فِي كَيْفيَّة السماع والتحمل وَضبط الرِّوَايَة وآدابها
وَفِيه مسَائِل - ﷺ َ - الأولى
تحمل الحَدِيث لَا يشْتَرط فِيهِ أَهْلِيَّة الرِّوَايَة فَلَو سمع فِي حَال صغره أَو حَال كفره أَو فسقه ثمَّ روى بعد بُلُوغه أَو إِسْلَامه أَو عَدَالَته قبل
وَمِمَّا علم أَن الصَّحَابِيّ تحمله قبل الْإِسْلَام ثمَّ رَوَاهُ بعد الْإِسْلَام حَدِيث جُبَير بن مطعم أَنه سمع النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ - ﷺ َ - الثَّانِيَة
اصْطلحَ أهل الحَدِيث على أَن يجْعَلُوا مَا سَمعه الصَّبِي لخمس سِنِين سَمَاعا وَمَا سَمعه لدوّنَ ذَلِك حضورا وتأنسوا فِي بِحَدِيث مَحْمُود بن الرّبيع أَنه عقل مَعَ النَّبِي ﷺ مجة مجها فِي وَجهه وَهُوَ ابْن خمس سِنِين من دلو
وَهَذَا لَيْسَ بِدَلِيل على أَن هَذَا السن وَقت صِحَة السماع وَمَا دونه لَيْسَ كَذَلِك لكنه رَاجع إِلَى الِاصْطِلَاح من الْمُتَأَخِّرين
وَالْمُعْتَبر فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ أَهْلِيَّة الْفَهم والتمييز حَيْثُ وجدت
[ ٢٧ ]
- ﷺ َ - الثَّالِثَة
وَقد ذكرنَا طرفا من كَيْفيَّة أَدَاء الرواي عَن الشَّيْخ الَّذِي سَمعه مِنْهُ من حَدثنَا أَو أخبرنَا أَو أَنبأَنَا أَو أجَاز لنا
وَمِمَّا وَقع فِي اصْطِلَاح الْمُتَأَخِّرين أَنه إِذا رُوِيَ كتاب مُصَنف بَيْننَا وَبَينه وسائط تصرفوا فِي أَسمَاء الروَاة وقلبوها على أَنْوَاع إِلَى أَن يصلوا إلأى المُصَنّف فَإِذا وصلوا إِلَيْهِ تبعوا لَفظه من غير تَغْيِير
وَهَذَا فِيهِ بحثان
أَحدهمَا أَنه يَنْبَغِي أَن يحفظ فِيهِ شُرُوط الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى
فقد رَأينَا من يعبر فِي هَذِه الرِّوَايَة بعبارات لَعَلَّ الْمَرْوِيّ عَنهُ لَو أَرَادَ التَّعْبِير عَنهُ لم يستجز ذَلِك أَو لم يستحسنه
فَهَذَا خَارج عَن الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فليراع ذَلِك
مِثَاله أَن يَقُول الشَّيْخ أخبرنَا فلَان عَن فلَان
فَيَقُول الرَّاوِي عَنهُ أخبرنَا فلَان قَالَ أخبرنَا الإِمَام الْعَلامَة أوحد الزَّمَان إِلَى غير ذَلِك من أَلْفَاظ التَّعْظِيم الَّتِي لوعرضت على الشَّيْخ قد لَا يختارها وَلَا يرى الْمَرْوِيّ عَنهُ أَهلا لَهَا
فَكيف يسوغ أَن يحمل عَلَيْهِ مَا يجوز أَن لَا يرَاهُ ثمَّ إِن هَذِه شَهَادَة لذَلِك الشَّخْص بِهَذِهِ الْمرتبَة وَقد أخبر هَذَا الرَّاوِي عَن شَيْخه بِهَذِهِ الْمرتبَة وَأَنه شَاهد بهَا
وَمن ذَلِك
أَن أَرْبَاب الْأُصُول اشترطوا فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى عدم الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّرْجَمَة والمترجم عَنهُ
ونرى بعض أهل الحَدِيث لَا يلْتَزم ذَلِك فيذكر الرِّوَايَة عَن شخص فيزيد
[ ٢٨ ]
فِيهِ تَارِيخ السماع إِذا كَانَ يُعلمهُ وَإِن لم يذكرهُ الشَّيْخ وَرُبمَا زَاد فِيهِ بِقِرَاءَة فلَان أَو بتخريج فلَان وَإِن لم يسمع ذَلِك أَو لم يقرأه
وكل هَذَا زِيَادَة على مَا تحمله لفظا أَو معنى وَلَا يجْرِي على قانون أهل الْأُصُول فلينتبه لذَلِك
الْبَحْث الثَّانِي الَّذِي اصْطَلحُوا عَلَيْهِ من عدم التَّغْيِير للألفاظ بعد وصولهم إِلَى المُصَنّف يَنْبَغِي أَن ينظر فِيهِ هَل هُوَ على سَبِيل الْوُجُوب أَو هُوَ اصْطِلَاح على سَبِيل الِاسْتِحْسَان
وَفِي كَلَام بَعضهم مَا يشْعر أَنه مُمْتَنع لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ لَهُ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فَلَيْسَ لَهُ تَغْيِير التصنيف
وَهَذَا كَلَام فِيهِ ضعف
وَأَقل مَا فِيهِ أَنه يَقْتَضِي تَجْوِيز هَذَا فِيمَا ينْقل من المصنفات الْمُتَقَدّمَة إِلَى أجزائنا وتخاريجنا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير للتصنيف الْمُتَقَدّم وَلَيْسَ هَذَا جَارِيا على الِاصْطِلَاح فَإِن الِاصْطِلَاح على أَن لَا تغير الْأَلْفَاظ بعد الِانْتِهَاء إِلَى الْكتب المصنفة سَوَاء رويناها فِيهَا أَو نقلناها مِنْهَا - ﷺ َ - الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة
من الْمُتَأَخِّرين من يتَسَامَح وَيَقُول
سَمِعت فلَانا يَقُول فِيمَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَو سمع من القارىء عله
وَهَذَا تسَامح خَارج عَن الْوَضع لَيْسَ لَهُ وَجه إِلَّا أَن يكون بتغيير اصْطِلَاح وَهُوَ أَن يَقع الِاصْطِلَاح على أَن يعبر بِهَذِهِ اللَّفْظَة عَن هَذَا الْمَعْنى
فَإِن كَانَ هَذَا الِاصْطِلَاح عَاما فقد يقرب الْأَمر فِيهِ وَإِن وَضعه هَذَا الرَّاوِي بِنَفسِهِ فَلَا أرى ذَلِك جَائِزا
وَرُبمَا قربه بَعضهم بِأَن يَقُول سَمِعت فلَانا قِرَاءَة عَلَيْهِ
[ ٢٩ ]
ولاشك أَن الِاصْطِلَاح وَاقع على قَول المؤرخين فِي التراجم
سمع فلَانا وَفُلَانًا من غير تَقْيِيده بِسَمَاعِهِ من لَفظه - ﷺ َ - الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة
جرت عَادَة الْمُتَقَدِّمين إِذا رووا كتابا عَن شيخ نسبوه فِي أول حَدِيث ثمَّ أدرجوا عَلَيْهِ اسْمه بِأَن يَقُول فِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث أخبرنَا فلَان وَلَا ينْسبهُ فَهَل يجوز لم روى عَن هَذَا الرَّاوِي أَن ينْسبهُ فِي بَقِيَّة الْأَحَادِيث إِن منعنَا الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لم يجز وَإِن أجزناها فقد يُمكن جَوَازه
وَحكى الْخَطِيب عَن أَكثر أهل الْعلم أَنهم أجازوه
وَالْأولَى عندنَا أَن يُقَال فِيهِ هُوَ فلَان ابْن فلَان أَو يَعْنِي فلَان ابْن فلَان - ﷺ َ - الْمَسْأَلَة السَّادِسَة
لأهل الحَدِيث نسخ بِإِسْنَاد وَاحِد تشْتَمل على أَحَادِيث عديدة فَإِذا أَرَادَ أَن يروي مِنْهَا وَاحِدًا فَهَل لَهُ إِفْرَاده من بَين مَا مَعَه من الْأَحَادِيث أم لَا
مِثَاله نُسْخَة همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة فَمُسلم ﵀ إِذا أوصل الْإِسْنَاد إِلَى همام وَقَالَ هَذَا مَا حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة عَن مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ يَقُول مُسلم فَذكر أَحَادِيث مِنْهَا وَقَالَ رَسُول الله ﷺ
وَهَذَا عندنَا من بَاب الأولى وَلَو أفرد بَعْضهَا لم يمْتَنع إِذا كَانَت الْعبارَة هَكَذَا
[ ٣٠ ]
- ﷺ َ - السَّابِعَة
اخْتِصَار الحَدِيث هَل يجوز أم لَا
وَإِن كَانَ اختصاره مِمَّا يُغير الْمَعْنى لَو لم يختصر لم يجز
وَإِن لم يُغير الْمَعْنى مثل أَن يذكر لفظين مستقلين فِي مَعْنيين فَيقْتَصر على أَحدهمَا فَالْأَقْرَب الْجَوَاز لِأَن عُمْدَة الرِّوَايَة فِي التجويز هُوَ الصدْق وعمدتها فِي التَّحْرِيم هُوَ الْكَذِب وَفِي مثل مَا ذَكرْنَاهُ الصدْق حَاصِل فَلَا وَجه للْمَنْع
فَإِن احْتَاجَ ذَلِك إِلَى تَغْيِير لَا يخل بِالْمَعْنَى فَهُوَ خَارج على جَوَاز الرِّوَايَة - ﷺ َ - الثَّامِنَة
تَارَة يقدمُونَ متن الحَدِيث على إِسْنَاده بِأَن يذكر لَفظه ثمَّ يَقُول أخبرنَا بِهِ فلَان ويسوق السَّنَد ثمَّ يَقُول بذلكم فِي آخِره
وَتارَة لَا يُقَال بذلك
فَهَل يجوز لمن سَمعه على هَذَا الْوَجْه أَن يذكر الْإِسْنَاد أَولا ويتبعه بذلك اللَّفْظ
قيل عَن بعض الْمُتَقَدِّمين إِنَّه جوزه وَهُوَ خَارج على الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى إِن لم تخل بِهِ - ﷺ َ - التَّاسِعَة
إِذا أخرج الشَّيْخ الْكتاب وَقَالَ أخبرنَا فلَان ويسوق السَّنَد فَهَل يجوز السَّامع ذَلِك مِنْهُ أَن يَقُول أخبرنَا فلَان وَيذكر الْأَحَادِيث كلا أَو بَعْضًا
الَّذِي أرَاهُ أَنه يجوز من جِهَة الصدْق فَإِنَّهُ تَصْرِيح بالإخبار بِالْكتاب
وَغَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه إِخْبَار جملي وَلَا فرق فِي معنى الصدْق بَين الإجمالي وَالتَّفْصِيل
[ ٣١ ]
نعم فِيهِ نظر من حَيْثُ
أَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن لَا يُطلق الْأَخْبَار إِلَّا فِيمَا قرىء وَيُسمى مثل هَذَا مناولة وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي بالمتعين من جِهَة الصدْق فَإِن أوقع تُهْمَة فقد يمْنَع مِنْهُ من هَذَا الْوَجْه - ﷺ َ - الْعَاشِرَة
إِذا روى الحَدِيث بِإِسْنَاد وَأتبعهُ بِإِسْنَاد آخر وَقَالَ مثله
فَهَل يجوز أَن يروي هَذَا الثَّانِي بِلَفْظ الأول
الظَّاهِر أَنه لَا يجوز وَهُوَ محكي عَن شُعْبَة أَنه كَانَ لَا يُجِيز ذَلِك
وَحكى عَن بَعضهم أَنه يُجِيزهُ إِذا عرف أَن الْمُحدث ضَابِط متحفظ يذهب إِلَى تَمْيِيز الْأَلْفَاظ وعد الْحُرُوف فَإِذا لم يعرف ذَلِك مِنْهُ لم يجز
قلت وَيشْتَرط أَن يكون مِمَّن يفرق بَين مَدْلُول قَوْله مثله وَبَين مَدْلُول قَوْله مثله أَو نَحوه
فَإِنَّهُ قد يتَسَامَح بعض النَّاس فِي ذَلِك وَكَثِيرًا مَا يعبرون عَن مثل هَذَا بِأَن يَقُولُوا مثل حَدِيث قبله
وأختار أَنا فِي ذَلِك إِذا قَالَ وبإسناده أَن يذكر الْإِسْنَاد الأول فَإِذا انْتهى إِلَى اللَّفْظ قَالَ فَذكر حَدِيثا ثمَّ قَالَ وبإسناده وَيذكر الْمَتْن
وَأما فِي الصُّورَة الأولى فأختار أَن يذكر الْإِسْنَاد الثَّانِي فَإِذا وصل إِلَى منتهاه قَالَ وَقَالَ مثله يَعْنِي مثل حَدِيث قبله وَيذكر الْمَتْن الأول - ﷺ َ - الْحَادِيَة عشرَة
إِذا كَانَ السماع على صفة فِيهَا بعض الوهن مثل مَا يحدث بِهِ فِي حَالَة
[ ٣٢ ]
المذاكرة فَلْيقل حَدثنَا فلَان مذاكرة لِأَن الْحِفْظ والمذاكرة تقع فيهمَا المساهلة
وَقَرِيب من هَذَا مَا إِذا سمع وَلم يُقَابل فليبين ذَلِك وَليقل مثلا أخبرنَا فلَان مَعَ الْحَاجة إِلَى الْمُقَابلَة أَو الْمُعَارضَة
فَإِن لم يفعل ذَلِك
فَإِن علم من نَفسه كَثْرَة النسْيَان وَالْخَطَأ لم يرو ذَلِك بِوَجْه إِلَّا بعد الْمُقَابلَة أَو بعد بَيَان آخر لِكَثْرَة الْخَطَأ فِي الْكِتَابَة
وَإِن كَانَ تغلب الصِّحَّة على الْكِتَابَة فقد يُقَال إِن الظَّاهِر عدم التَّغْيِير والمخالفة بعد الِاطِّلَاع على مَا فِي الأَصْل وَيكون الْبَيَان مُسْتَحبا
وَقد يُقَال أَن الأَصْل عدم وُقُوع هَذَا الْمَكْتُوب على وفْق الأَصْل حَتَّى يتَحَقَّق ذَلِك بالمقابلة - ﷺ َ - الثَّانِيَة عشرَة
إِذا رُوِيَ الحَدِيث عَن شَخْصَيْنِ وَلم يُمَيّز لفظ أَحدهمَا عَن الآخر فِي أثْنَاء الحَدِيث
فَإِن كَانَ ثقتين فَلَا بَأْس فَإِن الْحجَّة قَائِمَة بِرِوَايَة الْعدْل وَلَا تضرنا جهالته بِعَيْنِه بعد معرفَة ثقته
وَإِن كَانَ أَحدهمَا مجروحا لم يحْتَج بِلَفْظ معِين لاحْتِمَال أَن يكون عَن الْمَجْرُوح وَالله أعلم
[ ٣٣ ]