وصول الحديث والخبر إلينا له طريقان: متواتر وآحاد
معنى المتواتر والآحاد، وأقسام خبر الآحاد
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
فَأَقُولُ: الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ: طُرُقٌ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَعَ حَصْرِ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ. فَالْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ: الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِشُرُوطِهِ.
وَالثَّانِي: الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ.
وَالثَّالِثُ الْعَزِيزُ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ.
وَالرَّابِعُ: الْغَرِيبُ.
وَكُلُّهَا - سِوَى الْأَوَّلِ - آحَادٌ. وَفِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ؛ لِتَوَقُّفِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا دُونَ الْأَوَّلِ. وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى الْمُخْتَارِ.
ذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- أن وصول الحديث والخبر إلينا له طريقان، والذي ذكر -رحمه الله تعالى- لفظ الخبر، وينبغي أن يُعلم أن لفظ (الحديث) و(الخبر) و(الأثر) كلها تُطلق على الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ-؛ لذلك ألَّف المجد ابن تيمية: (منتقى الأخبار) فسمى أحاديث النبي -ﷺ- بالأخبار، وأيضًا ألَّف الطحاوي: (شرح معاني الآثار) فسمى أحاديث النبي -ﷺ- بالآثار.
فالخبر يُطلق على الحديث النبوي وعلى غيره، والأثر يُطلق على الحديث النبوي وعلى غيره، وقد ذكر النووي -رحمه الله تعالى- أن طريقة المحدثين أن الخبر يُطلق على الحديث، وأن بعض الخراسيين فرَّق بين الأثر والحديث، وقال: الأثر ما يُطلق على غير النبي -ﷺ-، أما الحديث فهو ما يُطلق على النبي -ﷺ-، والصواب أن يُقال: إن الخبر والأثر والحديث كلها تُطلق على أحاديث النبي -ﷺ- وأقواله وأفعاله وتقريراته.
فإذن وصول الخبر إلينا له حالان:
• الحال الأولى: أن يبلغ مبلغ التواتر.
• الحال الثانية: ألا يبلغ مبلغ التواتر وهو الآحاد.
[ ١٢ ]
فإذن كل ما ليس متواترًا فهو آحاد، والآحاد أقسامٌ ثلاثة:
١ - غريب.
٢ - عزيز.
٣ - مشهور.
وأبدأ ببيان معنى المتواتر؛ لأن ما ليس متواترًا فإنه آحاد، فالمتواتر عند علماء المصطلح كما بيَّنه الحافظ في شرحه على هذا المتن وهو نزهة النظر: ما رواه جمعٌ عن جمعٍ تُحيل العادة توافقهم وتواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى منتهاه، ويكون مستندهم الحس.
فإذن يُشترط في التواتر ما يلي:
• الأمر الأول: أن يكون الرواة جماعةً.
• الأمر الثاني: أن تُحيل العادة توافقهم وتواطؤهم على الكذب.
• الأمر الثالث: أن يكون من أول السند إلى منتهاه.
• الأمر الرابع: أن يكون مستندهم الحس، بأن يقول: سمعت، أو رأيت، ونحو ذلك.
والفرق بين التواطؤ والتوافق: أن التواطؤ ما كان بتعمُّد، أي لو حاول هؤلاء الجماعة أن يتفقوا على الكذب لما استطاعوا، أما التوافق: أي أن يتفقوا على الكذب بلا تواطؤ. وقد ذكر هذا المناوي في تعليقاته على (نخبة الفكر).
فكل حديث جمع هذه الشروط فهو حديث متواتر، وما لم يجمع هذه الشروط فإنه آحاد، والآحاد أقسم ثلاثة:
القسم الأول: الغريب.
وهو أن يكون في أحد طبقات الإسناد راوٍ واحد، فلو قدر أن حديثًا يرويه خمسة عن خمسة عن واحد عن خمسة، فهو غريب.
القسم الثاني: العزيز.
وهو أن يكون في أقل طبقات الإسناد راويان، فلو روى خمسة عن خمسة عن اثنين عن خمسة فهو حديث عزيز.
[ ١٣ ]
القسم الثالث: المشهور.
وهو ما كان الرواة جماعة أكثر من اثنين ثلاثة فأكثر، لكن لم تنطبق عليهم شروط المتواتر، فكل جماعة عن جماعة إلخ ولم ينطبق عليهم شروط التواتر فهو مشهور.
وينبغي أن تُعلم قاعدة مهمة في علم المصطلح وهو: أن القلِّة تغلب الكثرة. فإذا أردت أن تحكم على الحديث هل هو متواتر أو آحاد، وهل هو غريب أو عزيز أو مشهور فانظر إلى أقل طبقة من رواة الإسناد، فالعبرة بالأقل.
فلو روى ألف عن ألف عن ألف عن واحد عن ألف، فيُقال: إنه غريب، لأن النظر إلى الأقل، وكذلك لو روى ألف عن ألف عن ألف عن اثنين عن ألف، فالحديث عزيز، لأنه يُنظر إلى الأقل، وكذلك لو روى ألف عن ألف عن اثنين عن واحد عن ثلاثة فهو غريب، فالنظر إلى الأقل. كما بيَّن ذلك الحافظ في (النزهة).
قوله: (فَأَقُولُ: الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ: طُرُقٌ بِلَا عَدَدٍ مُعَيَّنٍ) قوله بلا عدد معين: هذا المتواتر، وهذا هو القسم الأول، والقسم الثاني قوله: (أَوْ مَعَ حَصْرِ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِوَاحِدٍ) هذا الآحاد، وأشار إلى أن الآحاد أنواع ثلاثة، فقوله: (أَوْ مَعَ حَصْرِ بِمَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ) هذا المشهور، وقوله: (أَوْ بِهِمَا) أي برواية اثنين، وهذا هو العزيز، وقوله: (أَوْ بِوَاحِدٍ) وهذا هو الغريب.
قوله: (فَالْأَوَّلُ: الْمُتَوَاتِرُ: الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِشُرُوطِهِ) جعل المتواتر مفيدًا للعلم اليقيني بشروطه، وتقدم ذكر شروط التواتر.
وينبغي أن يُعلم أن العلم نوعان:
• النوع الأول: علم ضروري ويقيني، وهو الذي لا يحتاج إلى نظر ولا استدلال ولا بحث.
• النوع الثاني: علم نظري، وهو الذي يحتاج إلى نظر واستدلال.
فقد جعل الحافظ ابن حجر المتواتر مفيدًا العلم الضروري اليقيني، أي بلا نظر واستدلال، وفي هذا نظر -والله أعلم-؛ وذلك أنه قد يروي الحديث الواحد كثيرون ويكون مرجع الكثرة إلى رجل كذاب، أو سُراق يسرق الأحاديث فيكثر الطرق كذبًا، فلذلك لابد من نظر واستدلال، وقد نبَّه على هذا العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في تعليقاته على
[ ١٤ ]
لفظ (الغريب) له معنى مختلف عند العلماء الأوائل
(نخبة الفكر)، وصدق -رحمه الله تعالى-، وقد أشار لهذا المعلمي في تعليقاته على كتاب (الفوائد المجموعة) للشوكاني -رحمه الله تعالى-.
قوله: (وَالثَّانِي: الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ) أي الذي يرويه جماعة ولم يبلغ حد التواتر، قوله: (وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيٍ) أي أن من العلماء من يُسمي المشهور مستفيضًا ومنهم من يُغاير بين المشهور والمستفيض، وبيَّن ابن حجر أن البحث في المستفيض ليس من مباحث هذا الفن، كما بيَّنه في شرحه على (نخبة الفكر)، فمنهم من يقول إن الكثرة لابد أن تكون في أول السند ومنتهاه، أي أن تكون الكثرة في السند كله ابتداء وانتهاء وفيما بينهما، فمثل هذا يُسمى مستفيضًا وما عداه فيسمى مشهورًا، وذكر أقوالًا أخر ثم قال: وهذا ليس من مباحث هذا الفن. وصدق -رحمه الله تعالى-.
قوله: (وَالثَّالِثُ الْعَزِيزُ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلصَّحِيحِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ) العزيز أن يرويه اثنان كما تقدم، ومثل هذا ليس شرطًا للحديث الصحيح، وقال: (خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ) والذي زعم ذلك المعتزلة، كالجبائي وغيره، وهؤلاء لا ينبغي أن يُذكر خلافهم فخلافهم غير معتبر ولا يُحتج به في الدين كله، فكيف بعلم الحديث؟
وقد نُسب هذا إلى أبي عبد الله الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث)، وفي هذه النسبة نظر، فقد صحح أحاديث كثيرة برواية راوٍ واحد، وإنما أراد الحاكم -رحمه الله تعالى- أنه لا تثبت صحبة الصحابي إلا بأن يروي عنه اثنان، على تفصيل عنده، والمهم أنه لا يشترط لصحة الحديث أن يرويه اثنان، لا أبو عبد الله الحاكم ولا غيره من أهل السنة ولا أئمة هذا الشأن من أهل الحديث.
قوله: (وَالرَّابِعُ: الْغَرِيبُ) وقد تقدم أن الغريب ما رواه راوٍ واحد، فإنه يُسمى غريبًا، وأؤكد أن القلة في هذا الفن تغلب الكثرة، فيُنظر إلى أقل الطبقات روايةً، وبناءً عليه يُوصف الحديث هل هو متواتر أو آحاد، ثم يُنظر إلى أي أقسام الآحاد أهو الغريب أو العزيز أو المشهور؟.
ثم ينبغي أن يُعلم أن لفظ (الغريب) له معنى عند العلماء الأوائل يختلف عن معناه عند المتأخرين، وذلك أنهم إذا قالوا: "حديث غريب" أي: يريدون به أنه حديث ضعيف. ومن ذلك صنيع الترمذي -رحمه الله تعالى-، فيقول: هذا حديث غريب. أي: ضعيف.
[ ١٥ ]
غلبة الظن حجة، ومنه خبر الآحاد
خبر الآحاد إذا اختفت به القرائن يفيد العلم
قال الإمام أحمد: إذا رأيت أهل الحديث يقولون: فائدة أو غريب، فاتركه. فبيَّن بهذا أنه حديث ضعيف، فالعلماء إذا قالوا: فوائد أبي تمام، فوائد كذا، أي أحاديثه الضعاف، وهذا اصطلاح درج عليه العلماء الأوائل -﵏ رحمة واسعة-.
قوله: (وَكُلُّهَا - سِوَى الْأَوَّلِ - آحَادٌ. وَفِيهَا الْمَقْبُولُ وَالْمَرْدُودُ؛ لِتَوَقُّفِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا دُونَ الْأَوَّلِ) بيَّن -رحمه الله تعالى- أن الآحاد بأقسامه الثلاثة يحتاج إلى بحث واستدلال ونظر حتى يتبيَّن أهو صحيح أو ضعيف؟، وقوله: (- سِوَى الْأَوَّلِ -) الذي هو المتواتر، وقد تقدم أن في هذا نظرًا، وأن المتواتر يحتاج إلى بحث واستدلال.
ثم بيَّن أن الآحاد فيه المقبول والمردود بخلاف المتواتر، والصواب أن في جميع الأحاديث سواء كان متواترًا أو آحادًا المقبول والمردود كما تقدم بيانه.
قوله: (وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى الْمُخْتَارِ) هذا مبحث في أحاديث الآحاد وإفادتها لغلبة الظن أو العلم،
وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن أحاديث الآحاد تفيد غلبة الظن، وممن اختار هذا ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة) وكما في (مجموع الفتاوى)، لكن بيَّن ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بحث مفيد في (مقدمة أصول التفسير) وفي (رد الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية) أن حديث الآحاد إذا احتفت به القرائن فإنه يفيد العلم، وعزا هذا إلى علماء المذاهب الأربعة، بل قال أبو إسحاق الإسفراييني: الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم يفيد العلم بالإجماع. فهذه قرينة إلى أنه يفيد العلم، مع أن أبا إسحاق الإسفراييني من المتكلمين ومع ذلك ذكر أن الحديث إذا اتفق عليه البخاري ومسلم يُفيد العلم إجماعًا.
لذلك خبر الآحاد إذا احتفَّت به القرائن فإنه ينتقل من غلبة الظن إلى العلم، ومن القرائن: أن تعمل الأمة به، أو أن يرويه البخاري ومسلم، أو أن تتلقاه الأمة بالقبول، إلى غير ذلك من القرائن الكثيرة.
وقد ذهب بعض العلماء كابن القيم كما في (مختصر الصواعق) أن خبر الآحاد يُفيد العلم بمجرد صحته دون أن تحتف به القرائن، ونسب هذا إلى مالك وأحمد والشافعي وجماعة، ثم قال ابن القيم: وهذا العلم يتفاوت في قوته. فكأن خلاف ابن القيم مع من يقول إنه يفيد
[ ١٦ ]
معنى التواتر عند العلماء الأولين
غلبة الظن خلاف قريب من اللفظي، لأنه اعترف أن هذا الذي يفيد العلم أيضًا يتفاوت في العلم الذي يُفيده، فالأمر فيه سهل، لكن ينبغي أن يُعلم ما يلي:
• الأمر الأول: أن خبر الآحاد حجة في الفقه والعمل، وقد دلت على ذلك أدلة كثيرة، وقد ذكرها الشافعي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الرسالة)، وبسطها الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه)، ثم حكى الإجماع على أن خبر الآحاد حجة في العمل به جماعة من أهل العلم منهم ابن القاص، نقله عنه الخطيب البغدادي في كتابه (الفقيه والمتفقه) وأقره الخطيب، ومنهم ابن عبد البر في أوائل كتابه (التمهيد)، ومنهم ابن تيمية في (دفع الاعتراضات المصرية)، ومنهم ابن القيم كما في (مختصر الصواعق).
• الأمر الثاني: خبر الآحاد حجة في العقائد بالإجماع، وذلك للأدلة الكثيرة على قبول خبر الآحاد في العقائد، ومنها ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- بعث معاذًا إلى اليمن وقال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا لله» الحديث، فقد أقام الحجة بمعاذ -﵁- ومن معه، وهؤلاء لم يبلغوا حد التواتر على ضابط التواتر عند المتكلمين.
أما الإجماع على أن خبر الآحاد حجة في باب العقائد فقد حكاه جماعة منهم ابن عبد البر في أوائل كتابه (التمهيد) وابن تيمية في (دفع الاعتراضات المصرية).
بعد هذا: إن ذكر التواتر في علم الحديث أمرٌ قد ذكره العلماء الماضون، وممن ذكر ذلك الإمام البخاري، فقد قال في حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»: حديث متواتر.
لكن للتواتر معنًى عند أئمة وفرسان هذا الفن يختلف عن معناه عند علماء المصطلح، فما تقدم ذكره من شروط التواتر هو قول المتكلمين لا الفقهاء ولا أئمة السلف الأولين، وأول من ذكره في كتب مصطلح الحديث الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-، وإلا أصله مأخوذ من المتكلمين.
لذا ليس لهذه الشروط ذكر في كلام العلماء الماضين، لا تصريحًا ولا تلميحًا، بل لهم كلام يدل على خلاف ذلك، فإن للشافعي كلامًا يدل على نقد بعض شروط التواتر، ومثله الدارمي في رده على بشر المريسي.
[ ١٧ ]
والتواتر بهذه الشروط لا وجود له في الأحاديث النبوية، وقد صرَّح بهذا ابن حبان في مقدمة صحيحه، وقال: السنة كلها آحاد. وصدق -رحمه الله تعالى-، فإنه على هذه الشروط لا يوجد له مثال، وذكر مثل هذا الحازمي -رحمه الله تعالى-، وابن النجار وهو من المتكلمين الأصوليين في شرح (الكوكب)، ثم ابن الصلاح في العبارة التي نقلها الحافظ في (النزهة) قال: إلا أن يُدَّعى في حديث: «من كذب عليَّ متعمدًا»، أيضًا أن يُدعى، أي لا يُجزم به.
فإذن التواتر بهذا المعنى لا وجود له في الحديث النبوي، وقد تقدم أن علم مصطلح الحديث يدرس اصطلاحات أهل العلم، وهو علم وسيلة لا غاية لمعرفة الأحاديث النبوية صحة وضعفًا، فإذن القول بالتواتر بهذه المعنى لا وجود له.
• تنبيه: قد عبر العلماء الماضون بالتواتر، لكن معنى المتواتر عندهم: أي المتكاثر، فإن عباراتهم كما سبق أقرب إلى المعنى اللغوي، والتواتر يختلف، فقد يروي حديثًا ثلاثة ويكون متواترًا، وقد يرويه عشرة ولا يكون متواترًا، قال ابن تيمية: وذلك باختلاف حال الرواة. ثم شبَّه هذا ابن تيمية بالطعام، قال: من الطعام ما إن أكلت منه قليلًا شبعت كاللحم، ومن الطعام ما إن أكلت منه كثيرًا لم تشبع. ونسب هذا إلى أهل الحديث.
وصدق -رحمه الله تعالى- فقد يروي حديثًا ثلاثة من الرواة فيكون متواترًا، وقد يرويه خمسة فيكون متواترًا، وقد يرويه عشرة فلا يكون متواترًا، وذلك بالنظر إلى حال الرواة، فإذن التواتر موجود في كلامهم لكن على خلاف هذه الشروط التي أحدثها المتكلمون والتي لا وجود لها في الحديث النبوي عن رسول الله -ﷺ-.
[ ١٨ ]
أقسام الغرابة
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: