الشُّبْهَةُ الأُولى: أن العلماء الذين نسبوا شَرْطَ العلم بالسماع إلى البخاري إنما نسبوه إليه بناءً على استقراء تصرُّفاته في (الصحيح) وخارجه، فكيف تخالفُهم بغير استقراء؟!
والجواب عن ذلك:
أولًا: أثبتْ -يارعاك الله- أنهم نسبوا الذي نسبوه إلى البخاري بناءً على الاستقراء، هل زعموه هُمْ؟ أم أنتَ زعمته لهم؟!! أم أنّك تظنّ أن كل قولٍ لأهل العلم لا بُدَّ أن يكون مَبْنيًّا على استقراء؟! وأنّه لا دليل إلاّ الاستقراء؟! ثمّ ألا يمكن أن يُخطىء صاحبُ الاستقراء فيه؟ بلى، ولذلك نصُّوا على أن دلالته ظنيّة لا قطعيّة (١)، ولذلك قد نخالف الاستقراء بدليلٍ أقوى منه، كالإجماع الذي نقله مسلم والحاكم وغيرهما.
أعود فأقول: ما دليلُك أنهم قاموا باستقراءٍ أَوْصَلَهُم إلى تلك النتيجة؟ اللهمّ إلا إن كان دليلك: أنهم لا يقولون قولًا إلا بناءً على استقراء!!! فقولُهم قولًا هو دليلُ استقرائهم الذي أخذوا من نتيجته ذلك القول!!! فيلزم من ذلك الدَّوْر، وهو باطل!!
_________________
(١) حيث إن الاستقراء هنا ليس استقراءً عقليًّا قطعيًّا، وإنما هو النوع الثاني من الاستقراء، وهو الاستقراء الناقص. وانظر البحر المحيط للزركشي (٦/ ١٠- ١١) .
[ ١٦٢ ]
ثانيًا: بيّنّا آنفًا -في هذا البحث- أن (صحيح البخاري) لا ينفع أن يكون دليلًا على اشتراطه العلم بالسماع، فلا حاجةَ لإعادة ما ذكرناه (١) .
وبيّنّا أيضًا أن أقوال البخاري خارج صحيحه بنفي العلم بالسماع لا تدلّ -ولا من وجه- على اشتراط العلم به (٢) .
فأيُّ استقراءٍ -بعد هذا- قام به العلماء فأوصلهم إلى تلك النتيجة؟!
ثالثًا: صورة الاستقراء التي يظن صاحبُ هذه الشبهة أن العلماء قد قاموا بها، والتي يطالبني بالقيام بها حتّى يصحّ لي الردّ عليهم (في رَأْيِه) = هي الصورة التالية:
أن آتي إلى كل إسنادٍ في صحيح البخاري، وإلى كل راويين في كل إسنادٍ فيه، روى أحدهما عن الآخر بالعنعنة، لأبحثَ حينها في جميع روايات ذلك الراوي عمّن روى عنه، لا في صحيح البخاري وحده، ولا في الكتب الستة، ولا الستين. . بل في جميع كتب السنّة، لأنظر: هل صَرّح بالسماع أو اللقاء مَرّةً عنه بإسنادٍ مقبول سالمٍ من العلل، أم لم يُصرِّح.
وهكذا أعمل مع الراوي الثاني في روايته عن الثالث، ومع الثالث في روايته عن الرابع.
ثم أنتقل إلى جميع أسانيد البخاري على هذا المنوال، إسنادًا إسنادًا، وراويًا راويًا فيه.
_________________
(١) انظر ما سبق (٣٤- ٣٥، ٣٦- ٣٧) .
(٢) انظر ما سبق (٣٩- ٧٥) .
[ ١٦٣ ]
فالذي يزعمه ذلك الزاعم: أن العلماء قد قاموا بذلك، ووجدوا أن البخاريَّ لم يُخرج قطُّ لراويين إلا وقد ثبت عند ذلك العالم الذي قام بالاستقراء أنه قد صرّح الراوي بالسماع في بعض حديثه عمّن روى عنه، وأن ذلك لم يتخلّف -باستقرائه- في أحدٍ من الرواة.
فهذا الاستقراء. . هل قام به أحدٌ فعلًا؟!!!
ولو قام به أحدٌ، وأمكنه القيام به، هل سيسكت عن الإفصاح والافتخار بأنه قد قام بهذا الاستقراء المعجِز (أي المستحيل)؟!!!
أمّا الاستقراء الذي يُطالبني به صاحبُ هذه الشبهة، فهو نفس الاستقراء السابق. لكن يجب أن آتي له بعددٍ كبيرٍ من الرواة (١) لم أقف على تصريحٍ بسماع أحدهم من الآخر في شيءٍ من كتب السنّة!!
فوالله لو فعلتُ ذلك، فقمتُ بهذا الاستقراء، وأفنيتُ فيه عمرًا مديدًا، لجاء صاحبُ هذه الشبهة، وقال -بكل سهولة-: لعلّه قد فاتك ما يدل على سماع أولئك الرواة بعضهم من بعض، واطلاعُ البخاري أعظم من اطلاعك، ومن علم حُجّةٌ على من لم يعلم!!!
لكني أعود فأختم الردّ على هذه الشبهة بأن أقول: مَنْ قال إنّ الحجّة في الاستقراء وحده، ولا حجّة في غير الاستقراء؟! حتى تُلزمني به!!
أين ذهب الإجماع الذي توارد على نقله جمعٌ من أهل العلم؟!
_________________
(١) ولا يكفي القليل، لأنه لم يكفه القليل الذي ذكرتُه في هذا البحث. فإن سألتَهُ: لمَ لا يكفي المثالُ الواحد على نَقْض تلك الدعوى؟ قال: «واحدٌ لا يكفي»، وكأنّه قد أجاب!! ولو أعدتَ عليه السؤال أعاد الإجابةَ نَفْسَها!!! لأنه عند نفسه قد أجاب!!!
[ ١٦٤ ]
الشبهة الثانية
أين ذهبت أقوال البخاري وتصرّفاته الدالة على نقض تلك الدعوى؟!
أين ذهبت أقوال وتصرّفات بقيّة العلماء الدالة على نَقْضِها أيضًا؟!
أين ذَهَبَ وَهاءُ المذهب نفسه وعدمُ تصوُّرِ صُدُورِهِ من إمامٍ من أئمة الحديث؟!
وأخيرًا: أين ذَهَبَ عَدَمُ صحّةِ تلك الدعوى، وأنه لا دليل لها أصلًا؟!
هذه كلّها لا تدلّ!!! إلا الاستقراء الذي ليس لصاحب هذه الشُّبهة من جُهْدٍ في المطالبة به إلا جُهْد النُّطْق بحروفه الثمانية!! متغافلًا عن استقراءٍ مُثْمِر، قمتُ به خلال زيادة عن عشر سنوات، خرجتُ بعد جُهْدِهِ بهاتيك الأدلّة الصحيحة!!!
أمّا الشُّبْهَةُ الثانية والأخيرة: فتتلخّصُ في سؤال يقول: مَنْ سبقك إلى هذا القول؟!
والسائل يقصد بذلك: أنني ما دُمْتُ غير مسبوق إليه فهو قول مبتدعٌ باطل.
والجواب الأول عن هذه الشبهة: أني مسبوق من الإمام مسلم والحاكم وابن عبد البر والبيهقي والخطيب وغيرهم، ومن ابن طاهر المقدسي الذي نص على نسبة الاكتفاء بالمعاصرة إلى البخاري ومسلم كليهما.
نعم. . الذي أعتزُّ به، ولا أتنازل عن الاعتزاز به، وأحمد الله تعالى عليه: أن هذه النتيجة التي توصّلتُ إليها لم يسبقني إليها أحدٌ من زمن القاضي عياض (٥٤٤هـ) إلى حين أن توصّلتُ إليها في سنة (١٤١١هـ)، بل إلى هذه الساعة، حسب علمي.
[ ١٦٥ ]
والجواب الثاني: أنه ليس كل قول لا سلف له مردودًا، ولا كل رأي يجب أن يكون المرْءُ مسبوقًا إليه، إذ هذا هو القول الذي لا سلف له حقًّا!!
فالأقوال والآراء التي يصحّ أن تُردّ لمجرّد أنها مستحدثة، ويجب إنكارُها إذا لم يكن أصحابها مسبوقين إليها من سلف الأمّة= هي الأقوال المخالفة لثوابت الشرع من الاعتقادات والأحكام الشرعيّة، التي يلزم من مخالفة سلف الأمّة فيها تضليلُهم واعتقادُ أن الأمّة كلّها كانت جاهلةً بدين الله تعالى.
أمّا ما سوى ذلك:
- من فَهْمٍ يُؤتَاهُ رجلٌ في كتاب الله تعالى، تحتمله الآية، ولا يقتضي إبطال فَهْمِ سلف الأمّة.
- ومن استنباطٍ لفوائد من النصوص الشرعيّة لم يُسبق إليها صاحبُها.
- ومن استلالٍ جديد يصل إليه مُتَدبِّر.
- ومن تأصيلٍ وتنظير في علوم الآلات قائمٍ على منهجٍ قويمٍ من الاستقراء والدراسة.
= فهذا ونحوه هو مضمار التسابق الكبير بين قرائح الأفهام، وبه تميّزَ العلماءُ عن سائر الأنام، بل تميّز الأنام عن الأنعام!!!
وإلا فماذا يرجو ذووا الهِمَم العليّة والعقول الذكيّة والنفوس الزكيّة من تعلُّمِ العلوم، إذا كان دأبَهم اجترارُ ما قيل فقط؟!!
إن الردّ على كل قول لا سلف له بأنه لا سلف له، فوق أنه هو نفسه لا سلف له أيضًا= فهو طاعونُ العقول، وأغلال الأفكار، وصليبُ الابتكار. إذْ كان مِنَ الممكنِ أن يُوَاجَهَ عباقرةُ الأمّة وأئمّة الإسلام وصُنّاعُ
[ ١٦٦ ]
حضارته، ممّن ابتدعوا العلوم، وفجّروا المعارف، وأسّسوا وقعّدوا وبَنوا وتمّموا= بأنه لا سلف لكم في ذلك كُلّه. . وانتهى الأمر!!!
فمن سلف الشافعي في وضعه لأصول الفقه؟!
ومن سلف الخليل بن أحمد في اكتشافه لأوزان الشعر؟!
ومن سلف سيبويه في تأليفه النحو؟!
ومن سلف البخاري في تجريده الصحيح وفي جمعه التاريخ على حروف المعجم؟!
لقد قبلت الأُمّةُ منهم ذلك، وشكرت لهم فِعْلَهم هذا. . مع أنه لا سلف لهم فيه!!
لكن تأبى أمراضُ القلوب إلا أن تنضح بما فيها!!
واللهُ المستعان، عليه التكلان، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
وكتب
الشريف حاتم بن عارف العوني
تم تبييضه بمدينة الطائف
في ٢٧/٤/١٤٢١هـ
[ ١٦٧ ]