ذِكْرُ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهَا
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ اعْتَدَّتْ مِنْ زَوْجِهَا وَحَدَّتْ عَلَيْهِ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا حَنْظَلَةُ بْنُ عَامِرٍ بِأُحُدٍ، سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: اعْتَدِّي فِي بَيْتِكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَأَمَرَهَا بِاجْتِنَابِ الطِّيبِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ النِّسَاءُ اللَّاتِي قُتِلَ أَزْوَاجَهُنَّ بِأُحُدٍ، وَشَكَا نِسَاءُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ الْوَحْشَةَ فِي دُورِهِنَّ؛ لِفَقْدِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، فَأَمَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَتَحَدَّثْنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ حَتَّى يَرِدْنَ النَّوْمَ، فَتَرْجِعُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى بَيْتِهَا.
هَذَا السَّنَدُ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ وَشَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ السَّبْرِيُّ، غَيْرَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي مَسْكَنِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَخُرُوجُهَا مِنُهُ:
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا بَأْسَ بِانْتِقَالِهَا مِنْ مَسْكَنِهَا
إِلَى مَسْكَنٍ آخَرَ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
قُلْتُ: الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ إِذْنُ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ نَهَارًا إِلَى حَالَةِ النَّوْمِ، وَالنِّزَاعُ فِي الِانْتِقَالِ، لَا فِي التَّرَدُّدِ، وَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهَا لِلْحَاجَةِ، وَعَلَى هَذَا الْمَسَاقِ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَصِيرِ فِيهِ إِلَى النَّسْخِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ فِي حَدِيثِ
[ ١٨٣ ]
فُرَيْعَةَ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَسْكَنِهَا، وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَجَوَّزَ هَؤُلَاءِ خُرُوجَهَا نَهَارًا لِلْحَاجَةِ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَذِنَ لَهُنَّ فِي الِانْتِقَالِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ.
دَلِيلُ ذَلِكَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَافِظِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ، عَنِ الْفَارِعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْلَاجٍ وَكَانَتْ فِي دَارٍ قَاصِيَةٍ، فَجَاءَتْ وَمَعَهَا أَخَوَاهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرُوا لَهُ فَرَخَّصَ لَهَا حَتَّى إِذَا رَجَعَتْ دَعَاهَا، فَقَالَ: اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، قَالَ اللَّهُ - ﷿ - (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) الْآيَةَ، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِفُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وَكَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَامِلٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ، أَوْ كَبِيرَةً قَدْ بَلَغَتْ.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَقَامِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فِي مَسْكَنِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَخُرُوجُهَا مِنْهُ.
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَلَيْهَا أَنْ تَبِيتَ فِي مَنْزِلِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، هَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ،
[ ١٨٤ ]
وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ،
وَأَحْمَدَ، وَالنُّعْمَانِ، وَقَدْ رُوِّينَا أَخْبَارًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ تَدَلُّ عَلَى مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي.
أَخْبَرْنَاهُ أَبُو مَنْصُورِ بْنُ شِيرَوَيْهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ - ﷿ -: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) .
أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ، أَخْبَرَنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُمَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَوْجَهَا قُتِلَ عِنْدَ طَرَفِ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: الْقَدُومُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - تَسْتَأْذِنُهُ فِي الِانْتِقَالِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ: وَكَانَتْ فِي مَسْكَنٍ لَيْسَ لِزَوْجِهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَشَكَتْ إِلَيْهِ قِلَّةَ النَّفَقَةِ، قَالُوا: فَأَذِنَ لَهَا، فَلَمَّا أَدْبَرَتْ دَعَاهَا فَقَالَ: امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. فَفَعَلَتْ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ: ثُمَّ سَأَلَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَنْ شَأَنِهَا هَذَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ، وَفِي قَوْلِهِ - ﷺ -: حَتَّى يُبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ بَعْدَ إِذْنِهِ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ إِلَى أَهْلِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِ نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١٨٥ ]