أقول: وفي هذا كلام معروف
قال «ومن القواع الجليلة أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الأحوال يكسوها ثوب الإجمال فيسقط به الاستدلال»
أقول: موضع هذا أن يحتمل الخبر وجهين ولا دليل فيه على أحدهما، فإنه إذا كان أحدهما راجحًا فالحكم له
ثم قال أبو رية ص٢٦٣ «ليس في الحديث متواتر »
أقول: من نفى هذا إنما نفى التواتر اللفظي، فأما المعنوي فكثير، فلتراجع الكتب التي نقل عنها
وذكر في الحاشية حديث الحوض، وكأنه استهزأ به، ومن استهزأ به فليس من أهله
ثم ذكر شيئًا من تقسيم العلماء للحديث، إلى أن قال ص٢٦٧ «تعدد طرق الحديث لا يقويها. قال العلامة السيد رشيد رضا: يقول المحدثون في بعض الأحاديث حتى التي لم يصح لها سند: إن تعدد طريقها يقويها وهي قاعدة نظرية غير مطردة
أقول: أما اطلاق أبي رية في العنوان فباطل قطعًا كما سترى. وأما إشارة القرآن فيكن إ ثباتها باشتراط القرآن العدد في المشهور وقوله تعالى (١٤:٣٦ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث)، ومن السنة حديث ذي اليدين والمعقول واضح. نعم قوله «غير مطردة» حق لا ريب فيه، بل أزيد على ذلك أن بعض الأخبار يزيده تعدد الطرق وهنا، كأن يكون الخبر في فضل رجال من كل طريق من طرق كذاب أو متهم ممن يتعصب له أو مغفل أو مجهول
[ ٢٥٥ ]
/ قال «فتعدد الطرق في مسألة مقطوع ببطلانها شرعًا كمسألة الغرانيق أوعقلًا لا قيمة له لجواز تلك الطرق على الباطل»
أقول: أما الباطل يقنيًا فلا يقيده التعدد شيئًا، بل يبعد جدًا أن تتعدد طرقه تعددًا يفيده قوة قوية، نعم قجد يختلف المتن في الجملة ويكون الحكم بالبطلان إنما هو بالنظر إلى ما وقع في بعض الطرق، وقد يكون ذلك الخطأ وقع فيه وقد يفهم الناظر معنى بحكم بطلانه ن وللخبر معنى آخر مستقيم، وكثيرًا ما يقع الخلل في الحكم بالبطلان
وقال أبو رية ص ٢٦٩ «كتب الحديث المشهورة» ثم ذكر الموطأ وذكر أشياء ينبغي مراجعة مصادرها، إلى أن قال ص٢٧٣ «قال ابن معين: إن مالكًا لم يكن صاحب حديث، بل كان صاحب رأي»
أقول: لم يذكر مصدره إن كان له مصدر، ومن المتواتر ثناء ابن معين البالغ على مالك بمعرفة الحديث ورواته والإتقان والتثبت، وليس من شأن ابن معين النظر في الفقه
قال «وقال الليث بن سعد: أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنة الرسول»
أقول: قد عرفنا أن مالكًا ربما توقف عن الأخذ بالحديث لاعتقاده أنه منسوخ أو نحو ذلك، وقد تبني على الحديث الواحد مئات من المسائل، وقد قال مالك «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به (١)»
قال «وقد اعترف مالك بذلك»
أقول: لم يذكر مأخذه حتى نبين له غلطة أو مغالطته
قال «وألف الدارقطني جزءًا يما خولف يه مالك من الأحاديث في الموطأ وغيره، وفيه أكثر من عشرين حديثًا»
_________________
(١) من ترجمة مالك في تهذيب التهذيب
[ ٢٥٦ ]
أقول: منها ما الصواب فيه مع مالك، ومنها ما كلا الوجهين صحيح، ومنها م الإختلاف فيه في أمر لا يضر
ثم قال «البخاري وكتابه » إلى أن قال ص٢٧٤ «كان البخاري يروي بالمعنى »
أقول: تقدم النظر في ذلك ص٩٥
قال «قال ابن حجر: من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تامًا بإسناد واحد ولفظين »
أقول: عزاه إلى فتح الباري ١٨٦:١٠ وإنما هو في ١٩٣:١٠ من الطبعة الأولى الميرية، وبين ابن حجر هناك أن اختلاف اللفظ وقع ممن فوق البخاري لا من البخاري، فراجعه، وتعجب من أمانة أبي رية!
/ ثم قال «موت البخاري قبل أن يبيض كتابه. يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبيض كتابه، فقد ذكر ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن أبا إسحق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصهل الذي كان عنده صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها. فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل احد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرق أو رقعة مضافة أنه من موضع ما أضافه إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث»
أقول: قول ابي رية «قبل أبن يبيض» يوهم احتمال أن يكون في النسخة مالم يكن البخاري مطمئنًا إليه على عادة المصنفين، يستعجل أحدهم في التسويد على
[ ٢٥٧ ]
أن يعود فينقح. وهذا باطل هنا، فإن البخاري حدث بتلك النسخة وسمع الناس منه منها وأخذوا لأنفسهم نسخًا في حياته، فثبت بذلك أنه مطمئن إلى جميع ما أثبته فيها. لكن ترك مواضع بياضا رجاء أن يضيفها فيما بعد فلم يتفق ذلك، وهي ثلاثة أنواع: الأول أن يثبت الترجمة وحديثًا أو أكثر ثم يترك بياضًا لحديث كان يفكر في زيادته، وأخر ذلك لسبب ما ككونه كان يجب إثباته كما هو في أصله ولم يتيسر له الظفر به حينئذ
الثاني أن يكون في ذهنه حديث يرى إفراده بترجمة فيثبت الترجمة ويؤخر إثبات الحديث لنحو ما مر
الثالث أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضًا للترجمة لأنه يعني جدًا بالتراجم ويصمنها حديثًا وينبه فيها على معنى خفي في الحديث أحمله على معنى خاص أو نحو ذلك. فإذا كان مترددًا ترك بياضًا ليتمه حين يستقر رأيه وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل في ما أثتبه. فأما التقديم وا لتأخير فالاستقرار يبين أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم يتقدم أحد البابين في نسخه ويتأخر في أخرى، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة وتتأخر عنه في أخرى فيلتحق بالترجمة السابقة، ولم يقع من ذلك ما يمس سياق الأحاديث بضرر. وفي مقدمة الفتح بعد العبارة السابقة «قلت: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمعه بني الترجمة والحديث وهي مواضع قليلة جدًا»
ثم قال أبو ر ية ص ٢٧٥ «وقد انتقده الحفاظ في عشرة ومائة حديث، م منها ٣٢ حديثًا وافقه مسلم على إخراجها»
أقول: قد ساقها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح وبين حالها، ومن تدبر ذلك علم أن الأمر فيها هين / ليس فيه ما يحط من قدر البخاري وصحيحه
قال «وكذلك ضغف الحفاظ من رجل البخاري نحو ثمانين رجلًا »
[ ٢٥٨ ]
أقول: سيأتي النظر في هذا قريبا
قال «وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض للأحاديث المتنقدة على البخاري ما يلي: إذا قرأت ما قاله الحافظ فيه رأيتها كلها في صناعة الفن ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه (فتح الباري) رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل للمشكلات بما يرضيك بعضه فوق بعض»
أقول: السيد رشيد رضا وغيره يعلمون أن في القرآن آيات يشكل بعضها على كثير من الناس، وآيات يتراءى فيها التعارض، والذين فسروا القرآن ومنهم السيد رشيد يحاولون حل ما يتراءى إشكاله والجمع بين ما يتراءى تعارضه (بما يرضيك بعضه دون بعض) . والقرآن كله حق (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فثبت بهذا أن ما ذكره السيد رشيد رضا في تلك الأحاديث لا تصلح دليلًا على البطلان
هذا وللإستشكال أسباب، أشدها استعصاء أن يدل النص على معنى هو حق في نفس الأمر لكن سبق لك أن اعتقدت اعتقادًا جازمًا أنه باطل
وقال ص ٢٧٦ «وقال الدكتور أحمد أمين إن بعض الرجال الذين روى لهم [البخاري] غير ثقات، وقد ضعف الحافظ من رجال البخاري فوق الثمانين»
أقول: هذا الأمر يتراءى مهولًا، فإذا تدبرنا حال أولئك الثمانين واستقر أنا ما أخرجه البخاري لهم اتضح أن الأمر هين، وقد ساق الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري تراجم هؤلاء وما قيل فيهم من مدح وقدح وما أخرجه لهم البخاري فذكر في أولهم ممن اسمه أحمد تسعة نفر اختلف فيهم وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم، فثلاثة منهم اتضح أنهم ثقات وأن قدح من قدح
[ ٢٥٩ ]
فيهم ساقطًا كما تراه جليًا في مقدمة الفتح. وثلاثة فيهم كلام، وإنما أخرج لكل واحد منهم حديثًا واحدًا متابعة، يروى البخاري الحديث عن ثقة أو أكثر ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلم فيه، واثنان روى كلم منهما أحاديث / يسيرة ولكن المتسعملي - أحد رواة الصحيح عن الفربري عن البخاري - أدرج في بابرفع الأمانة من الرقاق قوله «قال الفربري: قال أبو جعفر حدثت أبا عبد الله [البخاري] فقال: سمعت أبا [جعفر] أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: جذو قلوب الرجال - الجذر الأصل من كل شيء والو كت أثر الشيء»
هذا هو التحقيق، وإن وقع في التهذيب ومقدمة الفتح ما يوهم خلافه، وراجع الفتح ٢٨٦:١١
وإذا قد عرفت حال الستعسة الأولين فقس عليهم الباقي، وإن شئت فراجع وابحث واتضح لك أن البخاري عن اللوم بمنجاة
ثم قال أحمد أمين «وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل، فالوقوف على أسرار الرجال محال، نعم إن من زل واضحة سهل الحكم عليه، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال»؟
أقول: الخبير الممارس لأحوال الناس وطباعتهم وللرواية وأحوال الرواة وما جرى عليه أئمة النقد يتبين له أن الله تعالى قد هيأ الأسباب لبيان الحق من الباطل وراجع ص ٥٥و ٦٢
قال «ثم إن أحكام الناس على الرحال تختلف كل الاختلاف، فبعض يوثق رجلًا وآخر يكذبه، والبواعث النفسية على ذلك لا حد لها »
أقول: إذ نظرنا إلى الواقع فعلا انقشع هذا الضباب، حسبك أن رجال
[ ٢٦٠ ]
البخاري يناهزون ألفي رجل، وإنما وقع الاختلاف في ثمانين منهم، وقد عرضت سابقًا حال الثمانين
قال «ولعل من أوضح ذلك عكرمة مولى ابن عباس »
أقول: ترجمة عكرمة في فتح الباري فلبيراجعها من احب، أما البخاري فكان الميزان بيده، لأنه كان يعرف عامة ما صح عن عكرمة أن حدث به فاعتبر حديثه بعضه ببعض من رواية أصحابه كلهم فلم يجد تناقضًا ولا تعارضًا ولا اختلافًا لا يقع في أحاديث الثقات، ثم اعتبر أحاديث عكرمة عن ابن عباس وغيره بأحاديث الثقات عنهم فوجدها يصدق بعضها بعض، إلا أن ينفرد بعضهم بشيء له شاهد في القرآن أو من حديث صحابي آخر. فتيبن للبخاري أنه ثقة. ثم تأمل ما يصح من كلام من تكلم فيه فلم يجد حجة تنافي ما تبين له
قال: فابن جريج الطبري يثق به كل الثقة، ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه
/ أقول: نعم يثق به ابن جرير، لكن ليس روايته عنه في تفسيره وتاريخه بدليل على ذلك، فإنه كثيرًا ما يروي فيهما عمن ليس بثقة عنده ولا عند غيره لأنه لم يلتزم بالصحة
قال «وسلم ترجح عنده كذبه فلم يرو إلا حديثًا واحدًا في الحج، ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير»
أقول: كلمة «كذبه» لا وجه لها، ويردها ما بعدها، فإن من استقر الحكم عليه بأنه متهم بالكذب لا يتقوى بروايته أصلًا ولا سيما في الصحيح، لكن لعل مسلمًا لم يتجشم ما تجشم البخاري من تتبع حديث عكرمة واعتباره، فلم يتبين له ما تبين للبخاري، فوقف عن الاحتجاج بعكرمة
[ ٢٦١ ]
ثم ساق أبو رية فصولًا لم أنعم النظر فيها، وفيها مواضع قد تقدم الكلام فيها، إلى أن قال ص٣٠٠ «المحدثون لا يعنون بغلط المتون، والمحدثون قلمًا يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه واقعًا في نفس المتن، لأن ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدثين، وإنما هو من شأن المجتهدين، وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه في نفس الإسناد لأنه من شأنهم»
أقول: الاختلاف في المتن على أضرب: الأول ما لا يختلف به المعنى. وهذا ليس باضطراب
الثاني ما يختلف به معنى غير المعنى المقصود، وهذا قريب من سابقه، ومنه القضية التي استدل بها أبو رية في عدة مواضع يحسب أنه قد ظفر بقاسمة الظهر للحديث النبوي! وهي الاختلاف والشك في الصلاة الرباعية التي سها فيها النبي ﷺ فسلم من ركعتين فنبهه ذو اليدين، فوقع في رواية «إحدى صلاتي العشي» وي رواية «الظهر» وفي أخرى «العصر» فالأخريان مختلفتان لكن ذلك لا يوجب اختلافًا في المعنى المقصود فإن حكم لصلوات في السهو الواحد
الثالث ما يختلف به معنى مقصود لكن في الحديث معنى آخر مقصود لا يختلف كقصة المرأة التي زوجها النبي ﷺ رجلًا بأن يعلمها ما معه من القرآن وقد تقدمت ص ٥٩
الرابع ما يختلف به المعنى المقصود كله، فهذا لا يصح السند بالوجهين وأمكن الترجيح فالراجح هو الصحيح، وإلا فالوقف، والغالب أن البخاري ومسلمًا ينبهان على الترجيح بطرق يعرفها من مارس الصحيحين، وكذلك كتب السنن يكثر فيها بيان الراجح، لكن قد لا يتبين لأحدهم فيرى أن عليه إثبات الوجهين يحفظهما لمن بعده، فرب مبلغ أوعى من سامع
[ ٢٦٢ ]
/ وذكر ص ٣٠١ عن السيد رشيد رضا: أن علماء الحديث قلمًا يعنون بغلط المتون ما يخص معانيها وأحكامها.. وإنما يظهر معاني غلط المتون للعلماء والباحثين في شروحها من أصول الدين وفروعه وغير ذلك»
أقول: أما الكتب التي لم تلتزم الصحة ولا الاحتجاج فنعم، وقد يقع يسير من ذلك في صحيح مسلم، فأما صحيح البخاري وما يصححه الإمام أحم ونظراؤه فإنهم يعنون بذلك، وراجع لأصول الدين ما تقدم ص ٢
وأشار إلى حديث «خلق الله التربة الخ» وقد تقدم ص ١٣٥-١٣٨، وإلى حديث أبي ذر في شأن الشمس وقد مر ص١٦٥ ويأتي ص٢١٣
وقال «لو انتقدت الرواية من جهة فحوى متنها مكمنا تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض»
أقول: هذه دعوى إجمالية، والعبرة بالنظر في الجزئيات، فقد عرفنا من محاولي النقد أنهم كثيرًا ما يدعون القطع حيث لا يقطع، ويدعون قطعًا يكذبه القرآن، ويقيمون الاستبعاد القطع مع أن الاستبعاد كثيرًا ما ينشأ عن جهل بالدين وجهل بطبيعته وجهل بما كامن عليه الحال في العهد النبوي، وكثيرًا ما يسيئون فهم النصوص
وقال ص٣٠٣ «وقد تعرض كثير من أئمة الحديث النقد من جهة المتن إلا أن ذلك قليل جدًا بالنسبة لما تعرضوا له من النقد من جهة الإسناد»
أقول: من تتبع كتب تواريخ رجال الحديث وتراجمهم وكتب العلل وجد كثيرًا من الأحاديث يطلق الأئمة عليها «حديث منكر. باطل. شبه الموضوع. موضوع» وكثيرًا ما يقولون في الراوي «يحدث بالمناكير، صاحب مناكير، عنده مناكير منكر الحديث» ومن أنعم النظر في أحاديثهم والطعن فيمن جاء بمنكر صار
[ ٢٦٣ ]
الغالب أن لا يوجد حديث منكر إلا وفي سنده مجروح، أو خلل، فلذلك صاروا إذا استنكروا الحديث نظروا في سنده فوجدوا منا بينه وهنه فيذكرونه، وكثيرًا ما يستغنون بذلك عن التصريح بحال المتن، انظر موضوعات ابن الحوزي وتدبر تجده إنما يعمد إلى المتون التي يرى فيها ما ينكره ولكنه قلما يصرح بذلك بل يكتفي غالبًا بالطعن في السند وكذلك كتب العلل وما يعل من الأحاديث في التراجم تجد غالب ذلك ما ينكره متنه، ولكن الأئمة يستغنون عن بيان ذلك بقولهم «منكر» أو نحوه أو الكلام في الراوي أو التنبيه على خلل من السند كقولهم: فلان / لم يلق فلانًا لم يسمع منه. لم يذكر سماعًا. اضطرب فيه. لم يتابع عليه. خالفه غيره. يروي هذا موقوفًا وهو أصح، ونحو ذلك
وذكر حديث «يلقى إبراهيم أبيه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إ نك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فقال الله تعالى: إني حرمت الجنى على الكافرين » وذكر قول الإسماعيلي «هذا حديث في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما بأبيه خزيًا له مع إخباره أن الله قد وعده ان لا يخزيه يوم يبعثون، وأعلمه أنه لا خلف لوعده»
أقول: عن هذا جوابان: الأول أن إبراهيم لم يجعل ما بأبيه حينئذ من القترة والغبرة خزيًا، إنما جعل الخزي ما كان منتظرًا من دخول النار كا يدل على إجابة الله تعالى له بقوله: إني حرمت الجنة على الكافرين وكما يشهد له ما ذكره الله من قول عباده (١٩٢:٣ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته» فدعاؤه إنما هو استنجار الموعد كما في (١٩٤:٣ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) وكان النبي ﷺ يدعو في عريش بدر (اللهم إني
[ ٢٦٤ ]
أنشدك عهدك ووعدك) . ومن هذا أو مما يأتي ما قصه الله تعالى عن نوح من قوله (٤٥:١١ رب إن ابني من أهلي وإ ن وعدك الحق) . الثاني أن المخلوق قد يتملكه النظر من جهة فيناله ذهول من الجهة الأخرى، كا قصه الله تعالى عن الملئكة من قولهم (٣٠:٢أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء) ومن قول زكريا أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) وقد بين الله تعالى لخليله أن الجنة محرمة على الكافرين، وبذلك لا يكون أبوه داخلًا في الوعد بل ليس في دخول آزر بكفره النار خزي لإبراهيم، لكن هذه الحقيقة إنما تكشف حق الانكشاف لأهل الجنة بعد دخولها، وقد يكون في بقية الحديث ما يستفاد من أن الله تعالى كشف لإبراهيم تلك الحقيقة حينئذ، فراجعه وتدبر ما مر واعتبر به
ثم ذكر أبو رية فصولًا، إلى أن قال ص ٣٠٧ «اختلافهم في الجرح والتعديل» وسمي جماعة ينبغي مراجعة تراجمهم في كتب الحال، وراجع ص ١٨٩
وقال ص٣٠٩ «وقال صاحب العلم الشامخ: قد اختلفت آراء الناس واجتهاداتهم في التعديل والتجريح، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الأقوال حتى يوصف بأنه أمير المؤمنين وبأنه أكذب الناس، أو قريب من هاتين العبارتين»
/ أقول: قد تقدم ص١٨٩ أن المختلف فيهم قليل، ولا تبلغ كلمتان في رجل واحد هذا التفاوت الذي ذكره ولا ما يقاربه إلا قليلًا حيث يكون في إحداهما خلل، وللخلل أسباب وعلامات بسطت القول فيها بعض البسط في (التنكيل)، والناظرون في العلم ثلاثة: مخلص مستعجل يجأر بالشكوى، ومتبع لهؤلاء فأنى يهديه الله، ومخلص دائب فهذا ممن قال الله تعالى فيهم (والذين جاهدا فينا
[ ٢٦٥ ]
لنهديهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين) وسنة الله ﷿ في المطالب العالية والدرجات الرفيعة أن يكون في نيلها مشقة ليتم الابتلاء ويستحق البالغ إلى تلك الدرجة شرفها وثوابها قال الله تعالى (٣١:٤٧ ولنبولنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم)
وذكر عن السيد رشيد رضا «إن توثيق من وثقه المتقدمون وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل يفتح باب الطعن في أنفسنا ينبذ الدليل »
أقول: هذا حق، ولكن شأن في الدليل الصحيح الذي يعارضه ما هو أقوى منه
الصحابة ﵃
ثم قال أبو رية ص٣٠ «عدالة الصحابة »
أقول: الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكل خير معروفة، ومن آخرها نزولًا قول الله ﷿ (١١٧:٩ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ساعة العسرة غزوة تبوك، وكلمة «المهاجرين» هنا تشمل السابقين واللاحقين ومن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحد إلا عاجزًا أو مأمور بالتخلف مع شدة حرصه على الخروج، وفي الصحيح قول النبي ﷺ لما رجع من تبوك «إن المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم.. حبسهم العذر» . وفي الفتح أن المهاب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى (٥٩:٤ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون» وهو استشهاد متين، والمأمور بالتخلف أولى بالفضل. وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعم المهاجرين من لحق بهم لا نعلم ثم ما يخصصه، فأما الأنصار فقد عمت الآية من خرج معهم إلى تبوك والثلاثة الذين خلفوا والمهاجرين، ولم يبق إلا نفر
[ ٢٦٦ ]
كانوا منافقين. وفي الصحيح في حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا: «فكنت إذا خرجت إلى الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى / إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء» وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكد ذلك بتخلفه لغير عذر وعدم ثبوبتهم، ثم نزلت سورة براءة فقشقشتهم وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشاور إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي ﷺ فأما قول الله ﷿ (لا تلعمهم، نحن نعلمهم) فالمراد والله أعلم بالعلم ظاهره أي باليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي متهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتهمين من لم يكن
منافقًا في نفس الأمر، وقد قال تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) ونص في سورة براءة وغيرها على جماعة منهم بأوصافهم، وعين النبي ﷺ جماعة منهم، فمن المحتمل أن الله ﷿ بعد أن قال (لا تعلمهم) أعلمه به كلهم، وعلى كل حال فلم يمت النبي ﷺ إلا وقد عرف أصحابه المنافقين يقينًا أو ظنًا أو تهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق. ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يحس لهم عند وفاة النبي ﷺ حراك، ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي ﷺ لأنه يعلم أن ذلك لا يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره. وقد سمي أهل السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يعرف عن أحد منهم أنه حدث عن النبي ﷺ، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة أنهم من خيارهم
وأما الأعراب فإن الله ﵎ كشف أمرهم بموت رسوله ﷺ، فارتد المنافقون منهم، فيتبين أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبي ﷺ ما يستقر لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين
وأما مسلمة الفتح فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يعقل أن ينقلبوا
[ ٢٦٧ ]
كلهم مؤمنين بين عشية وضحاها، مع أنهم إذا أسلموا حين قهروا وغلبوا ورأوا أن بقاءهم على الشرك يضر بدنياهم، والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويدلك على قوة تأثيره أمور: الأول ما قصه الله ﵎ من قولهم (٢٦:٤١ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) وقولهم (٤٢:٢٥ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها)
الثاني ما ورد من صدهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يرد مكة وارد إلا حذروه أن يستمع إلى / النبي ﷺ، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس
الثالث وهو أوضحها إسلام جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديمًا، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله أبو جندل انبا سهيل بن عمرو وغيرهم، وآباء هؤلاءهم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا، فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكتاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارئ أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقل لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله
والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيت، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالإسلام، فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا وضحوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشوا فيهم حتى بعد هجرة المصطفى ﷺ ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاط بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الإسلام بسرعة
[ ٢٦٨ ]
وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين
ونستيطع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك خرافاته من النفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض بلفظ آخر أنفاسه، فلما فتحت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربع في نفوسهم من قبل. نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤسا. فسط لهم النبي صى الله عليه وسلم التأليف يوم فتح مكة وبعده وآثرهم بغنائم حنين، ولم يزل يتحراهم بحسن المعاملة حتى اقتلع البقية الباقية من أثر العناد
ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبي ﷺ لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصة بيت من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم، ما أكد حب الإسلام في صدر كل قرشي، وكيف لا وقد جمع لهم إلى كل شير كانوا يعتزون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة، م يوضخح لك لك أن الذين عاندوا إل يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجد الناس في الجهاد / كسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وعمه الحارث ويزيد بن أبي سفيان
فأما ما يذكره كثير من الكتاب من العصبية بني بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة:
شمل الإسلام الفريقين ظاهرًا وباطنًا، وكما أسلم قديمًا جماعة من بني هاشم فكذلك من بني أمية كابني سعيد بن العاص وعثمان بن عفان وأبي حذيفة بن عتبة، وكما تأخر الإسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم، وكما عاداه بعض بني أمية فكذلك بعض بني هاشم كأبي لهب بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب، ونزل القرآن يذم أبي لهب ولا نعلمه نزل في ذم أموي معين، وتزوج النبي
[ ٢٦٩ ]
ﷺ بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوج هاشمية، وزوج إحدى بناته في بني هاشم وزوج ثلاثًا في بني أمية، فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمر هدفًا لكراهية الجانب الآخر. بل ألف الله قلوبهم فأصبحوا بنعمتة إخوانا وأصبح الإسلام يلفهم جميعًا: يحبونه جميعًا ويعظمونه جميعًا ويعتزون به جميعًا ويحاول كل منهم أن يكون حظه منه أوفر، ولم تكن بيين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة تفرد ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمر في علي وعثمان فاختير عثمان وجدت الأوهام منقذًا إلى الخواطر ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعة من عشيرته بني أمية وعمالًا وصار بعض الناس يشكوهم أشيعت عن علي كلمات يندد بهم ويتوعدهم بإنه إذا ولى خلافة عزلهم وأخذ أموالهم وفعل وفعل، ثم كانت الفتنة وكان لبعض من يعد من أصحاب على إصبع فيها، حتى قتل عثنمان وقام قلتلته بالسعي لمبايعة علي فبويع علي وبقي جماعة منهم في عسكره، فمن تدبر هذا وجد هذه الأسبباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذن فلا وجه لاقحام ثارات بدر وأحد التي أماتها الإسلام وما حكى مما يشعر بذلك لا صحة له البتة، إلا نزعة شاعر فاجر في زمن بني العباس يصح أن تعد من آثار الاسراف في النزاع لا من مؤثراته، وجرى من طلحة والزبير ما جرئ فأي ثار لهما كان عند بني هاشم؟
وبهذا يتضح جليًا أن لا مساغ البتة لأن يعلل خلاف معاوية يطلبه بثأر من قتل من آله ببدر، ثم يتذرع بذلك إلى الطعن في إسلامه، ثم في إسلامه نظرائه !
فإن قيل: مهما يكن من حال الصحابة فإنهم لم يكونوا معصومين فغاية الأمر أن يحملوا على العدالة ما لم يتبين / خلافها، فلماذا يعدل المحدثون من تبين ما يوجب جرحه منهم؟
فالجواب من أوجه: الأول أنهم تدبروا ما نقل من ذلك فوجدوه ما بين
[ ٢٧٠ ]
غير ثابت نقلًا أو حكمًا أو زلة تيب منها أو كان لصاحبها تأويل
الوجه الثاني: أن القرآن جعل الكذب على الله كفرًا، قال تعالى (٦٨:٢ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوي للكافرين) والكذب على النبي ﷺ في أمر الدين والغيب كذب على الله، ولهذا صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، اقتصر بعضهم على أنه من أكبر الكبائر، وفرق شيخ الإ سلام ابن تيمية بين من يخبر عن النبي ﷺ فلا وساطة الصحابي إذا قال: قال النبي ﷺ كذا، وبين غيره، فمال إلى تعمد الأول الكذب كفر وتردده في الثاني. ووقوع الزلة أو الهفوة من الصحابي لا يسوغ احتمال وقوع الكفر منه. هب أن بعضهم لم يكن يرى الكذب على النبي ﷺ كفرًا، فإنه علىكل حال – يراه أغلظ جدًا من الزلات والهفوات المنقولة
الوجة الثالث: أن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتبارًا لما ثبت أنهم حدثوا به عن النبي ﷺ أو عن صحابي آخر عنه، وعرضوها على لكتاب والسنة وعلى رواية غيرهم مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له، وراجع ص٦٤ وهذا الوليد بن عقبة بن ابيم معيط يقول المشنعون: ليس من المهاجرين والأنصار، إنما هو من الطلقاء. ويقولون: إن النبي ﷺ لما أمر بقتل أبيه عقب بدر قال يا محمد فمن للصبية؟ يعني بنيه. فقال النبي ﷺ: لهم النار. ويقولون إن هو الذي أنزل الله تعالى فيه (يا آيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبنوا) فنص القرآن أنه فاسق يجب التبين في خبره، ويقولون إنه في زمن عثمان كان أميرًا على الكوفة فتشهدوا عليه أنه شرب الخمر وكلم علي عثمان في ذلك فأمره أن يجلده فامر علي عبد الله بن جعفر فجلده، ومنهم من يزيد أنه صلى
[ ٢٧١ ]
بهم الصبح سكران فصلى أربعًا ثم التفت فقال: أزيدكم؟ وكان الوليد أخا عثمان لأمه، فلما قتل عثمان صار الوليد ينشء الأشعار يتهم عليًا بالموالاة على قتل عثمان ويحرض معاوية على قتال علي
/ هذا الرجل أشد ما يشنع به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة، فإذا نظرنا إلى ريواته عن النبي ﷺ لنرى كم حديثًا روى في فضل أخيه، وولى نعمته عثمان؟ وكم حديثًا روى في ذم الساعي في جلده الممالي على قتل أخيه في ظنه، علي؟ وكم حديثًا روى في فضل نفسه ليدافع ما لحقه من الشهرة بشرب الخمر؟ هالنا أننا لا نجد له رواية البتة، الهلم إلا أنه يوجد عنه حديث في غير ذلك لا يصح عنه، وهو ما رواه أحمد وأبو داود نم طريق رجل يقال له أبو موسى عبد الله الهمداني عن الوليدبن عقبة قال: «لما فتح النبي ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصيبيانهم فيمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فجئ بي إليه وأنا مطبيب بالخلوق فلم يمسح رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني بالخلوق، فلم يمسني من أجل الخلوق»
هذا جميع ما وجدناه عن الوليد عن النبي ﷺ وأنت إذا تفقدت السند وجدته غير صحيح لجهالة الهمداني، وإذا تأملت المتن لم تجده منكرًا ولا فيه ما يمكن أ، يتم فيه الوليد، بل الأمر بالعكس فإنه لم يذكر النبي ﷺ دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه، ولذلك قال بعضهم: قد علم الله تعالى حاله فحرمه بركة يد النبي ﷺ ودعائه. أفلا ترى معي في هذا دلالة واضحة على أنه كان بين القوم وبين الكذب على النبي ﷺ حجر محجور؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الاخنائي ص١٦٣ «فلا يعرف من من الصحابة من كان يعتمد الكذب على رسول الله ﷺ، وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه»
[ ٢٧٢ ]
قد ينفر بعض الناس من لفظه «العصمة» وإنما المقصود أن الله ﷿ وفاء بما تكفل به من حفظ دينه وشريعته هيأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سحانه من أن يتعمد أحد منهم الكذب على رسول الله ﷺ
فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ؟ قلت الخطأ إذا وقع من أحد منهم فإن الله تعالى يهيئ ما يوقف به عليه، وتبقي الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حديث بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره. راجع ص٢٠-٢١
هذا وفي كتاب أبي رية ص٤٢-٥٣ «كلام أخرت النظر فيه إلى هنا كما أشرت إليه ص٥٢ من كتابي هذا، قال ص٤٢ «الكذب على النبي ﷺ قبل وقاته »
/ ثم ذكر ما روى عن ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب قال «كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة، فجاءهم رجل وعليه حل، فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى – وكان قد خطب منهم امرأى [في الجاهلية] فلم يزوجوه، فانطلق [حتى نزل] على تلك المرأة، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ. فقال: كذب عدو الله، ثم أرسل رجلًا. فقال إن وجدته حيًا [ولا أراك تجده] فاضرب عنقه، وإن وجدته شيئًا فحرقه بالنار»
أقول: عزاه إلى أحكام ابن حزم، ومنه أضفت الكلمات المحجوزة، وانظر لماذا أسقطها أبو رية؟ ورواية عن ابن بريدة صالح بن حيان وهو ضعيف له أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى وفي كل منها ضفع. راجع مجمع الزوائد ١٤٥:١. وعلى
[ ٢٧٣ ]
فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سولت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة لعله يتمكن من الخلوة بها ثم يقر، إذ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبي ﷺ سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله ﷺ، فرأوا أن ينزلوا الرجال محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي ﷺ يخبرونه. وقوله ﷺ «ولا أراك تجده» ظن منه أن عقوبة الله ﷿ ستعاجل الرجل. وكذلك كان كما في الطرق الأخرى، وجده الرسول قد مات، وفي رواية «خرج ليبول فلدغته حية فهلك»
وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبي ﷺ غير متهم بالنفاق ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ. يراحع ص١٣ فما بعدها، وتعجيل العقوبة القدرية لذلك الرجل يمنع غيره من أن تحدثه نفسه بكذب على النبي صلى الله عليهوسلم في حياته، وكذا من باب أولى بعد وفاته، فإن العقوبة القدرية لم تمهل ذاك مع أنه يصدد أن تناله العقوبة الشرعية، ولا يترتب على كذبه المفاسد؟ ولهذا جاء في رواية أن الصحابي بعد ﷺ ذكر حديثًا فاستثبته بعض الناس فحدث بالقصة ثم قال «أتراني كذبت على رسول الله ﷺ بعد هذا»؟
وذكر أبو رية خبر المقنع التميمي، ويقال: المنقع، وسنده واه جدًا يشمل على مجاهيل وضعفاء فلا أطيل به، هذا من الحكمة في اختصاص الله تعالى اصحاب رسوله بالحفظ من الكذب عليه أنه سبحانه كره أن يكونوا هدفًا لطعن من بعدهم لأن ذريعة إلى الطعن في الإسلام جملة. وليس هناك سبب مقبول للطعن إلا أن يقال: نحن مضطرون إلى بيان أحوالهم ليعرف من لا يحتج بروايته منهم، فاقتضت الحكمة حسم هذا لقع العذر عمن يحاول الطعن في أحد منهم
وقال ص٤٣ «الكذب على النبي ﷺ فإن الكذب
[ ٢٧٤ ]
قد كثر عليه بعد وفاته »
أقول: قد كان كذب، لكن متى؟ وممن؟ لا شأن لنا بدعاوي أبي رية، وإنما ننظر في شواهده:
/ ذكر قصة بشير «بالتصغير) بن كعب العدوي مع ابن عباس في مقدمة صحيح مسلم وجعلها قصتين وإنما هي روايتان. ويشير هذا غير بشير (بفتح فكسر) بن كعب بن أبي الحميري العامري الذي شهد اليرموك، بل هذا أصغر منه بكثير، وأخطأ من عدهما واحدًا، راجع الإصابة. وهذا عراقي بصري له قصة مع عمران بن حصين في الحياة تدل أنه كان يقرأ صحف أهل الكتاب، وقصته مع ابن عباس يظهر أنها كانت حوالي ستة سنين، فإن ابن عباس توفي سنة ٦٨ أبو بعدها وعاش بشير بعد ابن عباس زمانا
روى مسلم قصة من طريق طاوس ومجالد، وحاصلها أن بشيرًا جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث (زاد مجاهد: ويقول قال رسول الله صلى الله عليهوسلم. قال رسول الله ﷺ) قال طاوس: فقال له ابن عباس عد لحديث كذا وكذا، فعاد له. ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له ما أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا. أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه. فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه (وفي رواية طاوس هي أثتب عن الأولى، قال: إنا كنا نحف الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ. فأما إذ ركبتم كل صعف وذلول فهيهات) ولفظ مجاهد: فجعل اب عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي فقال ابن عباس: «إذا كنا مرة إذ سمعنا رجلًا يقول قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا من نعرف»
[ ٢٧٥ ]
عرف ابن عباس أن بشيرا ً ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يعرف بالثقة، وفوق ذلك كأن يرسل، لا جرم لم يصغ إلى أحاديثه، فأما استعادته بعضها فكأن المستعاد كأن أحاديث يرفعها عن ابن عباس، فأراد أن يصححها لبشير إن كان عنده فيها خطأ
كانت القصة حوالي سنة ستين كما مر، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يؤخذ مما يأتي، وبشير عراقي فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة ﵃، ولا ما يدل على ظهور الكذب بعد وفاة النبي بمدة يسيره، وقوله في إحدى روايتي طاوس «تركنا الحديث عنه» يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف
وذكر ص٤٤ ما في مقدمة صحيح مسلم أيضًا عن ابن أبي مليكة «كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابًا ويخفي عني قال: ولد ناصح، وأنا أختار له الأمور اختيارًا وأخفي عنه، قال: فدعا بقضاء علي ﵁ / فجعل يكب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضي بهذا علي، إلا أن يكون ضل»
أقول: أورد مسلم بعد هذا «عن طاوس قال: أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي » ثم أورد «عن ابن إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعدعلي ﵁ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله أي علم أفسدوا» التف حول علي ﵁ بالكوفة نفر ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء علي، وجئ إلى ابن عباس بنسخة منه. وذكر مسلم أيضًا ونقله أبو رية عن المغيرة بن مقسم قال «لم يكن على علي ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود»
وذلك أن أبا مسعود كان بالكوفة في عهد علي وبعد، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء علي إلى الكوفة أخذوا عنه أيضًا وكانوا أوثق
[ ٢٧٦ ]
أصحابه، وهذه الآثار إنما تدل على فشو الكذب بالكوفة بعد علي ﵁
درجات الصحابة
وقال أبو رية ٤٥ «درجات الصحابة »
ثم قال ص٤٧: «رواية الصحابة بعضهم عن بعض، وروايتهم عن التابعين..»
وعاد بيدئ ويعيد لتأكيد تلك المكيدة الجهنمية التي سبق الكشف عنها ص٧٢-٧٥و ٨٢و ٨٩-٩٠و ١٠٩-١١٠و ١٥٧و ١٧١
ثم قال ص٤٩ «نقد الصحابة بعضهم لبعض »
أقول: ذكر أشياء معروفة مع أجوبتها في كتب الحديث، وحاصلها أن أحدهم كان إذا سمع من أخيه حديثًا يراه معارضًا لببعض ما عده توقف فيه، وظن أب جوز أن أخاه أخطأ، مع تميزه بعضهم لبعض عن تعمد الكذب
وذكر فيها ص٥٢ «ولما بلغها- يعني عائشة – قول أبي الدرداء: من أدرك الصبح فلا وتر عليه. فقالك لا، كذب ابو الدرداء، كان النبي صلى اله عليه وسلم يصبح فيوتر»
أقول: الخبر في سنن البيهقي ٤٧٩:٢ ولفظه فلا وتر له» ورواية عن أبي الدرداء وعائشة أبو نهيك الأزد الفراهيدي، قال ابن القطان «لا يعرف» يعني أنه مجهول الحال، ولا يخرجه عن ذلك ذكر ابن حبان له في الثقات، وفوق ذلك لايعلم له إدراك لأبي الدرداء وعائشة، بل الظاهر عنده فالخبر منقطع، ويعارضه ما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي ﷺ «انتهى وتره إلى السحر» . وعلى فرض صحة الحكاية فإنما قال أبو الدرداء من قبل نفسه لم يذكر رواية، فكلمة/ «كذب «بمعنى «أخطأ» كما هو معروف عنه راجع ص٥١
[ ٢٧٧ ]
قال «وقالت عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري: ما علم أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله ﷺ؟ وإنما كانا غلامين صغيرين»
أقول: ينظر في صحة هذا، فقد كانا في مثل سنها أو أكبر منها، وكانا ممن يلزم النبي ﷺ ولا سيما أنس
قال «وكانت عائشة ترد ما روى مخالفًا للقرآن»
أقول: راجع ص١٤ لتعرف ما هو الخلاف الذي يقتضي الرد
قال «وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع وسوء الفهم»
أقول: كلهم بحمد الله كان صادقًا عندهم
ثم حكى عن أحمد امين عن بعض الزيدية كلهم فيها أن الصحابة تلك بعضهم في بضع وقاتل بعضهم بعض، ونحو هذا. والجواب عن ذلك مبسوط في كتب أهل العلم، وموضاعنا هنا بيان صدقهم في الحديث النبوي، وقد أثبتناه ولله الحمد
قال «وإنما اتخذهم العامة أربابًا بعد ذلك» أقول: أما أهل السنة فلم يتخذوا أحدًا من الصحابة ربا، وإنما أولئك غلاة أصحابك الشيعة (١) .
قال «ومن أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه»
أقول: أنت وهواك، أما نحن فنقول (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، ربنا إ نك رءوف رحيم)
وذكر أبو رية ص٣١١ كلامًا للذهبي ذكر فيه ما حكى ابن وضح قال
_________________
(١) كان الشيعة الامامية قبل الدولة الصفوية ينقسمون إلى غلاة ومعتدلين، وكانوا في كتبهم الؤلفة في الجرح والتعديل لا يقبلون رواية رواية الموصوفين منهم بالغلو ثم أعلن المتأخرون من علمائهم في الجرح والتعديل ومنهم العلامة الثاني للشيخ الملعقائي عند ترجمته لكل من كان منهم ينبز بالغلو (ومنهم المفضل بن عمرو الجعفي، في ٢٤٠:٣ من تنقيح المقال في أحوال الرجال أن ما كان بعد غلوا عند قدماء الشيعة تعده الشيعة الآن من ضروريات مذهب التشيع، أي أنهم كلهم صاروا غلاة بلا استثناء. محب الدين
[ ٢٧٨ ]
«سألت يحيى بن معين عن الشافعي، فقال: ليس بثقة، ثم قال للذهبي وكلام ابن معين في الشافعي إنما كان نم فلتات اللسان بالهوى والعصيان، قال ابن معين كان من الحنفية وإن كان محدثًا»
أقول: هذه من فلتات القلمن وقد برأ الله ابن معين من اتباع الهوى والعصبية، وإنما كان يأخذ بقول أبي حنيفة فيما لم يتضح له الدليل بخلافه، وعدخ ميله إلى الشافعي كان لسبب آخر، وثم علل تقدح في صحة هذه الكلمة «ليس بثقة» عنه، وقد أوضحتُ ذلك في «التنكيل»
/ ثم ذكر أبو رية ص٣٢١-٣٢٢ كلامًا للعقيلي، والمقبلي نشأ في بيئة اعتزالية المعتقد، هادوية الفقه، شيعية تشيعًا مختلفًا، يلفظ في أناس ويخلف في آخرين، فحاول التحرير فنحج تقريبًا في الفقة، وقارب التوسط في التشيع، أما الاعتزال فلم يكد يتخلص إلا من تكفير أهل السنة مطلقًا، وكلامه هنا يدور حول قضايا الاعتزال: كالقدر، ونفي رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، والقول بخلق القرآن، والدفاع عن عمرو بن عبيد أحد قدماء المعتزلة، وهذه المسائل معروفة مدروسة، والمقبلي لم يسير غورها، ولا حقق ما كان عليه الأمر في عهد الني ﷺ وأصحابه وا لتابعين بإحسان، فلذلك أخذ يلوم أحمد وينسبه إلى الافراط في التشدد، ولعله لو علم أحمد بالنسبة إلى التسامح
وذكر ص٣١٥ ما روى عن أحمد في شأن ابن علية ومحمد بن هارون، والإمام أحمد وإن رجا المغفرة للأمين فلم يزد في ابن علية على إنكار قوله تنقيرًا للناس عن الباطل، واستمر أحمد على الرواية عن ابن علية، والاحتجاج به والثناء عليه بالثبت
وذكر ص٣١٦ مسألة الرؤية، فخلط بين رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء وهي التي أنكرتها عائشة ومن معها، وبين الرؤية في الآخرة
[ ٢٧٩ ]
وقال أيضًا: «لكن المحدثون لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام لأنه غير صنعتهم»
اقول: بل أنت لم تعرف مقدار الخطأ في العقيدة الإسلامية الحقة، ولا عرفت غور القضايا المخالفة لها
وقال ص٣١٧ «وقال يحيى بن معين في عتبة بن سعيد بن العاص بن أمية: ثقة، وهوجليس الحجاج بل روى له البخاري ومسلم»
أقول: إنما هو عتبة بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، له عند البخاري خبر واحد ذكره في الجهاد والمغازي مع روايته من طريق غيره، راجع فتح الباري ٣٠:٦و ٣٧٦:٧ وعند مسلم خبر واحد جاء ذكره في قصة العرنيين، وقد أخرجها أيضًا من رواية غيرهما. هذا جميع ما لعتبسة في الصحيحين كما يعلم من ترجمته في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين، ومعنى هذا أنهما لم يحتجا به ولا أحدهما، فأما الذين وثقوه فإنهم تتبعوا أحاديثه فوجدوها معروفة من رواية غيره من الثقات ن ولم يثت عليه جرح بين. أما مجالسته للحجاج / فليست بجرح بين، إذ قد يجالسه ولا يشركه في ظلمه بل يحرص على رد ظلمه ما استطاع، ويرى أن استمراره على ذلك أنفع للدين وللمسلمين من مباينته له، وقد كان نبي الله يوسف عاملًا للمشركين بمصر والملك فيهم ولم يكن يستطيع أن يحكم بخلاف دينهم بدليل قول الله ﷿ (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) وإنما كان ﵇ يعينهم ما ليس بكفر ولا محرم عليه، فإذا جاء ما هو كفر أو محرم ولم يمكنه أن يصرفه تركه لهم، وقد أنذرهم بلطف وأذن الله تعالى أن يبقى معهم لما علم في ذلك من المصلحة
قال: «وروى البخاري لمروان بن الحكم»
[ ٢٨٠ ]
أقول: اعتبر البخاري أحاديث مروان فوجدها مستقيمة معروفة لها متابعات وشواهد، ووجد أن أهل عصر مروان كانوا يثقون بصدقة في الحديث، حتى ر وى عن سهل بن سعد الساعدي وهو صحابي، وروى عنه زين العابدين على بن الحسين بن علي بن أبي طالب. بقى عدالته في سيرته فلعل البخاري لم يثبت عنده ما يقطع بأن مروان ارتكب ما يخل بها غير متأول، وعلى كل حال فلا وجه للتشنيع إذ ليست المفسدة في الرواية عمن تذم حاله في الصحيح ما دام المروي ثابتًا من طريق غيره، ألا ترى أنه لو وقع في سند إلى بعض ثقات التابعين أنه سمع يهوديًا يقول لعلي بن أبي طالب سمعت نبيكم يقول كيت وكيت. فقال علي: وأنا سمعته يقول ذلك: لصح إثبات هذا الخبر في الصحيح وإن كان فيه صورة الرواية عن يهودي؟ فما بالك بمروان، مع أن روايته لا تخلوا من تقوية لرواية غيره لأنه على كل حال مسلم قد عرف تحرية الصدق في الحديث
وذكر ص٣١٨ بعض ما نسب إلى بعض الصحابة ثم قال «وما لا يحصى سكت عنه رعاية الحق النبي ﷺ ما لم يلجئ إليه ملجئ ديني فيجب ذكره، ومن الملجئات ترتب شيء من الدين على مروان والوليد [بن عقبة] وغيرهما فإنهما أعظم خيانة لدين الله »
أقول: أما الوليد فقد تقدم ص١٩٨ أنه لم يرو شيئًا، وإنما روى عنه مجهول خبرًا لو صح لما دل إلا على صدقه، وأما مروان فمن تتبع أحاديثه الثابتة عنه علم أن البخاري لم يبن شيئًا من الدين على رواية تفرد بها لفظًا ومعنى، وأما غيرها فراجع ص١٩٧
وقال ص٣٢٠ «وأعجب من هذا أن في رجالها من لم يثبت تعديلها..» وذكر حفص بن بغيل (١) ومالك بن الخير الزبادي (٢) وكلامًا للذهبي في ترجمتيها
_________________
(١) في كتاب أبي رية نفيل !
(٢) في كتاب أبي رية بجير الرمادي!
[ ٢٨١ ]
قد رده الحافظ ابن حجر في ترجمة مالك بن الخير من لسان / الميزان، وفي مواضع آخر، وحفص ومالك ليسا ولا أحدهما في الصحيحين ولا أحدهما، ولا فيهما ولا في أحدهما من هو مثل حفص ومالك، فإن وجد من هو قريب من ذلك فنادرا في المتابعات ونحوها كما بينه ابن حجر، على أنه لو فرض أن البخاري احتج في الصحيح بمن لم يوثقه غيره فاحتجاجه به في الصحيح توثيق وزيادة
وذكر بعد ذلك في المتن والحاشية كلامًا قد تقدم بيان الحق فيه ولله الحمد
ثم ذكر ص٣٢٤-٣٢٧ كلامًا للدكتور طه حسين ذكره في معرض الرد على الذين يكذبون غالب ما روى من الأحداث في زمن عثمان ويقولون إنه «على كل حال لم يرد إلى الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير» ويرون في سائر الصحابة أنهم «يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائمًا ويسرعون إلى الخير دائمًا فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله المحسنين من عباده»
أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة إنه معصوم مطلقًا أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بشروا به، وإن الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ ولم يعرف بنفاق في عهده ولا ارتد بعد موته لا يكذب عليه ﷺ متعمدًا، وقد تقدم بيان ذلك، ولا يظن به أن يرتكب كبيرة غير متأول ويصر عليها، والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أن هذا الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحمل عليها ما دام ذلك محتملًا، وعلماء السنة يجدون الاحتمال قائمًا في كل ما نقل نقلًا ثابتًا، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بعده أقرب من ضده، وذلك مبسوط في كتبهم
قال ص٣٢٥ «ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد»
أقول:
[ ٢٨٢ ]
وعلماء السنة كما رأيت لا يبلغون هذا الحد، وإن كانوا يعلمون أن حال الصحاب لا تقاس بحال غيرهم
قال: «ولا نرى في أصحاب النبي ﷺ مالم يكونوا يرون في أنفسهم»
أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمرًا فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلم له حجة، فكيف إذا ماقامت الحجة على خلافه؟ وأوضح من ذلك أنه ليس لنا أن نتهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك. فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم يتفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليل شرعي كالتبشير بالجنة. والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه
/ قال «وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روى أن عمار بن ياسر »
أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض ذلك وعلم حكمه مما مر، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه، وما ذكر أنه ما روى عن عمار وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك لامعنى فهي فلتة لسان عندثورة غضب لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يزعمه ظاهرها، فكيف وقد ثبت عن النبي ﷺ تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟
ثم قال ص٣٢٦ «الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي ﷺ والخلفاء، فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا وما ينبغي كذلك أن نصدق كل ما يروي أو نكذب كل ما يروي وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ويجوز عليهم الصدق والكذب، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ووضعوا قواعد.. فليس علينا بأس من أن
[ ٢٨٣ ]
نسلك الطريق التي سلكوها وأن نضيف إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدثون من القواعد الجديدة »
أقول: الرواة كما وصف، ولكن لا يجهل عاقل أن أحوالهم مختلفة: فمنهم المغفل المتساهل الذي يبني على التوهم فيكثر غلطه، ومنهم الضابط المتقن المثبت الذي يندر جدًا أو يخطئ، وليس كل ما يصلح مستندًا للتوقف عن خبر الأول أو رده يصلح لمثل ذلك في خبر الثاني. فأما الصدق وتعمد الكذب ولا سيما في الحديث النبوي فالأمر فيها أعظم، وللكذب دواع وموانع، والناس متفاوتون جدًا في الانقياد للدواعي أو الموانع، فإني أعرف من الأغنياء الوجهاء من يساوم بالسلمة الخفيفة فيقول له الدكاني: ثنمها ثلاثة قروش، فيقول كاذبًا: إن صاحب ذلك الدكان يبيعها بقرشين، يكذب هذه الكذبة طبعًا في أن يغر الدكان فيعط
يه إياها بقرشين مع علمه أن كذبه قد ينكشف عن قريب، بل إذا نجح فأخذها بقرشين، قد يذهب فيخبر بالقصة متمدحًا بكذبه، وأعرف من المقلين من لا تسمح له نفسه بمثل هذا الكذب ولو ظن أنه يتحصل به على مقدار كبير، فأما الحديث النبوي فالأمر فيه أشد، والمتدينون من الكذب فيه أبعد أبعد
فإن قيل: قد ذكر أهل الحديث أن جماعة صالحين كانوا يكذبون في الحديث عمدًا في المواعظ ونحوها / وذكروا في الهيثم بن عدي – وهو ممن يكذبون – أنه كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب
قلت: أما صالح يتعمد الكذب فلا يكون إلا شديد الجهل بالدين، ومثل هذا نادر لا يسوغ أن يقاس به من عرف بالدين والعلم والصدق، ولو ساغ هذا لساغ أن يتهم كل إنسان بكل نقيصة عرفت لغيره، ولو عرف بأنه من أبعد الناس عنها
فأما الهيثم بن عدي فتلك الحكاية إنما حكاها عباس الدوري قال «حدثنا
[ ٢٨٤ ]
بعض أصحابنا قال: قالت جارية بن الهيثم بن عدي: كان مولاي » والجارية لا يعرف حالها، والمخبر عنها لا يدري من هو وما حاله، وإنما استندوا في تكذيب على أنها نادرة مستطرفة لأن مثل هذا نادر كما مر، وإنما استندوا في تكذيب الهيثم إلى دلائل ثابتة. هذا وعلماء السنة لا يستندرون في التصديق والتكذيب إلى أن ذاك يروقهم هذا لا يعجبهم، ولكنهم ينظرون إلى الرواة فمن كان من أهل الصدق والأمانة والثقة لا يكذبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطئه خطأوه، سواء كاذن ذلك فيما يسوءهم أم فيما يعجبهم، وأما من كان كذابًا أو متهمًا أو مغفلًا أو مجهولًا أو نحو ذلك فإنهم لا يحتجون بروايته. ومن هؤلاء جماعة كثير قد رووا عنهم في كتب التفسير وكثير من كتب الحديث والسير والمناقب والفضائل والتاريخ والأدب، وليست روايتهم عنهم تصديقًا لهم وإنما هي على سبيل التقييد والاعتبار، فإذا جاء دور النقد جروا على ما عرفوه، فما ثبت عما رواه هؤلاء برواية غيرهم منأهل الصدق قبلوه، وما لم يثبت فإن كان مما يقرب وقوعه لم يرو بذكره بأسًا وإن لم يكن حجة، وإن كان مما يستبعد أنكروه، فإن اشتد البعد كذبوه، وهذا التفصيل هو الحق المعقول، ومعلوم أن الكذوب قد يصدق فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه واستأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا – بل إن لم يكن لنا - أن نصدقه حيث لم يتبين لنا صدقه، فكيف إذا تبين لنا كذبه؟
أما القواعد النظرية قديمها وحديثها فحقها أن تضاف- كما أشار إليه الدكتور – إلى القواعد السندية بعد داسة الناقد لهذه دراسة وافية وإيفائها حقها. فأما الأثبات، أو الاستدلال به على صدق الحكايات الواهية فضرره أكثر من نفسه، كثيرًا ما يبلغنا حدوث حادثة في عصرنا هذا فترى صحتها لأننا نرى أن الأسباب تستدعيها وتكاد توجب وقوعها، ثم يتبين أنها لم تقع، وتبلغنا واقعة فترتاب فيها
[ ٢٨٥ ]
ونكاد نجزم تكذيبها، ثم تبين أنها وقعت/ فإن قيل: إنما ذلك لخطئنا في اعتقاد أن هذا سبب أو مانع، أو في تقدير قوته، أو لجهلنا بأسباب وموانع أخرى أقوى مما عرفناه، قلت: فإذا كان هذا جهلنا بزماننا ومكاننا وبيئتنا، فكيف بما مضى عليه بضعة عشر قرنًا؟
ومما يجب التنبيه له أنه قد يثبت من جهة السند نص يستنكره بعض النقاد، وحق مثل هذا أن لا يبادر إلى رده، بل يمعن النظر في أمرين: الأول معنى النص، فقد يكون المراد منه معنى غير الذي استنكر، الثاني سبب الاستنكار فكثيرًا ما يجئ الخلل من قبله
وقد تقضي القرآن وقوع أمر سكت عنه الروايات الصحيحة وترد رواية واهبة السند فيها ما يؤدي ذاك الأمر في الجملة فيبادر الناقد إلى تثبيتها، وفي هذا ما فيه، ألا ترى أنه قد يجيئك شخص ضربه آخر فنسأله: لم ضربك؟ فيقول: بلا سبب، فترتاب في صدقه، فإذا جاء خصمة فقال إنما ضرته لأنه سبني سبًا شنيعًا، قال كيت وكيت، ظننت أنه صادق في الجملة، أي أنه قد كان سب، ولكنه قد يكون دون ما ذكره الضارب بكثير، فالصواب أن نذكر الرواية وأنها واهية السند، ثم يقال: ولكن القرآن تقتضي أنه قد كان شيء من ذاك القبيل هذا هو مقتضي التحقيق والأمانة
ثم قال أبو رية ص ٣٢٨ «طالب الحديث بغير فقه »
أقول: قال أبو رية ص٤٦ «وروى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكبير أصاب أرضًا، منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ»
[ ٢٨٦ ]
إذا طبق هذا الحديث على أهل الحديث فثقاتهم كل هم داخلون في الفرقتين الأوليين المحمودتين، راجع فتح الباري ١٦١:١ وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ عند الترمذي وغيره، «نضر الله امرءا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» . فشمل الدعاء كما ترى من حفظ وبلغ وإن لم يكن فقيهًا
وذكر عن الثوري «لو كان الحديث خيرًا لذهب كما ذهب الخير»
أقول: لم يقصد نفي الخير عن هذا الحديث نفسه، كيف والقرآن خير كله ولم يذهب ولا عن طلب الحديث جملة / فإن المتواتر المعلوم قطعًا عن الثوري خلاف ذلك، وإنما قصد أن كثيرًا من الناس يطلبون الحديث لغير وجه الله وذلك أنه رأى أن الرغبة في الخير لمحض لم تزل تقل، كانت في الصحابة أكثر منها في التابعين، وفي كبار التابعين أكثر منها في صغارهم وهلم جرا، وفي جانب ذلك يعني أن كثيرًا ممن يطلب الحديث يطلبه ليذكر ويشتهر ويقصده الناس ويجتمعوا حوله ويعظموه. وأقول: إن العليم الخبير أحكام الحاكمين كما شرع الجهاد في سبيله لإظهار دينه، ومع ذلك يسر ما يرغب فيه من جهة الدنيا، فكذلك شرع حفظ السنة وتبليغها، ومع ذلك يسر ما يرغب في ذلك من جهة الدنيا، لأنه كما يحصل بالجهاد عن الإسلام وإن قل ثواب بعض المجاهدين فكذلك يحصل بطلب الحديث وحفظ وحفظ االدين ونشره وإن قل أجر بعض الطالبين
وذكر أبو رية ص٣٣٠ كلمات لبعض المحدثين في ذم أهل الحديث يعنون طلابه، التقطها من كتاب العلم لابن عبد البر وقد قال ابن عبد البر هناك ١٢٥:٢ «وهذا كلام خرج على ضجر، وفيه لأهل العلم نظر» وإيضاح ذلك أن الرغبة في طلب الحديث كانت في القرون الأوى شديدة، وكان إذا اشتهر شيخ ثقة معمر مكثر
[ ٢٨٧ ]
من الحديث قصده الطلاب من آفاق الدنيا، منهم من يسافر الشهر والشهرين وأكثر ليدرك ذاك الشيخ، وأكثر هؤلاء الطلاب شبان، ومنهم من لا سعة له من المال إنما يستطيع أن يكون معه من النفقة قدر محدود يتقوت منه حتى يرجع أو يلقى تاجرًا من أهل بلده يأخذه منه الشيء، وكان منهم من كل نفقته جراب يجعله فيه خبز جاف يتقوت كل يوم منه كسرة يبلها بالماء يجتزئ بهان ولهم في ذلك قصص عجيبة فكان يحتمع لدى الشيخ جماعة من هؤلاء كلهم حريص على السماع منه وعل الاستكثار ما أمكنه في أقل وقت، إذ لا يمكنه إطالة البقاء هناك لقة ما يبده من النفقة، ولأنه يخارف أن يموت الشيخ قبل أن يستكثر من السماع منه، ولأنه قد يكون شيوخ آخرون في بلدان أخرى، يريد أن يدركهم ويأخذ عنهم، فكان هؤلاء الشباب يتكاثرون على الشيخ ويلحون عليه ويبرونه، فيتعب ويضيق بهم ذراعًا، وهو إنسان له حاجات وأوقات يجب أن يسترح فيها وهم لا يدعونه، ومع ذلك فكثير منهم لا يرضون أن يأخذوا من الشيخ سلاما بسلام بل يريدون اختباره ليتبين له أضابط أم لا. فيوردون عليه بعض الأسئلة التي هي مظنة الغلط ويناقشونه في / بعض الأحاديث ويطالبونه بأن يبرز أصل سماعه، وإذا عثروا للشيخ على خطأ أو سقط أو استنكروا شيئًا من حاله خرجوا يتناقلون ذلك بقصد النصيحة، فكان بعض أولئك الشيوخ إذا أحل عليه الطلبة وضاف بهم ذرعا أطلق تلك الكلمات «أنتم سخة عين، ولو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربا، ما رأيت علمًا أشرف ولا أهلًا أسخف من أهل الحديث. صرت اليوم ليس شيء أبغض إلى من أن أرى واحدًا منهم. إن هذا الحديث
يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. لأنا أشد خوفًا منهم من الفساق» لأنهم يبحثون عن خطاه وزلله ويشيعون ذلك
والغريب أن أولئك الطلاب لم يكونوا يدعون هذه الكلمات تذهب، بل يكتبونها ويروونها فيما يروون، فيذكر من يريد عتاب الطلاب وتأديبهم
[ ٢٨٨ ]
كابن عبد البر، ويهتبلها أبو رية ليعيب بها الحديث وأهله جملة
فأما قول الثوري «أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة، وودت أني خرجت منه كفافًا لا علي ولا لي» فهذا كلام المؤمن الشديد الخشية تتضاءل عنده حسناته الكثيرة العظيمة ويتعاظم في نظره ما يخشى أن يكون عرض له من تقصير أو خالطه من عجب، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو هذا فيما كان له بعد رسول الله ﷺ من عمل، وإنما كان عمله ذلك جهادًا في سبيل الله وإعلاه دينه وتمكين قواعده وإقامة العدل التام، وغير ذلك من الأعمال الفاضلة، وقد كان فيها كلها أبعد الناس عن حفظ النفس، بل كان يبلغ في هضم نفسه وأهل بيته، وكل عارف بالإيمان وشأنه يعرف لكلمة عمر حقها، ولكن الرافضة عكسوا الوضع، وقفاهم أبو رية في كلمة الثوري وما يشبهها !
وعلق أبو رية عل كلمة «لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب الخ» ما تقدم تقنيده في مواضع
خاتمة أبي رية
قال ص٣٣١: «خاتمة »
ذكر عبارات لابن خلدون تتلخص في أمور: الأول ذكر من الدواعي إلى الكذب التشيع للمذاهب والتزلف إلى ذوى المراتب. فأقول قد عرف المحدثون هذا وعدة أسباب أخرى أشاروا إليها في البواعث على الوضع، وإنما الفرق بينهم وبين بعض من يتعاطى النقد في عصرنا أن المحدثين علموا أن هذين الداعيين مثلًا لا يدعوان إلى الكذب لأنه كذب، وإنما يدعو الأول إلى ما ذكره ما يؤيد المذهب، والثاني إلى ذكر ما يرضي ذا المرتبة، / وإن كلا من التأييد والإرضاء ليس وقفًا على الكذب، بل يمكن أن يقع بما هو صدق، إذن فالخبر بما يؤيد مذهبه أو يرضي رئيسه يجوز مع تصرف النظر عن الأمور الأخرى أن يكون صادقًا
[ ٢٨٩ ]
وأن يكون كاذبًا، فالحكم بأحدهما لوجود الداعي غير سائغ، بل يجب النظر في الأمور الأخرى ومنها الموانع، فإذا وجدوا داع ومانع وانحصر النظر فيهما تعين الأخذ بالأقوى، وكل من الدواعي والموانع تفاوت قوته في الأفراد تفاوتًا عظيمًا، فلابد من مراعاة ذلك ومت تدبر هذا علم أن الحق لا ريب فيه وأنه يرى شواهده في نفسه وفي من حواليه، وعلم أن ما يملكه بعض متعاطي النقد من أهل العصر في اتهام أما أئمة الحديث فقد عرفوا الرواة وخبروهم وعرفوا أحوالهم وأخبارهم واعتبروا مروياتهم كما تقدم في مواضع منها ص٥٥و ٦٢ فمن وثقه المتثبتون منهم فمحاولة بعض العصريين اتهامه لأنه كان - مثلًا يتشيع أو يخالط بني أمية أو نحو ذلك لغو لا يرتضيه العارف البتة، هذا حكم بقية علماء السنة لهم وعليهم، ألا ترى أن مسلمًا صحح حديث أبي معاوية عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر قال «قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى أن يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلامنافق» ولا أعلم أحدًا طعن فيه، مع ان عدي بن ثابت معروف بالتشيع بل وصفه بعضهم بالغلو فيه، وكان إمام مسجد الشيخة وقاضهم، والبخاري إن لم يخرج هذا الحديث فقد احتج بعدي بن ثابت في عدة أحاديث، ولو كان
يتهمه بكذب ما في الرواية لما احتج به البتة
الأمر الثاني ذكر مر من أسباب الكذب خطأ أن يخطئ الخبر في معرفة حقيقة ما عاين أو سمع، وينقل الخبر بحسب ما اعتقد، أقول: قد عرف المحدثون هذا، ولذلك شرطوا في الراوي أن يكون ضابطًا متثبتًا عارفًا بمعاني الكلام إذا روى بالمعنى، ويختبرون حاله في ذلك باعتبار حديثه كما تقدم ص٥٥و٦٢ وغيرهما
الأمر الثالث ذكر من أسباب تلقي الراوي الصدوق خبر الكاذب ونقله له، حسن الظن بالمخبر، وموافقة الخبر لرغبة الراوي وضعف تمحيصه. أقول:
[ ٢٩٠ ]
وهذا قد عرفه أئمة الحديث، ولذلك لم يعدوا رواية الثقة لخبر عن رجل تصحيحًا ولا توثيقًا
/ الأمر الرابع ذكر أن الحكم بصحة الخبر لا ينبغي أن يكتفي فيه بثقة الراوي، بل ينبغي أن يتقدم ذلك النظر في طبيعة الخبر وعرضه على أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ويقاس الغائب على الشاهد، فإذا عرف أنه ممكن نظر في حال الرواة، قال «أما إذا كان مستحيلًا فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح»
أقول: وهذا قد عرفه الأئمة، وقدروا كل شيء من هذا قدره. راجع ص ١٩١
وقال ص٣٣٤ عن ابن خلدون «فأبو حنيفة ﵁ يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثًا»
أقول هذه مجازفة قبيحة وتفريط شائن، أفما كان ابن خلدون يجد عالمًا يسأله؟ الأحاديث المروية عن أبي حنيفة تعد بالمئات، ومع ذلك لم يرو عنه إلا بعض ما عنده، لأنه لم يتصد سماع الحديث. راجع ص٣٤
قال «ومالك ﵀ إنما صح عنده ما في كتب الموطأ»
أقول وهذه مجازفة أخرى، لم يقصد مالك أن يجمع حديثه كله ولا الصحيح عنه في الموطأ، إنما ذكر في الموطأ ما رأى حاجة جمهور الناس داعية إليه
قال: «وغايتها ثلثمائة حديث أو نحوها»
أقول: هذه مجازفة ثالثة، انظر كتاب أبي رية ص٢٧١ حيث ذكر عن الأبهري أنها ستمائة، فأما ما ذكره هناك أن الموطأ كان عشرة آلاف حديث فلم يزل مالك ينقص منه، فقد فنده ابن حزم في أحكامه ١٣٧:٢
وقال أيضًا «إن الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا، ولا كان الذين
[ ٢٩١ ]
يؤخذ عن جميعهم (١)» .
أقول: قال الإمام الشافعي «أصحاب النبي ﷺ كلهم ممن له أن يقول في العلم» راجع ما تقدم ص٤٢
ثم قال أبو رية ص٣٣٤-٣٣٨ «أعظم كت رزى به الإسلام. قال الأستاذ الإمام محمد عبده » فذكر أمورًا قد تقدم النظر فيها، وذكر ص٣٣٦ قول يحيى القطان «ما رأيت الصا لحين في شيء أكذب منهم في الحديث» ففسر الصالحين بالمرائين، والمعروف عند أهل الحديث أنهم أناس استغرقوا في العبادة والتقشف وغفلوا عن ضبط الحديث، فصاروا يحدثون على التوهم، كأبان بن أبي عياش ويزيد بن أبان الرقاشي وصالح المري وغيرهم
وفي آخر ص٣٣٧ «أما الأخبار الآحاد فإنما يجب الإيمان بما ورد فيها على من بلغته وصدق بصحة روايتها»
أقول: ومن لم يصدق فمدار الحكم فيه على المانع له من التصديق، فمن الموانع ما لا يمنع إلا الزائع، وراجع ص٥٦
/ وقال ص٣٣٨ «هل كله من وثقه جمهور المتقدمين يكون ثقة»؟ وذكر في هذه الصفحة إلى ص ٣٤٤ كلمات لصاحب المنار، منها كلام في كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد تقدم النظر في ذلك ص٦٧-٧٠ وغيرها
ومنها في نقد المتون «ومن تعرض له منهم كالإمام أحمد والبخاري لم يوفه حقه كما تراه فيما يورده الحافظ ابن حجر في التعارض بين الروايات الصحيحة له ولغيره»
أقول من أنعم النظر في الرواة والمرويات ومساعي أئمة الحديث في الجمع والتنقيب والبحث والتخليص والتمحيص عرف كيف يثني عليهم، وأبقى الله من
_________________
(١) علق أبو رية على هذا قوله «من أجل ذلك لم يأخذ أبو حنيفة بما جاء من أبي هريرة وأنس بن مالك وسمرة » وقد تقدم إبطال هذا ص١٢٦
[ ٢٩٢ ]
بعدهم ما يتم به الابتلاء وتنال به الدرجات العلى ويمتاز هؤلاء عن هؤلاء وقد أسلفت ص ١٦١و ١٨٨ أن الاستشكال لا يستلزم البطلان. بدليل استشكال كثير من الناس كثيرًا من آيات القرآن، وذكرت في ص١٧٢ أن الخلل في ظن البطلان أكثر جدًا من الخلل في الأحاديث التي يصححها الأئمة المتثبتون
قال «ومنه ما كان يتعذر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع الظاهر حديث أبي ذر عند الشيخين وغيرهما أين تكون الشمس بعد غروبها، فقد كان المتبادر منه للمتقدمين أن الشمس تغيب عن الأرض كلها وينقطع نورها عنها مدة الليل إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطلوع ثانية»
أقول: للحديث روايات: إحداها رواية وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) قال «مستقرها تحت العرش» أخرجاه في الصحيح
الثانية في الصحيحين أيضًا من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهمي التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال «دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غابت الشمس قال: يا أبا ذر هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها. وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من غروبها، قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله: وذلك مستقر لها» لا أدري من القارئ؟ ولعله إبراهيم التيمي. وظاهر اختلاف سياق الروايتين أنهما حديثان كل منها مستقل عن الآخر، وليس في المرفوع عن هاتين الروايتين ذكر أنها حين تغرب تكون تحت العرش أو في مستقرها
وهناك رواية البخاري عن الفرباني عن الثوري عن الأعمش بنحو رواية أبي معاوية إلا أنه قال «تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن..» ونحوه بزيادة في رواية لمسلم من وجه آخر عن إبراهيم التيمي وقال «حتى تنتهي إلى
[ ٢٩٣ ]
مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة » فقد يقال لعل أصل الثابت / عن أبي ذر الحديثان الأولان، ولكن إ براهيم التيمي ظن اتفاق معناها فجمع بينهما في الرواية الثالثة، وقد يقال: بل هو حديث واحد اختصره وكيع على وجه وأبو معاوية على آخر، والله أعلم
هذا وجرى الشمس هو والله أعلم هذا الذي يحسه الناس، فإنه على كل حال هو الذي تطلق عليه العرب (جرى الشمس) تدبر، وبحسب ذلك يفهم الحديث. وقال الله ﵎ (١٨:٢٢ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات والأرض والشجر والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) ومهما يكن هذا السجود فإنه يدل على الانقياد التام، والشمس منقادة لأمر ربها بهذا، وانحطاطها في رأي العين إلى أسفل أجدر بأن يسمى سجودًا، والمأمور يعمل إذا انقاه، وشأنه الانقياد دائمًا، فشأنه عند توقع أن يؤمر بتركه أن يستأذن
فأما طلوعها آخر الزمان من مغربها فرأيت لبعض العصريين كلامًا سأذكره لينظر فيه: ذكر أنه يحتمل أن يحدث الله ﷿ ما يعوق هذه الحركة المحسوسة الدائرة بين الشمس والأرض فتبطئ تدريجًا كما يشعر به ماجاء في بعض الأخبار أن الأيام تطول آخر الزمان، حتى تصل إلى درجة استقرار، ويكون عروض هذا الاستقرار بعد غروبها من هذا الوجه من مغربهم. قال: وذاك الموضوع الذي سوف تستقر فيه معين بالنسية إلى موضعها من الأرض، فيصح أن يكون هو المستقر. قال وكان الظاهر والله أعلم أن يقال «تحت الأرض» أي بالنظر إلى أهل الوجه. لكنه عدل إلى «تحت العرش» لأوجه: منها كراهية إثارة ما يستغربه العرب حينئذ من هيأة الخلق مما يؤدي إلى شك وتساؤل واستغال
[ ٢٩٤ ]
الأفكار بما ليس من مهمات الدين التي بعث لها الرسل، وقد ذكر بعضهم نحو هذا في قوله تعالى (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) . ومنها أنه إن كان تحت الأرض عند أهل هذا الوجه فهو فوقها عند غيرهم، أما العرش فذاك الموضع والعالم كله تحته، راجع الرسالة العرشية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها أنه لما ذكر أنه موضع سجودها كانت نسبة السجود إلى كونه تحت العرش أولى
أقول: فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة / كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه
بحث مع صاحب المنار
قال ص٣٣٩ « بعد العلم القطعي لا مندوحة لنا عن أحد أمرين، إما الطعن في سند الحديث وإن صححوه، لأن رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم. وأقرب تصوير للطعن فيما اشتهر رواية بالصدق والضبط أن يكون الصحابي أو التابعي منهم سمعه من مثل كعب الأحبار. ونحن نعلم أن أبا هريرة روى عنه كعب الأحبار، وكان يصدقه، ونرى الكثير من أحاديثه عنعنة لم يصرح بسماعه من البي ﷺ، ومن القطعي أنه لم يسمع الكثير منها من لسانه ﷺ لتأخر إسلامه، فمن القريب أن يكون سمع بعضها من كعب الأحبار، ومرسل الصحابي إنما يكون حجة إذا سمعه من صحابي مثله، ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن روى عن كعب الأحبار وكان يصدقه. وإما تأويل الحديث بأنه مروي بالمعنى وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبر بما فهمه »
أقول: عليه في هذا مؤاخذات:
الأولى أن الأمرين اللذين ذكر أنه لا مندوحة عنهما وهما الطعن والتأويل
[ ٢٩٥ ]
لا يتعينان، بل بقي ثالث وهو التوقف، ويتعين حيث لا يتهيأ للناقد تأويل مقبول ولا طعن مقبول
الثانية أنه قدم الطعن على التأويل، والواجب ما دام النظر في حديث ثابت في الصحيحين تقديم التأويل
الثالثة قوله: إن مخالفة القطعي من علامات الوضع، محله إذا تحققت المخالفة، ولم يكن هناك احتمال للتأويل البتة
الرابعة الطعن المعقول هو الذي يتحرى أضعف نقطة في السند، فما باله عمد إلى أقوى من فيه وهو الصحابي، وهو أبو ذر الغفاري، وقد قال الني ﷺ «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر» ثبت من حديث أمير المؤمنين علي وعدد من الصحابة
الخامسة أن أبا ذر لم ينقل عنه إصغار إلى كعب، ولا إلى من هو مثل كعب، بل جاء أن كعب قال في مجلس عثمان: ما أديت زكاته فليس بكنز. فضربه أبو ذر بعصاه. وقال: ما أنت وهذا يا ابن اليهودية؟ أو كما قال. وفي المسند ١٦٢:٥ عنه «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكرنا منه علمًا» وفي البخاري عنه أنه قال في زمان عثمان «لا والله أسألهم دينًا ولا أستفتيهم عن دين حين ألقى الله ﷿» افتراه يستغني عن إخوانه من جلة الصحابة هذا الاستغناء ثم يأخذ عن كعب أو نحوه؟
/ السادسة أن من سمع الصحابة من كعب لم يسمعوا منه إلا بعض ما يخبر به عن صحف أهل الكتاب، ورواية أبي هريرة عن كعب قليلة وكلها من هذا القبيل، وراجع ص٦٨و ٧٣
السابعة لم يذكر دليلًا على دعواه أبا هريرة وابن عباس كانا يصدقان كعبًا، ولا أعلم أنا دليلًا على ذلك، أما إخبارهما عنه ببعض ما يخبر به عن صحف
[ ٢٩٦ ]
أهل الكتاب فغايته أنهما كانا يميلان إلى عدم كذبه
الثامنة أن الذي عرف للصحابة في قول أحدهم «قال النبي ﷺ » أنه قال لم يكن سماعًا له من النبي ﷺ فهو سماع له من صحابي آخر ثابت الصحبة كما تقدم ص١١٥، وجميع ما ثبت عنهم جملة وتفصيلًا مما فيه ذر إرسالهم إنما هو هذا أو الدليل الصريح الذي استدلوا به على أ، أبا هريرة قد يرسل إنما هو حديثه في من أصبح جنبًا فلا يصبح، وقد بين أنه سمعه من صحابين فاضلين وهما أسامة بن زيد والفضل بن عباس، مع أنه قلمًا كان يذكر الحديث بل كان الغالب من حاله أن يفتي ولا يذكر النبي ﷺ. ولا يعلم أحدًا من الصحابة قال في حديث «قال النبي ﷺ » ثم بين أو ذكر مرة أخرى أو تبين بوجه من الوجوه أنه عند من تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ. بل يعز جدًا أخذ الصحابي عن تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ، إنما توجد أمثلة يسيرة جدًا لصغار الصحابة يسندونها على وجهها، راجع ص ١٥٦-١٥٧ وكان الصحابي إذا قال «قال النبي ﷺ » كان محتملًا عند السامعين للوجهين كما مر، فأما أن يكون إنما سمعه من تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ فلم يكن عندهم محتملًا، وإذ لم يكن محتملًا فارتكاب الصحابي إياه كذب، وق برأهم الله تعالى من الكذب، وأبعد من ذلك أن يكون إ نما سمعه من تابعي عن النبي ﷺ، وأبعد وأبعد أن يكون التابعي مثل كعب
التاسعة زعم- مع الأسف - أن هذا أقرب تصوير للطعن، وهو كما ترى أبعد تصوير، بل هو محض للباطل، ولو احتجت إلى الطعن في سند الخبر لأريتك كيف يكون الطعن المعقول بشواهده من كلام الأئمة كابن المديني والبخاري وأبي حاتم وغيرهم، فأن لهم عللًا ليس كل منها قادحة حيث وقعت، ولكنها تقح إذا وقعت في خبر تحقق أنه منكر، وهذا من أسرار الفتن
[ ٢٩٧ ]
العاشرة أن هذا الطعن يترتب عليه من المفاسد مالا يعلمه إلا الله تعالى، وهي المكيدة التي مرت الإشارة إليها ص ٢٠١ وإيضاحها قبل ذلك، وكل من التأويل ولو مستكرها والوقف أسلم من هذا الطعن / ولو غير السيد رشيد رضا قاله لذكرت قصة المرأة التي اشتكى طفلها ولم تعلم ما شكواه غير أنها نظرت إلى يافوخه يصطرب كما هو شأن الأطفال، فأخذت سكينًا وبطت يافوخه كما يصنع بالدمل إلى آخر ما جرى
الحادية عشر قوله في أبي هريرة «من القطعي لتأخر إسلامه» . قد تقدم رده ص١٥٦
الثانية عشر لا يخفى حال ما ذكره أخيرًا وسماه تأويلًا
وذكر ص٣٤٠ الحكايات عن كعب ووهب وقال «لم يكن يحيى بن سين وأبو حاتم وابنه وأمثالهم يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح، لعدم اطلاعهم على تلك الكتب»
أقول: في هذا أمور. الأول أن الأئمة كانوا يعرفون النبي ﷺ وسنته، فبذلك كانوا يعرفون حال كعب ووهب في ما نسباه إلى النبي ﷺ، فإذا وثقوها فمعنى ذلك أنهم عرفوا صدقهما في هذا الباب، وهذا هو الذي يهم المسلمين. فأما ما حكياه عن صحف أهل الكتاب فليس بحجة سواء أصدقًا فيها أم كذبا
الثاني تقدم في فصل الاسرائيليات ص٦٧-٩٥ يعلم منه أن غالب ما ينسب إلى كعب لا يثبت عنه، ومر ص٩١ أن في كتاب فضائل الشام سبع عشرة حكاية عن كعب لا تثبت عنه ولا واحدة منها. وعسى أن يكون حال وهب كذلك، فمن أراد التحقيق فليتبع ما يثبت عنهما صريحًا بالأسانيد الصحيحة ثم ليعرضه على كتب أهل الكتاب الموجودة كلها، ويتدبر الأمر الثالث وهو ما تقدم ص٦٩-٧٢ من تتبع اليهود ما كان موجودًا في العالم عن ظهور
[ ٢٩٨ ]
الإسلام وبعده إلى مدة من نسخ كتبهم في العالم كله وإتلافها لمخالفتها ما يرضونه من نسخ حديثه أبقوها، مع ما عرف عنهم من استمرار التحريف عمدًا، وانقراض كثير من كتبهم البتة، ثم ليحكم
قال «وإننا نرى بعض الأئمة المجتهدين قد تركوا الأخذ بكثير من الأحاديث الصحيحة »
أقول: قد تقدم النظر في هذا ص ٣٥و ١٧٨
وقال ص٣٤١ في حكايات كعب ووهب «وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه أكبر، كالذي ذكره كعب من صفة النبي ﷺ في التوراة»
أقول: قد مر الخبر ص ٧٠-٧١ وأنه ثابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن التوراة، ويروى عن عبد الله بن سلام بن كعب، / فأما الشبهة التي أشار إليها فلا يكاد يوجد حق لا يمكن أن يحاول مبطل بناء شبهة عليها، فمن التزم أن يتخلى عن كل ما يمكن بناء شبهة عليه أو شك أن يتخلى عن الحق كله
وقال «وإني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن، وإن وثقوا رجاله، قرب راو يوثق للاغترار بظاهر حاله وهي سيئ الباطن»
أقول: قد تقدم ص١٤ ما نقله أبو رية عن صاحب المنار قال «النبي ﷺ مبين القرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقص خبر من أخباره» وأوضحت ذلك هناك، فإن أراد هنا بقوله «يخالف ظاهر القرآن» ما لو صح لكان إبطالًا أو نقصًا فذاك، فأما البيان بالتفصيل والتخصيص والتقييد ونحوها فإن يثبت بخبر الواحد بشرطه، وأدلة خبر الواحد ومنها جريان العمل به في عهد النبي ﷺ وأصحابه وممن أهل العلم تشمل هذا ومنها ما هو نص فيه. راجع ص٢٢و ٤٥و ٤٩.
[ ٢٩٩ ]
ومما يزيده وضوحًا أن دلالة العموم ونحوه كثيرًا ما تتخلف. وقد قيل: ما من عام إلا وقد خص. وذهب بعضهم إلى أنه خص شيء من العام سقطت دلالته على الباقي. وتخصيص العمومات ثابت في قضايا لا تحصى، فاحتمال القضية له أبين وأوضح وأولى من احتمال لا يمكنك أن تثبته في واقعة واحدة وهو كذب راو وثقة الأئمة المتثبتون وصححوا حديثه محتجين به، ولم يطعن فيه أحد منهم طعنًا بينا. أما كعب ووهب فليسا من هذا الوجهين: الأول أنهما ليسا بهذه الدرجة، راجع ص٦٩-٧٠ الثاني أنه لم يثبت ما نسبه إليهما من سوء الظن
ثم قال أبو رية ص٣٤٢ «جل أحاديث الآحاد لم تكن مستفيضة في القرن الأول»
ونقل عبارة للسيد رشيد رضا في مقدمته لمغني ابن قدامة، وقد تقدم النظر فيها ص١٥، وعبارة السيد رشيد «جل الأحاديث التي يحتج بها أهل الحديث على أهل الرأي والقياسين من علماء الأمة» ثم قال صاحب المنار «فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبي ﷺ وأصحابه، وليستب بما أمر النبي ﷺ أن يبلغ الشاهد فيه الغائب »
أقول: قد تقدم دفع هذا ص٢٨-٣٥، وراجع ص٢٠-٢١ وص ٥٢ / ثم حكى كلمات عمن ليس قوله حجة، ولا ذكر حجة، فأعرضت عنها، ومنها ما عزاه إلى كتاب ليس عنده، فليراجع
ثم ذكر (ص٣٤٧-٣٤٨) آيات من القرآن، وقد تقدم ما يتعلق بذلك ص ١٣
ثم ذكر (ص٣٤٨) قول ابن حجر في الفتح في الكلام على حديث إيصاء النبي ﷺ بالقرآن «اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأوهم ن ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص أو بطريق الاستنباط، فإذا تبع الناس
[ ٣٠٠ ]
ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به»
كذا صنع أبو رية، وآخر عبارة ابن حجر في الفتح (٥:٢٦٨) هكذا: « عملوا بكل ما أمرهم النبي ﷺ به لقوله تعالى (وما أتاكم الرسول فخذوه) الآية »
وقال ص٣٤٩ «وعن أبي الدرداء مرفوعًا: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وماحرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية »
أقول: هذا ما يرويه إسماعيل بن عياش وهو صدوق بن عاصم بن رجاء بن حيوة وهو صدوق بهم، عن أبيه رجاء، عن أبي الدرداء، ورجاء لم يدرك أبا الدرداء، فالخبر منقطع مع ما في سنده، ولو صح لما كان فهي ما يخالف الحجج القطعية، فقد حرم الله في كتابه معصية رسول الله والمخالفة عن أمره، وأمر بأخذ ما آتى والانتهاء عما نهى. وراجع ص١٣
ثم ذكر مرسل ابن أبي مليكة، وقول عمر «وعندنا كتاب الله حسبنا» وقد خله القرآن»
أقول: خلقه ﷺ يشمل جميع أحواله وأفعاله وأقواله، فرأت عائشة أنه لا يمكنها تفصيل ما تعلم من ذلك كله لذلك السائل، وعلمت أنه يقرأ القرآن وفيه تفصيل كثير من الأخلاق التي كانت من خلق النبي ﷺ وإجمال الباقي فاحالته عليه، وقد عاد السائل فسألها عن هدي النبي ﷺ في أعماله، فأخبرته. وفي ذلك وسائر أحاديث عائشة نفسها ذكر أشياء كثيرًا جدًا لا يفهمها الناس من نص القرآن وإنما هي من بيان له بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحو ذلك
ثم قال أبو رية «وقال الأستاذ الإمام محمد عبده ﵁: إن المسلمين
[ ٣٠١ ]
ليس لهم إمام في هذا العصر غير القرآن»
/ أقول: هاأنتم تلقبون الشيخ محمد عبده نفسه بهذا اللقب نفسه (الإمام) وتقتدون به، وتترضون ععنه كما يترضى عن الصحابة، مع أنكم كثيرًا ما تذكرون النبي ﷺ فلا تصلون عليه، وتسيئون القول فث الصحابة ﵃، وفي كتاب أبي رية كثيرًا من ذلك - فكأنكم أردتم له أن تسلبوا أئمة الحق هذا اللقب وتخصوه به. أما القرآن فهو الإمام حقا، وهو نفسه يثبت الإمامة للنبي ﷺ ثم كل راسخ في العلم والدين مبلغ لأحكام الشرع فإنه إمام، إلا أنه كالمبلغ لتكبيرات إمام الصلاة، وإن بان وقوعه في مخالفة للإمام ابتعنا الإمام دونه
وقال «لا يمكن لهذه الأمة أن تقوم ما دام هذه الكتب فيها»
أقول: إن المراد جميع الكتب غير القرآن فالواقع أن فيها الحق والباطل، وكثير من الحق الذي فيها إذا فات لا يعوض، فأما الباطل فكما قيل: إن ذهب عير، فعير في الرباط، ومن عرف الحق واتبه فقد استقام، ولا يضر بعد ذلك أن يعرف أضعاف أضعافه من الباطل
وذكر ص٣٥٠ أمورًا قد تقدم النظر فيها ص ١٧٥-١٧٧وغيرها
ثم قال « ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا»
أقول تقدم تفنيد هذا، وبيان ما وقع فيه من الغلط ص١٥
قال ص٣٥١ «هذه هي سنة الرسول ﷺ لم يعمل بها جمهور السلف هي محل اجتهاد
[ ٣٠٢ ]
في أسانيدها ومتونها، لأن ما صح منها يكون خاصًا بصاحبه»
أقول: إن أراد بقوله «صاحبه» من عرف صحته بمعنى أنه ليس له إلزام غيره فسيأتي قريبًا، وإن أراد به الصحابي الذي ورد فيه فإنما يصح هذا حديث يثبت دليل على الخصوصية. وراجع ص٢٨-٣٥
قال «ومن صح عنده شيء منها رواية ودلالة عمل به، ولا تجعل تشريعًا عامة تلزمه الأمة إلزامًا تقليدًا لمن أخذ به»
أقول: على من صح عنده أن يبين ذلك لغيره ويعذره إن خالفه ولم يتبين له عناده أو زبغة، وإلا لزمه أمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الإمام أن يمنع من يتبين له خطأه في الإفتاء بذلك الخطأ، ويمنع الناس من الأخذ بفتواه، وفي سيرة عمر ﵁ ما يبين هذا
/ ثم ذكر أشياء قد تقدم النظر فيها، إلى أن قال «وما كل مالم يصح سنده يكون متنه غير صحيح»
أقول: وجه ذلك أنه قد يثبت بسند آخر صحيح، لكن لا يخفى أن هذا الاحتمال لا يفيد المتن شيئًا من القوة، غايته أن يقتضي التريث في الجزم بضعفه مطلقًا حتى يبحث فلا يوجد له سند صحيح
وذكر أشياء تقدم النظر فيها، إلى أن قال ص٣٥٢ «ولم يظهر البخاري ولا غيره من كتب الحديث إلا بعد انقضاء خير القرون»
أقول: هذا مأخوذ من قدح بعض الملحدين في القرآن بأن المصاحف لم تكن في عهد النبي ﷺ، وكما يقال لهذا: أليس المدار على المصاحف إنما الدار على ما فيها، وقد ثبت أنه القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ، فكذلك نقول هنا: الأحاديث التي في صحيح البخاري ثبت أنها كانت معروفة عند خير القرون، وإنما رواها الثقات منهم وعنهم، بل ثبتت الحجة الشرعية عن النبي ﷺ
[ ٣٠٣ ]
وقال «لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمة الفقه إن معرفة الدين تتوقف على الإحاطة بجميع ما رواه المحدثون ولا بأكثرها»
أقول: لا ريب أن الأحاديث الضعيفة والواهية والمكذوبة لا تتوقف معرفة الدين على الوقوف عليها، ومن الصحيحة ما يروى من عدة طرق قد تبلغ المئتين ويكفي لمعرفة الدين معرفة المتن من طريق صحيحة منها
ومنها أحاديث يتفق العدد منها في المعنى أو فيما هو المقصود، كأحاديث تحريم الربا وأحاديث التشهد، ويكفي لمعرفة الدين معرفة واحد منها
ومنها أحاديث يوجد في كتاب الله ﷿ ما يفيد معناها، ويكفي لمعرفة الدين معرفة تلك الدلالة على القرآن
وبعد هذا كله فمعرفة الدين ليست أمرًا لا يزيد ولا ينقص، وقد علمنا أن الشريعة لم توجب أن يكون كل مسلم عالمًا، وإنما أوجبت على الأمة أن يكون فيها علماء بقدر الكفاية يرجع إليهم العامة في كل ما يعرض لهم، ولم توجب على العالم أن يكون محيطًا بالدين، بل كما أن العامي يستكمل ما يحتاج إليه بسؤال العلماء. وراجع ص٣٢-٣٣
قال: «قال البيضاوي في حديث «لا وصية لوارث»: والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر»
/ أقول: هذا رأي البيضاوي، فإذا خالفه غيره فالمدار على الحجة. وهكذا كل ما يحكيه أبو رية عن فلان وفلان، ومن تدبر آيات المواريث علم أنها تفيد معنى هذا الحديث
ثم ذكر قضايا قد تقدم النظر فيها، إلى أن قال ص٣٥٣ «رب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدي ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان،
[ ٣٠٤ ]
وبالعكس، وهما إمامان عليها مدار النقد في النقل، ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث»
أقول: الغالب اتفاقهما، والغالب فيما اختلفا فيه أن يستضعف يحيى رجلًا فيترك الحديث عنه، ويرى عبد الرحمن أن الرجل وإن كان فيه ضعف فليس بالشديد، فيحدث عنه، ويثنى عليه بما وافق حاله عنده، وقد قال تلميذها ابن المديني «إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدها وكان في يحيى تشدد» والأئمة الذين جاءوا بعدهما لا يجمدون على قولهما بل يبحثون وينظرون ويجتهدون ويحكون بما بان لهم، والعارف الخبير الممارس لا يتعذر عليه معرفة الراجح فيما اختلف فيه من قبله، وعلى فرض أننا لم نعرف من حال راو إلا أن يحيى تركه وأن عبد الرحمن كان يحدث عنه، فمقتضى ذلك أن صدوق يهم ويخطئ فلا يسقط ولا يحتج بما ينفرد به
قال «إن ما كان قطعي الدلالة في النصوص فهو الشرع العام الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه عملًا وقضاء، وإن ما كان ظني الدلالة موكول إلى اجتهاد الأفراد في التعبدات والمحرمات، وإلى أولى الأمر في الأحكام القضائية إن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يجعل تشريعًا عامًا تطالب به كل الأمة، وإنما يعمل فيه كل أحد بإجتهاده، فمن فهم منه الدلالة على تحريم شيء امتنع منه، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الإباحة»
أقول: قد تقدم النظر في نظرية «دين عام ودين خاص» ص ٩و ١٤-١٥و ٢٨-٣٤و ١٠٠ قريبًا ص٢٢٠-٢٢١ وكذلك حال الاجتهاد والمجتهد
هذا والأدلة القطعية تبين أن الواجب على كل مسلم طاعة الله ورسوله
[ ٣٠٥ ]
ما استطاع، فيما ثبت بدليل قطعي المتن والدلالة أو ظنيهما أو قطعي أحدهما ظني الآخر، وإن على / العامي العمل بما يعلمه من الشريعة قطعًا أو ظنًا، والرجوع فيما يجهله إلى العلماء الموثوق بعلمهم ودينهم، فإذا افتاه أحدهم بأمر لزمه العمل به سواء أكان قطعيًا أو ظنيًا، فإن اختلف عالمان فقد قال الله ﵎ (فاتقوا الله ما استطعتم) فعلى العامي أن يتحرى أقرب الأمرين إلى طاعة الله وطاعة رسوله، وإذا علم الله تعالى حرصه على طاعته سبحانه فلابد أن يهيئ له من أمره رشدا
وعلى كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتأكد ذلك على الرجل في أهله، وعلى كل راع في رعيته، وعلى كل من عرف حكمًا بدليل قطعي أو ظني أن يرشد من يراه من المسلمين يخالفه جهلًا به، وينكر على من يراه يعرض عنه على وجه منكر. وليس له الإنكار على من يعرض عنه على وجه معروف. والوجه المعروف هو ما يسمى «اختلاف الاجتهاد» أو «اختلاف وجهة النظر» مع اتحاد القصد في طاعة الله ورسوله
أما القضاء فالغرض فيه أن يكون بما أنزل الله يقينًا أو ظنًا، وذلك يشمل الأدلة الشرعية كلها، فإذا كان القاضي مجتهدًا فذاك، وإلا أخذ بما يتبين له رجحانه من أقوال أهل العلم
ثم ذكر قضايا تقدم النظر فيها ص ١٧٥و ٢٠٢و ٢١٨
ثم ذكر عن السيد رشيد رضا « ونحن نجزم بأنا نسينا وضيعنا من حديث نبينا ﷺ حظًا عظيمًا لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين، فإن أمور الدين معروفة في القرآن ومبينة بالسنة العملية، وما دون من الأحاديث فهو مزيد هداية وبيان»
أقول: قد تكفل الله ﷿ يحفظ دينه، فمحال أن يذهب منه ما يقتضي نقصه، والمؤسف حقًا أن يجمع بعضنا بين التحسر على ما لم يحفظ، والتجني على
[ ٣٠٦ ]
ما حفظ، ومحاولة حطه عن درجته. راجع ص١٤-٥٠
ثم قال أبو رية «قال الإمام أبو حنيفة: ردي على كل رجل يحدث عن النبي ﷺ بخلاف القرآن ليس ردًا على نبي الله ﷺ ولا تكذيبًا له، ولكنه رد على ما يحدث عنه بالباطل، والتهمة دخلت عليه، ليس على نبي الله ﷺ، وكل شيء تكلم به النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، قد آمنا به وشهدنا أنه كما قال، ونشهد أنه لم يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم / يبتدع ولم يتقول غير ما قاله الله ولو كان من المتكلفين»
أقول: هذه العبارة من كتاب العالم والمتعلم، وفي نسبته إلى أبي حنيفة ما فيها، والكلام هناك في مسائل اعتقادية ومخالفة يراها مناقضة. فأما تبين السنة للقرآن بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحوها (كما مر ص١٤و ٢١٨) فثابت عند الحنفية وغيرهم، سوى خلاف يسير يتضمنه تفصيل مذكور في أصولهم يتوقف فهمه على تدبر عباراتهم ومعرفة اصطلاحاتهم، وبعض مخالفيهم يقول إنهم أنفسهم قد خالفوا ما انفردوا به هناك في كثير من فروعهم ووافقوا الجمهور. بل زاد الحنفية على الشافعية فقالوا إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، وإن الحديث المشهور أيضًا ينسخ القرآن، وكثير من الأحاديث التي يطعن فيها أبو رية هي على اصطلاح الحنفية مشهورة
ثم ختم أبو رية كتابه بنحو ما ابتدأه من إطرائه وتقديمه إلى المثقفين، والبذاءة على علماء الدين، ثم الدعاء والثناء، وأنا لا أثني على كتابي، ولا أبرئ نفسي، بل أكل الأمر إلى الله ﵎، فهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه
انتهى بعون الله تعالى جمع هذا الكتاب في أواخر شهر جمادي الآخر سنة ١٣٧٨ والحمد لله رب العالمين
[ ٣٠٧ ]