وسئل عن حديث: "من صلّى عليّ مائة صلاة حين يصلّي الصبح قبل أن يتكلّم قضى الله له مائة حاجة عجّل له منها ثلاثين حاجة، وأخّر له سبعين، وفي المغرب مثل ذلك. قالوا: كيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، اللهمّ صلّ عليه حتى يعد مائة"، ذكره ابن القيم في جلاء الأفهام (١) بإسناد أحمد بن موسى الحافظ (٢)، فلو أنّ العامل بهذا الحديث سلّم عليه أحد في تلك الحالة أيجب عليه ردّ
السلام أم يجعل كالمستقلّ بالدعاء؟ وقد قال النووي في الأذكار (٣): الأظهر عندي في هذا -أي فيما إذا كان مشتغلًا بالدعاء مستغرقًا فيه مجتمعَ القلب- أنّه يكره السلام عليه، لأنّه يتنكّد عليه، ويشقّ به أكثر من مشقّة الأكل. انتهى كلامه، فلا يجب، هذا جوابه، لأنّ من سلّم في حال لا يستحب فيها السلام لم يستحقّ جوابًا كما صرح به في الروضة (٤)، وإن ردّ السلام أيضًا، فهل يبطل ثوابه بهذا أم ينقص أم لا؟ وهل يكون ردّ السلام من التكلّم الذي يخل بهذا الثواب، -كما قاله النووي وغيره في شرح حديث (٥): توبة
_________________
(١) انظر جلاء الأفهام (رقم ٤٦٥ - تحقيق مشهور)
(٢) عزاه إليه الحافظ السخاوي في القول البديع (ص ١٧٩) وضعّفه، وكذا في الأجوبة المرضية (٣/ ٩٤٦ رقم: ٢٦٧) وقال: وعند ابن منده من وجه آخر عن جابر يرفعه: "مَن صلى عليّ في كلّ يوم مائة مرّة قضى الله له مائة حاجة: سبعين منها لآخرته، وثلاثين منها لدنياه"، وقال الحافظ أبو موسى المدني: إنّه غريب.
(٣) انظر الأذكار (ص ٢٨٧ - ط. دار الفيحاء).
(٤) انظر روضة الطالبين (١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢ المكتب الإسلامي - بيروت).
(٥) انظر شرح مسلم (١٧/ ٩٨ دار القلم - بيروت).
[ ٤٣ ]
كعب بن مالك، وسلامه على أبي قتادة، وتركه ردّ السلام عليه (١)، أنّ السلام من التكلّم، لأنّه ﷺ تسليمًا كان قد نهى المسلمين عن كلامهم- أم يجعل ردّ السلام من قبيل الذكر والتسبيح ونحوهما لاشتراكهما في كونهما طاعة، ومزية ردّ السلام بالوجوب فلا يكون من قبيل التكلّم كما هو جوابه في كتاب الإيمان، وقوله ﷺ تسليمًا في آخر الحديث: "اللهمّ صلّ عليه" حتى يعد مائة، المراد به أن يقول: "اللهمّ صلّ عليه" حتى يتمّ مائة من
غير ذكر السلام، وقال النووي في الأذكار: إذا صلّى على النبي - ﷺ - فليجمع بين الصلاة والسلام لا يقتصر على أحدهما، هل قول النووي محمول على ما إذا اخترع صلاة من عند نفسه دون ما ورد به النصّ، فإنّ ذلك لا يزاد عليه ولا ينقص منه أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، يجب على الذي يصلّي المائة ردّ السلام في أثنائها، ولا يقطع ذلك ردّ السلام إذا نوى بردّ السلام الدعاء، أو تلفّظ في الردّ بلفظ الدعاء، كأن يقول: اللهمّ سلّم فلانًا أو سلّم عليه مثلا، والتنظير بمسألة الداعي غير موجّه للتعليل بالاستغراق والتوجّه، وظاهر اللّفظ أن يقول: اللهمّ صلّ عليه، بعد أن يقدّم ذكره ليعود الضمير، كأن يبدأ فيقول: اللهمّ صلّ عليه، اللهمّ صلّ عليه، ولا يشترط اقترانها بالسلام، ومحلّ الكراهة التي ذكر النووي في حقّ من لم يسلّم أصلًا؛ أمّا من صلّى في محلّ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٦٩) ومسلم (٢٧٦٩) عن كعب بن مالك قال: " حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ، فسلَّمت عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلام ".
[ ٤٤ ]
وسلّم في محلّ، فلا مانع منه، ولا دليل على المنع، وقد بسطته في الكلام على كتاب الأذكار (١).
_________________
(١) واسمه: "نتائج الأفكار في تخريج أحادث الأذكار"، طبع منه ثلاثة أجزاء، بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، بمطبعة دار ابن كثير. دمشق - بيروت، انتهى إلى المجلس الواحد والتسعين بعد المئتين. والمسألة المشار إليها ضمن الجزء غير المطبوع. أسأل الله القدير أن ييسّر على المحقّق إتمام ذلك.
[ ٤٥ ]