بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
اللهم صلِّ على محمد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ،
[ ٩ ]
- الاعتبار وأهميته
وعلى آل محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد.
لمَّا كان علم الحديث يعتمد على معرفة أحوال الرواة تعديلًا وتجريحًا، وأحوال الروايات تصحيحًا وتعليلًا، وكان السبيل إلى إدراك ذلك، اعتبار الروايات، وعرض بعضها ببعض، ليَظهر ما فيها من اتَّفاقٍ، أو اختلافٍ أو تفردٍ، ليُعامل كلٌّ بحسبه.
ولمَّا كان ذلك لا يتحقق إلا بكثرة البحث والتفتيش عن الأسانيد والروايات، في بطون الكتب، وصدور الرجال، كان للاعتبار عند المحدّثين أهميته البالغة، وضرورته القصوى.
فبالاعتبار، يُعرف الصحيح من الضعيف من الروايات، وذلك بالنظر في الطرق التي اعتُبِرت وسُبِرت، وعرضها على باقي الطرق والروايات في بابها، فيظهر الاتفاق، والذي هو مظنَّه الحفظ، والاختلاف أو التفرد، واللذان هما مظنَّتا الخطأ.
ثم تدور هذه الأحاديث في إطار قواعد وضوابط، تحوطها من كل جانب، وتعالجها من كل جهة، ومن خلالها يظهر الصحيح من الضعيف، والمحفوظ من غيره.
وبالاعتبار، يتبين حال رواة الحديث من حيث التوثيق والتجريح، فمن عُهد عليه الإصابة، وكثرة الموافقة للثقات، كان ثقةً مثلهم، ومن عُهِد عليه الخطأ، وكَثْرة المخالفة للثقات، أو التفرد والإِغْراب ورواية ما لا يعرفون، كان ضعيفًا في حفظه، وبقدر الموافقة والمخالفة بقدر ما
[ ١٠ ]
- بذل الأئمة كل نفس ونفيس من أجل الاعتبار
يُعرف حفظه وضبطه.
***
ولما كان الاعتبار عند المحدثين بهذا الشأن العظيم، بذله من أجله كل نفس ونفيس، وطاف البلدان، وسمعوا من أهل الأمصار، رغبة في تمييز الأحاديث، والوقوف على الصحيح منها والسقيم، ومعرفة ما أصاب فيه الرواة وما أخطئوا فيه.
فهذا؛ إمام واحد، من أجل اعتبار حديث واحد، طاف بلدنًا شتَّى، ودخل مدائن عدةً حتى وقف على علَّته، وهو الإمام شُعْبة بن الحجاج، عليه رحمة الله تعالى:
قال نصْر بن حمَّاد الورَّاق (١):
كنا قعودًا على باب شعبة؛ نتذاكر.
فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رعيَّة الإبل على عهد رسول الله - ﷺ -، فجئتُ ذات يومٍ والنبي - ﷺ - حوله أصحابه؛ فسمعتُه يقول:
" من توضأ، فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فاستغفر الله؛ إلا غفر له".
_________________
(١) رواه: ابن حبان في "المجروحين" (١/٢٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/٤٨ـ ٤٩) والخطيب في "الرحلة" (٥٩) وكذا في "الكفاية" (ص. ٥٦٦ - ٥٦٧) والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (ص ٢٠٧ - ٢٠٨) .
[ ١١ ]
فقلت: بخٍ بخٍ !
فجذبني رجل من خلفي، فالتفتُّ؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال الذي قبل أحسن!
فقلت: وما قبل؟!
قال: قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت".
قال: فخرج شعبة؛ فلطمني، ثم رجع فدخل؛ فتنحَّيت من ناحية، قال: ثم خرج؛ فقال: ما له يبكي بعد؟!
فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه!
فقال شعبة: انظر؛ ماذا تحدث! ! إن أبا إسحاق حدثني بهذا الحديث، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: فقلنا لأبي إسحاق: من عبد الله بن عطاء؟ قال: فغضب، ومِسعرُ بن كِدَام حاضر، قال: فقلت له. لتصححن لي هذا، أو لأُحَرِّقن ما كتبتُ عنك! فقال مِسعر: عبد الله بن عطاء بمكة.
قال شعبة: فرحلت إلى مكة، لم أُرد الحج، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء، فسألته، فقال سعد بن إبراهيم حدثني فقال لي مالك بن أنس: سعد بالمدينة، لم يحج العام.
قال شعبة: فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته، فقال الحديث من عندكم؛ زياد بن مِخراق حدثني.
قال شعبة: فلما ذكر زيادًا، قلت أيُّ شيءٍ هذا الحديث؟ ! بينما
[ ١٢ ]
هو كوفي، إذ صار مدنيًا، إذ صار بصريًا! !
قال: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مِحراق، فسألته، فقال: ليس هو من بابَتِك!
قلت: حدثني به. قال لا ترده! قلت: حدثني به.
قال حدثني شَهْر بن حَوشَب، عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ -.
قال شعبة: فلما ذكر شهر بن حوشب، قلت: دمَّر هذا الحديث؛ لو صح لي مثل هذا عن رسول الله - ﷺ - كان أحب إلى من أهلي ومالي والناس أجمعين! !
وهذا إمام آخر، طاف نحو طَوَفان شعبة بن الحجاج، من أجل اعتبار حديث واحد أيضًا:
قال محمود بن غَيْلان (١): سمعت المؤمل ذُكر عنده الحديث الذي يُروى عن أُبيّ، عن النبي - ﷺ - في
"فضل القرآن"، فقال حدثني رجل ثقة - سماه ـ، قال: حدثني رجل ثقة - سماه - قال:
أتيت المدائن، فلقيت الرجل الذي يَروي هذا الحديث، فقلت له: حدِّثني؛ فإني أريد البصرة. فقال: هذا الرجل الذي سمعناه منه هو بواسط في أصحاب القصب!
_________________
(١) "الكفاية" للخطيب (ص ٥٦٧ - ٥٦٨)، و(شرح الألفية) للعراقي (١/٢٧٠ - ٢٧١)، وكذا "التقييد والإيضاح" له (ص ١٣٤)، و"النكت" لابن حجر (٢/٨٦٢)
[ ١٣ ]
- اعتبار من المخطئ في الرواية
قال: فأتيت واسطًا، فلقيت الشيخ، فقلت: إني كنت بالمدائن، فدلني عليك الشيخ، وإني أريد أن آتي البصرة. قال إن هذا الذي سمعت منه هو بالكَلاء (١) !
فأتيت البصرة، فلقيت الشيخ بالكلاء، فقلت له: حدِّثني؛ فإني أريد أن آتي عَبَّادان. فقال إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعَبَّادان! فأتيت عَبَّادان، فلقيت الشخ، فقلت له: اتق الله؛ ما حال هذا الحديث؟ ! ! أتيت المدائن، فقصصت عليه، ثم واسطًا، ثم البصرة، فدُلِلْت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلَّهم قد ماتوا! فأخبرني بقصة هذا الحديث؟ !
فقال: إنا اجتمعنا هنا، فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، وزهدوا فيه، وأخذوا في هذه الأحاديث، فقعدنا، فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيه! !
يقول المعلمي ﵀ معلقًا على هذه القصة (٢):
"لعل هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيق رواية هذا الحديث الواحد".
****
بل؛ قد يكون الواحد منهم قد اعتبر الرواية بالفعل، وعرف ما وقع فيها من الخطأ، وتحقق من كونها غير محفوظة، فيريد أن يتبين: مَن
_________________
(١) "الكلاء": اسم محِّلة مشهورة وسوق بالبصرة.
(٢) في "علم الرجال وأهميته" (ص ٢٣) بتعليقي.
[ ١٤ ]
ْ الراوي المخطئ فيها: هل هو فلان، أم فلان؟ فيقطع من أجل تحقيق ذلك مفاوز، ويطوف بلدانًا، ويدخل أمصارًا، ليسمع الحديث من غير وجه، ليقابل الأوجه بعضها ببعض، ويَزِنها بميزان الاعتبار،
حتى يتحقق من أن المخطئ في الرواية فلان، وليس غيره.
يقول محمد بن إبراهيم بن أبي شيخٍ المَلْطي (١):
جاء يحيى بن معين إلى عفان بن مسلم؛ ليسمع منه كتب حماد بن سلمة.
فقال له: ما سمعتَها من أحد؟
قال: نعم؛ حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة.
فقال: والله؛ لا حدثتك !
فقال: إنما هو درهم، والحدر إلى البصرة، وأسمع من التبوذَكِّي.
فقال: شأنك!
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل.
فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟
قال: سمعتُها على الوجه من سبعة عشر نفسًا، وأنت الثامن عشر.
فقال: وماذا تصنع بهذا؟ !
فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطئه من خطأ
_________________
(١) "المجروحين" لابن حبان (١/٣٢) .
[ ١٥ ]
- لم يكونوا يتعجلون الحكم على الحديث
- ما كانوا يسارعون إلى رد نقد النقاد
غيره: فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء؛ علمت أن الخطأ من حماد نفسه. وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم؛ علمت أن الخطأ منه لا من حماد؛ فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه، وبين ما أُخطِئ عليه.
***
ولأجل هذا؛ لم يكونوا يتعجلون الحكم على الحديث، ولا يتسرعون في إطلاق الأحكام على الأسانيد والروايات، ولا يغترون بظواهر الأسانيد، بل كانوا أحيانًا يمضون الأيام الكثيرة والأزمنة البعيدة من أجل معرفة ما إذا كان الحديث محفوظًا، أم اعتراه شيء من الخطأ والوهم.
يقول الإمام الخطيب البغدادي (١):
"من الأحاديث؛ ما تخفى علته، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ زمن بعيد".
ثم أسند عن الإمام علي بن المديني، أنه قال:
"ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة"!
****
ولهذا؛ ما كانوا يسارعون إلى رد نقد النقاد، لمجرد عدم علمهم بأدلتهم، إلا بعد البحث الشديد، واستفراغ الجهد في الوقوف على ما عليه اعتمدوا في نقدهم، فإذا سمعوا منهم حكمًا مجملًا، عاريًا عن
_________________
(١) "في الجامع" (٢/٢٥٧)
[ ١٦ ]
- اعتنوا بجمع الأصول والكتب الحديثية، وتحاكموا إليها
الدليل، فحثوا عن دليله؛ لعلمهم، أن مثل هؤلاء النقاد لا يتكلمون بالمجازفة أو الحدس.
روى بن أبي حاتم (١)، عن ابن أبي الثلج، قال: كنا نذكر هذا الحديث - يعني: حديث موسى بن أَعْين،
عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعًا ـ: "إن الرجل ليكون من أهل الصوم، والصلاة والزكاة والحج"، حتى ذكر سهام الخير "فما يُجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله" ـ، ليحيى بن معين، سنتين أو ثلاثة، فيقول: هو باطل؛ ولا يدفعه بشيء، حتى قدم علينا زكريا بن عدي، فحدثنا بهذا الحديث، عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة؛ فأتيناه (٢)، فأخبرناه، فقال: هذا بابن أبي فروة أشبه منه بعبيد الله بن عمرو"
***
ولم يكونوا يكتفون بالسماع المجرد، وإنما تعدَّوا ذلك، فاعتنوا بجمع الأصول، والوقوف على الكتب الحديثية، فإن الحفظ يخون، بخلاف الكتاب، فإنه أصون وأبعد عن الخطأ والوهم.
ولهذا؛ كانوا يرجعون إلى الأصول والكتب إذا استنكروا ما يحدِّث به الراوي من حفظه، فإن وجدوا له أصلًا في كتبه عرفوا أنه صواب، وإلا فلا.
_________________
(١) "العلل" (١٨٧٩) .
(٢) يعني: ابن معين.
[ ١٧ ]
وكانوا - أيضًا - إذا اختلفوا فيما بينهم في حديثٍ أو أحاديث، رجعوا إلى الكتب، فتحاكموا إلى ما فيها.
قال عبد الله بن المبارك (١):
"إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم".
ورأى أحمد بن حنبل (٢) يحيى بن معين في زاوية بصنعاء، وهو يكتب صحيفة: "معمر، عن أبان، عن أنس"، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه.
فقال أحمد بن حنبل له: تكتب صحيفة: "معمر، عن أبان، عن أنس"، وتعلم أنها موضوعة؟! فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في "أبان"، ثم تكتب حديثه على الوجه؟!
قال: رحمك الله؛ يا أبا عبد الله! أكتب هذه الصحيفة "عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن أنس" وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة؛ حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل: "أبان": "ثابتًا"، ويرويها: "عن معمر، عن ثابت، عن أنس"؛ فأقول له: كذبت؛ إنما هي: "أبان" لا "ثابت".
وقال الحسين بن الحسن المروزي (٣): سمعت عبد الرحمن بن
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٢٥/٨) .
(٢) "المجروحين" (١/٣١-٣٢) .
(٣) "الجامع" للخطيب (٢/٣٩)، و"شرح علل الحديث" (١/٥٣٥) .
[ ١٨ ]
مهدي يقول:
كنت عند أبي عَوَانة، فحدَّث بحديث عن الأعمش، فقلتُ: ليس هذا من حديثك.
قال: بلى!
قلت: بلى!
قال: يا سلامة! هات الدَّرج فأخرجت، فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه.
فقال: صدقت! يا أبا سعيد؛ فمن أين أُتيت؟
قلت: ذوكرت به وأنت شاب، ظننت أنك سمعته!!
وقال يحيى بن معين (١):
حضرتُ نعيم بن حماد - بمصر ـ، فجعل يقرأ كتابًا صنَّفه.
فقال: حدثنا ابن المبارك، عن ابن عون؛وذكر أحاديث.
فقلت: ليس ذا عن ابن المبارك.
فغضب؛ وقال: ترد عليَّ؟!
قلت: إي! والله؛ أريد زَيْنَك.
فأبى أن يرجع.
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١١/٨٩-٩٠) و"الكفاية" (ص ٢٣١) .
[ ١٩ ]
فلما رأيته لا يرجع، قلت: لا! والله؛ ما سمعت هذه من ابن المبارك، ولا سمعها هو من ابن عون قط! فغضب، وغضب من كان عنده، وقام فدخ؛ فأخرج صحائف، فجعل يقول - وهي بيده - أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ !
نعم! يا أبا زكريا؛ غَلِطتُ، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك، عن ابن عون! !
وهذا حديث من تلك التي أنكرها ابن معين على نعيم بن حماد، بهذا الإسناد: قال هاشم بن مرثد الطبراني (١): قيل ليحيى بن معين - وأنا أسمع ـ: حديث؛ رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك، عن ابن عون، عن محمد بن سرين، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا اغْتَلَمَتْ (٢) آنيتُكُم، فاكسروها بالماء"؟
فقال يحيى بن معين: قال لي نعيم: سمعته (٣) من ابن المبارك؛ فقلت كَذِبٌ (٤) فقال لي: اتق الله!
_________________
(١) "تاريخه" (ص ١٨ - ٢٠)
(٢) أي إذا جاوزت حدها الذي لا يسكر، إلى حدها الذي يسكر. نهاية.
(٣) في "المطبوع": "سمعت"! !
(٤) أي: خطأ.
[ ٢٠ ]
- معرفة رواة الحديث بشأن نقاده
فقلت: كذب، والله الذي لا إله إلا هو.
فذهب، ثم لقيني بعد، فقال: ما وجدت له عندي أصلًا؛ فرجع عنه! !
***
وكان رواة الحديث يعرفون شأن نقاده، ويقدرونهم قدرهم، ويُنزلونهم منزلتهم، فكانوا يرجعون إليهم ويسألونهم عن أحوال أنفسهم وأحاديثهم، وإذا بينوا لهم الخطأ رجعوا عنه، ولم يحدثوا به بعد.
فكل راوٍ من الرواة كان يعلم أن نقاد الحديث وجهابذته أعلم بحديثه: صحيحه وسقيمه، ومحفوظه ومنكره؛ وأعلم بحاله: ثقتِه وضعفهِ؛ من نفسه التي بين جنبيه.
قال ابن معين (١):
قال لي إسماعيل بن عُليَّة يومًا: كيف حديثي؟ !
قلت: أنت مستقيم الحديث.
فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ !
قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة.
فقال: الحمد لله، فلم يزل يقول: الحمد لله، ويحمد ربه، حتى دخل دار بشر بن معروف - أو قال: دار البختري ـ، وأنا معه! !
وقال ابن أبي حاتم (٢): رأيت كتاب؛ كتبه عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف
_________________
(١) "سؤالات ابن محرز" (٢/٣٩) .
(٢) "تقدمة الجرح والتعديل" (ص ٣٣٦) .
[ ٢١ ]
- تجريح من لا يبالي بنقد النقاد
بـ "رُوسْتَه"؛ من أصبهان، إلى أبي زرعة - بخطه ـ: وإني كنت رويت عندكم عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: "أبردوا بالظُّهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم"، فقلتَ: هذا غلط؛ الناس يروونه "عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - ".
فوقع ذلك من قولك في نفسي، فلم أكن أنساه، حتى قدمت، ونظرت في الأصل، فإذا هو "عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - "؛ فإن خَفَّ عليك، فأعْلِم أبا حاتم - عافاه الله - ومن سألك من أصحابنا؛ فإنك في ذلك مأجور، إن شاء الله؛ والعار خير من النار.
***
ولهذا؛ كان أئمة الحديث يجرِّحون الرَّاوي الذي لا يبالي بنقد النقاد، ولا يرجع عن خطئه الذي بينه له أهل العلم، ويقيم على روايته آنفًا من الرجوع عنه.
قيل للإمام شعبة بن الحجاج (١): من الذي يترك الرواية عنه؟ قال: إذا تمادى في غلط مُجمع عليه، ولم يتَّهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه، أو رجل يُتَّهم بالكذب.
وقال حمزة بن يوسف السهمي (٢): سألت أبا الحسن الدارقطني، عمن يكون كثير الخطأ؟
قال: إن نَبَّهوه عليه، ورجع عنه؛ فلا يسقط، وإن لم
_________________
(١) "المجروحين" (١/٧) و"الكفاية" (ص ٢٢٩) .
(٢) "الكفاية" (ص ٢٣٢) .
[ ٢٢ ]
يرجع سقط.
وقال ابن معين (١): "ما رأيت على رجل خطأً إلا سترتُه، وأحببت أن أزيِّن أمره، وما استقبل رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن؛ أبيِّن له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك؛ وإلا تركته".
والترك؛ هنا بمعناه الاصطلاحي، كما تقدم عن شعبة، أي: يترك الرواية عنه، لا أن يتركه وحاله، يروي ما يريد ويحدث بما يشاء من غير أن يبين خطأه للناس، هذا ما يُظَنُّ بابن معين، ولا بغيره من أئمة الدين.
قيل لابن خزيمة (٢): لِمَ رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب، وتركت سفيان بن وكيع؟
فقال: لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث، رجع عنها عن آخرها، إلا حديث مالك، عن الزهري، عن أنس: "إذا حضر العشاء"؛ فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس (٣)
وأما سفيان بن وكيع، فإن ورَّاقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، وكلمناه،
_________________
(١) "السير" (١١/٨٣) .
(٢) "تهذيب الكمال" (١/٣٨٩) .
(٣) إنما أنكر الأئمة على أحمد بن عبد الرحمن تحديثه بهذا الحديث عن عمه ابن وهب عن مالك خاصة، وإلا فالحديث صحيح ثابت من حديث الزهري عن أنس، من غير هذا الوجه وقد أخرجه البخاري ومسلم..
[ ٢٣ ]
- لم يكونوا يتفردون بالقول، ولا يستقلون بالحكم
فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركت الرواية عنه.
***
ومع ما حباهم الله ﷿ به من سعة في الحفظ، ودقة في النقد، وصحة في النظر، وقوة في البحث، وصدق في الرأي؛ ما كانوا يتفردون بالقول، ولا يستقلون بالحكم، بل كانوا يرجعون إلى من هم أعلم منهم، ويسألون من تقدمهم، ويستشيرون من رُزق الذي رُزقوا؛ أهل العلم والحفظ والفهم.
يقول الإمام مسلم - عليه رحمة الله (١):
"عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة؛ تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس علة؛ أخرجته".
وقصَّتُهُ مع الإمام البخاري حيه جاءه يسأله عن علة حديث كفارة المجلس، فيها من العبرة لمن بعده، ما لا يوجد في غيرها.
قال أبو حامد الأعمش الحافظ، وهو: أحمد بن حمدون (٢):
كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري - بنيسابور ـ، فجاء مسلم بن الحجاج، فسأله عن حديث: عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية، ومعنا أبو عبيدة - فساق الحديث بطوله.
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح (ص ٦٧) .
(٢) انظر "الإرشاد" للخليلي (٣/٩٦٠ - ٩٦١) و"السنن الأبين" لان رشيد السبتي (ص ١٢٤ - ١٢٦) و"المعرفة" للحاكم (ص ١١٣ - ١١٤) و"تاريخ بغداد" (٢/٢٨ - ٢٩) (١٣/١٠٢ـ١٠٣) و"النكت على ابن الصلاح" (٢/٧١٦ـ٧٢٠) ..
[ ٢٤ ]
فقال محمد بن إسماعيل: حدثنا ابن أبي أويس: حدثني أخي أبو بكر، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر - القصة بطولها.
فقرأ عليه إنسان: حديث: حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة: حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "كفارة المجلس واللغو " - الحديث.
فقال مسلم: في الدنيا أحسن من هذا الحديث! ! ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سيلٍ! ! يُعرف بهذا الإسناد حديث في الدنيا؟ ! .
فقال محمد بن إسماعيل: إلا أنه معلول!
قال مسلم: لا إله إلا الله - وارتعد ـ؛ أخبرني به؟ ! !
قال استُر ما ستر الله! هذا حديث جليل؛ رَوَى عن حجاج بن محمد الخَلْقُ، عن ابن جريج!، فألح عليه، وقَبَّل رأسه، وكاد أن يبكي!
فقال: اكْتُبْ؛ إن كان ولا بد: حدثني موسى بن إسماعيل: حدثنا وُهَيْب: حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كفارة المجلس".
فقال مسلم: لا يبغضك إلاحاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك! وفي رواية:
[ ٢٥ ]
- التسامح في باب الاعتبار، وشواهده
جاء مسلم بن الحجاج إلى محمد بن إسماعيل البخاري، فقَبَّل بين عينيه، وقال دعني حتى أُقَبِّل رجليك، يا أُستاذ الأُسْتَاذين، سيد المحدثين طبيب الحديث في علله - ثم سأله عن الحديث.
***
وقد ذكر أئمتنا - عليهم رحمة الله تعالى - في باب "الاعتبار" من كتب علوم الحديث: أن هذا الباب يُتَسامح فيه في الأسانيد، ولا يُتشدَّد، وأنه يدخل فيه رواية الضعيف القريب الضعف، الذي لا يُحتج به
وحده، لو انفرد.
وهذه؛ كلمة حق، تَستقيم على مسالك أئمة الحديث في تصانيفهم التي على الأبواب، كمثل "الصحيحين" وغيرهما.
وفي ذلك؛ يقول الإمام مسلم، لما بلغه إنكار أبي زرعة الرازي إدخاله في "الصحيح" بعض الضعفاء، مثل أسباط بن نصر، وقَطَن بن نُسَيْر، وأحمد بن عيسى؛ قال (١):
"إنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه رُبما وقع إِلَيَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ألئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات"
ونحو ذلك؛ قول لبن حبان في مقدمة "صحيحه" (٢):
_________________
(١) "سؤالات البرذعي" (ص ٦٧٦) .
(٢) من "الإحسان" (١/١٦٢) .
[ ٢٦ ]
"إذا صح عندي خبر من رواية مدلِّس، أنه بيَّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره، بعد صحته عندي من طريق آخر".
وبناءً على هذا؛ سلك أكثر المحدِّثين بعد الشيخين، في أكثر أحاديث "الصحيحين"مسلك إحسان الظن، وحَمْل ما اشتملت عليه بعض أسانيد كتابيهما من علل توجب ردَّها على أنَّها مجبورة ومدفوعة من أوجه أخرى، اطَّلعا عليها، وخفيت على من بعدهما.
يقول ابن رشيد السَّبتي (١)؛ مخاطبًا الإمام مسلمًا:
"وعلى نحو من هذا؛ تأَّول علماء الصنعة بعدكما عليكما - أعنيك والبخاري ـ، فيما وقع في كتابيكما من حديث من عُلم بالتدليس، ممن لم يُبَيِّن سماعه في ذلك الإسناد الذي أخرجتما الحديث به، فظنوا بكما ما ينبغي من حسن الظن، والتماس أحسن المخارج، وأصوب المذاهب؛ لتقدمكما في الإمامة، وسعة علمكما وحفظكما، وتمييزكما، ونقدكما، أن ما أخرجتما من الأحاديث عن هذا الضرب مما عرفتما سلامته من التدليس.
وكذلك أيضًا؛ حكموا فيما أخرجتما من أحاديث الثقات الذين قد اختلطوا، فحملوا ذلك على أنه مما رُوي عنهم قبل الاختلاط، أو مما سَلِموا فيه عند التحديث.
على نظرٍ في هذا القسم الآخر، يحتاج إلى إمعان التأمل؛ فبعض منها توصلوا إلى العلم بالسلامة فيه بطبقة الرواة عنهم، وتمييز وقت
_________________
(١) في "السنن" (ص ١٤٣-١٤٤)، وانظر: كتابي "حسم النزاع" (ص ٩٧) .
[ ٢٧ ]
سماعهم، وبعض أُشْكِلَ؛ وقد كان ينبغي فيما أُشْكِلَ أن يُتوقف فيه؛ لكنهم قنعوا - أو أكثرهم - بإحسان الظن بكما، فقبلوه، ظنًا منهم أنه قد بان عندكما أمره، وحَسْبُنَا الاقتداء بما فعلوا، ولزوم الاتِّباع،
ومجانبة الابتداع" اهـ.
وهو أيضًا؛ مسلك قد سلكه أئمة الحديث في كثيرٍ من أحكامهم الجزئية على الأحاديث، حيث أُثر عنهم الاستدلال على حفظ الراوي لحديث قد أُنكر عليه، أو يُخشى من وقوع الخلل في الرواية من قِبَله، بأن غيره قد تابعه على حديثه ذاك، وقد يكون من تابعه ثقة، وقد يكون دون ذلك.
قال إسحاق ابن هانيء (١):
قال لي أبو عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل ـ: قال لي يحيى بن سعيد - يعني: القطان ـ: لا أعلم عبيد الله - يعني: ابن عمر - أخطأ، إلا في حديث واحد لنافع؛ حديث: عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام".
قال أبو عبد الله: فأنكره يحيى بن سعيد عليه.
قال أبو عبد الله: فقال لي يحيى بن سعيد: فوجدته، قد حدَّث به العُمَري الصغير (٢)، عن نافع، عن ابن عمر - مثله.
قال أبو عبد الله ك لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العُمَري صححه (٣) .
_________________
(١) "مسائله" (٢/٢١٦)، وكذا هو في "شرح علل الترمذي" (٢/٦٥٦) .
(٢) يعني: عبد الله بن عمر العمري.
(٣) كذا؛ روى ابن هانىء هذه القصة عن أحمد بن حنبل ويحيى القطان، وسياقه واضح في أن العمري الصغير يروي الحديث مرفوعًا كما يرويه عبيد الله أخوه، وأن القطان صحح الحديث بعد أن وقف على متابعته. لكن؛ روى هذه القصة أيضًا عن أحمد والقطان: عبد الله بن أحمد في "العلل" (٢٠١٢) وأبو داود في "المسائل" (ص ٣٠٦)، وسياقهما لا يدل على ذلك، بل على خلافه. "سمعت أحمد قال: قال يحيى: نظرت في كتاب عبيد الله - يعني: ابن عمرـ، فلم أجد شيئًا أنكره إلا حديث: "لا تسافر المرأة ثلاثًا - يعني إلا مع ذي محرم" ورواية عبد الله بن أحمد بنحوه. وكذا، نقله الدارقطني في "العلل"؛ كما في "الفتح" لا حجر (٢/٥٦٨) . فروايتهما؛ تدل على أن القطان أنكره، ولم يقوه، وأن أحمد لم يقوه، بل حكى أن أخاه عبد الله يخالفه في رفعه. والله أعلم لكن؛ الحديث صحيح لا غبار عليه، وقد تابع عبيد الله على رفعه الضحاك بن عثمان، وحديثه في مسلم.
[ ٢٨ ]
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (١):
سألت أبي عن الحديث الذي روي ابن المبارك، عن الحسين بن علي، عن وهب بن كيسان، عن جابر - يعني: في مواقيت الصلاة ـ: ما ترى فيه؟ وكيف حالك الحسين؟
فقال أبي: أما الحسين؛ هو: أخو أبي جعفر بن محمد بن علي، وحديثه الذي روى في المواقيت، حديث ليس بالمنكر؛ لأنه قد وافقه على بعض صفاته غيره.
_________________
(١) "المسائل" (ص ٥١)، وراجع "شرح العلل" لابن رجب (٢/٦٥٦) و"شرح البخاري" له (٣/١٤ - ١٥) .
[ ٢٩ ]
وقال يوسف بن موسى القطان (١):
سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - عن دية المُعَاهَد؟
قال: على النصف من دية المسلم؛ أذهب إلى حديث عمرو بن شعيب.
قيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؟
قال: ليس كلها؛ روى هذا فقهاء أهل المدينة قديمًا، ويُروى عن عثمان ﵀
وأنكر شعبة على عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزمي حديثه عن عطاء عن جابر في الشفعة، وكان يقول:
"لون أن عبد الملك روى حديثًا مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه" (٢) .
وهذا؛ يدل على أن الحديث عند منكر لا يحتمل، بحيث لو جاء عبد الملك بمنكر آخر مثله لضَعَّفَ شعبةُ عبدَ الملكِ.
وكان شعبة يعلل نكارته، بأنه لم يجد له متابعًا عليه، أو شاهدًا يُقويه، ويَشُدُ من عضده.
_________________
(١) "أهل الملل والرد على الزنادقة" للخلال (٨٦٧)، ويوسف هذا؛ مترج في "تاريخ بغداد" (١٤/٣٠٤) و"المقصد الأرشد" (٣/١٤٥)، وهو ثقة صدوق.
(٢) "الكامل" (٥/١٩٤٠) .
[ ٣٠ ]
- الاعتبار باب عظيم، وهو يمثل جانب التطبيق العملي لهذا العلم
- من هو المتأهل لاعتبار الروايات
قال وكيع (١): قال لنا شعبة:
"لو كان شيئًا (٢) يُقويه؟! "
وهذا؛ يعني: أنه لو جاء ما يقويه ويشهد له، لصححه وأخذ به، ولما أنكره على عبد الملك.
***
وهذا؛ باب من أبواب العلم عظيم، ومَزْلَق من مزالقه خطير وجسيم، وهو يمثل إلى حد بعيد الجانب العملي التطبيقي لعلم الحديث، فمن أتقن هذا الباب نظريًا وعمليًا، فقد أتقن علم الحديث، ودخله من أوسع أبوابه، ومن لم يتقنه، وقصر في تعلمه، وفتر عن ممارسته، فليس له في علم الحديث حظ، سوى حفظ اسمه، وتخيل رسمه.
ولا يتقن هذا الباب، إلا من أتقن جميع علوم الحديث، من الجرح والتعديل، وعلل الأحاديث، ومعرفة المراسيل، والتصحيف والتحريف، والجمع والتفريق، وأسباب الشذوذ والنكارة، وما رُوي بالمعنى وما رُوي باللفظ، وغير ذلك.
وأن يكون عالمًا بمناهج المحدثين العارفين بالرجال والعلل، مميِّزًا لاصطلاحاتهم، محرِّرًا لأصولهم، مدمنًا النظر في كلامهم في الرجال والعلل؛ كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد بن حنبل، وابن المديني، وغيرهما، ومن جاء بعدهما وسلك سبيلهما من أئمة هذا الشأن؛
_________________
(١) "الكامل" (٥/١٩٤١) .
(٢) كذا
[ ٣١ ]
- خطر الاكتفاء بظواهر الأسانيد في هذا الباب
كالبخاري، ومسلم، وأبي
حاتم، وأبي زرعة، والنسائي، والدارقطني، وابن عدي، وغيرهم من الأئمة الكبار.
ومن تبعهم، وسار على دربهم، وضرب على منوالهم، ممن جاء بعدهم، من المبرِّزين من العلماء المتأخرين؛ كالذهبي، وابن حجر، وابن رجب، وابن عبد الهادي، وغيرهم؛ ﵏ جميعًا، ورضي عنهم أجمعين.
ولما كان هذا الباب من أبواب علم الحديث، بهذه المكانة الرفيعة وتلك المنزلة الشريفة، مع قلة من تأهل له، أو جمع آلاته، أو أخذ بأسبابه؛ كان مَدْحَضَةَ أفهام، ومزلة أقدام.
فإن المتابعات والشواهد، تعتريها ما يعتري أي رواية من العلل الظاهرة والخفية، ما قد يُفضي إلى اطراحها وعدم الاعتداد بها من باب الاعتبار، وإن كانت قبل ظهور هذه العلل فيها صالحة للاعتبار.
كما أن الحديث المتصل برجال ثقات، إذا ظهر فيه علة خفية، تبين أنه غير صالح للاحتجاج به، وإن كان قبل ظهور هذه العلة صالحًا لاحتجاج.
فمن الخطأ الجسيم، والخطر العظيم، الاكتفاء بظواهر الأسانيد، لتقوية بعضها ببعض، من غير الْتِفَات إلى العلل التي تعتريها، فتُسقِطها عن حد الاعتبار.
فإن الاغترار بظواهر الأسانيد، ليس من شأن العلماء العارفين، ولا من شيمة النقاد المحققين، بل هو سمة المقصرين في تعلم العلم ومعرفة
[ ٣٢ ]
أغواره، وصفة العاجزين عن مسايرة أهله، ومجاراة أربابه.
ولله در الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - حيث قال (١) بصدد حديث، اغتر البعض بظاهر إسناده:
"إن ابن حزم نظر إلى ظاهر السند، فصححه؛ وذلك مما يتناسب مع ظاهريته، أما أهل العلم والنقد، فلا يكتفون بذلك، بل يتتبعون الطرق، ويدرسون أحوال الرواة، وبذلك يتمكنون من معرفة ما إذا كان في الحديث علة أوْ لا؛ ولذلك كان معرفة علل الحديث من أدقِّ علوم الحديث، إن لم يكن أدقَّها إطلاقًا ".
قال أيضًا (٢):
" إن الحديث الحسن لغيره، وكذا الحسن لذاته، من أدقِّ علوم الحديث وأصعبها؛ لأن مدارهما على من اختلف فيه العلماء من رواته، ما بين موثق ومضعف، فلا يتمكن من التوفيق بينها، أو ترجيح قول على الأقوال الأخرى، إلا من كان على علم بأصول الحديث وقواعده، ومعرفةٍ قويةٍ بعلم الجرح والتعديل، ومارس ذلك عمليًا مدة طويلة من عمره، مستفيدًا من كتب التخريجات، ونقد الأئمة النقاد، عارفًا بالمتشددين منهم والمتساهلين، ومن هم وسط بينهم، حتى لا يقع في الإفراط والتفريط، وهذا أمر صعب، قل من يصير له، ويناله
ثمرته، فلا جرم أن صار هذا العلم غريبًا بين العلماء، والله يختص بفضله من يشاء".
_________________
(١) "الإرواء" (٦/٥٧ - ٥٨) .
(٢) "الإرواء" (٣/٣٦٣) . وكذا (١/١١) .
[ ٣٣ ]
- وقوع الإسراف من المتأخرين في هذا الباب
وما أحسن قول الحافظ ابن رجب، حيث قال بصدد حديث اتفق أئمة الحديث من السلف على إعلاله، واغتر بعض المتأخرين بظاهر إسناده؛ قال (١):
" هذا الحديث؛ مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق (٢)
وأما الفقهاء المتأخرون، فكثير منهم نظر إلى ثقة رجاله، فظن صحته، وهؤلاء؛ يظنون أن كل حديث رواه ثقة فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث، ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين؛ كالطحاوي والحاكم والبيهقيّ ".
***
وقد وقع الإسراف لدى المتأخرين من أهل العلم، والمعاصرين منهم على وجه الخصوص، متمثلًا في بعض الباحثين والمعلقين على كتب التراث في إعمال قواعد هذا الباب النظرية؛ دونما نظر في الشرائط المعتبرة التي وضعها أهل العلم لهذه القواعد، ودونما فهم وفقه عند تطبيقها وتنزيلها على الروايات
والأسانيد، ودونما اعتبار لأحكام أهل العلم ونقاد الحديث على هذه الأسانيد، وتلك الروايات؛ فجاء كثير من أحكامهم مصادَمة لأحكام أهل العلم ونقاده عليها، وأدخلوا بسبب ذلك في
_________________
(١) "فتح الباري" له (١/٣٦٢) .
(٢) ذكر منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، والثوري، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، وابن أبي صالح المصري، ومسلم بن الحجاج، والأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني. والحديث؛ هو حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان النبي - ﷺ - ينام وهو جنب، ولا يمس ماءً".
[ ٣٤ ]
- خطر تطبيق القاعدة بعيدا عن تطبيقات الأئمة لها
الأحاديث الحسنة، أحاديث منكرة وباطلة، قد فرغ الأئمة من ردها.
فإن آفة الآفات في هذا الباب، ومنشأ الخلل الحاصل فيه من قِبل بعض الباحثين هو ممارسة الجانب العملي فيه استقلالًا من دون الرجوع إلى أئمة العلم لمعرفة كيفية ممارساتهم العملية.
فكما أن القواعد النظرة لهذا العلم تؤخذ من أهله المتخصصين فيه، فكذلك ينبغي أن يؤخذ الجانب العملي منهم؛ لا أن تؤخذ منهم فقط القواعد النظرية، ثم يتم إعمالها عمليًا من غير معرفة بطرائقهم في إعمالها وتطبيقها وتنزيلها على الأحاديث والروايات.
فإن أهل مكة أعلم بشعابها، وأهل الدار أدرى بما فيه، وإن أفضل مَنْ يطبق القاعدة هو من وضعها وحررها، ونظم شرائطها، وحدد حدودها.
فكان من اللازم الرجوع إلى كتب علل الحديث المتخصصة، والبحث عن أقوال أهل العلم على الأحاديث؛ لمعرفة كيفية تطبيقهم هم لتلك القواعد النظرية، التي يقوم عليها هذا الباب، ومعرفة فه تنزيلها على الروايات والأسانيد.
وليس هذا؛ جنوحًا إلى تقليدهم، ولا دعوة إلى تقديس أقوالهم، ولا غلقًا لباب الاجتهاد، ولا قتلًا للقدرات والملكات؛ بل هي دعوة إلى أخذ العلم من أهله، ومعرفته من أربابه، ودخوله في بابه وتحمله على وجهه.
فمن يظن، أنه بإمكانه اكتساب ملَكَةِ النقد، وقوة الفهم، وشفوف النظر، بعيدًا عنهم، وبمعزل عن علمهم، وبمنأى عن فهمهم؛ فهو
[ ٣٥ ]
ظالم لنفسه، لم يبذل لها النصح، ولم يبغ لها الصلاح والتوفيق، ولا أنزل القوم منازلهم، ولا قَدَرَهم أقَْدارهم.
فهم أهل الفهم، وأصحاب الملكات، وذوو النظر الثاقب، فمن ابتغى من ذلك شيئًا، فها هو عندهم، وهم أربابه، فليأْخذه منهم، وليأخذ بحظ وافر.
فمن تضلع في علمهم، واستزاد من خيرهم، وتشربهم من فقههم، واهتدى بهديهم، واسترشد بإرشادهم، سار على دربهم، وضرب على منوالهم؛ فهو الناصح لنفسه، المُبتغي لها الصلاح والتوفيق، وهو من السابقين بالخيرات بإذن الله تعالى.
ولله دَرُّ الحافظ ابن رجب الحنبلي، حيث أوضح في كلمات قلائل، أنَّ سبيل تحصيل المَلَكة، إنما هو مداومة النظر في مطالعة كلام الأئمة العارفين، للتفقه بفقههم، والتفهم بفهمهم.
يقول ابن رجب (١):
" ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عَدِمَ المذاكرة به، فليُكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين؛ كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني وغيرهما؛ فمن رُزِق مطالعة ذلك وفهمه، وفَقُهَتْ نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس، ومَلَكة، صَلُحَ له أن يتكلم فيه".
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" (٢/٦٦٤) .
[ ٣٦ ]
فاقنع بما قسم المليك،
قَسَم الخلائق بيننا علامُها
فهم السعاة إذا العشيرة أُفْظِعَت
وهم فوارسها، وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم
والمرملات إذا تطاول عامها
وهم العشيرة أن يبَطِّىء حاسد
أو أن يلوم مع العدا لُوُّامها
هذا؛ وإن علامة صحة الاجتهاد، وعلامة أهلية المجتهد، هو أن تكون أغلب اجتهاداته وأحكامه وأقواله موافقة لاجتهادات وأحكام وأقوال أهل العلم المتخصصين، والذين إليهم المرجع في هذا الباب.
وإن علامة صحة القاعدة التي يعتمد عليها الباحث في بحثه، هو أن تكون أكثر النتائج والأحكام المتمخضة عنها على وفق أقوال أهل العلم وأحكامهم.
فكما أن الراوي لا يكون ثقة محتجًا به وبحديثه إلا إذا كانت أكثر أحاديثه موافقة لأحاديث الثقات، المفروغ من ثقتهم، والمسلَّم بحفظهم وإتقانهم؛ فكذلك الباحث لا يكون حكمه على الأحاديث ذا قيمة، إلا إذا جاءت أكثر أحكامه على الأحاديث موافقة لأحكام أهل العلم عليها.
[ ٣٧ ]
وبقدر مخالفته لأهل العلم في أحكامه على الأحاديث، بقدر ما يُعلم قدر الخلل في القاعدة التي اعتمد عليها، أو في تطبيقه هو للقاعدة، وتنزيلها على الأحاديث.
فمن وجد من نفسه مخالفة كثيرة لأهل العلم في الحكم على الأحاديث، فليعلم أن هذا إنما أُتي من أمرين، قد يجتمعان، وقد يفترقان.
أحدهما: عدم ضبط القاعدة التي بنى عليها حكمه على وفق ضبط أهل العلم لها.
ثانيهما: ضبط القاعدة نظريًا فقط، وعدم التفقه في كيفية تطبيقها، كما كان أهل العلم من الفقه والفهم والخبرة، بالقدر الذي يؤهلهم لمعرفة متى وأين تنزل القاعدة، أو لا تنزل.
فكان هذا من الدوافع القوية إلى الكتابة في هذا الموضوع؛ لبيان الشرائط التي اشترطها أهل العلم في قواعد هذا الباب، وخطر الإخلال بها؛ مع توضيح شيء من فقه الأئمة عند تطبيقهم لهذه القواعد، وتنزيلها على الأحاديث.
لاسيِّما؛ وأنه لا يكاد يوجد كتاب مستقل تناول هذا الباب من أبواب العلم، رابطًا فيه بين الجانب التقعيدي والجانب العملي التطبيقي؛ وإنْ كان فد صدرت في الآونة الأخيرة بعض الكتابات حول هذا الموضوع، إلا أنها تفتقد إلى حد بعيد الجانب العملي المتمثل في تطبيق العلماء المتخصصين لهذه
القواعد المتعلقة بهذا الباب.
[ ٣٨ ]
- تنبيه بعض أفاضل العصر على التساهل الذي وقع فيه المتأخرون، وتحذيرهم منه
***
وقد نبه إلى هذا التساهل كثير من العلماء المحققين، أمثال الشيخ المعلمي اليماني، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ الألباني، وحذَّروا منه، ومن الاغترار به.
يقول الشيخ المعلمي اليماني (١):
"تحسين المتأخرين فيه نظر".
ويقول الشيخ أحمد شاكر في "شرح ألفية الحديث" (٢) للسيوطي مُعقبًا عليه تساهله في هذا الباب في كثير من كتبه:
"أما إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي، أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع؛ فإنه لا يرقى إلى الحسن، بل يزداد ضعًا إلى ضعف؛ إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم ـ: يرجِّح عند الباحث المحقق التهمة، يؤيد ضعف روايتهم؛ وبذلك يتبين خطأ المؤلف - يعني: السيوطي - هنا، وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي إلى الحسن، مع هذه العلة القوية".
ويقول الشيخ الألباني (٣):
_________________
(١) "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٩) . وانظر أيضًا: "الفوائد المجموعة" (ص ١٠٠) .
(٢) ص ١٦) .
(٣) "تمام المنة" (ص ٣١ـ٣٢) .
[ ٣٩ ]
"لابد لمن يريد أن يُقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها، حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها، ومن المؤسف أن القليل جدًا من العلماء من يفعل ذلك، ولاسيما المتأخرين منهم؛ فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقًا، دون أن يقفوا عليها، ويعرفوا ماهية ضعفها!! والأمثلة على ذلك كثيرة ".
وذكر الدكتور المرتضى الزين أحمد في كتابه "مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة" (١)، أنه استشار الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - عن الكتابة في هذا الموضوع، فقال له الشيخ:
"هذا موضوع مهم إذا أُتقن؛ لأن الناس يضطربون في هذا الباب كثيرًا" - أو عبارة نحوها.
***
هذا؛ وليس الخطر؛ في الوقوع في الخطأ في إعمال قواعد هذا العلم، حيث يقع الباحث في ذلك أحيانًا، فإن هذا لا يكاد يسلم منه أحد؛ وإنما الخطر حيث يصير الخطأ قاعدة مطردة، وسنة متبعة، فتنقلب السنة بدعة، والبدعة سنة ويصير أحق الناس بقوله - ﷺ - "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء" كمن قال فيهم - ﷺ - "ومن سن في الإسلام سنة سيئة،
_________________
(١) ص ٩)، وانظر أيضًا: "الضعيفة" (٤/٧ـ٨)
[ ٤٠ ]
- أثر هذا التساهل في باب البدعة
فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (١) !! .
ويصير من اتبع سبيل المؤمنين، وسار على درب العلماء العارفين متبعًا لغير سبيل المؤمنين، وسالكًا غير طريق العلماء العارفين، ومخالفًا لما عليه المحققون، ومناهضًا لما أجمع عليه المحدثون!! .
فلا غرو! أن وجدنا أهل البدع والأهواء في كل زمان ومكان قد استغلوا هذا الباب من أبواب العلم لتقوية بدعهم، وتأييد آرائهم الشاذة، وأقوالهم الباطلة، وذلك بتقوية الأحاديث المنكرة والباطلة، بروايات أخرى مثلها أو أشد منها في النكارة والبطلان.
وهذا؛ شأن أهل البدع قديمًا وحديثًا، يتعلقون بالضعيف والمنكر من الأحاديث، ويُوهمون الناس قوتها، بحجة أن لها شواهد ومتابعات؛ وما هي كذلك.
ومن نظر في كتابي "ردع الجاني" وقف على شيء كثير لمبتدع واحد في كتاب واحد، من تقويته لأحاديث بشواهد ومتابعات لا أصل لها، فكيف بباقي كتبه (٢)،
بل كيف بباقي المبتدعين، الذين هم أكثر تشربًا منه للبدعة، وأكثر توغلًا فيها.
والواقع؛ أن هؤلاء المبتدعين يجدون في المتناثر من أحكام بعض
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦/٨٦ - ٨٧) .
(٢) قد بينت كثيرًا من ضلالاته في كتبه الأخرى، في كتاب آخر سميته: "صيانة الحديث وأهله من تعدى محمود سعيد وجهله". أسأل الله تعالى أن يعينني على إكماله..
[ ٤١ ]
- خطأ من قابل هذا التساهل بالغلو
أهل العلم المتساهلين من المتأخرين والمعاصرين خاصة، ما يؤيدون به قولهم، ويقوُّون به صنيعهم، ويدعمون به باطلهم؛ فصار الخطأ غير المقصود عند ذاك العالم الفاضل، قاعدة مطردة عند هؤلاء المبتدعين، تلقَّفُوه، وأقاموا له الحصون لحمايته، والقصور لصيانته؛ فهم بدون هذه الأُغُلوطات وتلك الهفوات الصادرة من هؤلاء الأفاضل، يقفون حائرين عاجزين، مكتوفي الأيدي، لا
يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلًا!!
***
ووجد - في المقابل - من يُنكر مبدأ التقوية من أساسه، ولا يعتبر الشواهد والمتابعات، ولا يحتج إلا بما رواه الثقات.
وهؤلاء أيضًا؛ أطلقوا حيث ينبغي أن يقيِّدوا، وصادموا بقولهم هذا النصوص الكثيرة والوفيرة عن أئمة الحديث؛ كأحمد والبخاري والترمذي وغيرهم، الدالة على اعتبار الروايات وجَبْر بعضها ببعض، والانتفاع بالشواهد والمتابعات، والاستدلال بها على حفظ الحديث.
ولعل هؤلاء لما نظروا إلى التساهل الفاحش الواقع فيه الأولون، سعوا إلى الهروب منه، واجتناب ما وقع فيه غيرهم؛ ولكنهم أسرفوا في الهروب، وبالغوا في الاجتناب والبُعد، فجرهم ذلك إلى الغلو، فقابلوا الجفاء بالغلو، والتساهل بالتشدد، والتفريط بالإفراط.
والحق؛ وسط بين الجفاء والغلو؛ يخرج من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشرابين.
فهو؛ إثبات للاعتبار، وإعمال للشواهد والمتابعات، وانتفاع بها في
[ ٤٢ ]
- الأسس التي تقوم عليها قاعدة الاعتبار
تقوية الأحاديث؛ من غير اغترار بأخطاء الرواة في الأسانيد والمتون، ولا التفات للمناكير والشواذ.
وهو؛ إعمال لما أعمله أئمة الحديث ونقاده من الروايات، احتجاجًا أو استشهادًا، وإهمال لما أهملوه، وإبطال لما أبطلوه.
فما قبلوه يُقْبَل، وما أبطلوه يُبْطل، وما اعتبروه يُعتبر، وما أنكروه يُنكر.
***
هذا؛ والقاعدة التي يقوم عليها هذا الباب، ويُعْتّمد عليها في تمييز ما يصلح وما لا يصلح للاعتبار، إنما تقوم على أساسين، صُلبَيْن، متِنين، لا نزاع فيهما، ولا خلاف عليهما.
الأساس الأول:
أن ثمة فرقًا بين: "الخطأ المحتمل"، و"الخطأ الراجح".
فالحديث؛ الذي يُحتمل أن يكون خطأً، ويُحتمل أن يكون صوابًا، هو الذي يصلح في باب الاعتبار، أما الذي ترجَّح فيه الخطأ، وكان جانبه أقوى من جانب الإصابة؛ فهو الذي لا يصلح في هذا الباب؛ فلا يُعتبر به، ولا يعرج إليه.
فأما "الخطأ المحتمل"؛ فهو أن يوجد في الرواية ما يكون مظنَّة للخطأ، أو سببًا لوقوع الخطأ، أو ما يُخشى وقوع الخطأ من قبله، ولمَّا يُتحقق منه، ولا عُرف بعد.
فمثلًا؛ إرسال الحديث، أو سوء حفظ أحد رواته، أو وقوع
[ ٤٣ ]
الخلاف - ولمَّا يظهر بعد رجحان وجه من الوجوه ـ؛ كل هذه الأسباب يُخشى وقوع الخلل في الرواية من قِبَلِها، ولكن الخلل ليس ملازمًا لها؛ فقد يكون مخرج المرسل صحيحًا، وقد يكون سيء الحفظ لم يؤثر عليه سوء حفظه في هذا الحديث خاصة، وقد يكون هذا الخلاف الواقع في الرواية من الخلاف الذي لا يقدح، أو يكون الراجح منه ما ينفع الحديث ولا يضره؛ وذلك كله حيث لا يكون في الحديث علة أخرى (١) .
فإذا كان حال الحديث هكذا، يُحتمل أن يكون صوابًا، ويُحتمل أن يكون خطأً، من غير رجحان لجانب من الجانبين، كان - حينئذٍ - صالحًا للاعتبار.
والهدف من اعتبار مثل هذا؛ ترجيح أحد الجانبين، فإذا وُجد متابع يدفع عن الراوي ريبة التفرد، أو شاهد يؤكد حفظه للمتن أو لمعناه، رجح جانب إصابته فيما توبع عليه، أو فيما وُجد له شاهد، من الرواية؛ كلها، أو بعضها.
وإذا وُجد مخالف له، ممن تؤثِّر مخالفته، أو شاهد كذلك بخلاف ما روى، ترجح جانب خطئه في روايته، وقوي جانب الرد لها، فتُلحق - حينئذٍ - بالمناكير والشواذ.
وإذا لم يوجد؛ لا هذه، ولا تلك: ما يشهد له، ولا ما يخالفه، كان الحديث فردًا، ورجح جانب الخطأ فيه، فيكون منكرًا؛ لتفرد من لا
_________________
(١) راجع: "الموقظة" للذهبي (ص٣٩) و"النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (٢/٥٦٩) و"حجاب المرأة المسلمة" للشيخ الألباني (ص١٩ـ٢٠) و"جلبابها" له أيضًا (ص٤٤) .
[ ٤٤ ]
يحتمل تفرده به (١) .
لاسيَّما؛ إذا انضاف إلى ذلك بعض القرائن التي تؤكد عدم حفظ الراوي لما تفرد به؛ كأن يكون المتفرد مُقلاَّ من الحديث، لا يُعرف بكثرة الطلب، ولا بالرحلة، أو يكون إنما تفرد بالحديث عن بعض الحفاظ المكثرين، المعروفين بكثرة الحديث والأصحاب، فإن من عُرف بسوء الحفظ، إذا تفرد وانضاف إلى تفرده مثل
هذه القرائن، لا يتردد فاهم في نكارة ما تفرد به (٢) .
وأما "الخطأ الراجح"؛ فالرجحان يكون بأحد أمرين:
الأول: متعلق بالراوي.
وذلك؛ بأن يكون الراوي المتفرد بالرواية ضعفه شديد؛ لكذب، أو تهمة، أو شدة غفلة.
فمثل هذه الرواية، لا تصلح للاعتبار؛ لرجحان جانب الخطأ فيها، من حيث أن مثل هؤلاء الرواة إنما يتفردون في الأعم الأغلب بالكذب
_________________
(١) وقد سبق صنيع شعبة في حديث الشفعة الذي تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي؛ لما لم يجد ما يقويه به، أنكره، وكذلك ما سبق معه من صنيع يحيى القطان وأحمد بن حنبل، يفيد هذا المعنى. وقد ذكر الحافظ ابن الصلاح هذا المعنى في "مقدمته" (ص٤٦-٤٧) في مبحث"الحسن"، عندما قسم الحسن إلى قسمين، فذكر ما يدل على أن المستور الذي لا يكون متهمًا بكذب أو فسق أو غفلة شديدة، إذا لم يوجد له متابع، أو لحديثه شاهد، تكون روايته شاذة أو منكرة. وكذلك؛ صرح بمثل ذلك في مبحثي "الشاذ" و"المنكر" (ص١٠٤-١٠٧) .
(٢) راجع: كتابي "لغة المحدث" (ص٨٨-١٠٠)، وسيمر بك - إن شاء الله - هذا المعنى في كلام كثير من أهل العلم في أثناء هذا الكتاب.
[ ٤٥ ]
الموضوع، أو الباطل المنكر.
والقليل جدًا؛ الذي أصابوا فيه، إنما يُعرف من رواية غيرهم من أهل الثقة والصدق، فلم تعد روايتهم ذات فائدة؛ إذا وُجد ما يغني عنها ممن يوثق بدينه وحفظه.
يقول الإمام مسلم - عليه رحمة الله - (١) عن روايات هذا النوع من الرواة:
"لعلها - أو أكثرها - أكاذيب، لا أصل لها؛ مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة، ولا مقنع".
هذا؛ والقدر القليل الذي يوجد له أصل عند ثقات المحدثين، مما يرويه هؤلاء الكذابون أو المتهمون أو ما شابههم؛ لا يُؤمن أن يكونوا إنما سرقوه من الثقات، وليس مما سمعوه؛ لأن من يُعرف بالكذب، أو يُتهم به، لا يستبعد عليه أن يُجهز أو يسطو على حديث
غيره، فيسرقه؛ فكانت رواية هؤلاء وجودها كالعدم؛ لأنها إما مختلفة، وإما مسروقة.
الثاني: متعلق بالرواية نفسها.
وذلك؛ بأن يكون راوي الرواية، ممن لم يبلغ في الضعف تلك المنزلة، وإنما نشأ ضعفه من سوء حفظه، أو اختلاطه، أو نحو ذلك مما لا يقدح في دين أو عدالة، بل قد يكون ثقة صدوقًا، من جملة ما يحتج بحديثه في الأصل؛ إلا إنه "ترجَّح" أنه أخطأ في هذا الحديث بعينه، في
_________________
(١) " مقدمة الصحيح" (١/٢٢) .
[ ٤٦ ]
إسناده أو متنه، عن غير قصد أو تعمد، فتكون روايته هذه التي أخطأ فيها من قَبيل "المنكر" أو "الشاذ".
والخطأ؛ كنحو: زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال راوٍ براوٍ، أو كلمة بكلمة، أو إسنادٍ في إسناد، أو تصحيف أو تحريف، أو رواية بالمعنى أفسدت معنى الحديث وغيرت نظامه.
فإذا ترجح وقوع شيء من هذا في الرواية، كانت الرواية - حينئذٍ - خطأ، منكرة أو شاذة، لا اعتبار لها، وإنما الاعتبار بأصلها الذي خلا من هذه الآفات؛ إن كان لها أصل.
فإن كان أصل الرواية خطأ، فلا تصلح الرواية - حينئذٍ - للاعتبار بها، بأي جزء منها، وبأي قطعة منها.
وإن كانت الرواية من أصلها محفوظة، أو لها من المتابعات والشواهد ما يؤكد كونها محفوظة، إلا جزء منها في الإسناد أو في المتن، ثبت خطؤه، ونكارته، لم يُعتبر بهذا الجزء منها خاصة، وإن اعتُبر بأصل الرواية.
فمثلًا؛ إذا اختُلف في وصل رواية وإرسالها، وترجح لدينا أن من وصلها أخطأ، وأن الصواب أنها مرسلة، فالرواية الموصولة غير صالحة للاعتبار بها؟ لأنها خطأ متحقق، فوجودها وعدمها سواء، وإنما يُعتبر بالرواية المرسلة فحسب.
وإذا اختُلف في ذكر زيادة معينة في متن حديث، أثبتها بعض الرواة،
[ ٤٧ ]
ولم يثبتها البعض الآخر، وترجح لدينا أن من أثبتها أخطأ في ذلك، وأن الصواب عدم إثباتها في هذا المتن.
فإن وجدت هذه الزيادة في متن آخر، لم يكن ورودها في المتن الأول شاهدًا لها في المتن الثاني، لأنه قد تُحقق من أن إدخالها في المتن الأول خطأ من قِبَل بعض الرواة، وأنها مقحمة في هذا المتن، وليست منه، بل قد يكون من زادها في المتن الأول إنما أخذها من المتن الثاني، ثم أقحمها بالأول، من غير تحقيق (١) .
وهذان الأمران؛ اللذان يترجح بوجودهما في الرواية كونها خطأ، وأنها لا تصلح للاعتبار، هما ما أشار إليه الإمام الترمذي - عليه رحمة الله تعالى - عند تعريفه للحديث "الحسن" وبيان شرائطه؛ فإنه ذكر: أن كل ما "يُروى من غير وجه" لا يكون "حسنًا" حتى يجتمع فيه شرطان.
الأول: "لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب".
فهذا؛ ما يتعلق بحال الراوي.
الثاني: "لا يكون الحديث شاذًا".
_________________
(١) انظر: "فصل: الشواهد.. وحديث في حديث". وانظر أيضًا: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني (١/١٦٠) (٣/٢٨٦٩) (٥/٢٥) (٦/١٠٧) و"الإرواء" (٤/٣٣) (٧/١٢٠) . وفي "مجموع الفتاوى" (٣٠/٣٧٢-٣٧٣) ذكر شيخ الإسلام ﵀ حديثًا في "المسند" عن بشير بن الخصاصية، وذكر فيه زيادة، ليست هي فيه في "المسند"،ولا غيره، وإنما هي في حديث آخر في بابه. وإنما يقع ذلك، بسبب الاعتماد على الحفظ، وقد كان شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - آية في حفظه، وعجبًا من العجب.
[ ٤٨ ]
وهذا؛ ما يتعلق بحال الرواية نفسها.
وكل من تعرض لشرائط اعتضاد الروايات، إنما يدور كلامه في هذا الفلك، وأنه لا بد من تحقق هذين الشرطين فيها جميعًا، فإذا لم يتحقق أحدهما في الرواية، سقطت عن حد الاعتبار، وإن تحقق الآخر (١) .
فهذا هو الأساس الأول في هذا الباب، وهو ما حرره الحافظ ابن حجر ـعليه رحمة الله ـ، ولخَّصه في قوله (٢):
"لم يذكر - يعني ابن الصلاح - للجابر ضابطًا، يُعلم منه ما يصلح أن يكون جابرًا، أو لا.
والتحرير فيه: أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد:
فحيث يستوي الاحتمال فيهما؛ فهو الذي يصلح لأن ينجبر.
وحيث يقوى جانب الرد؛ فهو الذي لا ينجبر.
وأما إذا رجح جانب القبول؛ فليس من هذا؛ بل ذاك في الحسن الذاتي. والله أعلم ".
وهذا التفصيل؛ هو الذي أراده الإمام أحمد - عليه رحمة الله ـ، من قول الجامع، والذي هو بمنزلة قاعدة عريضة، ومَثَل سائر؛ حيث يقول (٣):
"الحديث عن الضعفاء؛ قد يُحتاج إليه في وقت،
_________________
(١) ستأتي - إن شاء الله - أكثر هذه الأقوال في "فصل: المنكر.. أبدًا منكر".
(٢) "النكت" (١/٤٠٩)، وسيأتي أيضًا في "فصل: المنكر.. أبدًا منكر".
(٣) "العلل" للمروذي (ص٢٨٧)، و"مسائل أحمد " لابن هانيء (١٩٢٥) (١٩٢٦)، وسيأتي أيضًا في الفصل المشار إليه.
[ ٤٩ ]
والمنكَر أبدًا منكر".
ففَّرق الإمام؛ بين أن يوجد في الرواية ما يكون مظنة لوقوع الخطأ فيها، وهو أن تكون من رواية مَن هو ضعيف الحفظ، وذكر أن هذا النوع "قد يُحتاج إليه في وقت"؛ أي: في باب الاعتبار.
وبين أن تكون الرواية في نفسها منكرة، وذلك حيث يترجح وقوع الخطأ فيها، فمثل هذه لا تنفع في الاعتبار، بل هي منكرة أبدًا، وجودها كعدمها؛ ولو كانت من رواية من يصلح حديثه للاحتجاج أو للاعتبار في الأصل.
الأساس الثاني:
أن الخطأ هو الخطأ، مهما كان موضعه، لا فرق بين خطأ في الإسناد وخطأ في المتن، فإذا تُحُقق من وقوع خطأ في الرواية، في إسنادها أو متنها لا يعرج إلى هذا الخطأ، ولا يُعتبر به، بل هو منكر، له ما للمنكر، وعليه ما على المنكر.
فإذا كان ما ثبت خطؤه من المتن أو بعض المتن غير صالح للاعتبار؛ فكذلك ما ثبت خطؤه من الإسناد أو بعض الإسناد غير صالح للاعتبار.
فالخطأ والنكارة؛ كما يعتريان المتون، فكذلك يعتريان الأسانيد، لا فرق بينهما في ذلك، بل وقوعهما في الأسانيد أكثر، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
لأن الأسانيد، هي مادة الاعتبار، فالمعتَبِر إنما يعتبر الأسانيد المتعددة لهذا المتن، ويجمعها من بطون الكتب، ثم يضم بعضها إلى
[ ٥٠ ]
بعض، فيحكم بثبوت المتن، بناءً على أن هذا المتن قد جاء بعدة أسانيد،مختلفة المخارج، وإنْ كان في بعضها ضعف من قِبَل الإرسال أو سوء حفظ بعض الرواة، إلا أن الاجتماع يجبر ذلك الضعف.
فصارت هذه الأسانيد - مجتمعة - هي الحجة التي يقوم عليها ثبوت هذا المتن عن رسول الله - ﷺ -.
وأن هذه الأسانيد لو لم توجد، لما كان هناك من حجة لإثبات هذا المتن عن رسول الله - ﷺ -.
فإذا تحققنا من أن كل أسانيد هذا المتن وجودها كعدمها؛ لأن كل إسناد من هذه الأسانيد، غنما هو خطأ في ذاته، ومنكر على حدته، وأن وجوده كعدمه؛ سقطت - حينئذٍ - الحجة التي يقوم عليها ثبوت هذا المتن عن رسول الله - ﷺ -.
لأننا إذا ذهبنا نقوِّي ثبوت هذا المتن بانضمام هذه الأسانيد، التي ثبت لدينا أن كل إسناد منها منكر وخطأ، فقد ذهبنا إلى تقوية المنكر بالمنكر، والخطأ بالخطأ، وانضمام المنكر إلى المنكر لا يدفع النكارة عنه، بل يؤكدها ويثبتها، وما بُني على منكر فهو منكر، وما بُني على باطل فهو باطل.
نعم؛ إن كان بعض هذه الأسانيد، من قسم "الخطأ المحتمل"، كان هذا هو الذي يصلح للاعتبار، وينتفع المتن به عند انضمامه إلى ما هو مثله.
أما إذا كانت كل الأسانيد هذا المتن من قسم "الخطأ الراجح"، لم
[ ٥١ ]
ينتفع المتن بها، ولا بانضمامها؛ لأن المنكر أبدًا منكر.
وأيضًا؛ ما كان من هذه الأسانيد من القسم الأول، فهو لا ينتفع بأسانيد القسم الثاني، بل إذا وُجد من أسانيد القسم الأول ما يكفي لجَبْرِ المتن وتَقْويته؛ فبها، أما إذا لم تكن بحيث تكفي لذلك، فلا تنفعها أسانيد القسم الثاني بحال؛ لأن " ما ثبت خطؤه لا يُعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها " (١)
ولو كانت الرواية المقواة صالحة للتقوية، وذلك؛ " أن الشاذ والمنكر مما لا يُعتد به، ولا يُستشهد به، بل إن وجوده وعدمه سواء" (١) .
بل؛ لو كان هذا المتن صحيحًا مفروغًا من صحته، لمجيئه من وجه صحيح لذاته، أو أكثر، فإنه لا ينتفع أيضًا بما يجيء له من أسانيد القسم الثاني، بل هو صحيح بإسناده الصحيح، أو بأسانيد الخطأ والمنكرة التي جاءت له.
ولهذا؛ لم يصحح الأئمة حديث: " الأعمال بالنيات " إلا من طريق واحدة، وحكموا على سائر طرقه بالخطأ والنكارة، ولم يُقووا الحديث بها، مع أن بعض هذه الأسانيد أخطأ فيها من هو صدوق في الحفظ، وليس ضعيفًا، فضلًا عن أن يكون متوغلًا في الضعف (٢)؛
وما ذلك إلا لأنه " ترجَّح " لديهم أن هؤلاء الموصوفين بالصدق قد أخطئوا في هذه
_________________
(١) هذا؛ تضمين من كلام للشيخ الألباني - حفظه الله تعالى ـ، وسيأتي بنصه في "فصل: المنكر.. أبدًا منكر"، وهو من درر كلامه، فلله دره.
(٢) راجع: المثال الأول في "فصل: المتابعة.. والقلب"، وكذلك المثال الأول أيضًا في "فصل: الشواهد.. وإسناد في إسناد"..
[ ٥٢ ]
- الإنكار على من لا يعرف النكارة إلا في المتن
الأسانيد، ولم يحفظوها كما ينبغي؛ فكانت أسانيدهم " شاذة ".
ولهذا؛ وجدنا الحافظ ابن حجر، بعد أن ذكر أن هذا الحديث مما تفرد به يحيى بن سعيد، ولك من فوقه، قال (١): " قد وردت لهم متابعات، لا يُعتَبر بها؛ لضعفها ".
وهكذا؛ الشأن في كثير من الأحاديث، مثل حديث " المغفرة " (٢)، وحديث: "نهى عن بيع الولاء وعن هبته " وحديث " المؤمن يأكل في معيٍ واحد "، وحديث " نهى عن الدُّباء والمُزفَّت "، وغير ذلك مما لا يخفى عن مشتغل بهذا العلم الشريف، عالم بأقوال أهل العلم فيه.
وهذا الأحاديث وغيرها؛ صحيحة ثابتة من وجه أو أكثر، وسيأتي في الكتاب - إن شاء الله تعالى - بيان وجه نكارة الأسانيد التي جاءت لها، وليست هي أسانيدها المحفوظة، بل هي من أخطاء بعض الثقات أو الضعفاء، وموقف أهل العلم منها، المتمثل في عدم الاعتداد بها، ولا الاعتبار بها.
***
ومما يؤسف له؛ أن كثيرًا من المشتغلين بتخريج الأحاديث، لا يعرفون النكارة إلا في المتن، بينما نكارة الإسناد يغفلون عنها غالبًا؛ فإذا بالمتن المنكر ساقط عن حد الاعتبار، وهذا صحيح لا غبار عليه؛ ولكن كذلك الإسناد المنكر
ساقط عن حد الاعتبار، لا يُشتغل به، ولا يُلتفت إليه.
_________________
(١) "نزهة النظر" (ص ٦٨) .
(٢) انظر: "النكت" لابن حجر (٢/٦٥٤ - ٦٧٠) .
[ ٥٣ ]
ومعرفة نكارة الإسناد؛ مما يختص به المحدثون، الحفاظ الناقدون، فلا يعرج على قول غيرهم؛ بخلاف نكارة المتن، فقد يتكلم فيه المحدثون وغيرهم من الفقهاء، أما هذا الباب؛ فهو من أخص علوم الحديث، وأدق مباحث الأسانيد.
فإن أئمة الحديث ونقاده، حيث يحكمون على الإسناد بالصحة والاستقامة، وعدم النكارة والسقامة؛ لا يكتفون بالظاهر من اتصاله وثقة رواته؛ بل لهم نظر ثاقب، وفهم راجح، ورأي صادق، مبني على اعتبار معان في الإسناد، حيث وُجدت فيه، أو
وجد بعضها؛ دعاهم ذلك إلى إنكاره، والحكم عليه بعدم الاستقامة؛ وإن كانت متصلًا برجال ثقات.
وحيث افتُقدت، أو وُجد فيه من المعاني ما يدل على عكس ما تدل عليه المعاني السابقة، من حفظ الحديث وصحته؛ دعاهم ذلك إلى تصحيحه، والحكم عليه بالاستقامة وحفظ الرأي له.
وهذه المعاني؛ هي التي يعبر عنها بعض أهل العلم، كالحافظ ابن حجر، والعلائي، وابن رجب، وغيرهم: بـ "القرائن".
ويقولون (١): للحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعول في ذلك على النقاد المطلعين منهم.
ويقولون: والقرائن كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الروايات، بل كل رواية يقوم بها ترجيح خاص، لا يخفى على العالم المتخصص، الممارس الفَطِن، الذي أكثر من النظر في العلل والرجال.
_________________
(١) انظر: "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/٥٨٢)، و"النكت على كتاب العلل" لابن حجر (٢/٧٧٨ـ٨٧٦) .
[ ٥٤ ]
وفي معرض ذلك يقول الحافظ ابن حجر (١): "وبهذا التقرير؛ يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم؛ بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه ".
ويقول الحافظ السخاوي (٢):
" وهو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها؛ ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث؛ كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم؛ وربما يُطالبهم الفقيه أو الأصولي - العاري عن الحديث - بالأدلة ".
هذا؛ مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا في الرجوع في كل فن إلى أهله؛ ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو مُتَعَنِّي.
فلله تعالى؛ بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا، تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين.
فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت؛ مع الفهم، وجودة التصور، ومدوامة الاشتغال،
_________________
(١) "النكت" (٢/٧٢٦) .
(٢) "فتح المغيث" (١/٢٧٤) .
[ ٥٥ ]
وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك - إن شاء الله - معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله " اهـ.
هذا؛ ولسنا في حاجة هاهنا إلى التوسع في بيان هذه القرائن؛ فقد حوى كتابي هذا بين دفتيه الكثير منها، وإن كانت النية منعقدة على التفرغ لبيانها وشرحها والتمثيل لها في كتاب مستقل، أسأل الله تعالى أن يعينني عليه، وقد كنت بينت طرفًا منها في كتابي "لغة المحدث" (١)، فليرجع إليه من شاء.
***
فعلى الباحث أن يعامل الإسناد معاملة المتن، وأن كل معنى لا يُقبل في المتن لا ينبغي أن ألا يُقبل مثله في الإسناد، فالإسناد مثل المتن هو من جملة ما رواه الراوي، فالراوي لا يروي متنًا فحسب، بل يروي إسنادًا ومتنًا؛ فهو يخبر بأن شيخه حدثه بهذا الحديث، وأن شيخ شيخه حدث شيخه به، وهكذا إلى آخر الإسناد، وأن هذا المتن هو الذي تحمله بهذا الإسناد.
ولا يوصف الراوي بأنه أصاب إلا إذا حدَّث بالحديث على وجهه إسنادًا ومتنًا، أما إذا أخطأ في الإسناد أو في المتن، أو في بعض الإسناد أو في بعض المتن، فلا يستحق هذا الوصف، اللهم فيما أصاب فيه من بعض الرواية مما لم يُخطىء فيه منها.
فإن كان خطؤه في المتن، بأن زاد فيه أو نقص، أو قدَّم فيه أو أخَّر،
_________________
(١) ص ٩٠ - ١٠٨) .
[ ٥٦ ]
أو أبدل فيه كلمة بكلمة، أو جملة بجملة، أو صحف فيه أو حرف، أو أدرج فيه ما ليس منه، أو رواه بالمعنى فقلب معناه =حَكمنا - حينئذٍ - بأن هذا المتن خطأ، أو وقع فيه بعض الخطأ، وإن لم يخطئ الراوي في
الإسناد، بل أتى به على الجادة والاستقامة.
وكذلك؛ إن كان خطؤه في الإسناد، كأن يكون زاد فيه أو نقص، أو قدم فيه أو أخر، أبو أبدل فيه راويًا براوِ، أو دخل عليه إسناد في إسناد، أو صحف فيه أو حرف، أو أدرج فيه ما ليس منه حكمنا - حينئذِ - بأن هذا الإسناد خطأ، أو وقع فيه بعض الخطأ، وإن أتى بالمتن على الاستقامة.
وإذا كان "المتن" الذي تفرد بروايته بإسناد ما رجل ضعيف، لا يُبل من مثله حتى يجيء له متابع عليه أو شاهد بمعناه، يُثْبِت للفظه أو لمعناه أصلًا لأن الضعيف لا يقبل ما يتفرد به.
فكذلك؛ "الإسناد" الذي يتفرد بروايته رجل ضعيف، لا يقبل من مثله حتى يجيء له ما يثبت له أصلًا من رواية غيره.
فإن الخطأ في الإسناد، ليس بدون الخطأ في المتن، فمن يُخطيء، يُخطيء في الإسناد والمتن جميعًا، بل إن الخطأ في الأسانيد أكثر وقوعًا منه في المتون؛ لأن الأسانيد متشعبة ومتداخلة ومتشابهة، بخلاف المتون، ولذا؛ تجد كثيرًا من الرواة يحسنون حفظ المتون دون الأسانيد، ويكون خطؤهم في الأسانيد أكثر منه في المتون.
فدونك؛ إمام في هذه الصنعة: شعبة بن الحجاج، قال فيه إمام عصره
[ ٥٧ ]
أبو الحسن الدارقطني (١): "كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرًا، لتشاغله بحفظ المتون"؛ فإذا كان هذا شأن شعبة بن الحجاج، وهو من هو، فما ظنك بمن هو دونه في الحفظ والإتقان والتثبت؟! .
وأكثر أخطاء الرواة تقع في الأسانيد؛ ولهذا تجد أكثر العلل التي ذكر أهل العلم أنها تقع في الروايات، تجده خاصة بالإسناد، والقليل جدًا منها مما يقع في المتن، وما يشتركان فيه تجد أمثلته في الأسانيد أكثر منه في المتون.
فرفع الموقوف، ووصل المرسل، وقلب الرواة، ودخول إسناد في إسناد، وزيادة رجل فيه أو نقصانه، والتصحيف في أسماء الرواة؛ كل ذلك وغيره إنما يعتري الأسانيد، ويختص بها.
وأكثر أخطاء الثقات من هذا القبيل، أما الضعفاء، الذين لم يُعرفوا بالحفظ؛ فإن أخطاءهم في الأسانيد أكثر من أن تُحصر؛ ولهذا تجد أئمة الحديث الذين صنفوا في ضعفاء الرواة؛ كالعقيلي وابن عدي وابن حبان، تجدهم يسوقون في تراجم الضعفاء بعض الأحاديث التي أخطئوا فيها، واستُنكرت عليهم؛ والمتتبع لهذه الأخطاء، وتلك المناكير، يجد أكثرها أخطاء في الأسانيد (٢) والقليل منها مما يتعلق بالمتون.
وفي هذا الكتاب الذي بين يديك عشرات من الأحاديث التي أخطأ بعض الثقات أو الضعفاء في أسانيدها، دون متونها، فأتوا لها بأسانيد
_________________
(١) قلت في كتابي "ردع الجاني" (ص ١٤٣): "أبو الفضل الدارقطني"، وهذا سبق قلم مني، لا أدري كيف وقع! إنما هو "أبو الحسن".
(٢) انظر مثلًا "الكامل" (٣/١١٦٤ـ١١٧٨) (٤/١٤١٩) (٥/١٨٠٩، ١٨١٠) .
[ ٥٨ ]
ليست هي أسانيدها، أو وقع لهم في أسانيدها بعض الأخطاء، وإن أصابوا أصلها؛ كزيادة، أو قلب، أو إدراج، أو تصحيف أو تحريف، أو نحو ذلك.
وقد تبين من خلال ما ذكرته من كلام أهل العلم في نقد هذه الأسانيد، أنهم إنما أنكروا الأسانيد فحسب، وأن نقدهم كان منصبًا عليها، دون أن تتأثر المتون به.
فالرجل الضعيف؛ يحفظ المتن - غالبًا ـ، وقد يكون فقيهًا فاضلًا يحفظ المتن، إلا أنه ليس بالحافظ للأسانيد، فإذا به يجيء بالمتن المعروف على وجهه، بَيْدَ أنه يخطيء في إسناده، أو يجيء له بإسناد آخر غير إسناده الذي يُعرف به.
***
إن الذي يقبل من الضعفاء - غير المتهمين - ما اتفقوا عليه وتتابعوا على روايته من "متن الحديث" ويرد ولا يقبل ما تفرد به بعضهم من المتن أو بعض المتن، يجب أيضًا أن يزن قبول "الإسناد" ورده بنفس الإسناد.
فالضعيف - غير المتهم - الذي يجيء بإسناد لحديث ما، يتفرد هو بروايته بهذا الإسناد دون غيره، يجب رد ما تفرد به من الإسناد؛ كالمتن سواء بسواء.
والضعيف - غير المتهم - الذي يتفرد بزيادة ما في إسناد ما، لا يُتابع عليها من قِبَل غيره ممن روى الإسناد ذاته، يجب رد تلك الزيادة التي زادها في الإسناد، ولم يتابع عليها؛ كما هو الحال فيما يزيده في المتن.
[ ٥٩ ]
فإن قبول بعض الرواية دون بعض، والمعنى الذي من أجله رُد ذلك البعض متحقق في الكل غير معقول، ولا مقبول.
إن هذا هو الميزان الذي توزن به روايات الثقات - إسنادًا ومتنًا ـ؛ فكيف بالضعفاء؟!
أليس يقتضي النظر، فيما تفرد به ضعيف - غير متهم - من الأسانيد، أن ننظر في حفظه لها قبل الحكم بأنها صالحة للاعتبار، اعتمادًا على أن راويها ليس من المتهمين بالكذب.
نعم؛ قد يكون راوي الإسناد غير متهم، ولكن روايته تلك شاذة منكرة من حيث الإسناد، والمنكر أبدًا منكر، لا اعتداد به في باب الاعتبار.
أليس هذا الضعيف بذاته إذا تفرد بمتن لم يُقبل منه؛ لعدم أهليته لقبول ما يتفرد به؟ فما باله إذا تفرد بإسناد، ولم يُتابع عليه قُبل منه؟!
***
إن تقوية إسناد يتفرد به ضعيف، بإسناد آخر يتفرد به ضعيف آخر، ليس هو من باب الاستشهاد حتى يُتسامح فيه، بل هو من باب الاحتجاج.
فلو جاء متن - مثلًا - بإسنادين:
أحدهما: يرويه ضعيف - غير متهم - عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -.
والثاني يرويه ضعيف آخر مثله، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن رسول الله - ﷺ -.
إن الذي يذهب إلى تقوية هذا بذاك، اعتمادًا على أن كلا من
[ ٦٠ ]
الروايتين قد اتفقتا على المتن، وأنه ليس في الإسنادين من هو متهم بالكذب، بل في كل منهما ضعف هين من قِبل حفظ هذين الضعيفين، فيعتبر أحدهما بالآخر، ويتساهل في شأنهما.
إن الذي يفعل ذلك، ظنًا منه أن هذا ليس من باب الاحتجاج، بل من باب الاستشهاد، قد جانبه الصواب، وحاد عن النظر الصحيح، والقواعد العلمية، وصنيع أهل العلم.
فإن هذين الضعيفين، إنما اتفقا على جزء من الرواية، وليس على الرواية كلها.
فهما؛ إنما اتفقا على المتن فحسب، أما الإسناد؛ فقد جاء كل منهما لهذا المتن بإسناد يختلف عن إسناد الآخر.
وعليه؛ فمن قوى رواية هذا برواية ذاك، فهو في الواقع قد احتج بما يتفرد به الضعيف.
أليس الضعيف الأول هو الذي تفرد بزعمه أن الزهري حدثه بهذا الحديث، عن سالم عن ابن عمر؟!
أليس هذا الضعيف لم يتابع على هذا الزعم؟!
أليس الضعيف الثاني، هو الذي تفرد بزعمه، بأن ثابتًا البناني حدثه بهذا الحديث، عن أنس بن مالك؟!
أليس ثبوت هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ - فرعًا من ثبوته عن صحابييه: ابن عمر، وأنس؛ أو أحدهما؟!
[ ٦١ ]
إذ كيف يعقل أن الحديث ثابت عن رسول الله - ﷺ -، وهو لم يثبت أصلًا عمن رواه عنه؟! إن هذا غير معقول، ولا مقبول.
أليس ثبوت هذا الحديث عن هذين الصحابيين فرعًا من ثبوته عمن رواه عنهما؟!
فإذا لم يكن ثبت عمن رواه عنهما، فكيف يثبت عنهما؟! إن هذا دونه خرط القَتَاد!!
فالذي يُثبت بمقتضى الرواية الأولى أن الزهري حدث بهذا الحديث عن سالم عن ابن عمر، فهو بذلك قد احتج بالراوي الضعيف في إثبات هذا الإسناد لهذا المتن.
وهذا احتجاج؛ ليس من الاستشهاد بسبيل.
والذي يثبت بمقتضى الرواية الثانية، أن ثابتًا بالبناني حدث بهذا الحديث عن أنس بن مالك، فهو أيضًا قد احتج بالضعيف.
نعم؛ لو أن هذين الضعيفين اتفقا على الإسناد كما اتفقا على المتن، فرويا المتن بإسناد واحد، من شيخهما فصاعدًا، لكان لنا معهما شأن آخر، ولاتَّجه بنا البحث وجهة أخرى.
لأنهما - حينئذ - قد اتفقا بالفعل، وتابع كل منهما الآخر على الرواية إسنادًا ومتنًا، فلم يتفرد أحدهما، لا بالإسناد ولا بالمتن، أما أن يتفرد كل منهما بإسناد للمتن، ونسمي ذلك اتفاقًا؛ فليس بشيء.
***
نعم؛ إن التساهل في اعتبارات الروايات، إنما يقل خطره، بل ربما
[ ٦٢ ]
- شرط المؤلف في هذا الكتاب
يتلاشى أثره، إذا كان الحديث له أصل ثابت قائم بنفسه يُرجع إليه.
فإن الحديث الصحيح لذاته أو الحسن لذاته ليس في حاجة إلى شاهد أو متابع يُقوي ثبوته، فما جاء له من شواهد ومتابعات غير ناهضة، ولا معتبرة، إن لم تنفعه لن تضره.
لكن؛ إنما يجيء الضرر، ويُوجد الخطر، حيث لا يكون لهذا الحديث أصل ثابت يُرجع إليه في بابه، بل كل رواياته ضعيفة، تدور على الرواة الضعفاء؛ فإن التساهل في اعتبار روايات مثل هذا الباب، وعدم تمييز ما ضعفه محتمل، وما هو منكر لا يحتمل؛ يُفضي إلى إقحام أحاديث منكرة وباطلة في الأحاديث الثابتة؛ وهذا ضرر كبير، وشر مستطير.
***
هذا؛ وإنما تركَزَت عنايتي في هذا الكتاب ببيان العلل التي تعتري الشواهد والمتابعات، فتُظهر جانب الخطأ فيها، وترجح جانب الرد لها، وتحقق نكارتها وشذوذها؛ فتوجب اطراحها، وعدم الاعتداد بها في باب الاعتبار.
ولم أتناول في هذا الكتاب ما يتعلق بشرائط الاعتداد المتابعة والحكم بما يقتضيه من تقوية الحديث، ودفع الخطأ عن راويه.
ففرق بين إثبات المتابعة، وبين الاعتداد بها والحكم بما تقتضيه.
فليس كل متابعة ثبتت إلى المتابع تصلح لدفع الخطأ عن المتابع، فمثلًا؛ قد تكون المتابعة من راوٍ كذاب أو متهم، وثبوت متابعة الكذاب أو
[ ٦٣ ]
المتهم لغيره، لا تكفي لدفع الوهم عن الغير.
فثبوت المتابعة؛ يشترط له أمور:
الأول: صحة الإسناد إلى المتابِع والمتابَع (١) .
الثاني: أن تكون الرواية محفوظة إليهما، وليس ذلك من خطأ بعض الرواة عنهما، أو أحدهما؛ فتكون منكرة لا أصل لها (٢) .
الثالث: أن يكون كل من المتابِع والمتابَع قد سمع هذا الحديث من الشيخ الذي اتفقا على روايته عنه.
أما إذا كان أحدهما - أو كلاهما - لم يسمع الحديث منه، فلا تثْبُت هذه المتابعة (٣) .
فهذه؛ هي شروط إثبات المتابعة، بصرف النظر عن كون هذه المتابعة مما ترقى إلى التقوية، فيعتد بها في دفع الخطأ عن المتابَع، أو لا.
فهذا؛ هو الذي اعتنيت به في هذا الكتاب خاصة، فقد أبرزت التي تعتري الشواهد والمتابعات، فتدل على عدم ثبوتها من أصلها، أما الشواهد الثابتة، والمتابعات المحفوظة، متى يُعتد بها في دفع التفرد، أو في تقوية الحديث، ومتى لا يعتد بها؛ فلم أتعرض لذلك في هذا الكتاب، وإنما هذا له كتاب آخر.
_________________
(١) انظر: "فصل: ثبت.. ثم انقش".
(٢) هذا الشرط؛ يدل عليه أكثر فصول هذا الكتاب.
(٣) انظر: "فصل: التدليس.. والمتابعة"، والفصول التي بعده، وكذا الفصل الذي قبله.
[ ٦٤ ]
فالمرسل - مثلًا ـ: ما هي شرائط تقويته؟ وهل يشترط في مُرْسِلِه أن يكون من كبار التابعين أم لا؟ وهل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ وهل المنقطع والمعضل مثل المرسل في ذلك أم لا؟ وهل الموقوف يقوي المرفوع الضعيف أم لا؟ ومتى تنفع متابعة سيء الحفظ لمثله، ومتى لا تنفع؟ وهل يتقوى الحديث بالقياس أم لا؟ وهل المجهول يعتد بمتابعته أم لا؟ فكل هذا، وما كان بسبيله، لم أتعرض له في هذا الكتاب؛ ولعلي أفرد له كتابًا خاصًا.
وبالله التوفيق.
***
هذا؛ وإن مما أحب أن أنبه عليه، هو: أن هذه الروايات التي سقتها في أثناء فصول الكتاب، كأمثلة على الأخطاء التي يقع فيه الرواة، في الأسانيد أو المتون، فتفضي إلى اطِّراح هذه الروايات، وعدم الاعتبار بها.
إن الحكم على هذه الروايات بالخطأ والنكارة، لا يستلزم ضعف المتن الذي رُوي بهذه الأسانيد؛ لاحتمال أن يكون صحيحًا ثابتًا، ولكن من وجه آخر أو وجوه أخرى.
فالأحكام التي ذكرتها، إنما تتعلق بتلك الأسانيد فحسب، وهي غير ضارة أصل الحديث، وإن كان له إسناد آخر صحيح أو حسن، أو له م الشواهد المعتبرة والكافية، ما يُغني عن هذا الإسناد المنكر الخطأ.
[ ٦٥ ]
- براءة المؤلف من كل من أساء الظن به
واعلم! يا أخي الكريم - علمك الله الخير، وجعلك من أهله - أن ما كتبته في هذا الكتاب من بحوث وتحقيقات حول هذا الموضوع الهام والخطير، وما ذكرت من أمثلة لأخطاء وقع فيها بعض الأفاضل، لم أقصد بها شخصًا بعينه، ولا باحثًا بذاته، بل غاية قصدي، ونهاية هدفي: نصيحة إخواني المشتغلين بهذا العلم الشريف، وصيانتهم
من الوقوع في مثل ما وقع فيه غيرهم؛ فإن "الدين النصيحة؛ لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم "؛ كما قال رسول الله - ﷺ -.
ولو كان في وسعي، أن لا أسمي أحدًا، أو أشير إليه؛ لفعلت؛ لولا الخوف من أن أُنسب إلى الادعاء والتهويل.
ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما كتبت ما كتبت، ولا سطرت ما سطرت؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِين َيَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ
اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] .
فلا يظنن أحد أنني قصدت من كتابي هذا، أو من الأمثلة التي ذكرتها فيه، التشهير بأصحابها، أو الانتقاص منهم أو من أقدارهم، أو أنسبهم إلى ما لا ينبغي،أن يُنسب إليه آحاد الناس؛ فضلًا عنهم، وهم إما عالم فاضل، وإما باحث مجتهد، وكلهم - فيما نحسب وحسابهم على الله - إنما يقصدون الحق، ويلتمسون سبيله، اللهم إلا
القليل جدًا ممن عُرف بنصرة البدعة ومناهضة السنة، فهؤلاء لم آل جهدًا في بيان حالهم، وكشف عوارهم.
[ ٦٦ ]
فليعلم من يبلغ به سوء الظن بأخيه إلى هذا الحد، أنني أبرأ إلى الله ﷿ من ذلك كله، وأبرأ إليه سبحانه من كل مَنْ ظن بي سوء، أو نسب إليّ ما أنا منه بريء.
وليحذر امرؤ أن يقف بين يدي أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وقد أتى بصلاة وصيام وزكاة، أتى وقد أساء الظن بأخيه، أو نسب إليه ما ليس فيه، فيؤخذ من حسناته وتُعْطَى لأخيه، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياه، فطرحت عليه،
ثم طُرح في النار، نعوذ بالله من دار البوار.
فإياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، وإن بعض الظن أثم، نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى سخطه، وأليم عذابه.
وقولي في ذلك؛ ما قال الحافظ الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى - في كتابه العظيم "مُوضح أوهام الجمع والتفريق" (١)، الذي أفرده لبيان خطأ من أخطأ في هذا الباب ممن تقدمه.
قال الخطيب:
"ولعل بعض من ينظر فيما سطرناه، ويقف على ما لكتابنا هذا ضمناه؛ يُلحق سيء الظن بنا، ويرى أن عمدنا إلى الطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا وعلماء سلفنا؛ وأنى يكون ذلك؟ ! وبهم ذًُكرنا، وبشعاع ضيائهم تبصرنا، وباقتفائنا واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم عن الهمج تحيزنا، وما مثلهم، ومثلنا إلا ما ذكر أبو عمرو بن العلاء؛ قال: "ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في
_________________
(١) "الموضح" (١/٥ - ٦) .
[ ٦٧ ]
أصول نخل طوال".
ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلامًا، ونصب لكل قوم إمامًا؛ لزم المهتدين بمبين أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم، ممن رزق البحث والفهم، وإنعام النظر في العلم بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا.
إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين من مفارقة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على المتعلم، وواجب على التالي للمتقدم " اهـ.
ولست أدعي لنفسي عصمة من الزلل، ولا أمنًا من مفارقة الخطأ والخطل، فحق واجب على من وقف على خطأ، أو وقعت عينه على وهم، أو أداه اجتهاده ونظره إلى ما فيه مخالفة لي، أن يبذل لي النصيحة، مدعمة بالحجة القوية، ومقدَّمة بالأساليب السوية، وبالطريقة المرضية.
وإني - إن شاء الله تعالى - مرحب بكل ملاحظة ونقد، يصدر عن روية ونظر، وليس عن تعصب وهوى، وراجع عن كل خطأ وقعت فيه في حياتي وبعد مماتي.
والله من وراء القصد.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب
أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد
[ ٦٨ ]