قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ، أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ، أَوْ غَفْلَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ وَهْمِهِ، أَوْ مُخَالَفَتِهِ، أَوْ جَهَالَتِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ.
فَالْأَوَّلُ: الْمَوْضُوعُ، وَالثَّانِي: الْمَتْرُوكُ، وَالثَّالِثُ: الْمُنْكَرُ عَلَى رَأْيٍ، وَكَذَا الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ.
ثُمَّ الْوَهْمُ: إِنِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ، وَجَمْعِ الطُّرُقِ: فَالْمُعَلَّلُ.
ثُمَّ الْمُخَالَفَةُ: إِنْ كَانَتْ بِتَغْيِيرِ السِّيَاقِ: فَمُدْرَجُ الْإِسْنَادِ، أَوْ بِدَمْجِ مَوْقُوفٍ بِمَرْفُوعٍ: فَمُدْرَجُ الْمَتْنِ، أَوْ بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ: فَالْمَقْلُوبُ، أَوْ بِزِيَادَةِ رَاوٍ: فَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، أَوْ بِإِبْدَالِهِ وَلَا مُرَجِّحَ: فَالْمُضْطَّرِبُ.
وَقَدْ يَقَعُ الْإِبْدَالُ عَمْدًا امْتِحَانًا، أَوْ بِتَغْيِيرٍ مَعَ بَقَاءِ السِّيَاقِ: فَالْمُصَحَّفُ وَالْمُحَرَّفُ.
وَلَا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْيِيرِ الْمَتْنِ بِالنَّقْصِ وَالْمُرَادِفِ إِلَّا لِعَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ الْمَعَانِي.
فَإِنْ خَفِيَ الْمَعْنَى احْتِيجَ إِلَى شَرْحِ الْغَرِيبِ، وَبَيَانِ الْمُشْكِلِ.
ثُمَّ الْجَهَالَةُ: وَسَبَبُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ تَكْثُرُ نُعُوتُهُ فَيُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا اشْتُهِرَ بِهِ لِغَرَضٍ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الْمُوَضِّحَ.
وَقَدْ يَكُونُ مُقِلًّا فَلَا يَكْثُرُ الأَخْذُ عَنْهُ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الوُحْدَانَ، أَوْ لَا يُسَمَّى اخْتِصارًا، وَفِيهِ المُبْهَمَاتُ، وَلَا يُقْبَلُ المُبْهَمُ وَلَوْ أُبْهِمَ بِلَفْظِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَّحِ.
فَإِنْ سُمِّيَ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ عَنْهُ: فمَجْهُولُ الْعَيْنِ، أَوِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُوَثَّقْ: فَمَجْهُولُ الحَالِ، وَهُوَ الْمَسْتُورُ.
ثُمَّ الْبِدْعَةُ: إِمَّا بِمُكَفِّرٍ، أَوْ بِمُفَسِّقٍ.
فَالْأَوَّلُ: لَا يَقْبَلُ صَاحِبَهَا الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً فِي الْأَصَّحِ، إلَّا أنْ يَرْوِيَ مَا يُقوِّي بِدْعَتَهُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْجَوْزَجَانِيُّ شَيْخُ النَّسَائِيِّ.
[ ٥٠ ]
الأمور التي يطعن بها في الراوي
ثُمَّ سُوءُ الْحِفْظِ: إِنْ كَانَ لَازِمًا فَهُوَ الشَّاذُّ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ طَارِئًا فَالْمُخْتَلِطُ، وَمَتَى تُوبِعَ سَيْئُّ الْحِفْظِ بِمُعْتَبَرٍ، وَكَذَا الْمَسْتُورُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُدلَّسُ: صَارَ حَدِيثُهُمْ حَسَنًا لَا لِذَاتِهِ، بَلْ بِالْمَجْمُوعِ.
قوله: (ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي) هذا واضح، أي أن الراوي يكذب عن رسول الله -ﷺ- وإذا كان الراوي يكذب على النبي -ﷺ- فإنه لا يصح حديثه بل يكون موضوعًا كما سيأتي بيانه.
قوله: (أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ) وتُعرف بأمرين: أن ينفرد برواية حديث يُخالف قواعد الإسلام، أو أن يكون معروفًا بالكذب في حديث الناس، فإذا كان معروفًا بكذبه في حديث الناس فلا يُقبل حديث.
قوله: (أَوْ فُحْشِ غَلَطِهِ) أي المراد كثرة غلطه، وقوله: (أَوْ غَفْلَتِهِ) أي أن يكون ذا غفلة لا يُتقن إذا روى الأحاديث، وقوله: (أَوْ فِسْقِهِ) أي أن يكون فاسقًا، والفاسق عند أهل السنة هو صاحب الكبيرة الذي لم يتب منها، كما بيَّنه السفاريني في منظومته، ويدل عليه كلام غيره، وبعضهم قال: من غلبت عليه المعاصي، وهذا فيه نظر، وإنما من فعل كبيرة واحدة ولم يتب منها فهو فاسق عند أهل السنة، وقد تقدم أن الفسق ليس سببًا لرد الحديث كما تقدم بيانه.
قوله: (أَوْ وَهْمِهِ) أي أنه يروي الأحاديث وهو شاكٌ في صحتها على سبيل التوهم، وقوله: (أَوْ مُخَالَفَتِهِ) تقدم البحث في المخالفة، وقوله: (أَوْ جَهَالَتِهِ) سيأتي البحث في الجهالة، والأصل في الجهالة أنه مردود، لأنه لا يُقبل في حديث النبي -ﷺ- إلا الثقة وهو مبني على الاحتياط.
قوله: (أَوْ بِدْعَتِهِ) سيأتي الكلام على أن البدعة ليست سببًا لرد الحديث.
قوله: (أَوْ سُوءِ حِفْظِهِ) أي تساوى وهمه مع ضبطه، أو غلب وهمه.
هذا ملخص ما بيَّنه الحافظ في شرحه على النخبة في كتابه (النزهة).
ثم بعد ذلك سيذكر حكم كل حديث، وهذا الذي سيُقرره فيه نظر، لأنه جعل الموضوع هو حديث الكذاب، وهذا على الإطلاق فيه نظر، لاشك أن حديث الكذاب موضوع، لكن قد
[ ٥١ ]
يوصف أيضًا بالوضع ما ليس كذلك، فمما حققه ابن تيمية لما قيل: هل في مسند أحمد أحاديث موضوعة أم لا؟ قال: إن أريد برواية كذاب بقصد فلا، وإن أريد أن هناك من أخطأ فأصبح الحديث موضوعًا فنعم، أي أصبح موضوعًا بلا قصد.
فلذلك الحافظ ذكر هذه الأسباب العشرة ثم ذكر أحكامها، وهذا التقنين والتقسيم فيه نظر، وإنما يختلف العلماء في الحكم بالنظر في المتن وحال الراوي كما تقدم بيانه.
[ ٥٢ ]