وَهُوَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ كَالصَّحِيحِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
وَهَذَا النَّوْعُ لَمَّا كَانَ وَسَطًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ، لَا (٣) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، عَسُرَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ وَضَبْطُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ وَذَلِكَ; لِأَنَّهُ أمرٌ نِسْبِيٌّ، (٤) يَنْقَدِحُ عِنْد الْحَافِظِ (٥)، رُبَّمَا تَقْصُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ (٦).
_________________
(١) ساقط من "ع".
(٢) انظر: "مقدمة ابن الصلاح" ص ١٧٤، و"شرح علل الترمذي" ١/ ٣٨٤، ١/ ٣٨٩، و"النكت" للزركشي ١/ ٣٠٤، و"التقييد والإيضاح" ص ٣٤، و"الشذا الفياح" ١/ ١٠٦، و"النكت لابن حجر" ١/ ٣٨٥، و"فتح المغيث" ١/ ١١٦، و"تدريب الراوي" ١/ ١٦٦.
(٣) في "ط"، "ع": إلا.
(٤) زاد في "ب": شَيء.
(٥) في "ب": الحفاظ.
(٦) قال الذهبي (الموقظة ص ٢٩): "ثم لا تَطمَع بأنَّ للحسنِ قاعدةً تندرج كلُّ الأحاديث الحِسان فيها، فأنا على إياسٍ من ذلك! فَكم مِن حديثٍ تردَّدَ فيه الحُفَّاظ: هل هو حسَن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظُ الواحدُ يتغيَّرُ اجتهادُه في الحديثِ الواحد: فيومًا يَصِفُه بالصحة، ويومًا يَصِفُه بالحُسْن، وَلَرُبَّما استَضْعَفَه! ".وانظر شرح الموقظة للعوني (ص ٥٤) فقد أجاد في شرح كلام الذهبي وفك عباراته جزاه الله خيرا
[ ١٠٧ ]
وَقَدْ تَجَشَّمَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ حَدَّهُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ (١): "هُوَ مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ (٢) وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ، قَالَ: وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَكْثَرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُهُ (٣) أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ".
(قُلْتُ): فَإِنْ كَانَ الْمُعَرِّفُ هُوَ قَوْلُهُ "مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ"، فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ كَذَلِكَ، بَلْ وَالضَّعِيفُ وَإِنْ كَانَ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، فَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُسَلَّمًا لَهُ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَدِيثِ مِنَ قَبِيلِ الْحِسَانِ، وَلَا هُوَ الَّذِي يَقْبَلُهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَيَسْتَعْمِلُهُ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.] (٤)
[تَعْرِيفُ التِّرْمِذِيِّ لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ]
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٥): "وَرُوِّينَا عَنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْحَسَنِ أَنْ لا يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَلَا يَكُونَ حَدِيثًا شَاذًّا، وَيُرْوَى (٦) مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
_________________
(١) معالم السنن ١/ ١١.
(٢) قال ابن حجر "النكت" ١/ ٤٠٥: " فسر القاضي أبو بكر بن العربي مخرج الحديث بأن يكون من رواية راوٍ قد اشتَهر برواية حديثِ أهلِ بلده، كقتادةَ في البصريين، وأبي إسحاق السبيعي في الكوفيين، وعطاء في المكيين وأمثالهم. فإن حديث البصريين مثلا إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفا، وإذا جاء عن غير قتادة ونحوه كان شاذا - والله أعلم -.".وانظر "عارضة الأحوذي" ١/ ١٤ - ١٥ وقال الزركشي: "النكت"١/ ٣٠٤: "احترز بقوله (عُرف مخرجه) عن المنقطع الذي لم يعرف مخرجه ".
(٣) في "ب": نقله.
(٤) ساقط من "ط"، "ع".
(٥) المقدمة ١٧٤
(٦) في "غراس": وقد يروى
[ ١٠٨ ]
وَهَذَا إِذَا كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَهُ، فَفِي أي (١) كِتَابٍ لَهُ قَالَهُ؟ وَأَيْنَ إِسْنَادُهُ عَنْهُ؟ «١»
وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ (٢) مِنْ اِصْطِلَاحِهِ فِي كِتَابِهِ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر]: قوله " ففي أي كتاب قاله إلخ"، رده العراقي في شرحه (ص ٣١ - ٣٢) فقال: " وهذا الإنكار عجيب! فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع [١]، وهي داخلة في سماعنا وسماع المُنكِر لذلك وسماع الناس "
ثم ذكر اتصالها للناس من طريق عبد الجبار بن محمد الجَرَّاحي عن أبي العباس المحبوبي صاحب الترمذي، وأنها لم تقع لكثير من المغاربة الذين اتصلت إليهم رواية المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وليست في روايته عن أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد، وليست في روايته، عن أبي علي السِنْجي، وليست في روايته، عن أبي العباس المحبوبي صاحب الترمذي.
قال: " ثم اتصلت [يعني رواية عبد الجبار بن محمد الجراحي التي فيها العلل] عنه بالسماع إلى زماننا، بمصر والشام وغيرهما من البلاد الإسلامية" أقول: وكلام الترمذي ثابت في سننه المطبوعة (ج ٢ ص ٣٤٠ طبعة بولاق) ونصه: "وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن: فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا. كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك -: فهو عندنا حديث حسن ".
وقال العراقي [٢] بعد نقل عبارة الترمذي: " فَقيّد الترمذي تفسير الحسن بما ذكره في كتابه الجامع، فلذلك قال أبو الفتح اليَعْمُرِي في شرح الترمذي [٣]: إنه لو قال قائل: إن هذا إنما اصطلح عليه الترمذي في كتابه هذا، ولم يقله اصطلاحا عاما -: كان له ذلك. فعلى هذا لا يُنقل عن الترمذي حد الحديث الحسن بذلك مطلقا في الاصطلاح العام ". [شاكر]
_________________
(١) ساقط من "ط".
(٢) في "غراس": وإن كان فهم
(٣) [٥/ ٧٥٨]
(٤) [ص ٤٥]
(٥) انظر "النفح الشذي"١/ ٢٠٥.ط. العاصمة
[ ١٠٩ ]
"الْجَامِعِ" فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
[تَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى لِلْحَسَنِ]
قَالَ الشَّيْخُ أبو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ (١) -﵀-: "وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ «١»: الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ ضَعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلٌ، هُوَ الْحَدِيثُ الْحَسَنُ، وَيَصْلُحُ لِلْعَمَلِ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَكُلُّ هَذَا مُسْتَبْهِمٌ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ مَا يَفْصِلُ الْحَسَنَ عَنْ الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ و(٢) الْبَحْثَ، فَتَنَقَّحَ لِي وَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ قِسْمَانِ:
(أَحَدُهُمَا): الْحَدِيثُ الَّذِي لَا يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ (٣) لَمْ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر]: قال العراقي في شرحه [١]: " أراد المصنف ببعض المتأخرين أبا الفرج بن الجوزي، فإنه قال هكذا في كتابيه: الموضوعات [٢] والعلل المتناهية. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الاقتراح [٣]: إن هذا ليس مضبوطا بضابط يتميز به القدر المحتمل من غيره. قال: وإذا اضطرب هذا الوصف لم يحصل التعريف المميز للحقيقة".] [شاكر]
_________________
(١) المقدمة ص ١٧٥. [قلنا] انظر "فتح المغيث" ١/ ١٢٢.
(٢) ساقط من "ط".
(٣) قال ابن الملقن في المقنع (١/ ٨٥): " في هذا نظر لأن الأصح أن رواية =
(٤) [ص ٤٥]
(٥) [١/ ٣٥]
(٦) [ص: ١٩٥]
[ ١١٠ ]
تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ، وَلَا هُوَ مُتَّهَمٌ (١) بِالْكَذِبِ، وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ قَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (٢)، فيَخْرُجُ «١» بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ شَاذًّا أَوْ مُنْكَرًا «٢» ثُمَّ قَالَ (٣) وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ يُتَنَزَّلُ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] في الأصل " يخرج " وصححناه من ابن الصلاح. [شاكر]
«٢» [شاكر]: أوردوا على القسم الأول: المنقطع والمرسل الذي في رجاله مستور ويروى مثله أو نحوه من وجه آخر. [١] وأوردوا على الثاني المرسل الذي اشتهر رواته بما ذكره. ويندفع ذلك باشتراط الاتصال مع ما تقدم. أفاده العراقي في شرحه [٢].
وأفاد بعض العلماء: أن الحسن أعم من الصحيح لا قسيم له. وهو ما كان من الأحاديث الصالحة للعمل، فيجامع الصحيح، ولا يباينه. وعلى هذا فلا إشكال في قول الترمذي: حسن صحيح، أوصحيح غريب. [شاكر]
_________________
(١) = المستور الذي لم تتحقق أهليته مردودة فكيف يُجعل ما يرويه من قسم الحسن ويُنزَّل عليه كلام الترمذي وليس في كلامه ما يدل عليه لكون الاحتجاج لم يقع به وحده ". وقال الشيخ الشريف حاتم في "خلاصة التأصيل" (ص ١٢): " من عرفت عدالته الظاهرة دون الباطنة، وهو المستور باصطلاح المتأخرين وحكمه القبول في الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم، وخاصة طبقة التابعين وكبارهم بالأخص، وطبقة المتأخرين من رواة النسخ "
(٢) في "غراس": "متهما"
(٣) ساقط من "ط".
(٤) أي ابن الصلاح في المقدمه ص ١٧٥
(٥) قال الألباني ١/ ١٣٣: هذا الإيراد صحيح ويمكن الانفصال منه بتقييد الوجه الآخر بأن يكون متصلا مسندا.
(٦) [ص ٤٥]
[ ١١١ ]
(قُلْتُ) لَا يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ. «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (١) (الْقِسْمُ الثَّانِي) (٢): أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَلَا يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مُنْكَرًا، وَلَا يَكُونُ الْمَتْنُ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا يُتَنَزَّلُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.
قَالَ: وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَجْمَعُ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو (٣): "ولَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِ الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقِ مُتَعَدِّدَةٍ كَحَدِيثِ "الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ" «٢» أَنْ يَكُونَ حَسَنًا; لِأَنَّ الضَّعْفَ
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= الأحَادِيثِ الصَالِحَة للعَمَل، فَيُجَامِع الصَّحِيح، ولا يباينه. وَعَلى هَذَا فَلا إِشكَال فِي قَولِ التّرمِذِي: حَسَن صَحِيح، أو صَحِيح غَريب. [شاكر]
«١» [شاكر] الذي يبدوا لي في الجواب عن هذا: أن الترمذي لا يريد بقوله في بيان معنى الحسن " ويروى من غير وجه نحو (ذلك) " أن نفس الحديث عن الصحابي يروى من طرق أخرى، لأنه لا يكون حينئذ غريبا، وإنما يريد أن لا يكون معناه غريبًا: بأن يُروى المعنى عن صحابي آخر، أو يعتضد بعمومات أحاديث أخر، أو بنحو ذلك مما يخرج به معناه عن أن يكون شاذا غريبا. فتأمل. [شاكر]
«٢» [شاكر] ملخص ما قاله العراقي هنا (ص ٣٧) [١]: أن حديث " الأذنان من الرأس" رواه ابن حبان في صحيحه [٢]، من حديث شهر بن حوشب عن أبي أُمامة =
_________________
(١) أي ابن الصلاح"المقدمه" ص ١٧٦
(٢) ساقط من "ع".
(٣) انظر المقدمة ص ١٧٨.
(٤) [ص ٥٠]
(٥) قال الحافظ ابن حجر [النكت: ١/ ٤١٥]: "وأما حديث: أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه - فقد أشار إليه شيخنا وقوله: إن ابن حبان أخرجه في صحيحه من رواية شهر عن أبي =
[ ١١٢ ]
يَتَفَاوَتُ، فَمِنْهُ (١) مَا لَا يَزُولُ في الْمُتَابَعَاتِ، يَعْنِي لَا يُؤَثِّرُ كَوْنُهُ تَابِعًا أَوْ مَتْبُوعًا، كَرِوَايَةِ الْكَذَّابِينَ وَالْمَتْرُوكِينَ، وَمِنْهُ ضَعْيفٌ يَزُولُ بِالْمُتَابَعَةِ، كَمَا إِذَا كَانَ رَاوِيهِ سَيِّئَ الْحِفْظِ، أَوْ رَوَى الْحَدِيثَ مُرْسَلًا، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ تَنْفَعُ حِينَئِذٍ، وَيُرْفَعُ (٢) الْحَدِيثُ عَنْ حَضِيضِ الضَّعْفِ إِلَى أَوْجِ الْحُسْنِ أَوْ الصِّحَّةِ «١» وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= مرفوعا. و" شهر" ضعفه الجمهور. ورواه أبو داود في سننه [رقم ١٣٤] موقوفا على أبي أمامة، والترمذي [في سننه رقم ٣٧] وقال: هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم. وقد روي من حديث جماعة من الصحابة، جمعهم ابن الجوزي في العلل المتناهية [١]، وضعفها كلها [٢]. [شاكر]
«١» [شاكر] وبذلك يتبن خطأ كثير من العلماء المتأخرين، في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى الى درجة الحسن أو الصحيح. فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع: ازداد ضعفا إلى ضعف، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم: يرفع الثقة بحديثهم، ويؤيد ضعف روايتهم. وهذا واضح. [شاكر]
_________________
(١) ساقط من "ع".
(٢) في "غراس": "وترفع"
(٣) قال الإمام ابن سيد الناس في أجوبته الحديثية لابن أيبك ص ١١٠ - ١١٢: = = أمامة - ﵁ - فيه نظر، بل ليس هو في صحيح ابن حبان البتة، لا من طريق أبي أمامة ولا من طريق غيره، بل لم يخرج ابن حبان في صحيحه لشهر شيئا."اهـ
(٤) قال ابن حجر "النكت" ١/ ٤١٠: "وقد راجعت "كتاب العلل المتناهية" لابن الجوزي، فلم أره تعرض لهذا الحديث، بل رأيته في كتاب التحقيق له قد احتج به وقواه فينظر في هذا".
(٥) انظر تخريج الحديث في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية"١/ ٢٠ - ٢٢، "نصب الراية"١/ ١٨
[ ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= " وأما الحديث الضعيف إذا روى من عدة طرق فهل يَقْوى بذلك أم لا؟
والجواب: إما أن يساوي المتابِع الراوي الأول في ضعفه، أو يكون منحطا عنه، فأما الانحطاط فلا يفيد المتابعة شيئا البتة. وأما مع المساواة فقد يُقَوِى لكنها قوة لا تُخرجه عن مرتبة الضعيف، بل الضعف متفاوت، فيكون الضعيف الفرد موضوعا في مرتبة تنحط عن مرتبة الضعيف الموجود من غير طريق، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح.
وأما إن كان المتابِع أقوى من الراوي الأول، أو أفادت متابعته ما رفع شبهة الضعف عن الطريق الأول فلا مانع من القول بأنه يصير حسنا.
ويوضح ذلك قول ابن الصلاح: "الثاني: لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع كونها قد رُويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة؛ مثل حديث "الأذنان من الرأس "ونحوه فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؟
وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك؛ بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة -إذا توبع بما يرفع الشبهة عن سوء حفظه- فهذا هو الحسن باتفاق، وأما قبل المتابعة فيدخل في قسم الحسن أيضا على رسم الترمذي؛ لأنه عَرَّف الحسن بأنه "الذي لا يُتهم راويه بالكذب "، والفرض أن راوي هذا من أهل الصدق والديانة. وضعف الحفظ نقله-على هذا -من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن.
وأما قوله (يقصد ابن الصلاح) في المُضَعَّفِ من حيثُ الإرسال بأن يرسل الخبرَ إمامٌ حافظٌ "قال فإن ذلك الضعف يزول بروايته من وجه آخر"؛ فنقول: لم يشترط في الوجه الآخر، أن يكون عن ثقة ولا أقل منه، في مقاومة إرسال الإمام الحافظ كما ذكرتم، إذا كان كذلك فأرسل الخبر حافظ وأسنده ثقة، فإنه يزعم أن الحكم للإسناد، فإن ادعى ذلك لأن الإسناد زيادة، وقد جاءت عن ثقة فسبيلها أن تقبل فلذلك وجه من النظر، وإن زعم أن هذا مصطلح أهل هذا الشأن فليس كذلك على الإطلاق. =
[ ١١٤ ]
[التِّرْمِذِيُّ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ]
قَالَ (١): "وَكِتَابُ التِّرْمِذِيِّ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الَّذِي نَوَّهَ بِذِكْرِهِ، وَيُوجَدُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ (٢)، كَأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ «١»، وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُ، كَالدَّارَقُطْنِيِّ (٣).
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] تعبير المؤلف هنا يوهم أن الترمذي من تلاميذ أحمد بن حنبل. وليس كذلك، فإنه لم يلق أحمد ولم يرو عنه، وإن كان من طبقة تلاميذ أحمد الكبار، كالبخاري، وروى عن شيوخ من طبقة أحمد أيضا. وعبارة ابن الصلاح [المقدمة ص ١٨٠] هنا أجود، إذ قال: "ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله، كأحمد والبخاري وغيرهما ". [شاكر]
_________________
(١) = وأما خبر لا علة له؛ إلا أن إماما حافظا أرسله، وقد تبين من وجه آخر إسناده، وقد لزمه في الوجه الآخر أن يكون عن ثقة ولا بد، فهذا ينبغي أن يكون صحيحا على مذهبه في أن المسند الثقة مقدم على المرسل ولا علة في هذا إلا الإرسال وقد انتفت".
(٢) يعني ابن الصلاح في المقدمة ص ١٨٠.
(٣) في "ط": كمشايخه.
(٤) استعمل كثير من المتقدمين الحسن بمعان مختلفة ومن أجود من حرر هذه المعاني ومرادهم منها فضيلة الشيخ طارق عوض الله في كتابة الماتع "النقد البناء لحديث أسماء" ص ٢٠٩ - ٢٤٠، وفضيلة الشيخ ربيع بن هادى في كتابه "تقسيم الحديث "، وكتاب "القول الحسن" للشيخ أحمد أبو العينين، و"الحسن بمجموع الطرق"لعمرو سليم، وكذلك الكتاب الماتع "الحديث الحسن لذاته ولغيره " لخالد الدريس فقد شفى وكفى.
[ ١١٥ ]
[أَبُو دَاوُدَ مِنْ مَظَانِّ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ]
قَالَ (١): "وَمِنْ مَظَانِّهِ سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهَنٌ شَدِيدٌ بَيَّنْتُهُ، وَمَا لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ، وَبَعْضُهَا أَصَحُّ (مِنْ بَعْضٍ) (٢) ".
قَالَ (٣): "وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ أَصَحَّ مَا عَرَفَهُ فِيهِ".
(قُلْتُ): وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ هُوَ حَسَنٌ.
قَالَ اِبْنُ الصَّلَاحِ (٤): "فَمَا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِهِ مَذْكُورًا مُطْلَقًا وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَا نَصَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَحَدٌ، فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ".
(قُلْتُ): الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِكِتَابِهِ "السُّنَنِ" كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِهَا مِنَ الْكَلَامِ، بَلْ وَالْأَحَادِيثِ، مَا لَيْسَ فِي الْأُخْرَى وَلِأَبِي عُبَيْدٍ الْآجُرِّيِّ عَنْهُ أَسْئِلَةٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (٥)، وَالتَّصْحِيحِ وَالتَّعْلِيلِ، كِتَابٌ مُفِيدٌ وَمِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ وَرِجَالٌ قَدْ ذَكَرَهَا فِي سُنَنِهِ فَقَوْلُهُ "وَمَا سَكَتَ عَلَيْهِ (فَهُوَ حَسَنٌ"، مَا سَكَتَ عَلَيْهِ) (٦) فِي سُنَنِهِ فَقَطْ؟ أَوْ مُطْلَقًا؟
_________________
(١) المقدمة ص ١٨١.
(٢) ساقط من "ب". وانظر "رسالة أبي داود لأهل مكة"ص ٢٧ طبعة الصباغ، وتاريخ بغداد ١٠/ ٧٥، وتهذيب الكمال ١١/ ٣٦٤.
(٣) المقدمة ص ١٨١.
(٤) المقدمة ص ١٨٢.
(٥) طبع جزء منه بتحقيق الدكتور عبد العليم البستوي
(٦) ساقط من "ط".
[ ١١٦ ]
هَذَا مِمَّا يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالتَّيَقُّظُ لَهُ «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] قال العراقي [١] (ص ٤٠ - ٤١): " وهو كلام عجيب! وكيف يحسن هذا الاستفسار بعد قول ابن الصلاح: إن مظان الحسن سنن أبي داود؟ فكيف يحتمل حمل كلامه على الإطلاق في السنن وغيرها؟ وكذلك لفظ أبي داود صريح فيه، فإنه قال: ذكرت في كتابي هذا الصحيح، إلى آخر كلامه. وأما قول ابن كثير: من ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه، إن أراد به أنه ضعفَ أحاديث ورجالًا في سؤالات الآجُري وسكت عليها في السنن، فلا يَلْزَم من ذكره لها في السؤالات بضعفٍ أن يكون الضعف شديدًا، فإنه يسكت في سننه على الضعف الذي ليس بشديد، كما ذكره هو.
نعم إن ذكر في السؤالات أحاديث أو رجالًا بضعف شديد وسكت عليها في السنن، فهو وارد عليه، ويحتاج حينئذ إلى جواب. والله أعلم ".
أقول: الظاهر أن الحافظ العراقي لم يفهم كلام ابن كثير عل وجهه الصحيح. فإن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود، ولعله سكت عن أحاديث في السنن وضعفها في شيئ من أقواله الأخرى، كإجابته للآجُري في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل. فلا يصح إذا أن يكون ماسكت عنه في السنن وضعفه في موضع آخر من كلامه -: حسنًا، بل يكون عنده ضعيفًا، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم كلام ابن الصلاح. واعتراض ابن كثير صحيح واضح
وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا، اتباعًا لقاعدته التي صار عليها، من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته. وقد رددنا عليه فيما مضى (في الحاشية رقم ١ ص ٤٠). [شاكر]
_________________
(١) في: "التقييد والإيضاح"
[ ١١٧ ]
[كِتَابُ الْمَصَابِيحٍ لِلْبَغَوِيِّ]
قَالَ (١): "وَمَا يَذْكُرُهُ الْبَغَوِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْمَصَابِيحِ" مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا أَخْرَجَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَأَنَّ الْحَسَنَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَشْبَاهُهُمَا، فَهُوَ اِصْطِلَاحٌ خَاصٌّ، لَا يُعْرَفُ إِلَّا لَهُ.
وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ (٢) ذَلِكَ لِمَا فِي بَعْضِهِمَا (٣) مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ «١».
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] البغوي: هو الحافظ محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفرَّاء البغوي، مات سنة ٥١٦ عن نحو ٨٠ سنة. وله ترجمة في تذكرة الحفاظ (٤: ٥٢ - ٥٣). وكتابه المشار إليه هنا هو (مصابيح السنة). عنى العلماء بشرحه على الرغم مما فيه من الاصطلاح غير الجيد الذي أنكره عليه النووي وغيره. وقال العراقي (ص ٤١) [١]: " أجاب بعضهم عن هذا الإيراد، بأن البغوي بيَّنَ في كتابه (المصابيح) عند كل حديث كونه صحيحًا أو حسنًا أو غريبًا. فلا يرد عليه ذلك.
قلت: وما ذكره هذا المجيب عن البغوي، من أنه يذكر عقب كل حديث كونه صحيحًا أو حسنًا أو غريبًا، ليس كذلك. فإنه لا يبين الصحيح من الحسن فيما أورده من السنن، وإنما يسكت عليها. وإنما يبين الغريب غالبًا، وقد يبين الضعيف. وكذلك قال في خطبة كتابه: وما كان فيها من ضعيف غريب أشرت إليه. انتهى.
فالإيراد باق في مزجه صحيح ما في السنن بما فيها من الحسن. وكأنه سكت عن بيان ذلك لاشتراكهما في الاحتجاج به ". [شاكر]
_________________
(١) "انظر المقدمة ص ١٨٢.
(٢) انظر التقريب مع التدريب ١/ ١٧٩.
(٣) في "ب": في بعض السنن.
(٤) في: "التقييد والإيضاح"
[ ١١٨ ]
[صِحَّةُ الْإِسْنَادِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا صِحَّةُ الْحَدِيثِ].
قَالَ (١): "وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَوْ (٢) الْحُسْنِ عَلَى الْإِسْنَادِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ (٣) الْحُكْمُ بِذَلِكَ على الْمَتْنِ (٤)، إِذْ قَدْ يَكُونُ شَاذًّا أَوْ مُعَلَّلًا" (٥).
[قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ حَسَنٌ صَحِيحٌ] (٦).
قَالَ (٧): "وَأَمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ "هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ" فَمُشْكِلٌ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَالْمُتَعَذِّرِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ إِسْنَادَيْنِ حَسَنٍ و(٨) صَحِيحٍ.
(قُلْتُ): وَهَذَا يَرُدُّهُ أَنَّهُ يَقُولُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ" (٩).
_________________
(١) انظرالمقدمة ص ١٨٤.
(٢) في "ب": و.
(٣) ساقط من "ب".
(٤) في "ب": اليمين!
(٥) قال ابن القيم في الفروسية (١٨٦ ط. عالم الفوائد): "صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث وليست موجبة لصحته فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها صحة سنده وانتفاء علته وعدم شذوذه ونكارته وأن لا يكون روايه قد خالف الثقات أو شذ عنهم"
(٦) انظر شرح علل الترمذي (١/ ٣٨٥ - ٣٩٤)، وهو من أفضل من شرح كلام الترمذي ونوه على مقاصده.
(٧) انظر المقدمة ص ١٨٥.
(٨) في "ط": أو
(٩) انظر "سنن الترمذي" حديث رقم (١٩٥٧)، (٣١٩٦)، (٣٢٤٠)، (٣٥٧٨)، (٣٧٢٤).
[ ١١٩ ]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ الْمَتْنِ، صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ (وَفِي هَذَا نَظَرٌ أَيْضًا) (١)، فَإِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ (٢) مَرْوِيَّةٍ فِي صِفَةِ جَهَنَّمَ، وَفِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي «١» أَنَّهُ يُشَرِّبُ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ عَلَى (الْحَكم)
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
«١» [شاكر] رده العراقي في شرحه (ص ٤٧) [١]، فقال: " والذي ظهر له تحَكُّمٌ لا دليل عليه. وهو بعيد مِنْ فَهم معنى كلام الترمذي، والله أعلم." [٢]
وقال الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة: أوقعهم في هذه الحَيْرةِ جَعْلُهُم الحسن قَسِيم الصحيح فورد عليهم وصف الترمذي لحديثٍ واحدٍ بأنه حسن صحيح، فأجاب كلٌ بما ظهر له.
والذي يظهر أن الحسن في نظر الترمذي أعمُّ من الصحيح، فيجامعه وينفرد عنه، وأنه في معنى المقبول المعمول به، الذي يقول مالك في مثله: "وعليه العمل ببلدنا ". وما كان صحيحًا ولم يُعمل به لسبب من الأسباب، يسميه الترمذي " صحيحًا" فقط. وهو مثل ما يرويه مالك في موطئه ويقول عقبه: " وليس عليه العمل [٣] ". وكأن غرض الترمذي أن يجمع في كتابه بين الأحاديث وما أيدها من =
_________________
(١) ساقط من "ع".
(٢) في "ب" زيادة لا تناسب السياق: في أحاديث تشرب الحكم
(٣) في: "التقييد والإيضاح"
(٤) زاد الحلبي هنا: [أقول: لماذا لا يقبل قوله ويستساغ؟ والمسألة في أصلها اجتهادية].ولم يفصلها عن بقية الكلام.
(٥) قال الألباني ١/ ١٤١: هذا منتقض بقول الترمذي (١/ ٣٦٦ - شاكر) في حديث الترجيع: "حديث صحيح وعليه العمل بمكة وهو قول الشافعي". وقوله في حديث الركعتين قبل الظهر وبعدها (٢/ ٤٣١): "حديث صحيح" وقوله (٢/ ٤٣١) في حديث أنس في صلاته ﷺ ركعتين بذي الحليفة: "حديث صحيح". وذكر مثله (٢/ ٥٧ - تحفة) في حديث صوم عاشوراء وقال فيه: "والعمل على هذا عند أهل العلم". =
[ ١٢٠ ]
بالحُسن كَمَا يُشَرِّبُ الْحُسْنَ بِالصِّحَّةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا يَقُولُ فِيهِ "حَسَنٌ (صَحِيحٌ) " أَعْلَى رُتْبَةً عِنْدَهُ مِنَ الْحَسَنِ، وَدُونَ الصَّحِيحِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ عَلَى الْحَدِيثِ (بِالصِّحَّةِ) (١) الْمَحْضَةِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ مَعَ الْحُسْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______ [شرح أحمد شاكر ﵀] ______
= عمل القرون الفاضلة من الصحابة ومن بعدهم. فيسمي هذه الأحاديث المؤيدة بالعمل حسانًا، سواء صحت أونزلت عن درجة الصحة، وما لم تتأيد بعملٍ لا يصفها بالحُسْنِ وإن صحت.
هذا الذي يظهر قد استفدناه من مذاكرة بعض شيوخنا ومجالستهم. [شاكر]
_________________
(١) كل ما بين القوسين مطموس في "ط". = وفي حديث سعد في التمتع بالعمرة (٢/ ٨٢) وقال بعده: " وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق".
[ ١٢١ ]