الفصل الأول: اصطلاحاته في الجرح والتعديل
مقدمة
مقدمة:
استعمل الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ ألفاظ الأئمة السابقين له، في الجرح والتعديل، ومن ذلك:
"مجهول"، "لا شيء"، "متروك"، "لا يحتج به"، "لا بأس به"، "يعتبر به"، "ليس بمتروك"، "صويلح"، "يحتج به"، إلخ.
وبما أن هذه الألفاظ قد استعملها المحدثون من قبل ومن بعد الدَّارَقُطْنِيّ، فإنها لا تعتبر اصطلاحات جديدة للدارقطني.
اصطلاحاته الخاصة به:
إنما الجديد عنده كيفية استخدام هذه الألفاظ في بعض المواضع أحيانا، إذ قد يخرج أحيانا عن الاصطلاح العام في إطلاق لفظة ما من ألفاظ الجرح والتعديل عند المحدثين.
إشكال في اصطلاحاته:
وقد ظهر لي أنه بناء على وجود اصطلاحات خاصة بالإمام الدَّارَقُطْنِيّ في ألفاظ الجرح والتعديل، فإن الإشكال في اصطلاحه -إذا قيس باصطلاح المحدّثين العام- ينحصر في أمرين:
الأول: في إطلاقه بعض ألفاظ الجرح والتعديل -المعروفة عند المحدّثين لمعانٍ معينة- على غير المعنى المعتاد، نحو ما سيأتي في بعض الألفاظ قريبًا.
الثاني: وهو مبني على الأول -أنه أحيانا يحكم على الأسانيد والمتون بأحكام مبنية على مقدِّمات لا تؤدي إليها حسب ظاهر اصطلاح العلماء في هذا الشأن. ومن أمثلة هذا ما يأتي:
[ ٣٢١ ]
١- قوله في حديث: "هذا إسناد حسن، وابن لَهِيعة ليس بالقوي"١".
٢- وقوله: "إسناد حسن، ورواته ثقات"٢".
٣- أنه يذكر أحيانا حديثًا فيقول: رواته ثقات، أو كلهم ثقات، ثم يعدّهم، ويذكر فيهم شخصًا يُضعفه هو في مواضع سابقة ومواضع لاحقة من كتاب "السنن".
وسأحاول الآن بيان مراد الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ فيما ذكرت، وبيان: هل مسلكه في ذلك يتفق مع المحدثين أو يختلف، وفائدة ذلك متحققة سواءٌ كان مذهبه موافقا لمذهب الجمهور أو مخالفا، لأنه إن كان مخالفا للجمهور فأنا أبحث اصطلاحه لبيان أنه ليس على اصطلاحهم.
وإن كان موافقا لاصطلاح الجمهور فأنا أبحثه لبيان أنه موافق لهم، كي لا يقال: هل هو على اصطلاحهم أو لا؟ لوجود الاحتمال.
وبهذا يعلم أنه ليس من شرط كل اصطلاح أَتعرّضُ له هنا أن يكون خاصا بالإمام الدَّارَقُطْنِيّ.
وسأستعرض الموضوع في المبحثين الآتيين.
_________________
(١) "١" "السنن": ١/٣٥١. "٢" "السنن": ٣/١٧٢.
[ ٣٢٢ ]
المبحث الأول: في اصطلاح الدارقطني في الأ لفاظ الآتيه على الترتيب: اصطلاحه في مجهول
أ- قال أبو بكر البرقاني
المبحث الأول
في اصطلاح الدَّارَقُطْنِيّ في الألفاظ الآتية على الترتيب:
١- مجهول. ٢- صدوق.
٣- ليّن. ٤- كثير الخطأ.
٥- لا بأس به. ٦- ثقة.
٧- ليس بشيء. ٨- يعتبر به أولا يعتبر به.
٩- آية من آيات الله.
١- اصطلاحه في مجهول:
أ - ١- قال أبو بكر البَرْقانِيّ:
"قلت: "أي للدارقطني": خلف بن عقبة، عن أبي الزهراء خادم أنس بن مالك؟ فقال: خلف بصري، وأبو الزهراء مجهول"١".
٢- وقال البَرْقانِيّ: "قلت: عطاء الخراساني عن خليد السلامي عن أم الدرداء؟ فقال: مجهول ثقة"٢"؟!
٣- وقال الدَّارَقُطْنِيّ:
"وعوسجة بن الرماح شبه المجهول، لا يروي عنه غير عاصم، لا يحتج به،
_________________
(١) "١" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق٤أ. "٢" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق٤أ.
[ ٣٢٣ ]
ولكن يعتبر به"١".
٤- وقال:
"ابن معانق أو أبو معانق عن أبي مالك الأشعري لا شيء مجهول"٢".
٥- وقال:
"وأبو حفصة مولى عائشة مجهول لا أعلم حدّث به عنه غير يحيى بن أبي كثير، فيخرّج حديث الكسوف إذا حسن طريقه إلى يحيى"٣".
وقد أشكل عليّ قوله: "مجهول ثقة"، فجعلني أرجع إلى أقوال الأئمة في الرواة الآنفي الذكر لأقارن بين أقواله وأقوالهم، فوجدت الكلام فيهم قليلًا، والمعوّل عليه فيهم قول الدَّارَقُطْنِيّ.
وظهر لي أن المجهول عند الدَّارَقُطْنِيّ هو المجهول عند جمهور المحدثين، فليس له فيه اصطلاح خاص به.
وقد نص هو عليه بقوله -أثناء كلامه على حديث رواه خِشْف بن مالك-: " وهو رجل مجهول، ولم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن حرمل الجُشَمِي.
وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان رواته"٤" عدلا مشهورًا، أو رجلا"٥"
_________________
(١) "١" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق٩أ. "٢" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق١٣ب. "٣" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق١٣ب. "٤" كذا في الأصل المطبوع، ولعلها "روايه". "٥" في الأصل المطبوع: "رجل".
[ ٣٢٤ ]
قد ارتفع اسم الجهالة عنه.
وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدا، فإذا كان هذه صفته، ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفا، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره، والله أعلم"١".
فتبين بهذا أن المجهول عنده هو المجهول عند المحدثين.
_________________
(١) "١" "السنن": ٣/١٧٤.
[ ٣٢٥ ]
ب- حكم المجهول عنده:
"والمجهول عنده ضعيف لا يحتج به، لكن من يرى عباراته في المجهول يظن أنها متضاربة، لأنه يقول مرة في راو: "مجهول يكتب حديثه"٢".
ويقول في راو آخر: "هو شيخ مدني، لا أدري من هو، يعتبر به"٣".
ويقول في بعض الرواة: "شبه المجهول لا يحتج به، ولكن يعتبر به"٤".
ويقول في آخر: "مجهول، متروك"٥" و"لا شيء، مجهول"٦".
_________________
(١) "٢" "التهذيب": ١٢/٧٦، وانظره في "أسئلة البَرْقانِيّ": ق١٣ب. "٣" "البَرْقانِيّ": ق٧أ. "٤" "البَرْقانِيّ": ق٩أ. "٥" "البَرْقانِيّ": ق٣ب. "٦" "البَرْقانِيّ": ق١٣ب.
[ ٣٢٥ ]
وليس هذا من باب التناقض في حكم المجهول عنده -لأنه سبق أن بيّن حكمه فيما تقدم نقله عنه قريبًا- إنما الجهالة عنده سبب يَردّ به رواية الراوي، لكنها تتفاوت قوة وضعفًا.
فأحيانا تكون جهالة الراوي عنده شديدة توجب ترك حديثه، فيقول فيه: مجهول متروك، لا سيما إذا انضم إلى الجهالة سبب آخر يقوّي الضعف.
وأحيانا تَخِف الجهالة في راو آخر فيخف اعتباره لها بالنظر إليها لو تعددت الطرق، فيقول فيه: "مجهول، يكتب حديثه"، "مجهول يعتبر به" ونحو ذلك، وإلى هذا يشير بقوله السابق: " فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره".
[ ٣٢٦ ]
ج- مامعنى قوله: "مجهول ثقة"؟
جـ- ما معنى قوله: "مجهول ثقة"؟:
تمّ التوفيق بين عبارات الدَّارَقُطْنِيّ، التي ظاهرها التعارض في شأن حكم "المجهول"، استنتاجا من كلامه ﵀.
وبقي الإشكال في قوله: "مجهول ثقة"، فما معناه عنده؟ يبدو لي أن هذه اللفظة قد وقع فيها الخطأ من بعض النسّاخ.
[ ٣٢٦ ]
د- بماذا ترتفع جهالة الراوي وتثبت عدالته عند الدَّارَقُطْنِيّ:
من المعلوم أن جمهور المحدّثين ترتفع جهالة العين عندهم برواية اثنين فصاعدًا عن الراوي، ولا تثبت عدالته -بعد ذلك- عندهم إلا بالتعديل.
والتعديل عموما يحصل للراوي عندهم بعدّة أمور، أهمها أمران"١":
_________________
(١) "١" يثبت التعديل بالطرق الآتية، أو بأحدها:
(٢) فاضة عدالته واشتهاره بالتوثيق، والاحتجاج به بين أهل العلم.
(٣) تعديلُ معتبرٍ له في هذا الشأن، ولا يشترط اثنان على الصحيح.
(٤) الحكم بشهادته. وهو أقوى من تزكيته بالقول.
(٥) الرواية عنه: وهذا مختلف في كونه تعديلًا، قال ابن الأثير: "والصحيح: أن من عُرِف من عادته، أو من صريح قوله أنه لا يستجيز الرواية إلا عن عدل كانت الرواية تعديلًا، وإلا فلا "، ينظر: "جامع الأصول في أحاديث الرسول؟"، لابن الأثير: ١/١٢٩.
(٦) قلت: ومن طرق إثبات عدالة الراوي إخراج روايته في كتاب الصحيح كالصحيحن، إذا كان متفردًا بهأن أو أخرج له في الأصول وليس في المتابعات والشواهد. وهذا متفق عليه أو عليه جمهور المحدثين بالنسبة للصحيحين. أما غيرهما من كتب الصحيح فقياسًا ما لم تكن هناك قاعدة للمؤلف في التصحيح معلومة الفساد في منهج المحدِّثين، -فيما أراه- والله أعلم. وانظر بالنسبة للصحيحين: "فتح المغيث": ١/٢٧٨-٢٧٩، وينظر في الموضوع كله: المصدر نفسه: ١/٢٧٢-٢٧٩.
[ ٣٢٦ ]
١ الشهرة. أو ٢- التعديل المعتَبر.
أما الإمام الدَّارَقُطْنِيّ فإنه يوافق الجمهور على هذا، إلا أنه يخالفهم في أمر واحد هو: أن العدالة تثبت عنده -بالإضافة إلى الشهرة والتعديل- برواية ثقتين فأكثر عن الراوي.
فالراوي عنده يكون مجهول العين ما لم يَرو عنه اثنان.
فإذا روى عنه اثنان حصل له أمران:
١ ارتفعت جهالة عينه.
٢ وارتفعت جهالة الوصف -أيضًا-، وصار عدلا.
[ ٣٢٧ ]
قال السخاوي -بعد أن نسب للدارقطني والبزّار القول بأن مجرد رواية ثقتين عن الراوي تعتبر تعديلا له-:
"وعبارة الدَّارَقُطْنِيّ: "من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته".
وقال -أيضًا- في الديات نحوه"١".
قلت: وقال الدَّارَقُطْنِيّ في سننه:
"وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر ينفرد بروايته رجل غير معروف.
وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان رواته"٢" عدلا مشهورًا، أو رجلا"٣" قد ارتفع اسم الجهالة عنه.
وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا "٤". فهنا بيّن الدَّارَقُطْنِيّ أن الراوي المقبول الرواية عند المحدثين هو من كان:
١ عدلا مشهورا.
٢- من ارتفع اسم الجهالة عنه، بأن يكون روى عنه اثنان فصاعدًا.
والواقع أن هذا ليس رأي جمهور المحدّثين -كما هو معروف مشهور- ولكن كلام الدَّارَقُطْنِيّ هذا يدلّ على أنه سائر على هذا الاصطلاح، بدليل تقريره له، سواء كان السبب في تبنّيه له هو فهمه أن ذلك مذهب المحدثين أو ما يراه هو خاصة في هذه المسألة.
_________________
(١) "١" "فتح المغيث ": ١/٢٩٨. "٢" كذا في الأصل المطبوع، ولعلها: "راويه". "٣" في الأصل: "رجل". "٤" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ٣/١٧٤.
[ ٣٢٨ ]
وقال اللّكْنوي في كتابه "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل": "ثم إن جهالة العين ترتفع برواية اثنين عنه دون جهالة الوصف، هذا عند الأكثر.
وعند الدَّارَقُطْنِيّ: جهالة الوصف أيضا ترتفع بها، ومن ثَمّ لم يقبل قول الدَّارَقُطْنِيّ في حق "موسى بن هلال العبْدي" أحد رواة حديث: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، أنه مجهول، لثبوت روايات الثقات عنه"١".
وكأن من لازم اصطلاح الدَّارَقُطْنِيّ هذا أنه ليس ثمت مجهولُ حال أو مستورٌ عنده، لأن المستور في منزلة بين مجهول العين والثقة، وهو يرى أن من زالت عنه جهالة العين ثبتت له العدالة عنده.
والله أعلم.
_________________
(١) "١" "الرفع والتكميل ": ص١٦١.
[ ٣٢٩ ]
٢ - طلاحه في "صدوق":
قبل أن أبيّن اصطلاحه في صدوق، أَستعرض بعض استعمالاته لهذه الكلمة من خلال ما رأيته في أجوبته على أسئلة تلاميذه:
أ - ١- "عمرو بن بشر النيسابوري صدوق"٢".
٢- "محمد بن يحيى بن سليمان، أبو بكر المروزي صاحب أبي عبيد صدوق"٣".
_________________
(١) "٢" "أسئلة الحاكم": ق٤أ. "٣" "أسئلة الحاكم": ق٤أ.
[ ٣٢٩ ]
٣ "محمد بن خليفة بن صدقة العاقولي غير صدوق"١".
٤- "الحارث بن أبي أسامة اختَلف فيه أصحابنا وهو عندي صدوق"٢".
٥ "عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي مولاهم صدوق"٣".
٦ "عبد الله بن غنام بن حفص بن غياث صدوق"٤".
٧ "عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزار صدوق"٥".
ب- ١- "عمر بن الحسن بن نصر الحلبي، أبو حفيص قاضي حلب: صدوق ثقة"٦".
٢- "أبو البحتري عبد الله بن محمد بن شاكر العنبري: بغدادي أصله كوفي صدوق ثقة"٧".
٣"علي بن العباس بن الوليد المقانعي البلخي: ثقة صدوق"٨".
٤- "وسألته عن إسحاق الديري فقال: " صدوق ما رأيت فيه خلافا، إنما قيل: لم يكن من رجال هذا الشأن. قلت: وَيَدْخُل في الصحيح؟
_________________
(١) "١" "أسئلة الحاكم": ق٤ب. "٢" "أسئلة الحاكم": ق٣أ. "٣" "أسئلة الحاكم": ق٣أ. "٤" "أسئلة الحاكم": ق٣أ. "٥" "أسئلة الحاكم": ق٤أ. "٦"أسئلة الحاكم": ق٤أ. "٧" "أسئلة الحاكم": ق٣أ. "٨" "أسئلة الحاكم": ق٣ب.
[ ٣٣٠ ]
قال: أي والله"١".
٥ "محمد بن نصر، أبو جعفر الصايغ صدوق فاضل ناسك"٢".
٦ "الحسن بن سلام بن حماد السواق أبو علي ثقة صدوق"٣".
جـ- ١- "قلت: فعمرو بن مريق؟.
قال: صدوق كثير الوهم"٤".
٢ "قلت: فشهاب بن عباد؟.
قال: صدوق زائغ"٥".
٣- "عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن مسلم أبو قلابة قيل لنا: أنه كان مجاب الدعوة، صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، لا يحتج بما ينفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم بن منيع أنه قال: "عندي عشرة أجزاء ما منها حديث يَسْلم منه إما في الإسناد أو في المتن، كأنه يحدّث من حفظه فكثرت الأوهام منه"٦".
د- الحاصل:
الحاصل أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ، يطلق أحيانا على الراوي، كلمة: "صدوق"
_________________
(١) "١" "أسئلة الحاكم": ق٢ب. "٢" "أسئلة الحاكم": ق٤ب. "٣" "أسئلة الحاكم": ق٢ب. "٤" "أسئلة الحاكم": ق٩ب. "٥" "أسئلة الحاكم": ق٨ب. "٦" "أسئلة الحاكم": ق٣ب.
[ ٣٣١ ]
مجردة، كما في فقرة "أ" المتقدمة.
وأحيانا يقول: "صدوق ثقة"، كما في فقرة "ب".
وأحيانا يقول: "صدوق كثير الوهم، أو لا يحتج به"، أو نحو ذلك، كما في فقرة "جـ".
فما هو مراد الدَّارَقُطْنِيّ بكلمة: "صدوق"؟
الذي أَستنتجه من استعمالاته لهذه الكلمة، أنه حينما يطلقها مجردة فإنه يعني بها تزكية الراوي في عدالته فقط، فلا يفيد ذلك توثيق الراوي أو تضعيفه عنده.
أما إذا أضاف كلمة "صدوق" فيختلف حكمها باختلاف المضاف إليه: فإن أضافها إلى ما يفيد الاحتجاج بالراوي، كأن يقول: "صدوق ثقة" فيحتج به.
وإن أضافها إلى ما يفيد عدم الاحتجاج به، كأن يقول: "صدوق كثير الخطأ" فإنه لا يحتج به، فهو موافق للجمهور في ذلك. والله أعلم.
[ ٣٣٢ ]
٣-اصطلاحه في "لَيِّن"
إذا أطلق الإمام الدَّارَقُطْنِيّ لفظة: "ليّن" وحدها على الراوي، فإنما يعني بها تضعيفه في حفظه أو ضبطه، ولا يعني بها تضعيفه في عدالته، ولا يكون ذلك تضعيفًا له عنده بِمرّة، كما يدل على هذا قول السَّهْمي:
"سألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، قلت له:
إذا قلت: فلان ليّن أيش تريد به؟
قال: لا يكون ساقطا متروك الحديث، ولكن يكون مجروحا بشيء لا
[ ٣٣٢ ]
يسقط عن العدالة"١".
بمعنى أن من قال فيه الدَّارَقُطْنِيّ: "ليّن" فهو ضعيف ويعتبر به.
فهو موافق للجمهور بهذا.
_________________
(١) "١" "أسئلة السهمي": ق١أ.
[ ٣٣٣ ]
٣٣٣
٤ اصطلاحه في "كثير الخطأ":
اصطلاح الجمهور من المحدّثين أن "كثير الخطأ لا يحتج به". وقد جاء عن الدَّارَقُطْنِيّ في "كثير الخطأ" ما ظاهره مخالفة الجمهور، إذ روى السهمي قوله:
"وسألته عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: إن نّبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط"٢".
لكن هذه العبارة ليست على ظاهرها، بل مراد الدَّارَقُطْنِيّ -والله أعلم- أن من أخطأ- بِغضِّ النظر عن كونه الخطأ، أو لا- إذا نُبّه على الخطأ، ورجع فلا يسقط، فإن أصرّ على الخطأ سقط، فلا يحتج به.
أما من يكون كثير الخطأ، سواء أصر عليه أو لم يصر، فإنه لا يحتج به عند المحدّثين، لم أر أحدا خالف في هذا، لأنهم اشترطوا فيمن يُقبل حديثه أن يكون ضابطا، وكثرة الخطأ تنافي الضبط.
وعلى هذا تدل أقوال الدَّارَقُطْنِيّ في الرواة، نحو قوله في القاسم ابن عبد الله العُمَري:
_________________
(١) "٢" "أسئلة السهمي": ق١أ.
[ ٣٣٣ ]
"وكان ضعيفًا كثير الخطأ"١".
ونحو قوله في: عبد الله بن محمد بن يحيى:
"وهو كثير الخطأ على هشام، وهو ضعيف الحديث"٢".
وقوله في الجرّاح بن وكيع - فيما نقله الحافظ البَرْقانِيّ، بقوله: "سلت أبا الحسن علي بن عمر عن الجرّاح بن وكيع، فقال: "ليس بشيء، هو كثير الوهم".
قلت: يعتبر به؟. قال: لا"٣".
وقوله في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مضعفًا له:
"وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم"٤".
"وفي سؤالات الحاكم: فخلاّد بن يحيى؟
فقال: ثقة، إنما أخطأ في حديث واحد فرفعه، ووقفه الناس"٥".
و"كثير الوهم" أو "الخطأ" عند الإمام الدَّارَقُطْنِيّ يقولها في الراوي الذي يراه ضعيفًا ضعفًا شديدًا لدرجة أن الراوي لا يعتبر به -كما سبق من قوله في الجرّاح بن وكيع-.
ويقولها في الراوي الضعيف، الشديد الضعف، لكنه قد يحتج -مع ذلك- أحيانا بالرواية لسبب أو آخر، كأن تحصل متابعة بسند قوي.
_________________
(١) "١" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ١/٢٦. "٢" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ٣/٢٠٢. "٣" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق٢ب. "٤" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ٢/٢٦٣. "٥" "فتح المغيث"، للسخاوي: ١/١٦٧.
[ ٣٣٤ ]
ولهذا يقول في "كثير الخطأ" أحيانا: يعتبر به، وضَعَّف أشخاصًا في سننه بكثرة الخطأ في موضع من سننه، ثم اعتبر بهم في موضع آخر عند ما حصل لهم المتابع القوي، ومنهم ابن أبي ليلى.
فهو موافق للجمهور في الجملة في هذا الاصطلاح، والله أعلم.
[ ٣٣٥ ]
٥- اصطلاحه في: "لا بأس به":
سئل الدَّارَقُطْنِيّ عن أشخاص فأجاب فيهم بما يفيد أنه يسوّى بين لفظة "لا بأس به" وبين لفظة "ثقة"، من ذلك:
١ - ما رواه البرقاني بقوله:
"وسألته عن الحسن بن يزيد الأصم صاحب السري. قال: كوفي لا بأس به، ثقة، مستقيم الحديث"١".
٢- وما رواه البَرْقانِيّ أيضًا بقوله:
"قلت: فحميد بن هانيء أبو هانيء؟ قال: مصري لا بأس به.
ثم قال: ثقة"٢".
٣- وقوله أيضًا:
"سمعته يقول: عمرو بن مالك الجنبي أبو علي: لا بأس به، ثم قال: ثقة"٣".
٤- وما رواه السهمي بقوله:
_________________
(١) "١" "أسئلة البرقاني": ق٣أ. "٢" "أسئلة البرقاني": ق٣ب. "٣" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق٨ب.
[ ٣٣٥ ]
"وسألته عن أبي علي الحسن بن محمد بن سليمان الطوسي.
فقال: ثقة، ليس به بأس"١".
٥- وقوله:
"سألت الدَّارَقُطْنِيّ عن زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل.
قال: قد حدّث، وهو ثقة، ما كان به بأس"٢".
٦- "محمد بن ماهان، أبو عبد الله السمسار زنبقة: لا بأس به".
وقال في "تاريخ بغداد" ٣/٢٩٣: "وذكره الدَّارَقُطْنِيّ فقال: ثقة".
فمن هذه الأمثلة السابقة يظهر أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ يطلق "لا بأس به" أو "ليس به بأس" بمعنى "ثقة".
ولم أقف على شيء عن الأئمة يدل أن الدَّارَقُطْنِيّ على هذا الاصطلاح أو أنه ليس عليه.
وتتبعت بعض من قال فيهم الدَّارَقُطْنِيّ: "لا بأس به" فقط لمعرفة أقوال غيره فيهم، ومن هؤلاء:
١- "محمد بن مسلمة بن الوليد أبو عبد الله الواسطي: لا بأس به"٣".
٢- "محمد بن عبد الله بن سفيان زرقان: لا بأس به"٤".
٣- "محمد بن سعد بن محمد بن الحسن"٥" بن عطية بن سعد بن جنادة
_________________
(١) "١" "أسئلة السهمي": ق١١ب. "٢" "أسئلة السهمي": ق١٣أ. "٣" "أسئلة الحاكم": ق٤ أ، وأشار الخطيب في تاريخه: ٣/٣٠٧ إلى أن بعضهم ضعفه. "٤" "أسئلة الحاكم": ق٤أ. "٥" في الأصل: "الحسين"، وهو تصحيف.
[ ٣٣٦ ]
العوفي: لا بأس به"١".
٤- "محمد بن عبيد بن صبيح الكناني الزيات: لا بأس به"٢".
٥- "القاسم بن عباس المعشري: لا بأس به"٣".
وغير هذه الأسماء.
وبعد التتبع ظهر أن بعض هؤلاء لا يُذكر فيهم إلا قول الدَّارَقُطْنِيّ، وبعضهم ليّنه الخطيب أو غيره، وبعضهم وثقه الخطيب، وبعضهم لم أجد له ترجمة عند غير الدَّارَقُطْنِيّ.
قلت: فالظاهر -والله أعلم- أن اصطلاح الدَّارَقُطْنِيّ في لفظة "لا بأس به"، مثل اصطلاح يحيى بن معين، إلا إنْ دلّ على غير ذلك صارف يصرفها عنه، كأن يقرنها بما يفيد تضعيفه للراوي.
على أني قد جهدت أن أجد شيئًا من ذلك، أي أن أجد لفظة "لا بأس به" مقرونة بما يدل على تضعيف الراوي، فلم أعثر على شيء من ذلك، رغم أني استعرضت جميع السؤالات: سؤالات الحاكم للدارقطني، وسؤالات السُّلَمِيّ، وسؤالات البَرْقانِيّ، وسؤالات السهمي، لهذا الغرض.
والله أعلم.
_________________
(١) "١" "أسئلة الحاكم": ق٤أ، قال الخطيب: "وكان ليّنا في الحديث". "تاريخ بغداد": ٥/٣٢٣. "٢" "أسئلة الحاكم": ق٤أ. "٣" "أسئلة الحاكم": ق٤أ
[ ٣٣٧ ]
٦- اصطلاحه في: "ثقة":
"الثقة" في الاصطلاح العام عند الجمهور هو: العدل الضابط وهذا هو مراد الإمام الدَّارَقُطْنِيّ إذا أطلقها غالبا، وأحيانا قليلة يطلقها على الراوي ولا يريد بها هذا المعنى، بل يريد بها معنى آخر هو عدالة الراوي.
كما قد يفعله غيره من الأئمة أحيانًا، في هذه اللفظة وغيرها من المصطلحات الحديثية، فيخرج بها عن المعنى العام إلى معنى خاص، كما إذا قال الإمام يحيى بن معين في الراوي: ليس بشيء، فإنه قد يريد به المعنى المراد عند جمهور المحدثين، إذا دلّ على ذلك قرينة. وإلا فإنه يقصد معنى غيره هو أن الراوي ليس له أحاديث كثيرة.
وكما إذا قال يحيى بن معين أيضًا في الراوي: "ليس به بأس"، فإن معناه توثيق الراوي، بينما معناه عند الجمهور يكاد يكون في درجة "صدوق".
وكما إذا قال البخاري في الراوي: "فيه نظر"، فإنه يخالف الجمهور في المعنى غالبا كما هو مشهور. وهكذا.
ومن الأمثلة على إطلاق الإمام الدَّارَقُطْنِيّ على الراوي لفظة "ثقة" بمعنى عدل:
١- قوله في حديث:
"اضطرب في إسناده مسلم بن خالد، وهو سييء الحفظ ضعيف، مسلم
ابن خالد ثقة، إلا أنه سييء الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث"١".
_________________
(١) "١" "السنن" للدارقطني: ٣/٤٦.
[ ٣٣٨ ]
٢- وقوله في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى:
"ثقة في حفظه شيء"١".
ويقول في موضع آخر: "ضعيف الحديث، سييء الحفظ "٢".
وفي موضع آخر: "رديء الحفظ كثير الوهم"٣".
فكيف يكون ثقة ضعيفًا -إن لم نحمل "ثقة" على معنى "عدل"؟! إنه يعني بكلمة: "ثقة -في ذلك وما شابهه- عدالة الراوي، واستخدم كلمة "ثقة" بمعنى "عدل".
والعدل قد يكون ضعيفًا في حفظه، أو لا يكون ضعيفًا، وقد يكون ضبطه معلومًا، وقد يكون مجهولًا، فاندفع التناقض في عبارات الإمام الدَّارَقُطْنِيّ هنا.
والحمد لله.
_________________
(١) "١" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ١/١٢٤. "٢" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ١/٢٤١. "٣" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ١/٢٦٣.
[ ٣٣٩ ]
٧- اصطلاحه في: "ليس بشيء" أو "لا شيء":
من خلال التتبع ظهر لي أن الدَّارَقُطْنِيّ أطلق: "ليس بشيء"، أو "لا شيء"، أو "لا يسوى شيئًا"، أو "لا يساوي شيئًا".
على الضعيف عنده، الذي لا يحتج به عنده، وإليك الأمثلة:
أ - قال البَرْقانِيّ:
"سألت أبا الحسن علي بن عمر عن الجرّاح بن وكيع فقال: "ليس
[ ٣٣٩ ]
بشيء"، قلت: يعتبر به؟ قال: لا"١".
فهنا أطلقها على من لا يعتبر به عنده.
ب- وقال الدَّارَقُطْنِيّ: "ابن معانق أو أبو معانق عن أبي مالك الأشعري: لا شيء، مجهول"٢".
جـ- وقال السهمي:
"سألت الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي طاهر القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي روى نسخة ليزيد بن يونس الأيلي فقال: كان لينا.
قال: وله أحاديث منكرة غير النسخة، وقال: ليس هو بشيء"٣".
د- وقال السهمي -أيضًا-:
"وسألت الدَّارَقُطْنِيّ عن الحسن بن الطيب البلخي فقال: "لا يسوى شيئا، لأنه حدّث بما لم يسمع"٤".
ويحتمل أن يقصد بـ"لا شيء" أحيانا معنى أن الراوي ليس له حديث كثير، كما يحتمله قوله في الهجنع بن قيس: "لا شيء، وهو كوفي، وله حديثان"٥".
ولكن لم أر ما يقوّي هذا الاحتمال.
_________________
(١) "١" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق٢ب. "٢" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق١٣أ. "٣" "أسئلة السهمي": ق١٦أ. "٤" "أسئلة السهمي": ق١٦ب. "٥" "أسئلة البَرْقانِيّ": ق١١ب.
[ ٣٤٠ ]
فهو على مثل ما عليه الجمهور في اصطلاح "ليس بشيء" ونحوه.
[ ٣٤١ ]
٨- اصطلاحه في "يعتبر به"، و"لا يعتبر به":
الضعف عند الدَّارَقُطْنِيّ -كما هو عند الجمهور- نوعان:
أ - نوع محتمل ينجبر بتعدد الطرق، وهذا النوع هو الذي يقول في صاحبه:
"ضعيف يعتبر به"، أو "يعتبر به"، أو "ضعيف لا يستحق الترك"، أو "لا يترك"، أو "يكتب حديثه".
ب- نوع لا ينجبر بتعدد الطرق، لأنه ضعْف شديد، وهذا النوع لا يكتب حديث صاحبه، لا للاحتجاج به ولا للاعتبار. ولهذا يقول في صاحبه:
"لا يعتبر به". "يترك". "متروك".
فهو على اصطلاح الجمهور في هذا.
[ ٣٤١ ]
٩- اصطلاحه في: "آية"، أو "آية من آيات الله":
يطلق الدَّارَقُطْنِيّ لفظة "آية" أو "آية من آيات الله" على الراوي المتروك عنده، الذي لا يكتب حديثه لا للاحتجاج ولا للاعتبار وإليك الأمثلة على هذا:
أ - قال السهمي:
"سألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي عيسى خالد بن غسان بن مالك الدارمي بالبصرة، فقال: "متروك، يحدّث بما لم يسمع، وكان آية"١".
_________________
(١) "١" "أسئلة السهمي": ق١٣أ.
[ ٣٤١ ]
ب- وقال السهمي أيضًا:
"وسألته عن الحسين بن عبد الغفّار بن عمرو بن أبي علي الأزدي بمصر، فقال:
"هذا آية، متروك، كان بليّة"١".
جـ- وقال السهمي:
"وسألت الدَّارَقُطْنِيّ عن محمد بن عبيد الله الخوارزمي أبي جعفر ختن أبي الآذان، بسُرّ مَنْ رأى، فقال: "آية من الآيات، كان مخلّطًا"٢".
د- وقال السهمي:
"وسألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ عن محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي، فقال:
"آية من آيات الله، ذلك الكتاب"٣" هو وضعه، أعني العلويات"٤".
هـ- وقال:
"سألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ عن محمد بن سليمان بن زيان، كان بالبصرة، قال:
"مُدْبِر، آية من آيات الله.
قلت: كان يضع الحديث؟
قال: نعم"٥".
قلت: ولا أعلم للجمهور اصطلاحا بهذا.
_________________
(١) "١" "أسئلة السهمي": ق١٢ب. "٢" "أسئلة السهمي": ق٦أ. "٣" في الأصل: "الكذاب"، والتصحيح من "ميزان الاعتدال": ٤/٢٨. "٤" "أسئلة السهمي": ق٥أ. "٥" "أسئلة السهمي": ق٥أ.
[ ٣٤٢ ]
*
المبحث الثاني
في دفع التعارض المفهوم ظاهرًا من بعض عبارات الدَّارَقُطْنِيّ
ضعّف الإمام الدَّارَقُطْنِيّ "شريكا القاضي" في ١/٣٤٥ من سننه فقال: "وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به".
وضعّف "حجاج بن أرطاة" في غير موضع من سننه فقال في ١/١٥٥: "لا يحتج به" وفي موضع آخر قال: "ضعيف" وضعفه في ٣/١٧٤-١٧٥.
وفي ١/٨٩-٩٠ ذكر الحجاج بن أرطاة، وشريكا، وغيرهما من الضعفاء في جملة حفاظ ثقات.
فهل هذا تناقض في عبارات الإمام الدَّارَقُطْنِيّ في الجرح والتعديل أو ماذا؟.
الجواب:
والجواب عن هذا: أنه ليس من باب التعارض والتناقض في عباراته في الجرح والتعديل، لأنه لا يخلو من أمرين:
الأول:
أن يكون ذلك الراوي، الذي ضعفه في مكان، ووثقه في مكان، ضعيفًا من وجه، وقويًا محتجًّا به من وجه آخر.
فيروي له حديثًا من الجهة التي يضعّفه فيها، فيضعفه من غير بيان ينبئ عن مراده تفصيلا.
وإذا روى له حديثًا من الجهة التي يثبّته فيها، وثقه وقواه من غير بيان ينبئ
[ ٣٤٣ ]
عن مراده تفصيلًا.
فإذا نظر الناظر في قوليه في الرجل ظنه متناقضا فيه، وليس هو كذلك، لأن إحدى عباراته محمولة على متعلَّق غير متعلَّق الأخرى، فلا تناقض، لأن عباراته وإن كانت متناقضة في الظاهر إلا أن إحدى العبارتين مقيّدة للأخرى"١".
ومن الأمثلة على هذا ما أشرت إليه آنفا من أقواله في الحجاج وشريك.
وتأمّل قوله في شريك: "ليس بالقوي فيما يتفرد به" فكأنه قيّد العبارة فيه. ولمّا روى ما وافقه فيه الحفاظ الثقات خف عند الدَّارَقُطْنِيّ ذلك الضعف الذي فيه فغلّب فيه جانب التوثيق. وسيأتي قريبًا مزيد تفصيل في الأمثلة في الفقرة التالية.
الثاني:
أن قوله هذا يَصْدق فيه ما قاله المعلمي، ﵀، حينما قال:
"قول المحدِّث "هذا حديث رواه جماعةٌ حفاظٌ ثقاتٌ"، ثم يعدّهم، ويذكر فيهم من ضعفه في موضع آخر - لا تناقض فيه؛ لأن "قول المحدث رواه جماعة ثقات حفاظ" ثم يعدهم لا يقتضى أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال: "ثقة حافظ"، هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه، ثم قد يذكر فيهم من يُليّنه هو نفسه في الكتاب نفسه.
وهذا الدَّارَقُطْنِيّ نفسه ذكر في "السنن" ص٣٥"٢" حديثًا فيه مسح
_________________
(١) "١" ينظر: "التنكيل "، للمعلِّمي: ١/٣٦١-٣٦٢. "٢" هذا في الطبعة الهندية، أما في طبعة عبد الله هاشم يماني ففي: ١/٨٩-٩٠.
[ ٣٤٤ ]
الرأس ثلاثا وهو موافق لقول أصحابه الشافعية ثم قال: "خالفه جماعة من الحفاظ الثقات " فعدهم، وذكر فيهم شريكا القاضي، وأبا الأشهب جعفر
ابن الحارث والحجاج بن أرطاة، وجعفر الأحمر.
مع أنه قال ص١٣٢"١" "شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به".
وجعفر بن الحارث لم أر له كلاما فيه، ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن معين والنسائي.
وحجاج بن أرطاة قال الدَّارَقُطْنِيّ نفسه في مواضع"٢" من "السنن" "لا يحتج به" وفي بعض المواضع "ضعيف".
وجعفر الأحمر اختلفوا فيه. وقال الدَّارَقُطْنِيّ - كما في "التهذيب" "يعتبر به"، وهذا تليين كما لا يخفى.
ونحو هذا قول المحدث: "شيوخي كلهم ثقات"، أو "شيوخ فلان كلهم ثقات"، فلا يلزم من هذا أن يكون كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق: "هو ثقة".
وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة.
وقد تقدم.. أنهم ربما يتجوّزون في كلمة "ثقة" فيطلقونها على من هو صالح في دينه، وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك.
_________________
(١) "١" من الهندية، وفي طبعة اليماني: ١/٣٤٥. "٢" انظر: "فهرس الرواة المتكلم فيهم في السنن" في الفصل الآتي.
[ ٣٤٥ ]
وهكذا قد يذكر الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ضعفاء، وإنما اللازم أن له حظًّا من الضعف، كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرا من الثقات الذين تُكلم فيهم أيسر كلام.
هكذا كله مع أن الدَّارَقُطْنِيّ لو تناقضت بعض كلماته، البتة لم يكن في ذلك ما يبيع سوء الظن به، فإن غيره من الأئمة قد اتفق لهم ذلك، وما أكثر ما تجده من التناقض في كلمات ابن معين "١".
وذكر المُعلّمي -أيضًا- أن ما قيل من اختلاف في ظاهر كلام الدَّارَقُطْنِيّ في ابن أبي ليلى إنما هو لاختلاف مقتضى الحال، فقال: "ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين:
الأول: أن يُسأل عنه فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم به.
الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذلك الراوي في صدد النظر في حديث خاص من روايته.
فالأول: هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد.
وأما الثاني: فإنه كثيرا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث.
فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه صدوق كثير الوهم، ثم تكلم فيه في صدد حديث من روايته، ثم في صدد حديث آخر، وهكذا، فإنه كثيرا ما يتراءى اختلاف ما بين كلماته.
_________________
(١) "١" "التنكيل "، للمعلمي اليماني: ١/٣٦٢-٣٦٣.
[ ٣٤٦ ]
فمن هذا أن الحجاج بن أرطاة عن الدَّارَقُطْنِيّ: صدوق يخطئ فلا يحتج بما ينفرد به. واختلفت كلماته فيه في "السنن":
فذكره ص٣٥"١" في صدد حديث وافق فيه جماعة من الثقات فعده الدَّارَقُطْنِيّ في جملة "الحفاظ الثقات" -كما مر-.
وذكره ص٥٣١"٢" في صدد حديث أخطأ فيه، وخالف مسعرًا وشريكا، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: "حجاج ضعيف" وذكره في مواضع أخرى فأكثرُ ما يقول "لا يحتج به".
وعلى هذا ينزل كلامه في ابن أبي ليلى، فإنه عنده: صدوق سييء الحفظ.
ففي ص٤٦"٣" ذكر حديثًا رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا في طهارة المني.
وذكر أن وكيعًا رواه عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس من قوله.
وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما عن عطاء، عن ابن عباس من قوله.
فالحديث صحيح عن ابن عباس من قوله.
وقد رواه وكيع وهو من الثقات الأثبات عن ابن أبي ليلى كذلك.
ورواه شريك عن ابن أبي ليلى فرفعه.
_________________
(١) "١" و١/٨٩-٩٠ من طبعة اليماني. "٢" في ٤/٢٥٠ من طبعة اليماني. "٣" في ١/١٢٤ من طبعة اليماني.
[ ٣٤٧ ]
فحال ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدة، لأنه في أثبت الروايتين عنه وافق الأثبات.
وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه، وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق أو من شريك، فإن الأزرق ربما غلط، وشريكا كثير الخطأ أيضًا.
وقد رواه وكيع عن ابن أبي ليلى على الصواب، فلهذا اقتصر الدَّارَقُطْنِيّ على قوله: "لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى، ثقة في حفظه شيء".
وفي ص٨٩"١" ذكر حديثًا رواه الجبلان: سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا، وخالفهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه موصولا. فحاله في هذا الحديث رديئة، فظهر أثر ذلك في كلمة الدَّارَقُطْنِيّ فقال "ضعيف، سييء الحفظ".
وفي ص٢٧٣"٢" ذكر أحاديث في القارن يطوف طوافًا واحدًا، ويسعى سعيًا واحدا. وهناك روايات عن علي وابن مسعود أنهما قالا طوافين وسعيين.
ثم ذكر طريق ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي أنه: "جمع الحج والعمرة، فطاف لهم طوافًا واحدًا"٣"، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل". ولا يخفى ما في هذا من
_________________
(١) "١" ١/٢٤١ من طبعة اليماني. "٢" ٢/٢٦٣ من طبعة اليماني. "٣" في التنكيل: "طواف واحد". وهو خطأ ظاهر.
[ ٣٤٨ ]
التخليط فلذلك قال: "رديء الحفظ كثير الوهم".
فأين اتباع الهوى؟ وأين الاضطراب "! "١" في عبارات الدَّارَقُطْنِيّ؟
قلت: وإن توقف متوقف في هذا التخريج، الذي أنزلتُ عليه عبارات الدَّارَقُطْنِيّ؛ محتجّا بِجِدِّته أو بغير ذلك؛ فإنى أقول:
ليس هذا الفهم جديدًا، بل هو من الضوابط التي ينبغي أن يتنبه لها كل متكلم في الجرح والتعديل، وقد راعى ذلك العلماء عمليا، وتطبيقاتهم في كتب الجرح والتعديل شاهده به.
وقد صرّح بعضهم بضرورة هذا التخريج، عند الوقوف على اختلاف ألفاظ الجرح والتعديل في الرواة.
وممن صرح به الحافظ ابن حجر، حيث قال في مقدمة "لسان الميزان" "وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكين ومخارجها: فقد يقول المعدل: فلان ثقة. ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه"٢"، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟.
فيقول: فلان ثقة. يريد به أنه ليس من نمط من قُرن به.
فإذا سئل عنه بمفرده بيّن حاله في التوسط.
فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن ابن إسحاق،
_________________
(١) "١" "التنكيل "، للمعلمي: ١/٣٦٣-٣٦٤. "٢" وانظر أيضًا: "فتح المغيث": ١/٣٤١.
[ ٣٤٩ ]
وموسى بن عبدة الربذي أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة.
وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق، وليس بحجة،
ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك يونس أو عقيل؟
فقال: عقيل لا بأس به. وهو يريد تفضيله على يونس.
وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح، فقال: عقيل ثقة متقن.
وهذا حكم على اختلاف السؤال.
وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت، وجرحه في وقت آخر.
وقد يحكمون على الرجل الكبير في الجرح بمعنى"١" لو وُجد فيمن هو دونه لم يجرح به.
فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها، ليتبين منها، فالعلة تخفى على كثير من الناس إذا عرض على ما أصلناه، والله الموفق"٢".
ونبّه السخاوي في "فتح المغيث"٣" على نحو ما تقدم عن ابن حجر، ولا داعي لنقله.
وقرر هذا المعنى أيضًا الإمام أبو الوليد الباجي في كتابه: "التعديل والتجريح لمن أخرج لهم في الصحيح"٤".
_________________
(١) "١" في "لسان الميزان" المطبوع "يعني" وهو تصحيف. "٢" "لسان الميزان": ١/١٧. "٣" انظر: "فتح المغيث": ١/٢٤٨. "٤" في ١/٢٨٣-٢٨٨.
[ ٣٥٠ ]
قلت: وقد قال ابن معين في عمرو بن شعيب "إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كذّاب، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار وعروة، فهو ثقة"١" فلولا أنه يريد بهاتين اللفظتين معنى غير المعنى المقصود في الاصطلاح العام لكان في ذلك تناقض.
ومما يؤكد أيضًا هذا المعنى الذي قررته أن الذين قيل فيهم من الأئمة أنهم لا يروون إلا عن ثقة، أو من قال منهم لا أروي إلا عن ثقة. إنما كان ذلك منهم بحسب الأغلب - كما هو متفق عليه- وإلا فقد حصل منهم الرواية عن من هو ضعيف"٢".
_________________
(١) "١" "طبقات المدلسين"، لابن حجر: ص٢٤ "نشر مكتبة الكليات الأزهرية". "٢" انظر: "فتح المغيث": ١/٢٩٣.
[ ٣٥١ ]
عبارات أخرى للدارقطني ظاهرها الاختلاف:
قد يشكل على المرء بعض عبارات للدارقطني، في كلامه على الحديث صحة وضعفا، من ذلك قوله:
١- "إسناده حسن، ورواته ثقات"٣".
٢- "هذا إسناد حسن، وابن لهيعة ليس بالقوي"٤".
وعلى ضوء ما شرحته من ألفاظ الجرح والتعديل، عند الإمام الدَّارَقُطْنِيّ فإني لا أرى تعارضًا أو تضاربا في العبارتين السابقتين، لكن يحصل التعارض
_________________
(١) "٣" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ١/١٧٣. "٤" "سنن الدَّارَقُطْنِيّ": ١/٣٥١.
[ ٣٥١ ]
في الذهن عند من لم يفهم اصطلاح الدَّارَقُطْنِيّ ومراده بذلك.
والإشكال الذي قد يحصل في العبارة الأولى:
أن يقال: كيف يكون الحديث رواته ثقات ثم يكون إسناده حسنا، ولا يكون صحيحًا؟.
والجواب عن ذلك هو:
معلوم أن حديث الثقة محتج به، ما لم يَبِنْ فيه خطؤه، بشذوذ أو نحو ذلك، لكن لا يخلو الثقة من أن يكون تام الضبط، فيكون حديثه صحيحًا، أو خفيف الضبط خفةً لا تُلحقه بالضعفاء، ولا تُخرجه عن دائرة من يُطلق عليه: "ثقة"، فيكون حديثه حسنًا.
وعلى الأخير تُنزل عبارة الدَّارَقُطْنِيّ السابقة، والله أعلم.
والإشكال الذي قد يحصل في العبارة الثانية:
أن يقال: كيف يكون هذا الإسناد عند الإمام الدَّارَقُطْنِيّ حسنا، مع أنه ذكر أن فيه ابن لهيعة وهو يرى أنه "ليس بالقوي"؟.
والجواب عن ذلك هو:
معلوم أن الحديث الحسن عند المحدثين ينقسم إلى قسمين:
١- حسن لذاته "وهو الذي تقدم تعريفه في العبارة الأولى".
٢- حسن لغيره، وهو الذي يكون أحد رواته ضعيفًا ضعفًا محتملًا ينجبر بتعدد الطرق كضعف ابن لهيعة.
فبالنظر إلى الحديث وفي سنده هذا الضعيف يحكم على الحديث بالضعف، وبالنظر إلى الحديث بتعدد طرقه الجابرة للضعف؛ فإنه يُحكم
[ ٣٥٢ ]
للحديث في طريقه الذي فيه الضعيف بالحسن، أي الحسن لغيره لا لذاته.
وهذا محمل وجيه لعبارة الدَّارَقُطْنِيّ السابقة، لا سيما أن هذا التقسيم قد سبق الإمام الدَّارَقُطْنِيّ منذ زمن الترمذي، وقد مر قريبًا ما يؤيد هذا في مسلك الدَّارَقُطْنِيّ في الكلام على الرواة جرحًا وتعديلًا.
وحديث ابن لهيعة هذا رواه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ورواه بذلك اللفظ مع اختلاف يسير عن ابن عباس غير ابن لهيعة، كسعيد بن جبير، وطاوس.
وقد أورد الدَّارَقُطْنِيّ روايتهما عنه في الموضع نفسه الذي أورد فيه رواية ابن لهيعة. وقد ذكر رواية ابن لهيعة متأخرة"١".
فبالنظر إلى رواية ابن لهيعة وحدها نجدها ضعيفة لضعفه، ولمخالفته اليسيرة في اللفظ لمن هو أوثق منه.
وبالنظر إلى مساندة رواية الثقة لروايته نجد أنها أصبحت حسنة لغيرها. ولذلك؛ ولمخالفته اليسيرة؛ أشار الدَّارَقُطْنِيّ للأمرين بقوله:
"هذا إسناد حسن، وابن لهيعة ليس بالقوي".
وكأنَّ في عبارة الدَّارَقُطْنِيّ تجوزًا، لأن الذي يصبح حسنا لغيره هو المتن لا السند الذي فيه الضعيف، لأن السند لا يقال عنه حسن. إلا إذا كان رجاله رجال الحسن.
ولقد بلغ الإمام الدارقطنيّ مِن الدقّة إلى أنه قد يقول في سندِ حديثٍ: "رجاله ثقات"، ولا يعني ذلك أنه يحْكم بصحة الحديث، إنما يحكم بأنّ
_________________
(١) "١" أورد رواية سعيد بن جبير وطاوس من طريقين في: ١/٣٥٠ ورواية ابن لهيعة في: ١/٣٥١.
[ ٣٥٣ ]
رجاله رجال الصحيح، ثم قد يكون الحديث صحيحًا، وقد يكون غير صحيح؛ ولهذا قال مرّةً في حديثٍ: "هذا باطل، والإسناد ثقات"١"!، وكذا قال مرّةً في حديثٍ: "وهذا باطل، والإسناد ثقاتٌ كلهم"٢"، وكذا قال: "كلهم ثقات، ولا أعلم له علةً"٣".
فالنتيجة أن عبارات الدَّارَقُطْنِيّ، رحمه الله تعالى، ليس بينها اختلاف -فيما يظهر لي- وكل ما في الأمر أنها تحتاج إلى فهم. والله أعلم.
_________________
(١) "١" أسئلة السهميّ: ق٢٤أ-ب. "٢" أسئلة السهميّ: ق٩أ-ب. "٣" سنن الدارقطني: ٢/١٨٢.
[ ٣٥٤ ]
*
الفصل الثاني
ذكر من تَكلَّم فيه الدَّارَقُطْنِيّ بجرح أو تعديل
في سننه على حروف المعجم
مقدمة:
وضعت هذا الفهرس للرواة الذين تكلّم فيهم الدَّارَقُطْنِيّ في "سننه" بجرح أو تعديل، مع ذكر ما قاله في كل راو منهم، وضعته على "السنن" للدارقطني طبعة السيد عبد الله بن هاشم اليماني.
ورتبته على حروف المعجم، وأمام كل اسم ما قاله فيه، فإن تعددت مواضعه في السنن ذكرتها. والدَّارَقُطْنِيّ أحيانا يتكلم في الراوي منفردا فيكون قوله نصا في التوثيق أو في التضعيف إذا لم يقترن بقرينة تصرفه عن ذلك، "وهذا النوع من كلامه أنقله بنصه فأقول: "ثقة" أو "ضعيف" أو "متروك"، ونحو ذلك. وأحيانًا يتكلم في الراوي مع جملة من الرواة -بالتوثيق أو التضعيف- وهذا لا يستلزم أن يكون كل واحد منهم بحيث لو سئل عنه الدَّارَقُطْنِيّ بمفرده قال فيه ذلك الحكم -كما تقدم قريبًا في الفصل الأول من هذا الباب- فقد يعد من هو ثقة في الجملة وفيه بعض الضعف مع جملة الثقات أو من هو ضعيف في الجملة، وله حظ من الثقة في جملة الضعفاء وهذا النوع أنقله بما يفيد معناه، ويفرق بينه وبين النوع الأول فأقول: وثَّقه
[ ٣٥٥ ]
أو ضعَّفه أو ذكره في جملة حفاظ أو ثقات.
ويدخل في هذا النوع الأخير كل راوٍ من رواة حديث صححه الدَّارَقُطْنِيّ أو حسَّنه أو ضعَّفه. فإذا قال الدَّارَقُطْنِيّ في حديث: صحيح فإني أفهرس رواة ذلك الحديث، وأقول في كل واحد منهم: صحَّح حديثه، أو صحَّحه.
وليس من لازم تصحيح الحديث توثيق جميع رواته، أو الحكم بالاحتجاج بهم -كما هو معلوم- لأنه ربما صحح الحديث على أنه صحيح لغيره، أو لوجود شاهد، أو متابعة لأحد رواته يجبر ضعفه.
وكذلك الحديث الذي يحكم بحسنه، فإنه يشترك مع الحديث الصحيح فيما ذكرته الآن.
والراوي عندما يأتي في، "سند الحديث، فإنه ليس من اللازم أن يأتي منسوبًا، بل يكون أحيانًا غير منسوبٍ إلى أبيه أو ما يميزه عن غيره ممن يشترك معه في الاسم. فيقال أحيانًا: "أبان" أو "صالح" أو "إبراهيم" إلخ، من غير تمييز له عن غيره.
وهذا يحتاج إلى كشف وبين، وقد حاولت -على كثرة الرواة المذكورين في الفهرس- أن أميز هذه الأسماء المطلقة ما استطعت، ولم يبق منها إلا قليل جدا كحجاج في بعض المواضع فإنه يحتمل أن يكون ابن أرطاة ويحتمل أن يكون ابن الشاعر وهما من طبقة واحدة واتفقا في بعض الشيوخ، ولم أجد فيها ما يميز أحدهما عن الآخر.
على أن المتبّع في فهرسة مثل هذه الأسماء أن تذكر حسب ورودها كما هي، من غير تصرّف في عبارة المؤلف. ولهذا فإني عندما أضيف تعريفًا لراوٍ
[ ٣٥٦ ]
ما ألتزم أن أضع عبارتي بين قوسين. كما قلت في الفهرس: "إبراهيم" "هو ابن إسحاق الحربي".
والأسماء المطلقة المتكررة تحتاج إلى التثبت في: هل هي لشخصٍ واحدٍ أو متعدد، مثل اسم "أيوب" جاء سبع مرات في الفهرس، فهل هو واحد أو متعدد؟ حاولت كشف ذلك، فإذا ظهر لي أنه واحد فإنني لا أكرر كتابة الاسم أمام كل موضع ذكر فيه في "السنن" وإذا لم يظهر لي ذلك أو اشتبه أو لم أتيقن الأمر فيه فإنني أكرّر كتابة الاسم أمام كل موضع، ورد فيه في الفهرس، ولا يضير بعد ذلك أن يكون شخصًا واحدًا، أو أكثر. وربما كرّرت الاسم"١" الواحد المميز إذا تكرَّر في "السنن" مرة مهملًا ومرة مقيدًا، وفي نهاية الفهرس، عملت فهرسًا خاصًا بالرواة المتروكين في "السنن" الذين نصَّ الدَّارَقُطْنِيّ في سننه على تركهم بقوله: "متروك" أو "متروك الحديث" أو "يضع الحديث"، أو "كذَّاب"، أو "ذاهب الحديث". متجوزا في التسوية بين مدلول هذه العبارات. إذ المقصود أنهم ساقطون لا يؤخذ حديثهم.
وأسأل الله ﷿ أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يكون خدمة طيبة لكتاب "سنن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ" يقابل ما بذلته فيه من جهد ووقت.
_________________
(١) "١" المقصود بالأسماء في كل ما تقدم ما ذكر في السنن بجرح أو تعديل.
[ ٣٥٧ ]