فصل في رد تضعيف حديث وهو منكر وبيان الفرق بينهما
﷽
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله كما ينبغي لجلاله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله،
أما بعد،
فهذا جزء بينت فيه ما وقع لشقيقي العلامة المحدث الداعية المحقق الغيور على الشريعة المحمدية والذاب عنها، السيد عبد الله بن الصديق في تعليقه على «إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب للحافظ السيوطي، مما يجب مناقشته فيه لتساهل وقع منه في العبارة أو عدم تأمل فيما كتبه من الأبحاث؛
حملني على ذلك معرفتي بفضله وعلمه وسعة صدره وحبه لإظهار الحق وتحقيق مسائل العلم، وهي مكاتبة كانت صدرت مني إليه، ثم لاشتمالها على فوائد حسنةٍ وأبحاث قيمة أحببتُ إفرادها في هذا الجزء المستقل الذي سميته:
إيضاح المريب من تعليق إعلام الأريب
والله أسألُ النفع به آمين.
فصل: قال في التعليق على قول الحافظ السيوطي ﵀: «ولم يكن في زمانه ﷺ محراب قط، ما نصه (^١): قد يُشكل على هذا ما في سنن البيهقي» (^٢) من رواية محمد بن حجر الحضرمي، ثنا سعيد بن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، عن أمه، عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول الله ﷺ، إذا أوجب نهض إلى المسجد فدخل المحراب …» الحديث، فهو يدل على وجود المحرابِ في العهد النبوي، وكأنّ المؤلف لم يقف عليه وإلا لتعرّض للجواب عنه.
_________________
(١) «إعلام الأريب» ص ٢٠ تعليقة رقم (١).
(٢) «السنن الكبرى» للبيهقي ٢/ ٤٦، وتمامه «ثم رفع يديه بالتكبير، ثم وضع يمينه على يسراه على صدره».
[ ١٨٥ ]
والحق أنه لا يرد لأنه ضعيف بسبب جهالة أم عبد الجبار، ولأن محمد بن حجر بن عبد الجبار له عن عمه سعيد مناكير، كما قال الذهبي (^١).
وعلى فرض ثبوته يجب تأويله بحمل المحراب فيه على المصلى - بفتح اللام - للقطع بأنه لم يكن بالمسجد النبوي محراب إذ ذاك كما جزم به المؤلف، ومن قبله الحافظ (^٢) والسيد السمهودي (^٣). اهـ
أقول: وفي هذا مناقشات:
الأولى: في قوله: «والحق أنه لا يرد لأنه ضعيف»، وذلك أن هذه الزيادة التي هي لفظ «المحراب» ليست بضعيفة فقط، بل هي منكرة باطلة، وإن كان الحديث صحيحا. وإلى مثل هذه الزيادة يشير الذهبي بقوله: «له مناكير».
فهذه الزيادة من مناكيره لأمرين: أحدهما أنه لم يَرِدْ في خبر قط أن النبي ﷺ كان [له] محراب في مسجده الشريف.
وثانيها: انفراده بذكر «المحراب» في خصوص هذا الحديث ومخالفته سائر الثقات الذين رووه مطوّلا ومختصرا، فقد رواه عن عبد الجبار شيخ شيخه فيه: أبو إسحاق السبيعي، والحسن بن عبيد الله النخعي، وفطر بن خليفة، ومحمد بن جحادة، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، فلم يذكر أحد منهم عن عبد الجبار «المحراب» في الحديث.
وكذلك رواه عن وائل ابنه علقمة، ومولاه، وكُليب بن شهاب، وعبد الرحمن اليحصبي، وحجر ابن العنبس، وغيرهم.
ورواه عن هؤلاء جماعة يطول ذكرُهم،
_________________
(١) «ميزان الاعتدال» للذهبي ٣/ ٥١١.
(٢) في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ١/ ٥٧٥.
(٣) في «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» ١/ ٢٨٢.
[ ١٨٦ ]
فلم يذكُرْ أحدٌ منهم في روايته لفظ «المحراب»، إنما وقع في رواية بعضهم «دخل في الصلاة»، وفي رواية البعض «دخل في الصف» (^١) كما وقع في صحيح ابن حبان.
فقولُ الراوي: «دخل المحراب» غلط منه في فهم المراد من قوله: «دخل في الصف» أو «دخل في الصلاة»، أو نسيان للفظ الحديث.
وعلى كل حال فهو من المقطوع بطلانه فلا يعبر عنه بالضعيف المحتمل للصحة والثبوت في نفس الأمر.
الثانية: في قوله: «لأنه ضعيف بسبب جهالة أم عبد الجبار»، وذلك أن الطعن في الحديث لا ينبغي أن يُسند إلى جهالة أم عبد الجبار، لأنها وإن كانت في عداد المجهولين، فهي بريئة من عهدة هذه الزيادة؛ لأن عبد الجبار الراوي عنها قد رُويَ الحديث عنه من طرق متعددة منقطعا وموصولا بواسطتها وواسطة أهل بيته ومولى لهم، فلم يذكر في مرة منها لفظ «المحراب»، كما لم يذكرها متابعوه من أقرانه، فدل على أنها حَدَثَتْ بعده وصَدَرت ممن هو دونه فضلا عن أن تتهم بها أمه.
الثالثة: أن في السند قبلها سعيد بن عبد الجبار، وهو متكلم فيه أيضا (^٢)، فلا ينبغي الإعراض عنه، فقد يكون الوهم في ذكر هذه الزيادة صادرا منه.
الرابعة: أنه ينبغي الطعن في الحديث بالنكارة لوجود المخالفة التي أشرنا إليها، فإنها أقوى من مجرّد ضعف الرجال، لأن ضعف الراوي إما لكذبه أو لسوء حفظه، وكلّ منهما غير لازم للموصوف به في كل الأحوال، بل قد يصدق الكذوب ويتذكر السامع والناسي؛ بخلاف مخالفة الراوي لجمهور الثقات وإتيانه لما هو معلوم البطلان مقطوع بعدم وجوده، فإنه يطعن في روايته ويجزم ببطلانها، ولو كان أوثق الثقات.
_________________
(١) (صحيح ابن حبان ٥/ ١٧٣).
(٢) قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٥٤: «قال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: ليس له كثير حديث». قلت: وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال كنيته أبو الحسن مات سنة «١٥٨».
[ ١٨٧ ]