هريرة، فأما حديث جابر فلم يصح، وأثر ابن عباس من قوله. وقد بينه سياقه وفعله، وأثر ابن مسعود إن صح فقد تقدم حمله، ولو كان مخالفًا لكان رأى صحابي قد خالفه غيره، فالحجة في حديث أبي هريرة فقط، وهو بين في الإذن بالسماع والاستماع، ولم ينه إلا عن التصديق أو التكذيب بلا حجة، والرواية إما في معنى السماع والاستماع فيدل الحديث على الإذن فيها، وإما مسكوت عنها فتبين أن حديث «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» غير مخالف لحجة، ولو كان مخالفًا فإيما أولى أن يؤخذ به؟ أدلة المنع قد عرفت حالها، أما أدلة الجواز فصنيع القرآن والسنن الثابتة، وحديث صحيح صريح يرويه جماعة من الصحابة، وعمل عمر وعثمان وجماعة من الصحابة
قال «وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الأحبار» .
أقول لما يتعلما من كعب شيئًا وأنما سمعا منه شيئًا من الحكايات ظنًا أو جوزا صحتها فنقلاها، والذي يصح عنها من ذلك شيء يسير، وكأن أبا رية يريد أنهما لما سمعا من كعب أحبا أن يرويا عنه فخافا أن ينكر الناس عليهما فافتريا- والعياذ بالله - على النبي ﷺ ذاك الحديث يدفعان به إنكار الناس، وساعدهما على ذلك غيرهما من الصحابة كأبي سعيد الخدري. كأن أصحاب محمد ﷺ جماعة من اللصوص لا يزعهم دين ولا حياء وكأن صحبتهم له ومجالستهم وحفظهم للقرآن والسنن ومحافظتهم على الطاعة طول عمرهم لم تفدهم في دينهم وأخلاقهم شيئًا بل زادتهم وبالا، فقد كانوا في جاهليتهم يتحاشون من الكذب. ولا ريب أن مثل هذا لا يقوله مسلم عاقل يعرف محمدًا ﷺ ويؤمن بالقرآن وما فيه من الثناء البالغ على الصحابة ويعرف الصحابة أنفسهم. ولو أريد من ثلاثة معروفين من أصحاب السيد رشيد رضا أن يتفقوا على الكذب عليه لغرض من الأغراض لعز ذلك مع الفارق العظيم بين هذا وذاك من وجوه عديدة، ذا وسبيل المؤمنين الذي جرى عليه العمل في حياة النبي ﷺ
[ ١٢٤ ]
وفي عهد أصحابه قبول خبر الصحابي الواحد، فإن عرض احتمال خطأ أو نحو فقام صحابي آخر فأخبر بمثل ذاك لم يبق إلا القبول، كما يروى في خبر محمد بن مسلمة بمثل ماأخبره به المغيرة في ميراث الجدة فأمضاه أبو بكر، وكشهادة أبي هريرة لحسان بانشاده الشعر في المسجد في حياة النبي ﷺ فأقره عمر، وكخبر أبي سعيد الخدري بمثل خبر أبي موسى في الاستئذان فاطمأن إليه عمر، وقد قال الله ﵎ (١١٤:٤ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا)
قال أبو رية (وقد جاءت الأخبار بأن الثاني وهو عبد الله بن عمرو بن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منها بأشياء كثيرة من الاسرائيليات، وقد قال فيهما الحافظ ابن كثير: إن منها المعروف والمشهور، والمنكور والمردود»
أقول: هو نفسه ﵁ لم يكن يثق بها، ولهذا كان يسمى صحيفته عن النبي ﷺ «الصادقة» تميزا لها على تلك الصحف وإنما كان يحكي من تلك الصحف، ماقام دليل على صدقة كصفة النبي ﷺ، أو كان محتملًا فيحكيه على الاحتمال
قال «رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود، كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون ويروون عنهم ما يفترون»
أقول: إن أراد بالتصديق أن كعبًا مثلًا كان إذا قال إني أجد في التوارة كيت وكيت، صدقوه في أن ذلك في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب حينئذ وقد عرفوا أن فيها كثيرًا من التحريف والتبديل، فهذا محتمل، لأن كعبًا أسلم ثم تعلم الإسلام وبقي محافظًا على الإسلام مجتنبًا للكبائر متمسكًا بالعبادة والتقوى، فكان عدلًا عندهم فيما يظهر، فعاملوه بحسب ذلك، وهذا هو الحق عليهم
[ ١٢٥ ]
وإن أراد بالتصديق أن كعبًا مثلًا كان لو قال: إن من صفة الله تعالى كذا، لاعتقدوا – بناء على قوله أو صحفه – أن تلك صفة الله تعالى حقًا، فهذا كذب عليهم (راجع ص٦٨) أما أن مسلمي أهل الكتاب كانوا يفترون، فهذه دعوى يعرف حالما مما مر ويأتي
قال «وقد نص رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة وأبا هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه»
أقول: أما الرواية عن كعب فقد ذكرت لهؤلاء ولعمر ولعلي ولابن مسعود كما في فتح المغيث للسخاوي ص٤٠٥، وعادة أهل الحديث أن يقولوا «روى عنه فلان، روى عنه فلان» ولو لم يكن المروي إلا حكاية واحدة، وهذا هو الحال هنا تقريبًا، فأنك لا تجد لهؤلاء عن كعب إلا الحرف والحرفين ونحوها، وكثير من ذلك يأتي ذكر كعب فيه عرضا، راجع ص٦٩. وأما روايتهم عن إخوانه فمن هم؟ راجع ص٧٠
قال ص ١٢٦ «وكان أبو هريرة الخ»
أقول ستأتي ترجمة أبي هريرة ﵁ وتعلم براءته
قال: «وقد استطاع أن يدس من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به كتب التفسير والحديث والتاريخ فشوهها وأدخلت الشك إليها»
أقول: إنما كعب يخبر عن صحف أهل الكتاب، وقد عرف المسلمون قاطبة أنها مغيرة مبدلة، فكل ما نسب إليه في الكتب فحكمه حكم تلك الصحف، فإن كان بعض الآخذين عنه ربما يحكي قوله ولا يسميه فغايته أن يعد قولًا للحاكي نفسه وقوله غير حجة، وماجاوز هذا من شطحات أبي رية زيفته في غير هذا الموضع (راجع ص ٧٣)
قال تكذيب الصحابة لكعب نهى عمر كعبًا عن التحديث وقال له:
[ ١٢٦ ]
لتتركن الحديث [عن الأول] أو لألحقنك بأرض القردة»
أقول: مر ما فيه ص٤٧ وقد أسقط أبو رية هنا كلمة «عن الأول» لحاجة في نفس إبليس (١) سيأتي شرحها في الكلام على ص١٦٣
قال «وكان علي يقول إنه لكذاب» .
أقول: لم يعز أبو رية هذا إلى كتاب، ولا عثرت عليه، ولو كان له أصل لذكر في ترجمة كعب من كتب الجرح والتعديل / وذكر عن معاوية أنه «ذكر كعبًا فقال: إنه من أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وأن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» وعلق على كلمة «أصدق» أن في رواية أمثل وإنما وقع بلفظ «أمثل» في عبارة نقلها ص١٢٨ عن اقتضاء الصراط المستقيم وعلق هناك أنها هي الرواية الصحيحة، أما رواية «أصدق» «فيبدو أنها محرفة» كذا يجازف هذا المسكين، وصاحب الاقتضاء يورد في مؤلفاته الأحايث من حفظه، وإنما الرواية «أصدق» كما في صحيح البخاري وغيره. هذا وقد بين أهل العلم أن مقصود معاوية بالكذب الخطأ. راجع فتح الباري ٢٨٢:١٣ وتهذيب التهذيب، والسياق يوضح ذلك، فالكلام إنما هو في التحديث عن أهل الكتاب، أي عن كتبهم، ولم يكن معاوية ينظر في كتبهم، وإنما كان كعب وغيره يحكون تنبؤات عما يستقبل من الأمور فيعلم الصدق أو الكذب بوقوعها وعدمه، والظاهر أنه كان عند كعب صحف فيها تنبؤات من غيره، ومن أعجب ما جاء في ذلك ما جرى له مع ابن الزبير، والذي يصح عنه من ذلك قليل، غير أن الوضاعين بعده استغلوا شهرته بذلك فكذبوا عليه كثيرًا لأغراضهم، وكان الكذب عليه أيسر عليهم من الكذب على النبي ﷺ
قال «قصة الصخرة بين عمر وكعب الخ»
_________________
(١) هي المكيدة التي تقدمت الإشارة إليها ص٧٣و ٧٤و ٧٥و ٨٢و ٨٩
[ ١٢٧ ]
أقول: قد تقدم النظر فيها ص٧٥
قال ص١٢٧ «.. روى بعضهم عن كعب الأحبار أنه ذكر عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر أن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى»
أقول: واضع هذا جاهل، فإن قوله «عند عبد الملك بن مروان» يعني في خلافته، وإنما ولى سنة ٦٥ بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة
قال ص١٢٨ «وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي:. . . وكان - أي عمر - يضربه بالدرة ويقول له: دعنا من يهوديتك
أقول: لم يسند السبط هذه الحكاية، وهو معروف بالمجازفة
قال «الاسرائيليات في فضل بيت المقدس»
ذكر أخبار عن كعب منها خبر «أنت عرشي الأدنى» المار قريبًا ونسبها إلى بعض كتب الأدب وقد قال هو نفسه ص١٢٩ «بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى» وإنما/ بنيت قبة الصخرة بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة. وفي كتاب (فضائل الشام) للربعي سبع عشرة حكاية عن كعب قال فيها مخرجه الشيخ ناصر الدين الأرناؤط «كل الأسانيد لا تصح» وفي هذا تصديق لما قلته مرارًا أن غالب ما يروى عن كعب مكذوب عليه. وبعد فلو صح شيء من ذلك فإنما كان كعب يخبر عن صحف اليهود، ومعقول أن يكون فيها أمثال ذلك
قال «وعن أبي هريرة الخ»
أقول هذا كذب مفترى على أبي هريرة ﵁، وقد قال أبو رية ص١٢٩ «بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث الخ» وإنما بنيت بعد وفاة أبي هريرة بعدة سنين. وقوله «تلميذ كعب الأحبار» يطلقها ظالمًا على أبي هريرة
[ ١٢٨ ]
وابن عباس وابن عمرو وغيرهم من الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم «ليغيظ بهم الكفار»
قال ص١٢٩ «وفي حديث: أن الطائفة من أمته.. إنهم في بيت المقدس وأكنافه»
أقول: روى هذا من حديث أبي أمامة بسند ضعيف، وعلى فرض صحته فليس المراد أنهم هناك دائمًا، كيف ولم يكن هناك في عهد النبي ﷺ أحد من المسلمين، وإنما المعنى أنهم يكونون هناك في آخر الزمان حين يأتي أمر الله
وقال «ما قيل في المسجد الأقصى: كانت الأحاديث الصحيحة أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى»
أقول: أما الصخرة فنعم لا يثبت في فضلها نص، وأما المسجد ففضله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع
قال «وقد روى أبو هريرة [مرفوعًا]: لا تشد الرحال إلى إلا ثلاثة مساجد الخ»
أقول الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي بصرة الغفاري، وجاء من حديث ابن عمر ﵃
وذكر قول ميمونة لامرأة نذرت أن تصلي في بيت المقدس «اجلسي وصلي في مسجد رسول الله، فإني سمعت رسول الله يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة»
قال أبو رية «ولو أن المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفي نذرها»
/
[ ١٢٩ ]