أحد لقيه وسمع منه مسلمًا لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية وجهر بذلك أما أعيان التابعين فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة. فإذا لم يصح خبر واحد ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية وأنه لم يكن منهم أحد مهما خفت منزلته وقوي الباعث له محتملًا منه أن يكذب على النبي ﷺ
وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي ﷺ ما دام في فضيلة له وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يجده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي ﷺ فقد حدث عدد كبير من الصحابة عن النبي ﷺ بفضائل لأنفسهم وقبلها منهم الناس ورووها وصححها أئمة السنة. ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن الكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي ﷺ مهما اشتدت حاجته إلى ذلك. ومن تدبر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدل على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث
وأما الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث فقد كان من حزب معاوية والموالين له عدد منهم كان في وسعهم أن يكذبوا على بعض الصحابة الذين لقوهم ورووا عنهم فيرووا عنه حديثًا أو أكثر في فضل معاوية / وينشروا ذلك فيمن يليهم من الثقات فيصححه أهل الحديث فعدم وقوع شيء من ذلك يدل على أن الرواة الذين يوثقهم أئمة الحديث ثقات في نفس الأمر
وأما أئمة الحديث فهم معروفون بحسن القول في الصحابة عامة وخصوصهم ينقمون عليهم ذلك كما تراه في فصل عدالة الصحابة من كتاب أبي رية، ويرمونهم بالنصب ومحبة أعداء أهل البيت والتعصب لهم. وتلك القضية براءة لهم فلو كانوا
[ ٩٣ ]
من أهل الهوى لأمكنهم أن يصححوا عدة أحاديث في فضل معاوية، أو يسكتوا على الأقل عن التصريح بأن كل ما روي في ذلك غير صحيح
وأما قواعدهم في النقد فلا ريب أن نجاحها في هذا الأمر- وهو من أشد معتركات الأهواء- من أقوى الأدلة على وفائها بما وضعت له
وأما الشام فلا ريب أن الموضوعات في فضلها كثيرة ولكن ليس من الحق في شيء أن تعد دلالة الخبر على فضلها دليلًا على وضعه، فإن فضلها ثابت بالقرآن، وكذلك الحال في بيت المقدس قال الله تعالى (١٧: سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله) وأخبر الله ﷿ عن الشام بقوله (الأرض التي باركنا فيها) اقرأ (١٣٦:٧) و(٧١:٢١ و٨١) وبقوله (٨١:٣٤ القرى التي باركنا فيها) . وكذلك من الباطل أن تعد دلالة الخير على أمر بأنه سيقع دليلًا علىوضعه ما دمنا نؤمن بأن محمدًا رسول الله يطلعه الله من غيبه على ما يشاء، فأما أن يكون مثل هذا مما يسترعى النظر ليبحث عن الخبر من جهة إسناده وما يتصل به ليحكم عليه بحسب ذلك فلا بأس، وحديث «الخلافة بالمدينة والملك بالشام» رواه هشيم (وهو ثقة يدلس) عن العوام بن حوشب (وهو ثقة) عن سلميان بن أبي سليمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى لاله عليه وسلم أخرجه الحاكم في المستدرك ٧٢:٣ وقال «صحيح على شرط مسلم» تعقبه الذهبي فقال «سليمان وأبوه مجهولان» وهو في فتح البخاري ٣/ ٢/ ١٧ ذكر الجملة الأولى فقط
وقال ص٩٤ «أصل فرية الأبدال»
أقول: سترى الكلام على تلك الأخبار في موضوعات الشوكاني وتعليقي عليه إن شاء الله
قال «روى الواقدي أن معاوية لما عاد من الشام »
[ ٩٤ ]