الاستحسان في اللغة: عد الشيء حسنًا.
وفي اصطلاح علماء اصول الفقه الحنفي يطلق بمعنيين:
الأول: المعنى الأعم: وهو كل دليل في مقابلة القياس الظاهر من كتاب أو سنة أو إجماع أو ضرورة أو قياس خفي.
المعنى الثاني: الأخص: وهو القياس الخفي، وقد غلب في الأصول أن يأتي بهذا المعنى (١) حتى ليظن كثير من الناس أن الاستحسان عند الحنفية خاص به.
مثال استحسان الكتاب والسنة: الترخيص في بيع السلم، فإنه في أصل القياس باطل لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل. لكن ثبت الترخيص به في النص وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَ[بِالسُنَّةِ] بحديث: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ
_________________
(١) بتصرف يسير عن " التوضيح والتلويح ": جـ ٢ ص ٨١، ٨٢، و" فواتح الرحموت ": جـ ٢ ص ٣٢٠، ٣٢١ نحوه في " التحرير " للكمال بن الهُمام وشرحه " التقرير والتحبير " لتلميذه ابن أمير الحاج: جـ ٣ ص ٢٢٢.
[ ٢٢ ]
مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» متفق عليه (١).
ومثال استحسان السنة: عقوبة الزاني المحصن بحد الرجم، فإن القياس أن يحد مائة جلدة قياسًا على البكر، لكن ثبت الرجم للمحصن بأحاديث " الصحيحين " على خلاف القياس.
ومثال استحسان الإجماع: الاستصناع: كأن يتعاقد مع الخياط على قميص كذا من قماش كذا بقيمة كذا، وهذا عقد صحيح عند الحنفية، مع أن «القياس يأبي عنه» كما قالوا، «إلا أنه انعقد الإجماع على جوازه في الصدر الأول، لأنهم كانوا يتعاملون به من غير نكير (٢).
ومثال استحسان الضرورة: طهارة الحياض والآبار بعد تنجسها، والقياس يقتضي أن الحياض والآبار إذا تنجست لا تطهر أَبَدًا، لبقاء الماء المنجس ولو قليلًا وكذلك أرضه نجسة. إلا أنه حكم بالطهارة للضرورة والوقوع في الحرج العظيم (٣).
حُجِّيَّةُ الاِسْتِحْسَانِ:
دار بين المتقدمين من العلماء نقاش كثير حول حُجِّيَّةِ الاستحسان ومشروعية العمل به، وأول من نقل إلينا كلامه في نقد الاستحسان هو الإمام الشافعي - ﵁ -، وذلك أنهم قالوا: إن الاستحسان إثبات للحكم الشرعي بالرأي المجرد، أو باتباع ما يستهوي النفس، وهو
_________________
(١) " البخاري " في أول (السلم): جـ ٣ ص ٨٥، و" مسلم ": جـ ٥ ص ٥٥.
(٢) " التوضيح والتلويح ": جـ ٢ ص ٨٢، و" التقرير والتحبير ": جـ ٣ ص ٢٢٢، و" فواتح الرحموت ": جـ ٢ ص ٣٢١.
(٣) انظر المراجع السابقة.
[ ٢٣ ]
ترك للقياس الذي هو حجة إلى ما ليس بحجة، وكل ذلك حرام لا يجوز في شرع الله تعالى، حتى إن الإمام الشافعي - ﵁ - قال: «مَنْ اِسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ» أي أن من أثبت حُكْمًا بأنه مستحسن عنده من غير دليل من الشارع فهو المشرع لذلك الحكم، حيث لم يأخذه من الشارع (١).
والحقيقة أننا إذا تأملنا حقيقة الاستحسان التي لخصاناها في تعريفه كما هو عند الحنفية لا نجد تَرَدُّدًا في قبوله والالتزام بحجيته، وذلك هو ما آل إليه عمل المحققين من مختلف المذاهب، وأسوق في ذلك هذا النص من كلام العلامة التفتازاني الشافعي المذهب فإنه يعبر عن جوهر القضية ببيان شاف وكاف، قال التفتازاني - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: (٢)
«والحق أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلًا للنزاع، إذ ليس النزاع في التسمية لأنه اصطلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وقال النبي - ﷺ -: «مَا رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» (٣).
ونقل عن الأئمة إطلاق الاستحسان في دخول الحمام، وشرب الماء من يد السقاء، ونحو ذلك وعن الشافعي - ﵀ - أنه قال:
_________________
(١) " حاشية التلويح " للتفتازاني: جـ ٢ ص ٢١ بتصرف يسير، وانظر " أصول السرخسي ": جـ ٢ ص ١٩٩، ٢٠٠.
(٢) " حاشية التلويح ": جـ ٢ ص ٨١.
(٣) الحديث موقوف على ابن مسعود من قوله. رواه أحمد في " المسند ": ٥/ ٢١١ رقم ٣٦٠٠ ط. شاكر، ووهم السخاوي في " المقاصد ": ص ٥٨١ رقم ٩٥٩ فقال: «وَوَهِمَ مَنْ عَزَاهُ إِلَى المُسْنِدِ»، وتبعه العجلوني: ٢/ ٢٤٥ ط. الرسالة، وعزاه في " مجمع الزوائد " لأحمد والطبراني في " الكبير " والبزار وقال: (١/ ١٧٧، ١٧٨) ط. بيروت: «رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ».
[ ٢٤ ]
«أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، واستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة».
وأما من جهة المعنى: فيلاحظ التفتازاني ملاحظة مهمة في الموضوع تبين سَبَبًا من الخلاف فيه، وهو اختلاف تعاريفهم للاستحسان، ومن ثم يخلص إلى هذه النتيجة فيقول (١): «ولما اختلفت العبارات في تفسير الاستحسان - مع أنه قد يطلق لغة على ما يهواه الإنسان ويميل إليه وإن كان مُسْتَقْبَحًا عند الغير، وكثر استعماله في مقابلة القياس - على الإطلاق - كان إنكار العمل به عند الجهل بمعناه مُسْتَحْسَنًا حتى يتبين المراد منه، إذ لا وجه لقبول العمل بما لا يعرف معناه».
وهذا الذي قاله السعد التفتازاني الشافعي يقرره لنا بإيجاز دقيق وواضح الفقيه والأصولي الحنبلي ابن اللحام الذي انتهت إليه رئاسة الحنابلة في زمنه فيقول (٢):
«الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص. وقد أطلق أحمد والشافعي القول به في مواضع.
وقال به الحنفية، وأنكره غيرهم، وهو الأشهر عن الشافعي، حتى قال: "مَنْ اِسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ ". ولا يتحقق استحسان مختلف فيه». انتهى.
_________________
(١) المرجع السابق: جـ ٢ ص ٨٢، وانظر " التقرير والتحبير ": جـ ٣ ص ٢٢٢، ٢٢٣ فقد أشار عدم ارتضائه هذا التوجيه، وكأنه لتقارب تعاريف الاستحسان، فيكون إنكار الاستحسان بسبب التخوف من إرادة المعنى اللغوي.
(٢) في كتابه " المختصر في أصول الفقه ": ص ٦٥.
[ ٢٥ ]
فهذه العبارة الأخيرة في كلام ابن اللحام مع تعريفه للاستحسان هي الفصل في الموضوع، فإنه بعدما استقرت الآراء على أن الاستحسان اسم لدليل متفق عليه، نَصًّا كان، أو إجماعًا، أوقياسًا خَفِيًّا إذا وقع في مقابلة قياس تسبق إليه الأفهام حتى لا يطلق على نفس الدليل من غير مقابلة فهو حجة عند الجميع من غير تصور خلاف.
ثم إنه غلب في اصطلاح الأصول على القياس الخفي خاصة، كما غلب اسم القياس على القياس الجلي، تمييزًا بين القياسين».
أَقْسَامُ الاِسْتِحْسَانِ وَالقِيَاسِ:
ولما أن الاستحسان لا يكون إلا لدى معارضة القياس فقد ضبط الحنفية العلاقات بين القياس والاستحسان بتقسيم دقيق، وذلك تارة باعتبار القوة والضعف وتارة باعتبار الصحة والفساد، ويتحصل من تفاصيل ذلك أقسام كثيرة (١) لا يتسع المجال ههنا لذكرها. لذلك نكتفي بالتقسيم الرئيسي وهو أن نقول:
إن الاستحسان ينقسم إلى قسمين: الأول ما خفي تأثيره، والثاني ما خفي فساده وظهرت صحته.
وينقسم القياس كذلك إلى قسمين: الأول ما ضعف تأثيره، والثاني ما ظهر فساده وخفيت صحته.
فإذا قابلنا كُلًاّ من قسمي الاستحسان وعارضناه بقسمي القياس كانت الأنواع أربعة.
_________________
(١) تبلغ بمقابلتها ببعضها ستة عشر قسمًا، كما في " مسلم الثبوت " وشرحه " فواتح الرحموت ": جـ ٢ ص ٣٢٤ وانظر تفاصيلها في " التوضيح " و" حاشية التلويح ": جـ ٢ ص ٨٢ - ٨٤.
[ ٢٦ ]
وأقوى هذه الأنواع الأربعة: القسم الأول من الاستحسان، وهو الذي قوي أثره فإنه مقدم على القسم الأول من القياس وهو القياس الضعيف الأثر.
ثم القسم الثاني من القياس وهو القياس الخفي الصحة، وهو مقدم على القسم الثاني من الاستحسان، وهو الاستحسان الخفي الفساد (١).
مثال القسم الأول: وهو الاستحسان الذي قوي أثره فقدم على القياس الذي هو ضعيف الأثر: سؤر سباع الطيور، وهو الماء الذي يبقي في الإناء بعد أن يشرب منه طائر من الطيور المفترسة:
القياس أن يكون هذا السؤر نَجِسًا، قِيَاسًا على سؤر سباع البهائم، لأن السؤر تابع في حكمه للحم الحيوان، ولحم سباع الطير حرام نجس عند الحنفية.
لكن الاستحسان يقضي بطهارة سؤر سباع الطير كسؤر الآدمي، فإن القياس على سؤر الآدمي أقوى من القياس الأول، وإن كان الأول أظهر، وسبب ذلك ضعف علة القياس وهي مخالطة الرطوبة النجسة للسؤر، وهذه العلة لا توجد في سباع الطيور، إذ تشرب بمنقارها فيخالط منقارها الماء، أما لعابها فلا يخالط الماء، والمنقار عظم طاهر، وملاقاة الطاهر للماء لا تنجسه، فكان من هذا الوجه كسؤر الآدمي لكن قالوا فيه بالكراهة لأنها لا تتحرز عن النجاسة، كالدجاجة المخلاة (٢).
_________________
(١) " التقرير والتحبير ": ج ٣ ص ٢٢٣، و" فواتح الرحموت ": ج ٢ ص ٣٢٢، وقارن بالخضري في كتابه " أصول الفقه ": ص ٣٦٧ الطبعة الرابعة، ففي بعض تفصيله نظر وهو اعتباره القسم الثاني من الاستحسان منزلة ثالثة في التقديم.
(٢) " التحرير " وشرحه " التقرير والتحبير ": جـ ٣ ص ٢٢٢، و" التوضيح " و" حاشية التلويح ": جـ ٢ ص ٨٢، و" فواتح الرحموت ": جـ ٢ ص ٣٢٢، ٣٢٣.
[ ٢٧ ]
مثال القسم الثاني: وهو القياس الذي هو خفي الصحة وتقديمه على الاستحسان الذي هو ظاهر الصحة خفي الفساد: سجدة التلاوة إذا قرئت آية السجدة في الصلاة هل تدخل في ركوع الصلاة؟
القياس أنها تؤدى بالركوع في الصلاة، لأن المقصود منها هو تعظيم الله تعالى مخالفة للمتكبرين من المشركين، ويدل على ذلك وقوع التداخل فيها، إذا قُرِئَتْ مِرَارًا في مجلس واحد، أو سُمِعَتْ مِرَارًا في مجلس واحد أجزأت سجدة واحدة. وهو قول الحنفية.
أما الاستحسان فيقضي أن لا يجوز كما هو قول الأئمة الثلاثة، قِيَاسًا على سجود الصلاة، لا ينوب عنه ركوعها، فكذا هذا أيضًا، لأن كُلًاّ منهما هو غير المأمور به.
لكن الحنفية رأوا هذا الاستحسان فاسدًا باطنًا، لأن كُلًاّ من الركوع والسجود مطلوب في الصلاة بطلب يخصه، فلا يتأدى أحدهما بالآخر، بخلاف سجدة التلاوة فإن السجود غير مقصود بالذات إنما المقصود هو التعظيم عند قراءة هذه الآيات وهو كما يحصل بالسجود يحصل بالركوع.
وقد يعترض على الحنفية بأن هذا يوجب أن تؤدى سجدة التلاوة بالركوع خارج الصلاة أيضًا؟
أجاب الحنفية عن هذا بأن الركوع لم يعرف قربة خارج الصلاة، والتعظيم إنما يكون بما هو قربة معتبرة شَرْعًا، فلا بد حينئذ من السجود (١).
_________________
(١) " التحرير " و" شرحه ": جـ ٣ ص ٢٢٤، و" التوضيح والتلويح ": جـ ٢ ص ٨٢، ٨٣، و" فواتح =
[ ٢٨ ]
و[يؤيد] (*) مذهب الحنفية في هذا ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة.
فعن ابن عمر: أنه كان إذا قرأ «النجم» و«اقرأ باسم ربك» في صلاة وبلغ آخرها كَبَّرَ وَرَكَعَ، وإن قرأها في غير صلاة سجد.
وعن ابن مسعود أنه سئل عن سجدة تكون في آخر السورة أيسجد لها أم يركع؟ قال: «إِنْ شِئْتَ فَارْكَعْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاسْجُدْ ثُمَّ اقْرَأْ بَعْدَهَا سُورَةً» (١).
قال المحقق ابن امير الحاج: «ولم يرو عن غيرهما خلافه، بل ذكره ابن أبي شيبة عن علقمة وإبراهيم والأسود وطاوس ومسروق والشعبي والربيع بن خُثيم وعمرو بن شرحبيل» (٢).
وهكذا ضبط الحنفية هذا النوع من أدلة الأحكام الشرعية، والذي يأتي بمثابة استثناء من الإطراد في الأحكام، فجعلوا هذا الاستثناء مُقَعَّدًا بقواعد ينظر فيها إلى الطرفين المتقابلين: نص في مقابلة القياس، أو قياس خفي في مقابلة القياس الجلي.
ونختم هذه اللمحة الموجزة بهذه الملاحظة القيمة التي أتوا بها حيث قالوا:
_________________
(١) = الرحموت ": جـ ٢ ص ٣٢٣.
(٢) قال في " فواتح الرحموت ": «وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآثَارِ فَحَسَنٌ».
(٣) " التقرير والتحبير " لابن أمير الحاج: جـ ٣ ص ٢٢٥، لكن الكمال بن الهُمام يرى أن هذه المسألة من باب تقديم الاستحسان لا القياس. ويرى ابن أمير الحاج أنه حيث وردت هذه الآثار في المسألة فهي من قبيل الاستحسان بالأثر أيضًا، كما أنها من قبيل الاستحسان بالقياس الخفي. وهي ملاحظة دقيقة جديرة بالاعتبار في هذه المسألة. [تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]: (يُؤَيِّدُ) وليس (يُؤَدِّي)، انظر أصل هذا الكتاب: مجلة مركز بحوث السنة والسيرة - دولة قطر: ٨ - ١٤١٥ هـ، ص ١٤٢.
[ ٢٩ ]
إن الاستحسان إن كان قياسًا خَفِيًّا يقابل القياس الجلي فإنه يتعدى إلى الصور الأخرى وسائر المسائل التي توجد فيها علة الاستحسان، أما إذا كان دليلًا آخر غير ذلك فلا يتعدى إلى غيره.
وسبب ذلك في القسم الأول أنه قياس، ومن شأن القياس التعدية، أما في القسم الثاني فإنه معدول به عن سنن القياس، وما كان معدولًا به عن سنن القياس فغيره عليه لا يقاس (١).
• • •
_________________
(١) " التنقيح " و" شرحه "، و" حاشية التلويح " عليه: جـ ٢ ص ٨٤، و" التحرير " و" شرحه ": جـ ٣ ص ٢٢٥، ٢٢٦، و" مسلم الثبوت " و" شرحه ": جـ ٢ ص ٣٢١، ٣٢٢.
[ ٣٠ ]