انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة وغيرهم، وإنما يتشبت بها من لا يعقل، وقد ذكر ابن أبي الحديد ٣٦٠:١ أشياء عن الاسكافي من الطعن في أبي هريرة وغيره من الصحابة وذكر من ذلك شيئًا من مزاح أبي هريرة فقال ابن أبي الحديد «قلت لنه غير متهم عليه» وفي هذا إشارة إلى أن الأسكافي متهم. ونحن كما لا نتهم ابن قتيبة قد لا نتهم الاسكافي باختلاف الكذب، ولكن نتهمه بتلقف الأكاذيب من أفاكي أحصابه الرافضة والمعتزلة، وأهل العلم لا يقبلون الأخبار المنقطعة ولو ذكرها كبار أئمة السنة، فما بالك بما يحكيه ابن أبي الحديد عن الاسكافي عمن تقدمه بزمان.
قال «وقد أخرج ابن عساكر من حديث السائب بن يزيد: لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس أو بأرض القردة»
أقول: عزاه إل البداية ١٠٦:٨ ولكن لفظه هناك « دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة» فأسقط أبو رية هنا ذكر كعب، وجمع الكلمتين لأبي هريرة وله في هذه الحكاية فعلة أشنع من هذه. قال ص٣٠ «وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث أو لألحقنك الخ» أسقط قوله «عن الأول» لغرضين: الأول تقوية / دعواه أن عمر كان ينهى عن الحديث عن النبي ﷺ. الثاني ترويج دعوى مهولة فاجرة خبيثة وهي دعوى أن كعبًا مع أنه لم يلق النبي ﷺ كان يحدث عنه بما يشاء، وكان الصحابة يسمعون منه تلك الأحاديث ويقبلونها بمذاحة مخجلة ثم لا يكتفون بذلك حتى يذهبوا فيروونها عن النبي ﷺ رأسًا فيوهموا الناس أنهم سمعوها همن النبي ﷺ أو على الأقل من بعض إخوانهم من الصحابة، ولزيادة تفظيع هذا الزعم بالغ في الحط على كعب وزعم أنه كان منافقًا يسعى لهدم الإسلام ويفترى ما شاء من الأكاذيب يرويها عن النبي ﷺ فيتقبلها الصحابة ويروونها عن النبي ﷺ
[ ١٥٣ ]
رأسًا، فعلى هذا يزعم أن كل ما جاء من أحاديث الصحابة ولم يصرح الصحابي بسماعه من النبي ﷺ فإنه يحتمل أن يكون مما افتراه كعب «كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا» وراجع ص٧٣ (١) . وهذه الخطة الجهنمية من أخطر تخطيط الكيد اليهودي الخاسر الذي مرت الإشارة إليه ص٤٩و ٩٩.وكذا قال ص١٢٦ «قال له: لتتركن الحديث أو لألحقنك» أسقط قوله «عن الأول» أيضًا ليؤكد لك أنه عمدًا ارتكب ذلك. ثم لم يكفه حتى قال ص١١٥ «لما قدم كعب المدينة في عهد عمر وأظهر إسلامه أخذ يعمل في دهاء ومكر لما أسلم من أجله من إفساد الدين وافتراء الكذب على النبي (كذا؟) ولم يلبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دخلته فنهاه عن الرواية عن النبي (كذا؟) وتوعده إن لم يترك الحديث
عن رسول الله (كذا؟) أو ليلحقنه بأرض القردة، كذا قال، وعزا ذلك إلى الصدر نفسه وهو البداية والنهاية ج٨ لكنه جعل الصفحة ٢٠٦ والصواب ١٠٦ فهل تعمد هذا لعمي عن فضيحته؟ فليتدبر القارئ، وينظر من الذي يعمل في دهاء ومكر لإفساد الدين وسوء دخلة؟
هذاوسند الخبر غير صحيح، ولفظه في البداية «قال أبو زرعة للدمشقي حدثني محمد بن زرعة الرعيني حدثنامروان بن محمد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله بن السائب الخ» ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة، والمجهول لا تقوم به حجة، وكذا إسماعيل إلا أن يكون الصواب إسماعيل بن عبيد الله (بالتصغير) بن أبي المهاجرفثقة معروف لكن لا أدري أسمع من السائب أم لا؟ وفي البداية عقبه «قال أبو زرعة: وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه لم يسنده» أقول وسعيد لم يدرك عمر ولا السائب، وهذا ومخرج الخبر شامي، / ومن الممتنع أن يكون عمر نهى أبا هريرة عن الحديث البتة
_________________
(١) و٧٤و٧٥و ٨٢و ٨٩
[ ١٥٤ ]
ولا يشتهر ذلك في المدينة ولا يلتفت إلى ذلك الصحابة الذين أثنوا على أبي هريرة ورووا عنه وهم كثير كما يأتي، منهم ابن عمر وغيره كما مر ص١٠٦، هذا باطل قطعًا، على أن أبا رية يعترف أن كعبًا لم يزل يحدث عن الأول حياة عمر كلها، وكيف يعقل أن يرخص له عمر ويمنع أبا هريرة؟ هذا باطل حتمًا، وأبو هريرة كان مهاجرًا من بلاد دوس والمهاجر يحرم عليه أن يرجع إلى بلده فيقيم بها فكيف يهدد عمر مهاجرًا أن يرده التي هاجر منها؟ وقد بعث عمر في أواخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة كما في فتوح البلدان للبلاذري ص ٩٢ - ٩٣ وبطبيعة الحال كان يعلمهم ويفتيهم ويحدثهم
قال أبو رية ص١٦ «ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة، إذا أصبح لا يخشى أحدًا بعده»
أقول: لم يمت الحق وت عمر، وسيأتي تمام هذا
قال «ومن قوله في ذلك: إني أحدثكم أحاديث لو حدثت بها زمن عمر لضربني بالدرة، وفي رواية: لشج رأسي»
أقول: يروى هذا عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن أبي هريرة، وابن عجلان لم يدرك أبا هريرة. فالخبر منقطع غير صحيح
قال «وعن الزهري عن أبي سلمة سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله ﷺ حتى قبض عمر، ثم يقول: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المخفقة ستباشر ظهري، فإن عمر كان يقول: اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله»
أقول: إنما رواه عن الزهري إنسان ضعيف يقال له صالح بن أبي الأخضر قال فيه الجوزجاني- وهو من أئمة الجرح والتعديل - «اتهم في حديثه» . وهناك أخبارًا وأثارًا تعارض هذا وأشباهه، إلا أن في أسانيدها مقالًا لذكرها وبيان
[ ١٥٥ ]
علمها تجد بعضها في ترجمة أبي هريرة من الإصابة
وبعد فإن الإسلام لم يمت بموت عمر، وإجماع الصحابة بعده على إقرار أبي هريرة على الإكثار مع ثناء جماعة منهم عليه وسماع كثير منهم منه وروايتهم عنه كما يأتي يدل على بطلان المحكي عن عمر من منعه، بل لو ثبت المنع ثبوتًا لا مدفع له لدل إجماعهم على أن المنع كان على وجه مخصوص أو لسبب عارض أو استحسانًا محضًا لا يستند إلى حجة وملازمة. وعلى فرض اختلاف الرأي بعد عمر أولى بالحق من رأي عمر
ثم حكى أبو رية عن صاحب المنار قال «لو طال عمر عُمر حتى مات أبو هريرة، لما وصلت إلينا تلك الأحاديث / الكثيرة»
أقول: وما يدريك لعله عمر لو طال عمره حتى يستحر الموت بجملة العلم من الصحابة لأمر أبا هريرة وغيره بالإكثار وحث عليه وحفظ الله ﵎ لشريعته، وتدبيره بمقتضى حكمته، فوق عمر وفوق رأي عمر في حياة عمر وبعد موت عمر
ثم قا أبو رية ص١٦٤ «كيف سوغ كثرة الرواية؟ كان أبو هريرة يسوغ كثرة الرواية عن النبي ﷺ بأنه ما دام لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا فإنه لا بأس من أن يروي»
أقول: هذه دعوى من أبي رية، فهل من دليل؟
قال «وقد أيد صنيعه هذا الحديث رفعها إلى النبي، ومنها مارواه الطبراني في الكبير عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إذا لم تحلوا حرامًا ولا تحرموا حالا وأصبتم المعنى فلا بأس»
أقول ههنا مآخذ: الأول أن هذا لم يروه أبو هريرة ولا رواه الطبراني عنه، إنما رواه الطبراني من طريق يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن
[ ١٥٦ ]
أبيه عن جده قال: «أتينا النبي ﷺ فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع منك الحديث فلا تقدر أن نؤديه كما سمعنا. فقال: إذا لم الخ» وهو في مجمع الزوائد ١٥٤:١ وقال «رواه الطبراني في الكبير، ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه»
الثاني أن هذا الخبر إنما يدل على إجازة الرواية بالمعنى لقوله فيه «وأصبتم المعنى» وقد تقدم الكلام في الرواية بالمعنى ص٥٢ فما بعدها ودعوى أبي رية هنا شيء آخر كما يأتي
الثالث أن الخبر لا يثبت عن صحابيه لجهالة يعقوب وأبيه، ولهذا أعرضت عنه فلم استشهد به في فضل الرواية بالمعنى وإن كان موافقًا لقولي
قال «وقال أيضًا إنه سمع الليثي يقول: من حدث حديثًا هو لله ﷿ رضا فأنا قلته، وإن لم يكن أكن قلته روى ذلك ابن عساكر في تاريخه»
أقول: أخذ أبو رية هذا من كنز العمال ٢٢:٥ وهناك أن ابن عساكر أخرجه عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة. أقول: البختري كذاب، وأبوه مجهول
قال أبو رية «وفي الأحكام لابن حزم» ٧٨:٢ أنه روى عن رسول الله ﷺ: إذا / حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث»
أقول: إنما ذكره ابن حزم من طريق أشعت بن براز، ثم قال ابن حزم في ذالك الموضع نفسه «وأشعت بن بزار كذاب ساقط»
قال «وروى عن رسول الله: إذا بلغكم عني حديث يحسن بي أن أقوله فأنا قلته، وإذا بلغكم حديث لا يحسن به أقوله فليس مني ولم أقله»
[ ١٥٧ ]
أقول: عزاه إلى توجيه النظر ص٢٧٨ وهناك عقبه قول ابن حاتم «الحديث منكر، الثقات لا يرفعونه» يريد لا يصلونه، فإنه ذكره من طريق ابن ابي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، وقد جاء من وجه آخر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن النبي ﷺ مرسلًا، ذكره البخاري في التاريخ ٢/ ١/ ٤٣٤ ثم ذكر أن بعضهم قال «عن أبي هريرة» قال البخاري «وهو وهم ليس فيه أبو هريرة» . ورواه بعضهم عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. ذكره ابن حزم في الأحكام عقب الحديث السابق وقال «عبد الله بن سعيد كذاب مشهور» وفي ألفاظه في الروايات المختلفة، وسأشرح بقية حاله في التعليق على موضوعات الشوكاني إن شاء الله تعالى.
هذه أدلة على أبو رية على دعواه، وعلق على خبر البختري قوله «ارجع إلى ص١٠١» وكان قد ذكر بعض هذه الأخبار تحت عنوان «كيف استجازوا وضع الأحاديث» وبهذا يعرف حاصل دعواه هنا ومناسبتها لأدلتها، فإن تكذيب الصديقين لا يتم إلا بتصديق الكذابين.
قال «وروى ذلك وغيره»
أقول: أما «ذلك» أي الأخبار المتقدمة فقد تبين أن أبا هريرة لم يرو شيئًا منها، وأما غيره فما هو؟
قال «على حين أن الثابت عن النبي أنه قال: من نقل عني ما لم أقله فليتبؤا مقعده من النار»
أقول: كذا ذكر الحديث هنا وص ٤٠، والثابت «من يقل علي ما لم أقل الخ» رواه أحمد من حديث أبي هريرة، وكذا من حديث سلمة بن الأكوع وكذا جاء في أثناء حديث لأبي قتادة، وكما أن هذا هو الثابت عن النبي ﷺ فكذلك هو الثابت عن أبي هريرة عنه كما ترى، وفي صحيح البخاري وغيره من حديث
[ ١٥٨ ]
مالك عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال «إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله /ما حدثت حديثًا ثم يتلو (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) إلى قوله (الرحيم) الحديث. وذكر مسلم سنده ولم يسق سنده. وفي الإصابة «أخرج أحمد من طريق عامر بن كليب عن أيبه سمعت أبا هريرة يبتدى حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ: من كذب علي متعمدًا فليتبؤا مقعده من النار» وذكره ابن كثير في البداية ١٠٧:٨ وقال «وروى مثله من وجه آخر»
قال أبو رية «وقد اضطر عمر أن يذكره بهذا الحديث لما أوغل في الرواية»
أقول: يريد ما روى عن أبي هريرة قال «بلغ عمر حديثي فأرسل إلي فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسم في بيت فلان؟ قال قلت: نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك. قال: ولم سألتك؟ قلت إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: من كذب علي متعمدًا فليتبؤا مقعده من النار. قال أما إذًا فاذهب فحدث» البداية ١٠٧:٨ وهذا يدل على بطلان ما حكى من منعه أو على أنه أذن له بعد منع ما، وهذا الخبر من جملة الأخبار التي قدمتُ ص١١١ أني أعرضت عنها لأن في أسانيدها مقالًا، وذكرته هنا لإشارة أبي رية إليه وحديث «من كذب علي الخ» ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي رية
حقيقة التدليس وانتفاؤها عن الصحابة
قال أبو رية آخر ص١٦٤: «تدليسه»
أقول: قال الخطيب في الكفاية ص٣٥٧ «تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه» ومثال هذا
[ ١٥٩ ]
أن قتادة كان قد سمع من أنس، ثم سمع من غيره عن أنس ما لم يسمعه من أنس، فربما بعض ذلك بقوله «قال أنس » ونحو ذلك، ثم ذكر الخطيب ص٣٥٨ ما يؤخذ على المدلس، وهناك تلخيصه بتصرف:
أولًا: إيهامه السماع ممن لم يسمع منه.
ثانيًا: إنما لم يبين لعمله أن الواسطة غير مرضي.
ثالثًا: الأنفه من الرواية عمن حدثه.
رابعًا: الإيهام علو الإسناد.
خامسًا: عدول عن الكشف إلى الاحتمال.
أقول: هذه الأمور منتفية فيما كان يقع من الصحابة ﵃ من قول أحدهم فيما سمعه من / صحابي آخر عن النبي ﷺ: «قال النبي ﷺ» .
أما الأول فلأن الإيهام إنما نشأ منذ عني الناس بالإسناد: لم يكونوا عقب حدوث الفتنة، وفي مقدمة صحيح مسلم «عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمعو لنا رجالكم » فمن حينئذ التزم أهل العلم بالإسناد فأصبح هو الغالب حتى استقر في النفوس وصار المتبارد من قول من قد ثبت لقاؤه لحذيفة «قال حذيفة سمعت النبي ﷺ يقول » أو نحو ذلك أنه أسند، ومعنى الإسناد أنه ذكر من سمع منه فيفهم من ذاك القول أنه سمع من حذيفة، فلو قال مثل ذلك مع إنه لم يسمع ذاك الخبر من حذيفة وإنما سمعه ممن أخبر به عن حذيفة كان موهمًا خلاف الواقع
وهذا العرف لم يكن مستقرًا في حق الصحابة لا قبل الفتنة ولا بعدها، بل عرفهم المعروف عنهم أنهم كانوا يأخذون عن النبي ﷺ بلا واسطة، ويأخذ بعضهم بواسطة بعض، فإذا قال أحدهم «قال النبي ﷺ » كان محتملًا أن يكون سمع النبي ﷺ وأن يكون من صحابي آخر عن النبي ﷺ. فلم
[ ١٦٠ ]