لَا وَعدم الْعِصْيَان كَذَلِك سَوَاء وجد الْخَوْف أم لَا
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وَقَالَ أَبُو عَليّ الشلوبين وَابْن هِشَام الخضراوي إِنَّهَا لَا تفِيد الِامْتِنَاع بِوَجْه وَلَا يدل على امْتنَاع الشَّرْط وَلَا امْتنَاع الْجَواب بل هِيَ لمُجَرّد الرَّبْط أَي ربط الْجَواب بِالشّرطِ دلَالَة على التَّعْلِيق فِي الْمَاضِي كَمَا دلّت إِن على التَّعْلِيق فِي الْمُسْتَقْبل وَلم تدل بِالْإِجْمَاع على امْتنَاع وَلَا ثُبُوت بإلا إِذْ لَو كَانَ من مدلولها الِامْتِنَاع مَا أغفله سِيبَوَيْهٍ فِي بَيَان مَعْنَاهَا قَالَ الْجمال بن هِشَام فِي الْمُغنِي وَهَذَا الَّذِي قَالَاه كإنكار الضروريات إِذْ فهم الِامْتِنَاع فِيهَا كالبديهي فَإِن كل من سمع (لَو فعل) فهم عدم وُقُوع الْفِعْل من غير تردد وَلِهَذَا جَازَ استداركه فَنَقُول لَو جَاءَ زيد لأكرمته لكنه لم يَجِيء وَالْمُخْتَار فِي تَحْرِير الْعبارَة فِي مَعْنَاهَا وفَاقا لِابْنِ مَالك أَنَّهَا حرف يَقْتَضِي امْتنَاع مَا يَلِيهِ واستلزامه لتاليه من غير تعرض لنفي التَّالِي قَالَ فقيام زيد من قَوْلك لَو قَامَ زيد قَامَ عَمْرو مَحْكُوم بانتفائه ويكونه مستلزما ثُبُوته لثُبُوت قيام من عَمْرو وَهل لعَمْرو قيام آخر غير اللَّازِم عَن قيام زيد أَو لَيْسَ لَهُ لَا تعرض لذَلِك قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَهَذِه أَجود الْعبارَات ثمَّ يَنْتَفِي التَّالِي أَيْضا إِن ناسب الأول بِأَن لزمَه عقلا أَو شرعا أَو عَادَة وَلم يخلف الْمُقدم غَيره فِي ترَتّب التَّالِي عَلَيْهِ ك ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] أَي السَّمَوَات وَالْأَرْض ففسادهما أَي خروجهما عَن نظامهما الْمشَاهد مُنَاسِب لتَعَدد الْآلهَة للزومه على وفْق الْعَادة عِنْد تعدد الْحَاكِم من التمانع فِي الشَّيْء وَعدم الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَلم يخلف التَّعَدُّد فِي ترَتّب الْفساد غَيره فَيَنْتَفِي الْفساد بِانْتِفَاء التَّعَدُّد المفاد بلو (وَلَا) يَنْتَفِي التَّالِي (إِن خَلفه) أَي الأول غَيره كَقَوْلِك لَو كَانَ إنْسَانا لَكَانَ حَيَوَانا فالحيوان مُنَاسِب للْإنْسَان للزومه لَهُ عقلا لِأَنَّهُ جزؤه وَخلف الْإِنْسَان فِي ترَتّب الْحَيَوَان غَيره كالحمار فَلَا يلْزم بِانْتِفَاء الْإِنْسَان عَن شَيْء المفاد بلو انْتِفَاء الْحَيَوَان عَنهُ لجَوَاز أَن يكون حمارا كَمَا لَا يجوز أَن يكون حجرا وَيثبت التَّالِي مَعَ انْتِفَاء الأول (إِن لم يناف) انتفاؤه وناسب الأول إِمَّا بالأولي نَحْو نعم العَبْد صُهَيْب (لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) رتب عدم الْعِصْيَان على عدم الْخَوْف وَهُوَ بالخوف المفاد بلو أنسب فيترتب عَلَيْهِ أَيْضا فِي
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قَصده والمعني أَنه لَا يَعْصِي الله مُطلقًا لَا مَعَ الْخَوْف وَهُوَ ظَاهر وَلَا مَعَ انتفائه إجلالا لَهُ تَعَالَى عَن أَن يعصيه أَو الْمسَاوِي النَّحْو قَوْله
فِي بنت أم سَلمَة (لَو لم تكن ربيبتي) فِي حجري مَا حلت لي إِنَّهَا لأبنة أخي من الرضَاعَة رَوَاهُ الشَّيْخَانِ رتب عدم حلهَا على عدم كَونهَا ربيبته للرضاع الْمُنَاسب لَهُ شرعا فترتب أَيْضا فِي قَصده على كَونهَا ربيبته المفاد بلو الْمُنَاسب لَهُ شرعا كمناسبته للْأولِ سَوَاء لمساواة حُرْمَة الْمُصَاهَرَة لحُرْمَة الرَّضَاع والمعني أَنَّهَا لَا تحل لي أصلا لِأَن بهَا وصفين لَو انْفَرد كل مِنْهُمَا حرمت لَهُ كَونهَا ربيبة وَكَونهَا ابْنة أخي من الرَّضَاع أَو الأدون كَقَوْلِك لَو انْتَفَت أخوة الرَّضَاع مَا حلت للنسب هُوَ على نسق مَا تقدم فِيهَا قبله وَحُرْمَة الرَّضَاع أدون من حُرْمَة النّسَب (ويليها) أَي (لَو) اسْم على إِضْمَار فعل يفسره ظَاهر بعده اخْتِيَارا كَقَوْلِهِم (لَو ذَات سوار لطمتني) وَقَول عمر (لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة) (و) يَليهَا أَيْضا جُزْءا ابْتِدَاء اخْتِيَارا فَيُقَال لَو زيد قَائِم وَفَارَقت (إِن) فِي ذَلِك حَيْثُ لَزِمت الْمَاضِي وَلم تعْمل خلافًا للبصرية فيهمَا حَيْثُ قَالُوا لَا يَليهَا إِلَّا الْفِعْل ظَاهرا وَلَا يَليهَا مضمرا إِلَّا فِي الضَّرُورَة أَو فِي نَادِر كَلَام وَمن الضَّرُورَة عِنْدهم قَوْله:
[ ٢ / ٥٧١ ]
١٣١٦ -
(لَو غَيْرُكم عَلِقَ الزُّبيرُ بحَبْلهِ أدَّي الجوارَ إِلَى بني العوَّام)
وَقَوله: ١٣١٧ -
(لوْ بِغَيْر المَاء حَلْقي شَرقٌ )
وَفِي التَّنْزِيل ﴿قل لَو أَنْتُم تَمْلِكُونَ﴾ [الْإِسْرَاء: ١٠٠] فاستدل بِهِ الْأَولونَ وتأوله المانعون على أَن الأَصْل لَو كُنْتُم تَمْلِكُونَ فحذفت كَانَ وانفصل الضَّمِير وجوابها فِي الْغَالِب فعل مضارع مجزوم بلم كَقَوْلِه: ١٣١٨ -
(فَلَو كَانَ حمدٌ يُخْلدُ النَّاس لم يمت ولكنّ حمد النَّاس لَيْسَ بمُخْلِدِ)
(أَو) فعل ماضي مُثبت وَالْغَالِب حِينَئِذٍ اقترانه بِاللَّامِ الْمَفْتُوحَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾ [الْأَنْفَال: ٢٣] وَمن غير الْغَالِب ﴿لَو نشَاء جَعَلْنَاهُ أجاجا﴾ [الْوَاقِعَة: ٧٠] (أَو) مَاض منفي وَالْغَالِب خلوه من اللَّام نَحْو ﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا﴾ [الْأَنْعَام: ١٤٨] وَمن غير الْغَالِب قَوْله: ١٣١٩ -
(وَلَو نُعْطَى الْخِيَار لما افترقْنا )
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وَقد يقْتَرن جوابها بإذا نَحْو (لَو جئتني إِذا لأكرمتك) وندر كَونه تَعَجبا مَقْرُونا بِاللَّامِ قَالَ: ١٣٢٠ -
(فَلَو متُّ فِي ويم وَلم آتٍ عَجْزةً يُضَعِّفِني فِيهَا امْرُؤ غيرُ عَاقل)
(لأكْرمْ بهَا من مَيْتَةٍ إِن لقيتُها أطاعِنُ فِيهَا كل خِرْق مُنازل)
(و) ندر كَونه مصدرا بِرَبّ أَو الْفَاء كَقَوْلِه: ١٣٢١ -
(لَو كَانَ قَتْلٌ يَا سلامُ فراحةٌ )
فَإِن وَقع الْجَواب فِي الظَّاهِر جملَة اسمية فجواب قسم مَحْذُوف مغن عَن جوابها وَلَيْسَ بجوابها خلافًا للزجاج كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنهم آمنُوا وَاتَّقوا لمثوبة من عِنْد الله خير﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٣] فجواب لَو مَحْذُوف لدلَالَة مَا بعده عَلَيْهِ وَتَقْدِيره لأثيبوا وَقَوله لمثوبة إِلَى آخِره جَوَاب قسم مَحْذُوف تَقْدِيره وَالله لمثوبة وَقَالَ الزّجاج بل هُوَ جَوَاب (لَو) وَاللَّام هِيَ الدَّاخِلَة فِي جوابها ويحذف جَوَاب (لَو) لدَلِيل وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ﴾ [الرَّعْد: ٣١] الْآيَة أَي لَكَانَ هَذَا الْقُرْآن قَالَ أَبُو حَيَّان وَيحسن حذفه فِي طول الْكَلَام
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وَترد لَو لِلتَّمَنِّي كَقَوْلِك لَو تَأتِينِي فتحدثني وَأنكر ذَلِك قوم وَقَالُوا لَيست قسما برأسها وَإِنَّمَا هِيَ الشّرطِيَّة أسربت معنى التَّمَنِّي (و) على الأول لَا جَوَاب لَهَا فِي الْأَصَح قَالَ أَبُو حَيَّان هَذَا ظَاهر الْمَنْقُول وَنَصّ عَلَيْهِ شَيخنَا أَبُو الْحسن بن الصَّائِغ وَأَبُو مَرْوَان عبيد الله بن عمر بن هِشَام الْحَضْرَمِيّ فِي شرح قصيدة ابْن دُرَيْد قَالَ وَالَّذِي يظْهر أَنَّهَا لَا بُد لَهَا من جَوَاب لكنه الْتزم حذفه لإشرابها معنى التَّمَنِّي لِأَنَّهُ مَتى أمكن تقليل الْقَوَاعِد وَجعل الشَّيْء من بَاب الْمجَاز كَانَ أولى من تَكْثِير الْقَوَاعِد وادعاء الِاشْتِرَاك لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى وضعين وَالْمجَاز لَيْسَ فِيهِ إِلَّا وضع وَاحِد وَهُوَ الْحَقِيقَة انْتهى وَنقل الشَّيْخ جمال الدّين بن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن ابْن الصَّائِغ وَابْن هِشَام أَنَّهُمَا قَالَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب كجواب الشَّرْط وَهُوَ سَهْو وَقَوْلِي فِي الْأَصَح رَاجع إِلَى الْأَمريْنِ مَعًا وُرُودهَا لِلتَّمَنِّي واستغناؤها عَن الْجَواب كَمَا تبين وَقيل وَترد للتقليل نَحْو:
(تصدقوا وَلَو بظلف محرق)
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لَوْلَا ولوما
(لَوْلَا ولوما حرفا امْتنَاع لوُجُود) نَحْو لَوْلَا زيد لأكرمتك فَامْتنعَ الْإِكْرَام لوُجُود زيد (وَإِنَّمَا يَليهَا اسْم أَو أَن) الثَّقِيلَة وَتقدم إعرابه فِي بَاب الْمُبْتَدَأ (أَو أَن) المخففة مِنْهَا أَو الناصبة نَحْو: ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين للبث﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤] ﴿لَوْلَا أَن من الله علينا لخسف بِنَا﴾ [الْقَصَص: ٨٢] ﴿وَلَوْلَا أَن يكون النَّاس أمة وَاحِدَة لجعلنا﴾ [الزخرف: ٣٣] قَالَ فِي الْمُغنِي وَتصير أَن وصلتها مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر وجوبا أَو مُبْتَدأ لَا خبر لَهُ أَو فَاعِلا يثبت محذوفا على الْخلاف السَّابِق فِي (لَو وجوابهما مَاض مَعَ (مَا) النافية نَحْو: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمِّ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النُّور: ٢١] أَو مُثبت مَعَ اللَّام نَحْو: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم﴾ [النُّور: ١٤] وحذفها أَي اللَّام ضَرُورَة خَاص بالشعر أَو قَلِيل فِي الْكَلَام اخْتلف فِيهِ كَلَام ابْن عُصْفُور فَمرَّة قَالَ بِالْأولِ وَمرَّة قَالَ بِالثَّانِي وَلم يَقع مِنْهُ فِي الْقُرْآن شَيْء وَمن وُقُوعه فِي الشّعْر قَوْله: ١٣٢٣ -
(لَوْلَا الحياءُ وبَاقِي الدِّين عِبْتُكُما )
وَيجوز حذفه أَي جَوَاب (لَوْلَا) لدَلِيل قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النُّور: ٢٠] أَي لَو أخذكم وتردان أَي لَوْلَا ولوا للتحضيض وَهُوَ طلب بحث وإزعاج
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وَترد أَيْضا لَهُ (هلا وَألا) بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَرْبَعَة حِينَئِذٍ بسائط أَي غير مركبة كَمَا اخْتَارَهُ القواس فِي شرح الكافية قَالَ لِأَن الأَصْل عدم التَّرْكِيب وَقيل الْأَرْبَعَة مركبات من (لَو) و(لَا) و(لَو) و(مَا) و(هَل) و(لَا) وقلبت الْهَاء فِي هلا للهمزة ذكره فِي الْأَرْبَعَة أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل والسكاكي فِي الْمِفْتَاح وَذكره فِي (هلا) و(أَلا) ابْن مَالك فِي بَاب الِاشْتِغَال من شرح التسهيل وَحِينَئِذٍ فتختص بِفعل وَلَو مُقَدرا فِي الْأَصَح نَحْو ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النُّور: ١٣] ﴿لَو مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الْحجر: ٧] هلا ضربت زيدا أَلا أكرمت عمرا وَمِثَال تَقْدِير الْفِعْل ﴿وَلَوْلَا إِذْ سمعتموه قُلْتُمْ﴾ [النُّور: ١٦] ١٣٢٤ -
(فَهَلا نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُها )
أَلا زيدا ضَربته وَذهب بَعضهم إِلَى جَوَاز مَجِيء جملَة الِابْتِدَاء بعد هَذِه الْحُرُوف مستدلا بِالْبَيْتِ الْمَذْكُور وَمن خلوها من التوبيخ: ﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ [المُنَافِقُونَ: ١٠] وَقد تفيده أَي التحضيض (لَو وَألا) بِالتَّخْفِيفِ ذكر ذَلِك ابْن مَالك فِي التسهيل نَحْو لَو تنزل عندنَا فتصيب خيرا (﴿أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم﴾ [النُّور: ٢٢] ﴿أَلا تقاتلون قوما نكثوا﴾ [التَّوْبَة: ١٣]
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وَقَالَ وَترد (لَوْلَا) و(هلا) استفهامية و(لَوْلَا) نَافِيَة وَجعل من الأول (﴿لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب﴾ [المُنَافِقُونَ: ١٠] ﴿لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ ملك﴾ [الْأَنْعَام: ٨] وَمن الثَّانِي: ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت﴾ [يُونُس: ٩٨] قَالَ ابْن هِشَام وَأَكْثَرهم لم يذكرُوا ذَلِك وَالظَّاهِر أَن الأولى للعرض وَالثَّانيَِة مثل: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النُّور: ١٣] وَالثَّالِثَة كَذَلِك أَي فَهَلا كَانَت قَرْيَة وَاحِدَة من الْقرى الْمهْلكَة تابت عَن الْكفْر قبل مَجِيء الْعَذَاب فنفعها ذَلِك وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة أبي (فَهَلا) وَيلْزم من هَذَا الْمَعْنى النَّفْي لِأَن التوبيخ يَقْتَضِي عدم الْوُقُوع وَقَالَ المالقي لم ترد (لوما) إِلَّا للتحضيض نَقله عَنهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي
أما
(أما) بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد وَيُقَال فِيهَا (أَيّمَا) بإبدال ميمها الأولى يَاء استثقالا للتضعيف قَالَ: ١٣٢٥ -
(رَأتْ رَجُلًا أيْما إِذا الشّمْسُ عارَضَتْ )
[ ٢ / ٥٧٧ ]
الْأَصَح أَنَّهَا حرف بسيط وَقيل مركب من أم وَمَا مَعْنَاهُ مهما يكن من شَيْء فَهِيَ نائبة عَن أَدَاة الشَّرْط وَفعل الشَّرْط مَعًا بعد حذفهما وَقيل عَن فعل الشَّرْط فَقَط قَالَه فِي الْبَسِيط وَقَالَ أَبُو حَيَّان مَا ذكر فِي مَعْنَاهُ هُوَ من حَيْثُ صَلَاحِية التَّقْدِير وَلَا جَائِز أَن يكون مرادفا لَهُ من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَن مفعولية الْحَرْف مباينة لمفعولية الِاسْم وَالْفِعْل فتستحيل المرادفة وَلِأَن فِي يكن ضميرا يعود على (مهما) وَفِي الْجَواب ضمير يعود على الشَّرْط وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي أما وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا لَو كَانَت شرطا لَكَانَ مَا بعْدهَا متوقفا عَلَيْهَا وَأَنت تَقول أما علما فعالم فَهُوَ عَالم ذكرته وَلم تذكره بِخِلَاف إِن قَامَ زيد قَامَ عَمْرو فقيام عَمْرو مُتَوَقف على قيام زيد وَأجِيب بِأَنَّهُ قد يَجِيء الشَّرْط على مَا ظَاهره عدم التَّوَقُّف عَلَيْهِ كَقَوْلِه: ١٣٢٦ -
(من يَكُ ذَا بَتًّ فَهَذَا بَتّى )
أَلا ترى أَن بته مَوْجُود كَأَن لغيره بت أم لم يكن وَمن ثمَّ أَي من هُنَا وَهُوَ كَونهَا فِي معنى الشَّرْط أَي من أجل ذَلِك لَزِمت الْفَاء جوابها فَلم تحذف دون ضَرُورَة وَكَذَا دون تَقْدِير قَول على الْأَصَح نَحْو: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦] لَا جَائِز أَن تكون الْفَاء للْعَطْف لِأَن العاطفة لَا تعطف الْخَبَر على مبتدئه وَلَا زَائِدَة إِذْ لَا يَصح الِاسْتِغْنَاء عَنْهَا فَتعين أَنَّهَا فَاء الْجَزَاء وَقَالَ أَبُو حَيَّان هَذِه الْفَاء جَاءَت فِي اللَّفْظ خَارِجَة عَن قياسها لِأَنَّهَا لم تَجِيء رابطة بَين جملتين وَلَا عاطفة مُفردا على مثله وَالتَّعْلِيل بِكَوْن أما فِي معنى الشَّرْط لَيْسَ بجيد لِأَن جَوَاب مهما يكن من شَيْء لَا تلْزم فِيهِ الْفَاء إِذا كَانَ صَالحا لأداة الشَّرْط وَالْفَاء لَازِمَة بعد أما كَانَ مَا
[ ٢ / ٥٧٨ ]
دخلت عَلَيْهِ صَالحا لَهَا أم لم يكن أَلا ترى أَنه يُقَال مهما يكن من شَيْء لم أبال بِهِ وَيمْتَنع ذَلِك فِي (أما) وَيجب ذكر الْفَاء فَدلَّ على أَن لُزُوم الْفَاء لَيْسَ لأجل ذَلِك انْتهى وَقد تحذف الْفَاء فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه: ١٣٢٧ -
(فأمّا القِتَالُ لَا قِتَال لَدَيْكُمُ )
وَيجوز حذفهَا فِي سَعَة الْكَلَام إِذا كَانَ هُنَاكَ قَول مَحْذُوف كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم﴾ [آل عمرَان: ١٠٦] الأَصْل فَيُقَال لَهُم أكفرتم فَحذف القَوْل اسْتغْنَاء عَنهُ بالمقول فتبعته الْفَاء فِي الْحَذف وَرب شَيْء تبعا وَلَا يَصح اسْتِقْلَالا هَذَا قَول الْجُمْهُور وَزعم بعض الْمُتَأَخِّرين أَن الْفَاء لَا تحذف فِي غير الضَّرُورَة أصلا وَأَن الْجَواب فِي الْآيَة فَذُوقُوا الْعَذَاب وَالْأَصْل فَيُقَال لَهُم ذوقوا فَحذف القَوْل وانتقلت الْفَاء للمقول وَأَن مَا بَينهمَا اعْتِرَاض وَمن أجل ذَلِك أَيْضا لم يلها فعل لِأَنَّهَا لما قدرت بمهما يكن وَجعلُوا لَهَا جَوَابا تعذر إيلاؤها الْفِعْل من حَيْثُ أَن فعل الشَّرْط لَا يَلِيهِ فعل إِلَّا إِن كَانَ جَوَابا وَالْفَرْض أَن مَا بعد الْفَاء جَوَاب وتفيد أما التَّفْصِيل فتكرر غَالِبا نَحْو: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فيعلمون أَنه الْحق من رَبهم وَأما الَّذين كفرُوا فَيَقُولُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦] قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَالتَّفْصِيل غَالب أحوالها قَالَ وَقد يتْرك تكرارها اسْتغْنَاء بِذكر أحد الْقسمَيْنِ عَن الآخر أَو بِكَلَام يذكر بعْدهَا فِي مَوضِع ذَلِك الْقسم فَالْأول نَحْو: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ﴾ [النِّسَاء: ١٧٥] الْآيَة أَي وَأما الَّذين
[ ٢ / ٥٧٩ ]
كفرُوا فَلهم كَذَا وَكَذَا وَالثَّانِي نَحْو: ﴿فَأَما الَّذين فِي قُلُوبهم زيغ﴾ [آل عمرَان: ٧] الْآيَة وَأما غَيرهم فيؤمنون بِهِ ويكلون مَعْنَاهُ إِلَى رَبهم وَيدل على ذَلِك: ﴿والراسخون فِي الْعلم﴾ [آل عمرَان: ٧] إِلَى آخِره وتفيد التوكيد قَالَ فِي الْمُغنِي وَقل من ذكره قَالَ وَلم أر من أحكم شَرحه غير الزَّمَخْشَرِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فَائِدَة (أما) فِي الْكَلَام أَن تعطيه فضل توكيد تَقول زيد ذَاهِب فَإِذا قصدت توكيد ذَلِك وَأَنه لَا محَالة ذَاهِب وَأَنه بصدد الذّهاب وَأَنه مِنْهُ عَزِيمَة قلت أما زيد فذاهب وَكَذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي تَفْسِيره مهما يكن من شَيْء فزيد ذَاهِب وَهَذَا التَّفْسِير يدل بفائدتين بَيَان كَونه توكيدا وَأَنه فِي معنى الشَّرْط انْتهى وتفصل أما من الْفَاء بِوَاحِد من أَرْبَعَة أُمُور إِمَّا بمبتدأ كالآيات السَّابِقَة أَو خبر نَحْو أما فِي الدَّار فزيد وَقيل الْفَصْل بِهِ قَلِيل نَقله فِي «الْمُغنِي» عَن الصفار أَو مَعْمُول لما بعْدهَا إِمَّا صَرِيحًا نَحْو: ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ [الضُّحَى: ٩] أَو مُفَسرًا نَحْو أما زيد فَاضْرِبْهُ قَالَ سِيبَوَيْهٍ أَو جملَة شَرط نَحْو ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٨، ٨٩] لَا بجملة تَامَّة أَن هَذَا التَّقْدِيم إِنَّمَا جَازَ للاضطرار ليحصل الْفَصْل بَين أما وَالْفَاء وَذَلِكَ حَاصِل باسم وَاحِد فَبَقيَ الزَّائِد على أَصله من الْمَنْع إِذْ الْفَاء لَا يتَقَدَّم عَلَيْهَا مَا بعْدهَا قَالَ أَبُو حَيَّان إِلَّا أَن كَانَت للدُّعَاء نَحْو أما زيدا رَحِمك الله فَاضْرب
عمل مَا بعد الْفَاء فِيمَا قبلهَا
مَسْأَلَة يعْمل مَا بعد الْفَاء فِيمَا قبلهَا هُنَا وفَاقا كَمَا تقدم فِي قَوْله: ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ [الضُّحَى: ٩] ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ مَا جَازَ عمله بعد حذف أما وَالْفَاء عمل فِيمَا قبل وَمَا لَا فَلَا أَلا ترى أَنَّك لَو حذفت أما وَالْفَاء فِي الْآيَة وَقلت الْيَتِيم لَا تقهر لَكَانَ جَائِزا بِخِلَاف نَحْو أما زيدا فَإِنِّي ضَارب لَا يجوز إِذْ لَو حذفت أما وَالْفَاء لم يجز تقدم
[ ٢ / ٥٨٠ ]
مَعْمُول خبر إِن عَلَيْهَا وَكَذَا لَا يجوز أما درهما فعندي عشرُون إِذْ الْمُمَيز لَا يعْمل فِيمَا قبله وفَاقا وَقَالَ الْمبرد أَولا وَابْن درسْتوَيْه زِيَادَة على ذَلِك وَإِن أَيْضا يعْمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا مَعَ أما خَاصَّة نَحْو أما زيدا فَإِنِّي ضَارب وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا لم يرد بِهِ سَماع وَلَا يَقْتَضِيهِ قِيَاس صَحِيح قَالَ وَقد رَجَعَ الْمبرد إِلَى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْن ولاد عَنهُ قَالَ الزّجاج رُجُوعه مَكْتُوب عِنْدِي بِخَطِّهِ فَلِذَا لم أحكه عَنهُ فِي الْمَتْن وَقَالَ الْفراء زِيَادَة على ذَلِك وكل نَاسخ يدْخل على الْمُبْتَدَأ من أَخَوَات إِن وَغَيرهَا نَحْو أما زيدا فليتني ضَارب وَأما عمرا فلعلي مكرم وَقيل يخْتَص ذَلِك بالظرف وَالْمَجْرُور للتوسع فِيهِ نَحْو أما الْيَوْم فَإِنِّي ذَاهِب وَأما فِي الدَّار فَإِن زيدا جَالس وَقيل زِيَادَة على ذَلِك وَفعل التَّعَجُّب إِذا كَانَ مُتَعَدِّيا نَحْو أما زيدا فَمَا أزورني لَهُ قَالَه الْكُوفِيُّونَ وعللوه بِأَن التَّعَجُّب مَحْمُول على مَعْنَاهُ والمعني أما زيدا فَأَنا أَزورهُ كثيرا بِخِلَاف غير الْمُتَعَدِّي إِذا اتَّصل بضمير الِاسْم فَلَا يجوز أما زيدا فَمَا أحْسنه نعم يجوز إِذا لم يتَّصل لَهُ نَحْو أما زيدا فَمَا أحسن وَلَا تعْمل أما فِي اسْم صَرِيح فَلَا تنصب الْمَفْعُول خلافًا للكوفية حَيْثُ أجازوه لما فِيهَا من معنى الْفِعْل ورد بِأَن الْأَسْمَاء الصَّرِيحَة لَا تعْمل فِيهَا الْمعَانِي وَبِأَنَّهُ لَا يحفظ من كَلَامهم أما زيدا فَعنده عشرُون درهما وَلَا أما زيدا فقائم غير الظّرْف وَالْمَجْرُور وَالْحَال فَإِنَّهَا تعْمل فِيهَا وفَاقا لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء يعْمل فِيهَا مَا فِيهِ معنى الْفِعْل
[ ٢ / ٥٨١ ]
الْحُرُوف غير العاطفة
الْكَلَام فِي بَقِيَّة الْحُرُوف غير العاطفة فَإِن تِلْكَ تَأتي فِي مَبْحَث عطف النسق
الْهمزَة
الْهمزَة للاستفهام وَالْمرَاد بِهِ طلب الإفهام وَهِي الأَصْل فِيهِ لكَونهَا حرفا بِخِلَاف مَا عدا هَذِه من أدواته فَلم تخرج عَن موضوعها فَلم تسْتَعْمل لنفي وَلَا بِمَعْنى قد بِخِلَاف هَل (وَمن ثمَّ) أَي من أجل أصالتها فِيهِ اخْتصّت بالحذف أَي بِجَوَاز حذفهَا كَقَوْلِه: ١٣٢٨ -
(طَربْتُ وَمَا شَوْقًا إِلَى الْبيض أَطْرَبُ وَلَا لَعِبًا مني وذُو الشّيْبِ يَلْعَبُ)
أَرَادَ أَو ذُو الشيب وَسَائِر الأدوات لَا تحذف ودخولها على النَّفْي كَمَا تدخل على الْإِثْبَات نَحْو ألم يقم زيد وَغَيرهَا لَا يدْخل إِلَّا على الْإِثْبَات خَاصَّة ودخولها على (وَاو الْعَطف وفائه وَثمّ) تَنْبِيها على أصالتها فِي التصدير نَحْو: ﴿أولم يَسِيرُوا فِي الأَرْض﴾ [الرّوم: ٩] ﴿أَفلا تعقلون﴾ [آل عمرَان: ٦٥] ﴿أَثم إِذا مَا وَقع آمنتم بِهِ﴾ [يُونُس: ٥١] بِخِلَاف غَيرهَا من الأدوات فَلَا يتَقَدَّم العاطف بل يتَأَخَّر عَنهُ كَمَا هُوَ قِيَاس جَمِيع أَجزَاء الْجُمْلَة المعطوفة نَحْو: ﴿فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ﴾ [الْمَائِدَة: ٩١] ﴿فَكيف إِذا أَصَابَتْهُم﴾ [النِّسَاء: ٦٢] ﴿فَأَيْنَ تذهبون﴾ [التكوير: ٢٦] ﴿فَأنى تؤفكون﴾ [الْأَنْعَام: ٩٥] (فَأَيُّ
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الفَرِيقَيْنِ﴾ [الْأَنْعَام: ٨١] ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النِّسَاء: ٨٨] هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور خلافًا للزمخشري حَيْثُ قَالَ إِن الْهمزَة فِي الْمَوَاضِع السَّابِقَة ونحوهافي محلهاالأصلي وَإِن الْعَطف على جملَة مقدرَة بَينهَا وَبَين العاطف مُحَافظَة على إِقْرَار حرف الْعَطف على حَاله من غير تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير فَيقدر (امكثوا) (وَلم يَسِيرُوا) (أتجهلون فَلَا تعقلون) قَالَ أَبُو حَيَّان وَهُوَ تَقْدِير مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ من غير حَاجَة إِلَيْهِ وَقَالَ ابْن هِشَام يُضعفهُ مَا فِيهِ من التَّكَلُّف وَأَنه غير مطرد (و) دُخُولهَا على الشَّرْط نَحْو: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٣٤] بِخِلَاف (هَل) فَلَا تدخل عَلَيْهِ (و) على (إِن) نَحْو: ﴿أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يُوسُف: ٩٠] بِخِلَاف (هَل) وَعدم إِعَادَتهَا بعد أم يُقَال أَزِيد فِي الدَّار أم عَمْرو وَأقَام زيد أم قعد وَلَا يجوز أم أعمرو وَلَا أم أقعد بِإِعَادَة الْهمزَة كَمَا يُعَاد الْجَار بعْدهَا توكيدا فِي نَحْو أَعلَى زيد غضب أم على عَمْرو لِأَن الْهمزَة لم تقع بعد حرف الْعَطف تأسيسا بل يجب تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ كَمَا تقدم فَلم تقع بعده تَأْكِيدًا بِخِلَاف غَيرهَا من الأدوات فَإِنَّهَا تُعَاد بعد (أم) نَحْو: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرَّعْد: ١٦] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ﴾ [الْملك: ٢٠] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ [الْملك: ٢١] وورودها لطلب التَّصَوُّر نَحْو أَزِيد قَائِم أم عَمْرو أدبس فِي الْإِنَاء أم خل والتصديق نَحْو أَزِيد قَائِم وَأقَام زيد بِخِلَاف (هَل) فَإِنَّهَا للتصديق خَاصَّة وَبَقِيَّة الأدوات للتصور خَاصَّة (و) وُرُودهَا للتسوية نَحْو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٦] وَالْإِنْكَار نَحْو: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ [الْإِسْرَاء: ٤٠] ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ﴾ [ق: ١٥] أَي لم يَقع ذَلِك ومدعيه كَاذِب
[ ٢ / ٥٨٣ ]
(والتوبيخ) أَي اللوم على مَا وَقع نَحْو: ﴿أتعبدون مَا تنحتون﴾ [الصافات: ٩٥] (والتقرير) أَي حمل الْمُخَاطب على الْإِقْرَار نَحْو: ﴿ألم نشرح لَك صدرك﴾ [الشَّرْح: ١] أَي شرحنا (والتهكم) نَحْو: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧] (وَالْأَمر) نَحْو: ﴿أسلمتم﴾ [آل عمرَان: ٢٠] أَي أَسْلمُوا (والتعجب) نَحْو: ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ [الْفرْقَان: ٤٥] (والاستبطاء) نَحْو: ﴿ألم يَأن للَّذين آمنُوا﴾ [الْحَدِيد: ١٦] وَسَائِر الأدوات لَا ترد لشَيْء من ذَلِك
الْألف اللينة
الْألف اللينة وَهِي الَّتِي لَا تقبل الْحَرَكَة قَالَ ابْن جني وَهَذَا الْمُسَمّى (لَا) الَّذِي يذكر قبل (الْيَاء) عِنْد عد الْحُرُوف وَأَنه لم يُمكن أَن يلفظ بِهِ فِي أول اسْمه كَمَا فعل فِي أخواته إِذْ قيل صَاد جِيم توصل إِلَى النُّطْق بِهِ بِاللَّامِ كَمَا توصل إِلَى اللَّفْظ بلام التَّعْرِيف بِالْألف حِين قيل فِي الِابْتِدَاء الْغُلَام ليتقارضا وَأَن قَول المعلمين لَام ألف خطأ لِأَن كلا من اللَّام وَالْألف قد مضى ذكره وَلَيْسَ الْغَرَض بَيَان كَيْفيَّة تركيب الْحُرُوف بل سرد أَسمَاء الْحُرُوف البسائط قَالَ: وَأما قَول أبي النَّجْم ١٣٢٩ -
(أقبلتُ من عِنْد زِيَاد كالخَرفْ تَخُطَّ رجلاي بخطِّ مختلفْ)
(تُكتِّبان فِي الطَّرِيق لامَ ألِفْ )
فَلَعَلَّهُ تَلقاهُ من أَفْوَاه الْعَامَّة لِأَن الْخط لَيْسَ لَهُ تعلق بالفصاحة انْتهى
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وَفِي حَاشِيَة الْكَشَّاف للتفتازاني كل الْحُرُوف إِذا عدت صدر فِيهَا الِاسْم بِالْمُسَمّى إِلَّا الْألف فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِك وَفِي أَيَّتهمَا الأَصْل قَولَانِ قَالَ الْفراء الْهمزَة هِيَ الأَصْل وَالْألف الساكنة هِيَ الْهمزَة ترك همزتها وَقَالَ ابْن كيسَان الْألف هِيَ الأَصْل وَفِي حَاشِيَة الْكَشَّاف للتفتازاني قَالُوا الْألف على ضَرْبَيْنِ لينَة ومتحركة فاللينة تسمى ألفا والمتحركة تسمى همزَة والهمزة اسْم مستحدث لَا أُصَلِّي وَإِنَّمَا يذكر فِي التهجي الْألف لَا الْهمزَة انْتهى وَهَذِه الحملة مُعْتَرضَة وَكَذَا مَا قبلهَا وَخبر الْمُبْتَدَأ قولي وَترد للإنكار جَوَازًا فِي مُنْتَهى المنكور وفقا بعد همزَة لم تفصل كَقَوْلِك لمن قَالَ لقِيت عمرا أعمراه مُنْكرا لِقَاء لَهُ وَشَمل الْمُنْتَهى وَصفه والمعطوف عَلَيْهِ كَقَوْلِك لمن قَالَ رَأَيْت عمرا الْفَاضِل أعمرا الفاضلاه وَلمن قَالَ رَأَيْت زيدا وعمرا أزيدا وعمراه وَذَلِكَ غير لَازم فلك أَن لَا تلْحق وَتقول أعمرا أَو عمرا الْفَاضِل أَو زيدا وعمرا فَإِن وصل الْمُتَكَلّم وَلم يقف امْتنع الْإِلْحَاق نَحْو أعمرا يَا هَذَا وَكَذَا إِن فصلت الْهمزَة من المنكور نَحْو أَتَقول عمرا أَو الْيَوْم عمرا وتقلب بعد ضم واوا وَكسر يَاء للمجانسة كَقَوْلِك لمن قَالَ قَامَ عَمْرو أعمروه وَلمن قَالَ قَامَ زيد الْفَاضِل أَزِيد الفاضلوه وَلمن قَالَ مَرَرْت بِالْحَارِثِ الحارثية (أَو) تقلب بعد تَنْوِين مُطلقًا يَاء سَاكِنة بعد كسر التَّنْوِين لالتقاء الساكنين فَيُقَال فِي قَامَ زيد أزيدنيه وَفِي ضربت زيدا أزيدنيه وَفِي مَرَرْت بزيد أزيدنيه (و) ترد للتذكر كَذَلِك أَي كالإنكار من الِاتِّصَال بمنتهى الْكَلِمَة جَوَازًا كَقَوْل من أَرَادَ أَن يَقُول رَأَيْت الرجل الْفَاضِل فنسي الْفَاضِل فَأَرَادَ مد الصَّوْت ليتذكره إِذْ لم يرد قطع الْكَلَام رَأَيْت الرجلا وَمن أَرَادَ أَن يَقُول قَامَ زيد فنسي زيدا قاما
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وَفِي قَلبهَا واوا بعد ضمة وياء بعد كسرة للمجانسة كَقَوْل من أَرَادَ أَن يَقُول يقوم زيد فنسي زيد يقومو وَمن أَرَادَ أَن يَقُول قد قَامَ فنسي قَامَ قدي وتقلب بعد السَّاكِن الصَّحِيح أَيْضا يَاء كَقَوْل من أَرَادَ أَن يَقُول لم يضْرب زيد فنسي زيد لم يضربني بِخِلَاف المعتل فَإِنَّهُ يَسْتَغْنِي بِمدَّة عَن مُدَّة التَّذَكُّر نَحْو موسي وتفارق مُدَّة الْإِنْكَار فِي أَنَّهَا لَا تلحقها هَاء السكت لِأَنَّهُ غير قَاصد للْوَقْف وَإِنَّمَا عرض لَهُ مَا أوجب قطع كَلَامه وَهُوَ طَالب لتذكر مَا بَقِي بِخِلَاف الْمُنكر (و) ترد فاصلة بَين الهمزتين جَوَازًا نَحْو ﴿أأنذرتهم﴾ [الْبَقَرَة: ٦] وَلَا فرق بَين كَون الثَّانِيَة مُحَققَة أَو مسهلة (و) ترد فاصلة بَين النونين نون النسْوَة وَنون التوكيد نَحْو اضربنان وَهَذِه وَاجِبَة كَمَا سَيَأْتِي (و) ترد لغير ذَلِك كمد الصَّوْت للمنادي المستغاث أَو المتعجب مِنْهُ أَو الْمَنْدُوب كَمَا تقدم فِي مَحَله
أَلا
(أَلا) بِفَتْح الْهمزَة وَالتَّخْفِيف حرف استفتاح وتنبيه وَتدْخل على الجملتين نَحْو: ﴿أَلا إِنَّهُم هم السُّفَهَاء﴾ [الْبَقَرَة: ١٣] ﴿أَلا يَوْم يَأْتِيهم لَيْسَ مصروفا عَنْهُم﴾ [هود: ٨] وتكثر قبل النداء كَقَوْلِه: ١٣٣٠ -
(أَلا يَا عِبَاد اللهِ قَلْبي مُتَيّمٌ )
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وَيُقَال فِيهَا هلا بإبدال الْهمزَة هَاء قرئَ: ﴿أَلا يسجدوا لله﴾ [النَّمْل: ٢٥]
يَاء التنبه وهاؤه
وكهي فِي التَّنْبِيه يَاء كهذه الْآيَة (وَهَا) وَأكْثر اسْتِعْمَالهَا مَعَ ضمير رفع مُنْفَصِل نَحْو: ﴿هَا أَنْتُم أولاء﴾ [آل عمرَان: ١١٩] وَمَعَ اسْم الْإِشَارَة كَهَذا زيد وَتَقَع مَعَ غَيرهمَا كَقَوْل النَّابِغَة: ١٣٣١ -
(هَا إنَّ ذِي عِذْرَةٌ إِن لَا تَكُنْ نفَعَتْ فَإِن صاحِبَها مُشَاركُ النّكَدِ)
ويلي يَا غَالِبا أَمر كالآية وَكَقَوْلِه: ١٣٣٢ -
(أَلا يَا اسْلمي يَا دَار ميّ على البِلَي )
(أَو لَيْت) نَحْو: ﴿يَا لَيْت قومِي يعلمُونَ﴾ [يس: ٢٦] (أَو رب) نَحْو (يَا رب كاسية فِي الدُّنْيَا عَارِية يَوْم الْقِيَامَة) وَقد يَليهَا الْجُمْلَة الاسمية كَقَوْلِه:
[ ٢ / ٥٨٧ ]
١٣٣٣ -
(يَا لعنةُ الله والأقوام كلهمُ والصّالحين على سمْعانَ مِنْ جَار)
أما
(أما) بِالْفَتْح وَالتَّخْفِيف (كألا) فَهُوَ حرف استفتاح وتنبيه وَيكثر قبل الْقسم كَقَوْلِه: ١٣٣٤ -
(أما وَالَّذِي أبْكى وأضْحَكَ والّذي أمات وأحْيَا وَالَّذِي أمرهُ الأمْر) وتبدل همزتها هَاء وعينا فَيُقَال هما وَعَما وتحذف أَي الْهمزَة فَيُقَال (مَا) قَالَ: ١٣٣٥ -
(مَا تَرى الدَّهْرَ قَد أباد مَعدًّا وأبادَ السّراةَ من عَدْنان)
(أَو) تحذف (الْألف) فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة فَيُقَال أم وهم وَعم لُغَات (و) تكون (بِمَعْنى حَقًا) وتفتح بعْدهَا أَن نَحْو أما أَنَّك ذَاهِب وَهِي حِينَئِذٍ (اسْم) مرادف لَهُ (أَو حرف) قَالَه ابْن خروف وَجعلهَا مَعَ أَن ومعلومها كلَاما تركب من حرف وَاسم كَمَا قَالَ الْفَارِسِي فِي يَا زيد (أَو مركبة) من كَلِمَتَيْنِ (همزَة الِاسْتِفْهَام وَمَا) اسْم بِمَعْنى شَيْء ذَلِك الشَّيْء حق فَالْمَعْنى أحقا (وَهِي) أَي (أما) حِينَئِذٍ (نصب على الظَّرْفِيَّة) كَمَا انتصب حَقًا على ذَلِك فِي نَحْو قَوْله: ١٣٣٦ -
(أحقًّا أنَّ جيرتنا اسْتَقَلَّوا )
[ ٢ / ٥٨٨ ]
هَذِه أَقْوَال قَالَ ابْن هِشَام الثَّالِث قَول سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ المالقي وَترد أما للعرض بِمَنْزِلَة أَلا فتختص بِالْفِعْلِ نَحْو أما تقوم أما تقعد قَالَ ابْن هِشَام وَقد يَدعِي فِي ذَلِك أَن الْهمزَة للاستفهام التقريري وَمَا نَافِيَة ظَاهر كَلَام ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن الاستفتاح والتنبيه فِي (أَلا) و(أما) متلازمان حَيْثُ جعل التَّنْبِيه مَعْنَاهَا والاستفتاح مَكَانهَا وَعبارَته أَن (لَا) تكون للتّنْبِيه فتدل على تحقق مَا بعْدهَا وَيَقُول المعربون فِيهَا حرف استفتاح فيبينون مَكَانهَا ويهملون مَعْنَاهَا وإفادتها التَّحْقِيق من حَيْثُ تركبها من الْهمزَة (وَلَا) وهمزة الِاسْتِفْهَام إِذا دخلت على النَّفْي أفادت التَّحْقِيق وَظَاهر كَلَام ابْن مَالك وابي حَيَّان أَنَّهُمَا مَعْنيانِ مستقلان وَعبارَة التسهيل وَقد يعزى التَّنْبِيه إِلَى أَلا وَأما وهما للاستفتاح مُطلقًا قَالَ أَبُو حَيَّان فِي شَرحه فِي قَوْله وَقد يعزى إِشْعَار بالقلة بِمَعْنى أَن الْأَكْثَر أَن يَكُونَا للاستفتاح مُطلقًا سَوَاء قصد مَعَ ذَلِك التَّنْبِيه أم لم يقْصد انْتهى
أَي
(أَي) بِالْفَتْح والسكون حرف للتفسير بمفرد نَحْو عِنْدِي عسجد أَي ذهب وغضنفر أَي أَسد فتاليها عطف بَيَان على مَا قبلهَا أَو بدل مِنْهُ وَقيل عطف نسق قَالَه الْكُوفِيُّونَ وصاحبا المستوفي والمفتاح
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ورد بِأَنا لم نر عاطفا يصلح للسقوط دَائِما وَلَا عاطفا ملازما لعطف الشَّيْء على مرادفه (و) لتفسير جملَة أَيْضا كَقَوْلِه: ١٣٣٧ -
(وتَرْمِينَني بالطّرْف أيْ أنْتَ مُذْنِبٌ )
(فَإِن وَقعت بعد تَقول وَقبل) فعل مُسْند للضمير حُكيَ الضَّمِير نَحْو تَقول أستكتمته الحَدِيث أَي سَأَلته كِتْمَانه يُقَال ذَلِك بِضَم التَّاء وَلَو جِئْت ب (إِذا) مَكَان (أَي) فتحت فَقلت إِذا سَأَلته لِأَن (إِذا) ظرف ل (تَقول)
إِي
(إِي) بِالْكَسْرِ والسكون حرف للجواب كنعم فَيكون لتصديق الْمخبر ولإعلام المستخبر ولوعد الطَّالِب وَتَقَع بعد قَامَ زيد وَهل قَامَ زيد وَاضْرِبْ زيدا ونحوهن كَمَا تقع (نعم (بعدهن (و) تفارق نعم فِي أَنَّهَا لَا تقع إِلَّا قبل الْقسم كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَحَق هُوَ قل إِي وربي إِنَّه لحق﴾ [يُونُس: ٥٣] وَنعم تكون مَعَ قسم وَغير قسم قَالَ ابْن الْحَاجِب وَلَا تقع أَيْضا إِلَّا بعد الِاسْتِفْهَام كالآية وَغَيره لم يذكر ذَلِك وَأَشَارَ فِي الْمُغنِي إِلَى تَضْعِيفه وَإِذا وَليهَا حرف الْقسم نَحْو إِي وَالله فَلَا يجوز فِيهَا إِلَّا إِثْبَات الْيَاء فَإِن حذفت الْوَاو ووليها لفظ الله جَازَ فِيهَا سُكُون الْيَاء وَحِينَئِذٍ فيلتقي ساكنان على غير حدهما وَهُوَ من المستثني من قَاعِدَة الْمَنْع (و) جَازَ أَيْضا فتحهَا وحذفها لالتقاء يَاء سَاكِنة مَعَ لَام الله
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أجل
(أجل) بِسُكُون اللَّام حرف للجواب كنعم فَتكون تَصْدِيقًا للمخبر وإعلاما للمستخبر ووعدا للطَّالِب وَتَقَع بعد نَحْو قَامَ زيد وَمَا قَامَ زيد وَهل قَامَ زيد وَاضْرِبْ زيدا وَلَا تضرب زيدا وخصها قوم بالْخبر دون الِاسْتِفْهَام والطلب وَعَلِيهِ الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن مَالك (و) خصها ابْن خروف بِهِ فِي الْغَالِب قَالَ أَكثر مَا تكون بعده (و) خصها المالقي بِغَيْر النَّفْي وَالنَّهْي وَجعلهَا للْخَبَر الْمُثبت والطلب بِغَيْر النَّهْي (و) خصها بَعضهم بِغَيْر الِاسْتِفْهَام أَي بالْخبر والطلب وَقَالَ لَا تَجِيء بعد الِاسْتِفْهَام وَعَن الْأَخْفَش هِيَ بعد الْخَبَر أحسن من (نعم) و(نعم) بعد الِاسْتِفْهَام أحسن مِنْهَا
بجل
(بجل) حرف لَهُ أَي للجواب كنعم وَاسم فعل بِمَعْنى يَكْفِي (و) اسْم مرادف لحسب وَيُقَال على الأول بجلني وَهُوَ نَادِر وعَلى الثَّانِي بجلي قَالَ: ١٣٣٨ -
(أَلا بَجَلِي مِنَ الشّارب أَلا بَجَلْ )
بلي
(بلَى) حرف مرتجل لَهُ أَي للجواب أُصَلِّي الْألف وَلَيْسَ أَصْلهَا بل العاطفة بعد النَّفْي فِي الْفِعْل وَالْألف زَائِدَة عَلَيْهَا دخلت للْإِيجَاب
[ ٢ / ٥٩١ ]
وَقيل للإضراب أَو للتأنيث خلافًا لزاعمه اسْتدلَّ قَائِل الأول بِلُزُوم كَون مَا قبلهَا منفيا أبدا وَالثَّانِي بإمالتها وكتابتها بِالْيَاءِ وَالْقِيَاس على تَأْنِيث (رب) وَثمّ وَنَحْوهمَا بِالتَّاءِ وتختص بِالنَّفْيِ وتثبته سَوَاء كَانَ مُجَردا نَحْو ﴿زعم الَّذين كفرُوا أَن لن يبعثوا قل بلَى﴾ [التغابن: ٧] أَو مَقْرُونا بالاستفهام حَقِيقِيًّا كَانَ نَحْو أَلَيْسَ زيد بقائم فَيُقَال بلَى أَو توبيخا نَحْو ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [الْقِيَامَة: ٣، ٤] أَو تقريريا نَحْو ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] أجري النَّفْي مَعَ التَّقْرِير مجري النَّفْي الْمُجَرّد فِي رده (ببلى) وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره لَو قَالُوا نعم كفرُوا وَوَجهه أَن (نعم) تَصْدِيق للْخَبَر بِنَفْي أَو إِيجَاب وَأما وُقُوعهَا بعد الِاسْتِفْهَام الْمُثبت فِي حَدِيث
(أترْضَوْنَ أَن تَكُونُوا رُبْع أهْلِ الجنّة قَالُوا بلَى) فَهُوَ إِمَّا قَلِيل أَو من تَغْيِير الروَاة كَمَا تقرر فِي غير مَا مَوضِع
جلل
جلل حرف لَهُ أَي للجواب كنعم حَكَاهُ الزّجاج فِي كتاب (الشَّجَرَة) وَيرد اسْما بِمَعْنى عَظِيم قَالَ ١٣٣٩ -
(قوْمى هُمُ قتلوا أمَيمَ أخى فَإِذا رَمَيْتُ يصيبنى سَهْمى)
(وَلَئِن عَفَوْتُ لأعْفُوَن جَللا وَلَئِن سَطَوْتُ لأوهِنَن عَظْمِى)
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وَبِمَعْنى حقير قَالَ امْرُؤ الْقَيْس وَقد قتلوا أَبَاهُ ١٣٤٠ -
(أَلا كلّ شَيْء سِواه جلَلْ )
وَبِمَعْنى أجل قَالُوا فعلت ذَلِك من جللك أَي من أَجلك وَقَالَ جميل ١٣٤١ -
(رسْم دَار وقَفْتُ فِي طَلَلِهْ كدت أقضِي الْغَدَاة مِنْ جَللهْ)
قيل أَرَادَ من أَجله وَقيل أَرَادَ من عظمه فِي عَيْني
جير
جير بِالْكَسْرِ على أصل التقاء الساكنين كأمس وَالْفَتْح للتَّخْفِيف كأين وَكَيف حرف لَهُ أَي للجواب كنعم قَالَ فِي الْمُغنِي لَا اسْم بِمَعْنى حَقًا فَيكون مصدرا وَلَا بِمَعْنى (أبدا) فَيكون ظرفا وَإِلَّا لأعربت وَدخل عَلَيْهَا (أل) وَلم تؤكد (أجل) فِي قَوْله ١٣٤٢ -
(أجل جَيْر إنْ كَانَت رواءً أسافِلُه )
وَلَا قوبل بهَا (لَا) فِي قَوْله ١٣٤٣ -
(إِذْ تَقول (لَا) ابنةُ العُجَيْر تَصْدقُ (لَا) إِذا تقُول جَيْر)
وَأما قَوْله ١٣٤٤ -
(وقائلة أسيت فَقلت جَيْر )
فالتنوين فِيهِ للترنم وَهُوَ غير مُخْتَصّ بِالِاسْمِ انْتهى
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وَفِي شرح التسهيل لأبي حَيَّان جير من حُرُوف الْجَواب فِيهَا خلاف أَي اسْم أَو حرف
السِّين وسوف
السِّين وسوف كِلَاهُمَا للتنفيس أَي تَخْلِيص الْمُضَارع من الزَّمن الضّيق وَهُوَ الْحَال إِلَى الزَّمَان الْوَاسِع وَهُوَ الِاسْتِقْبَال قَالَ البصرية وزمانه مَعَ السِّين أضيق مِنْهُ مَعَ سَوف نظرا إِلَى أَن كَثْرَة الْحُرُوف تفِيد مُبَالغَة فِي الْمَعْنى والكوفيون أَنْكَرُوا ذَلِك ورده ابْن مَالك تبعا مِنْهُمَا على الْمَعْنى الْوَاحِد فِي الْوَقْت الْوَاحِد قَالَ تَعَالَى ﴿وسوف يُؤْت الله الْمُؤمنِينَ أجرا عَظِيما﴾ [النِّسَاء: ١٤٦] ﴿أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عَظِيما﴾ [النِّسَاء: ١٦٢] ﴿كلا سيعلمون﴾ [النبأ: ٤] ﴿ثمَّ كلا سَوف تعلمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] وَقَالَ الشَّاعِر ١٣٤٥ -
(وَمَا حالةٌ إلاَّ سَيُصْرَفُ حالُها إِلَى حالةٍ أخري وسوف تَزول)
وبالقياس على الْمَاضِي فَإِن الْمَاضِي والمستقبل متقابلان فَكَمَا أَن الْمَاضِي لَا يقْصد بِهِ إِلَّا مُطلق الْمُضِيّ دون تعرض لقرب أَو بعد فَكَذَلِك الْمُسْتَقْبل قلت وَهُوَ مَمْنُوع فَإِن الْمَاضِي أَيْضا فرقوا فِيهِ وَقَالُوا إِن (قد) تقر بِهِ من الْحَال قيل والاستمرار ذكره بَعضهم فِي ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٢] مُدعيًا أَن ذَلِك إِنَّمَا نزل بعد قَوْله ﴿مَا ولاهم﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٢] فَجَاءَت السِّين إعلاما بالاستمرار لَا بالاستقبال قَالَ فِي (الْمُغنِي) وَهَذَا لَا يعرفهُ النحويون وَمَا ذكره من أَن الْآيَة نزلة بعد قَوْلهم مَا ولاهم غير مُوَافق عَلَيْهِ وتختص سَوف خلافًا للسيرافي بِدُخُول اللَّام نَحْو ﴿ولسوف يعطيك رَبك﴾ [الضَّحي: ٥] وبجواز فصلها بِالْفِعْلِ ملغي نَحْو ١٣٤٦ -
(وَمَا أدْري وسوف إخَالُ أدْري )
[ ٢ / ٥٩٤ ]
والأمران ممتنعان فِي السِّين وجوزهما السيرافي فِيهَا أَيْضا وسو بِحَذْف الْفَاء وسي بحذفها وقلب الْوَاو يَاء مُبَالغَة فِي التَّخْفِيف وسف بِحَذْف الْوسط لُغَات حَكَاهَا الْكُوفِيُّونَ قَالَ الشَّاعِر ١٣٤٧ -
(فَإِن أهْلِكْ فَسَوْ تَجدون فَقْدِي )
وَقيل إِن هَذَا الْحَذف بوجوهه ضَرُورَة خَاص بالشعر لَا لُغَة وَلَيْسَت السِّين مقتطعة مِنْهَا أَي من سَوف بل هِيَ أصل برأسها عَليّ الْأَصَح لِأَن الأَصْل عدم الاقتطاع وَقيل إِنَّهَا فرعها ومقتطعة مِنْهَا وَرجحه ابْن مَالك ورد بِأَنَّهَا لَو كَانَت فرعا لَهَا لساوتها فِي الْمدَّة ولكانت أقل اسْتِعْمَالا مِنْهَا وَأجِيب عَن الأول بالتزامه كَمَا تقدم وَعَن الثَّانِي بِأَن الْفَرْع قد يفوق الأَصْل كنعم وَبئسَ فَإِنَّهُمَا فرعا محرك الْعين وهما أَكثر اسْتِعْمَالا
قد
قد حرف يخْتَص بِالْفِعْلِ الْمُتَصَرف الخبري الْمُثبت الْمُجَرّد من جازم وناصب وحرف تَنْفِيس فَلَا يدْخل على الجامد كعسى و(لَيْسَ) وَلَا الإنشائي كنعم وَبئسَ وَلَا الْمَنْفِيّ وَلَا المقترن بِمَا ذكر وَهِي مَعَه كالجزء وَمن ثمَّ لَا يفصل مِنْهُ بِشَيْء فيقبح أَن يُقَال قد زيدا رَأَيْت إِلَّا بقسم كَقَوْلِه ١٣٤٨ -
(أخالِدُ قَد وَالله أوْطأت عشْوة )
وَسمع (قد لعمري بت ساهرا) و(قد وَالله أَحْسَنت) وَتَكون للتوقع من الْمُضَارع كَقَوْلِك قد يقدم الْغَائِب الْيَوْم إِذا كنت تتَوَقَّع قدومه
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وَمَعَ الْمَاضِي قَالَ الْخَلِيل يُقَال قد فعل الْقَوْم ينتظرون الْخَبَر وَمِنْه قَول الْمُؤَذّن قد قَامَت الصَّلَاة لِأَن الْجَمَاعَة منتظرون لذَلِك وَفِي التَّنْزِيل ﴿قد سمع الله قَول الَّتِي تُجَادِلك فِي زَوجهَا﴾ [المجادلة: ١] لِأَنَّهَا كَانَت تتَوَقَّع إِجَابَة الله ﷿ لدعائها وَقيل لَا تكون لَهُ مَعَ الْمَاضِي بل مَعَ الْمُضَارع خَاصَّة لِأَن التوقع انْتِظَار الْوُقُوع والماضي قد وَقع وَأنْكرهُ ابْن هِشَام فِي (الْمُغنِي) مُطلقًا فَقَالَ وَالَّذِي يظْهر لي قَول ثَالِث وَهُوَ أَنَّهَا لَا تفِيد التوقع أصلا أما فِي الْمُضَارع فَلِأَن قَوْلك يقدم الْغَائِب يُفِيد التوقع بِدُونِ (قد) إِذْ الظَّاهِر من حَال الْمخبر عَن مُسْتَقْبل أَنه متوقع لَهُ وَأما فِي الْمَاضِي فَلِأَنَّهُ لَو صَحَّ إِثْبَات التوقع لَهَا بِمَعْنى أَنَّهَا تدخل على مَا هُوَ متوقع لصَحَّ أَن يُقَال فِي لَا رجل بِالْفَتْح أَن لَا للاستفهام لِأَنَّهَا لَا تدخل إِلَّا جَوَابا لمن قَالَ هَل من رجل وَنَحْوه فَالَّذِي بعد (لَا) يستفهم عَنهُ من جِهَة شخص آخر كَمَا أَن الْمَاضِي بعد (قد) متوقع كَذَلِك قَالَ وَعبارَة ابْن مَالك فِي ذَلِك حَسَنَة فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّهَا تدخل على مَاض متوقع وَلم يقل إِنَّهَا تفِيد التوقع وَلم يتَعَرَّض للتوقع فِي الدَّاخِلَة على الْمُضَارع الْبَتَّةَ وَهَذَا هُوَ الْحق انْتهى وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي شرح التسهيل لَا يتَحَقَّق التوقع فِي (قد) مَعَ دُخُوله على الْمَاضِي لِأَنَّهُ لَا يتَوَقَّع إِلَّا المنتظر وَهَذَا قد وَقع وَالَّذِي تلقفناه من أَفْوَاه الشُّيُوخ بالأندلس أَنَّهَا حرف تَحْقِيق إِذا دخلت على الْمَاضِي وحرف توقع إِذا دخلت على الْمُسْتَقْبل إِلَّا إِن عني بالتوقع أَنه كَانَ متوقعا ثمَّ صَار مَاضِيا وَتَكون لتقريب الْمَاضِي من الْحَال تَقول قَامَ زيد فَيحْتَمل الْمَاضِي الْقَرِيب والماضي الْبعيد فَإِذا قلت قد قَامَ اخْتصَّ بالقريب والتقليل مَعَ الْمُضَارع نَحْو قد يصدق الكذوب وَقد يجود الْبَخِيل وَالتَّحْقِيق مَعَهُمَا مِثَاله مَعَ الْمَاضِي ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ [الشَّمْس: ٩] وَمَعَ الْمُضَارع ﴿قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ﴾ [النُّور: ٦٤] قَالَ سِيبَوَيْهٍ والتكثير كَقَوْلِه ١٣٤٩ -
(قد أتْرُك القرْنَ مُصْفرًّا أنامِلُه كأنّ أثْوَابَهُ مُجّتْ بفِرصادِ)
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وَقَالَ ابْن سَيّده وَالنَّفْي وَحكي (قد كنت فِي خير فتعرفه) بِنصب (تعرف) وَأَشَارَ إِلَيْهِ فِي التسهيل بقوله وَرُبمَا نفي بقد فنصب الْجَواب قَالَ ابْن هِشَام وَمحله عِنْدِي على خلاف مَا ذكر وَهُوَ أَن يكون كَقَوْلِك للكذوب هُوَ رجل صَادِق ثمَّ جَاءَ النصب بعْدهَا نظرا إِلَى الْمَعْنى قَالَ وَإِن كَانَا إِنَّمَا حكما بِالنَّفْيِ لثُبُوت النصب فَغير مُسْتَقِيم لمجيء قَوْله ١٣٥٠ -
(وأَلْحَق بالحجاز فأسْتَريحا )
وَقِرَاءَة بَعضهم ﴿بل نقذف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فيدمغه﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١٨] بِالنّصب
كل
كل اسْم مَوْضُوع لاستغراق أَفْرَاد الْمُنكر نَحْو ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ [آل عمرَان: ١٨٥] والمعرف الْمَجْمُوع نَحْو ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيةِ﴾
[مَرْيَم: ٩٥] (وأجزاء الْمُفْرد الْمُعَرّف) نَحْو كل زيد حسن وَتَقَع توكيدا وَسَيَأْتِي فِي مَبْحَث التَّأْكِيد فِي الْكتاب الْخَامِس ونعتا دَالا على الْكَمَال لنكرة أَو معرفَة فتضاف حتما لظَاهِر مماثلة لفظا ومعني نَحْو أطعمنَا شَاة كل شَاة وَقَوله ١٣٥١ -
(وإنَّ الَّذِي حانت بفلْج دماؤُهُمْ هُمُ القومُ كُلُّ الْقَوْم يَا أمَّ خالدِ)
[ ٢ / ٥٩٧ ]
قيل أَو معنى فَقَط وتالية للعوامل فتضاف للظَّاهِر نَحْو: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨] أَو ضمير مَحْذُوف نَحْو ﴿كلا هدينَا﴾ [الْأَنْعَام: ٨٤] أَي كلهم فَإِن أضيف لضمير مَذْكُور لم يعْمل فِيهَا غير الِابْتِدَاء غَالِبا نَحْو: ﴿إِن الْأَمر كُله لله﴾ [آل عمرَان: ١٥٤] فِيمَن رفع كُله ﴿وَكلهمْ آتيه﴾ [مَرْيَم: ٩٥] وَمن الْقَلِيل قَوْله: ١٣٥٢ -
(يميدُ إِذا مادت عَلَيْهِ دلاؤُهُم فَيصْدرُ عَنهُ كلَّها وَهوَ ناهِلُ)
وَقيل دَائِما ثمَّ إِن أضيفت لمعْرِفَة روعي فِي ضميرها الْمَعْنى أَو اللَّفْظ وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ [مَرْيَم: ٩٣، ٩٤، ٩٥] وأوجبه أَي مُرَاعَاة اللَّفْظ ابْن هِشَام فَقَالَ فِي الْمُغنِي وَالصَّوَاب أَن الضَّمِير لَا يعود إِلَيْهَا من خَبَرهَا إِلَّا مُفردا مذكرا على لَفظهَا نَحْو: ﴿وَكلهمْ آتيه﴾ [مَرْيَم: ٩٥] ﴿كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
(كلكُمْ جَائِع إِلَى من أطعمته) وَقَوله
(كل النَّاس يَغْدُو فبائع نَفسه فمعتقها أَو موبقها)
و(كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته)
و(كلنا لَك عبد) وَأما الْآيَة
[ ٢ / ٥٩٨ ]
الأولى فجملة ﴿لقد أحصاهم﴾ أُجِيب بهَا الْقسم وَلَيْسَت خَبرا عَن (كل) وضميرها رَاجع ل (من) لَا لكل (أَو) أضيفت إِلَى نكرَة فثالثها أَي الْأَقْوَال وَهُوَ الْمُخْتَار وفَاقا لَهُ أَي لِابْنِ هِشَام إِن نسب الحكم لكل فَرد فاللفظ نَحْو كل رجل يشبعه رغيفان (أَو) نسب للمجموع فَالْمَعْنى نَحْو كل رجل قائمون أَي مَجْمُوع الرِّجَال وَأول الْأَقْوَال وَعَلِيهِ ابْن مَالك وجوب مُرَاعَاة الْمَعْنى مُطلقًا فَلذَلِك جَاءَ الضَّمِير مُفردا مذكرا فِي نَحْو: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهً فِي الزُّبُرِ﴾ [الْقَمَر: ٥٢] ومفردا مؤنثا نَحْو: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨] ومثنى فِي نَحْو: ١٣٥٣ -
(وكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْل وإنْ هُما تعاطَى القنا قوماهُما آخوَان)
ومجموعا مذكرا فِي نَحْو: ﴿كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ [الرّوم: ٣٢] ومجموعا مؤنثا فِي نَحْو: ١٣٥٤ -
(وكُلّ مُصيبات الزّمان وجَدْتُها سوى فُرْقةِ الأحباب هَيِّنَةَ الخَطْبِ)
وَالثَّانِي وَعَلِيهِ أَبُو حَيَّان جَوَاز الْأَمريْنِ مُطلقًا كَقَوْلِه: ١٣٥٥ -
(جَادت عَلَيْهِ كُلُّ عين ثرَّةٍ فتركن كُلَّ حَديقة كالدّرهم)
فَقَالَ تَرَكْنَ وَلم يقل تركت فَدلَّ على جَوَاز كل رجل قَائِم وقائمون
[ ٢ / ٥٩٩ ]
أَو قطعت عَن الْإِضَافَة لفظا فجوزهما أَي مُرَاعَاة اللَّفْظ وَالْمعْنَى أَبُو حَيَّان مِثَال اللَّفْظ ﴿قل كل يعْمل على شاكلته﴾ [الْإِسْرَاء: ٨٤] ﴿فكلا أَخذنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] وَمِثَال الْمَعْنى: ﴿وكل كَانُوا ظالمين﴾ [الْأَنْفَال: ٥٤] وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي الصَّوَاب أَنه (إِن قدر) الْمَنوِي مُفردا نكرَة وَجب الْإِفْرَاد كَمَا لَو صرح بالمفرد (أَو) قدر جمعا مُعَرفا فالجمع وَاجِب وَإِن كَانَت الْمعرفَة لَو ذكرت لوَجَبَ الْإِفْرَاد وَلَكِن فعل ذَلِك تَنْبِيها على حَال الْمَحْذُوف فيهمَا فَالْأول نَحْو: ﴿قل كل يعْمل على شاكلته﴾ [الْإِسْرَاء: ٨٤] ﴿كل آمن بِاللَّه﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٥] ﴿كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ [النُّور: ٤١] وَالثَّانِي نَحْو: ﴿كل لَهُ قانتون﴾ [الْبَقَرَة: ١١٦] ﴿كل فِي فلك يسبحون﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٣٣] ﴿وكل أَتَوْهُ داخرين﴾ [النَّمْل: ٨٧] قَالَ البيانيون إِذا وَقعت كل فِي حيّز النَّفْي توجه النَّفْي إِلَى الشُّمُول خَاصَّة وَأفَاد بمفهومه ثُبُوت الْفِعْل لبَعض الْأَفْرَاد كَقَوْلِك مَا جَاءَ كل الْقَوْم وَلم آخذ كل الدَّرَاهِم وكل الدَّرَاهِم آخذ وَقَوله: ١٣٥٦ -
(مَا كُلُّ رَأْي الفتي يَدْعو إِلَى رشد )
أَو وَقع النَّفْي فِي حيزها توجه إِلَى كل فَرد نَحْو قَوْله
لما قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أنسيت أم قصرت الصَّلَاة
(كل ذَلِك لم يكن)
كلما
كلما ظرف يَقْتَضِي التّكْرَار مركب من (كل) و(مَا) المصدرية أَو النكرَة الَّتِي بِمَعْنى وَقت وَمن هُنَا جاءتها الظَّرْفِيَّة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥] فإمَّا أَن يكون الأَصْل كل رزق ثمَّ عبر عَن معنى الْمصدر بِمَا وَالْفِعْل ثمَّ أنبأ عَن الزَّمَان أَي كل وَقت رزق كَمَا أنيب عَنهُ الْمصدر الصَّرِيح فِي جئْتُك خفوق النَّجْم أَو يكون التَّقْدِير كل وَقت رزقوا فِيهِ فَحذف الْعَائِد وَلَا يحْتَاج فِي هَذَا إِلَى تَقْدِير وَقت
[ ٢ / ٦٠٠ ]
(وناصبة) الْفِعْل الَّذِي هُوَ جَوَابه فِي الْمَعْنى مثل قَالُوا فِي الْآيَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا يكون تالية وَجَوَابه إِلَّا فعلا مَاضِيا
كلا
(كلا الْأَكْثَر) على أَنَّهَا بسيطة وَقَالَ ثَعْلَب هِيَ مركبة من كَاف التَّشْبِيه وَلَا النافية قَالَ وَإِنَّمَا شددت لامها لتقوية الْمَعْنى ولدفع توهم بَقَاء الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذِه دَعْوَى لَا يقوم عَلَيْهَا دَلِيل (و) الْأَكْثَر على أَنَّهَا حرف ردع وزجر لَا معنى لَهَا عِنْدهم إِلَّا ذَلِك حَتَّى إِنَّهُم يجيزون أبدا الْوَقْف عَلَيْهَا والابتداء بِمَا بعْدهَا وَحَتَّى قَالَه جمَاعَة مِنْهُم مَتى سَمِعت (كلا) فِي سُورَة فاحكم بِأَنَّهَا مَكِّيَّة لِأَنَّهُ فِيهَا معنى التهديد والوعيد وَأكْثر مَا نزل ذَلِك بِمَكَّة لِأَن أَكثر العتو كَانَ بهَا (وَزَاد) لَهَا قوم لما رَأَوْا أَن معنى الردع والزجر لَيْسَ مستمرا فِيهَا معنى ثَانِيًا يَصح عَلَيْهَا أَن يُوقف دونهَا ويبتدأ بهَا ثمَّ اخْتلفُوا فِي تعْيين ذَلِك الْمَعْنى فالكسائي قَالَ تكون بِمَعْنى حَقًا أَيْضا وزعمها مكي اسْما حِينَئِذٍ كمرادفها وَلِأَنَّهَا تنون فِي قِرَاءَة بَعضهم: ﴿كلا سيكفرون بعبادتهم﴾ [مَرْيَم: ٨٢] وَغَيره قَالَ اشْتِرَاك اللَّفْظ بَين الاسمية والحرفية قَلِيل ومخالف للْأَصْل ومحوج لتكلف دَعْوَى عِلّة لبنائها وَخرج التَّنْوِين فِي الْآيَة على أَنه بدل من حرف الْإِطْلَاق الْمَزِيد فِي رُءُوس الْآي ثمَّ إِنَّه وصل بنية الْوَقْف وَأَبُو حَاتِم قَالَ تكون بِمَعْنى أَلا الاستفتاحية قَالَ أَبُو حَيَّان وَلم يتقدمه إِلَى ذَلِك أحد وَوَافَقَهُ على ذَلِك الزّجاج وَغَيره
[ ٢ / ٦٠١ ]
وَالنضْر بن شُمَيْل قَالَ تكون بِمَعْنى إِي فَتكون حرف تَصْدِيق وتستعمل مَعَ الْقسم وَخرج عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا وَالْقَمَر﴾ [المدثر: ٣٢] فَقَالَ مَعْنَاهُ إِي وَالْقَمَر قَالَ ابْن هِشَام وَقَول أبي حَاتِم عِنْدِي أولى من قَول الْكسَائي وَالنضْر لِأَنَّهُ أَكثر اطرادا فَإِن قَول النَّضر لَا يَتَأَتَّى فِي قَوْله: ﴿كلا إِنَّهَا كلمة﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١٠٠] وَقَوله: ﴿كلا إِن معي رَبِّي سيهدين﴾ [الشُّعَرَاء: ٦٢] لِأَنَّهَا لَو كَانَت فيهمَا بِمَعْنى أَي لكَانَتْ للوعد بِالرُّجُوعِ وللتصديق بالإدراك وَقَول الْكسَائي لَا يَتَأَتَّى فِي نَحْو: ﴿كلا إِن كتاب الْأَبْرَار﴾ [المطففين: ١٨] لِأَن إِن تكسر بعد أَلا الاستفتاحية وَلَا تكسر بعد حَقًا وَلَا بعد مَا كَانَ بمعناها قَالَ أَبُو حَيَّان وَذهب الْفراء وَأَبُو عبد الرَّحْمَن اليزيدي وَمُحَمّد بن سَعْدَان إِلَى أَن كلا بِمَنْزِلَة سَوف قَالَ وَهَذَا مَذْهَب غَرِيب
كم
(كم) على وَجْهَيْن (خبرية بِمَعْنى كثير واستفهامية بِمَعْنى أَي عدد لَا لقلَّة وَلَا كَثْرَة وَلَا هِيَ حرف وَلَا مركبة خلافًا لزاعمي ذَلِك) بل هِيَ اسْم بسيط وضعت مُبْهمَة تقبل قَلِيل الْعدَد وَكَثِيره وَالدَّلِيل على اسميتها دُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهَا وَالْإِضَافَة إِلَيْهَا وعود الضَّمِير عَلَيْهَا وَذهب بَعضهم فِيمَا حَكَاهُ صَاحب الْبَسِيط إِلَى أَن الخبرية حرف للتكثير فِي مُقَابلَة (رب) الدَّالَّة على التقليل وَذهب الْكسَائي وَالْفراء إِلَى أَن (كم) بوجهيها مركبة من (كَاف) التَّشْبِيه و(مَا) الاستفهامية وحذفت ألفها كَمَا تحذف مَعَ سَائِر حُرُوف الْجَرّ نَحْو بِمَ وَلم وَعم وَكثر الِاسْتِعْمَال لَهَا فأسكنت وَحدث لَهَا بالتركيب معنى غير الَّذِي كَانَ لكل وَاحِد من مفرديها كَمَا قَالَه النحويون فِي لَوْلَا وهلا
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وَزعم بَعضهم على أَن الاستفهامية للتكثير (وَتَقَع) كم فِي حالتيها مُبْتَدأ قَالَ بَعضهم وَجَاز الِابْتِدَاء بالخبرية وَإِن كَانَت نكرَة مَجْهُولَة حملا على الاستفهامية فيقبح الْإِخْبَار عَنْهَا بِمَعْرِفَة وظرف وَيمْنَع بمؤقت وَإِنَّمَا يحسن بنكرة نَحْو كم رجل قَامَ أَو زارك وَكم غُلَاما دخل فِي ملكك (و) تقع مَعْمُول نَاسخ يعْمل فِيمَا قبله ككان وَظن نَحْو كم كَانَ مَالك وَكم ظَنَنْت إخْوَتك بِخِلَاف نَاسخ لَا يعْمل فِيمَا قبله ك (مَا) وَإِن وَأَخَوَاتهَا (و) تقع خَبرا للمبتدأ نَحْو كم دراهمك أَو ل (كَانَ) نَحْو كم كَانَ غلْمَان قَوْمك ومفعولا بِهِ نَحْو كم غُلَاما اشْتريت ومجرورة بِحرف تعلق بتاليها نَحْو بكم درهما اشْتريت ثَوْبك وبكم جَارِيَة عتقت ومضافة قيل إِن كَانَ ذَلِك الْمُضَاف مَعْمُولا لَهُ أَي لتاليها نَحْو غُلَام كم رجل ضربت ورقبة كم أَسِير فَككت فَإِن غُلَاما مَعْمُولا لضَرَبْت ورقبة مَعْمُول لفككت بِخِلَاف غُلَام كم رجل قَامَ أَو أَتَاك غُلَام كم رجل دخل فِي ملكك قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذَا الشَّرْط شَرطه بعض أَصْحَابنَا وَلَا أرَاهُ بل أرى جَوَاز الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَلَا فرق بَين (كم) والمضاف إِلَيْهَا فَكَمَا أَن (كم) تقع مُبتَدأَة فِي كم رجل قَامَ أَو أَتَاك وَفِي كم غُلَاما دخل فِي ملكك فَكَذَلِك مَا أضيف إِلَيْهَا (وظرفا) نَحْو كم ميلًا سرت وَكم يَوْمًا صمت نَحْو كم ضَرْبَة ضربت زيدا (وَقيل ومفعولا لَهُ) نَحْو لكم إِكْرَاما لَك وصلت قَالَه ابْن هِشَام الخضراوي قَالَ ولابد من حرف الْعلَّة لِأَنَّهُ لَا يحذف إِلَّا فِي لفظ الْمصدر قَالَ أَبُو حَيَّان وَلَا نعلم أحد نَص على جَوَاز ذَلِك غَيره وَقد توقف أَبُو عبد الله السُّوسِي الرعيني من نحاة تونس فِي إجَازَة ذَلِك
[ ٢ / ٦٠٣ ]
(وَلَا) تقع مَفْعُولا مَعَه لِأَنَّهُ لَا يتَقَدَّم وَجَوَاب كم الاستفهامية يجوز رَفعه وَإِن اخْتلف مَحل كم من النصب وَالرَّفْع والجر وَالْأولَى فِيهِ مُرَاعَاة محلهَا فَيجْرِي على حَسبه إِن رفعا فَرفع وَإِن نصبا فنصب وَإِن جرا فجر مِثَال ذَلِك كم عبدا دخل فِي ملكك وَكم عبدا اشْتريت وبكم عبدا استعنت فجواب هَذِه كلهَا على الأول أَن تَقول عشرُون عبدا وعَلى الثَّانِي أَن تَقول فِي الْمِثَال الأول عشرُون وَفِي الثَّانِي عشْرين وَفِي الثَّالِث بِعشْرين
كأين
(كأين) اسْم (ككم) فِي الْمَعْنى مركب من كَاف التَّشْبِيه وَأي الاستفهامية المنونة وحكيت وَلِهَذَا جَازَ الْوَقْف عَلَيْهَا بالنُّون لِأَن التَّنْوِين لما دخل فِي التَّرْكِيب أشبه النُّون الْأَصْلِيَّة وَلِهَذَا رسم فِي الْمُصحف نونا وَمن وقف عَلَيْهَا بحذفه اعْتبر حكمه فِي الأَصْل وَهُوَ الْحَذف فِي الْوَقْف وَقيل الْكَاف فِيهَا هِيَ الزَّائِدَة قَالَ ابْن عُصْفُور أَلا ترى أَنَّك لَا تُرِيدُ بهَا معنى تَشْبِيه قَالَ وَهِي مَعَ ذَلِك لَازِمَة كلزوم (مَا) الزَّائِدَة فِي (لَا سِيمَا) وَغير مُتَعَلقَة بِشَيْء كَسَائِر حُرُوف الْجَرّ الزَّوَائِد وَأي مجرور بهَا وَقيل هِيَ اسْم بسيط وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان قَالَ وَيدل على ذَلِك تلاعب الْعَرَب بهَا فِي اللُّغَات الْآتِيَة وإفادتها للاستفهام نَادِر وَالْغَالِب وُقُوعهَا خبرية بِمَعْنى كثير نَحْو ﴿وكأين من دَابَّة لَا تحمل رزقها الله يرزقها﴾ [العنكبوت: ٦٠] ومثالها استفهامية قَوْلك بكأين تبيع هَذَا الثَّوْب كَذَا مثله ابْن عُصْفُور وَمثله ابْن مَالك بقول أبي لِابْنِ مَسْعُود كأين تقْرَأ سُورَة الْأَحْزَاب آيَة فَقَالَ ثَلَاثًا وَسبعين (وَمن ثمَّ) أَي من أجل أَن إفادتها للاستفهام نَادِر أنكرهُ الْجُمْهُور فَقَالُوا لَا تقع استفهامية الْبَتَّةَ
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وَتلْزم الصَّدْر فَلَا تجر خلافًا لِابْنِ قُتَيْبَة وَابْن عُصْفُور حَيْثُ ذكرا أَنَّهَا يدْخل عَلَيْهَا حرف الْجَرّ فِي الْمِثَال السَّابِق قَالَ أَبُو حَيَّان وَيحْتَاج دُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهَا إِلَى سَماع وَلَا يَنْبَغِي الْقيَاس على (كم) الخبرية لِأَن ذَلِك يَقْتَضِي أَن يُضَاف إِلَيْهَا ككم وَلَا يحفظ من كَلَامهم وَلَا يخبر عَنْهَا إِذا وَقعت مُبْتَدأ إِلَّا بجملة فعلية مصدرة بماض أَو مضارع نَحْو: ﴿وكأين من نَبِي قَاتل﴾ [آل عمرَان: ١٤٦] ﴿وكأين من آيَة فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَمرونَ عَلَيْهَا﴾ [يُوسُف: ١٠٥] قَالَ أَبُو حَيَّان قد استقرأت مَا وَقعت فِيهِ فَوجدت الْخَبَر فِيهِ لَا يكون إِلَّا كَذَلِك وَلم أَقف على كَونه اسْما مُفردا وَلَا جملَة اسمية وَلَا فعلية مصدرة بمستقبل وَلَا ظرفا وَلَا مجرورا فَيَنْبَغِي أَلا يقدم على شَيْء من ذَلِك إِلَّا بِسَمَاع من الْعَرَب قَالَ وَالْقِيَاس يَقْتَضِي أَن يكون فِي مَوضِع نصب على الْمصدر أَو الظّرْف أَو خبر كَانَ كَمَا كَانَ ذَلِك فِي (كم) وَفِي الْبَسِيط أَنَّهَا تكون مُبْتَدأ وخبرا ومفعولا وَيُقَال فِيهَا كَائِن بِالْمدِّ بِوَزْن اسْم الْفَاعِل من كَانَ سَاكِنة النُّون وَبِذَلِك قَرَأَ ابْن كثير وَقَالَ الشَّاعِر: ١٣٥٧ -
(وكائنْ بالأباطح مِنْ صَديق يراني لَو أُصِبْتُ هُو المُصَابا)
(وكئن) بِالْقصرِ بِوَزْن عَم (وكأي) بِوَزْن رمي وَبِه قَرَأَ ابْن مُحَيْصِن (وكييء) بِتَقْدِيم الْيَاء على الْهمزَة قَالَ أَبُو حَيَّان وَهَذِه اللُّغَات الثَّلَاث نقلهَا النحويون وَلم ينشدوا فِيهَا شعرًا فِيمَا علمت
[ ٢ / ٦٠٥ ]
كَذَا
(كَذَا اسْم مركب) من (كَاف) التَّشْبِيه و(ذَا) اسْم إِشَارَة وَهُوَ بعد التَّرْكِيب كِنَايَة عَن عدد مُبْهَم (ككم) الخبرية (لَكِن) يفارقها فِي أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا الصَّدْر تَقول قبضت كَذَا وَكَذَا درهما (و) فِي أَنَّهَا الْغَالِب فِي اسْتِعْمَالهَا تكرارها بالْعَطْف عَلَيْهَا كالمثال وأوجبه ابْن خروف فَقَالَ إِنَّهُم لم يَقُولُوا كَذَا درهما وَلَا كَذَا كَذَا درهما وَذكر ابْن مَالك أَنه مسموع وَلكنه قَلِيل (وتتصرف) بِوُجُوه الْإِعْرَاب فَتكون فِي مَوضِع رفع وَفِي مَوضِع نصب وَفِي مَوضِع جر بِالْإِضَافَة والجر وَلَا تقتصر على إِعْرَاب خَاص (وَلَا تتبع) بتابع لَا ينعَت وَلَا عطف بَيَان لَا تَأْكِيد وَلَا بدل وَلَا مَحل لكافها من الْإِعْرَاب فَلَا تتَعَلَّق بِشَيْء لِأَن التَّرْكِيب أخرجهَا عَن ذَلِك وَمن النَّحْوِيين من حكم على مَوضِع الْكَاف بالإعراب وَجعلهَا اسْما مُبْتَدأ كَمثل وَثَالِثهَا هِيَ زَائِدَة لَازِمَة فِرَارًا من التَّرْكِيب إِذْ لَا معنى للتشبيه فِيهَا وَذَا مجرورة بهَا كَمَا فِي كَائِن سَوَاء وَقَائِل ذَلِك فيهمَا وَاحِد وَهُوَ ابْن عُصْفُور
لَا
(لَا) حرف للجواب نقيض نعم وَهَذِه تحذف الْجمل بعْدهَا كثيرا تَقول أجاءك زيد فَيُقَال لَا وَالْأَصْل لَا لم يَجِيء
نعم
(نعم) بِفَتْح النُّون وَالْعين فِي أشهر اللُّغَات وَكسر عينهَا مَعَ فتح النُّون لُغَة لكنانة وَبهَا قَرَأَ الْكسَائي (و) كسر نونها مَعَ كسر الْعين اتبَاعا لُغَة لبَعْضهِم حَكَاهَا فِي الْمُغنِي وإبدالها أَي الْعين حاء فَيُقَال نحم لُغَة حَكَاهَا النَّضر بن
[ ٢ / ٦٠٦ ]
شُمَيْل وَفِي الْمُغنِي أَن ابْن مَسْعُود قَرَأَ بهَا قَالَ أَبُو حَيَّان لِأَن الْحَاء تلِي الْعين فِي الْمخْرج وَهِي أخف من الْعين لِأَنَّهَا أقرب إِلَى حُرُوف الْفَم حرف للجواب تَصْدِيقًا لمخبر كَقَوْلِك لمن قَالَ قَامَ زيد أما مَا قَامَ زيد نعم وإعلاما لمستخبر كَقَوْلِك لمن قَالَ هَل جَاءَ زيد نعم وَفِي التَّنْزِيل ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٤] ووعدا لطَالب كَقَوْلِك لمن قَالَ اضْرِب زيدا نعم وَكَذَا لمن قَالَ لَا تضرب زيدا وهلا تفعل وَتَكون بعد إِيجَاب نَحْو قَامَ زيد فَيُقَال نعم (و) بعد نفي نَحْو مَا قَامَ زيد فَيُقَال نعم (و) بعد سُؤال عَنْهُمَا نَحْو أَكَانَ كَذَا وَأما قَامَ زيد فَيُقَال نعم فَهِيَ فِي الْمُوجب وَالسُّؤَال عَنهُ تَصْدِيق فِي الثُّبُوت وَفِي الْمَنْفِيّ وَالسُّؤَال عَنهُ تَصْدِيق النَّفْي قيل وَترد للتذكير بِمَا بعْدهَا وَذَلِكَ إِذا وَقعت صَدرا لجملة بعْدهَا كَقَوْلِك نعم هَذِه أطلالهم قَالَ ابْن هِشَام وَالْحق أَنَّهَا فِي ذَلِك حرف إِعْلَام وَأَنَّهَا جَوَاب لسؤال مُقَدّر وَقَالَ أَبُو حَيَّان هِيَ فِيهِ تَصْدِيق لما بعْدهَا وقدمت قَالَ والتقديم أولى من ادِّعَاء معنى لم يثتب لَهَا
هَل
(هَل وَيُقَال) فِيهَا (أل) بإبدال هائها همزَة لطلب التَّصْدِيق نَحْو هَل قَامَ زيد وَهل زيد قَائِم وَبَاقِي الأدوات للتصور نَحْو من جَاءَك مَتى تقوم وتختص عَن الْهمزَة (بورودها للجحد) أَي يُرَاد بالاستفهام بهَا النَّفْي وَلذَلِك دخلت على الْخَبَر بعْدهَا إِلَّا فِي نَحْو: ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ [الرَّحْمَن: ٦٠] وَالْبَاء فِي قَوْله: ١٣٥٨ -
(ألاَ هَلْ أخْو عَيْش لذيذٍ بدائم )
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وَصَحَّ الْعَطف فِي قَوْله: ١٣٥٩ -
(وإنّ شِفَائي عَبْرةٌ مُهَراقةٌ وَهل عِنْد رَسْم دارس مِنْ مُعَوَّل)
إِذْ لَا يعْطف الْإِنْشَاء على الْخَبَر والهمزة لَا ترد لذَلِك (و) تخْتَص بِعَدَمِ دخلوها على اسْم بعده فعل اخْتِيَارا وَلذَلِك وَجب النصب فِي نَحْو هَل زيدا ضَربته لِأَن (هَل) إِذا كَانَ فِي حيزها فعل وَجب إيلاؤها إِيَّاه فَلَا يُقَال هَل زيد قَامَ إِلَّا فِي ضَرُورَة قَالَ: ١٣٦٠ -
(أمْ هَل كَبِيرٌ بَكَى لَمْ يَقْضِ عَبْرتَه )
قَالَ أَبُو حَيَّان وَيمْتَنع حِينَئِذٍ أَن تكون مُبْتَدأ وخبرا بل يجب حمله على إِضْمَار فعل قَالَ وَسبب ذَلِك أَن (هَل) فِي الْجُمْلَة الفعلية مثل (قد) فَكَمَا أَن (قد) لَا تَلِيهَا الْجُمْلَة الابتدائية فَكَذَلِك (هَل) بِخِلَاف الْهمزَة فَتدخل على اسْم بعده فعل اخْتِيَارا نَحْو: ﴿أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ [الْقَمَر: ٢٤] وَتقول أَزِيد قَامَ على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر لِأَنَّهَا أم أدوات الِاسْتِفْهَام فاتسع فها وَجوزهُ أَي دُخُول (هَل) على اسْم بعده فعل فِي الِاخْتِيَار الْكسَائي فَأجَاز هَل زيد قَامَ جَوَازًا حسنا لأَنهم أَجَازُوا هَل زيد قَائِم وابتدأوا بعْدهَا الْأَسْمَاء فَكَذَا مَعَ وجود الْفِعْل ورد بِأَنَّهُم ضعفوا بناءه على الْفِعْل مَعَ حُضُوره فالابتداء أَحْرَى قيل وَترد للتسوية كَمَا ترد الْهمزَة نَحْو علمت هَل قَامَ زيد أم عَمْرو قَالَ أَبُو حَيَّان كَذَا زعم بَعضهم وَيحْتَاج ذَلِك إِلَى سَماع من الْعَرَب وَالْمَعْرُوف أَن ذَلِك مِمَّا تفرد بِهِ الْهمزَة
[ ٢ / ٦٠٨ ]
قيل والتقرير قَالَ أَبُو حَيَّان وَالْمَعْرُوف أَن ذَلِك للهمزة دون هَل قَالَ الْجلَال الْقزْوِينِي فِي بعض وَالتَّمَنِّي فِي بعض وَقَالَ الْمبرد فِي المقتضب وَترد بِمَعْنى قد وَبِذَلِك فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ [الْإِنْسَان: ١] قَالَ جمَاعَة قد أَتَى وَأنْكرهُ قوم آخِرهم أَبُو حَيَّان وَقَالَ لم يقم على ذَلِك دَلِيل وَاضح إِنَّمَا هُوَ شَيْء قَالَه الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَة وَهَذَا تَفْسِير معنى لَا تَفْسِير إِعْرَاب وَلَا يرجع إِلَيْهِم فِي مثل هَذَا إِنَّمَا يرجع فِي ذَلِك إِلَى أَئِمَّة النَّحْو واللغة لَا إِلَى الْمُفَسّرين وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل والسكاكي فِي الْمِفْتَاح أبلغ من هَذِه الدَّعْوَى (هُوَ) أَي معنى قد مَعْنَاهَا أبدا والاستفهام الْمَفْهُوم مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ من همزَة مقدرَة مَعهَا قَالَ ابْن هِشَام وَنَقله عَن سِيبَوَيْهٍ وَعبارَته فِي الْمفصل وَعند سِيبَوَيْهٍ أَن (هَل) بِمَعْنى (قد) إِلَّا أَنهم تركُوا الْألف قبلهَا لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا فِي الِاسْتِفْهَام وَقد جَاءَ دُخُولهَا عَلَيْهَا فِي قَوْله: ١٣٦١ -
(سائِلْ فوارسَ يَرْبُوع بشدَّتِنا أَهَلْ رأَوْنا بسَفْح القاع ذِي الأَكَم)
انْتهى قَالَ ابْن هِشَام وَلَو كَانَ كَمَا ذكر لم تدخل إِلَّا على الْفِعْل كقد قَالَ وَلم أر فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ مَا نَقله عَنهُ إِنَّمَا قَالَ فِي بَاب عدَّة مَا يكون عَلَيْهِ الْكَلم مَا نَصه وَهل هِيَ للاستفهام لم يزدْ على ذَلِك وَقَالَ أَبُو حَيَّان وَفِي الإفصاح ذكر جمَاعَة من النَّحْوِيين وَأهل اللُّغَة أَن (هَل) تكون بِمَعْنى (قد) مُجَرّدَة من الِاسْتِفْهَام وَرُبمَا فسروا بذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ [الْإِنْسَان: ١] وأري هَذَا القَوْل مأخوذا
[ ٢ / ٦٠٩ ]
من قَول سِيبَوَيْهٍ وَتقول قعد أم هَل قَامَ هِيَ بِمَنْزِلَة (قد) فَقيل أَرَادَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَة (قد) فِي الأَصْل وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي مَوضِع آخر زَعَمُوا أَن (هَل) بِمَنْزِلَة (قد) وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا إِذا دخلت على الْجُمْلَة الفعلية المثبتة أما إِذا دخلت على الْجُمْلَة الاسمية فَلَا تكون إِذْ ذَاك بِمَعْنى قد لِأَن (قد) لَا تدخل على الْجُمْلَة الاسمية (و) قَالَ ابْن مَالك تتَعَيَّن لَهُ إِذا قرنت بِالْهَمْزَةِ كالبيت السَّابِق قَالَ أَبُو حَيَّان: وَلَا دلَالَة لَهُ فِي ذَلِك على التَّعْيِين لِأَن ذَلِك لم يكثر كَثْرَة توجب الْقيَاس إِنَّمَا جَاءَ مِنْهُ هَذَا الْبَيْت أَو بَيت آخر إِن كَانَ جَاءَ وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك احْتمل أَن يكون مِمَّا دخل فِيهِ أَدَاة الِاسْتِفْهَام على مثلهَا على سَبِيل التَّأْكِيد كدخول حرف الْجَرّ على مثله فِي نَحْو: ١٣٦٢ -
(فأصبَحْنَ لَا يَسْأَلْنَه عَنْ بِمَا بِهِ )
وَنَحْو: ١٣٦٣ -
(وَلَا للِما بهمْ أبدا دَواءُ
وَإِذا احْتمل ذَلِك لم تتَعَيَّن مرادفة (قد) انْتهى وَوَافَقَهُ ابْن هِشَام فِي «الْمُغنِي» ثمَّ المُرَاد بِمَعْنى (قد) الْمَذْكُورَة قيل التَّقْرِيب قَالَ فِي الْكَشَّاف (هَل أتَي) أَي (قد) أَي على معنى التَّقْرِير والتقريب جَمِيعًا أَي أَتَى على الْإِنْسَان قبل زمَان قريب طَائِفَة من الزَّمَان الطَّوِيل الممتد لم يكن فِيهِ شَيْئا مَذْكُورا قَالَ ابْن هِشَام وفسرها غَيره ب (قد) خَاصَّة وَلم يحملوا (قد) على معنى التَّقْرِيب بل على معنى التَّحْقِيق وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهَا التوقع وَكَأَنَّهُ قيل لقوم يتوقعون الْخَبَر عَمَّا أَتَى على الْإِنْسَان وَهُوَ آدم ﵇ قَالَ والحين زمن كَونه طينا
[ ٢ / ٦١٠ ]
مَسْأَلَة صدر الْكَلَام للاستفهام والتحضيض والتنبيه غير (هَا) وَلَام الِابْتِدَاء وَلَعَلَّ وَمَا النافية فَلَا يقدم عَلَيْهَا مَعْمُول الْفِعْل بعْدهَا لَا يُقَال عمرا مَا ضرب زيد وَفِي لَا النافية أَقْوَال أَحدهَا أَن لَهَا الصَّدْر ك (مَا) ثَانِيهمَا وَثَالِثهَا وَهُوَ الْأَصَح إِن كَانَت فِي جَوَاب قسم (وَرب) غَالِبا لَا للتنفيس فِي الْأَصَح
نونا التوكيد
نون التوكيد نَوْعَانِ خَفِيفَة وثقيلة والتأكيد بهَا أَي الثَّقِيلَة أَشد من التَّأْكِيد بالخفيفة نَص عَلَيْهِ الْخَلِيل وَلَيْسَت هِيَ الأَصْل والخفيفة فرع عَنْهَا خففت كَمَا تخفف أَن خلافًا للكوفية حَيْثُ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِك وَاسْتدلَّ البصريون على أَن الْخَفِيفَة نون على حدتها بِأَن لَهَا أحكاما لَيست للشديدة كَمَا سَيَأْتِي وَتدْخل جَوَازًا على الْأَمر كاضربن وَقَوله ١٣٦٤ -
(فاَنْزلَنْ سكينَة عَلَيْنا )
والمضارع الْخَالِي من تَنْفِيس ذَا طلب سَوَاء كَانَ ذَلِك الطّلب أمرا أم نهيا أم تحضيضا أم تمنيا أم استفهاما بِحرف أم باسم كَقَوْلِه ١٣٦٥ -
(فإيّاكَ والْمَيْتَاتِ لَا تَقْرَبّنها )
وَقَوله
[ ٢ / ٦١١ ]
١٣٦٦ -
(هلا تُمَنِّنْ بوَعْدٍ غَيْرَ مُخْلِفَةٍ )
وَقَوله ١٣٦٧ -
(فَلَيْتَكِ يَوْم المُلْتَقى تَرَينّني )
وَقَوله ١٣٦٨ -
(وَهل يَمْنعنِّي ارتيادي البلادَ مِنْ حذَر الْمَوْت أنْ يأتِيَنْ)
وَقَوله ١٣٦٩ -
(أفبعد كِنْدةَ تمدحنَّ قَبيلا )
وَقَوله ١٣٧٠ -
(فأقْبلْ على رَهْطي ورهْطِكَ نَبْتَحِثْ مَساعِينَا حَتَّى تَرى كَيْف نفعلا)
[ ٢ / ٦١٢ ]
وَقَوله ١٣٧١ -
(أَلا لَيْت شِعري مَا يَقُولَنْ فوارسٌ إِذا حَارب الهامَ المصَيّح هامتي)
خلافًا لِابْنِ الطراوة فِي المستفهم عَنهُ باسم حَيْثُ قَالَ لَا يلْحقهُ وَخص ذَلِك بِالْهَمْزَةِ وَهل ورد بِالسَّمَاعِ فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين وَتدْخل لُزُوما الْمُضَارع الْمُثبت الْمُسْتَقْبل جَوَاب قسم نَحْو وَالله ليقومن بِخِلَاف الْمَنْفِيّ نَحْو ﴿لَا أقسم﴾ [الْقِيَامَة: ١] وَالْحَال نَحْو وَالله ليقوم زيد الْآن والمقرون بِحرف تَنْفِيس نَحْو ﴿وَلَسَوْف يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحَى: ٥] لِأَنَّهُمَا مَعًا يخلصان لاستقبال فكرهوا الْجمع بَين حرفين لمعني وَاحِد وَتدْخل كثيرا وَقيل لُزُوما الْمُضَارع التَّالِي إِمَّا الشّرطِيَّة نَحْو ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ﴾ [الْأَعْرَاف: ٢٠٠] وَلم يَقع فِي الْقُرْآن إِلَّا مؤكدا بالنُّون وَمن ثمَّ قَالَ الْمبرد والزجاج إِنَّهَا لَازِمَة لَا يجوز حذفهَا إِلَّا فِي الضَّرُورَة كَقَوْلِه ١٣٧٢ -
(إمّا تَرَيْ رأسِي تغيّر لونُه )
ولكثرة حذفهَا فِي الشّعْر قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور بِجَوَازِهِ فِي الْكَلَام لَا الْجَزَاء والمنفي بِمَا وَلَا وَلم والتعجب والماضي ومدخول رُبمَا وَمَا الزَّائِدَة وَسَائِر أدوات الشَّرْط والخالي مِمَّا ذكر وَاسم الْفَاعِل أَي لَا تدخل فِي شَيْء من هَذِه الْأَنْوَاع إِلَّا شذوذا وضرورة أَو مثلا كَقَوْلِه ١٣٧٣ -
(حَدِيثًا مَتَى مَا يأتِك الخيرُ يَنْفَعا )
[ ٢ / ٦١٣ ]
وقولك مَا فِي الدَّار يقومن زيد وَقَوله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا مِنْكُم خَاصَّة﴾ [الْأَنْفَال: ٢٥] وَقَول الشَّاعِر ١٣٧٤ -
(فَلا ذَا نعيم يُترَكَنْ لنَعيمِهِ )
وَقَوله ١٣٧٥ -
(يَحْسَبُهُ الجاهِلُ مَا لم يَعْلما )
وَقَوله ١٣٧٦ -
(فأحْرِ بِهِ مِنْ طُول فقْرٍ وأحْرِيا )
وَقَوله ١٣٧٧ -
(دامَنَّ سَعْدُكِ لَوْ رحمْتِ مُتَيّمًا )
[ ٢ / ٦١٤ ]
وَقَوله ١٣٧٨ -
(ربّما أوْفَيْتُ فِي عَلَم تَرْفَعَنْ ثوبي شَمَالات)
وَقَوله ١٣٧٩ -
(قَلِيلا بِهِ مَا يحمدنك وَارِث )
وَقَوله ١٣٨٠ -
(مَنْ يُثْقَفَنْ مِنُهُم فَلَيْسَ بآيبٍ )
وَقَوله ١٣٨١ -
(ومَهْما تَشَأ مِنْهُ فَزارَةُ تَمْنعا )
[ ٢ / ٦١٥ ]
وَقَوله ١٣٨٢ -
(لَيْت شِعْري وأشْعُرَنَّ إِذا مَا )
وَقَوله ١٣٨٣ -
(أقَائِلُنَّ أحْضِروا الشّهودا )
وَيفتح آخِره أَي الْمُضَارع مَعَ النُّون لتركيبه مَعهَا وَقيل لالتقاء الساكنين آخر الْفِعْل وَأول النُّون الأولى وَسَوَاء فِي فتح آخِره أَكَانَ صَحِيحا كاعتضدن أم مُعْتَلًّا كاخشين وأرمين وحذفه حَال كَونه يَاء تلو كسرة لُغَة لفزارة يَقُولُونَ فِي ابكين ابكن بِحَذْف الْيَاء قَالَ شَاعِرهمْ ١٣٨٤ -
(وابْكِنّ عَيْشًا تَولّى بعد جدّته )
وَقَالَ
[ ٢ / ٦١٦ ]
١٣٨٥ -
(وَلَا تُقاسِنّ بعدِي الهَمّ والجزَعا )
وَغَيرهم بِفَتْح الْيَاء وَلَا يحذفها فَيَقُول ابكين ولاتقاسين فَإِن كَانَ مَعَ آخِره وَاو أَو ضمير أَو يَاء وَهِي بعد حَرَكَة مجانسة حذفت نَحْو لتقومن يَا رجال وَلَتَقُومَنَّ يَا هِنْد وأصلهما لتقوموا ولتقومي فحذفت الْوَاو وَالْيَاء لالتقاء الساكنين وَإِلَّا بِأَن كَانَت بعد حَرَكَة غير مجانسة وَهِي الفتحة تثبت محركة بهَا أَي بالحركة المجانسة نَحْو اخشون يَا قوم بِضَم الْوَاو واخشين يَا هِنْد بِكَسْر الْيَاء إِذْ لَو حذفت بعد الفتحة لم يبْق مَا يدل عَلَيْهَا وَجوز الكوفية حذف يائه تلو فَتْحة فَيُقَال اخشن يَا هِنْد بِحَذْف الْيَاء وَقيل هُوَ لُغَة طائية نقل ذَلِك عَنْهُم الْفراء أما الْألف الضَّمِير فَلَا يحذف بل يبقي كَمَا يُؤْخَذ من قولي وَلَا يَقع بعد الْألف الِاثْنَيْنِ وَنون الْإِنَاث إِلَّا الثَّقِيلَة نَحْو اضربان يَا زَيْدَانَ واضربنان يَا هندات وَلَا تقع الْخَفِيفَة لِأَن فِيهِ جمعا بَين ساكنين خلافًا ليونس والكوفية حَيْثُ أَجَازُوا وُقُوع الْخَفِيفَة بعْدهَا مَكْسُورَة قَالَ ابْن مَالك وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة بَعضهم ﴿فَدَمِّرَانَّهْمُ تَدْمِيرًا﴾ [الْفرْقَان: ٣٦] وَيُمكن أَن يكون مِنْهُ قِرَاءَة ابْن ذكْوَان ﴿وَلَا تتبعان سَبِيل الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ [يُونُس: ٨٩] انْتهى وَأما سِيبَوَيْهٍ فَإِنَّهُ قَالَ ردا على من أجَاز ذَلِك هَذَا لم تقله الْعَرَب وَلَيْسَ لَهُ نَظِير فِي كَلَامهم وَعلي الأول فتكسر الثَّقِيلَة فِي هذَيْن الْحَالين لالتقاء الساكنين
[ ٢ / ٦١٧ ]
وتفصل النُّون من نون الْإِنَاث بِأَلف على الْقَوْلَيْنِ أَي على قَول الْجُمْهُور وَيُونُس مَعًا أَي من أكد بالثقيلة فصل بهَا نَحْو اضربنان وَمن أكد بالخفيفة فصل بهَا نَحْو اضربنان وتحذف الْخَفِيفَة لملاقاة سَاكن كَقَوْلِه ١٣٨٦ -
(لَا تُهينَ الْفَقِير علّك أنْ تركع يَوْمًا والدَّهْرُ قد رَفَعَهْ)
وندر حذفهَا فِي الْوَصْل دونه كَقَوْلِه ١٣٨٧ -
(اصْرفَ عَنْك الهموم طَارقَها )
وتحذف الْخَفِيفَة للْوَقْف بعد كسر أَو ضم مردودا مَا حذف لَهَا من يَاء أَو وَاو لزوَال سَبَب حذفهما وَهُوَ التقاء الساكنين بحذفها كَقَوْلِك فِي اضربن واضربن اضربي واضربوا وَقَالَ أَبُو حَيَّان الَّذِي يظْهر أَن دُخُولهَا فِي الْوَقْف خطأ لِأَنَّهَا لَا تدخل لِمَعْنى التوكيد ثمَّ يحذف وَلَا يبْقى دَلِيل على مقصودها الَّذِي جَاءَت لَهُ وَأَجَازَ يُونُس فِي هَذِه الْحَالة إبدالها يَاء وواوا وَيظْهر ذَلِك ظهورا بَينا فِي نَحْو اخشون واخشين فَيُقَال اخشي واخشووا كَمَا أبدلت ألفا بعد الْفَتْح إِجْمَاعًا كَقَوْلِك فِي اضربن اضربا وَفِي التَّنْزِيل ﴿لنسفعا﴾ [العلق: ١٥] وَلذَلِك رسم بِالْألف على نِيَّة الْوَقْف خَاتِمَة التَّنْوِين نون تثبت لفظا لَا خطا هَذَا أحسن حُدُوده وأخصرها وأوجزها إِذْ سَائِر النونات المزيدة الساكنة أَو غَيرهَا تثبت خطا وَهُوَ أَقسَام
[ ٢ / ٦١٨ ]
تَمْكِين يدْخل فِي الِاسْم المعرب المنصرف دلَالَة على أصالته إِذا لم يبن وَلم يمْنَع الصّرْف لسلامته من شبه الْحَرْف وَمن شبه الْفِعْل وَمن ثمَّ أَي من أجل ذَلِك سمي صرفا أَيْضا فالصرف فِي تَنْوِين التَّمْكِين الَّذِي إِذا حرمه الِاسْم لمشابهة الْفِعْل قيل منع من الصّرْف وَقيل يدْخل فرقا بَين المنصرف وَغَيره وَقَالَ الْفراء فرقا بَين الِاسْم وَالْفِعْل وَقَالَ قطرب والسهيلي فرقا بَين الْمُفْرد والمضاف وَمن ثمَّ حذف فِي الْإِضَافَة وتنكير يلْحق بعض الْمَبْنِيّ كأسماء الْأَفْعَال والأصوات فرقا بَين الْمعرفَة والنكرة نَحْو صه وسيبويه آخر وَهُوَ مسموع فِي بَاب اسْم الْفِعْل ومطرد فِي كل علم مختوم ب (ويه) وَعوض يلْحق (إِذْ) و(كلا) و(بَعْضًا) (وأيا) عوضا عَن مضافها إِذا حذفت نَحْو ﴿وَأَنْتُم حِينَئِذٍ تنْظرُون﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٤] ﴿كل فِي فلك﴾ [يس: ٤٠] ﴿فضلنَا بَعضهم على بعض﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥٣] ﴿أيا مَا تدعوا﴾ [الْإِسْرَاء: ١١٠] والمتناهي المعتل اللَّام إِذا حذفت ياؤه رفعا وجرا كجوار وغواش عوضا من الْيَاء بحركتها عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَقيل من الْحَرَكَة فَقَط قَالَه الْمبرد والزجاجي وَقيل هُوَ فِي الْجَمِيع تَنْوِين صرف وَدخل فِي (إِذْ) لإعرابها بِالْإِضَافَة إِلَيْهَا وَرجع فِي (كل) وَنَحْوه لزوَال الْإِضَافَة الَّتِي كَانَت تعارضه وَفِي بَاب جوَار لِأَن الْيَاء لما حذفت الْتحق الْجمع بأوزان الْآحَاد كسلام وَكَلَام فصرف ورد بِأَن الْحَذف عَارض فَلَا يعْتد بِهِ
[ ٢ / ٦١٩ ]
ومقابلة فِي بَاب جمع الْمُؤَنَّث السَّالِم نَحْو مسلمات فَإِنَّهُ فِي مُقَابلَة النُّون فِي نَحْو مُسلمين وَقَالَ عَليّ بن عِيسَى الربعِي هُوَ فِيهِ للصرف وَيَردهُ ثوبته مَعَ التَّسْمِيَة بِهِ كعرفات وَقَالَ الرضي هُوَ لَهما وَقيل هُوَ عوض من الفتحة نصبا ورد بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم يُوجد فِي الرّفْع والجر ثمَّ الفتحة قد عوض مِنْهَا الكسرة فَمَا هَذَا الْعِوَض وترنم فِي الروي الْمُطلق فِي لُغَة تَمِيم يأْتونَ بِهِ بَدَلا من حرف الْإِطْلَاق وَهُوَ الْألف وَالْوَاو وَالْيَاء لقطع الترنم الْحَاصِل بهَا بِخِلَاف لُغَة الْحجاز فَإِنَّهُم يثبتون الْمدَّة وغال فِي الروي الْمُقَيد أثْبته الْأَخْفَش وَغَيره وَأنْكرهُ الزّجاج والسيرافي لِأَنَّهُ بِكَسْر الْوَزْن وَقَالَ ابْن يعِيش هُوَ ضرب من الترنم زاعما أَن الترنم يحصل بالنُّون نَفسهَا لِأَنَّهَا حرف أغن ويكونان أَي تَنْوِين الترنم والغالي فِي ذِي أل وَالْفِعْل والحرف كَقَوْلِه ١٣٨٨ -
(أقلّى اللّوم عاذِلَ والعتابَن وقُولي إنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أصابَنْ )
وَقَوله ١٣٨٩ -
(لمّا تزل بركابنا وَكَأن قَدِنْ)
وَقَوله
[ ٢ / ٦٢٠ ]
١٣٩٠ -
(وقاتم الأعماق خاوي المخترقن )
وَقَوله ١٣٩١ -
(ويَعْدُو على المَرْء مَا يأتَمِرَنْ)
وَقَوله ١٣٩٢ -
(قَالَت بناتُ العمّ يَا سلمي وإنِنْ )
بِخِلَاف غَيرهمَا من أَقسَام التَّنْوِين فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا فِي الِاسْم الْخَالِي من (أل) وَمن ثمَّ قَالَ ابْن مَالك فِي شرح الكافية وَابْن هِشَام فِي تَوْضِيحه هما نونان لَا تنوينان قَالَا وَلَعَلَّ الشَّاعِر زَاد أَن آخر كل بَيت فضعفت صَوته بِالْهَمْزَةِ فَتوهم السَّامع أَنه نون وَكسر الروي وَقَالَ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف ابْن معزوز هما نونان أبدلا من الْمدَّة وليسا بتنوين وَزَاد ابْن الخباز فِي شرح الجزولية تَنْوِين ضَرُورَة فِي المنادى وَمَا لَا ينْصَرف قَالَ ابْن هِشَام وَبِقَوْلِهِ أَقُول فِي الْمُنَادِي دون الآخر لِأَن الضَّرُورَة أَبَاحَتْ الصّرْف فَهُوَ حِينَئِذٍ تَمْكِين بِخِلَاف المنادى نَحْو
[ ٢ / ٦٢١ ]
١٣٩٣ -
(سَلامُ اللهِ يَا مطٌ ر عَلَيْهَا )
فَإِن الِاسْم مَبْنِيّ على الضَّم وَزَاد أَيْضا تَنْوِين حِكَايَة كَأَن يُسَمِّي رجلا بعاقلة لَبِيبَة فَإنَّك تحكي اللَّفْظ المسمي بِهِ قَالَ ابْن هِشَام وَهَذَا اعْتِرَاف مِنْهُ بِأَنَّهُ تَنْوِين الصّرْف لِأَن الَّذِي كَانَ قبل التَّسْمِيَة حُكيَ بعْدهَا وَزَاد بَعضهم وتنوين شذوذ كَقَوْل بَعضهم هَؤُلَاءِ قَوْمك حَكَاهُ أَبُو زيد وَفَائِدَته تَكْثِير اللَّفْظ قَالَ ابْن مَالك وَالصَّحِيح أَن هَذَا نون زيدت فِي آخر الِاسْم كنون ضيفن وَلَيْسَ بتنوين قَالَ ابْن هِشَام وَفِيمَا قَالَه نظر لِأَن الَّذِي حَكَاهُ سَمَّاهُ تنوينا فَهَذَا دَلِيل مِنْهُ على أَنه سَمعه فِي الْوَصْل دون الْوَقْف وَنون ضيفن لَيست كَذَلِك.
[ ٢ / ٦٢٢ ]