أولًا: تحرير الشرط المنسوب إلى البخاري:
نسب عامّةُ أهلِ العلم ممّن جاء بعد القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) -أخذًا من القاضي عياض- إلى البخاري أنه يخالف مسلمًا في الحديث المعنعن، وأنه لا يكتفي بالشرط الذي بيّنه مسلم في صحيحه، بل يُضيفُ شرطًا زائدًا عليه. ثم اختلفوا في ذلك:
- فذهب ابنُ رُشَيْد السَّبْتي (ت ٧٢١هـ) في كتابه (السَّنَن الأبين) إلى أن البخاري لا يكتفي بالمعاصرة مثل مسلم، بل لا يكتفي أيضًا بما يدل على اللقاء بين الراويين، وإنّما يشترط أن يقف على ما يدلّ على السماع. مُعَلِّلًا ذلك -مع تصريحه بعدم وقوفه على نَصٍّ صريح فيه من البخاري- بأنّه الأليق بتحَرِّي البخاري، إذ هو الأقرب إلى الصواب (في رأي ابن رُشيد)، لأنّه كم مِن تابعيٍّ لقي صحابيًّا وما سمع منه شيئًا (١) .
- وذهب ابنُ رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ) في شرحه لعلل الترمذي إلى أن الإمام أحمد وأبا زرعة وأبا حاتم الرازيين يشترطون العلمَ بالسماع، بخلاف البخاري وابن المديني، فإنّ المَحْكِيَّ عنهما (كما يقول ابن رجب) الاكتفاءُ باللقاء (٢) .
_________________
(١) السنن الأبين (٥٤- ٥٥) .
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٥٩٢) .
[ ١٣ ]
* وأيَّد ابنَ رجب في ذلك صاحبُ كتاب: (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المعاصرين)، ألا وهو خالد الدريس. محتجًّا بأقوالٍ للبخاري فيها أنه اكتفى بمطلق اللقاء للدلالة على الاتّصال، وبأن مسلمًا نصّ في ردِّهِ الذي في مقدّمة صحيحه أنه يردُّ على من كان يشترط اللقاء، ولم يذكر مسلمٌ اشتراطَ السماع (١) .
ومع أن ابن رُشيد تشدّد ذلك التشدُّدَ إلاّ أنه عاد في آخر كتابه المذكور إلى الاكتفاء بالمعاصرة (دون العلم بالسماع أو اللقاء)، لكن مع قُوّة القرائن الدالّة على السماع، كرواية المخضرم عن الصحابة (٢) . إلا أن ابن رُشيد لم ينسب هذا التَّخَفُّف إلى البخاري صراحة، وإنما عرضه وكأنه رأيٌ له قاله بناءً على نظره الخاصّ.
ووافَقَ العلائيُّ في ذلك كلّه ابنَ رُشيد، في كتابه (جامع التحصيل) (٣) .
وأيّدهما في ذلك خالد الدريس صاحبُ الدراسة الآنفة الذكر، لكن مع نِسبة ذلك التَّخَفُّفِ إلى البخاري، وأنه شَرْطُه. معتمدًا في تصحيح نسبته إلى البخاري على نُقُولٍ عنه، تدلّ على اكتفاء البخاري بالمعاصرة مع قرائن تُقَوِّي احتمالَ وُقُوعِ اللقاء (٤) .
- وهناك قولٌ آخر في تحرير شرط البخاري المنسوب إليه، وهو أنه شرطٌ للبخاري في كتابه (الجامع الصحيح)، لا في أصل الصحّة. أي
_________________
(١) موقف الإمامين لخالد الدريس (١٠٨- ١١٤) .
(٢) السنن الأبين (١٥٠- ١٥١، ١٥١- ١٥٢) .
(٣) جامع التحصيل للعلائي (١٢٠- ١٢١) .
(٤) موقف الإمامين لخالد الدريس (١٤١- ١٥٧) .
[ ١٤ ]
أنه تشدّدَ في صحيحه، فاشترط العلم باللقاء (أو السماع)، مع كونه خارجَ الصحيح لا يشترط ذلك الشرط. أو كما عَبّر بعض أهلُ العلم عن ذلك بقوله: إن هذا الشرط شرط كمال، لا شرط صحّة (١) .
ونخلص من هذا: أن شرط البخاري في الحديث المعنعن، بعد السلامة من وصمة التدليس، اختُلفَ فيه إلى أربعة أقوال:
الأول: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على السماع نصًّا.
الثاني: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على اللقاء.
الثالث: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على اللقاء، وأنه يكتفي بالمعاصرة أحيانًا إذا وُجدت قرائن قويّة تدل على اللقاء والسماع.
الرابع: أن البخاري يشترط أن يقف على ما يدل على اللقاء أو السماع في كتابه الصحيح، ولا يشترط ذلك للقول بالاتصال خارج كتابه.
ملاحظة: لم يتنبّه ابنُ رُشيد والعلائي والدريس إلى أنهم بمَيْلِهم إلى الاكتفاء بالقرائن القويّة قد نسفوا ما ذهبوا إليه من تقويةِ اشتراط اللقاء أو السماع، إذ مِنْ أين لهم أن مسلمًا لم يكن مراعيًا لمثل تلك القرائن؟! حتى يجعلونه مخالفًا للبخاري!!!
_________________
(١) انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير (١/ ١٦٩)، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني (٢٢٤)، والموقظة للذهبي -تتمات أبي غُدّة في آخرها - (١٣٧- ١٣٨)، والنصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان لكتب الأئمة الرجيحة للألباني (١٩- ٢٦) .
[ ١٥ ]
بقي أمرٌ آخر يتعلق بتحرير شرط البخاري المنسوب إليه: وهو: ما هو حكم الحديث المعنعن الذي لم يتحقق فيه العلم باللقاء أو السماع عند البخاري بناءً على هذا الشرط المنسوب إليه، هل يُحكم بانقطاعه؟ أم يُكتفى بالتوقّف عن الحكم له بالاتّصال؟
لازمُ هذا الشرط المنسوب إلى البخاري، ومقتضى دليله: أنه لا يُجزم بانقطاع الإسناد الذي لا يتحقق فيه شرط العلم باللقاء، وإنّما يُكتفى بالتوقف، لأن اشتراط العلم باللقاء إنما توجَّهَ عند القائلين به لاحتمال عدم اللقاء، لا لتحقق عدم اللقاء، فإذا لم نعلم باللقاء يقينًا، يبقى احتمال اللقاء واحتمال عدمه احتمالين متساويين، فالتوقّف حينها هو الواجب (١) .
وهذا هو ما نصَّ عليه مسلم في نقله لمذهب مخالفه، حيث ذكر مذهبه في الحديث المعنعن بين المتعاصرين اللذين لم يُعلم لقاؤهما، ثم قال في حكم هذا الحديث عند ذلك المخالف: «وكان الخبر عنده موقوفًا، حتى يرد عليه سماعُه منه لشيءٍ من الحديث، قلَّ أو كَثُر..» . (٢)
وهذا هو ما نصَّ عليه ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨هـ) أيضًا، ونسبه إلى البخاري وعلي بن المديني، حيث قال في الحديث المعنعن الذي لم يُعلم انتفاء اللقاء بين رواته: «فإن الحكم فيه أن يُحكم له بالاتصال له عند الجمهور، وشرط البخاري وعلي بن المديني أن يُعلم اجتماعُهما ولو مَرّةً واحدة، فهما -أعني البخاري وابن المديني- إذا لم يعلما لقاء
_________________
(١) انظر السنن الأبين لابن رشيد (٤٥) .
(٢) صحيح مسلم (٢٩)، وانظر السنن الأبين لابن رُشيد (٤٥) .
[ ١٦ ]
أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، وإنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان.
فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما: هو محمول على الاتصال، والآخر: لم يُعلم اتصال ما بينهما. فأمّا الثالث: وهو منقطع، فلا. فاعلم ذلك، والله الموفّق» (١) .
أمّا الذهبي فتعقّب ابن القطان بقوله: «بل رأيهما دالٌّ على الانقطاع» (٢) .
قلت: لكن لازم المذهب، ونصّ مسلم في مقدمته، كلاهما يؤيدان ما ذكره ابن القطان، كما سبق. أمّا موقف الذهبي فغريب مضطرب، لأنّه يصحح نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري، وهذه النسبة إنما تصح على المذهب الذي ذكره ابن القطان هنا، لا على ما اختاره الذهبي.. كما سيأتي شرحه مستقبلًا (٣) .
ثانيًا: تحرير شرط مسلم:
لقد أبان مسلمٌ عن رأيه في مقدّمة صحيحه بصراحةٍ، حيث قال: «ذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجلٍ ثقةٍ روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاؤه والسماعُ منه، لكونهما جميعًا كانا في عصرٍ واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام= فالرواية ثابتة، والحجّة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالةٌ بيّنةٌ أن هذا الراوي لم يَلْقَ من روى
_________________
(١) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٢/ ٥٧٦) .
(٢) نقد الإمام الذهبي لبيان الوهم والإيهام (٨٤ رقم١٦) .
(٣) انظر ما سيأتي (٤٢- ٤٣) .
[ ١٧ ]
عنه، أو لم يسمع منه شيئًا. فأمّا والأمرُ مُبْهَمٌ، على الإمكان الذي فسّرنا= فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكونَ الدلالةُ التي بيّنّا» (١) .
ويقول في موطنٍ آخر: «وإنما كان تَفَقُّدُ من تَفَقَّدَ منهم سماعَ رواةِ الحديث ممن روى عنهم= إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقّدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم عِلّةُ التدليس. فمن ابتغى ذلك من غير مُدَلِّس، على الوجه الذي زعم من حكينا قولَه، فما سمعنا ذلك عن أحدٍ ممن سمّينا ولم نُسَمِّ من الأئمة» (٢) .
ويقول في تقديمه لمقالة صاحب المذهب المخالفِ له: «أن كل إسنادٍ لحديث فيه فلانٌ عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما كانا في عصر واحد، وجائزٌ أن يكون الحديثُ الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به. . .» (٣) .
وقال عقب ذكره لأمثلةٍ للأسانيد الصحيحة مع عدم العلم بالسماع: «إذِ السماعُ لكل واحدٍ منهم ممكنٌ من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه» (٤) .
فمن خلال هذه النقول يتبيّن أن الإمامَ مسلمًا كان يشترطُ لقبول الحديث المعنعن ثلاثةَ شروط:
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٩- ٣٠) .
(٢) صحيح مسلم (٣٣) .
(٣) صحيح مسلم (٢٩) .
(٤) صحيح مسلم (٣٥) .
[ ١٨ ]
الأول: المعاصرة.
الثاني: أن لا يكون الراوي الذي عنعن مدلِّسًا (ممن تُرَدُّ عنعنتهم بذلك) .
الثالث: أن لا يكون هناك ما يدل على عدم السماع.
فأما الشرطان الأولان فظاهران لا خلافَ فيهما ولا غموض، وأمّا الشرط الثالث فقد وقع فيه خلاف، ويحتاج إلى بيان.
لقد صَرّح مسلمٌ بهذا الشرط عندما قال -كما سبق-: «إلا أن يكون هناك دلالة بيّنةٌ أن هذا الراوي لم يَلْقَ من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا» . فهذا نصٌّ صريحٌ أن المعاصرة قد تحصل بين الراويين، لكن يمنع من الحكم بالاتصال -عند مسلم- وجودُ دلالةٍ واضحةٍ تنفيه وتمنعه.
فما هو مقصود مسلم بـ (الدلالة البيّنة)؟
لا شك أن الراوي لو نَفَى عن نفسه السماعَ ممن عاصره، أو علمنا من أخبارهما أنهما لم يجتمعا في بلدٍ واحد قطّ، ولا كانت بينهما مكاتبةٌ أو إجازة= فإن هذه من أبين الدلائل على عدم الاتصال. وحينها فلن يحكم مسلم بالاتّصال، على ما يقتضيه كلامُه الصريحُ في ذلك، وعلى ما نصّ عليه ابن رُشيد السبتي أيضًا (١) . بل هذه الحالة لا تحتاج إلى تنصيص، لأن شرط الاتّصال الذي يشترطه مسلم هنا قد تيقّنا من عدم تحققه، وأصبح انتفاؤه واضحًا، لا قيمةَ معه من اشتراطِ المعاصرة وعدم التدليس.
_________________
(١) السنن الأبين (٦٧- ٦٨) .
[ ١٩ ]
لكن هناك دلائل بيّنةٌ عند أهل الحديث غير تلك الدلائل اليقينيّة، مثل بُعْدِ البلدان، أو إدخال الوسائط، ونحو ذلك من القرائن التي تشهد لعدم السماع وتُغلّبُ عدمَ حصوله.
فهل هذه الدلائل تَدْخُل في (الدلالة البيّنة) التي ذكرها مسلم؟
الظاهرُ والأصل دخولها فيها، لأنها داخلةٌ في معنى ما ذكره مسلم.
ويؤكد مراعاة مسلم لهذه القرائن أمور:
الأول: صريحُ كلامه، وذلك في قوله بعد ذكره (الدلالة البيّنة):
«فأمّا والأمر مبهم، على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بيّنا» .
فتأمّل قوله: «والأمر مبهم»، وما تدل عليه من أن الحكم بالاتّصال بين المتعاصرين إنما يقول به مسلم عندما لا تكون هناك مرجّحات وقرائن تميل بكفّة المسألة إلى عدم السماع، إذ لو كانت هناك مثل تلك المرجحات والقرائن لم تُوصفِ المسألةُ بأن الأمر (أي أمر الاتصال) فيها مبهمٌ.
ثم يؤكّد مسلمٌ أنه كان يراعي القرائن التي تحتفُّ برواية المتعاصرين، فإما أن تؤيدَ احتمال السماع أو أن تُضْعِف احتماله، وذلك في قوله: «أن كل إسنادٍ لحديثٍ فيه فلانٌ عن فلان، وقد أحاط العلمُ بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائزٌ أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به..» .
فَتَنَبَّهْ إلى أنه ذكر المعاصرة، ثم أضاف إليها شرطًا آخر، وهو جواز السماع وإمكانه، وهو يعني عدم وجود قرائن تُبعد احتمال اللقاء.
[ ٢٠ ]
نعم هناك قولان آخران لمسلم لا يدلاّن على اشتراط إمكان اللقاء، وهما مقدِّمة كلامه الأول، عندما قال: «وجائزٌ ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد»، وقوله: «إذ السماع لكل واحدٍ منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر، لكونهم جميعًا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه» .
لكن هذين القولين المجملين لا يقضيان على النصين المبينين السابقين، خاصة وأن أحدهما جاء استثناءً في آخر كلامه الأول، كما سبق.
الثاني: تطبيقاتٌ لمسلم تدل على مراعاته للقرائن:
ولها عِدّة أمثلة، سنُأجّلُها إلى موطنٍ لاحقٍ (١) . وسأكتفي منها هنا بمثال واحدٍ:
لقد تجنّب الإمامُ مسلم الإخراجَ للحسن البصري عن عمران بن حصين ﵁ في صحيحه خوفًا من عدم تحقق السماع بينهما، مع أن الحسن البصري وُلد سنة (٢١هـ)، وتوفي عمران بن حصين سنة (٥٢هـ أو ٥٣هـ) . فالحسن معاصرٌ لعمران زيادةً على ثلاثين عامًا، ساكنَ الحسنُ خلالها عمران بين حصين في بلد واحد (هو البصرة) خمس عشرة سنة. ثم إن عمران بين حصين ﵁ كان أحدَ فقهاء الصحابة الذين بعثهم عمر بن الخطاب ﵁ لتعليم الناس بالبصرة، فكان عمران بن حصين بذلك متصدِّرًا للتعليم في بلد الحسن البصري، ولم يكن منعزلًا أو محجوبًا بإمارة أو ولاية.
_________________
(١) انظر ما يأتي (٧٣، ٧٤، ٧٥) .
[ ٢١ ]
ومع ذلك كلِّه يقول الحاكم في (المستدرك) عقب حديث للحسن عن عمران ﵁: «حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه بطوله. والذي عندي أنهما لم يُخرجا من ذلك خشية الإرسال. . .» (١) .
وقال في موطن آخر، مُصَرِّحًا بأنّ للشيخين قولًا في هذه المسألة ينقله الحاكم عنهما: «لم يُخرج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج في هذه الترجمة حرفًا، وذكرا أن الحسن لم يسمع من عمران، والذي عندي أن الحسن سمع من عمران» (٢) .
فلمَ خشيَ مسلمٌ الإرسالَ، مع تحقق المعاصرة الطويلة؟!
الثالث: نصَّ على مراعاة مسلم للقرائن غيرُ واحدٍ من العلماء:
يقول ابن القطان الفاسي (ت ٦٣٨هـ) في (بيان الوهم والإبهام)، متحدّثًا عن أن إدخال الوسائط بين الراويين يدل على عدم السماع، عند عدم تصريح أحدهما بلقائه الآخر في رواية أخرى: «ويكون هذا (يعني: الإنقطاع) أبين في اثنين لم يُعلم سماعُ أحدهما من الآخر، وإن كان الزمانُ قد جمعهما. وعلى هذا المحدِّثون، وعليه وضعوا كتبهم: كمسلم في كتاب (التمييز)، والدارقطني في (علله)، والترمذي، وما يقع للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يُحصَى كثرة: تجدُهم دائبين يقضون بانقطاع الحديث المعنعن، إذا رُوي بزيادة واحدٍ بينهما» (٣) .
_________________
(١) المستدرك (١/ ٢٩) .
(٢) المستدرك (٤/ ٥٦٧) .
(٣) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (٢/ ٤١٦) .
[ ٢٢ ]
ويقول العلائي في (جامع التحصيل)، في سياق ذكره لمذاهب العلماء في الحديث المعنعن: «والقول الرابع: أنه يُكتفى بمجرّد إمكان اللقاء، دون ثبوت أصله. فمتى كان الراوي بريئًا من تُهمة التدليس، وكان لقاؤه لمن روى عنه بالعنعنة ممكنًا من حيث السِّنّ والبلد= كان الحديثُ مُتّصلًا، وإن لم يأتِ أنهما اجتمعا قط. وهذا قول الإمام مسلم، والحاكم أبي عبد الله، والقاضي أبي بكر الباقلاني، والإمام أبي بكر الصيرفي من أصحابنا. وقد جعله مسلم (﵀) قولَ كافّةِ أهل الحديث» (١) .
فهذان عالمان يَنُصَّان على مراعاة الإمام مسلم للقرائن، فذكر الأولُ: قرينةَ إدخالِ للوسائط (٢)، وذكر الثاني: قرينةَ بُعْدِ البلدان بين الراويين.
ويزيد قول هذين الإمامين قوّةً أمران:
- أن ابن القطان معتمدٌ في نقله لمذهب الإمام مسلم على كتاب له قد فُقِد أغلبه، وهو كتاب (التمييز) . فعند ابن القطان زيادةُ علم، ليس لدينا منها إلا اليسير.
- وأن العلائي ممن ينصر رأي البخاري، ومع ذلك فقد أنصف مسلمًا عندما نقل هذا عنه.
ومع أني ما كنتُ أحسب أن أحدًا سيشكُ في أن إمامًا مثل مسلم (في نَقْدِه وجَهْبَذَتِه) كان مراعيًا للقرائن الشاهدة للسماع أو عدمه، لأن مراعاة هذه القرائن أمرٌ لا يخفى على طلبة الحديث في زماننا، فكيف
_________________
(١) جامع التحصيل (١١٧) .
(٢) وانظر موقف الإمامين لخالد الدريس (٣٥٠- ٣٥٣) .
[ ٢٣ ]
بأحدِ أئمة العصر الذهبي للسنة؟!! = لكني أقول أخيرًا: هل يتصّورُ أحدٌ أن ناقدًا من النّقاد (دون مسلمٍ في العلم، فضلًا عن مسلم) كان يكتفي بالمعاصرة مطلقًا، دون نظرٍ منه إلى القرائن أبدًا؟!! وهل يتصوّرُ أحدٌ أنه لو روى راوٍ خراساني عن آخر أندلسيٍّ، أو روى يمانيٌّ عن قوقازي حديثًا واحدًا معنعنًا، مع روايته عنه أحاديث أخرى بواسطةِ راوٍ أو راويين فأكثر، وكان الحديث الأول (الذي يرويه معنعنًا بغير واسطة) فيه نكارةٌ لا يحتملها أحدُ من رواته= أن مسلمًا سيحكم باتّصال مثل هذا الحديث؟!!!
فإن قيل: بَالَغْتَ في ذكر القرائن، فلا يقول أحدٌ باتّصال مثل هذا الحديث.
فأقول: هذا هو معنى قولكم إن مسلمًا لا ينظر إلى شيءٍ سوى المعاصرة وانتفاء التدليس، فالمبالغة منكم لا مني!
وعليه فلا بُدَّ أن تُقِرَّ بأن لمسلمٍ نظرًا ما إلى القرائن، بل قد أقررتَ!
يبقى أن يزعم زاعمٌ بغير دليل، وغير ناظرٍ إلى الأدلّة المخالفةِ لقوله: إن نَظَرَ مسلمٍ إلى القرائن ضعيفٌ، لا كنظر غيره من الأئمة.
وكفى بحكاية مثل هذا الزعم بيانًا لبطلانه.
فإن ادُّعى دليلٌ لذلك: بأن مسلمًا أخرج أسانيد في صحيحه حُكم فيها بعدم لقاء رواتها لبعضهم، فإنه يلزم على هذا الاستدلال أن يكون البخاريُّ مثلَ مسلم، لأنه أخرج أيضًا أسانيد حُكم فيها بعدم لقاء رواتها لبعضهم (١) !!
_________________
(١) انظر أمثلةً لذلك في تحفة التحصيل للعراقي (رقم ٢٧٥، ٤٢٦، ٤٥٧، ٦٨٨، ٣٥٨، ٧٧٣، ٧٩٠، ٩٥٦ مع الحاشية، ٩٨٣ مرتين، ١٠٠٢، ١٠٩٥، ١١٨٦) .
[ ٢٤ ]
على أن الصواب: هو أن الشيخين (البخاريَّ ومسلمًا) كانا مراعيين لقرائن السماع وعدمه أتمَّ مراعاة، وأمّا ما أخرجاه وحُكم عليه بعدم السماع فإنه لا يتجاوز أن يكون اختلافَ اجتهادٍ بين الأئمة غالبًا، وقد يصح أن يُعتذر في بعض الأحاديث بأنهما إنما أخرجاها متابعةً أو شاهدًا لا على وَجْهِ الأصالة والاحتجاج (١)، وقد يصحُّ أيضًا أن يكون إخراجُه بيانًا لعلّته!! فيما إذا كان سياقُ ذكرهما له يدل على هذا المعنى.
وانظر كيف قاد اعتقادُ عدمِ مراعاة مسلم للقرائن إلى ظُلمِ مسلم (عليه رحمة الله) !! وذلك في قول ابن رجب: «ويردُّ على ما ذكره مسلمٌ: أنه يلزمه أن يحكم باتّصال كل حديث رواه من ثبت له رؤيةٌ من النبي - ﷺ -، بل هؤلاء أولى، لأن هؤلاء ثبت لهم اللُّقِيّ، وهو يكتفي بمجرّد إمكان السماع. ويلزمه أيضًا الحُكْمُ باتصال حديث كل من عاصر النبي - ﷺ -، وأمكن لُقِيُّهُ له، إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثُه عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وهذا خلافُ إجماع أئمة الحديث» (٢) .
لقد ظنَّ ابنُ رجب أن مسلمًا لا يراعي قرائن عد السماع، ولذلك ألزمه بهذين الإلزامين.
فلن تجدَ في الردّ على ذلك الظنّ، ولا في دَفْعِ هذين الإلزامين، أقوى من تصريح مسلم بعدم التزامه بهما.
ففي الإلزام الأول: يقول مسلم في كتابه (الطبقات)، وفي طبقة
_________________
(١) وانظر موقف الإمامين لخالد الدريس (١٥٣- ١٥٦) .
(٢) شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٥٩٨) .
[ ٢٥ ]
التابعين: «فأوّل ما نبدأ بذكره منهم، من قيل له إنه وُلد في حاية النبي - ﷺ - وبعضُهم سمّاه النبيُّ - ﷺ - بالاسم الذي هو اسمه» (١) .
فيُعلن مسلم هنا أن هؤلاء ممن وُلد في حياة النبي - ﷺ - وسمّاه النبي - ﷺ -= أنهم من التابعين، وحديث التابعي عن النبي - ﷺ - لا يصفه أحدٌ بأنه متّصل.
وأمّا الإلزام الثاني: فإن مسلمًا أول من صنّف جزءًا في المخضرمين، والمخضرمون أعلى طبقةٍ في التابعين. ومع ذلك فقد صَرّح مسلمٌ بعدم الحكم بلقائهم للنبي - ﷺ -، عندما قال في افتتاح جزئه فيهم: «ذكر من أدرك الجاهليّة، ولم يَلْقَ النبيَّ - ﷺ -، ولكنه صحب الصحابة بعد النبي - ﷺ -» (٢) .
فانظر إلى قوله: «ولم يلق النبي - ﷺ -» وما يتضمّنه من عدم الاكتفاء المطلق بالمعاصرة.
ونخلص بذلك أن شروط مسلم لقبول الحديث المعنعن ثلاثة (كما سبق)، هي:
الأول: المعاصرة.
الثاني: أن لا يكون الراوي ممن تُرَدُّ عنعنته بالتدليس.
الثالث: عدمُ وجود دليل يقطع بانتفاء اللقاء، أو قرينةٍ تشهد لعدمه.
_________________
(١) الطبقات لمسلم (١/ ٢٢٧) .
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم (٤٤) .
[ ٢٦ ]
ملاحظة:
تعبيرُ بعضِ أهل العلم: «بأن البخاري يشترط العلم باللقاء أو السماع، وأن مسلمًا لا يشترط العلم بذلك» تعبيرٌ فيه تجوُّزٌ وتسمُّحٌ، الداعي إليه عند هؤلاء العلماء: الاختصارُ، وعدم خفاء المعنى المقصود لدى السامعين. ذلك أن الشيخين كليهما -في الحقيقة- يشترطان العلم بالسماع، لأن هذا هو مقتضى شرط الاتّصال الذي يتّفقُ الشيخان عليه. وإنما يظهر الفرق بين المذهب المنسوب إلى البخاري ومذهب مسلم في وسيلة العلم بالسماع، لا في العلم بالسماع المتّفق عليه بالاتفاق على اشتراط الاتصال. فالبخاري (في الشرط المنسوب إليه) لا يعلم بالسماع حتى يقف على نصٍّ صريح يدل عليه، ومسلمٌ لا يعلم بالسماع إلا بالشروط الثلاثة المذكورة سابقًا.
لذلك فإن الأدقّ أن يقال في التعبير عن شرط الشيخين: إن البخاري (فيما يُنسب إليه) يشترط أن يثبت لديه نصٌّ صريح دالٌّ على اللقاء أو السماع، وأمّا مسلم فلا يشترط ذلك. مع اشتراطهما جميعًا الاتصال، الذي إنما يُتَصَوَّرُ حصوله باللقاء والسماع.
وأنبِّه إلى هذا حتى لا يقع في بعض الأذهان أن مسلمًا لا يشترط العلم باللقاء والسماع، بمعنى أنه لا يشترط الاتصال!!
ومع هذا التنبيه فلا أجدُ عليَّ من غضاضةٍ إذا ما استخدمتُ العبارة المختصرةَ التي استخدمها العلماءُ من قبل، تجوُّزًا وتسمُّحًا أيضًا
ثالثًا: تحريرُ شَرْطِ أبي المُظَفَّر السمعاني (ت ٤٨٩هـ) .
ذكر أبو المظفّر السمعاني مجادلةً بين الشافعيّة والحنفيّة حول حُجِّيَّة الحديث المرسل، وأن الحنفيّة احتجّوا على الشافعيّة بقبول الشافعيّة
[ ٢٧ ]
للحديث المعنعن، مع احتمال الانقطاع والتدليس. فأجاب أبو المظفَّر السمعاني بقوله في (قواطع الأدلّة): «أمّا قولهم: إنه تُقبل الرواية بالعنعنة. قلنا: نحن لا نقبل، إلا أن نعلم أو يغلب على الظن أنه غير مرسل، وهو أن يقول: (حدثنا فلان) أو (سمعت فلانًا)، أو يقول (عن فلان) ويكون قد أطال صحبته، لأن ذلك أمارة تدلّ على أنه سمعه منه. فأمّا بغير هذا، فلا يُقبل حديثُه» (١) .
فاحتجَّ بهذه العبارة جَمْعٌ من أهل العلم على أن أبا المظفر السمعاني يشترط في الحديث المعنعن شرطًا هو فوق الشرط المنسوب إلى البخاري، ألا وهو اشتراط طول الصُّحْبة، وعدم الاكتفاء بمجرّد اللقاء، فضلًا عن المعاصرة!
إلا أن لأبي المظفّر السمعاني كلامًا أَحْكَمَ من كلامه السابق، واحد أهمّ وجوه إحكامه أنه ذكره في سياق كلامه عن حكم الحديث المعنعن وحكم التدليس، فهو واردٌ في موطنه اللائق به، والذي هو أَوْلَى المواطن بأن يُوفَّى فيه حقّه من البيان.
يقول أبو المظفّر السمعاني: «فأمّا من لم يشتهر بالتدليس ولم يُعرف به، قُبِل منه إذا قال (عن فلان)، وحُمل في ذلك على السماع، لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبًا للخِفّة، إذ هو أسهل عليهم من أن يقولوا في كل حديث: (حدثنا) . والعُرْفُ الجاري في ذلك يُقَامُ مقامَ التصريح» (٢) . ثم نقل السمعاني كلام الحاكم في قبول الحديث المعنعن
_________________
(١) قواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٤٥٦- ٤٥٧) .
(٢) قواطع الأدلة (٢/ ٣١١- ٣١٢) .
[ ٢٨ ]
مع السلامة من التدليس، بما تضمّنه كلام الحاكم من نَقْلِ الإجماع عليه (١)، دون أن يخالفه في شيءٍ، بل نقله نَقْل المحتجِّ به المعتمدِ عليه.
ففي هذا الموطن يصرّح أبو المظفّر أنه يقبل الحديث المعنعن دون قيد أو شرط، إلا من شرط أن لا يكون الراوي مدلّسًا.
فإن قيل: لكنه أيضًا لم يشترط المعاصرة؟ قلت: لكن اشتراط المعاصرة أمرٌ بَدَهيّ، إذ كيف يتحقق الاتصال مع عدم المعاصرة؟ ! ثم ما معنى اشتراط سلامة الراوي من وصمة التدليس إذا لم يَكن هناك معاصرةٌ أصلًا؟ !! وعليه: فإن اشتراط المعاصرة في مثل هذا السياق لا حاجةَ إليها، كما أن اشتراطَ أن لا يكونَ الراوي قد صَرّح بعدم اللقاء غير محتاج إليه فيه.
فإن قيل: فأيُّ القولين المعبِّرُ عن مذهب أبي المظفّر السمعاني؟
فأقول: هذا السؤال بُني على محاولة الترجيح، فإن أردنا الترجيح، فلا شك أن كلام أبي المظفر في اشتراط طول الصحبة كلامٌ مرجوحٌ، في مقابل كلامه الذي لم يشترط فيه هذا الشرط، وذلك لأسباب:
أولًا: أن كلامه الذي لم يشترط فيه طول الصحبة جاء في موطنه وسياقه المستحقِّ له، وهو موطن الحديث عن حكم الحديث المعنعن. بخلاف كلامه الذي اشترط فيه طول الصحبة، فإنه جاء في غير موطنه، على ما بيّنّاه عند ذكره. والكلام الوارد في سياقه الطبيعي وموطنه اللائق به أولى بالتحرير والتدقيق من كلامٍ ورد عَرَضًا في غير مظنّته، لذلك
_________________
(١) انظر ما يأتي (٩٥- ١٠٢) .
[ ٢٩ ]
كان كلامه الذي لم يشترط فيه طول الصحبة أولى بالتقديم وأحق بالترجيح.
ثانيًا: أن كلامه الذي لم يشترط فيه طولَ الصحبة، والذي جاء في موطنه اللائق به= كلامٌ يوافقه عليه جَمْعٌ من الأئمة (إن لم يكن جميع الأئمة)، وعلى رأسهم الإمام مسلم والحاكم (الذي أورد كلامه محتجًّا به) . بخلاف كلامه الذي اشترط فيه طول الصحبة، والذي جاء في غير سياقه الطبيعي= فإنه كلامٌ لا يوافقه عليه أحدٌ، ومذهبٌ غريب لا متابع له فيه. وأَوْلى بالإمام الذي له قولان، أحدهما موافقٌ لجَمْع من الأئمة، والآخرُ مخالفٌ لجميع مذاهب الأئمة، أن يكون أولى المذهبين وأحرى القولين أن يُنْسَبَ إليه= ما كان موافقًا، لا ما كان شاذًّا مستنكرًا.
ثالثًا: أن السمعاني لمّا قال كلامه الذي لم يشترط فيه طول الصحبة، علَّلَ قبول العنعنة بأن للعنعنة معنىً عُرْفيًّا يدل على الاتّصال. وهذا التعليل الذي صدر من السمعاني نفسه لبيان سبب قبول العنعنة، لا يكون لاشتراط طول الصحبة معه أيّ معنى، ولا يُتصَوَّر أن صاحب هذا التعليل يعود إلى اشتراط طول الصحبة، الذي هو شرطٌ يدل على أن القائل به كان غافلًا عن ذلك التعليل كل الغفلة (١) .
رابعًا: أن كلام السمعاني الذي لم يشترط فيه طول الصحبة جاء مُعَلَّلًا، ومستدلًا عليه بكلام الحاكم أحدِ أئمة الحديث، بما تضمّنه كلامه من نقل الإجماع. بخلاف كلامه الذي فيه اشتراط طول الصحبة، فإنه لم يحشد له تلك الأدلّة. والكلام المؤيَّد بالدليل، أولى من الكلام الغُفْل المهمل من الدليل والبرهان.
_________________
(١) انظر ما يأتي من أَثَرِ دلالةِ (عن) العرفيّة على الاتصال في ترجيح مذهب مسلم (١٤٨- ١٥١) .
[ ٣٠ ]
هذا كله إن أردنا الترجيح بين قولي السمعاني، لكن الأولى أن نحاول الجمع بين قوليه، فذلك خيرٌ من ضربهما ببعضهما، خاصةً وأنهما قولان صادران من إمام واحد، بل في كتاب واحد أيضًا.
والجمع يظهر من التدقيق في كلام السمعاني الذي اشترط فيه طُولَ الصحبة، والتنبُّهِ إلى أنه لم يشترط فيه انتفاءَ التدليس لقبول العنعنة أنه كان يريد أن يذكر حالةً من حالات الرواية بالعنعنة تكون محكومًا عليها بالاتّصال مطلقًا، حتى لو كان الراوي المُعَنْعِنُ مدلِّسًا. ولذلك ذكر شَرْطَ طول الصحبة، حيث إن من كان مختصًّا بشيخ ملازمًا له حُملت عنعنته عنه على الاتّصال، ولو كان من مشاهير المدلسين، كما هو مقرّر في هذا العلم (١) .
وبذلك يكون السمعاني قد بيّن سِعَةَ دائرة قبول الحديث المعنعن، ففي كلامه الذي كان يتحدّث فيه عن حُكم الحديث المعنعن بيّن أنه حديثٌ مُتّصل من عامّة الرواة، ولم يَسْتَثْنِ إلا المدلسين، فهم وحدَهم الذين لا تُحمل عنعنتهم على الاتصال. ثم عاد السمعاني في الموطن الآخر إلى بيان أن الحديث المعنعن قد يُقبل حتى من المدلِّس، وذلك فيما إذا كان المدلِّس يروي عمن أطال صحبته من شيوخه.
وقَصْدُهُ من ذلك إظهارُ ضَعْفِ حُجّة من شَبَّه الحديث المرسل بالحديث المعنعن بجامع الإرسال في الأول واحتماله في الثاني، فبيّن له بذلك أن من الأحاديث المعنعنة ما تُقبل من كل الرواة، ومنها ما
_________________
(١) انظر المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس (١/ ٣٥٠، ٤٩٢) .
[ ٣١ ]
يُقبل من غير المدلسين، لضعف احتمال الإرسال، وغلبه الظن بالاتّصال فيهما. وبذلك يظهر لمن كان يناظره السمعاني أن غالب الأحاديث المعنعنة محمولة على الاتّصال، وأن احتمال الإرسال فيها ضعيفٌ بعيد.
وغايةُ ما يقال: إن السمعاني أراد أن يذكر حالةً للحديث المعنعن يُقبل فيها من جميع الرواة ولو كانوا مدلِّسين، لذلك اشترط طول الصُّحْبة، بدليل عدم اشتراطه انتفاء التدليس لقبول العنعنة، وبدليل أن الشرط الذي ذكره هو الشرط الذي تُقْبَل معه العنعنة من المدلِّس. وكفى بهذين الدليلين بيانًا لمقصود السمعاني!!
وبذلك يتّضحُ مثالٌ جديدٌ لما اكتنفَ هذه المسألة من الإشكالات، وما أحاط بها من الفُهُوم غير الموفّقة، التي كادت تُخفي معالم الصواب فيها. إذ إن اعتقادَ بعضِ أهل العلم أن أبا المظفَّر السمعاني يشترط طول الصُّحْبة، قد ساعدَ في تثبيت الشرط المنسوب إلى البخاري، إذْ إن في شرط طول الصُّحْبة مخالفةً قويّةً لشرط مسلم من جهة، ويقدح في الإجماع الذي نقله مسلم من جهةٍ أخرى، وأخيرًا: يجعل الشرط الذي نُسِبَ إلى البخاري مذهبًا وَسَطًا بين إفراط السمعاني وتفريط مسلم (١) !! !
وهذا الموقف ذكّرني بعددٍ من الأقوال لبعض الأئمة، فُهِمت خطأً، وتضاربت الأقوال في تحديد مذهب أصحابها. سأذكر منهم هنا واحدًا، وأرجيءُ البقيّة إلى صُلْب البحث.
_________________
(١) يقول ابنُ رُشيد عقب ذكره مذهب أبي المظفر السمعاني عن المذهب المنسوب إلى البخاري: «وهو مذهبٌ متوسّط»، ويقول: «وهو أرجح المذاهب وأوسطها فلا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر واقتصد كلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأمور ذميمُ» السنن الأبين (٥٢، ٦٥) .
[ ٣٢ ]
فهذا الإمام أبوبكر الصيرفي (ت ٣٣٠هـ) شارحُ (الرسالة) للشافعي، بينما ينقل عنه ابنُ رجب الحنبلي أنه يشترط العلم بالسماع (١)، ينقل عنه غيرُه خلافَ ذلك، فنقل العلائي (٢) وابنُ رُشَيد (٣) (كلاهما) عن الصيرفي أنه على مذهب مسلم. وقد وجدتُ عبارةً طويلةً للصيرفي تؤيّد مذهب مسلم، نقلها عنه الزركشي في (البحر المحيط) (٤) .
وبذلك تعلم مقدارَ ما استولت نسبةُ ذلك الشرط إلى البخاري على أذهان بعض أهلِ العلم، حتى ربما فُهمت العبارة الواحدة أكثر من فهم، ونُسب إلى الإمام الواحد أكثر من مذهب!!
فالتجرُّدُ في دراسة هذه المسألة، وهَجْرُ المألوفات العلميّة، وتَرْكُ ما يُظَنّ أنها مُسَلَّماتٌ ثوابت دون أن يكون لها من ذلك نصيب، وعَرْضُ كُلِّ قولٍ على مُسْتَنَدِهِ ودليله، فما قام به مُسْتَنَدُه قُبِل، وما أيّده الدليلُ نُصر، وما لم.. رُدَّ وهُجِر= هذا هو السبيل الوحيد لمن كَرِهَ الخطأ، وأَنِف من مَعَرَّةِ الجهل، وأَحبَّ الصواب، ورغب في زينة العلم.
_________________
(١) شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٥٨٦) .
(٢) جامع التحصيل (١١٧) .
(٣) السنن الأبين (٧٠) .
(٤) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٣١١) .
[ ٣٣ ]