هذا فن جليل، إنما ينهض بتحقيقه الحذاق من الحفاظ، والدارقطني منهم، وله فيه تصنيف (٢) مفيد.
ويكون في الإِسناد (٣) والمتن. فالأول كثير. ومنه حديث شعبة عن
_________________
(١) قال الحافظ ابن حجر: إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حرفين مع بقاء صورة الخط في السياق، فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط، فالمصحف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمحرف. قال السخاوي: وفي بعض ما أدرج في هذا الباب من الأمثلة تجوز نظرًا إلى تعريف المصحف. وقال: ويعلم أن اشتقاقه من الصحيفة، لأن من ينقل كذلك ويغير، يقال: قد صحف، أي قد روى عن الصحف فهو مصحف ومصدره التصحيف. انتهى. وقد تكلم شيخنا الأستاذ الدكتور محمود ميرة عن التصحيف والتحريف كلامًا، حافلًا جيدًا، فراجعه إن شئت. انظر: نزهة النظر، ص ٤٧؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٨، ٧٣؛ ومقدمة التحقيق لكتاب تصحيفات المحدثين، ص ٣٩ - ٤٢.
(٢) توجد منه نسخة مصورة في المكتبة المركزية بالجامعة الإِسلامية فيها نقص وعكوسها غير واضحة. ومنها نسخة ناقصة أيضًا بخط واضح من عارف حكمت مصورة بالجامعة. وقد صنف في هذا الباب أبو أحمد العسكري أيضًا كتابًا حافلًا، طبع قريبًا في ثلاث مجلدات بتحقيق استاذنا الدكتور محمود ميرة المشرف على هذه الرسالة.
(٣) قال الحافظ ابن حجر: وأكثر ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء التي في الأسانيد، انتهى. انظر: النزهة، ص ٤٧.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
العوام (١) ابن مراجم بالراء والجيم، صحفه (٢) يحيى بن معين، فقال: مزاحم (٣) بالزاء والحاء. وأما الثاني: فكثير أيضًا. منه حديث زيد بن ثابت، أن النبي ﷺ احتجر في المسجد (٤). هكذا صوابه. ومعناه اتخذ حجرة من حصير يصلي فيها. صحفه (٥) ابن لهيعة (٦)، فقال: احتجم. بالميم.
_________________
(١) هو العوّام بن مراجم القيسي روى عن خالد بن سيحان بالحاء غير المعجمة روى عنه شعبة، قال يحيى بن معين: عوام بن مراجم، ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: صالح. انظر: الجرح والتعديل ٧/ ٢٢؛ وتصحيفات المحدثين ٣/ ١١٢٩.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٢؛ والتقريب ٢/ ١٩٣؛ والمقنع ٢/ ٣٢٧.
(٣) ضبطه عبد الغني في المؤتلف: مراجم بالراء والجيم. والذي في تاريخ يحيى بن معين: العوام بن مراجم. قال يحيى: والعوام بن مراجم لم أسمع أحدًا يحدث عنه إلا شعبة، ثم ساق حديثًا بسنده فيه العوام بن مراجم. نعم في تاريخ البخاري: قال بعضهم: مزاحم. قال البخاري: ولا يصح. انظر: المؤتلف لعبد الغني، ص ١٢٠؛ وتاريخ يحيى بن معين ٢/ ٤٦٠؛ والتاريخ الكبير ٧/ ٦٦ - ٦٧.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب ١٠/ ٥١٧، (ح رقم ٦١١٣). ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في البيت ٦/ ٦٩، مع النووي كلاهما عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت ﵁.
(٥) ذكر الإِمام أحمد رواية ابن لهيعة مصحفًا، وفيه: أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد. قال إسحاق بن عيسى الراوي عنه: يا ابن لهيعة! في مسجد بيته، قال: لا في مسجد الرسول ﷺ. وذكرها الإِمام مسلم وقال: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإِسناد جميعًا، وابن لهيعة المصحف في متنه المغفل في إسناده، وإنما الحديث: أن النبي ﷺ احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيها. وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله. انظر: مسند الإِمام أحمد ٥/ ١٨٥؛ والتمييز، ص ١٣٩ - ١٤٠؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٣؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٢؛ والتدريب ٢/ ٧٢.
(٦) هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ومنه حديث جابر، فقال: رمى أبى يوم الأحزاب (١) على (٢) أكحله (٣). هكذا صوابه، أبى بضم الهمزة وفتح الباء. وهو أبى بن كعب. فصحفه (٤) غندر (٥)، فقال: أبى (٦) بفتح الهمزة. وكسر الباء. وصحف أبو بكر (٧) الصولي حديث: من صام رمضان وأتبعه ستًا من
_________________
(١) أي يوم الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب، ذلك أن كفار قريش والأعراب واليهود تحزبوا واتفقوا على غزو المدينة سنة خمس للهجرة. وقيل: سنة أربع. انظر: معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، ص ١١٣.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب لكل داء دواء ١٤/ ١٩٣ مع النووي باللفظ المذكور عن جابر وأخرجه ابن ماجه في كتاب الطب باب من اكتوى ٢/ ١١٥٦ (ح رقم ٣٤٩٣)، والإِمام أحمد في المسند ٣/ ٣٧١، كلاهما عن جابر بلفظ: مرض أبى بن كعب مرضًا. فأرسل إليه النبي ﷺ طبيبًا، فكواه على أكحله.
(٣) الأكحل: قال الجوهري: هو عرق في اليد يفصد. ولا يقال: عرق الأكحل. انظر: الصحاح ٥/ ١٨٠٩؛ والنهاية ٤/ ١٥٤.
(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٣؛ بلاغًا عن الدارقطني والمقنع ٢/ ٣٢٩؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٩.
(٥) غندر: بضم فسكون ففتح وقد تضم، هو محمد بن جعفر المدني، البصري المعروف بغندر، ثقة صحيح الكتاب، إلا أن فيه غفلة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومائة. انظر: التقريب ٢/ ١٥١؛ والخلاصة، ص ٣٣٠؛ والمغنى، ص ٥٩.
(٦) مع أن أبا جابر كان استشهد قبل ذلك في أحد. فتح المغيث ٣/ ٦٩.
(٧) هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول، أبو بكر المعروف بالصولي، كان أحد العلماء بفنون الآداب، حسن المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء، وحسن الاعتقاد جميل الطريقة مقبول القول توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة. انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٤٢٧؛ ومعجم الأدباء ١٩/ ١٠٩.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
شوال (١). فقال: شيئًا (٢). بالشين المعجمة. ونظايره كثيرة (٣) وهذا كله تصحيف لفظ وبصر (٤).
ويكون أيضًا تصحيف سمع (٥)، كحديث يروى عن عاصم الأحول. رواه بعضهم، فقال: واصل (٦) الأحدب. قال الدارقطني (٧): هذا من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر. لأنه لا يشتبه في الكتابة، لكن (أ) قد يخطئ فيه السمع (٧). ويكون التصحيف في المعنى كما حكى الدارقطني عن أبي موسى (٨) محمد بن المثنى العنزي، أنه قال يومًا: نحن
_________________
(١) (أ) في (هـ): لكنه.
(٢) أخرجه مسلم في الصيام، باب استحباب صيام ستة أيام من شوال ٨/ ٥٦ مع النووي. وأبو داود في الصيام، باب صوم ستة أيام من شوال ٢/ ٨١٢، (ح رقم ٢٤٣٣). والترمذي في الصوم باب صيام ستة أيام من شوال ٣/ ١٢٣، (ح رقم ٧٥٩). وابن ماجه في الصيام، باب صيام ستة أيام من شوال ١/ ٥٤٦ (ح رقم ١٧١٦). والإِمام أحمد في المسند ٥/ ٤١٧؛ والخطيب في الجامع ١/ ٢٩٦. كل هؤلاء الناس من طريق عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري ﵁.
(٣) انظر: الجامع ١/ ٢٩٦؛ مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٥؛ والتقريب ٢/ ١٩٤؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٦؛ والمقنع ٢/ ٣٣٢؛ وفتح المغيث ٣/ ٦٨.
(٤) انظر: الجامع ١/ ٢٩١ - ٢٩٧؛ وتصحيفات المحدثين المجلد الأول.
(٥) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٦؛ والمقنع ٢/ ٣٣٣؛ وفتح المغيث ٣/ ٧١. قال: وهو الأكثر.
(٦) قال السخاوي: وهذا يقع قليلًا. فتح المغيث ٣/ ٧١.
(٧) هو واصل بن حيان الأحدب، الأسدي الكوفي، بياع السابري بمهملة وموحدة، ثقة ثبت، مات سنة عشرين ومائة، التقريب ٢/ ٣٣٨؛ والخلاصة، ص ٤١٤.
(٨) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٦؛ والتبصرة والتذكرة ٢/ ٢٩٩.
(٩) هو محمد بن المثنى بن عبيد، العنزي، بفتح النون والزاي، أبو موسى البصري المعروف بالزمن، مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، وكان هو وبندار فرسي رهان =
[ ٢ / ٥٦٩ ]
قوم لنا شرف. نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله ﷺ (١)، يريد ما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى (٢) إلى عنزة (٣). وهي حربة نصبت بين يديه. فتوهم أنه ﷺ صلى إلى قبيلتهم (٤) بني عنزة (٥). وهذا تصحيف عجيب (٦). والله (٧) أعلم.
_________________
(١) = وماتا في سنة واحدة سنة اثنتين وخمسين ومائتين. انظر: التقريب ٢/ ٢٠٤؛ والخلاصة، ص ٣٥٧؛ واللباب ٢/ ٣٦١.
(٢) رواه الخطيب بسنده عن الدارقطني وكذلك روى ابن الصلاح عنه بلاغًا. انظر: الجامع ١/ ٢٩٥؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٤.
(٣) أخرجه البخاري في الصلوة باب الصلوة في الثوب الأحمر ١/ ٤٨٥ (ح رقم ٣٧٦) وفي باب الصلاة إلى العنزة ١/ ٥٧٥ (ح رقم ٤٩٩). وأخرجه الإِمام مسلم في الصلوة، باب سترة المصلي ٤/ ٢٢٠ مع النووي. وأخرجه أبو داود في الصلوة، باب ما يستر المصلى ١/ ٤٤٢ (ح رقم ٦٨٥). وأخرجه الإِمام أحمد في المسند ٤/ ٣٠٨ كل هؤلاء الناس عن أبي جحيفة عن أبيه ﵄.
(٤) العنزة بالتحريك: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا، وفيهما سنان مثل سنان الرمح. انظر: الصحاح ٣/ ٨٨٧؛ والنهاية ٣/ ٣٨ مادة: عنز.
(٥) انظر: الجامع ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٢٥٤ كلاهما عن الدارقطني.
(٦) وهو عنزة بن أسد بن ربيعة أو ابن عمرو بن عوف أبو حي. انظر: القاموس ٢/ ١٨٤؛ والصحاح ٣/ ٨٨٧؛ وجمهرة أنساب العرب، ص ٢٩٤.
(٧) انظر: أعجب منه في معرفة علوم الحديث، ص ١٤٨؛ وفتح المغيث ٣/ ٧٣، وأعجب من كل هذه ما رواه الخطيب من طريق الدارقطني عن بعض المغفلين، قال: عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله عن رجل، فقيل له: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله ﷿؟ فإذا هو قد صحفه، وإذا هو: ﷿. الجامع ١/ ٢٩٤؛ وتصحيفات المحدثين ١/ ١٤.
(٨) وثبت مما تقدم أن التصحيف ينقسم إلى ستة أقسام:
(٩) تصحيف في المتن. =
[ ٢ / ٥٧٠ ]