هو (أ) نحو حديث مشهور عن سالم، جعل (٢) عن نافع، ليصير
_________________
(١) (أ) في (ك): هل. وهو خطأ.
(٢) قال الشيخ محمد محيي الدين: المقلوب: لغة اسم مفعول فعله قلب يقلب قلبًا، من مثال: ضرب يضرب ضربًا، وتقول: قلب فلان الشيء، إذا صرفه عن وجهه. انتهى هامش توضيح الأفكار ٢/ ٩٨.
(٣) قال ابن حجر: هذا تعريف بالمثال، وحقيقته: إبدال من يعرف برواية بغيره. زاد السخاوي: عمدًا أو سهوًا. وقال الشيخ محمد محي الدين: لا يمكن تعريف أنواع المقلوب كلها في تعريف واحد، وذلك لأنها أنواع مختلفة الحقائق، والحقائق المختلفة لا يمكن جمعها في حقيقة واحدة. فقسم المقلوب إلى أنواعه المختلفة، ثم بين حقيقة كل نوع منها. وأنا أذكره ملخصًا: فأقول: القلب على ضربين، لأنه قد يكون في الإِسناد، وقد يكون في المتن، وكل واحد منهما يقع على وجوه: أما القلب فى الإِسناد، فإنه يقع على وجهين: الوجه الأول: أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم أحد الرواة، واسم أبيه مثل أن يكون الأصل: (كعب بن مرة) فيقول الراوي: (مرة بن كعب). الوجه الثاني: أن يكون الحديث معروفًا عن راو من الرواة، أو معروفًا بإسناد من الأسانيد، فيعمد أحد الوضاعين إلى هذا الراوي الذي اشتهر الحديث عنه، فيغيره براو آخر، كأن يكون الحديث مشهورًا عن سالم بن عبد الله، فيجعله الوضاع عن نافع. قلت: قال ابن دقيق العيد: قد يطلق على راويه أنه يسرق الحديث. =
[ ١ / ٢٦٦ ]
بذلك غريبًا مرغوبًا (أ) فيه (١).
_________________
(١) (أ) في (هـ): مرفوعًا. = وأما القلب في المتن فيأتي على وجهين: الوجه الأول: أن يجعل كلمة من المتن في غير موضعها، مثل ما ورد في رواية مسلم: (ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله (فإن أصله على ما في الصحيحين: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه). وإلى غير ذلك من الأمثلة. الوجه الثاني: من القلب في المتن: أن يجعل الوضاع الحديث على إسناد غير إسناده، ويضع إسناده على متن غير هذا المتن، ومن هذا النوع ما ورد في قصة امتحان الإِمام البخاري. وقد علم بما ذكرت أن المقلوب على نوعين إجمالًا، وأربعة تفصيلًا، لأن المقلوب أما مقلوب المتن وإما مقلوب السند، وكل واحد من هذين النوعين يتنوع إلى نوعين. كما عرفت. انتهى. قلت: هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر والسخاوي. انظر: هامش توضيح الأفكار ٢/ ٩٨ - ١٠٠؛ النكت ٢/ ٦٣٩ - ٦٦١؛ نزهة النظر، ص ٤٧؛ فتح المغيث ١/ ٢٥٣ - ٢٦١؛ الاقتراح، ص ٢٣٦؛ الباعث الحثيث، ص ٨٨، ٨٩.
(٢) الأسباب التي دفعت الوضاعين والكذابين الى هذا كثيرة منها: رغبة الراوي في إيقاع الغرابة على الناس، حتى يظنوا أنه يروي ما ليس عند غيره فيقبلوا على التحمل منه. ومنها: خطأ الراوي وغلطه. ومنها: رغبة الراوي في تبيين حال المحدث: أحافظ هو، أم غير حافظ وهل يفطن لما وقع في الحديث من القلب أو لا؟ فإن تبين له أنه حافظ متيقظ يفطن للقلب في الحديث أقبل على التحمل عنه. وإن تبينت له غفلته وبلادة ذهنه أعرض عنه. وهذا الثالث ذهب العلماء إلى جوازه لكون مصلحته أكثر من مفسدته بشرط أن لا يستمر عليه. كما قال ابن حجر في نزهة النظر، ص ٤٧. =
[ ١ / ٢٦٧ ]
ولما قدم البخاري ﵀ بغداد، اجتمع إليه قوم من أهل الحديث فقلبوا مائة حديث، فجعلوا إسناد هذا لمتن ذلك، وإسناد ذلك لمتن هذا، وألقوها (أ) عليه امتحانًا، فلما فرغوا من إلقائها، التفت إليهم، فرد كل متن إلى إسناده، فأذعنوا له بالفضل (١)، والله أعلم.
فرع على أنواع الضعيف:
إذا رأيت حديثًا بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: هذا ضعيف، وتعني أنه (ب) بذلك الإِسناد ضعيف. وليس لك أن تقول: ضعيف، وتعني ضعيف المتن، لمجرد ضعف ذلك الإِسناد. فقد يكون مرويًا بإسناد آخر
_________________
(١) (أ) في (ك): ألقوا. بدون ضمير المؤنث. (ب) لفظ: أنه. ساقط من (هـ). = وأما وقوعه خطأ وسهوًا فالمرتكب لذلك مغرور فيه لأنه لم يقصد إليه. وأما ارتكابه للاغراب فهو حرام. فتح المغيث ١/ ٢٥٦؛ النكت ١/ ٦٤١؛ الباعث الحثيث، ص ٩٠؛ هامش توضيح الأفكار ٢/ ١١٠ - ١١١.
(٢) انظر: هذه الحكاية مسندة في تاريخ بغداد ٢/ ٢٠، وفي التبصرة والتذكرة ١/ ٢٨٤؛ ونقلًا عنهما في النكت ٢/ ٢٤٢؛ فتح المغيث ١/ ٢٥٤؛ التدريب ١/ ٢٩٣؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٠٤؛ الباعث الحثيث، ص ٨٩. وحدث نحو هذا الامتحان للبخاري في البصرة وسمرقند. انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٥ - ١٦؛ طبقات الشافعية ٢/ ٦؛ البداية ١١/ ٢٥؛ مقدمة الفتح، ص ٤٨٦. قال ابن حجر: سمعت شيخنا غير مرة يقول: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته. وإنما يتعجب منه في هذا لكونه حفظ موالاة الحديث على الخطأ من مرة واحدة. النكت ٢/ ٦٤٤؛ توضيح الأفكار ٢/ ١٠٤.
[ ١ / ٢٦٨ ]
صحيح (١) يثبت بمثله، بل يتوقف جواز ذلك على حكم أحد (٢) أئمة الحديث (أ)، بأنه لم يرو بإسناد يثبت أو بأنه حديث ضعيف، أو نحو هذا مفسرًا وجه ضعفه. فإن أطلق ففيه كلام يأتي في أول النوع الآتي (٣):
فرع: يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل (ب) في الأسانيد،
_________________
(١) (أ) في (هـ): أحد الأئمة. بدون ذكر: الحديث. (ب) في (هـ): التشاغل.
(٢) لأنه لا تلازم بين الإِسناد والمتن، فقد يكون المتن صحيحًا والإِسناد الذي روى به غير صحيح، وتكون صحة المتن ثابتة برواية أخرى لا مغمز في أحد رواتها.
(٣) الظاهر أن ابن الصلاح مشى على أصله في تعذر استقلال المتأخرين بالحكم على الحديث بما يليق به من الصحة والحسن والضعف والحق خلافه كما تقدم في ثامن الفروع من بحث الصحيح. قال ابن حجر: إذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد وبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من مظانه فلم يجده إلا من تلك الطريق الضعيفة فما المانع له من الحكم بالضعف بناء على غلبة ظنه. قال: وكذلك إذا وجد كلام إمام من أئمة الحديث قد جزم بأن فلانًا تفرد به، وعرف المتأخر أن فلانًا المذكور قد ضعف بتضعيف قادح، فما الذي يمنعه من الحكم بالضعف. انتهى. وقد نقل السخاوي كلام ابن حجر موافقًا له. وقال أحمد شاكر: إذا ترجح عند الباحث أن هذا المتن لم يرد من طريق أخرى صحيحة، وغلب على ظنه ذلك، فإني لا أرى بأسًا بأن يحكم بضعف الحديث مطلقًا. انتهى. والعجب من المصنف كيف ترك الاستدراك على ابن الصلاح في هذا المقام مع رده عليه في مبحث الصحيح في ثامن الفروع، ولعله اكتفى بالرد هناك على هذا المقام. النكت ٢/ ٦٦٢؛ فتح المغيث ١/ ٢٦٦؛ الباعث الحثيث، ص ٩٠.
(٤) أي في المسألة الثالثة منه، حيث قال: أما الجرح فلا يقبل إلا مفسرًا مبين السبب لاختلاف الناس فيما يوجب الجرح، إلى آخر ما قال. انظر: ص ١٧٣؛ ومقدمة ابن الصلاح، ص ٩٦.
[ ١ / ٢٦٩ ]
ورواية (١) ما سوى الموضوع من أنواع الضعيف من غير اهتمام ببيان ضعفها. ويجوز العمل (١) بها. فيما سوى صفات الله وأحكام الشرع من
_________________
(١) قد أجاز بعض العلماء رواية الحديث الضعيف من غير بيان ضعفه والعمل به، إن كان الحديث في القصص أو المواعظ أو فضائل الأعمال أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله تعالى، وما يجوز له وما يستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالحلال والحرام وغيرهما. مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٣؛ التبصرة والتذكرة مع فتح الباقي ١/ ٢٩١. لكن زاد ابن حجر ﵀ عليه ثلاثة شروط. أولًا: أن يكون الضعف فيه غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية. ثانيًا: أن يندرج تحت أصل معمول به. ثالثًا: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. فتح المغيث ١/ ٢٦٨؛ التدريب ١/ ٢٩٨؛ قواعد التحديث، ص ١١٦؛ حاشية نور الدين على المقدمة، ص ٣. وقال أحمد شاكر ﵀: والذي أراه: أن بيان الضعف في الحديث واجب في كل حال، لأن ترك البيان يوهم المطلع عليه أنه حديث صحيح خصوصًا إذا كان الناقل له من علماء الحديث الذين يرجع إلى قولهم في ذلك، وأنه لا فرق بين الأحكام، وبين فضائل الأعمال ونحوها في عدم الأخذ بالرواية الضعيفة، بل لا حجة لأحد إلا بما صحَّ عن رسول الله ﷺ من حديث صحيح أو حسن. وأما ما قاله أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وابن المبارك: إذا روينا في الحلال، والحرام شدَّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا، فإنما يريدون به فيما أرجح (والله أعلم) أن التساهل إنما هو في الأخذ بالحديث الحسن الذي لم يصل إلى درجة الصحة، فإن الاصطلاح في التفرقة بين الصحيح والحسن لم يكن في عصرهم مستقرًا واضحًا، بل كان أكثر المتقدمين لا يصف الحديث إلا بالصحة أو الضعف فقط. انتهى. وقال الشيخ محمد محي الدين: والذي ينقدح في ذهن العبد الضعيف أن الخلاف في هذه المسألة لفظي، وأن الجميع متفقون على أنه لا يؤخذ في الفضائل والمواعظ =
[ ١ / ٢٧٠ ]
الحلال والحرام وغيرهما. وذلك كالمواعظ والقصص، وفضايل الأعمال، وساير فنون الترغيب والترهيب وما لا تعلق له بالأحكام والعقايد.
فرع: إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد، فلا تقل فيه: قال رسول الله ﷺ: كذا، وما أشبهه من الألفاظ (١) الجازمة، وإنما تقول: روى عن رسول الله ﷺ كذا،
_________________
(١) = إلا بالحديث الحسن، وهو ما دون الصحيح في ضبط رواته، فمن قال من العلماء كأحمد وابن مهدي: يؤخذ بالحديث الضعيف في الفضائل، أراد بالضعيف الحسن لأنه ضعيف بالنظر إلى الصحيح ولأنه بعض الذي كانوا هم وأهل عصرهم يطلقون عليه اسم الضعيف. ومن قال كالقاضي ابن العربي: لا يؤخذ بالحديث الضعيف في الفضائل ونحوها. إنما عني بالضعيف غير الصحيح والحسن جميعًا، كما هو اصطلاح أهل عصره. فمورد النفي والإِثبات ليس واحدًا، فلا يكون ثمة اختلاف على وجه الحقيقة. قال: وقد أوضحنا هذا الموضوع غاية الإِيضاح ضَنًّا بكرامة علمائنا وحملة ديننا أن ينسب إليهم التساهل البشع، وهم الذين كانوا أشدّ حرصًا على الدين وكانوا أكثر الناس دَأبًا على الذود واحتمال الأذى في سبيله. والله تعالى أعلى وأعلم. قلت: وقد حكى الجمال القاسمي عن الجلال الدواني مثلما قال ابن العربي، وأقره ودافع عنه دفاعًا شديدًا. الباعث الحثيث، ص ٩١، ٩٢؛ هامش توضيح الأفكار ٢/ ١٠٩ - ١١٣؛ قواعد التحديث، ص ١١٨؛ وللمعلومات الدقيقة راجع فتاوي شيخ الإِسلام ١٨/ ٦٥ - ٦٨.
(٢) نقل النووي ﵀ اتفاق محققي المحدثين وغيرهم على هذا وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح، قال: وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم، واشتد إنكار البيهقي على من خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدًا من فاعله إذ يقول في الصحيح: يذكر، ويروى، وفي الضعيف، قال وروى، وهذا قلب للمعاني وحيد عن الصواب. انظر: المجموع ١/ ١٠٧؛ ومقدمة الفتح، ص ١٩؛ وفتح المغيث ١/ ٥٣.
[ ١ / ٢٧١ ]
أو بلغنا عنه كذا، أو ورد عنه، أو جاء عنه، أو نقل عنه، أو روى بعضهم، وما (أ) أشبهه وهكذا الحكم فيما تشك في صحته. وإنما تقول: قال رسول الله ﷺ، فيما ظهر صحته (١). والله أعلم.
_________________
(١) (أ) في (هـ): أو ما.
(٢) انظر: مقدمة ابن الصلاح، ص ٩٤؛ والتدريب ١/ ٢٩٧؛ والباعث الحثيث، ص ٩١؛ وهامش توضيح الأفكار ٢/ ١٠٨؛ والتعليق رقم (١) على ص ٢٧١.
[ ١ / ٢٧٢ ]