هذا من أجل الأنواع أو أجلها، فإنه طريق معرفة الحديث الصحيح والضعيف (١). وفيه تصانيف كثيرة، منها مختص بالضعفاء، ككتاب (٢) البخاري والنسائي (٢) والعقيلي (٣) والدارقطني (٤) وغيرهم (٥).
_________________
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٤٩؛ والتقريب ٢/ ٣٦٨؛ والتبصرة والتذكرة ٣/ ٢٦٠؛ والمقنع ٢/ ٥٥٥.
(٢) سمى البخاري كتابه "كتاب الضعفاء الصغير" والنسائي "كتاب الضعفاء والمتروكين" وهما مطبوعان معًا في مجلد بتحقيق محمود إبراهيم زايد، من دار الوعي بحلب.
(٣) هو الإِمام الحافظ الناقد، أبو جعفر، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، الحجازي، مصنف كتاب الضعفاء، كان ثقة عالمًا بالحديث مقدمًا في الحفظ، جليل القدر عظيم الحظر، توفي سنة إثنتين وعشرين وثلاثمائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣٦؛ وشذرات الذهب ٢/ ٢٩٥. قلت: كتابه يسمى "كتاب الضعفاء وقد أخطأ المحقق فسماه الضعفاء الكبير وقد طبع في دار الكتب العلمية ببيروت في أربع مجلدات بتحقيق عبد المعطي أمين قلعجي.
(٤) يسمى كتاب الدارقطني "الضعفاء والمتروكون" وقد طبع حالًا في مكتبة المعارف الرياض في مجلد بتحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر.
(٥) أي كابن حبان "كتاب المجروحين" وابن عدي الكامل في ضعفاء الرجال والميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر. كل هذه الكتب مطبوعة موجودة بين أيدينا.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
ومختص بالثقات، كالثقات (١) لابن حبان ومشترك بينهما كتاريخ (٢) البخاري وابن (٣) أبي خيثمة وما أغزر فوائده (٤)، والجرح (٥) والتعديل لابن أبي حاتم.
والكلام في الجرح والتعديل متقدم ثابت عن رسول (٦) الله صلى الله
_________________
(١) وهو معروف "بكتاب الثقات" وقد طبع بحيدر آباد الهند في تسع مجلدات. وهو أحفل كتب الثقات، لكنه يدرج فيهم من زالت جهالة عينه، بل ومن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يظهر فيه جرح، وذلك غير كاف في التوثيق عند الجمهور. وربما يذكر فيهم من أدخله في الضعفاء، إما سهوا أو غير ذلك. انظر: فتح المغيث ٣/ ٣١٥.
(٢) له كتابان، أحدهما: التاريخ الصغير، وهو مطبوع في مجلد ضخم بدار الوعي بحلب بتحقيق محمود إبراهيم زايد، وكذا طبع في باكستان بدون تحقيق. والثاني: "كتاب التاريخ الكبير" وهو مطبوع بحيدر آباد الهند في تسع مجلدات.
(٣) هو الحافظ الحجة الإِمام أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي ثم البغدادي، صاحب التاريخ الكبير، قال الخطيب: ثقة عالم متقن حافظ، بصير بأيام الناس راويه للأدب، مات سنة تسع وسبعين ومائتين. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ١٦٢؛ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٩٦. قلت: وكتابه هذا أكثره مفقود وتوجد منه قطعة من أوله فقط وهي موجودة بجامعتنا.
(٤) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٤٩؛ والتقريب ٢/ ٣٦٨.
(٥) وهو مطبوع في تسع مجلدات بحيدر آباد بالهند بتحقيق العلامة المعلمي اليماني رحمه الله تعالى.
(٦) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٥٠؛ وقد أخرج ابن حبان بسنده عن عائشة ﵂ قالت: أقبل رجل، فلما رآه النبي ﷺ، فقال: بئس أخو العشيرة، الحديث. ثم قال ابن حبان: وفي هذا الخبر دليل على أن إخبار الرجل بما في الرجل على جنس الإِبانة، ليس بغيبة، لأنه لو كان هذا غيبة لم يطلقها رسول الله ﷺ، وإنما أراد بقوله هذا أن يفتدي ترك الفحش، لا أنه أراد ثلبه، وإنما =
[ ٢ / ٧٨٣ ]
عليه وسلم وعن الصحابة (١) والتابعين فمن بعدهم (٢)، وجوز ذلك صونًا (٢) للشريعة ونفيًا للكذب والخطأ عنها.
وأنكر إنسان (٣) على أحمد بن حنبل جرحه إنسانًا، فقال: ويحك، هذا نصيحة ليس غيبة (٣).
ويجب على المتكلم في ذلك التثبت وتجنب التساهل (٤)، فقد أخطأ
_________________
(١) = الغيبة ما يريد القائل القدح في المقول فيه، وأئمتنا أطلقوا الجرح في غير العدول لئلا يحتج بأخبارهم، لا أنهم أرادوا ثلبهم والوقيعة فيهم، والإِخبار عن الشيء، لا يكون غيبة إذا أراد القائل به غير الثلب. انظر: المجروحين ١/ ١٨.
(٢) ذكر ابن عدي أقوال الصحابة والتابعين ومن تبعهم في إثبات الجرح والتعديل. وبوب له. ذكر من استجاز تكذيب من تبين كذبه من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا رجلًا عن رجل. انظر: مقدمة الكامل، ص ٨٣ - ١٠١.
(٣) أجمع المسلمون على جوازه، بل عد هذا من الواجبات للحاجة إليه. وقد أخرج ابن حبان بسنده عن يحيى بن سعيد، يقول: سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكا وسفيان بن عيينة عن الرجل يكون واهي الحديث، يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين أمره. انتهى. ورواه ابن خلاد أيضًا. انظر: المجروحين ١/ ٢٠؛ والمحدث الفاصل، ص ٥٩٤.
(٤) وهو أبو تراب النخشبي الزاهد، رواه عنه ابن الصلاح بلاغًا، وروى ابن حبان والرامهرمزي نحوه عن إسماعيل بن علية. انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٥٠؛ والمجروحين ١/ ١٨؛ والمحدث الفاصل، ص ٥٩٤.
(٥) قال السخاوي: لأنه إن عدله بغير تثبت كان كالمثبت حكمًا ليس بثابت فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب. وأن جرح بغير تحرز =
[ ٢ / ٧٨٤ ]
غير واحد فجرحوا بما لا صحة له.
من ذلك جرح النسائي لأحمد (١) بن صالح وهو حافظ إمام ثقة لا يعلق به جرح، أخرج عنه البخاري في صحيحه، وقد كان من أحمد إلى النسائي جفاء (٢) أفسد قلبه عليه. قال الخليلي: اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه تحامل (٣).
قال الشيخ ﵀: النسائي إمام في الجرح والتعديل وغيره، ووجه ما نسب إليه أن عين السخط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج
_________________
(١) = أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبدًا انتهى. قال: ابن دقيق العيد: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس، المحدثون والحكام. انظر: فتح المغيث ٣/ ٣١٦؛ والاقتراح، ص ٣٤٤.
(٢) هو الإِمام الكبير حافظ زمانه بالديار المصرية، أبو جعفر أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري، كان رأسًا في هذا الشأن، قل أن تر العيون مثله مع الثقة والبراعة. توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين. انظر: طبقات الشافعية ١/ ١٨٦؛ والتاريخ الكبير ٢/ ٦؛ وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١٦٠؛ ومقدمة الفتح، ص ٣٨٦.
(٣) قال أبو جعفر العقيلي: كان أحمد بن صالح لا يحدث أحدًا حتى يسأل عنه، فلما أن قدم النسائي مصر جاء إليه، وقد صحب قومًا من أهل الحديث لا يرضاهم أحمد فأبى أن يحدثه، فذهب النسائي فجمع الأحاديث التي وهم فيها أحمد، وشرع يشنع عليه، وما ضره ذلك شيئًا وأحمد إمام ثقة. انظر: مقدمة الفتح، ص ٣٨٦؛ وفتح المغيث ٣/ ٣٢٦.
(٤) انظر: الإِرشاد (٥٥/ ألف)؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٣٥١؛ ومقدمة الفتح، ص ٣٨٦؛ وثقات ابن حبان ٨/ ٢٥؛ وطبقات الشافعية ١/ ١٨٧.
[ ٢ / ٧٨٥ ]
صحيحة، يعمى عنها بحجاب السخط (أ) لا أن ذلك يقع من (ب) مثله تعمدًا لقدح، يعلم بطلانه (١). وقد تقدم أحكام هذا الباب في الثالث والعشرين (٢)، والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (ك): إلا. (ب) في (ك): منه. وكذا في (ت). والتصحيح من باقي النسخ ومقدمة ابن الصلاح.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٣٥١؛ قلت: هذا الكلام يدل على سعة علم ابن الصلاح وسرعة انتقال ذهنه وغوصه لا مطالعة طبائع الناس وأحوالهم.
(٣) انظر: ص ٢٨٠ - ٢٨٤.
[ ٢ / ٧٨٦ ]